← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

من ذلك أنه برغم ما رأيته يكاد يمزق قلوبهم من غلواء الوجد وبرحاء الكمد وبرغم زفرة لهم ترقي. وعبرة لهم لا ترقا. كانوا لا يستطيعون مطاوعة عقولهم على الماء تلك الأثقال عند ما بلغوا الكثيب. ولكنهم بعد قليل من المحاولة - محاولة المشاقل المتكرد - هزوا رؤوسهم ورجعوا بأثقالهم أشد ثقلاً. وأفدح حملاً. وأبصرت كثيراً من العجائز يلقين تغاضين وجوههن وكثيراً من الفتيات يلقين سمر جلودهن. ورأيت كوماً من أنوف حمراء. وأسنان قلحاء. وشفاه فلحاء. والعجب العجاب أنى رأيت معظم الجبل مؤلفاً من عاهات بدنية. وآفات جسدية. ثم لمحت من بعيد رجلاً على ظهره حمل لم أر في سائر الأحمال ما يدانيه عظماً فألعمت النظر فإذا هي حدبة فألقاها فرحاً بذلك بين سائر البلايا الآدمية. ورأيت كذلك عللاً وأمراضاً من كل ضرب وصنف غير أنى رأيت الوهمي من ذلك أكثر من الحقيقي. وشاهدت بين هذه نوعاً قد ألف من جميع الأمراض والعلل يحمله في الأكف عدد عظيم من ذوي النعمة والرفاهية واسم هذا الداء الملل. وأعظم عجبي وحيرتي أنى لم أر أحداً قط ألقى بين هذه الآفات والمصائب شيئاً مما ابتليت به نفوس البشر من الرذائل والحماقات والأضاليل. والنقائص والسخافات والأباطيل. فأدهشني ذلك أيما إدهاش إذ كنت قد ظننت أنها فرصة لا يدعها أحد حتى يطهر نفسه من أدران الأهواء والشهوات. ويخلص طبعه من أكدار العيوب والعورات. ورأيت في الجماعة رجلاً فاسقاً لم أشك في أنه جاء مثقلاً بأوزاره وآثامه. فلما أقبلت على ما رماه أفتشه ألفيت أنه لم يرم شيئاً من تلك الذنوب والحوب وإنما رمى ذاكرته وتبعه رجل ساقط جاهل فنظرته فإذا هو قد نبذ حياءه لا جهله. ولما فرغ الناس من طرح أثقالهم وفرغت الجنية النحيلة الخفيفة من عملها وكانت قد رأت مني رجلاً ينظر ولا يعمل دنت منى فقلت لذلك فلم يرعني إلا رفعها المجهر إزاء عيني وكنت أعرف في وجهي القصر فإذا هو قد تناهي قصراً حتى عاد أبشع شيء فساءني منظره فألقيته كما يلقي القناع. وكنت قبل ذلك ببرهة أبصرت رجلاً رمى بوجهه لفرط طوله وكان أطول وجه حتى لذقنه وحدها تطول وجهي بأكمله فاستراح من مصيبته واسترحت واستراح الخلق طراً. وأطلق لكل امرئ أن يستبدل ببلواه محنة غيره. على أنه لم يبق في الجمع إلا متعجب من هذه المحن كيف عدّها أهلها محناً وكيف كان قد

стр. 737

غرّ بها وخدع فيها فحسبها نعماً وفوائد وبينا نحن نتأمل خليط المصائب. ومزيج النوائب. صدر أمر إلا له الأكبر أن يستبدل كل امرئ بمصابه ويرجع إلى مثواه بحظه الجديد. عند ذلك تحركت الوهم وقسمت الكثيب في أخف نشاط وأكمل سرعة فأعطت كلاً نصيبه وكأني باليراع يعجز أن ينعت ما حدث إذ ذاك من هرج ومرج ثم كانت أمور كثيرة أذكر الآن بعضها: رمي شيخ كبير على كثيب المصائب علة كانت في بطنه وكان عاقراً يتمني ولداً يكون عماد شيخوخته ووارث ثروته فمدّ يده ليعتاض من دائه الذي طرحه فاختطف ولداً فاجراً عاقاً كان آفة أب له وكان ذلك الأب قد نبذه في النبائذ يريد به بدلاً وقد أخذ بدله مرض البطن الذي رمي به الرجل الأول. فلم تمض إلا برهة حتى رأيت ذلك الغلام قد ثار بالشيخ الكبير فأخذ بلحيته وناصيته وهم أن يفلق رأسه. فما هو إلا أن أبصر الأب الأصلي وكان يسعي نحوه ممسكاً بحشاه من وجع المعدة حتى صاح به يرحمك الله وإيانا خذ ولدك بارك الله لك فيه وأعطني علتي ولكن قضى الأمر وكان مالا يكون تبديله. ولا يستطيع تحويله. يا ابن بوران لا مفرّ من الله ولا من قضائه المحتوم ورأيت أسيراً مقيداً خلع قيده. وقلع صفده. فاعتاض منه النقرس. ولكن أبدى من التأوه والتأفف والتلوّي والتنزي ما دل على أنه لم يكن في تجارته تلك بالرابح الصفقة. ولقد كان من الممتع اللاذ أن تبصر ما وقع إذ ذاك من المبادلات والمقايضات من علة بخلة وجوع بفقدان شهوة وهم وتسهيد بأسر وتقييد. أما النساء فكن من تبادل الأعضاء - أعضاء الوجه والجسم - في شغل شاغل فواحدة تستعيض لمة شمطاء من جلدة سمراء. وثانية تأخذ عنقاً قصيراً وتعطى أنفاً كبيراً. وثالثة ترمي عرضاً مفضوحاً. وتلتقط وجهاً مقبوحاً. وما منهن إلا من تدرك في الحال أنها اعتاضت من سيء أسوأ ومن رديء أردأ وكذلك حال سائر الجمع في كل بلية وآفة لعله لأن ما أصابنا به الله مناسب لمقدار صبرنا واحتمالنا أو لأن كل مصيبة تذللها العادة. فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت ولقد رحمت من صميم مهجتى ذلك الأحدب الآنف الذكر إذ راح معتدل القامة وافي الشطاط لكن بداء في كلاه. وعلة في حشاه. كما رحمت معاقده ومبايعه الذي راح محدودب الظهر

стр. 738

يظلع وسط سرب من الفتيات كن قبل ذلك به مولعات. وفيه هائمات. ولست ناسياً ذكر شأني وشأن ذي الوجه الطويل فإن ذلك الرفيق ما كاد يأخذ وجهي القصير حتى أضحى فيه أعجوبة الأعاجيب فاستلقيت ضاحكاً من وجهي حتى أخجلت وجهي وأدرك الرجل المسكين خطيئته. وعرف غلطته. فخجل واستحي. غير أنى ما لبثت أن فئت إلى نفسي فعلمت أنه ليس لي أن أزهي وأختال وأسخر من الغير وأنا سخرة وأضحك منهم وأنا ضحكة وإن لى في غرابة هيئتى لشغلاً عن اللهو بهيئات الناس ومندوحة وذلك أيها القارئ أنى رفعت يدي أريد في وجهي أريد إحدى عيني صكت يدي أنفى لبروزه وضخامته مراراً. ثم نظرت ناحية منى فأبصرت رجلين في مثل حالنا من السخرية قد أحدثا تبادلاً فى زوجين من الأرجل زوج غليظ أعوج قصير. وزوج طويل نحيل. فكان صاحب الرجلين النحيلتين كأنما قد رفع في الهواء على عمودي بيت فهامته تدور مع الريح حيثما دارت وأما صاحب الرجلين العوجاوين القصيرتين فكلما حاول السير دار في مكانه لا يبرحه. ولما رأيت على محياه سيما الحلم والظرف والفكاهة أقبلت عليه أمازحه فقلت له سأجعل لك كذا وكذا إن استطعت أن تبلغ هذا ورسمت له خطاً على مسافة ذراعين مرسى قدميه في مدة نصف ساعة. وأخيراً تم توزيع كثيب المحن والآفات على أهلها من ذكر وأنثي. وأقبلوا جميعاً تحت أثقالها الجديدة رزحاً حسرى. ولها حيرى. وقد ملؤا السهل والحزن ضجة وأنيناً ورنة وحنيناً. ثم أدركتهم رحمة الله فأمرهم بطرح أثقالهم كرة أخرى فألقوها فرحين بإلقائها مسرورين. وأمر الوهم تلك الشيطانة التي غررت بهم وضللتهم أن تنصرف فانصرفت وأرسل الإله بدلها ملكاً كريماً جد مخالف لها هيئة وشكلاً. مباين لها خلقاً وخلقاً. رزين الحركة ثابت الحال قد جمع في هيئته بين الطلاقة والجد والوقار والبشر لا ينفك من حين إلى آخر يرفع نحو السماء طرفه ويسمو إلى عرش الإله بأمله واسم هذا الملك الصبر. وأعجب ما رأيت أن هذا الملك ما قام بجانب جبل الآلام إلا وأخذ الجبل يهبط ويضؤل حتى لم يبق منه أكثر من ريعه ثم أعاد ملك الصبر إلى كل حظه الأول وألهمه الصبر الجميل وأشعر قلبه قوة الجلد ونور اليقين فراح مغتبطاً سعيداً يحمد الله على كل ما أعطاه.

стр. 739

تائباً مما اقترفه من الجهل وجناه. فمما أفدت من هذه المقالة مع سائر العظات والعبر أني لست حقيقاً أن أتبرم لشئ مما يصيبني به الله على امرئ هبة أو نعمة إذ كان مستحيلاً على امرئ أن يعلم حقيقة جاره ويعرف سر صاحبه ويقف على مبالغ أحزانه وأشجانه وكربه وَنُوَبه وبلاياه ورزاياه. فكل لكل سر غامض وخزانة مقفلة وسفر مطبق. ولكني آليت على نفسي أن آخذ نفسي بثلاث كتمان العلة وكتمان الفاقة وكتمان المصيبة مع الصبر عليها جميعاً وأن لا أحسد امرأ على شيء وأن أكون أبداً حاضر الصفح للناس واسع العفو إذا كان أعقل الناس أعذرهم للناس.

стр. 740

العزوبة والزواج للفيلسوف باكون من كان ذا زوج ورب عيال فقد وضع عند الدهر رهوناً، لأنهم حوائل تحول دون الأعمال الخطيرة، وعقبات تأخذ على المرء طريقه إلى الأفعال الجسيمات، شراً كانت أم خيراً. إن خير الأعمال وأنفعها للشعب وأصلحها للجماعة هي حسنات العزاب ونتاج الأعقام الصادرة عن حب الشعب وخدمته وكان أولى بأولئك المذاكير أن يفكروا فى المستقبل القادم ويتزودوا للزمان المقبل، ويعلموا أنهم يرهنون لديه أفلاذ أكبادهم ويضعون في ذمته أعز الرهون. وإن من الأعزاب من لا يفكر إلا في عيشه ولا يهتم إلا بنفسه ويعد القصد إلى الأيام المتهادية وقاحة وطيشاً. بل إن من الناس من لا يعد الزوجة والعيال إلا سفاتج ووثائق، بل هناك أغنياء أنهام مجانين يفخرون بأن ليس لهم أطفال كي يظن الناس عنهم أنهم أوفر مالاً وأجم قدحاً وأوفى سجلاً، ولعلهم سمعوا إنساناً في الحي يقول فلان موسر كبير فرد عليه آخر نعم ولكنه رب عيال. كأنما أصبحت الخلفة انتقاصاً للغنى وحطة في الثراء. والحرية أحسن ما في المعيشة العزب والحياة الوحيدة لاسيما عند المفاريح ذوى الألباب النزاعة إلى الفكاهة الجانحة إلى اللهو الذين يتبرمون بأقل شيء حتى ليكادون يحسبون أن مناطقهم وأربطة سوقهم سلاسل وقيود. والعزاب خير من يسلم إليهم ود، وصفوة من يرعون العهد، والعزاب خيرة الأسياد، وخير الموالى والخدام، على أنهم ليسوا أبداً فى الرعية لمخلصين، لأنهم خفاف في الهرب، سراع في الفرار، والفارون من طوائل القانون، الناشزون عن بلدهم النازحون، أكبر ما يكونون عزاباً لا زوج ولا طفل ولا لهم عند الزمان رهون. والعزوبة أليق ما تكون بقواعد الكنائس وأهل الأديرة، فإن الصدقات لا تروى أرضاً ينبغي أن تتفجر من الإحسان عيوناً. والزواج والعزوبة للقضاة وأهل الحكومة بين الناس سواء، فإنهم إن يصبحوا أغراراً يسلس قيادهم، ويغلب على أمرهم، ويغمز بالمال جانبهم، ليجدون لهم خادماً أسوأ من

стр. 741

أزواجهم مرات، وليقعون على صنيعة شر من نسوانهم عوناً على الرشوات. أما الجنود فإني أرى القواد في مواعظهم يذكرونهم بأزواجهم وبنيهم ويوصونهم بهم خيراً وإني لأحسب احتقار الأتراك الزواج يجعل جنديهم أحط قدراً وأعيب شأناً أجل. إن الزوجة والولد نظام من نظامات الإنسانية والعزاب وإن كانوا أكثر تصدقاً وأنمي إحساناً لقلة ما ينفقون فهم أغلظ أكباداً، وأقطع رحماً، وأنضب عين رحمة، لأن رقتهم لا تسترعي وحنانهم لا يزار. وأهل الطبائع الساكنة الذين اعتادوا الجسد واطمأنوا له ليكونون أزواجاً رحماء محببين، كما قد قيل عن (يلوسيس) أنه آثر على الخلود زوجته العجوز. والنسوة العفيفات فى الغالب فخورات تياهات، وطائشات مستبدات كأنما يدللن بعفافهن، ويفخرن بنصيبهن من الطهر. والعفة والطاعة خير ما اجتمع عليه زوجان، وأوثق ما ارتبط به قلبان وأحبك ما ائتلف به روحان، والمرأة لا تأخذ نفسها بهما إلا إذا رأت من زوجها رجلاً عاقلاً وشهدت فيه صاحباً أريباً، ولن تفعلهما إذا ألفته قلقاً غيوراً إلا أن الزوجات لسيدات في عهود الشباب، صواحبات في الزمان المكتهل، مراضع إذا صاح نهار المشيب. لقد نوه الناس برجاحة لب الرجل الذي سئل عن أى العهود أصلح للزواج فقال إن كان فتي فليس أوانه، وإن شيخاً فأبداً. والمشهود أن شر الأزواج يرزقون بطيبات الروجات، فإن وقع ذلك فقد عز ثمن رحمة الزوج إن رحم، وغلا أجر رأفته إن رأف وعلا شأن عطفه إن عطف، بل حسب الزوجة لصبرها على رجلها وغلظته دلاً وفخراً. فإن عصين صحابهن، وطاوعن هوي قلوبهن، فتزوجن من رجال سوء فهن مجزيات بطيشهن، مصلحات جنونهن.

стр. 742

كاتبة إنجليزية من المطالبات بحق الانتخاب تدافع عن أترابها أنشأت المس كريستابل بنكهرست في إحدى المجلات الفرنسية الكبرى مقالاً ضافياً تذود فيه عن حقوق الإنجليزيات المطالبات بحق الانتخاب وتدافع عن تلك الحركة التى نالت إعجاب كل من يعمل لحق أو يكافح لمطلب أو يناضل لرأى ينزل عليه وفكرة يريد لها تحقيقاً. والمس كريستابل بنكهرست اليوم على رأس المطالبات وفى طليعة أترابها المتحمسات وهي تبالغ في إطراء الحركة الشديدة التي تقوم بها النساء وتنادى في الملأ باستحسانها متبعة في ذلك خطة أمها المسز بنكهرست التي حكم عليها منذ عهد قريب بالأشغال الشاقة ثلاثة أعوام سوياً لاتهامها بأنها من الفوضويات ونحن نعرب للقراء ذلك المقال الرائق في السطور الآتية. . أكثر الناس ويكثرون من الكلام في شأن المطالبات بحق الانتخاب ولكن مهم مثلوهن فأساؤوا وصوروهن فشوهوا وسخروا مما يسمونه (عظيمة فعالهن) فلن تصرف نحن النساء عن نهضتنا ولن نميل عن مطلبنا. إنهم يخدعون أنفسهم ويغررون بها فإن النساء يعرفن حقهن ويعلمن ما يردن. وإنهن ليستخدمن لتحقيقها مختلف الوسائل وقد يعيبونهن عليها ولكن لن يتهمن أحد بما يسميه الفرنسيون (نقصان العقل) بل إني لأصرح أن نقصان الوسائل لدينا تهمة لا يرمينا امرؤ بها. لقد طلبنا حق انتخاب النساء فأنكروه علينا وما نجح سؤلنا ثم كررنا الطلب ورفعنا الصوت عالياً فأعدوا وأبرقوا، وأغضبنا أمرهم فثرنا وأجمعنا فيما بيننا أن لا يحول دوننا حائل أو يردنا عن حقنا راد. أجل. إنني أعلم أن في فرنسا حيث الأمثال شائعة والحكم كثيرة مثلاً يقول إن الصبر والسكون لا يسخطان المرء بل يزيدانه قوة على قوة. على أن للصبر حدوداً لا يجمل عندها وقد انتهينا إليها والدليل على ذلك سخطنا. نريد إصلاحاً كبيراً. وما من إصلاح تحقق لأهله إلا بعد ما رسموا خطته وأحكموا أمرهم فيما

стр. 743

بينهم حتى إذا ملوا عصفت بينهم ريح الثورة فثاروا وفى ثورة الرجال المذابح والمعارك الدموية. نريد أن يبحثوا في مطالبنا ويدققوا البحث. ولذلك نحن نسترعى اهتمام الناس يحدونا الأمل بأن سيأتي يوم فيه يعلم الجميع حقنا لأن الضوضاء التي أقمنا قد أصمت مسامعهم. ولكن هل يكفى هذا لنصرتنا؟ نود لو اطلعنا إلى الغيب فعرفنا عاقبة أمرنا. ولكن لن يخفت للمطالبات صوت، ولن يكسر من حدتهن شيء. لا السجون ولا العقوبات بل إنهن ليفخرن بها ويعتززن. ويوجد الآن أربعمائة عضو في مجلس النواب من ٦٧٠ قد أجازوا إعطاء النساء حق التصويت ولكن لم يعمل حتى اليوم شيء. ويتساءلون. أذلك الخلاف بين الأعضاء! ونجيبهم. كلا. بل هو عدم الاكتراث. فلا يعجبون إذن ولا يدهشون إذا رأونا ننتصح بنصيحة السير كامبل بانرمان التي قالها لجمع من المطالبات كنت بينهن وقد سألناه ماذا ينبغي لنا أن نعمل؟ قال. أذهبن وأثرن العالم! ونحن اليوم صادعات بما نصح. . بدأت حركة المطالبات منذ سنين طوال على أنها لم تأخذ شكلها الحاضر ولم تكتسب قوتها إلا منذ اليوم الثالث عشر من أكتوبر سنة ١٩٠٥ إذ انتدى في ذلك اليوم جمع من المطالبات في حضرة السير إدوار جراي فلما خطب الجمع ذلك الموظف الكبير وتكلم عن مطالب العمال قمت أنا والمس كنى وألقينا السؤال الآتي: هل ترضى لجماعة النساء حق الانتخاب؟ فوجم ذلك الخطيب المفوه وجمد في موقفه ولكننا لبثنا في مكاننا ننتظر جواباً على أنهم طردونا من جنابه أفظع الطرد. وكنا في كل اجتماع عقد بعد ذلك ورأسه لويد جورج أو آخرون نكرر على الخطباء سؤالنا. هل يرضي الخطيب لجماعة النساء حق الانتخاب؟ فكان جوابهم كجواب السير إداورد جراي في وجومه وأخذت قسوتهم في معاملتنا تشتد، ووحشيتهم في لقائنا تزداد.

стр. 744

ولكن صيحاتنا التي وقروا مسامعهم دونها وكلماتنا الموجزة التي جعلوا أصابعهم في آذانهم منها أثارت ضجة في الناس واهتاجت الجمع. ووددنالو نعلم السبب الذي يمنعنا حقنا ويغريهم بنا ويحرضهم على قتالنا. ولذلك عجنا على السير كامبل بانرمان واستأذنا في مقابلته وترددنا عليه مرات متواليات فرفض لقاءنا ولما كانت النساء إلى الجزع أجنح وعن الصبر الطويل أميل اجتمع أمرنا على أن ننصرف عن القول إلى الفعل ورسمنا لحركتنا خطة تثير ضجة كبرى. وكنا ثلثمائة. فاحتلنا أن ندخل بالقوة مجلس النواب واشتبك القتال وحمي الوطيس فزجوا في السجن منا إحدى عشرة. وكان لهذا الهجوم تأثير كبير وكانت الحكومة حتى ذلك العهد في ريب من قوتنا ولا تظن أن مسعانا سيصادف أعجاب الشعب الإنجليزي وهو أكثر الشعوب تقديراً لكل حركة ناهضة وأعطيت الأوامر للمستر تشرشل بمصادرتنا وحركاتنا من غير أن يقبض علينا. فلما كنا بأبواب مجلس النواب نريد الدخول أمر المستر تشرشل أمره فإذا الجنود تبالغ في مقاومتنا وتشتد في معاملتنا حتى أن عضوين من أعضاء المجلس هما اللورد روبرت سسل وهو في الوزارة الحالية وأليس جريفيس خطباً نأنحيا باللائمة على المستر تشرشل ونقدا خطبته. وجملة القول إن كان يجب على أن أتبع سير الحوادث التي تنقلت بينها حركتنا وأخرج منها بنتائج هذه الحرب الناشبة قامت أن نهضتنا لم تجر بعد شوطاً بعيداً وإنما استرعت الاهتمام وأصح مطلبنا. موضوع حديث الطبقات جميعاً وينبغى إن أردف ذلك بقولي أننا قد ربحنا في هذه الحركة ضربات شديدة ولكن ذلك لن يصرفنا عما نريد. يجب علينا أن نخرب. . لما لم تجد مجهوداتنا السلمية شيئاً ولم يقر حقوقاً أولئك الذين هم أسعد منا نحن النساء حظاً وأوفر قسطاً كان حقاً علينا أن نكثر من مساعينا وحيلنا فانقطع رأينا أن نحطم الزجاج وانتهى تخريبنا بنكسير نوافذ الدور العمومية والصحافة والمجلات فلم يكترث القوم بادئ بدء بتحطيمنا الزجاج ولكن أرباب المجلات وأصحابها الذين نزل بهم التخريب صاحوا محتجين واستصرخوا معارضين وقفت على آثارهم شركات التأمين وكان لزاماً عليها أن

стр. 745

تدفع تعويض ما خربنا هذا والصحف تكتب ألا عاقبوهن! ألا خذوهن بتخريبهن! ولكنهم لما رأوا أن وعيدهم لا يهدئ لنا ثائرة ولا يسكن فينا جأشاً بل دفعنا إلى زيادة التحطيم والسلب جعلوا يقولون في أنفسهم إننا سنزاحمهم وننافسهم إذا نزلوا على حقنا المطلوب وطفقوا يقولون أعطوهن حق التصويت فيسود السلام! ولسنا اليوم وحدنا المطالبات بحق النساء بل إن الفكرة سائرة في طريقها. ما سكتنا عن مطلبنا بل بالعكس عمدنا إلى صناديق البريد فأحرقناها وتأثرت حركة التجارة وازداد الاضطراب. وإن نهضتنا التي سخروا في أول الأمر منها وضحكوا أصبحت في كل يوم مدار البحث والمناقشة. ونحن اليوم قد أقدمنا على تخريب الأملاك الخصوصية وقد سطونا على بعض القري وكانت الضجة كبري. لا نبغي شيئاً غير ذلك فقد عرف الناس في كل مكان وجه النهضة التى أقمناها بل إني لأستطيع أن أقول إننا نلقى تشجيعاً وظهيراً من كل فج. وماذا نحن صانعات غداة الغد؟ إني لأشفق أن تأخذنا سورة الغضب ويزداد سخطنا فيرمي بالويل والثبور ولا أعجب من تسمية بعض الجرائد مستقبل حركتنا (بخسائر جديدة). أجل. إننا لا نعارض في تسميتها كذلك ولكن ألا يشفع لها بكم الذين نخاطبهم وخرس إلا لي نطالبهم بحقوقنا؟ ألا يعلمون السورة التي تقوم فى نفس المطالب بحق مهضوم لا يجاب له سؤال؟ إنهم ليجدون فى أنفسهم المعاذير لهذه الحركة الوحشية التي أثارها الجزع ثم أضرم الغضب نارها بعد ذلك. هذه حالنا. نسألهم فلا يحيرون جواباً حتى أساءنا سكوتهم وإني لأخشى أن يفضي بنا إلي غضب شديد. لماذا نترك أنفسنا تقضي من الجوع؟ إن شجاعة أترابنا لا تنكر وشهامتهن لا تجحد وقد استطاع فريق منهم أن يصرح أن طائفة

стр. 746

كبيرة من المطالبات اللاتي قبض عليهن وأودعن ظلمات السجون رفضن كل طعام يقدم إليهن. لذلك نريد أن نحتج على القانون الذي يبيح للرجال ما ينكره على النساء ويلزم الأولين حقوقاً يحرمها على الأخريات. أبوا أن يعطونا حق الانتخاب ولكن لا قانون عندهم لنا. . ما يكاد يشاع بين الناس أن إحدى المطالبات السجينات رفضت الطعام حتى تسمع قوماً يصيحون دعوها تقضى نحبها جوعاً!. نصيحة ليست من السداد في شيء. إذ لو ماتت إحدانا في سجنها جوعاً لجر عليهم موتها ضجة كبرى وألحقهم موتها عاراً لا يمحى. ونحن نعتمد على اشتراك الكثيرين في شعورهم معنا ورحمتهم بنا وقد وجد مطلبنا أعواناً كثيراً يحتجون لنا ويغضبون ورأت الحكومة أنها من أمرها في مأزق حرج فأصبحت من حزمها تتجنب أن تدع السجينة تموت كما تشاء من الخصاصة والطوى. وقد احتالوا على قبول السجينات الطعام بالحث أولاً والنصح لهن ثم الإكراه أخيراً فما أفلحت الأولى ولا نجحت الثانية بل إن إكراههن علي الطعام جر خطراً شديداً وطريقتهم في الإكراه هي أن يدخلوا في أنف السجينة أو فمها أنبوبة من اللبن بشكل أترك للقارئ تخيله. وزهدهن في الطعام وهن يرين في الإمساك عنه الفخر كل الفخر قد أثر على هؤلاء البائسات تأثيراً بليغاً وأنحف جسومهن حتى أننا رأينا المس ليتون تترك السجن كأنها من الهزال هيكل عظمى. وقد عرفت في السجن عن رضي مني ألم الظمأ ولست وحدى التى رفضت الشرب والري. فقد كتبت سيلفيا أختي وهي اليوم طليقة السراح فى سجنها تقول: أماه العزيزة. إنني أناضل وأجاهد. ويحرسني كل يوم نفر من الحفاظ ويعودني طبيبان وقد تماوت مرتين في اليوم فجعلوا يفتحون فمي (بخابور) من الصلب ينفذونه بالقوة بين فكي. وأنا أقاوم جهدي كل يوم ولثتاي تدميان كل حين. وكتفاي مرضوضان من طول ما كابدت في مقاومتي وعانيت. أذيد خلون الأنبوبة في حلقي كرهاً. وليلة أمس الأول أحسست بألم في

стр. 747

القلب بعد ما أكرهوني على الطعام وبت ليلتي مريضة موجعة وكذلك كانت حالي بالأمس وكنت أحسبني سأجن وأروح مخلوطة العقل أما اليوم فأنا قادرة على التغلب والنضال. . . . . . . أخشي أن أفقد معدتي طول الحياة. إذا كان هناك فريق يحرض على تركنا فريسة الجوع والخصاصة فهناك فريق آخر ينصح للحكومة أن تنفينا إلى (سانت هيلين) كما نفى نابليون. ولو انتصحت الحكومة بهذا الرأي لدلت على ضعفها إزاءنا وإن رغبتهم في أبعادنا ستظاهر مطلبنا وتنصر حقنا إذ يعلم الجميع أننا خطيرات مهيبات الجناب. نفى نابليون إلى (سانت هيلين) خشية أن ينسل إليه أنصاره وأعوانه ويلتف حوله فتيانه وكأني بهم يخافوننا خوفهم (نابليون) وحسبنا ذلك فخراً. ولكن (سانت هيلين) لتضيق بنا سهلها وحزنها ونحن في كل يوم نزداد عدداً وقوة ورباطة. وهم يستحسنون لنا قانون لينك بتهمة أننا نجمع الجماهير حولنا ولو صح ما يقولون لكان أيضاً عملاً إذ لو قتلت إحدانا لانقلبت الضوضاء ضجة تصم الأسماع ولن يزجرنا قانونهم عن حركتنا. وقد اتهموا الحكومة بالضعف لاقتصارنا في عقابنا على السجن وهم على خطأ مبين فليس التشدد في العقوبات والإرهاق بالمثلات الدواء الناجع لهذه الضائقة الجائحة ويتجنون علينا بأننا نستخدم مالا يتفق وطبيعتنا ويقولون أن الشدة ليست من شأننا ونحييهم بأن جان دارك كانت امرأة مثلنا ولا حاجة بنا إلى طالة الكلام على شهامة أترابنا. لما تناقش رجال حكومة النرويج في حق انتخاب النساء قامت على سداده حجة انتهت بتقريره. قال الخطيب صاحب الحجة انظروا ما يحدث في إنجلترة واجتنبوه فاجتمع الرأي على إعلان حق النساء في تلك البلاد. سننشر مطلبنا في البلدان والأصقاع لاسيما في فرلسة ولست أريد بمقالي هذا أن أذيعه اليوم هنا بل جئت لأعرض على الناس رغبات المطالبات ووسائلهن في تحقيقها ولا أود الآن بحثها فهي إنجليزية محضة ونحن في إنجلترة نعمل مالا يتفق مع روح النساء في الممالك الأخرى. وعسى أن يمشى على أسوتنا ويقي على آثارنا وسيبقى علماً علينا أننا

стр. 748

أقمنا حركة أعجبت العالم والتي أستميح القراء عن إطالة الكلام عنها أجمل المعاذير. اه.

стр. 749

شذرات من كتاب حديث المائدة حديث المائدة كتاب جليل. وسفر نبيل. لواضعه أوليفار وندلهولمز الأمريكاني من فحول شعراء الطبقة الأولى وكتابهم وجملة علمائهم وفلاسفتهم. قد جمع بين العلوم والآداب على قلة الجامعين بينهما فأشبه في ذلك جيتا الألمانى وفولتير الفرنسي وراسكين الإنكليزي. وكتابه حديث المائدة من أملح المؤلفات نادرة وأبدعهم طرفة وأغربهم أسلوباً قد طبعه على غرار لم يسبق إليه ونسجه على منوال لم ير في عالم التأليف من قبل. وذلك أنه تخيل ربة نزل قد اجتمع عندها في حين من الدهر زمرة من الناس أشكالاً وأصنافاً فيهم الشاعر والأديب الفلكي والحشري (عالم الحشرات) والطبيب والماليّ والعاطل الذي لا عمل له والقسيس وفيهم كذلك نساء مختلفات الأحوال والأشكال الفتاة والعجوز والقبيحة والمليحة واللينة والشكسة. وإن جميع هؤلاء يجتمعون كل صباح على مائدة الإفطار فتجرى بينهم أحاديث فهذه الأحاديث قد جمعها الكاتب وسردها في ذلك الكتاب الذي سماه حديث المائدة. هذا ما تخيله الكاتب وهو خيال بديع وأسلوب مخترع ولقد أجاد في هذه الأحاديث ما شاء فجاءت كأنها السحر أو أدق. في ألفاظ تخالها الماء أو أرق. ولما كانت تدور حسب تخيله بين أناس من كل شكل وصنف وحرفة وصناعة فلا جرم أن حوت كل نوع من الكلام وكل ضرب من الفن كأنها حديقة ضمنت فنون الثمر ألواناً. وأنواع الزهر نرجساً وحوذاناً. وضروب الطير مثني ووحداناً. ولا جرم أن سميناه دائرة معارف لا سفراً. وقد رأينا أن لا يحرم قراء البيان من مؤلف كهذا فشرعنا نعرب لهم أطيب ما فيه وها هي نخبة من ذلك نطرحها الآن بين أيديهم. (١) الحديث مازال ذوو القرائح السمحة والخواطر الحافلة والأذهان الخصيبة ينفرون كل النفور من ذوى الجمود ممن قد تمسكوا بطائفة من الآراء جعلوها القواعد التي لا يشذون قط عنها مهما كانت الأسباب والدواعي حتى لكأنما الآراء والإنكار شيء مقيس محدود كنظريات الهندسة والجبر والحساب - كأن كل رأي في الدنيا هو كقولك ٢ ٢=٤ والخطان المتوازيان لا يلتقيان أبداً - مع أن الآراء والأفكار لا تخلو قط من عناصر الوهم والتمويه

стр. 750

والشك ثم هي شيء ذو وجوه مختلفة ينظر إليها من جهات مختلفة. ولكن ذوي الجمود لا يفهمون ذلك ولا يريدون ولا يستطيعون وقد أبوا إلا أن يجعلوا من نظرياتهم وقواعدهم آفات لذوى الأفكار الحرة والخيالات الواسعة. وإلا أن يرسلو من نظرياتهم هذه في مجالس الأنس ومحافل السمر وحوشاً ضارية تزعج الندىّ وتسوء الحفلة فلا غرو أن سميت نظرياتهم هذه وحوش ميادين الذهن والخيال. وأيكم لم ير فى حياته أمثال هؤلاء الثقال ممن قد تشبث بنظرية أو اثنتين يسحبها وراءه كلما دخل مجلساً كأنهما كلبان عقوران قد تأهب واستعد أن يرسلهما على كل من يسوقه سوء الحظ إلى أن يبدى رأياً جديداً أو فكرة مبتكرة أو خيالاً مستملحاً. الحديث من أجل الشؤون وأخطر الأمور. وإن في الناس من يلحقك من ساعة تقضيها بالحديث معهم من الضعف أضعاف ما يلحقك من صيام يوم والخير لك أن تفقد قدحاً من الدم من عروقك من أن يقطع بعض أعصابك فتراق منه قوتك العصبية. فإنه ليس هناك من أحد يزن قوتك العصبية وهي تسيل فتذهب كما يفعل الطبيب بدمك إذا سال وليس من أحد هناك يضمد دماغك ويربط مخك كما يفعل بجراحك. من الناس من يأخذ علىّ أنى ربما أعدت بعض بنات أفكاري في مجالس مختلفة كأنهم يرون الأفكار كطوابع البريد لا يعاد استعمالها. بيد أنى لا أرى الرجل الذي يتحاشى إعادة أفكاره إلا عاجزاً مأفوناً. فلتفرضن أيها القارئ أن صاحب حكمة بالغة وعظة ثمينة مثل اعرف نفسك أمسك طول عمره الطويل عن ذكرها والإشارة إليها! كيف ترى ذلك! إلا إنما آراء المرء وأفكاره آلاته وأدواته. أفتحسب النجار محرم عليه أن يستعمل منشاراً بعينه بعد نشره عوداً من الخشب أم تراه حتم عليه أن ينبذ قادومه بعد دقه أول مسمار؟ أنا معك في أنه ليس لي أن أعيد حديثاً. فأما تحريمك على إعادة الفكرة فذلك ما ليس لك أن تفعله. والفكرة ربما تقولها المرة التسعين وهى الجديدة بعد. لأنها قد عادت إليك من طريق جديد على قطار جديد من القرائن. وربما عثر بالمرء يعيد حديثاً له بعينه ثم لا يعد مليماً ذكروا أنه كان خطيب مصقع وعالم نحرير ممن يتنقلون في البلاد يلقون المحاضرات فلما كان في بعض المدن أدبته إلى مائدة الشاي سيدة من ذوات العلوم والآداب وأشارت وهم على المائدة إلى كثرة تطوافه وتجواله.

стр. 751

وحله وترحاله. فقال أجل إنى لكذلك الطائر الدائم الجولان لا يقع أبداً فأنا أبداً على العجلات كما ذلك الطائر أبداً على الجناحين. ثم تصرمت بعد ذلك العصور. وتجرمت الدهور. وعاد الخطيب إلى عين ذلك البلد لعين ذلك الغرض. وعادت السيدة إليه بالدعوة. وعادت مائدة الشاي وحفلة الشاي لا تزال فى تطواف وتجوال. وحل وترحال. كذلك قالت السيدة فأجاب الخطيب أجل إني لكذلك الطائر ـ وأكمل الجملة بعينها. ولكن ماذا كان ألمه وضيقه حينما خطر بباله أنه قد قال هذه العبارة بحروفها مرة قبل ذلك! ولا يحسبن القارئ - ولعله قد ألقى في روع السيدة - إن الخطيب قد جعل طول هذه المدة - أي فترة ما بين الزيارتين لا يمر به يوم من الأيام إلا ويذكر تلك الجملة يحلى بها كلامه ويزخرف بها حديثه. كلا. فإنه ما سنح بخاطره ذلك الطائر الجوالة إلى أن أثارت تلك الظروف الخاصة تلك الفكرة الخاصة. ولعله قد كان أخلق به أن يسر ويفخر بدقة حساب ذهنه فإن الذهن المحكم المتين إذا أعطيته عوامل بعينها مرة بعد أخرى لم يعطك إلا نتيجة بعينها شأنه في ذلك شأن المكينة الحسابة ويكون أدني اختلاف في نتيجتها - إذا أعطيتها العوامل بعينها - آية على فسادها. ما هي آفات الحديث الكبرى؟ قلة المعاني وقلة الألفاظ وقلة الآداب هكذا تقول ويقول الناس وما كنت لأعترض على قولكم هذا ولكنى سأعلمكم أي شيء وجدته أفسد للحديث الصالح من كل ما عداه. وأتلف للسمر الطيب من كل شيء سواه. هذا هو المجادلات الطويلة في نقط خاصة بين أناس يختلفون في المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها هذه النقط. لا تحمد العلائق ولا تصلح المعاملات بين فئة من الجلساء حتى يتفقوا على أساس من العقيدة لا يكون عرضة لأن تزعزع أركانه رياح المناقشة والمحاورة. وحتى يكون عندهم من العقل ما يمكنهم من تتبع المسائل الثانوية المرتكزة على تلك المبادئ الأساسية إلى مصادرها وأصولها. والكلام كالضرب بالعود ليست الحاجة إلى إسكات الأوتار أحياناً بأقل منها إلى إنطاقها. أرأيت شيئاً أقدح في كرامتك وأجرح لشعورك وآذى لعزتك من أن يعترض أحد المجلس جدك بمزحته ويستقبل حكمتك بنكتة. السب الصريح والشتم المهين أهون والله من ذلك. وهل ذلك إلا منتهي الاحتقار. والازدراء والاستصغار. للكلام على خطارته. وصاحب

стр. 752

الكلام على كرامته. مثال ذلك أن تذكر في سياق حديث لك كلمة (معناها بالعربية سقوط القدر أو الخسة) فتحمل النكتة أحد الجلوس على أن يعترض تيار جدك يقول لك كل ما قلته في هذا الغرض هو (معناه هذيان محض) ماذا أصنع مع ذلك الوحش؟ إني لأود أن ألقيه في أعماق السجون لأنه بلية وآفة ولكني لا أقدر. لقد أعدمت كرامتي بتحدثي إليه فمن لي بأن أعدمه! مثل قالة النكت كمثل أشرار الصبية الذين يلقون الحجارة على قضبان السكك الحديدية يأتونها ملهاة لهم ولأندادهم وربما كانت متلفة للجم العديد من مصالح العباد وأرواحهم بقلبها القطار أعلى لأسفل وكذلك قائل النكتة لا يخجل أن يقلب قطار الحديث من أجل نكتة يلهو بها. إني لأعلم في الناس من يضن على الاستماع أثناء الحديث بنخبة أفكاره اعتقاداً أنها أغلى قيمة وأعلى من أن تبذل في المحاورات والمحادثات. ولقد كان أحد الفصحاء ينثر الدر منذ أيام في بعض المجالس يطلق الحكمة البليغة في عرض حديث كالجوهر المنثور فدنا منه بعض الجلوس وقال له - أتدرى ماذا قال له؟ قال: عجباً لك أنك لتضيع مقداراً جماً من بضاعة رائجة وتطرح على أديم الأرض ما يقدر ثمنه بعشرة جنيهات في كل ساعة فإذا استمررت على هذه الحال خمس ساعات بلغت خسارتك خمسين جنيهاً أفتدري ماذا كان جواب الرجل الفصيح على ذلك. كان جوابه أنه أخذ الرجل إلى نافذة المكان وسأله أن يشرف ثم قال له ماذا تبصر؟ قال الرجل لا أبصر إلا طريقاً ترباً يسوق فيه أحد الناس آلة رشاشة. قال الفصيح لم لا تنه الرجل عن صب الماء فتقول له أنه يضيعه سدي؟ إلى أية حال من اليبس وقلة الرطوبة وكثرة التراب يصير سبيل الحياة إذا نحن لم نسحب فوقها رشاشات أفكارنا مفتوحة الثقوب أحياناً؟ هذا ولذلك النوع من الحديث فائدة أخرى قد سهوت عنها وعي أن ذلك الحديث يصب أفكارنا في أحكم قوالبها وأبدع أشكالها. فترى أمواج الحديث لا تزال بالأفكار تدحرجها وتقلبها حتى تتركها مدورة مصقولة كما تفعل أمواج البحر بالذي على سواحله من الحصي. وكذلك أصوغ أفكاري بالحديث والمحاورة كما يجرب النحاس تمثاله في الطين

стр. 753

قبل صوغه من الحجر لأن الطين لين يشكله الصوغ أشكالاً يعجبه ويدحوه ويدوره ويمطه ويكسبه ويملؤه ويجوفه ويلزقه. ونحو هذه الأفعال كلها ما يفعله المحدث بالحديث حين يصوغ فيه أفكاره قبل أن تبرزها الكتابة في القالب النهائي والشكل الختامي. - قبل أن تراها فى الكتاب الخالد دمية من العاج أو نحيتة من المرمر. ولي في هذا الموضوع تشبيه آخر. وهو أن الكتابة والطبع كالرمي بالنشاب قد تصيب من ذهن قارئك موضع الفهم وقد لا تصيبه. ولكن الحديث كالتمرين على الرمي متى كان الغرض أمامك وفى الوقت متسع ضمنت لنفسك الإصابة. ليس من السهل على اثنين يتحادثان أن يتفاهما لأنهما كثيرون (هنا نظر أصحاب المائدة بعضهم إلى بعض متعجبين من كلمتي يريدون شرحاً لها وتفسيراً). قلت إذا كان جون وتوماس مثلاً يتحاوران فسيكون لا شك بين الستة شيء من الخلط وسوء التفاهم. (هنا اصفرّ وجه ربة البيت. لا ريب لقد حسبتني خولطت في عقلي وذلك أمر يستلزم نقلي من دارها إلى المستشفي ففيه عليها خسارة مادية. فلا غرو أن اصفر وجهها إشفاقاً وقلقاً. أما سائر القوم فرفعوا رؤوسهم دهشة. وخاف الشيخ الذي كان جالساً أمامي أن أتناول سكين الفاكهة فأطعنه فزحزحها جانباً كالذي لا عمد عنده.) قلت أنا كفيل أن أفهم هذا الصبي الصغير كيف أن في كل محاورة تجرى بين اثنين - جون وتوماس - يوجد ستة أشخاص يتنازعون أهداب الحديث. (٣) جون جون الحقيقي الذي لا يعلمه إلا الله (٢) جون الموجود في مخيلة جون. هو دائماً مخالف لحقيقة جون مغاير له (٣) جون الموجود في مخيلة توماس مخالف دائماً لحقيقة جون مخالف كذلك لجون الموجود في مخيلة جون مغاير الاثنين (٣) توماس توماس الحقيقي توماس الموجود في مخيلة توماس توماس الموجود في مخيلة جون لا يدفع ضريبة إلا واحد من الثلاثة ولا يمكنك أن تزن بالميزان إلا واحداً من الثلاثة. حتى

стр. 754

إذا جري الحديث أصبح للاثنين الآخرين مثل أهمية الأول فالثلاثة كلهم سواء. فلنفرض أن جون الحقيقي كبير السن قبيح الخلقة بليد الذهن. ولكن بما أن الحكمة الإلهية لم تمنح ابن آدم مزية النظر إلى نفسه بعين الحقيقة فأكبر الظن أن جوناً يرى نفسه حديث السنّ جميل الخلقة حديد الذهن ثم يتكلم كمن هذا شأنه وهذه مزاياه. وتري توماساً من وجهة أخرى يعتقد أن جوناً ماكر محتال فجون في نظر توماس محتال ماكر ولا شك مع أنه ساذج غبيّ. ومثل هذا جمعيه يقال في توماس. فمن ثم ينتج أنه سيكون بين كل متحادثين ستة يتنازعون المحاورة إلى أن نجد الرجل الذي يعرف نفسه كما خلقها الله أو يبصرها بالعين التي يبصرها بها الغير. هذا ولا تنس أن أقل الثلاثة أهمية هو ذاك الذي سميناه الشخص الحقيقي. فلا عجب أن تري المتناظرين يتغاضبان ويتشاجران بعد أن علمت أن المشتركين في الحديث ستة. وكان بجانبي فتى يدعى جون فطبق هذه النظرية على نفسه تطبيقاً غير فلسفي وذلك أنه أدير عقب الأكل على الجماعة وعاء فيه خوخ - فاكهة نادرة قلما يعرفها أمثالنا نحن سكان الفنادق - فلما بلغ الوعاء جوناً هذا ولم يبق فيه إلا ثلاث خوخات واحدة له واثنتان للاثنين الباقين من إخواننا وكان جون أمياً لا يفهم الفلسفة أخذ الثلاثة لنفسه قائلاً أنه سيعطي كل جزء من أجزائه الثلاثة واحدة. فطفقت أبين له أن هذا الاستنتاج العملي خطأ وسفسطة ولكن الخوخات الثلاثة ذهبت أثناء الشرح والتفسير في بطنه واحدة أثر أخري. (٢) نظرية بسيكولوجية حاسة الشم أقرب طريق يوصل الإدراك إلى دائرة الذكرى والخيال والإحساسات الغابرة والقرائن القديمة. ولا شك أن الروائح التي تعمل في مشاعرنا تختلف باختلاف الأشخاص فما يؤثر في هذا لا يؤثر في ذاك. إنما ذلك بحسب ما كان من ظروف أحوال الشخص وتاريخه الخاص. وسأخبرك ببعض الروائح التي تؤثر فيّ والسبب في ذلك منها رائحة الفوسفور. وأصل ذلك أني أولعت بعلم الكيمياء عامين من زمن صباي جعلت أثناءهما لا أسمع بمعمل كيمياء إلا ذهبت إليه فكنت معظم أوقاتي بين الأدوية والعقاقير والقناني والأنابيب واتفق أني كنت

стр. 755

في هذا الوقت عاشقاً أيضاً فكانت عاقبة ذلك أن حدث اشتباه واختلاط بين عوامل الكيمياء وعوامل الحب بين أبخرة حمض الآزوت البرتقالية اللون وبين أحلام الغرام وهي أزهي لوناً وأبهى صبغة: بين ورق عباد الشمس الأحمر وبين حمر الخدود وآسفاه لقد رثت ديباجة تلك الخدود ونصلت صبغتها وغاض ماؤها وذهبت نضرتها. ومهما يكن من قدرة الكيمياء على تجديد الخلق وتنضير الذليل فلا طاقة بها على تجديد رونق هذه الخدود وقسمتها! أقول حدث التباس واشتباه بين عوامل الكيمياء وعوامل الحب فامتزجا في وعاء الذهن واختلطا واصطحبا في إناء الذاكرة واقترنا فكلما ضربت أنفي رائحة الفوسفور (وكانت أحدّ روائح ذلك العصر الكيماوي الغرامي) أشعلت في الدماغ سلسة هذه القرائن للتو واللحظة وأوقدت في صميم الأحشاء ذكرى الغرام والجوي حتى أروح منها في غشية وفي حلم وكأنما طلع على ذاك البخار بضبابتين ضبابته المشرقة البرتقالية وضبابة الحب القديم والعهود الذهبية. فللفوسفور بذلك على اليد البيضاء كلما أشعلت عوداً من الكبريت فالتهب فوسفوره وأضاء التهب قلبي شغفاً وأضاء في سويدائه ظلام الغابر وحسبت عود الكبريت زهرة من بساتين الحب أو كوكباً يضيء لي منهج الهوى. كل الكبريت عندي كذلك إلا النوع المسمى كبريت فينا ذلك الخالي من الفوسفور لا رعاه الله ولا قدسه فإنه لا يذكرني عهداً ولا يهيج لي صدى. وإني أراني منذ استعملته غليظ الكبد كثيف الظل مظلم الهواء جامد النسيم. ومن الروائح المؤثرة في نفسي أيضاً البهار وأصل ذلك أنى لما كنت طفلاً صغير الجرم كان أبى إذا ركب في بعض أسفاره حملني بين ركبتيه فكنا ربما عبرنا قنطرة إلى القرية المجاورة فعجنا على كوخ متطامن السقف حقير الهيئة لريفيّ مسكين شاحب اللون ملوّح فتخرج من الكوخ الحقير أخت له مثله مسكنة وشحوب لون وتلويح. لها فوق ذلك صوت حزين ونغمة شجية فتحنو على شجيرات لها فتلقى صفرة البهار بصفرة وجهها فتجنى بهارة للغلام الصغير هكذا كانت تسميني. وهي الآن ثاوية بمدفن الكنيسة تحت نصب من حجر الإردواز تعلوه أعشاب قد أمالته العصور بعد تطاول الأمد فجنح. وقد ذهبت هذه الأيام وذهب الكوخ وربه وذهبت الأخت المسكينة وشجيرات لها. فيها شموس للبهار وارسة

стр. 756

كل ذلك قد ذهب ولكن نفحة من البهار ترجعه إلى جميعه بأسرع من لمح البصر. وعسي أن هناك سبباً مادياً لما يوجد من تلك الصلة الغريبة بين حاسة الشم وبين العقل. قال لي أستاذ مائدة الإفطار أن عصب الشم هو العصب الوحيد الذي يتصل مباشرة بالدماغ - والدماغ - كما أثبت العلم - هو مقر العقل ومجال حركاته. وهذا مخالف لتركيب عصب الذوق الذي لا يتصل بالدماغ مباشرة وإنما بنهاية العمود الفقري ومن ثم تري حاسة الذوق أضعف بكثير من حاسة الشم إيقاظا للذكري واستحضاراً للقرائن. يا الله! ماذا يخفق في حشاي وينبض في أوتار قلبي من نغمات الشعر الصامت إذا أنا فتحت غرفة مخصوصة في المنزل الذي ولدت فيه! - الغرفة التي أبليت فيها جلباب الصغر ونضوت فيها حلة الحداثة التي عققت بها تمائم الطفولة وبها ألقيت ثنايا الرضاع. - إذا أنا اقتحمت هذه الغرفة فقلت لنفسي على هذا الرف كانت توضع أواني القرنفل والعنبر ولطائم العطر وفأرات المسك وقوارير ماء الورد. وفي هذه الخزانة كان يدخر التفاح كأنما يراد به أن يبقى إلى أن تسوّد بذوره ولكن يمنعه من أن يصل إلى هذه الغاية أن في البيت عيوناً صغاراً قلقة يقظى ماتني تفتش وتعقب. وأنياباً صغاراً مرهفة حداداً مضاءة في شأنها من القرض والقضم كرحا الطحان ما تنفك تدأب وفي ظلمة تلك الخزانة لبث الخوخ أياماً وليالي يتذكر الشمس التي فقد حتى أصبح كقلوب النسكة الأبرار الموجهين جلّ أفكارهم - بين حسرة وتندم - إلى السموات والعرش والجنة. أصبح كهده القلوب قد فاح له أرج كأنفاس الملائكة إلا أن بأركان هذه الغرفة يتردد صدي عبق - هو صدى عشرين خريفاً قد بادت فانقرضت. ٢ نظرية أخلاقية المزاح والجد إن فيكم من يبلغ به حب المزاح أنه يود أن يراني أسعى على أم رأسي ولا يود أن يراني واعظاً على منبر استخدم هذا الرأس - بدل السعي عليه الذي لا يجدي أكثر من إثارة الضحك - للإرشاد والنصيحة. ألم تعلم أنه ليس من أسبوع يمر على صديقي أستاذ مائدة الإفطار إلا ويرد عليه كتابان أو

стр. 757

ثلاثة من أناس من نخبة أهالي الولايات المتحدة وبريطانيا وسائر قراء الإنكليز يعلمونه أنه قد صدئت قلوبهم من قلة الضحك وأنه ليس أحد أولى بأن يضحكهم منه حتى لأوشكت أن أحسب الأستاذ الجليل مجاناً عمومياً لا حكيماً وواعظاً وحتى هجس ببالي أنى سأراه يوماً في رداء مجان - ذلك الرداء الذي ألف من كل لون وصبغة - وأن أري برأسه الأجراس والجلاجل كلما تحرك رن وطن كأنه معمل الحديد أنا لا أمقت منكم ميلكم إلى الضحك ولا أظن عليكم بالكلمة تضحككم متى قدّر لي الله على ذلك فإما أن تطلبوا إلىّ أن لا أقول إلا ما يضحك وإلى أنفسكم ألا تفعل شيئاً غير الضحك فذاك مخالف لسنة الطبيعة وجدير بمن كان هذا شأنه أن ينقلب قرد التوه وساعته فيكون أستاذاً في فن المضحك. ولكن الإنسان حيوان ضاحك باك. وقد خلق الله الضحك والبكاء قوتين تديران مكينة الشعور في الآدمي فالضحك هو القوة الهوائية والبكاء هو القوة المائية. وقد سمعت أستاذ حديث المائدة يقول أن الهستيرية (نوبة عصبية يتردد أثناءها الإنسان بين البكاء والضحك) هي أوضح تمثيل تبين به الطبيعة سرعة تحوّل الحالتين النفسيتين - اللتين عنوان واحدتهما الضحك وعنوان ثانيتهما البكاء - كل إلى الأخرى. وهذا مالا تزال تراه في الأطفال كل ساعة. فإذا أردت أن تري كيف يكون هذا في الكبار فانظر الممثل الحاذق المستر بلاك في دور جمس رورال فإنك لن تملك البكاء لهول ذاك المنظر. إن من البلية على الكاتب أو الشاعر أن يسترسل في باب المضحك فإنه يعوّد الناس بذلك على ألا ينتظروا منه إلا المضحك وأن لا يعرفوه إلا مزاحاً فهم يضحكون معه مادام يضحكهم فإذا أراد الجد فشرع ينطق العلم والحكمة ضحكوا منه وهزأوا به على أن هناك سبباً أغمض من ذلك. ألا تشعر أنك ترى نفسك فوق كل إنسان يتصدى لإضحاكك سواء بحركات جسده أو بحركات قلمه. ألا تشعر أنك تفيض عليه من برك وإحسانك إذ تمن عليه بتقبلك منه الوثابات الحقيقية أو الشعرية؟ فإذا لزم أدبه ووقف عند حده فخيراً يفعل وإذا أساء الأدب وتعدي طوره بأن حاول أن يعلو إلى مقامك الرفيع فينزلك عنه إلى منزلته الوضيعة عاكساً الحال قالباً الوضع ثم أخذ يدلى إليك من منبر عظته نوابغ الحكم فبئس ما صنع وساء ما أتى وإنما جاء ما لم يكن في الحساب ولا جرى بخاطر. لذلك أنصح لكل ذي يراع أن يدخر مجونه إلى أن ينال في العلم والحكمة رتبة وإلى كل

стр. 758

ممثل أن يكون هامليت أولاً ثم تاتشتسون بعد ذلك. ولكن لا تحسبن إذا بدأت حياتك التمثيلية بمظلة بول براي ثم أمسكت بعد ذلك خنجر ماكبيث أن الناس يرونك مجيداً بعد المظلة أعمال الخنجر. قلت لك أنى لا أستحي أن أضحكك أحياناً. بل إني سأسمعك شيئاً من مضحكاتى يوماً ما إن أنت أحسنت الإصغاء إلى عظاتي ومبكياتي. والمضحكات كائنة في الطبيعة ليست من مبتدعات البشر ولكنها أمر إلهي تمثله النكات العملية من القطط والقردة قبل ظهور المزاحين الكبيرين موليير وشاكسبير. وإني لأعجب للناس أنى تطرق إلى عقولهم هذه العقيدة الغريبة وهى أن الحياة الأخرى - حياة الأبرار في الجنة - أرفع وأشرف من أن يدخلها الضحك والمضحك. حقاً لقد جردوا الأبرار سكنة الجنان من نصف إنسانيتهم. ولقد رأيت كثيراً من هؤلاء الأبرار يهيئون نفوسهم في هذه الحياة إلى تلك العيشة العابسة (حياتهم في الجنة الخالية على زعمهم من الضحك) بطردهم من ساحات صدورهم كل ميل إلى السرور ومن صحائف وجوههم كل لمحة من سنا البشر والطلاقة. وكثيراً ما أصادف في غدواتي أحد هؤلاء الأبرار العابسين فينظر إلىّ - كمن عرفني - نظرة موحشة ثلجية كأنما هو قاض سماوي قد هبط إلى هذا العالم ليحكم بأقصى العقوبة على كل من يعرف - أقول ينظر إلىّ النظرة كأنما أخذتني سحابة من برد فأسعل في الحال وأحمل إلى دارى من تلك اللحظة برداً يفكك مفاصلي ويوهي عظامي. مثل هذا الرجل يقطع ولا شك ذنب هرته إذا هو عثر عليها تعبث به. بالله سله من علم الهرة أن تعبث بذنبها؟ ٣ وصف الشاعر والنبوغ والعبقرية إذا نظرت إلى الشاعر من بعض الوجوه رأيته أبداً شيخاً. ورأيت أن أذنه الحديدة تسمع من همسات الأبدية ما ليس تدركه الآذان البليدة إلا بعد أن تقطع نحوه المسافات البعيدة من الوقت. وربما كانت اللمحة الدالة خيراً من النظر الطويل وخطفة البرق من البصيرة النافذة أنفس من تجربة دهر. وكثيراً ما رأيت في صغار الصبية من تطاول عليه البؤس وتمادى

стр. 759

به الهمّ حتى لاح وجهه علائم الهرم ولا تعدم الملاجئ والإصلاحيات أمثال هؤلاء الغلمة. كان الله للفئة المساكين! إن بوجوههم من سيما الحزن والجوى. ومن غضون الرثاثة والبلى ما يخيل إليك أن أعوامهم القلائل ستون عاماً. وكائن رأينا من شاعر كان إذا نفثت كلماتهن قلب شاخ قبل أوانه. وكأنما صباح شبابه لحزنه وبرودته ووحشته مساء الشيخوخة في غيره. ومن تأمل الشاعر الشاب شلى حيث يقول لهممت من فرط الأسى ... ومضاضة الحزن الأليم القي بنفسي في الثرى ... وأصيح كالطفل اليتيم وأميت نفسي بالبكا ... ء فأستريح من الهموم وأرى حشاشة مهجتي ... تنثال في الدمع النظيم أعذب بانداء الردى ... في حبة القلب الكليم من تأمل هذه الأبيات وتدبر ما تنطوي عليه من شدة الجوي علم أنها خرجت من فؤاد هو كما قال ذلك الشاعر قد شاخ قبل أوانه_من فؤاد عمره_وشد ما يخطئ الناس إذ يقدرون عمر الشاعر كما يقدرون أعمار سائر البشر كأنهم لم يعلموا أن دقيقة الشاعر يوم غيره - من فؤاد عمره ست وعشرون. كلا النبوغ والعبقرية زيادة في العقل على مقدار المتوسط على أن العبقرية أكثر وأرجح. هذا من جهة المقدار فأما من حيث النوع فإنها صنف آخر خلاف النبوغ. النبوغ ملكة إنسانية. والعبقرية ملكة فوق الإنسانية. فإن تشأ فقل جنية (وهو مطابق لاشتقاق اللفظة) أو ملائكية أو إلهية. النبوغ ينقاد للإرادة فهو أشبه بالصفات الإنسانية كما قلنا ولكن العبقرية ضرب من الغريزة والإلهام كالذي نراه في الحيوانات السفلى يدبر بارع أفاعيلها ويضبط بديع حركاتها فعليها لذلك صبغة بهيمية. ولكن الغريزة في الحيوان هي كما شاهدناها أصدق من أسمى محاولات البشر. ألم تنظر إلى الطير كيف تجري في أسفارها على نظام لو سئل المجمع الجغرافي الملوكي أن ينقح فيه لما وجد للتنقيح فيه مجالاًً. وكذلك الشاعر (العبقري) يسافر بلا خريطة وبلا أعلام إلى بقاع من عالم الحقيقة غير مطروقة لم تهتد إليها الفلسفة بعد ولم تضعها على خريطتها. ذلك أن الفيلسوف يهتدي

стр. 760

إلى منهاجه بالنظر والبحث ولكن الشاعر يفوّض أمره إلى غريزته فيبلغ المدى بطريق أقصد وأقرب. نقول أن على العبقرية لصبغة بهيمية كأن ذلك عيب ومنقصة. كلا! أو ليست الغريزة حتى في أسفل الحيوان أكثر آلهية من أعلى وأفضل ما أملاه عقل الإنسان ورويته؟ ماذا ترى ببيت النحلة إلا أنه فكر إلهي محض صريح وماذا تري قانون أعظم المهندسين إلا أنه فكر إلهي كدر مشوب - نسخة ممسوخة من قانون محكم سنته الحكمة الإلهية فأخذته نفس بشرية ثم عكسته مشوهاً كما تعكس المرآة الكدرة الصورة. النبوغ كثير والعبقرية نادرة. والنبوغ صفة قد تشمل الأسرة معظمها أو جميعها والعبقرية من مزايا الأفراد. مثلما ترى في العشيرة مارداً واحداً أو قزماً واحداً ولكنك لا ترى عشيرة كلها مردة أو كلها أقزام. والنبوغ مسلط عليه العقل يقوده - كما أسلفنا_بالإرادة. والعبقرية مسلطة على الشخص بأجمعه تفعل به كما تشاء. والناس يرحبون بالنبوغ في أي إنسان ويمشون له ويفرحون به. ولكنهم كثيراً ما يضيقون ذرعاً بالعبقرية وصاحب العبقرية ويحارون فيه ماذا يصنعون به. وذلك أن النبوغ سهل ذلول. كأنه بين يدي الدنيا حيوان مذعان يحنو لها رأسه وهي (الدنيا أي الناس) تلبسه الرسن وتلقي عليه الحمل فيستقل به في نشاط وروح صبوراً على الشكيمة جلداً على السوط. ولكن العبقرية تجزع من اللجام وتقلق من السرج. ويمنعها غليان الدم في عروقها أن تسكن للسائس وتذعن للمرتاض والنبوغ في كافة الأحوال محسود. وقلما ترى صاحب العبقرية إلا بالرحمة جديراً. وكيف وما زلنا نرى صاحب العبقرية عرضة لأن يموت في مستشفى أو سجن أو مثقلاً بالدين أو موصوماً بسبة. ولكن مالي أزن الكلام في مقارناتي كأني بين ذخائر البلاغة يقال. في يدي الموازين والأثقال. وأراك بعد لست إلى كل ذلك في حاجة. وفي تجاربك ما يكفيك. ألست تعرف عشرين من ذوي النبوغ يرقون في سلم الحياة؟ وربما تعرف عبقرياً واحداً. فإن صح ذلك فما أراك تحب أن تعرف عبقرياً آخر. لأن العبقرية وعلى صاحب صاحب العبقرية أن يعالجا تلك الغريزة الإلهية المشاق التي تجدو الطائر نحو الجنوب وتحدو الشاعر نحو السماء. لقد كان حقاً من أصعب أن رزق بعض الناس صاحباً مثل شاترتون أو بارنز.

стр. 761

نوابغ العالم فريدريك الأكبر بقلم كبير كتاب الإنكليز ومؤرخيهم اللورد ماكولى تمهيد هذه المملكة البروسيانية، أحدث أمم الغرب عمراً، وأنضرها شباباً وخامسة أترابها خلائق وسكاناً، ووفرة وغناء، وثالثتها إن لم تكن ثانيتها أدباً وعلماً ومدنية وعمراناً، وثبت من منشأ وضيع، وطفرت من أصل خفيض، وتسنمت ذروة المجد، وكانت من قبل في الحضيض. أنعم الإمبراطور (سجسماند) على أسرة هوهنزلرن، العريقة في النهل المتمكنة في الشرف، بمركيزية برندنبورغ، وكان القرن الخامس عشر لا يزال بعد وليداً، فلما قضي ذلك الجيل وأقبل القرن السادس عشر يمشي الخيلاء، دخلت هذه الأسرة الكريمة في دين لوثر، واعتنقت مذهبه، وفي أوائل القرن السابع عشر خلع عليها ملك بولونيا دوقية بروسيا وقلدها ذلك المنصب. على أن هذه الأرض التي تملكتها، والولايات التي تقلدتها، ما نهضت بها إلى مرتبة أمراء سكسونيا، ولا رفعتها إلى مقام سادة (بافاريا). كانت أرض (برندنبورغ) جرداء، لا يطيب فيها زرع ولا يصلح فيها نبات بل كانت جنبات برلين، وهي عاصمتها، وجوار بوتسدام، وهي مقام حكامها المحبوب ومقر ولاتها الأمين، عراء خلاء. وكان يحصل في بعض أصقاعها، من كثبان رمالها، على شيء نزر من الحنطة والدخن، بشق النفس، ومشقة الحرث. وفي نواح أخر بقيت الغابات القديمة والأجمات التي جازها الفاتحون من الدولة الرومانية إلى ضفاف (الطونة)، لم تمسها يد الإنسان، ولا عملت فيها معاوله. وما كان من هذه الأرض غنياً خصيباً فشت فيه المستنقعات وأفسد هواؤها صحة السكان حتى تولى الزارع عنها بعد ما غرهم خصبها وخدعتهم جودة تربتها. وكان فريدريك غليوم الملقب بالأمير الكبير السيد الذي اجتمع خلفاؤه على أنه واضع أساس عظمتهم، ومعلى بناء

стр. 762

مجدهم، نال من معاهدة (ويستفاليا) أملاكاً واسعة كثيرة، ومن بينها مقاطعة (مجديبورغ) وبلدها الغني، وترك لأبنه (فريدريك) من بعده أمارة لا تقل في شيء عن تلك الإمارات التي لم ينل حاكمها لقب الملك. وطمحت نفس فريدريك هذا إلى الملك والملكية وكان مفتوناً بالمظاهر سخياً مبذراً، غافلاً عن فوائده الحقيقية، قاعداً عن واجباته، قلقاً يحتال للشهرة التي لا قيمة ولا وزن يقام لها، فلم تتسع على يديه أملاك الحكومة التي هو واليها، ولا ترامت أرض لرعية التي هو راعيها، بل لعله أورثها بنيه وقد حط من شأنها ولم تزدد به قدراً، ولكن نجحت غاية عيشه وفاز بأمنيته فنال لقب الملك في عام ١٧٠٠ واتشح بوشاحه ونودي بجلاله. وكان يجب عليه عند ذلك أن يحتمل المتاعب التي تصيب الطامعين الحديثي عهد بالسلطة والنعمة. وكان بين الرؤوس المتوجة في أوروبا أشبه بالإنجليزي التاجر الذي أثرى في الهند وطال هناك غناه فاشترى بالمال لقب الشرف فبدا بين جماعة الأشراف الذين تآمر أجدادهم على أسرتي (يورك) و (لانكستر) المتنازعين على الملك المتقاتلين. وكان حسد الطبقة التي فارقها، واحتقار الوسط الذي سلك نفسه بين ملوكه، ظاهرين أوضح ظهور. رفض أمير سكسونيا في أول الأمر أن يقر لذي الجلالة الجديد، بمنصبه السامي البعيد، وجعل لويس الرابع عشر ينظر إلى أخيه المليك مزريابه نظر الكونت في رواية موليير إلى السيد (جوردان) وقد حاز مظهر السيادة لا حقيقتها، وابتزت النمسا منه أشياء طائلة ونفائس كثيرة لكي تعترف له باللقب الحديث، وترضى له بالملوكية واسمها، ثم جادت عليه بعد ذلك باعترافها، من غير ما رقّه ولا أدب. وخلف م بعده ابنه (فريدريك غليوم) وكان على شيء من المقدرة على الإدارة والنظام، وإن شوه خلقه تلك الشرور المنكرة التي ركبها والرذائل التي لبسها، بل أن الأفعال الشواذ التي كان يأتيها لا ترى إلا في مستشفى المجاذيب. وكان في تصريف وجوه الأمور دقيقاً نشيطاً. وهو أول من فكر في جعل بروسيا أمة ذات قوة وسلطان بين أمم أوروبا بتعبئة جيش عرمرم شديد وساعده اقتصاده المعنت أن يكفل

стр. 763

في السلم ستمائة ألف مقاتل وكانوا على نظام لو وضعت كتائب (فرسايل) بجانبه أو جنود (سان جيمس) لبدت إزاء جيوشه شرذمة قليلين، ورَب قوة كهذه يرهب جانبه ويخاف بأسه، ويطمع في صداقته، وينتفع من محالفته، وترى فيه الجيران عدواً لا تكسر له حدة، أو حليفاً قيماً غالياً. ولكن عقل فريدريك غليوم كان مختلاً فانقلبت أمياله غراماً وكان ذلك الغرام نتيجة مرض عقله ونقص أخلاقه. وأصبح ذلك المقتصد شحيحاً مغلول اليد، وبات حبه أبهة الجيش ووراءه جنوناً، كجنون شيخ البلدة الهولاندي بزهر الخزامى، فبينا أهل بلاط (برلين) في الفاقة يتضورون، وأهل العواصم الأخرى يضحكون من حالهم ويسخرون، وبينما طعام أمراء الأسرة وأميراتها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل لتمتنع عنه النفس والنفس طاوية، لم يعز على الملك أن يصرف الأموال الطائلة في جمع الجند الطوال. وكان غاية الملك أن يؤلف فرقة من الجنود الطوال النجاد فأرسل رسله يبحثون في كل مملكة وينقبون عن طوال رجالها ولم يقصروا البحث على البلاد الغريبة، بل ما ارتفعت على رؤوس الجموع رأس في أسواق حلب والقاهرة وسورات ولا طالت على الهام هناك هامة واستطاع صاحبها أن يفر من أيدي رجال فريدريك ولقد نال (ايرلاندي) تبلغ قامته أكثر من سبعة أقدام التقطه سفير بروسيا في لندن، جائزة مقدارها ألف وثلاثمائة جنيه، وهي تربى بكثير على مرتب السفير نفسه. ذلك إسراف طائش، وتبذير مجنون فلعل فتي شديد الأسر لامتناه في القصر ولا في الطول بريالات معدودات يكون خيراً من هذا وأحسن عملاً. . . . وعجيب أن يكون فريدريك غليوم أحب الملوك للمسلم، وأكرههم في الحرب، وهذا مطمعه في القوة الحربية، وهذا عهده المأثور في تاريخ النظام الحربي، وهذا حبه لرواء الحرب. ونحن نخشى أن كراهيته للحرب لم تكن أثراً من أثار الإنسانية فيه بل إن هي إلا وهم من أوهامه، وخيال من خيالاته. وكان خوفه على جنده خوف البخيل على ماله. هام الملك بجمع الجنود وعدهم وازدياد عددهم ولكن لم يطاوعه قلبه يوماً أن يباغت ذلك القطيع العزيز.

стр. 764

وكان ينظر إلى المستقبل قيمني النفس بأن جنوده ستسوق راجلة العدو سوق الأغنام. على أن ذلك اليوم الذي كان يتعلل به، والحرب التي يتوقع نشوبها، كانت تعدو هاربة من أمام عينيه، ولو كان الله مد في فسحة أجله ثلاثين حولاً لما ألفى أصعب ملمة، ولا أعصب شدة، من قتال بسيط في سهول برلين. ولكن قضى الله أن تستخدم هذه المعدات التي أعدها، والوسائل التي ادخرها، روح أصدق منه لقاء، وأثبت جرأة، وأعلى في النظام كعباً. . ولد فردريك، الملقب بالأكبر، ابن فردريك غليوم، في يناير سنة ١٧١٢. ونحن نقول أمنين، أن الله رزقه فهماً ثاقباً، وذكاءً حديداً، وحلماً قليلاً وعزمة راسخة. أما معالم أخلاقه الأخرى فلا ندري أهي من متممات الطبيعة، أم هي تأثير التربية الغريبة التي ترباها. وتأريخ نشأته وعهد شبيبته مؤلم يشوق المستطلعين. فلا أوليفر توست في معمل القرية، ولا (سميك) في معمل الصبيان، بأشقى حالاً من ذلكم الوريث المسكين. كانت شيمة أبيه فردريك غليوم الغلطة والشر وقد صيره استبداد الملك وحشاً فتاكاً ضارياً. وامتد أذاه في كل مكان، عن اليمين وعن الشمال، باللكمات واللعنات كان إذا خرج إلى الرياضة والنزهة فر الناس من طريقه، وعدوا هاربين ما يحتمون كأنما من نمر انطلق مفلتاً من قفصه. إن لقي امرأة في الطريق رفسها ثم أمرها أن تتولى إلى بيتها فترعى أطفالها، وإن صادف قسيساً يعظ الجنود نصح له أن يعمد إلى صلاته وقراءته ويأخذ في تضرعه ومطالعته، وأتبع النصيحة بالعصا. أما في داره فهو الأحمق الذي لا يراض، والوحش الذي لا يسكن. كان قصره جهنم وكان هو أرجم الشياطين. وكان ابنه فردريك وابنته ولهلمينة موضع كراهيته وتعذيبه، وكان جاهلاً ما هذبه علم ولا أخصب من قلبه ما أجدبه الجهل، يكره الأدب ويزرى به، ويمقت الملحدين وشيعة البابا والفلاسفة الباحثين فيما وراء الطبيعة، ولا يعرف الفرق بينهم جميعاً. شأن الحياة لديه أن يريض جنده وأن يتريض، وألذ رياضات ذلك الأمير وأبردها على

стр. 765

كبده، أن يدخن حتى يمتلئ هواء الحجرة بالدخان، وأن يحسو من جعة السويد، بين ذوائب غليونه، وأن يلعب (الطاولة) مراهناً بقطعة من المطاط لا تساوي ثلاثة فلوس، وأن يقتل الخنازير البرية، وأن يصيد من الحجل بالألوف. وولى عهده فردريك راغب عن أمور أبيه وملاهيه، لا يميل إلى استعراض الجند، ولا يحب رائحة التبغ ولا (لعب الطاولة) ولا يرغب في القنص، فجنح إلى المزمار فأفتن فيه، وكان أول ما أخذ ذلك عن فئة من لفرنسيين الطريدين حببوا إليه الأدب الفرنسي وحببوه في مجتمعه وأيقظوا ما هدأ من عواطفه. وكان فردريك غليوم يعد كل ذلك مخنثاً مزرياً، وكلما ازداد على ابنه نكيراً وتضييقاً، ازداد هذا ميلاً إليها ورغباً فيها. وحان الوقت الذي فيه يتطور عقل الشباب وتثور في القلب الثورات، فاشتد ما بين الابن والوالد من العلائق جفوة وفتوراً. وارتكب فردريك بعض هفوات من هفوات الصبا ونزقه مما يحسن بالأب العاقل الأريب أن يغض عنها بصره، ولا يأخذ بها ولده. ولقد اتهموه بعد حين، إن صدقا وإن كذباً، بارتكاب شرور يحمي التاريخ عنا ناظريه، بل ليخجل النقد أن يذكر اسمها، شرور تتحاماها الطبيعة الحيوانية في الإنسان وهي التي تجر إلى عظائم الذنوب وتقود بابن آدم إلى كل جرم. على أن هفوات صباه لم تكن نهاية في المنكر، ولا اختلفت عن الذنوب الأخرى الشائنة، ولكنها اهتاجت غضب الملك وزادت سخطه وكان يكره الهفوات إلا ما كان منها حظه ونصيبه، ويحسب أنه طالما تضرع إلى الله يحمده إذ كرهه في العواطف الرقيقة وحببه في الجفوة والقسوة ولم يكن فردريك ممن يأخذ المسائل الدينية قضية مسلمة، لا بحث فيها ولا جدال، فجعل يلقي الأسئلة المعضلة في الدين، وطفق يأتي بحجج تشتم منها رائحة المروق عن مذهب لوثر وشيعته، وظن الملك أن ابنه سيصبح ملحداً، زنديقاً كان أم (كالفينيا) فرأى أن القسوة على ابنه أمست واجبة لأنه مسيحي يغار على مسيحيته، فعمد إلى مزماره فحطمه، وإلى الكتب الفرنسية فأمر بإخراجها من قصره، وانحنى على الأمير رفساً وضرباً وتقريعاً وتأنيباً.

стр. 766

وإذا جلس إلى الغداء رمى بالصحاف في وجهه، وكان لا يقدم إليه حيناً إلا الخبز والماء، وحيناً يلجئه إلى ازدراد طعام خبيث فاسد لا تكاد المعدة تسيغه ولا تكاد تمسكه، ولقد رماه أبوه إل الأرض ثم جعل يجره حتى النافذة يريد أن يخنقه بحبال الستائر! هذا والملكة في أشد الغضب تشفق من زوجها على ابنها، وأخته ولهلمينا انحازت له فلقيت ما يلقى كل يوم من عذاب. وبلغ بفردريك الشاب اليأس فاحتال للهروب، وبلغ بأبيه المستبد الغشوم الغضب فاستحال جنوناً. وكان الأمير ضابطاً في الجيش، وفراره يعد في العرف نكولاً، والنكول في قانون فردريك غليوم أكبر الجرائم نكراً، وقد كتب ذلك الملك المتدين في إحدى رسائله الهوجاء النكول من الجحيم، عمل صبية الشياطين وأطفال الأبالسة، لا يقع في جريرتها عبد من عباد الله. وكان مع فردريك شريك يرى رأيه، ويذهب مذهبه، فأمر الملك بقتله، ولم تأخذه فيه رحمة، ولم يستمع لنصيحة المجلس الحربي له أن يأخذه بالعفو. وكاد فردريك نفسه يلحق بشريكه، وكاد ينفذ فيه حكم أبيه بالموت، لو لم يقيض الله له حكومات هولاندة، وملوك بولونيا والسويد، والإمبراطور فتداخل الجميع في أمر ذلك الحكم، وبعد تعب وجهد سكنت حدة الملك وأنقذ آل براندنبورج من وصمة كادت تعلو جباههم، وعار قتل أوشك أن يلبس شرفهم. وعلم فردريك بعد قلق عدة أشهر أن حياته قد أنقذت من مخالب الموت، ولكنه لبث في السجن طويلاً، وقد رأى أن لا مناص من غياباته. ووجد في حبسه من الحراس رحمة لم يجدها في أبيه، وألفي بين الحفاظ قلوباً رحيمة أين منها قلب والده ومليكه. ولم تكن مائدته في السجن فاخرة، ولا الطعام لذيذاً، لكنه صحي مفيد، يقتل الجوع ويسكن ثائرته، واستطاع أن يقرأ (الهنريات) ولا يرفس من أجلها، ويعبث بمزماره، وينفخ بالألحان والنغم، ولا يكسر فوق رأسه. فلما انقضت مدة حبسه، خرج من محبسه رجلاً وقد أوشك أن يتم الحول الواحد بعد العشرين، فلا يستطيع أحد، حتى وإن بلغ من القسوة مبلغ والده، أن يضيق عليه أو يصرفه

стр. 767

عن وجهة هو موليها. خرج وقد أصبح أنضج الألم فهمه وذكاءه، وأقسى العذاب فؤاده، وأمر الهم طبيعته وأخلاقه. تعلم ربط النفس وحكمها، وملابسة الناس وخديعتهم، وادعى أنه منتصح ببعض آراء أبيه وقبل يد المرأة التي أحب والده أن يزوجها منه، ولم تكن في الحقيقة زوجته إلا اسما واشتغل تحت أمرة الأمير (أوجين) في حرب ما اشتهر عنها شيء ولا حدث في نقعها للشجاعة خارقة ولم يكن لفردريك فرصة فيشرق في وطيسها ذكره. وسمح له والده أن يعيش في دار منفصلة واستطاع بذلك أن يكفل ملاهيه ويطفئ كلما استعرت جذوة أمياله سراً لا علانية. وصرف جزءاً من وقته ينظر في الأمور الحربية والمسائل السياسية وذلك لإرضاء الملك وعن ميل في نفسه ورغبة تنازعه وكذلك كان فردريك يدرج في معارج المقدرة على تصريف هذه الشؤون دون أن يعلم بذلك أخلص أصدقائه، ولا أصدق المخلصين. وكان مقامه المحبوب رينسبورغ، على مقربة من الحدود التي تفصل أملاك بروسيا عن دوقية ميكلنبورغ. درينسبورغ موضع خصيب، ومكان ضاحك، وخميلة طيبة، في وسط رمال المركيزية المترامية الأطراف. وكان يحوط الدار أجم السرو والسنديان، تشرف على بحيرة واسعة هناك كان يلهو، وفي هذه البقعة الجميلة كان يمرح، يزرع البساتين في طرق متشعبة وغير متشعبة: ويبني المسلات والمعابد والمتاحف، ويقطف الأثمار والأزهار. وكان يخفف عنه عزلته صحاب جمعهم إليه وأدناهم منه، وآثر الفرنسيين منهم مولداً وأصلاً. وكان يأكل مع هؤلاء جميعاً ويشرب، ويقيم للهوه المراقص، وحيناً يقرأ في كتاب ديني سماه (عهد بايارد)، ولكن في الأدب كان كل هواه. وتعلم كل شيء بالفرنسية، وأن العلياء التي نعم بها لويس الرابع عشر، والنبوغ العظيم الذي رزقه شعراء ذلك الأمير الكبير وكتاب مآسيه ومضحكاته وأهاجيه والشأو الذي حازه

стр. 768

خطباؤه ودعاته، تركت اللغة الفرنسية شائعة في أوربا منتشرة في كل فجاجها ذائعة في كل أقطارها، حتى في البلاد التي لها أدبها، والتي تستطيع أن تفخر برجال أعظم من راسين، وأقدر من موليير، وأبدع من ماسيون - بلد دانتي، وأرض سرفانت وموطن ملتون وشكسبير، اختار القوم أذواق باريس وأدبها وآثروا رقة لغة الفرنسيين وبدائع كتابهم. ولم تخرج ألمانيا في ذلك العصر شيئاً من محاسن الشعر وعقائله، ولا نشرت للناس من آيات الفصاحة البينات ولا من فرائد النثر المترقرقات، ولذلك شاع الأدب الفرنسي في أرضها لا يزاحمه مزاحم ولا يقف في سبيله حائل. فكان كل شاب ذي مكانة أو يافع رب وجاهة يتعلم اللسان الفرنسي كلاماً وكتابة، أما تعلمه الكلام بلسانه الأصلي والإنشاء بلغته الوطنية، أو تعلمه أدبها، وإن لم يستطع فسهولتها وصحتها، فكان غير مهم. حتى فردريك غليوم نفسه على خواطر في اللغة السكسونية بالية، وفكر ذاوية، كان يرى لزاماً لأبنائه أن يعرفوا الفرنسية، أما التمكن في الألمانية والتبحر في آدابها فأمر غير ذي بال، ومسألة لا ينظر فيها وليست من اللزوم في شيء. وأما اللاتينية فكانت ممنوعة محظورة. وقد كتب الملك أن ابني لن يتعلم اللاتينية، وفوق ذلك فأني لن أحتمل أن يذكر أحد ذلك أمامي. وقد جسر يوماً أحد الأساتذة على قراءة العجل الذهبي في الأصل اللاتيني مع ولي العهد وباغتهما (فردريك غليوم) فصاح بالمعلم في لهجة الملوك: ماذا تعمل، أيها الشقي فأجابه المعلم. ليهدأ ثائر ذي الجلالة فقد كنت أفسر العجل الذهبي لسموه. فصرخ ملك بروسيا، لأردنك أيها المجرم عجلاً، وارتفعت العصا، وجرى المعلم المسكين هارباً، وكان ذلك آخر عهد فردريك بالعلوم القديمة. ولكنه كان يتبجح في بعض الأحيان فيتشدق ببعض كلم سيشرون وكلامه. أما حظه من اللغة الطليانية فلم يك بالأكبر الأوفر بل ليصعب عليه أن يقرأ صحيفة من صحف (متاستاسيو).

стр. 769

أما في الاسبانيولية والإنكليزية، فلم يعرف على ما تعلم حرفاً واحداً.

стр. 770

سر تطور الأمم مبحث ضاف جليل في نقد نظريات كتاب سر تطور الأمم للكاتب الحكيم عباس محمود العقاد كتاب من الكتب القيمة وضعه عالم فرنسي جليل، وعربه وزير مصري عامل. والكتاب على صغر حجمه وإيجاز أبوابه من الأسفار التي قل أن يلج مثلها إلى عقول المصريين من جانب اللغة العربية. وأيسر ما يقال فيه أنه سيعوّد القراء أسلوب البحث الجديد فلا يركنون إلى تلك المباحث التي مدارها على التلفيق، وهي براء من المعنى براءتها من صدق النظر والتحقيق. فما أكثر الكتاب الذين كانوا ينظرون عندنا إلى أعضل مسائل الاجتماع وأغلق أبواب المستقبل بعين تتخيل الأفكار كما يتخيل الناظر الواهم صور الجمال والثعابين والحيتان في قطع السحاب المذعذعة في السماء. وحسب الواحد منهم أم تتم في ذهنه صورة ملفقة على هذا النمط فيبرزها للناس قضية مسلمة، ويبني عليها النتائج البعيدة والنظريات الخطيرة. أفرد المؤلف أكثر فصول الكتاب لتجلية الفكرة التي يحوم حولها في أكثر كتاباته. وهي أن لكل أمة روحاً تسير أعمالها، وهذه الروح هي التي تكيف أطوار الأمة وتشكل ملامحها الطاهرة. وإليها يرتد سبب كل حركة من حركاتها. وقد غالى في وصف ما لهذه الروح من الأثر في كافة أحوالها، إلى حد يوهم أنه ينكر ما للعوارض الطارئة من الأثر الثابت في حياة الأمة، والحقيقة أن لهذه العوارض شأناً في تاريخ الأمم لا يحسن إغفاله ولا سيما من وجهة النظر السياسي، كما أن الربان الحاذق لا يجلس مجلسه من السفينة إلا ليرقب ما يهب عليها من الأعاصير، ويثب إليها من الأمواج، ولا يغنيه علمه بأدوات سفينته وفجاج البحر الذي يسلكه عن الدربة على قيادة في تلك الأهوال، وإلا فإن ثورة واحدة من تلك الثورات قد تهوي بالسفينة إلى القرار. وما العوارض الطارئة إلا الخيوط التي ينسج منها روح الأمة، ويتكون من مجموعها سلسلة اختباراتها وذكرياتها الماضية، وهي لا تجعل في الأمة شخصاً غير شخصها، ولكنها تغير بنية ذلك الشخص، فليس لروح الأمة دخل في تاريخها إلا بقدر ما للإرادة في تاريخ الفرد، وكثيراً ما تكون الإرادة منفعلة بما يطرأ عليها ولا تكون هي الفعالة إلا إذا جاءت الحوادث بما يوافقها. وقد بالغ المؤلف في تقدير طول

стр. 771

الزمن الذي يرسخ فيه المبدأ فيصير عقيدة موروثة وجزءاً من أجزاء تلك الروح، وهي مبالغة غير محمودة لأنها توقف المصلحين موقف الحذر الشديد عند كل حركة جديدة، وتصغر من قيمة الفرص الوقتية في حسابهم ولا سيما إذا كان لا سبيل إلى تشخيص روح الأمة ومزاجها تشخيصاً يقطع الشك باليقين. ذلك ما هو واضح من غموض الفكرة نفسها في الكتاب فإن المؤلف لم يستطع إلا أن يلم بها إلماماً غير محيط بها ولا ضابط لدقائقها. حتى أن القارئ ليخرج من الكتاب وهو لا يدري حد الفارق بين روح الأمة الإنكليزية والأمة الفرنسوية. هذا على أنه يكاد يكون موضوع الكتاب الذي جاهد المؤلف غاية الجهد لتبنيه وتفصيله، ولا ريب أن مثل هذه الفوارق التي لم يلمسها المؤلف إلا بيد الحس لا يصح أن تكون أساساً للأحكام العريضة التي سجلها على أكبر مبادئ العصر بل على الدين الجديد في عرفه. فإذا كان الغرض من تقدير تلك الفكرة المبهمة الإشارة إلى اختلاف الأمم في الأمزجة فذلك مالا نزاع فيه أما إن كان يرمي به إلا أبعد من ذلك فالحق يقال أن قدمي هذه الفكرة لا تحملانها إلى أبعد من تلك الغاية. إذ ليس في الكتاب ما يبين بياناً جازماً أن الحادث الذي يقع في هذه الأمة لن يقع مثله في أمة أخرى، وليس فيه حجة دامغة تنفي القضايا التي قررها علم مقابلة التواريخ وأيد بها قولهم أن للأمم أطواراً تمر بها كل أمة حية، وأنه إن اختلفت الأزمان بعداً وقرباً فذلك لاختلاف المناسبات والطوارئ ولشيء قليل من تباين الأمزجة، ولكن هذا التباين لا يمنع أمة من أن تعتنق كل رأي في حينها المقدور لها، وإن كانت ربما دعته بغير ما يدعي به في الأمم الأخرى، تبعاً لاختلاف اللغات، وتفاوت الأحوال والعادات. فليس في مجلس انكلترا مثلاً حزب اشتراكي كحزب فرنسة الاشتراكي ولكن فيها حزباً للعمال. وكلا الحزبين غايته واحدة ومطالبه متشابهة. وهي أنصاف طبقات العمال من أصحاب الأموال. والدكتور لوبون يقول مع ذلك أن الاشتراكية شاعت في فرنسه لأن مزاج أهلها يميل بهم إلى الاعتماد على الحكومة ولم تشع في انكلتره لأن الإنكليز أهل استقلال لا يعولون إلا على أنفسهم - دع ذلك وانظر صوب ألمانية فإنك ملاق فيها شعباً اشتراكياً صريحاً وحزباً يمثل الاشتراكية في مجلسها هو أقوى الأحزاب وأوسعها نفوذاً والألمانيون كما تعلم شعب سكسوني قريبٌ مزاجه من مزاج الأمة الإنكليزية فما باله في

стр. 772

هذه الحالة أشبه بفرنسه اللاتينية منه بإنكلتره السكسونية؟؟ وكأن الدكتور يحس بركة تعليله في هذه النقطة فجعل الاشتراكية آفة أوربية عامة، وعبر المحيط الأطلسي ليجد له في الدنيا الجديدة برهاناً يدعم به رأيه. فانظر كيف يقول في ذلك: وإذا أردنا أن نعرف بكلمة واحدة ما بين أوربا والولايات المتحدة من التفاوت قلنا أن الأولى مثال ما يمكن أن تنتجه الأمة التي قامت فيها الحكومة مقام الفرد. والثانية مثال ما يمكن أن تنتجه همة الأفراد الذين خلصوا من كل ضغط رسمي. وليس لهذه الفروق الكلية منشأ إلا الأخلاق ومن المحقق أن الاشتراكية الأوربية لا تجد لها مكاناً تنزل به في البلاد الأميركية. لأن الاشتراكية آخر دور من أدوار استبداد الحكومة فلا عيش إلا في الأمم التي شاخت بعد أن خضعت قرونا طويلة إلى نظام أفقدها الأهلية لحكم نفسها. . . . . اهـ. ولكنا نقول للدكتور أن الاشتراكية قد سبقته إلى الولايات المتحدة أيضاً. وأنها ليست في بلد من البلدان أجهر صوتاً مما هي هناك. فليس في الدنيا حكومة تضطهد الشركات كما تضطهدها جمهورية الولايات المتحدة. وقد طاردت هذه الحكومة منذ سنوات أكبر شركات الاحتكار فحلتها وألزمتها غرامة فادحة. فكان الجمهور الأميركي يهلل لها ويثني عليها. وإذا قرأت أيام الانتخابات برنامج كل حزب من أحزاب السياسة هناك رأيت كيف تتبارى في إرضاء طوائف العمال ومهاجمة كبار الماليين. وكيف تحبر الصحف الفصول الطوال في تقبيح مطامع الأغنياء والعطف على الفقراء. فإن كان الدكتور يعني بالاشتراكية غير هذا. فليهدأ بالاً فليس في أميركا ولا في أوربة. لا بل ولا في الدنيا بأجمعها اشتراكية. وفيما خلا وصف روح الأمة وشرح ما لهذه الروح من التأثير في تكوينها. فالكتاب بجملته حملة منكرة على المساواة والاشتراكية. يخيل إليك أن الدكتور لوبون يكتب عن المساواة بقلم شارل الأول أو لويس السادس عشر. وأنه يكتب عن الاشتراكية بإيعاز من روتشيلد أو روكفلر فتراه ينعى على مبدأ المساواة ولكنك لا تعلم منه كيف يكون عدم المساواة. وتراه يتشاءم من الاشتراكية كما يتشاءم الناس من نعيب البوم. لا يعلمون لذلك التشاؤم سبباً. ولعل في الاشتراكية شيئاً من ثقل الدم لا يقبله مزاج بعض الناس ومنهم الدكتور لوبون؟؟ فمن أقواله عن المساواة: غاب عن بعض الفلاسفة تاريخ الإنسان وتقلب ماهية قوته العاقلة وتغير قوانين تناسله الطبيعية فقاموا ينشرون في الناس فكرة المساواة بين الأفراد وبين

стр. 773

الشعوب. خلبت هذه الفكرة أذهان الجماعات فارتكزت في عقولهم ارتكازاً قوياً وآتت أكلها بعد زمن يسير فزعزعت أسس الجمعيات الأولى وولدت أعظم الثورات ورمت أمم الغرب في اضطرابات شديدة لا يعلم مصيرها إلا الله ثم يقول إلا أن العلم تقدم وأثبت بالبرهان بطلان مذاهب المساواة وأن الهوة التي أوجدها الزمان في عقول الأفراد والشعوب لا تزول إلا بتراكم المؤثرات جيلاً بعد جيل ثم يقول بعدما تقدم: ما من عالم نفسي ولا من سائح ذي نظر ولا من سياسي مجرب إلا وهو يعتقد الآن خطأ ذلك المذهب الخيالي أعني مذهب المساواة الذي قلب الدنيا رأساً على عقب وأقام في القارة الأوربية ثورة أرتج الكون منها وأذكى في القارة الأميركية نار حرب الأجناس وصير جميع المستعمرات الفرنساوية في حالة محزنة من الانحطاط ومع ذلك فقلما يوجد بين أولئك المفكرين من يقوم في وجهه بمعارضة ما. . . . . كل ذلك جرى من سريان مذهب المساواة!! على أن دعاة المساواة لم يشطوا في مذهبهم. وقد علموا أن الناس ليسوا على غرار واحد في العقل والفضل. فالعجب للدكتور ما باله يبادر فيمسك بألسنتهم ويأخذهم بشهادتهم كأن هناك تناقضاً بين قولهم ودعوتهم!! فإن دعوتهم إلى تساوي الناس في الحقوق أمام القانون لا تعطل تنازع البقاء بينهم ولا تذهب بمزايا التفاوت بين قادرهم وعاجزهم. بل هي تفسح المجال لهذا التنازع وترفع العوائق التي يضعها في طريق المنافسة استئثار بعض الناس ببعض المنافع بلا موجب للاستئثار. وبغير هذا المبدأ لا يكون تمت معنى للنظام والقانون إلا إذا كان الغرض من إبطال المساواة الدعوة إلى إطلاق الناس أقويائهم على ضعفائهم. وتحقيق مذهب الفوضى. يحق لأعداء المساواة أن ينكروا على دعاتها كل الإنكار. ويحق لهم أن يحتجوا عليهم بأن العلم تقدم وأثبت بالبرهان بطلان مذاهب المساواة هذا إذا كان دعاة المساواة في شك من ذلك. أو إذا كان قد قام منهم قائم يمني العامل الجاهل بأن يتبوأ منصة الفيلسوف في الجامعة أو يسول له أن يطالب بوظيفة الطبيب أو المهندس. ولكننا نعلم أن داعياً كهذا لم يقم ولن يقوم لأن مديري البيمارستانات لا يفرطون في مثله إذا ظهر. وكل ما يمنى به الداعي إلى المساواة ذلك العامل أنه يكون متساوياً مع سائر الناس في الأمن على حياته.

стр. 774

وهل في ذلك من ضير؟؟ وإذا كان مبدأ المساواة لا يمنع إنساناً حق التمتع بثمرة تفوقه في المعارف أو المواهب العقلية على سواه فأي ضير فيه؟؟ إن كان الدكتور يصم هذا العصر بأنه عصر الجماعات وأنه يبيح للفرد الجاهل من الحقوق السياسية ما يبيحه للفرد المتعلم. وأن صوت الدكتور الفيلسوف كصوت الزارع الغبي في إنابة النواب وانتخاب الحكام فهذا أمر لا محيص عنه ولا سبيل إلى إبداله بما هو أصوب منه. على أن التساوي في أصوات الانتخاب ليس إلا تساوياً صورياً. والحقيقة أن لكل إنسان من الأصوات بقدر ماله من العقل والقدرة على إقناع سواه باختيار من هو أفشل من غيره للنيابة، وذلك ما يجعل أكبر الناس عقلاً أكبرهم قسطاً في سياسة بلاده، فإن بعض الموسرين يستعين بالمال على شراء الأصوات ويستخدم تلك الأصوات المتعددة في غرض واحد. فذلك ما يشكو منه الاشتراكيون الذين ينقم عليهم الدكتور لوبون. وهب أننا اليوم أبطلنا مذهب المساواة. فمن يا ترى يحكم بين الناس ويقدر لكل منهم ما هو أهل له من الحقوق السياسية والأدبية؟؟ أترانا نلجأ في ذلك إلى الحكومة؟؟ ذلك ما يأباه الدكتور لأنه يريد أن يقصر عمل الحكومة على الضروري الذي لا يسع الأفراد القيام به. فأولى به وهذه إرادته أن لا يدعها تتداخل بين الناس حتى في ترتيب أقدارهم وتمييز درجاتهم كأنما هم كلهم موظفون في دواوينها - فلم يبق إذن إلا أن تترك الناس يدع كل منهم ما يقدر على تحصيله بذراعه_وبمثل هذا النظام نأمن شر مبدأ المساواة ولا نكون قد تركنا أضغاث أحلامنا بالمساواة العامة تغشي بصائرنا لأننا إذا تركنا أضغاث أحلامنا بالمساواة العامة تغشي بصائرنا كنا أول ضحاياها فما المساواة إلا بين المنحطين وهي مطمح آمال صعاليك العقول يحلمون بها وهم بأحلامهم من التعساء الخ. ذلك حديث صاحب الكتاب عن المساواة. أما الاشتراكية فهو كما يظهر من الشذرات التي نقلناها عنه شديد الطيرة منها. وهو يمثلها تمثيلاً مشوهاً. ويعمد إلى شر مذاهبها فيعرضه على القارئ في حالة مشنوعة ثم يعمم حكمه على مذاهب الاشتراكية بحذافيرها. فتارة يحكم بأنها ستؤدي بالأمم إلى أرذل الانحطاط حيث يقول: نعم لا حاجة لأن يكون الإنسان ضليعاً من علم النفس ولا من علم الاقتصاد لينبئ بأن العمل بمقتضى مبادئ الاشتراكية يفضي بالأمم إلى أرذل درك الانحطاط وأخزى صور الاستبداد.

стр. 775

وتارة يصورها لك كما هي في أذهان الجهلاء الواهمين. فيسبق إلى ظنك أن هذه الاشتراكية صنف من الأفيون استورده أئمة الاشتراكية من بكين. فهي كما يقول الدكتور تمثل في ذهن النظري الفرنساوي صورة جنة تساوي الناس فيها فتمتعوا بالسعادة الكاملة في ظل الحكومة. وتمثل للعامل الألماني حانة طبق دخانها وطفق رجال الحكومة يقدمون لكل قادم أطباقاً من لحم الخنزير والكرنب المملح ودناناً من الجعة الخ. وأما والله لو كانت هذه هي كل الاشتراكية لما عز على الدكتور علاجها فما هو إلا حمل من النشادر يحتسبه على نفقة أحد المرابين أهل الخير - والمرابون كلهم يشفقون على الناس من سكر الاشتراكية_ثم يسعطه أولئك المساكين فيفيقون من ذلك الخدر العميق_ولكن هذه الأحلام ليست الأشق الاشتراكية الذي قد يلوح لبعض السذج من العامة ويبقى منها بعد ذلك مبادئها العملية وقواعدها وهي للأسف لا تدحض بالسفسطة ولا تنقض بالتعوذ والحوقلة لأنها مذهب مست إليه الحاجة وشعر به الناس قبل أن يعلنه الفلاسفة وأهل النظر. ولا سيما إذا كان بطلان مذهب الاشتراكية سر الدنيا لا يعرفه إلا علماء النفس الواقفون على أحوال الحياة وكانت الأدلة التي تقنع به لا تأتي من طريق العقل. الاشتراكية التي يراها الدكتور آفة الأمم ومباءة الفناء والاضمحلال هي رجاء الإنسانية ومعقد آمالها في التعمير والبقاء. ليست اشتراكية اليوم أسطورة من الأساطير. ولا هي وعد خيالي يبشر الناس بالتعادل في الأقدار والتشاكل في المنازل والأرزاق. كلا فليست المساواة بين الناس من همها ولكنها إنما تدعو إلى المساواة بين الأجر والعمل وتطلب أن يعطى كل عامل ما يستحقه بعمله، وأن ينتفع المجموع بأكبر ما يمكن الانتفاع به من قوى الأفراد. إن كانت الدنيا قد حم أجلها وكارب يومها لأن جائعاً يريد أن يشبع، ومنهوكاً يتمنى أن يستريح، ومظلوماً يود لو ينتصف، فلشد ما هزلت هذه الدنيا ونحف مزاجها بعد أن احتملت في ماضي العصور طغيان الجبابرة وبطر النبلاء، ووطأة الدعاة والدجالين. ومن العجيب أن الدكتور لا يستقبح من أنظمتنا الحاضرة شيئاً إلا كان دواؤه في الاشتراكية. فإذا أراد استنباط الدواء من غير هذا المذهب وقع في التضارب والحيرة. فاقرأ رأيه وهو يصف الدواء لنهوض الأمم المائلة إلى السقوط ويحيلها إلى النظام الجندي
следующие страницы →