← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الزمن الذي يرسخ فيه المبدأ فيصير عقيدة موروثة وجزءاً من أجزاء تلك الروح، وهي مبالغة غير محمودة لأنها توقف المصلحين موقف الحذر الشديد عند كل حركة جديدة، وتصغر من قيمة الفرص الوقتية في حسابهم ولا سيما إذا كان لا سبيل إلى تشخيص روح الأمة ومزاجها تشخيصاً يقطع الشك باليقين. ذلك ما هو واضح من غموض الفكرة نفسها في الكتاب فإن المؤلف لم يستطع إلا أن يلم بها إلماماً غير محيط بها ولا ضابط لدقائقها. حتى أن القارئ ليخرج من الكتاب وهو لا يدري حد الفارق بين روح الأمة الإنكليزية والأمة الفرنسوية. هذا على أنه يكاد يكون موضوع الكتاب الذي جاهد المؤلف غاية الجهد لتبنيه وتفصيله، ولا ريب أن مثل هذه الفوارق التي لم يلمسها المؤلف إلا بيد الحس لا يصح أن تكون أساساً للأحكام العريضة التي سجلها على أكبر مبادئ العصر بل على الدين الجديد في عرفه. فإذا كان الغرض من تقدير تلك الفكرة المبهمة الإشارة إلى اختلاف الأمم في الأمزجة فذلك مالا نزاع فيه أما إن كان يرمي به إلا أبعد من ذلك فالحق يقال أن قدمي هذه الفكرة لا تحملانها إلى أبعد من تلك الغاية. إذ ليس في الكتاب ما يبين بياناً جازماً أن الحادث الذي يقع في هذه الأمة لن يقع مثله في أمة أخرى، وليس فيه حجة دامغة تنفي القضايا التي قررها علم مقابلة التواريخ وأيد بها قولهم أن للأمم أطواراً تمر بها كل أمة حية، وأنه إن اختلفت الأزمان بعداً وقرباً فذلك لاختلاف المناسبات والطوارئ ولشيء قليل من تباين الأمزجة، ولكن هذا التباين لا يمنع أمة من أن تعتنق كل رأي في حينها المقدور لها، وإن كانت ربما دعته بغير ما يدعي به في الأمم الأخرى، تبعاً لاختلاف اللغات، وتفاوت الأحوال والعادات. فليس في مجلس انكلترا مثلاً حزب اشتراكي كحزب فرنسة الاشتراكي ولكن فيها حزباً للعمال. وكلا الحزبين غايته واحدة ومطالبه متشابهة. وهي أنصاف طبقات العمال من أصحاب الأموال. والدكتور لوبون يقول مع ذلك أن الاشتراكية شاعت في فرنسه لأن مزاج أهلها يميل بهم إلى الاعتماد على الحكومة ولم تشع في انكلتره لأن الإنكليز أهل استقلال لا يعولون إلا على أنفسهم - دع ذلك وانظر صوب ألمانية فإنك ملاق فيها شعباً اشتراكياً صريحاً وحزباً يمثل الاشتراكية في مجلسها هو أقوى الأحزاب وأوسعها نفوذاً والألمانيون كما تعلم شعب سكسوني قريبٌ مزاجه من مزاج الأمة الإنكليزية فما باله في

стр. 772

هذه الحالة أشبه بفرنسه اللاتينية منه بإنكلتره السكسونية؟؟ وكأن الدكتور يحس بركة تعليله في هذه النقطة فجعل الاشتراكية آفة أوربية عامة، وعبر المحيط الأطلسي ليجد له في الدنيا الجديدة برهاناً يدعم به رأيه. فانظر كيف يقول في ذلك: وإذا أردنا أن نعرف بكلمة واحدة ما بين أوربا والولايات المتحدة من التفاوت قلنا أن الأولى مثال ما يمكن أن تنتجه الأمة التي قامت فيها الحكومة مقام الفرد. والثانية مثال ما يمكن أن تنتجه همة الأفراد الذين خلصوا من كل ضغط رسمي. وليس لهذه الفروق الكلية منشأ إلا الأخلاق ومن المحقق أن الاشتراكية الأوربية لا تجد لها مكاناً تنزل به في البلاد الأميركية. لأن الاشتراكية آخر دور من أدوار استبداد الحكومة فلا عيش إلا في الأمم التي شاخت بعد أن خضعت قرونا طويلة إلى نظام أفقدها الأهلية لحكم نفسها. . . . . اهـ. ولكنا نقول للدكتور أن الاشتراكية قد سبقته إلى الولايات المتحدة أيضاً. وأنها ليست في بلد من البلدان أجهر صوتاً مما هي هناك. فليس في الدنيا حكومة تضطهد الشركات كما تضطهدها جمهورية الولايات المتحدة. وقد طاردت هذه الحكومة منذ سنوات أكبر شركات الاحتكار فحلتها وألزمتها غرامة فادحة. فكان الجمهور الأميركي يهلل لها ويثني عليها. وإذا قرأت أيام الانتخابات برنامج كل حزب من أحزاب السياسة هناك رأيت كيف تتبارى في إرضاء طوائف العمال ومهاجمة كبار الماليين. وكيف تحبر الصحف الفصول الطوال في تقبيح مطامع الأغنياء والعطف على الفقراء. فإن كان الدكتور يعني بالاشتراكية غير هذا. فليهدأ بالاً فليس في أميركا ولا في أوربة. لا بل ولا في الدنيا بأجمعها اشتراكية. وفيما خلا وصف روح الأمة وشرح ما لهذه الروح من التأثير في تكوينها. فالكتاب بجملته حملة منكرة على المساواة والاشتراكية. يخيل إليك أن الدكتور لوبون يكتب عن المساواة بقلم شارل الأول أو لويس السادس عشر. وأنه يكتب عن الاشتراكية بإيعاز من روتشيلد أو روكفلر فتراه ينعى على مبدأ المساواة ولكنك لا تعلم منه كيف يكون عدم المساواة. وتراه يتشاءم من الاشتراكية كما يتشاءم الناس من نعيب البوم. لا يعلمون لذلك التشاؤم سبباً. ولعل في الاشتراكية شيئاً من ثقل الدم لا يقبله مزاج بعض الناس ومنهم الدكتور لوبون؟؟ فمن أقواله عن المساواة: غاب عن بعض الفلاسفة تاريخ الإنسان وتقلب ماهية قوته العاقلة وتغير قوانين تناسله الطبيعية فقاموا ينشرون في الناس فكرة المساواة بين الأفراد وبين

стр. 773

الشعوب. خلبت هذه الفكرة أذهان الجماعات فارتكزت في عقولهم ارتكازاً قوياً وآتت أكلها بعد زمن يسير فزعزعت أسس الجمعيات الأولى وولدت أعظم الثورات ورمت أمم الغرب في اضطرابات شديدة لا يعلم مصيرها إلا الله ثم يقول إلا أن العلم تقدم وأثبت بالبرهان بطلان مذاهب المساواة وأن الهوة التي أوجدها الزمان في عقول الأفراد والشعوب لا تزول إلا بتراكم المؤثرات جيلاً بعد جيل ثم يقول بعدما تقدم: ما من عالم نفسي ولا من سائح ذي نظر ولا من سياسي مجرب إلا وهو يعتقد الآن خطأ ذلك المذهب الخيالي أعني مذهب المساواة الذي قلب الدنيا رأساً على عقب وأقام في القارة الأوربية ثورة أرتج الكون منها وأذكى في القارة الأميركية نار حرب الأجناس وصير جميع المستعمرات الفرنساوية في حالة محزنة من الانحطاط ومع ذلك فقلما يوجد بين أولئك المفكرين من يقوم في وجهه بمعارضة ما. . . . . كل ذلك جرى من سريان مذهب المساواة!! على أن دعاة المساواة لم يشطوا في مذهبهم. وقد علموا أن الناس ليسوا على غرار واحد في العقل والفضل. فالعجب للدكتور ما باله يبادر فيمسك بألسنتهم ويأخذهم بشهادتهم كأن هناك تناقضاً بين قولهم ودعوتهم!! فإن دعوتهم إلى تساوي الناس في الحقوق أمام القانون لا تعطل تنازع البقاء بينهم ولا تذهب بمزايا التفاوت بين قادرهم وعاجزهم. بل هي تفسح المجال لهذا التنازع وترفع العوائق التي يضعها في طريق المنافسة استئثار بعض الناس ببعض المنافع بلا موجب للاستئثار. وبغير هذا المبدأ لا يكون تمت معنى للنظام والقانون إلا إذا كان الغرض من إبطال المساواة الدعوة إلى إطلاق الناس أقويائهم على ضعفائهم. وتحقيق مذهب الفوضى. يحق لأعداء المساواة أن ينكروا على دعاتها كل الإنكار. ويحق لهم أن يحتجوا عليهم بأن العلم تقدم وأثبت بالبرهان بطلان مذاهب المساواة هذا إذا كان دعاة المساواة في شك من ذلك. أو إذا كان قد قام منهم قائم يمني العامل الجاهل بأن يتبوأ منصة الفيلسوف في الجامعة أو يسول له أن يطالب بوظيفة الطبيب أو المهندس. ولكننا نعلم أن داعياً كهذا لم يقم ولن يقوم لأن مديري البيمارستانات لا يفرطون في مثله إذا ظهر. وكل ما يمنى به الداعي إلى المساواة ذلك العامل أنه يكون متساوياً مع سائر الناس في الأمن على حياته.

стр. 774

وهل في ذلك من ضير؟؟ وإذا كان مبدأ المساواة لا يمنع إنساناً حق التمتع بثمرة تفوقه في المعارف أو المواهب العقلية على سواه فأي ضير فيه؟؟ إن كان الدكتور يصم هذا العصر بأنه عصر الجماعات وأنه يبيح للفرد الجاهل من الحقوق السياسية ما يبيحه للفرد المتعلم. وأن صوت الدكتور الفيلسوف كصوت الزارع الغبي في إنابة النواب وانتخاب الحكام فهذا أمر لا محيص عنه ولا سبيل إلى إبداله بما هو أصوب منه. على أن التساوي في أصوات الانتخاب ليس إلا تساوياً صورياً. والحقيقة أن لكل إنسان من الأصوات بقدر ماله من العقل والقدرة على إقناع سواه باختيار من هو أفشل من غيره للنيابة، وذلك ما يجعل أكبر الناس عقلاً أكبرهم قسطاً في سياسة بلاده، فإن بعض الموسرين يستعين بالمال على شراء الأصوات ويستخدم تلك الأصوات المتعددة في غرض واحد. فذلك ما يشكو منه الاشتراكيون الذين ينقم عليهم الدكتور لوبون. وهب أننا اليوم أبطلنا مذهب المساواة. فمن يا ترى يحكم بين الناس ويقدر لكل منهم ما هو أهل له من الحقوق السياسية والأدبية؟؟ أترانا نلجأ في ذلك إلى الحكومة؟؟ ذلك ما يأباه الدكتور لأنه يريد أن يقصر عمل الحكومة على الضروري الذي لا يسع الأفراد القيام به. فأولى به وهذه إرادته أن لا يدعها تتداخل بين الناس حتى في ترتيب أقدارهم وتمييز درجاتهم كأنما هم كلهم موظفون في دواوينها - فلم يبق إذن إلا أن تترك الناس يدع كل منهم ما يقدر على تحصيله بذراعه_وبمثل هذا النظام نأمن شر مبدأ المساواة ولا نكون قد تركنا أضغاث أحلامنا بالمساواة العامة تغشي بصائرنا لأننا إذا تركنا أضغاث أحلامنا بالمساواة العامة تغشي بصائرنا كنا أول ضحاياها فما المساواة إلا بين المنحطين وهي مطمح آمال صعاليك العقول يحلمون بها وهم بأحلامهم من التعساء الخ. ذلك حديث صاحب الكتاب عن المساواة. أما الاشتراكية فهو كما يظهر من الشذرات التي نقلناها عنه شديد الطيرة منها. وهو يمثلها تمثيلاً مشوهاً. ويعمد إلى شر مذاهبها فيعرضه على القارئ في حالة مشنوعة ثم يعمم حكمه على مذاهب الاشتراكية بحذافيرها. فتارة يحكم بأنها ستؤدي بالأمم إلى أرذل الانحطاط حيث يقول: نعم لا حاجة لأن يكون الإنسان ضليعاً من علم النفس ولا من علم الاقتصاد لينبئ بأن العمل بمقتضى مبادئ الاشتراكية يفضي بالأمم إلى أرذل درك الانحطاط وأخزى صور الاستبداد.

стр. 775

وتارة يصورها لك كما هي في أذهان الجهلاء الواهمين. فيسبق إلى ظنك أن هذه الاشتراكية صنف من الأفيون استورده أئمة الاشتراكية من بكين. فهي كما يقول الدكتور تمثل في ذهن النظري الفرنساوي صورة جنة تساوي الناس فيها فتمتعوا بالسعادة الكاملة في ظل الحكومة. وتمثل للعامل الألماني حانة طبق دخانها وطفق رجال الحكومة يقدمون لكل قادم أطباقاً من لحم الخنزير والكرنب المملح ودناناً من الجعة الخ. وأما والله لو كانت هذه هي كل الاشتراكية لما عز على الدكتور علاجها فما هو إلا حمل من النشادر يحتسبه على نفقة أحد المرابين أهل الخير - والمرابون كلهم يشفقون على الناس من سكر الاشتراكية_ثم يسعطه أولئك المساكين فيفيقون من ذلك الخدر العميق_ولكن هذه الأحلام ليست الأشق الاشتراكية الذي قد يلوح لبعض السذج من العامة ويبقى منها بعد ذلك مبادئها العملية وقواعدها وهي للأسف لا تدحض بالسفسطة ولا تنقض بالتعوذ والحوقلة لأنها مذهب مست إليه الحاجة وشعر به الناس قبل أن يعلنه الفلاسفة وأهل النظر. ولا سيما إذا كان بطلان مذهب الاشتراكية سر الدنيا لا يعرفه إلا علماء النفس الواقفون على أحوال الحياة وكانت الأدلة التي تقنع به لا تأتي من طريق العقل. الاشتراكية التي يراها الدكتور آفة الأمم ومباءة الفناء والاضمحلال هي رجاء الإنسانية ومعقد آمالها في التعمير والبقاء. ليست اشتراكية اليوم أسطورة من الأساطير. ولا هي وعد خيالي يبشر الناس بالتعادل في الأقدار والتشاكل في المنازل والأرزاق. كلا فليست المساواة بين الناس من همها ولكنها إنما تدعو إلى المساواة بين الأجر والعمل وتطلب أن يعطى كل عامل ما يستحقه بعمله، وأن ينتفع المجموع بأكبر ما يمكن الانتفاع به من قوى الأفراد. إن كانت الدنيا قد حم أجلها وكارب يومها لأن جائعاً يريد أن يشبع، ومنهوكاً يتمنى أن يستريح، ومظلوماً يود لو ينتصف، فلشد ما هزلت هذه الدنيا ونحف مزاجها بعد أن احتملت في ماضي العصور طغيان الجبابرة وبطر النبلاء، ووطأة الدعاة والدجالين. ومن العجيب أن الدكتور لا يستقبح من أنظمتنا الحاضرة شيئاً إلا كان دواؤه في الاشتراكية. فإذا أراد استنباط الدواء من غير هذا المذهب وقع في التضارب والحيرة. فاقرأ رأيه وهو يصف الدواء لنهوض الأمم المائلة إلى السقوط ويحيلها إلى النظام الجندي

стр. 776

يقول فأهم الشروط التي تلزم لنهوض الأمم المائلة إلى السقوط تعميم نظام الجندية وجعله قاسياً جداً وأن تكون الأمة على الدوام مهددة بحروب طاحنة. يريد الدكتور ليتخذ من نظام الجندية جبارة يشد بها عظام تلك الأمم التي رض الزمن عزائمها وكسر أعضاد همتها. وهو يعتقد أن الجندية سوق ترجع للرجل المتحضر رجولته واستقلاله وتشفيه من مرض الاشتراكية التي هي فناء الفرد في الدولة والتي تفضي بالأمة إلى أخس درجات الاسترقاق وتقتل في نفوس من خضعوا لحكمها كل همة وكل استقلال. يقول المؤلف قوله هذا على أن الناس يعلمون والمؤلف لا يجهل أن الرجل أضيع ما يكون استقلاله في الجندية، وأن الجندي في الجيش ليس إلا آلة تتحرك بإشارة من القائد وليس لها أن تعرف إلى أين هي مسخرة ولا في أي غرض يسخرونها. فإن كان في الجندية شيء من الخشونة فليس كل خشونة رجولة واستقلالا. قال الدكتور في الفصل الرابع من الباب الأول: أشار توكفيل إلى تدرج الفروق الذي نبحث فيه بين طبقات الأمم في زمن لم تبلغ الصناعة فيه من الارتقاء مبلغها في الوقت الحاضر فقال كلما وسع الناس في تطبيق قانون توزيع العمل ضعفت قوة العامل وحد عقله وزادت تابعيته لغيره. فالصناعة تتقدم والصانع يتأخر والفرق ينمو كل يوم بين العامل ورئيسه. وهي ملاحظة صادقة من توكفيل. فأن النظام الاقتصادي الحاضر قد أصار العامل قوة آلية وسلبه كل وسيلة إلى استخدام ذكائه وحذقه. فبعد أن كان العامل يصنع الأداة وحده فيفرغ ذكاءه في تجويدها ويتفنن في تكميلها وتحسينها، إذا هو الآن يتناول الجزء الصغير من تلك الأداة فيصنعه بلا روية، ويجيء المهندس أو رئس الصناع فيؤلف من تلك الأجزاء تلك الأداة على الوجه الذي رسمه فإذا خرج الصانع من المعمل لم ينتفع بصنعته وعجز عن العمل على انفراد ففقد مزية الاستقلال. هذا النظام الاقتصادي المودي بالمواهب، المعطل للعقول، هو النظام الذي تثور عليه الاشتراكية. فما قامت الاشتراكية إلا لترقي مدارك العامل وترفع عنه حيف صاحب المعمل، وتجعله إنساناً ذا رغبة في عمله وغيرة عليه، وليس كما هو الآن آلة تدير آلة. فإن كان الدكتور يفتش عن الاستقلال فلا يبحث عنه في ثكنات الجنود ولكن ينشده في مبادئ الاشتراكية.

стр. 777

وليست الاشتراكية سبباً في هذا الاضمحلال الذي يعتور الجيل الحالي من جوانبه الرئيسية. ولا هي من أعراض ذلك الداء التي لا تتخلف عنه. ولكنها حال تلازمه في بعض الأحيان وتظهر معه كما تظهر رغبة النجاة في الغريق عند الغرق. فما هي من مصطنعات هذا الجيل ولكنها قديمة وجدت في كل مكان يحرم فيه العامل ويغنم العاطل. إلا أن هذا العصر قد ترقى في فهمها وتوسع في تطبيقها تبعاً للرقي الشامل لكل مرافق الحياة. كانت الأمم الغازية تفتتح البلاد فيستأثر قواد الجيش الفاتح وجنوده بأطيب الأرزاق ويميزون أنفسهم عن سائر الأمة بمزايا يحرسونها بالقوة ويذودون عنا بالسلاح. ثم تؤل هذه المزايا بالوراثة إلى أعقابهم فتصير حقوقاً ثابتة. ويجنح هؤلاء الأعقاب إلى الدعة والكسل جيلاً بعد جيل فيجنون ثمرة ما لا يزرعون، ويجشمون غيرهم مشقة السعي وهم نائمون. وتفسدهم البطالة فيتمادون في اللهو والخلاعة ويتهالكون على المجون واللذة. ولا يزالون ذلك دأبهم حتى يضجر الناس منهم ويحنقوا عليهم، فتنقض عليهم في هذه الآونة جارة ترقب غفلتهم. فلا تصادف فيهم الأسراة لاهين ورعة ساخطين. كذلك ثار أرقاء الرومان على سادتهم، وكذلك ثار الفرنسويون على نبلائهم فقال المؤرخون عن الأولى عبيد تمردوا، وقالوا عن الثانية سوقة عربدوا - وما هي إلا الاشتراكية تبدو وتخفى في تاريخ الناس من حين إلى حين _. لسنا نحن في عصر يتحكم فيه سادة على عبيد، أو يستبد فيه شرفاء على سوقة. ولكن المسألة ظهرت في طور جديد. ظهرت بين أصحاب الأموال وطوائف العمال. أخرج العلم تلك الآلات الضخمة، فأصبح كل صاحب معمل يتمتع بتعب الألوف من الصناع الذين يستخدمهم في معمله. فكان التعب والحرمان من نصيب فريق والراحة والربح من نصيب الفريق الأقل. فتجددت الشكوى القديمة. وعادت الاشتراكية في هذا الثوب العصري. وقد عادت مرافقة لعهد الاضمحلال أيضاً. ولكنها ستكون في هذه المرة أطول منه عمراً. لأننا اليوم في مأمن من غارات القرون الأولى. ولأن العلم والنظام قد أصبحا ملكاً للإنسانية عامة وليسا من خواص أمة يذهبان بذهابها.

стр. 778

وإذا صح رأي نورد في كتابه التأخر والاضمحلال فهذا الضعف الذي استولى على الجيل الحاضر أثر من أثار النظام الاقتصادي فلقد أفرط الناس في إجهاد أبدانهم إفراطاً حط من قواهم وأتلف أعصابهم. وهم كلما أحسو بالضعف انكبوا على المنبهات من خمر وحشيش وتبغ وقهوة إلى أشباه ذلك فزادتهم ضعفاً على ضعف. فلو أن ساعات العمل أنقصت قليلاً وزيدت الأجور زيادة تمكن العامل من تعويض خسارته اليومية بالطعام وأسباب الراحة، لكانت الاشتراكية قد أنقذت الجيل القادم من غوائل هذا الاضمحلال. وبهذا الرأي - أي رأي نوردو_يسهل تعليل قول الدكتور في ختام الفصل الأول من الباب الثاني إذ يقول فالأمم تموت متى ضعفت صفات خلقها التي هي نسيج روحها. وضعف هذه الصفات يكون على قدر حظ الأمة من الحضارة والذكاء إذ لا تخفى علاقة بعض أنواع الضعف العصبي بالذكاء. قال عبد الله بن معاوية ما رأيت تبديراً قط إلا وإلا جنبه حق مضيع وغريب أن يهتدي كاتب من كتاب القرن الثاني الهجري إلى هذه الحكمة الجامعة. ولو شاء زعيم من زعماء الاشتراكية اليوم أن يتخذ لمذهبه شعاراً لما زاد على تلك الحكمة حرفاً. فالاشتراكية تقوم اليوم لتسترد ذلك الحق المضيع ولا مطمع لها في العدوان على إنسان. يتذمر الدكتور لوبون تارة من انحطاط الخلق العام وفقدان أفراد الأمة ملكة ضبط نفوسهم وانصرافهم عن المرافق العامة إلى حب الذات ويأسف حيناً لتلك الحقائق القاسية التي جلبت على أهل العقول الصغيرة فوضى الأفكار التي يمتاز بها المرء في هذا الزمان. وغيرت تلك الشكوك أطوار الشبيبة المشتغلة بالآداب والفنون. فغرست فيها جموداً مشوباً بالكآبة وذلك أفقدها الإرادة. ونزع منها القدرة على الاهتمام بأي أمر. وجعلها تعبد المنافع الذاتية الوقتية دون سواها. وقد تكلم ماكس نوردو في كتابه المتقدم عن هذا الخلق الذي دعاه الدكتور لوبون عبادة المنافع الذاتية. ومن رأيه أنه ناشئ عن أمراض الاضمحلال التي ألمعنا إليها وأنه شعبة من جنون الأنانية ونقول أن حب الذات ينشأ عن ضعف حاسة الواجب وهو مرض من الأمراض العقلية. ولكن يزيده إعضالاً تأكد الناس من عدم التوازن بين حقوق العاملين وواجباتهم، فيرون كيف يثري الوسيط ويعدم التاجر، وكيف يكرم القواد الوضيع ويهان

стр. 779

العامل الأمين، وكيف أن الكسب المباح يحسب بالدانق والسحتوت وأن ربح الاحتيال يعد بالدنانير والبدر، ولقد تدلينا في هذه الأيام إلى هذه الوهدة، وتلك مغبتها التي نعانيها. لا أمل في الخلاص من هذه السوآت إلا إذا ساد اعتقاد الناس بتضامن الإنسانية. وأيقن كل فرد أن على حقوقه حارساً من أمته، وأنه موضع عناية الإنسانية جمعاء. وبذلك تثوب الخواطر ويرعى الناس حرمة الواجب. وإلا فلو ظن الإنسان أنه ليس ثمة ضمير عام يؤنب الناس أجمعين على ما يحل به من الغبن والأذى. وأنه لا حق له في الرحمة أينما يمم وجهه. فقد مات ضميره وغلبه الحرص فتعلق بالجشع ونبذ المبادئ والفضائل إلا ما وافق منها هواه وفشت فوضى الأخلاق فارتفعت الحدود واندثرت معالم الشرائع إلا في الدفاتر والأوراق. يقول الدكتور لوبون: اليوم تميل الأمم القديمة إلى السقوط فهي تهتز من الوهن ونظاماتها تتداعى واحداً أثر واحد وعلة ذلك فقدانها كل يوم شيئاً من أيمانها الذي قامت عليه حتى الآن فإذا فقدته كله قامت حتماً مقامه حضارة جديدة مؤسسة على معتقد جديد. نعم فلا بد للأمم من معتقد جديد. أفتدري ما هو هذا المعتقد؟؟ هو وحدة الإخاء أو هو التضامن الإنساني أو هو الاشتراكية. ازرع في قلب الإنسان ثقته بعطف الإنسانية تكبره في عين نفسه وترفع من قلبه ذلة المخلوق الذي نبذته السماء ولم تعبأ به الطبيعة إلا كما تعبأ بأحقر المخلوقات. وينبغي أن يعتقد الإنسان أنه يعمل للإنسانية لا ابتغاء المثوبة أو خوفاً من العقوبة ولكن مسوقاً بمحرض من غرائزه التي لا طاقة له بالخروج عنها. فإذا عمت هذه العقيدة رضي كل إنسان بحظه ولم يطلب الجزاء على عاطفته النوعية إلا في إرضاء تلك العاطفة ومطاوعتها فيما توحي به. للضمير العام لعهدنا هذا حرم في كل أمة لا يحتمي فيه إلا أبناء تلك الأمة. وقد أشار الدكتور إلى ذلك في قوله أنك لا تجد بين ساسة الإنجليز واجداً لا يرى جواز استعمال أمور في جانب أمة أجنبية لو أتاها في بلاده لأنزلت به السخط من كل ناحية والحقيقة أن ذلك دأب ساسة الأمم كلها وليس الإنكليز وحدهم. ولكن ذلك الحرم تمتد حدوده يوماً بعد يوم حتى يشمل في زمن من الأزمان كل أمة جديرة بالدخول في لحمة تلك الأخوة العامة.

стр. 780

وكذلك كانت عهود الأخلاق في مبدأ أمرها غير مرعية إلا بين أبناء القبيلة. قال دارون في كتاب أصل الإنسان ولكنها - أي أصول الأخلاق_لم تكن معتبرة إلا فيما بين أبناء كل قبيلة على حدتها وما كانوا يعدون مخالفتها في حق أبناء القبائل الغريبة جريمة مستنكرة فما زالت هذه الأصول تنداح من نطاق إلى نطاق أوسع منه حتى شملت بناء الجنس الواحد ثم شملت أبناء كل دين على تباين أجناسهم ثم أصبح الناس يسلمون بها نظرياً في حق نوع الإنسان بأسره ولكنهم يخلقونها عملاً. وهم سائرون في طريق الوحدة. والطبيعة تقوم بعملها لهذه الغاية فتقرض الشعوب الذابلة ولا تذر منها إلا ما هو أهل للرعاية والبقاء. تمهيداً لوحدة الإنسانية وشمول أحكام الضمير العام. هذه هي العقيدة الجديدة فإذا ما سكن الناس إليها واشتاعوا عليها كانت مناطاً لا مالهم وتأسية لآلامهم. وكان لهم فيها نعيم وعزاء وفي الحيدة عنها عذاب وشقاء. لا يفوتنا بعد أن نقدنا ما خلنا فيه شيئاً من الغلو أن نقول أن في كتاب سر تطور الأمم من الآراء الصائبة والأفكار القويمة ما هو حقيق بإنعام النظر وطول التدبر. وأن المؤلف لو أخلاه من الأحكام والنتائج وقصره على الملاحظات والآراء لما كان فيه مأخذ ينتقد. فأن العلم والفن والأدب لم تجمع حتى الساعة الأدلة والمقدمات التي تكفي لأصدر تلك الأحكام المبرمة والنتائج المحتمة. ومن تلك الملاحظات والآراء ما يهمنا نحن المصريين لأنه ينطبق على حالتنا تمام الانطباق. فيظهر أننا لا نفهم بعد معنى الوطن حق الفهم. قال الدكتور كان وجود الروح أولاً في العائلة ثم انتشر منها في القرية ثم في المدينة ثم في الإقليم ولم يعم جميع السكان إلا في أزمان قريبة منا. هنالك وجدت فكرة الوطن بالمعنى المفهوم لنا في هذا العصر لأنها لا تصير واضحة إلا إذا تم تكوين الروح ولهذا لم تترق فكرة الوطن عند الإغريق إلى أبعد من فكرة المدينة ودامت مدائنهم في حرب مستمرة لأن كل واحدة منها كانت أجنبية في الواقع عن البقية. كذلك لم تعرف الهند منذ ألفي عام غير وحدة القرية فعاشت من ذلك الحين تحت حكم الأجنبي تقوم فيها ممالكه بسهولة كما تدول بسهولة. وذلك شبيه بمعنى الوطنية في مصر فإنها لا تعرف غير وحدة القرية وما أظن أن أمة غير

стр. 781

الأمة المصرية تقام فيها المناحات لسفر قريب أو صديق من مديرية إلى مديرية تجاورها. ويقسم فيها الرجل بغربته وهو في عاصمة وطنه. ولا أحسب أن لهذه الحالة دواء أنجع من نشر الكتابة والقراءة وذيوع الأدب المصري بين قراء المصريين في كل قرية ومدينة. المصريون لا يكاد يوجد بينهم شيء من وحدة المشاعر ويكاد يكون أبناء النيل اثني عشر مليون فرد وليس هناك أمة. ولا ريب أن ذلك ناجم عن اختلاط العناصر وتوالي الأمم الفاتحة كما أنه يعزي إلى سوء فهم الوطنية الذي قدمنا ذكره. ومن الحكمة استحياء أشد العصبيات أخذاً بقلوب هذه الشراذم المبددة. ولا فرق بين أن تكون عصبية مصلحة أو عصبية تاريخية أو عصبية وطنية مادامت تفضي إلى لم شعثهم وتوجيه نفوسهم إلى وجهة واحدة. ومن عيوب الأمة المصرية فقدان التخصص وشدة التقارب بين الصنائع والصناع وهو نقص بين فأن مستوى العقل - كما يقول الدكتور يكاد يكون واحداً عند جميع أفراد الأمم الدنيا ذكوراً وإناثاً. . . . . . وأما عند الأمم الراقية فالقاعدة هي اختلاف الأفراد وكذا النوع اختلافاً كبيراً. ولا نرى إلا أن للخصوبة دخلاً في هذا النقص، فإن الزراعة لا تبعث الحاجة إلى المنافسة كما تبعثها الصناعة. والمنافسة هي باب التفاوت والتنوع في الحرف والمصنوعات. وستضطر الأمة إلى الصناعة لأن الزراعة لا تقوم في هذه الأيام بمطالب الناس. ولقد أحجم أغنياء الأمة عن فتح باب المنافسة بإنشاء المصانع وتبادل النفع مع الأمة لأنهم غرباء عن البلد. وظل أكثرهم إلى زمن غير بعيد ينظر إلى القطر المصري نظرة المهاجر إلى دار هجرته، ويعامل المصريين معاملة الأجانب عنه، وكان أهل الثروة من أبناء النيل في الجيل الماضي أقل شأناً من أن يستقلوا بعمل وأجهل من أن يقدموا على غير الزراعة. ولكنا أصبحنا نرى سراة مصر وقد استوطنوها وارسخوا أقدامهم فيها وارتبطت مصلحتهم بمصلحتها فلا يبعد أن يكون شأنهم في المستقبل غير شأنهم في الماضي ولا سيما إذا عمت الوطنية سكان مصر على السواء وعد من أبنائها كل من ينفعها وينتفع فيها من الوطنيين والنزلاء فأن مصر بحاجة إلى تآلف الأغراض ألفة تشبه ما يعوزها من وحدة المشاعر. ولا ننس الأخلاق فقد لحقتنا كل أضرار المدنية الغربية ولما نصل إلى شيء من مزاياها.

стр. 782

ولا جرم فقد سهل على حواسنا أن تدرك ملذاتها فانغمست فيها. وقصرت عقولنا عن أدراك معانيها فحيل بيننا وبينها ولو أنك حملت زنجياً حقيراً إلى باريس لتمتع بكل رذائلها في اسبوه واحد ولكنه لن يتمتع بمعارفها وآدابها لأن الفرق في الحواس قريب بين أرفع الناس وأحطهم ولكنه بعيد جداً في العقول والأذهان. فنحن اليوم نعب من إباحية المدنية الأوربية ومنكراتها، ولا نذوق قطرة من عظمتها وطيباتها وما كنا لننتظر أن نجني ثمرة المدنية بغير شوكها. فإن المدنية شباب الإنسانية. وفي سن الشباب تتولد الشهوات كما تتفتح القوى وتنمو المدارك. ليست طهارة الفطرة إلا كطهارة الطفولة التي لا تأثم لأنها فارغة من الشهوات كما أنها فارغة من القوى والمدارك. ولكن الرزيئة أن نضيع سلامة الفطرة ولا نبلغ رقى المدنية. وذلك ما صنعناه. ولقد أصاب الدكتور لوبون كل الإصابة إذ يقول: الخلق لا العقل هو الذي تقوم عليه الجمعيات البشرية وتؤسس الديانات وتبني الممالك وهو الذي يجعل الأمم تحس وتعمل وما كان كسب الأمم كثيراً من شحذ الأذهان والتعمق في التفكير. أي والله. فأن الإنسان بغرائزه. وأن الحياة بزوبرها لا شيء إذ لمحناها من ناحية العقل ولكنها من ناحية الغرائز كل شيء، بل لا شيء سواها وليست الفضيلة ما سلم به الإنسان بتعليل عقله. ولكن الفضيلة ما نشأ عليه وتضمنه طبعه وزجلته إليه فطرته. فلتكن عنايتنا بالعلم بعض عنايتنا بالأخلاق. وهذا عمل تتكفل به المدارس والمحاكم والكتب. ومما يهون الأمر أن الإصابة محصورة في طائفة قليلة من ناشئة المدن. فإذا وقيت الأمة من عدواها كان الأمل في الجيل القادم وثيقاً. ولا ننكر أن الأمر يلزمه شيء غير يسير من التضحية والمفاداة. ولا بد له من قادة من عظماء الأخلاق والنفوس يقفون في وجه أهل الفساد وأنهم على التفافهم لتسرح فيهم كلمة الحق كما تسرح شرارة النار في الفاف الأجمة اليابسة. يقول الدكتور لوبون إن الفارق بين الأوربيين وبين الشرقيين هو اختصاص أولئك بفريق راق من العظماء دون هؤلاء. كلا. بل لكل نصيبه من العظماء. فللغرب عظماء العقول وللشرق عظماء النفوس. ومن للشرق اليوم بعظيم من أولئك العظماء الذين كان يجود بهم أحياناً. فيقوّم من أوده. ويعزر

стр. 783

من أيده. ويأخذ في طريق الحياة بيده؟؟

стр. 784

أثر القوانين الطبيعية في نظام الجماعة وأخلاق الفرد إذا بحثنا في أمر العوامل الطبيعية أيها أشد تأثير في نظام الجماعة وأخلاق الفرد وجدنا أن هذه هي الجو والغذاء والتربة والمناظر الطبيعية. ولنبدأ بالثلاثة الأول ثم نتكلم بعد ذلك عن الرابع فنقول. أما الجو والطعام والتربة فبعضها مرتب على بعض أي أن هنالك سبباً قريباً وصلة متينة بين جو إقليم وبين غذاءه النابت به كما أن ذلك الغذاء يتأثر بالتربة التي تنبته وبارتفاع الأرض أو بانخفاضها وبحالة الهواء. وقصاري القول بجميع تلك الأحوال التي يطلق على مجموعها لفظة الجغرافية الطبيعية. وإذ كانت الصلة بين هذه العوامل الثلاثة الطبيعية على ما ذكرنا من القرب والمتانة - فهي تعمل معاً وتؤثر مشتركات_كان الأجمل بنا أن لا ننظر فيها على انفراد بل ننظر إلى النتائج الناشئة من عملها المشترك وبذلك يكون نظرنا في هذا الموضوع أسمى وأشمل باجتنابنا الإشكال واللبس الناشئ من تفريقنا بين أشياء هي بطبيعتها مجتمعة لا تنفصل. وبذلك يزداد لنا وضوحاً وبياناً مبلغ ما كان للقوى الكونية والعوامل الطبيعية في أقدم العصور من الأثر العظيم في حياة الإنسان. فمن أهم وأقدم النتائج التي يحدثها الجو اجتماع الثروة والطعام والتربة في أمة من الأمم فإن اجتماع الثروة وإن كان بطبيعة الحال يتبع رقي العلوم ولكنه من الثابت الذي لا شك فيه أنه (اجتماع الثروة) في مبدأ تكوين الأمم يكون سابقاً لنشأة العلوم. وما دام كل فرد من أفراد الشعب مشغولاً بتحصيل المواد اللازمة لقوامه واستمراره فلن يوجد فراغ ولا ميل للمطالب السامية من الفنون والمعارف. فمثل هذه الظروف غير خليقة أن تحدث علماً أو تنتج فناً. بل كل ما يسطاع إذ ذاك هو محاولة اقتصاد العمل بفضل تلك الآلات الخشنة الناقصة التي لن يعدم القدرة على اختراعها أشد الأمم همجية وأكثرهم توحشاً. في مثل هذه الحالة الاجتماعية يكون جمع الثروة أول خطوة لأنه لا يكون الفراغ بلا ثروة ولا يكون العلم بلا فراغ. ثم ما دام مقدار المستهلك من الزاد في أمة من الأمم مساوياً لمقدار ما يملكونه فلا يكون هنالك ذخيرة وعلى هذا لا يكون للأمة رأس مال وإذ كان ذلك

стр. 785

كذلك فلن يكون هنالك مادة تعيش منها الفئة التي لا تشتغل. فأما إذا زاد الحاصل على المستهلك تكون من ذلك فضل لا يزال - حسب المعروف من مبادئ الاقتصاد يزداد وينمو حتى يصبح ذخيرة يستمد منها_من طريق قريب أو بعيد كل أمريء لم يخلق الثروة التي يعيش منها. بهذه الوسيلة وفي هذه الحالة يتسنى وجود فئة علمية يمكنهم التفرغ لتلك المسائل التي كان يحجزهم عنها في أول أمرهم شدة الاشتغال بإحراز لوازم المعيشة. من المعلوم أن في الأمة الجاهلة تكون سرعة جمع الثروة على حسب مالبلادهم من الخصائص الطبيعية، نحن لا ننكر أنه إذا فات هذا الدور الأول وجاء الدور الذي فيه تتمول الأمة يكون هناك أسباب أخرى لسرعة جمع الثروة. ولكن ما دام هذا الدور لم يبلغ فإن تقدم الأمة في سبيل الثروة يكون وقفاً على أمرين: أولهما ما يجري عليه العمل من النشاط والاطراد، ثانيهما جزاء الطبيعة من خيراتها على هذا العمل. على أن هذين الأمرين هما بعد نتيجتان من نتائج القوى الكونية والعوامل الطبيعية. فأما جزاء الطبيعة من خيراتها على عمل الأمة فذاك رهن بخصوبة التربة وتلك رهن كذلك بما تحوي من المواد الكيماوية وبما تنال من ريّ الجداول أو سقياً الغيوث وبمقدار حرارة الهواء ورطوبته. وأما ما يجري عليه العمل من النشاط والاطراد فذاك رهن بالحالة الجوّية. وهذا باد في صورتين. الأولى - وهي أوضحهما_أنه إذا كان الحر شديداً فإنه يسلب رغبة الناس في العمل ويقلل كفاءتهم له على حين لو يرزقون جوّاً سجسجاً وهواءً معتدلاً لأبدوا رغبة وكفاءة. الثانية - وهي أقلهما وضوحاً وإن لم تكن أقلهما أهمية_هي أن تأثير الجو ليس قاصراً على تنشيط العامل أو تثبيطه بل يؤثر كذلك من حيث إكسابه العامل أو حرمانه إياه فضيلة الثبات والمواظبة. وهذا هو السبب في أنك لا تجد من أمم الشمال من أوتي من المضاء والمثابرة والجدّ ما قد امتاز به سكان البقاع المعتدلة. وسبب ذلك بين إذا تذكرنا أن قسوة البرد ونقصان الضوء في أقاصي البلدان الشمالية مما لا يزال يعوق أهل تلك الجهات عن المضاء في أعمالهم والاستمرار في أشغالهم. نتيجة ذلك أنه لما كان هذان العائقان يضطران العامل إلى الانقطاع عن عمله فلا جرم أن يصبح هذا الانقطاع لكثرة التكرار عادة ثم يصبح بحكم العادة طبيعة. ولا جرم فلقد انقطع نظام أعمالهم وانبت سلك أشغالهم ففقدوا ذلك المضاء الذي هو من مضمون ثمرات الشغل الدائم والعمل المستمر.

стр. 786

ومن ثم ينشأ في الأمة طبيعة قلق وملل يبرئ الله منها أهل العمل المستمر الدائم. وهذا مرض قوي حسبك برهاناً على قوته أنه يظهر في البلدين المتفاوتي الأحوال المتناقضي الطبائع. فإنه ليس أعظم من الفرق بين السويد والنرويج من وجهة وبين اسبانيا والبرتغال من وجهة أخرى حكومة وشريعة وديناً وآداباً. ولكن هذه الأربع متحدة تمام الاتحاد في نقطة واحدة. وذلك أن الزراعة فيها جميعاً متقطعة غير متصلة. فالحرّ والجفاف في اسبانيا والبرتغال والبرد وقصر الأيام في السويد والنرويج تعوق العمل وتوقف سير الشغل. فمن ثم تري أن أهل هذه البلاد الأربعة على اختلافها في كثير من الأحوال والشؤون قد اتحدت في هذا الخلق أعني نوعاً من الملل والقلق وقلة الثبات والخور مما هو جِدُّ منافٍ لما لأهل البلاد الخالية من عوائق العمل من صفات الحزم والعزم والمضاء والمواظبة. ونحن إذا أجلنا الطرف في تاريخ الأمم القديمة لم نجد أمة أحرزت بنفسها حضارة وتمديناً إلا وكان ذلك بفضل هذين السببين (الهواء والتربة) أو أحدهما. فالمدنية في أسيا ما زالت قاصرة على تلك البقعة العظيمة التي ضمن خصبها لأبن أدم هذه الثروة التي لولاها لا تسرع الأمة قط في سبيل العلم وهذه البقعة العظيمة تمتد ما بين ساحل الصين الجنوبية شرقاً وساحل الأناضول وفلسطين غرباً. وفي شمال هذه المنطقة الفسيحة أرض مستطيلة جرداء مملحة لم تبرح موطن قوم همج رحالة ما زالوا من جدب أرضيهم في فقر وفاقة وقد رأيناهم لا تفارقهم الهمجية ما برحوا بهذه البقعة. فأوضح الأدلة على أنه لا علة لهذه الهمجية إلا الأسباب الطبيعية أن هؤلاء القوم بعينهم وهم أمم المغول والتتر - أسسوا في أوقات مختلفة دولاً عظيمة في الصين والهند وفارس بلغوا بها منزلة في الحضارة لا تقصر عن أسمى ما أدركته أفخم الدول القديمة. لأن بلاد الهند أرض حباها الله بكل ما يقر الأعين وتشتهيه الأنفس فجر أرضها عيوناً وسربلها حدائق وجنات وملأ تربها زاداً وقوتاً، وزبرجداً وياقوتاً، وشحن أنهارها سمكاً وحيتاناً، وبحارها دراً ومرجاناً، وأسكن آجامها ضروب الحيوان ذات الفراء الملس المرقوشة. وصنوف الطير ذات الأجنحة الموشية المنقوشة. في هذه الأرض الطيبة الكريمة كان أول ما نال أولئك الهمج شيئاً من الرقي والحضارة وأول ما أحدثوا علوماً وآداباً وطنية. وهي أمور لم يطيقوا إدراكها في أوطانهم ومساقط رؤوسهم وكذلك إذا نظرت إلى العرب ترى أنهم لم يكونوا في أوطانهم إلا قوماً

стр. 787

أجلافاً جفاة همجاً لشدة أمحال أرضهم، وقد قلنا أن الجهل ثمرة الأمحال والفقر. ولكنهم فتحوا فارس في القرن السابع. وفي الثامن فتحوا أكرم بقاع اسبانيا. وفتحوا في التاسع أرض السند ثم أوغلوا في بلاد الهند حتى استولوا على معظمها ثم لم تكد العرب تطمئن في ولاياتها الجديدة حتى حدث تغير عظيم في أخلاقهم فبعد أن لم يكونوا إلا همجاً جوالة في أوطانهم أمكنهم لأول مرة أن يجمعوا ثروة وبالثروة استطاعوا لأول مرة أن يخطوا خطوة في سبيل المدنية ويضربوا بسهم في جميع فنون الرقي والحضارة وهم في بحيث جزيرة العرب لم يكونوا إلا رعاة رحالة فأصبحوا في مساكنهم الجديدة بناة دول عظام، شادوا المدائن والمدارس وجمعوا المكاتب ولا تزال آثار سلطانهم باقية وآيات عزهم بادية بالبلاد التي كانت حواضر أملاكهم وقواعد ممالكهم قرطبة وغرناطة وبغداد ودلهي ومثل تلك الأراضي الجديدة المستطيلة الممتدة - في شمال الأراضي الخصبة_من شرقي آسيا إلى غربها. أرض أخرى تماثلها جدباً وامحالاً ومنطقة تمتد من شرق شمال إفريقيا إلى أقصى غربها عند ساحل الأطلانطيقي_ويفصلها عن بلاد العرب مضيق مياه البحر الأحمر. فلأن هذه الأرض مثل بلاد العرب جدباً ومحلاً فأهلها كأهل بلاد العرب ما زالوا بربراً همجاً لا علم عندهم لغير سبب سوى أنه لا ثراء عندهم. بيد أن في شرق هذه الصحراء يتدفق نهر من أكرم أنهار الدنيا. قد كسا تلك البقعة طبقة كثيفة من الثرى الجعد تجزي على العمل فيها أكرم الجزاء. وتعطي على الكد بها أجزل العطاء. فكانت نتيجة ذلك أن جمعت الثروة لأهل هذا البلد وجاء على أثر ذلك العلم وأصبحت هذه البقعة الصغيرة مقر المدنية المصرية القديمة. وهذه مدنية كانت على كثرة ما قيل فيها باطلاً من المبالغات تدهش المتأمل بشدة مناقضتها لما كان يشمل الأمم الإفريقية الأخرى من البربرية والتوحش مما قد غمرها غمراً وسد دونها كل منفذ من ظلمات الجهل إلى نور العرفان وأخذ عليها كل مخرج من بيئة الانحطاط إلى ميدان الرقي. فمن هذه الأمثلة نرى أن من السببين الأوليين في الرقي أعني خصوبة التربة واعتدال الجو كانت خصوبة التربة هي العامل الأكبر في مدنية الشعوب القديمة. بينما ترى أن العامل الأكبر في المدنية الحديثة أعني المدنية الأوربية هو السبب الآخر أي اعتدال الجو. وتأثير هذا هو كما ذكرنا تأثير في كيان العامل وتركيب جسده وعقله بمنحه الكفاءة التامة

стр. 788

للعمل مشفوعة بفضائل المثابرة والنشاط والجد. فجاء الفرق بين الحضارتين القديمة والحديثة مطابق للفرق بين سببيهما أعني بين خصوبة التربة واعتدال الجو. فإنه وإن كان أول أسباب كل مدنية هو اجتماع الثروة فإن كل ما يقع بعد ذلك للأمة مترتب من عدة وجوه على الطريق التي جاءت الثروة منها. ففي آسيا وإفريقيا جاءت الثروة من طريق تربة خصيبة تدر على العامل بالكثير الطيب من الخيرات. وجاءت الثروة في أوربا من طريق جو معدل يزيد كفاءة العامل فيمكنه من أن يبلغ من إجادة العمل وإتقانه غاية ينكل عنها ويحسر دونها من أوتي نعمة الخصب ولكن حرم نعمة الجو المعتدل. في الحالة الأولى ترى الأمر متوقفاً على علاقة التربة بالريع أو بعبارة على تأثير بعض أجزاء الطبيعة في بعض آخر. والأمر في الحالة الثانية متوقف على علاقة الجو بالعامل أعني على تأثير الطبيعة لا في نفسها بل في الإنسان. ولما كانت أولى هاتين العلاقتين أعني علاقة التربة بالريع أعني تأثير بعض أجزاء الطبيعة في بعض هي أبسط العلاقتين كانت لذلك أقلهما تعرضاً للعائقات والموانع وعلى هذا كانت أول الأمرين ظهوراً في الدنيا. ومن ثم كان لأخصب البقاع الآسيوية والإفريقية السبق والتقدم في ميدان التمدين والحضارة. ولكن مدنيتهم وإن كانت الأسبق الأقدم. فإنها للبعيدة من أن تكون الأفضل الأدوم. فإن الرقي الثابت ذا الأثر الدائم الفعال لا يكون بخصوبة الأرض بل بهمة الإنسان وجده ونشاطه. لذلك ترى أن المدنية الأوربية التي كان أكبر عواملها في طورها الأول جودة الهواء قد بلغت مبلغاً لم تسم إليه همم تلك المدنيات التي كان الخصب أكبر عواملها. وما ذلك إلا لأن القوى الطبيعية هي على ما يرى لها من العظمة محدودة ثابتة وعلى كل حال فليس عندنا أدنى دليل على أن تلك القوى قد زادت قط عن أصولها أو أنها ستزيد يوماً ما. بينا نجد القوى الإنسانية بناءً على المشاهدات والتجارب والمقارنات لا حد لها ولا غاية. ثم لا دليل يثبت لنا أنه سيكون لرقي العقل الآدمي غاية ينتهي إليها ويقف عندها. وبما أن ملكة النمو الذاتي هي مما خص به الآدمي وامتاز به عما نسميه الطبيعة فقد وضح لنا أن العامل الجوي ذلك الذي يؤتيه الثروة من طريق تنشيطه للكد وإنهاضه للجد هو أنفع له في مسيره نحو الكمال واعون له على بلوغ عليا الدرج والمراتب من العامل الأرضي ذلك الذي يمنحه الثروة لا من طريق استنهاضه وإرهاف حده ولكن بمجرد علاقة جمادية بين

стр. 789

طبيعة الأرض التي يسكنها ومقدار أو قيمة ما تنتجه عفواً بلا عمل منه ولا نصب. والآن ننتقل إلى مسألة أخرى ليست أقل أهمية مما سلف وهو توزيع الثروة بعد جمعها أو بعبارة أخرى ماذا يكون نصيب الطبقة العليا من الثروة وماذا يكون حظ الطبقة الدنيا. أما في الشعوب التي بلغت في الحضارة مبلغاً فذلك يترتب على عدة أمور دقيقة عويصة لا محل لها في هذه الصحائف وأما في الطور الأول من حضارة الأمة قبل أن تنشأ فيها المعضلات والمشكلات فتوزيع الثروة كجمعها يكون طبقاً لقوانين طبيعية. ثم هذه القوانين الطبيعية من القوة والسلطان بحيث قد قضت بالفقر المدقع وقيدت بسلاسل الفاقة السواد الأعظم من سكان أطيب بقاع الأرض فإذا أمكنا إثبات ذلك ظهر لنا مبلغ ما لهذه القوانين الطبيعية من الحضارة. لأنه ما دام قد ثبت لنا أن الثروة منبع من منابع السلطة فإن البحث في كيفية توزيع الثروة هو بمعنى البحث في كيفية توزيع السلطة فلا جرم أن يكون في ذلك البحث شرح وإيضاح لمنشأ تلك الفروق الاجتماعية والسياسية التي ما زال لها دخل عظيم في تاريخ كل أمة ذات مدنية. ولنذكر الآن ما هي تلك القوانين الطبيعية التي بناء عليها يكون توزيع الثروة بين الطبقتين العليا والدنيا أو طبقة العمال وطبقة المدبرين والساسة - الفئة العديدة والفئة القادرة. بما أن الأجور هي أثمان العمل فمقدارها كثمن أي بضاعة يختلف باختلاف أحوال السوق. فإذا زاد عدد العمال عن الحاجة هبطت الأجور وإذا قلّ عدد العمال عن الحاجة ارتفعت الأجور. فإذا كان في بلد من مبلغ من الثروة ليقسم بين العمال وأرباب الأعمال فإن كل زيادة تنشأ في عدد العمال تقلل متوسط الأجر الذي يناله كل واحد منهم. فمسألة الأجور إذن هي مسألة تتعلق بعدد السكان. ونحن الآن نريد أن نعرف ما هي تلك الأسباب الطبيعية التي تحدث زيادة في سكان البلد فتسبب بذلك نقصان الأجور. فأهم هذه الأسباب وأفعلها وأقواها وأكثرها انتشاراً هو أمر الغذاء. فإذا كان هناك بلدان متحدان في كل شيء إلا الغذاء - فالذي يكون الغذاء فيه رخيصاً وافراً يكون أملأ بازدياد السكان من الذي ترى الغذاء فيه أقل وأغلى. وبناء على ذلك ترى الأجور في البلد الأول أنقص منها في الثاني. فليس أمامنا الآن أهم من البحث في أمر القوانين الطبيعية لتي عليها تترتب الأغذية في البلاد المختلفة. وهذا لحسن الحظ مبحث قد أصبح بفضل ما وصلت

стр. 790

إليه الكيمياء والفسيولوجيا في هذا العصر جديراً أن يوصلنا إلى أصدق النتائج وأحكمها. الغذاء الذي يستهلكه الإنسان هو ذو أثرين - أثرين فقط_لازمين لحياته. وهما الغذاء يعطيه أولاً تلك الحرارة الحيوانية التي لولاها تعطلت وظائف الحياة ويعطيه خلاف ذلك بدل الذي لا يزال يفقده من مادة جسده. ولكل غرض من هذين غذاء مخصوص. فأما حرارة الأبدان فتصان بالمواد الخالية من الأزوت تلك التي تسمى اللاأزوتية وأما تعويض خسارة الأبدان فبالمواد الأزوتية التي نتغذاها يتحد مع ما نستنشقه من الأكسوجين فيتولد من اتحادهما ذلك الاحتراق الداخلي الذي تتجدد بواسطته االحرارة الحيوانية. أما في الحالة الثانية فإن قلة الألفة بين الأزوت والأكسوجين تحفظ الأغذية الأزوتية من الاحتراق فتتمكن بذلك من أن تعوّض البدن من مستهلكاته خيراً. هذان هما صنفا الغذاء الأعظمان. فإذا بحثنا عن تلك العوامل التي تدبر العلاقة الكائنة بين هذين الغذائين وبين الإنسان وجدنا أن أعظم تلك العوامل هو الجو. فإن الإنسان إذا كان عائشاً ببلد حار فحفظ الحرارة في بدنه يكون أسهل عليه مما لو كان يسكن بقعة باردة فتقل إذن حاجته إلى الأغذية اللأزوتية التي ليس من شأنها إلا أنها تبقي حرارة البدن عند درجة مخصوصة وكذلك تراه أعني ساكن الأرض الحارة أقل حاجة إلى الأغذية الأزوتية لأنه مذ كان على العموم أقل تحريكاً لجسده من ساكن البقاع الباردة فهو أبطأ استهلاكاً لمادة جسده. وبما أن سكان البلاد الحارة يستهلكون في حالهم العادية الطبيعية من الغذاء أقل مما يستهلكه سكان البلاد الباردة فينتج من ذلك أنه إذا تساوت في البلادين - الحارة والباردة_سائر الأحوال غير ذلك فإن زيادة السكان تكون في البلاد الحارة أسرع منها في الباردة. وأنه لا فرق بين أن تكون وفرة الغذاء في بلد ما ناشئة من كثرة الحاصلات وبين أن تكون ناشئة من قلة الاستهلاك. فإنه إذا كانت أمة من الأمم أقل استهلاكاً للغذاء فذلك ككونها أوفر نصيباً من ذلك الغذاء. لأن القليل في هذه الظروف يفعل فعل الكثير. وكذلك المقدار الغذائي بعينه يحدث من سرعة ازدياد السكان في الأرض الحارة ما ليس يحدثه في البقعة الباردة. ومما يؤيد هذا القول الأخير أن الغذاء في البلاد الباردة أصعب منالاً منه في البلاد الحارة يبذل في سبيل الحصول عليه من الكد والعمل أكثر مما يبذل في البقاع الحارة وسأوجز القول في بيان ذلك الأمر متجنباً الجزيئات والتفاصيل إلا ما كان ضرورياً لفهم هذا المبحث

стр. 791

اللاذ. وقد قلنا أن للغذاء غرضين توليد الحرارة الحيوانية في الجسد والإعاضة بدل المستهلك من مادته. فالأول يحدث بدخول أكسوجين الهواء في الرئتين واتحاده أثناء مروره في الجهاز الحيوي بالكربون الذي نتعاطاه في أطعمتنا. وهذا الاتحاد بين الكربون وبين الأكسوجين لا بد أن يحدث مقداراً عظيماً من الحرارة وبهذه الواسطة نضمن للجسد الحرارة التي لا يبقى بدونها. واتحاد الكربون والأكسوجين لا يكون إلا على نسبة محدودة وهو قانون كيماوي يسري على سائر الاتحادات بين العناصر. فبناءً على ذلك لا يستقيم أمر البدن إلا إذا كان مقدار ما يؤكل من الغذاء الكربوني مناسباً لما يستنشق من الأكسوجين. ثم واجب أيضاً أن يزداد مقدار ما يتعاطى من المادتين إذا خفضت حرارة الجسم زيادة في برودة الهواء. ولما كان الهواء في الأرض الشديدة البرد جم الكثافة لذلك كان التنفس يدخل في الجوف من الأكسوجين أكثر مما يدخله في البلاد الحارة وكذلك لما كان البرد الشديد يستعجل التنفس فيزيد حركة الاستنشاق سرعة أصبح ذلك سبباً آخر لازدياد مقدار المستنشق من الأكسوجين في البلاد الباردة عنه في الحارة. ولذلك كان من الضروري في البلاد الباردة أن يكثر الغذاء الكربوني حتى تحفظ بين الأكسوجين والكربون النسبة التي ليس إلا عليها يتحدان ليحدثا تلك الحرارة الضرورية للحياة. من هذه المبادئ الكيماوية والفسيولوجية نستنتج أن أكثر ما يكون البلد برودة أكثر ما يكون غذاؤه كربونية. وهذه النتيجة العلمية هي عين ما أثبتته التجارب العملية - أعني أنها عين الواقع وهي حكمة آلهية. عليها مدار إصلاح الكون. فترى أن أهل البقاع القطبية يستهلكون مقداراً عظيماً من زيت الحوت ودهنه. وهو غذاء إن يعطه أهل البقاع الحارة هلكوا لا محالة لذلك جعل الله لأهل البقاع الحارة الفاكهة والأرز والبقول والخضر. ولقد ثبت على الفحص الكيماوي أن في الأغذية القطبية وفرة من الكربون وفي أغذية البلاد الحارة وفرة من الأكسوجين وحسبي من التفاصيل التي أخشى أن لا تسر القارئ قولي جملة أن في الزيوت (الأغذية الكربونية) من الكربون ستة أمثال ما في الفواكه (الأغذية الأكسوجية) فأما الأكسوجين فيها فقليل جداً. بينا ترى النشا - وهو في عالم النبات أغذى وأعم غذاء_نصفه أكسوجين.

стр. 792

والغذاء الكثير الكربونية أغلى ثمناً وأصعب منالاً من الغذاء القليل الكربونية الكثير الأكسوجية. فإنك ترى فواكه الأرض - وهي التي أكبر عناصرها الأكسوجين_وفيرة جداً تنال بلا ملاقاة أخطار ويوشك أن تنال بلا تعب. ولكن الغذاء الكثير الكربونية الذي تتوقف عليه الحياة في البلاد الشديدة البرد لا ينال بتلك السهولة والراحة. فهو لا يخرج من الأرض عفواً كالفواكه. ولكنه يستخرج من جثث أبطش الحيوانات زيتاً ودهناً وشحماً وليس يحصل عليه إلا بملاقاة الأخطار ومكابدة الأهوال وكلال البدن كدا وتحلب الجبين عرقاً. ومن الواضح البين أن أبرد ما يكون البلد أكثر ما يكون الغذاء كربونية وأحر ما يكون البلد أكثر ما يكون الغذاء أكسوجية. وقد قلنا أيضاً أن الغذاء الكربوني لما كان مصدره من عالم الحيوان فهو لذلك أصعب منالاً من الغذاء الأكسويدي المأخوذ من عالم النبات لذلك ترى أن أهل البقاع الباردة الذين تضطرهم البرودة إلى انتزاع أطعنتهم من أيدي الحيوانات المفترسة الضارية. ومن بين أنياب الوحوش الفتاكة العاتية. وما زالوا أجرأ وأشجع من أكلة الأغذية الأكسيدية التي تحبوهم بها الطبيعة عفواً بلا تعب. ومن هذا الفرق الأصلي تنشأ نتائج أخرى لا موضع هنا لذكرها. ونما غرضي الآن أن أرى مالاختلاف الغذائين من الأثر في النسبة التي توزع الثروة على حسبها بين الطبقتين العليا والسفلى. المدبرين والعمال. . ولعل فيما أسلفت من الكلام بيان لكيفية تغير هذه النسبة على أنه يحسن بنا لضمان الوضوح والفهم أن نذكر على وجه الإجمال ملخص هذا الكلام وهو. يتغير مقدار الأجور بتغير عدد السكان. فيزيد عند قلة العمال ويقل عند ازديادهم. ثم عدد السكان يختلف نقصاً وزيادة باختلاف مقدار الغذاء. يزيد بزيادته وينقص بنقصانه. ثم الغذاء اللازم للحياة أقل في البلاد الباردة منه في البلاد الحارة. وليس أمر الغذاء قاصراً هنالك على القلة بل يحتاج منه إلى مقادير عظيمة - أعظم بكثير مما يحتاج في البلاد الحارة. وهما سببان داعيان إلى قلة نماء السكان الذين منهم تتألف طبقة العمال. نتيجة ذلك بعبارة موجزة واضحة أن الأحوال في البلاد الحارة تدعو دائماً إلى انحطاط الأجور وفي البلاد الباردة إلى ارتفاعها. ونحن إذا طبقنا هذه القاعدة العظمى على تاريخ الأمم لم نلق إلا شاهداً على صحتها. ولم نلق قط شاهداً واحداً على بطلانها. ففي آسيا وإفريقيا وأمريكا كان مركز المدنيات القديمة

стр. 793

جميعها في المنطقة الحارة. وكانت الأجور فيها زهيدة جداً ولذلك كانت طبقات العمال في ضنك وفاقة. وفي أوربا كان أول ما ظهرت المدنية في جو أبرد. فلذلك ارتفعت الأجور وقل الفرق العظيم بين نصيب الطبقة العليا من الثروة ونصيب طبقة العمال - وهي مزية لا تدرك في البلاد الحارة حيث وفرة الغذاء مدعاة إلى زيادة السكان. وهذا الفرق_فرق ما بين توزيع الثروة في المدنيات القديمة وتوزيعها في المدنية الحديثة الأوربية قد أحدث كما سنرى عدة نتائج اجتماعية وسياسية عظيمة الأهمية. ولكن قبل التكلم عن هذه النتائج أقول أن في المدنية الأوربية مسألة يحسبها من لا يحقق شذوذاً عن القاعدة حتى إذا أنعم النظر وجدها معززاً للقاعدة ومؤيداً للحجة. إن في أوربا أمة واحدة تملك غذاء مفرط الرخص. وهذه أمة الأيرلنديين وذلك أنه في أوائل القرن السابع عشر أدخلت في أيرلندة زراعة البطاطس وقد مضى على الأيرلنديين أكثر من مائتي عام وأهم أغذيتهم هذا المأكول وخاصته أنه أرخص من كل ما يماثله من الأطعمة جودة وطيباً. فملء فدان منه يكفي من الأكلة ضعف ما يكفي ملء فدان من الحنطة. نتيجة ذلك أنه إذا تساوت سائر الأحوال في بلدين فزيادة السكان في البلد الذي غذاء أهله البطاطس تكون ضعفها في ذلك الذي غذاء أهله الحنطة وهذا هو الواقع فإن عدد السكان في ايرلندة كانت زيادته قبل حدوث الوباء بها والهجرة ثلاثة في المائة كل عام بينما كانت الزيادة في انكلترا واحداً ونصفاً في المائة فنتج من ذلك اختلاف كبير بين البلدين في توزيع الثروة فإنه رغماً من أن زيادة السكان في انكلترا كانت على كل حال أكثر من اللازم وأن الأجور لذلك كانت منحطة لا توازي أتعاب العامل فلقد كان حال العمال في انكلترا أنعم حالاً بالنسبة للحال في أيرلندة. ولسنا ننكر أن مما زاد حال العامل الايرلندي شراً جهل الولاة وتلك الحكومة الفاسدة التي كانت أسود صحيفة في تاريخ انكلترا وأقبح وصمة في رونق مجدها. ولكن أفعل الأسباب كان ولا شك انحطاط الأجور الذي حرمهم مناعم العيش بل كثيراً من ضرورياته. وتلك آفة لم يكن لها سبب سوى رخص الغذاء الذي أسرع في نمو السكان حتى زاد عدد العمال عن الحاجة. ولقد قال أحد الأذكياء وكان قد ساح في ايرلندة منذ عشرين عاماً لقد هبطت الأجور حتى صار متوسطها أربعة بنسات في اليوم (ثلاثة قروش تعريفة) وأشد نكبة من ذلك أن هذا القدر الخسيس لا يضمن استمراره.

стр. 794

وكذلك كانت عاقبة رخص الغذاء في بلد هو على العموم أكثر البلاد الأوربية مصادر ثروة طبيعية. ونحن إذا بحثنا أحوال الأمم الاجتماعية والاقتصادية وجدنا هذه القاعدة سارية في كل بقعة ومكان - وجدنا أنه إذا تساوت بين الأمم سائر الأحوال فازدياد السكان راجع إلى الغذاء ومقدار الأجور راجع إلى ازدياد السكان. ووجدنا أنه إذا انحطت الأجور اتسع البون بين نصيب الطبقة العليا ونصيب الطبقة العاملة من ثروة البلد فاتسع لذلك البون بين نصيبي الطبقتين من السلطة والنفوذ الاجتماعي أو بعبارة أخرى العلاقة بين الطبقتين تترتب في أصلها ومنشئها على تلك الخواص الطبيعية التي حاولت أن بين آثارها وأوضح أفعالها. وبإضافة هذه الأشياء بعضها إلى بعض أرجو أن نهتدي إلى ما هنالك من دقيق الصلة وغامض النسب بين العالم الطبيعي والعالم الأخلاقي وإلى ما تجري عليه هذه الصلة من القواعد. وإلى سبب انحطاط المدنيات القديمة بعد ارتفاعها، وانقراضها بعد مجدها وسلطانها.

стр. 795

قريبك الفقير بقلم شارل لام أمرّ شيء في الدنيا عليك قريبك الفقير، تكاتبه غير مبال به ولا حافل وترى في قربه مضاضة وفي جواره أشد الأذى. الله في عون المسكين، أنك لترى في ترداده وخز وجدانك وتحس في زوراته ألم سريرتك. قريبك الفقير هو الظل الشارد الممتد في ضحى سعادتك. هو المذكر المكروه، لا مرحباً به ولا تكريما، هو ثقب يسيل منه نضارك وينحدر ذهبك. رحمة للرجل، أنه لديه الدائن المرذول يلح على عزتك، والمطالب البغيض يلحف على أبائك، وهو الحائل دون نجاحك، الواقف حجر عثرة في سبيل توفيقك. قريبك الفقير هو وصمة في جبينك، وشائبة في دمك، ولطخة فوق درعك، ورقعة في أثوابك، ورأس ميت فوق مائدتك. قريبك المعسر هو الليث راصد لك في طريقك، والضفدع ينق في منامتك، والذبابة تسقط في مرهمك. لا بل هو قذي في عينك، وفرحة لعدوك، ومعذرة لأحبابك، وتنصل منه لأهل ودك. هو العطية التي لا حاجة بك إليها وهو المطر الهامل في موسم الحصيد، هو المر الكثير في الحلو القليل. وارحمتا للبائس، معروف لدى بابكم بدقته. وآسوه! هذا فلان لدى الباب. وما دقته إلا مزيج بين الدالة والتهيب، يطرق بابكم يسأل الحفاوة والترحيب وهو منهما يائس، ويدخل الدار ضاحكة أسرته بسام المحيا فلا يلبث أن يروح حيران مذهولاً. يمد إليك يده ليصافحك ثم يردها متهيباً، ويهبط عندكم صدفة في وقت الغذاء ومائدتك حافلة وقد كثرت على طعامكم الأيدي وأنت محتفل بضيفك فيريد لو ينصرف إلا أن شيئاً يضطره إلى البقاء. ويسقط في مقعد هناك وولدا زائرك جالسان إلى مائدة بجانب الجدار. لا يزوركم في أيام الزيارات، إذ تقول زوجتك، أيها العزيز لعل فلاناً منحدر إلينا اليوم،

стр. 796

ويذكر حفلات ميلادكم، ويعترف أنه سعيد أن تعثر بواحدة منها. مرحمة أيها الناس، حتى خدمكم يعدونه لغزاً من الألغاز ويشفقون أن يكونوا لديه خافضي الجناح من أدب وهيبة، ويتهامس الضيفان بينهم أنهم رأوه من قبل، ويتمعن كل منهم في حالته وكلهم يحسبه من مستخدمي الجمارك! ويدعوك باسمك دون الكنية ليدل الأضياف أن اسمه مثل اسمك، ويأنس لك قليلاً، ويتدلل بقرابتك واثقاً، وتود لو لم تكن هذه الثقة ليده وأن قلة اطمئنانه لك واحتشامه في حضرتك يظهر أنه أمام ضيفانك كأنه تابع اصطنعته لنفسك وصنيعة استخدمته لحاجتك، ولو تشجع لديك بعض التشجع لبدت للناس مكانته منك وعصبيته. هيئته أمامك لا تليق حتى بالصديق ومظهره لا يجمل بالولى. تدعونه لمائدة الميسر فيأبى محتجاً بفقره، وتأخذه العزة بالحق وقد تركتموه في الحجرة وحيداً. فإذا انتثر عقد جمعكم وتفرق عنك ضيفك رأيته يسارع ليأتيكم بمركبة ولكنه يدع الخادم مستبقاً. انه ليذكرك بأجدادك ويرمي في المجلس بحكاية تافهة عن أسرتك ويقص القصص عن أهلك، ويحيي عهوداً نقضت، ويسترجع زماناً ليس له رَجعُ، ويتفهم منك عن ثمن رياشك بلهجة المهنئ المقرظ، ويهينك بمديح أستار نوافذك وحُجُب شرفاتك، ويتجرأ عليك فيقول أنك تجد الراحة كلها في اقتناء مركبة ويسأل زوجتك في ذلك رأيها. وأنت ترى في المسكين ذاكرة شاردة هائمة وتحيات فاسدة باردة وتجد في حديثه غصة ألماً، وفي مقامه عناداً وتشبثاً، وفي مكثه إصراراً وثقلاً. فإذا انطلق من لدنك فلا احتفال ولا توديع، بل أنك لترمي بكرسيه إلى زاوية هناك وأنت تشعر أنك تخلصت من أذية كبرى.

стр. 797

الوقت إن بالشرق ويا للأسف لآفات جمة ذهبت بسابق مجده، وأفضت به إلى نقيض شأنه وعهده، وكل تلك الآفات فادح غير أن أفدعهن جميعاً وأقلهن مع ذلك خطوراً على البال إنما هي آفة الإسراف في الوقت الوقت! ذلك الشيء الثمين. . . ذلك الشيء الذي لا يقوّم بقيمة، اللهم إلا إذا جعل في كفة من الميزان وجعلت المدنية بجُمّاع ما أتت به المعجزات في العالم كله منذ مبدأ الخلق في كفة أخرى. ذلك الشيء النفيس لولاد للعجائب، الجالب لضروب السعادات من عقلية وجثمانية المرقي للإنسان، العارف بقدره إلى أسمى درجات العز والمجد هو الذي نفنيه الدقيقة فالدقيقة والساعة فالساعة واليوم فاليوم والعمر فالعمر بلا غلة ولا فائدة، بل هو الذي نعكس آيته عكساً فاحشاً فنقضيه في اللهو والفراغ والأباطيل لنلف بها ألبابنا ونضعف عزائمنا ونصغر همومنا ونقرب آماد آجالنا إلى أن يبلغ أحدنا الكهولة فيشعر ونشعر جميعاً منه بأن الصدأ قد ثلم فطنته تثليماً، وأن الوبالة قد هدت قواه هداً. يعيش صاحبنا السبعين أو الثمانين من طوال السنين فإذا قضى وجمعنا أعماله النافعة فكأنه عاش سبعين أو ثمانين ساعة من مثل هذا الانهماك في اللذائذ والجهل العميم الذي أوخمه عاقبة جهلنا لقدر الوقت وتبديدنا لكنوزه الخلفية بلا حساب. إلى أية نتيجة أفضينا؟ وعند أية نهاية وقفنا؟ خذوا مصر مثلاً وما هي فيه الآن من كل ما ليس يرضى وقابلوا بين تأخرها وتقدم أدنى أمة راقية شرقاً أو غرباً تتبينوا الجنايات الكبرى التي جناها علينا الإسراف في الوقت. أيها السادة لعله ساءكم مني أن أسمعكم عن أمتنا العزيزة وبلادنا المحبوبة ما سمعتم من الحقائق الأليمة في القسم الأول من خطبتي ولكنني تسامحت في ذكرها رعاية لهذا المقام وضنا في الاجتماع الجليل أن نخرج منه ولم نستفد ما يستفيده الحصناء من حقيقة سيئة يكشف عنها النقاب ولا سيما إذ تبدو علامة واضحة الجلاء تبشر بأن في المجموع العظيم من القوم الجثوم القعود نفراً قد أخذوا ينهضون نهضة تشرفهم ومن نتائجها المحققة إن شاء الله أن

стр. 798

تكون داعية لسائر أفراد الأمة إلى الإقتداء. ليس من شأني ههنا أن أعدد ذلك النفر - على أنكم تعرفونهم_وهم اليوم قادة الشعب إما سلطاناً أو علماً أو رأياً بل حسبي أن أتكلم على رجل واحد منهم هو في تلك الطليعة وأراكم قد أدركتم بالبداهة من عنيت فلا حاجة بي إلى تسمية المحتفل به. أيها الأستاذ كان في وسعي امتداحك بكثير لأن فيك شيئاً كثيراً مما يمتدح. ولأن المادة لو أعوزت لا سمح الله فف الشعر على طريقته القديمة متسع للتلفيق المعجب غير أنني رقبت إتضاعك أن أعرض عليه مناقبك جميعها وأكرمت عقلك حين تخيرت بين كرائم شمائلك عن أيثار غير المأثرة التي أردت بها قبل كل شيء أن تمجد وأنت نافع لقومك. كل المحاسن التي جمعها الله في أخلاقك وصفاتك من أسطع الذكاء إلى أذرب ما يكون اللسان الفصيح محاسن خصيصة بك لا تتعدى ذاتك إلا إلى محيط قريب. أما سيدة تلك المحامد وهي التي بكل شعاع مرسل منها تشيع ذكرك وتنير أمتك في آن معاً. تلك هي التي جعلتها محور مقالي وتلك هي التي اعتقدتها أجدر أخواتها بأن تؤثر عنك وتبقى لك جيلاً بعد جيل. عرفت قدر الوقت فحرصت عليه حرص الضنين ولست بغيره ضنيناً فإذا مرت بك الساعة وقبست من جهدك ما قبست فصلت من خلوتك فصال الشهاب من سماء الغيب وقد حمل عظة للمتعظين، وهدي للعالمين. رقيت مناصبك مبطئً أحياناً بجناية من ذكائك عليك، ومسرعاً أحياناً بموافقة الزمان لهمتك على أنك في الحالتين من تمهل وتعجل، وفي المنزلتين من مُعِدّة ومُبِلغة، كنت لأتفرغ من أداء الواجب الذي وظنت عليه كأحسن ما يؤدي حتى تجيء خلوتك وتعرى إلى نفسك من مطامع المهنة وتستريح إلى ضميرك من متاعب ذلك القسم الأول من الكفاح وتقول كما يجب على كل حي أن يقول أن الوقت وديعة الله عندي تحت تصريف عقلي وأن العقل لمعاهدة معنوية بيني وبين ربي على أن أخدم به أخوتي من أبناء نوعها كافة وأبناء جنسي وموطني ولغتي خاصة فلأف بالعهد ولأحسن تصريف الوديعة.

стр. 799

تقول هذا وتجل إلى مائدتك وقد تكون مريضاً فتتغلب على مرضك وقد تكون نصباً فتقوى على نصبك. وقد تشتاق الهواء النقي في الحدائق النضرة التي تطل عليها. ومركبتك على بابك فتلبث. وقد تسمع طرفاً من أحاديث المارة المتنادمين وتود لو متعت بساعات تقضيها في معاشرة أخوان من الظرفاء فلا تنشط لذلك اللهو الطاهر وإن تكن في حاجة إليه بل تمكث يد تقلب الكتب وقلم يصر ولفيفة مشعلة وجبين تكاد غضونه تتحاك من التفكير إلى أن يؤدي فرض النهار. ما أصحك وأنت في تلك العلة، ما أقولك وأنت في ذلك الضعف ما أملأك للمدينة بل للبلدة وأنت في تلك الخلوة ما أصفى مجدك من كل شائبة حين يخرج من ذلك السأم ما أطهر سمعتك وأبعدها عن الريب حين تصدر عنه ذلك السكوت مجوهرة بمصقل ذلك التعب. يجيئنا كتابك تلو الكتاب فيقول أهل القانون هذا خير ما كتب فيه تفسيراً لغوامضه وحلاً لمعضلاته. ويقول السهار على أخلاق الأمة وتحولها الحادث هذا خير ما تعلم منه الجماعة قدرها وتتبين منه طيبها فتحتفظ به أو خبيثها فتقلع عنه آخذة عنه ما حسن عند غيرها تاركة بين يديه ما ساء من أمور سواها ويقول أهل التاريخ هذا سرد مضبوط وهذه مطالعات مثمرة وهذه نتائج ليست بملقاة الحبال على الغوارب وليست بعقيمة ويقول أهل الأدب هذا بيان صاف وكلام عربي تنسجم له آية ينفرد بها وهي أن كل كلمة فيه موضع ولا شيء في خلاله من كذب السراب الملمع. أيها الأستاذ هكذا تعي الحياة الفانية مدي الأدهار الطوال بآثارها الباقيات. . أنه إن لم يكن لك غير هذا ليجل تدرك ويعلو شأنك بين قومك فحسبك هذا. ولكن لك ما عدده الخطباء وما أخفاه على الناس اتضاعك فلست بمحصيه ولست بمستقصيه لكنني أقول للأمة المصرية الكريمة بل لأمم الشرق كافة من على هذا المنبر أن اليوم الذي يعز الوقت فيه على كل فرد في طبقته ورتبته ومهنته كما عز عليك فلا يبدده تبديد السفه بل يصرفه تصريف الحكيم العاقل لأنفس ما بين يديه فذلك اليوم هو مبدأ عهد الفتح للشرق

стр. 800

وأهليه، هو مبدأ استئناف المدنية العربية التي أمتد نورها في الخافقين، هو مبدأ عهد العمران المجدد، والفخر المستعاد، ينضاف فيه أنفس طريف إلى أقدس تلاد.

стр. 801

علموا الأمة علموا الأمة سادتي رجعت إلى المعاجم التمس منها كلمات تسمو معانيها إلى سماء فضلكم أو صيغة حمد تفي بقليل من واجب شكركم، فما راقني لفظ ولا شاقني معنى ورغبت عن التنقيب والاستفادة، إلى الإقرار والشهادة. أنا عاجز، نعم عاجز عن إيفائكم حق الثناء لقاء صنيعكم لكني لن أعجز عن الاحتفاظ بعهدكم، والبقاء على الدوام متأثراً بجميلكم. شرفتم هذا المكان لتكريم خادم ظننتم به خيراً وما خيره إلا منكم وأردتم أن تولوا له فضلاً والفضل أنتم مواليه، ولا أرى في اجتماعكم هذا إلا حركة نفيسة من حركات الأمة تقطع دور السكون وتعن يقظتها وشخوصها نحو الرقي بعد أن اختمرت الأفكار وتمكن اليقين بأن لا حياة إلا بالحضارة ولا حضارة إلا بالعلم، وما أنا إلا ذريعة اتخذتموها للقيام بهذه الحركة المباركة. هذا مظهر خلق جديد كمن حتى اكتمل وسكن حتى نما وتم، خلق لا تقوم أمة بدونه، وهو عماد كل رق وهو محبة الكل خير الكل في كل فرد من الأفراد، وظهور هذا الخلق دليل على ما للأمة من الصفات الكريمة الأولية، ومن الأخلاق الفطرية الاجتماعية، مما إذا عولج صفا وأعلى مكانتها ووصل بها إلى الدرجة التي يستحقها في هذا الوجود. من يخبر حال هذه الأمة ويقف على كنه خلقها ويعرف جيداً حقيقة خصالها، ويدرك الصحيح من آمالها، وينعم النظر في أعمالها، ويقتنع بأن التربة زكية لا يفسد زرعها إلا شيء من البذور الرديئة، وبأن الخلق كريم يغشاه ستار من عدم العلم التام بالواقع، وبأن الآمال كبيرة شريفة لكنها مشوبة بشكوك وأوهام تطوح بنا يوماً ذات اليمين ويوماً ذات الشمال، أما أعمالنا فثمرة هذا وذاك، نهتاج والسكون واجب، ونلهو وكل النجح في العمل وما كان شيء من كل هذا يكون لولا خطأ في تقدير حقيقة حالنا، وعدم التفات إلى حركة البيئة التي نحن فيها، ونسيان لشيء كثير من الماضي ولهو عن الحاضر وعدم اهتمام بما هو آت، ومحال أن تدوم هذه الحال فلا بد لنا من إعداد العدة اللازمة لذلك التحول وما هي إلا العلم. العلم هو سلم الأمم إلى حضارتها، فهو كاشف ظلمات الجهل، ومسدد الآراء، ومنجح كل

стр. 802

مجهود، هو الذي اخترق الأرض فأخرج مكنوناتها، وحكم في المادة فاستلب منها كنوزها، وتسلط على البحار فسادها، ورمي إلى الجو فحلق في القبة الزرقاء طالباً للناس علواً وكمالاً، وقرب الأبعاد فأضاف إلى الوقت أوقاتاً، وضم إلى حياة الناس حياة وحياة، بهذا أنار البصائر، وشد العزائم، وقوى الهمم، فأنهض الأمم وأعلى كلمة التي كان حظها منه وفيراً. أرجو أن يكون في مظهركم هذا دليل على أننا قطعنا دور التنافر والتفرق وعرفنا الصواب بعد أن حجبته عنا الأوهام زمناً طويلاً، ودخلنا من باب العمل الصحيح النافع، واقتنعنا بأن الضعف وما الضعف إلا الجهل يطمس على القلوب ويجعل القوم يرون حسناً ما ليس بالحسن، يظنون أن التأخر آت من عارض خارجي، وأنهم إذا قعدوا عن التماس وسائل التقدم فالمقصد يجذبهم إلى الوراء، لكنهم متى علموا أن العلة ذاتية، وأن الدواء في اليد، وأن قتل الوقت في الظنة والاتهام مضيعة لما يفيد، وداع جديد من دواعي الضعف والتأخر. أرجو أن يكون في اجتماعكم هذا دليل على السآمة من هذه الحال بل على الفزع من أخطارها الاجتماعية الكبرى، وعلى أن العلم الذي ينبث فينا أخذ ينقي الضمائر، ويجمع شمل المتفرقين، ويطهر السرائر، ويوحد كفة المتنافرين، وينير البصائر فيهدينا إلى أن التآزر شرط النجاح، وأن يد الله مع الجماعة وأن التباغض مجلبة الشر، والتنابذ يمهد سبيل الذل، وأن في التضاعن تهلكة للناس. لعل رجائي محقق بإقبالكم على هذا المكان ملتفين حول راية واحدة مع اختلاف العناصر والمعتقدات، ومنبعثين من روح واحد ألف بين قلوبكم جميعاً تعارفتم وجئتم أخواناً فرحين بوجه باسم يحيي موجد هذا الروح وباعثك الشعور - العلم. سادتي ماخيم الجهل في أمة إلا أذلها، وما انبلج ضوء العلم بين قوم إلا عزوا أيها العلماء أيها العظماء أيها الشعراء والأدباء قادة الأفكار دعاة الأمة، أربأوا بها فالسبيل واضحة، علموا الأمة، علموا الأمة.

стр. 803

نوابغ العالم ابن الرومي بقلم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني الفصل الأول في تاريخ ابن الرومي لقد كان هذا الفصل بغير هذا العنوان أحق، لانالا نرجو أن نؤدي للقارئ ترجمة لهذا الشاعر محكمة الحدود، مد محبة التأليف، واضحة الطريقة، ولا نستطيع أن نخرج به من هذه الظلمات التي أرخاها عليه إهمال المؤرخين السابقين من العرب، وأسبلها على حياته حظ الأعمى، وجده العاثر. لست أعرف رجلاً أصابه ما أصاب ابن الرومي ولا عظيماً تهاون به النا حياً وميتاً وتناسوا ما يجب له إلا هو، بل لست أعرف قوماً هم أشد استصغاراً لكبرائهم، وأقل إجلالاً لرجالاتهم، وأعظم تهاوناً بحقوقهم، وأضأل تنبهاً لأقدارهم من العرب. وليس يخفى علينا أنّ هذا القول سيقع من نفوس البعض موقعاً سيئاً ويصادف منهم كل السخط وأشد النفور، لأن للقديم روعة وجلالاً وقدراً في النفوس، ومهابة في الصدور، وللجديد المباغت صدمة يضطرب لها الذهن، ويتبلد لها العقل حتى إذا سكنت الطبيعة واطمأن الروع وثابت النفس تبين المرء مبلغة من الصواب وحظه من السداد، ومن أجل ذلك قالوا ينبغي أن يكتب الكاتب على أن الناس كلهم أعداء وكلهم خصوم بيدان من راض نفسه على توخي الصدق والتجافي عن قول الزور ومن شأنه التوق إلى أن تقر الأمور قرارها، وتوضع مواضعها. ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع الظاهر ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر سيتابعنا في رأينا هذا ويؤاتينا على ما نقول وإن آلمته الصدمة، فإن الحق وإن كان صادق المرارة إلا أنه حق. ولنحن خلقاء أن لا تدفعنا العصبية الباطلة والتشرف الكاذب إلى وصف الزور ونسج الأفك وتمويه الحق وتلبيسه بالمين والبهتان، وماذا علينا إن فارت بعض النفوس من الغضب وثارت بها الحمية المصطنعة والحفيظة الملفقة وشهوة المباهاة الكاذبة؟ وما نبالي من سخط ممن رضى إذا نحن اخترنا كل ما فيه للتاريخ رضوان، وهل ترى غضبهم يغير الحق الصراح المعلوم في بدائه العقول؟ أم هل ينفي تسخطهم أن

стр. 804

مؤرخي العرب مقصرون وأن تفريطهم قد ألبس ابن الرومي برداً كثيف النسيج غليظ السرج لا تنفذ العين فيه؟ وليس ينزلنا عن رأينا هذا ماعسى أن يحتج به خصومنا في المذاهب من أن البيت الواحد من الشعر كان يرفع القبيلة أو يحط منها وأن القبيلة من العرب كانت إذا نبع فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر وتباشر الرجال والولدان وأن أمراء العرب وخلفائهم كانوا يقربون الشعراء ويملأون أكفهم بالعطيات، وأيديهم بالجوائز والصلات، وينزلون منهم في أمرع جناب وأصدق منزل، أو غير ذلك من الحجج والشواهد والنصوص التي لا تدفع قولنا ولا تديل منا وإن كانت في ذاتها مما لا يماري فيه ولا ينكر صحته. وذلك أن الهجاء والتشهير وخبث اللسان أوجع ما يتجرعه المرء وتتوجره النفس وما زال الناس في كل عصر يتفزّعون من ذلك ويتوقونه بكل ما في الوسع والطاقة تارة بالعطاء الجزل والنائل الغمر وأخرى بالمصانعة والمداراة أو الوعد أو الوعيد، ومن ذا الذي يرضى أن تشتهر له شهرة فاضحة وسمعة قبيحة، بل من ذا الذي لا يتقي الذم ولا يحفل بالغضاضة ولا يبالي ما قيل فيه؟ أو ما ترى كيف أن الكلمة الواحدة تخرج من فم الرجل قد تعطل تجارة أمة بأسرها وتفقدها ثقة غير هابها؟ والعرب قوم أولو سذاجة شأن كل البدو وسكان الخيم فليس بمستغرب أن يتخذوا من أبسطهم لساناً، وأقواهم عارضة، وأوراهم زنداً، وأسمحهم قريحة، درعاً يحمون بها أعراضهم ويذبون بها عن أحسابهم وسلاحاً يستظهرون به على خصومهم ويستطيلون به على أعدائهم كما كانوا يتقنعون في الحديد لصيانة جسومهم وأموالهم وحريمهم وكما كانوا يعدون الخيول للملاحم والزحوف، وليس بعجيب أن يبسط الخلفاء أكفهم للشعراء بالنوال والمبرات فإن ذلك أطلق لألسنتهم بالمديح وأكفّ لها عن القدح والطعن وأصون للملك وأحفظ له من الضياع. هذه هي حقيقة الحال، وواقع الأمر، وليس في ذلك ما يدل على أكثر من أن الشعراء كانوا بمنزلة الخيول والسيوف والدروع أو ما يُتفكه به على الشراب من النقل وما تزين به مجالس اللهو من الريحان والورد. مهما قيل في الاحتجاج للعرب والنضج عنهم والتنصل لهم مما نحدجهم به فإنه لا ريب

стр. 805

عندي في أن الشعر كان عندهم في منزلة دون التي هو فيها عند غيرهم من الأمم والشعوب ولا شك أنهم لم يكونوا من سعة الروح بحيث يفطنون إلى جلالة الشعر ويدركون ماهيته وحقيقة وعظم وظيفة الشاعر وإلا لكانوا انصرفوا عن هذه السخافات التي أولعوا بها وأمعنوا فيها ولتناولوا من الأغراض الشعرية ما هو أشرف من المدح وأنبل من الهجاء. وهذا باب من القول له اتساع وتفنن لا إلى غاية ولم نكن نحب أن نفتحه لئلا تستفتح أبواب من اللداد خير لنا أن تظل موصدة لأن عهد الناس بأمثال هذه الأبحاث ما زال حديثاً وما زالت عقول السواد الأعظم غضة ناعمة وليس الداء بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفاً والعي منجحا فانك لتلقى الجهد حتى تميل أحدهم عن رأي يكون له ثم إذا أنت قدته بالخزائم إلى النزول على رأيك والصدور عن فكرك عرض له خاطر يدهشه فعاد إلى رأس أمره ولكنا خلقاء أن لا ننكص عن أمر نحن أثرنا غباره وهجنا دفينه، وأحسب أن كثيراً من الناس تهجس في صدروهم هذه الآراء وإن كانوا يشفقون من إبرازها والمعالنة بها، والبلاء، والداء العياء، أنهم ربما ماروك ولا جّوك بألسنتهم، وهم بقلوبهم يطابقونك، جرياً وراء الجمهور وذهاباً إلى رأي الغوغاء والإسقاط. أظهر عيوب الأدب العربي في تقديرنا أثنان فساد في الذوق، وشطط في الذهن عن السبيل السواء، وليس بخاف أن هذين العيبين متداخلان وأنك تستطيع أن ترد الثاني إلى الأول والأول إلى الثاني ولكنهما على تداخلهما واضحا الحدود. وذلك أن العرب وإن كانوا بطبيعتهم شديدي الإحساس، لطاف الشعور، دقاق الإدراك، ككل البدو، إلا أن فيهم جفوة الأعراب وعنجهية البادية، فهم يجمعون بين فضائل البوادي ورذائلهم، وحسناتهم وسيئاتهم، ودماثتهم وتوعرهم، وهم لما ألفوا من الحرية لا يستطيعون أن يكسروا من غلواء نفوسهم، أو يحسبوا من أعنة عواطفهم، ففي كل حركاتهم وانفعالاتهم حدة جامحة بغير لجام، وشرّة ماضية بغير عنان، يبكون ويضحكون، ويثورون ويسكنون، ويحبون ويبغضون في غير رفق ولا أناة حتى لتكاد تلمح في كل أقوالهم وأفعالهم جميع مظاهر الغلو وآيات الحدة ولوائح الطغيان،. . . فكأنهم استعاروا من الشمس وقدتها، ومن الأرض حزونتها وشدتها، وكأن شعرهم العود النابت في الخلاء، لا الزهرة الزهراء في

стр. 806

الروضة العذراء، وكأنما ألفاظهم فهرس للمعاني التي في نفوسهم تشير إليها إشارة البنان، وكأن قائلهم لجلاج تحتشد في خاطره المعاني فيجيل بها لسانه في شدقه ثم يخرجها مزدحمة بعضها في إثر بعض وقد تخرج متصادمة وبينها وقفات يشقي بها صبره. وتعجبني كلمة لصديق لي في وصف الميوز العربية قال: الفرق بين عروس الشعر الإفرنجية وعجوز الشعر العربية أن الأولى تسكن السماء والثانية لا تألف إلا الرسوم المحيلة، والأطلال البوالي، ولا تغشى إلا الأربع الأدراس، فإذا أراد الشاعر أن يستمد منها الوحي ركب إليها ظهور الإبل ومتون النياق، حتى إذا أنثني عنها شغله وصف ما رأى في طريقه إليها من النجوم وكيف كان اهتداؤه بها، وما هب عليه من الرياح، وأومض من البروق خلبها وصادقها، وأظله من السحاب جهامها وماطرها، وكيف أذكره القمر وجه حبيبته المتألق، وجفلة السرب في الظلام نفرتها ليلة السفح، ثم لا يزال يذكره الأمرُ الأمرَ، ويفضي بك من حديث إلى حديث حتى ينسى ما أوحي إليه من بنات الشعر فيجتزئ بما قال!. وهذا القول صحيح لا يدفعه أن قائله رمى به إلى الدُّعابة والمزح، فرب هزل ترجم عن جدّ، والناظر في شعر العرب يجد أن الشعراء جمعاً قد ساروا في طريق واحد، وأن المتأخر منهم يقلد المتقدم ويجري على منهاجه وأن أكثر الفرق أنما هو في اللفظ والأسلوب لا في الأغراض وحسبك ذلك دليلاً على ضيق الروح والحظيرة والعجز عن التصرف في جميع فنون الشعر. لسنا نحاول الزراية على العرب أو الغض من شعرهم وإنما نريد أن نقول أن الشعر العربي لم يجاوز حد الطفولة، ولو أن الله فسح في البقاء للدولة العربية، وزادها نفساً في أجلها وسعة - ولكنه لم يشأ، وأن أحدنا ليقرأ آثار الغرب فيملك قلبه ما تبين فيها من سمات الصدق والإخلاص، ومخايل النبل والشرف، ويستشفه من دلائل الحياة والإحساس بالجمل وحبهما وعبادتهما في جميع مظاهرهما، ويتوسمه من ذكاء المشاعر، ويقظة الفؤاد، وصدق النظر، وصفاء السريرة، وعلو النفس، وتناسبها وتجاوبها مع ما يكتنفها من مظاهر الطبيعة. هذه حقيقة لا موضع فيها للشبهة وما ينكر أنّ الشعوب الآرية أفطن لمفاتن الطبيعة وجلالة

стр. 807

النفس الإنسانية وجمال الحق والفضيلة إلا كل مكابر ضعيف البصيرة أو رجل أعمته العصبية الباطلة عن إدراك ذلك - نقول العصبية الباطلة لأن الحق غاية الوجود، وكلنا سواء في التماسه، فأيما رجل فاز منه بنصيب فهذا السعيد الموفق، وإلا فهو معذور ومشكور، وليس يغض من أحد أنه انصرف عن هذه الدنيا غير منجح. وأنت إذا تأملت شعراء العرب وكتابهم وكبار رجالهم، لتعرف منازلهم من العظمة ومواقعهم من العبقرية، وجدت أولاهم بذلك وأولهم هنا لك، وأسبقهم في استيجاب التعظيم، واستحقاق التقديم، قوم ينتهي نسبهم إلى غير العرب من مثل بشار بن برد ومروان بن أبي حفصة، وأبي نواس، وابن الرومي، ومهيار، وابن المقفع، وابن العميد، والخوارزمي، وبديع الزمان، وأبي إسحاق الصابئ، وأبي الفرج الأصفهاني، وأبي حنيفة النعمان، وغيرهم ممن لا ضرورة إلى حصرهم،. . . وأنت فقد تعلم أنّ للوراثة أثراً لا ينبغي أن يستهان به في تركيب الجسم والعقل، فليس بمستغرب أن يرث مثل أبن الرومي وهو آري الأصل كثيراً من شمائل قومه وصفاتهم، وأن يكون في شعره أشبه بهم منه للعرب، وحسب القارئ أن يقارن بين قصيدة لأبن الرومي وأخرى لغيره من صميم شعراء العرب في أي باب من أبواب المعاني ليعلم الفرق بين المنزعين وكيف أن ابن الرومي أقرب إلى شعراء الغرب وبهم أشكل، وكيف أنه يطلق للقلم العنان فلا يوقفه إلا حيث يقف الخيال، وكيف أنه ربما تناول الغرض فاندرجت تحته أغراض أخرى كالسيل المتحدر فيه من كل أرض غشيها أثر، إلى أخر مزاياه وخصائصه التي سيمر بك الكلام عليها تفصيلاً. ولد علي بن العباس بن جريح وقيل جرجيوس الشاعر المعروف بابن الرومي بمدينة بغداد يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين في الموضع المعروف بالعقيقة ودرب الختلية في دار بازاء قصر عيسى بن جعفر بن المنصور من نسل العباس بن عبد المطلب. هذا جل ما ذكره المؤرخون من ترجمة (المبسوطة) في ما وصلت إليه أيدينا من الكتب، وليتنا جهلنا ذلك وأحطنا بغيره مما طووه عنا ودفنوه في زوايا الغيب، وليت شعري أي نفع لنا من علمنا أنه ولد بعد طلوع الفجر أو قبله ولليلتين خلتا من رجب أو بقيتا منه وبالعقيقة أو بغيرها من المواضع التي طمست أشراطها، وعفت رسومها، وأنه كان مولى

стр. 808

عيسى ابن جعفر أو جعفر بن عيسى ما دمنا لا ندري كيف كان منه أو من غيره من الناس، وكيف كانت صلته بأهل زمانه، وكيف كانت مؤالفتهم له ومعاشرته لهم، كأن ابن الرومي لم يكن شاعراً كالبحتري أو المتنبي اللذين امتلأت من أخبارهما الأسفار أو كأنه لا يستحق من عناية المؤرخين مثل ما استحق عمر بن أبي ربيعة وأضرابه مثل كثير وجميل. أو المجنون الذي ينكره بعضهم وينفي وجوده، أو مثل ما استحق مركوب أبي القاسم. ولد في خلافة المعتصم وأدرك الواثق والمتوكل والمنتصر والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد - فلم يؤاسوه بأموالهم ولا أسهموا له في هباتهم ولا استحيوا أن يكون في عصورهم شاعر مثله في الحضيض الأوهد من الفقر والخصاصة ورقة الحال. ولسنا نظن أنه كان مولى رجل من العباسيين وكان متصلاً بالوزير أبي الحسين القاسم بن عبد الله وزير المعتضد وقد روى المسعودي في مروج الذهب عن محمد بن يحيى الصولى الشطرنجي قال كنا يوماً نأكل بين يدي المكتفي فوضعت بين أيدينا قطائف رفعت من بين يديه في نهاية النضارة ورقة الخبر وأحكام العمل، فقال هل وصفت الشعراء هذا، فقال له يحيى بن علي نعم قال أحمد بين يحيى فيها: قطائف قد حشيت باللوز ... والسكر الماذى حشو الموز تسبح في أزي دهن الجوز ... سررت لما وقعت في حوزى سرور عباس بقرب فوز قال وأنشدت لأبن الرومي وأتت قطائف بعد ذاك لطائف فقال هذا يقتضي ابتداء فأنشدني الشعر من أوله فأنشدته لأبن الرومي وخببيصة صفراء دينارية ... ثمناً ولونا رفَّها لك جؤذرُ عظمت فكادت أن تكون أوزّة ... وثوت فكاد إهابها يتفطر يا حسنها فوق الخوان وبنتها ... قدامها بصهيرها تتغرغر ظلنا نقشر جلدها عن لحمها ... وكأن تبرا عن لجين يقشر وتقدمتها قبل ذاك ثرائد ... مثل الرياض بمثلهن يصدر

стр. 809

ومرفقّات كلهن مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثّر وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... ترضي اللهاة بها ويرضى الحنجر إلى آخر الأبيات، فاستحسن المكتفي الأبيات وأومأ إلى أن أكتبها له فكتبتها اهـ وفي موضع آخر من الكتاب قال محمد بن يحيى الصولي وأكلنا يوماً بين يديه بعد هذا بشهر فجاءت لوزينجة فقال هل وصف ابن الرومي اللوزينج فقلت نعم فقال أنشدنيه فأنشدته: لا يخطئ منك لوزينج ... إذا بدا أعجب أو أعجبا لم تغلق الشهوةُ أبوابها ... إلا أبت زلفاه أن تحجبا لو شاء أن يذهب في صحفه ... لسهل الطيب له مذهبا يدور بالنفحة في جامه ... دوراً ترى الدهنَ له لولبا عاون فيه منظرٌ مخبراً ... مستحسنٌ ساعد مستعذبا كالحَسَنِ المُحسن في شدوه ... تم فأضحى مغرباً مطربا مستكثف الحشو ولكنه ... أرق جلداً من نسيم الصبا كأنما قدت جلابيبه ... من أعين القطر الذي طنّبا لو أنه صور من خبره ... ثغراً لكان الواضحَ الأشنبا من كل بيضاء يود الفتى ... أن يجعل الكف لها مركبا مدهونة أرقاء مدفونة ... شهباء تحكى الأورق الأشهبا دين له اللوز فلا مرة ... مرت على الذائق إلا أبا وانتقد السكرَ نقاده ... وشارفوا في نقده المذهبا فلا إذا العين رأتها نبت ... ولا إذا الطرس علاها نبا فحفظها المكتفي فكان ينشدها اهـ وفي مكان آخر من الكتاب عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه قال أخبرنا محمد عبد بن حمدون قال تذاكرنا يوماً بحضرة المكتفي فقال فيكم من يحفظ في نبيذ الدوشاب فأنشدته قول ابن الرومي إذا أخذت حبه ودبسه ... ثم أخذت ضربه ومرسه

стр. 810

ثم أطلت في الإناء حبسه ... شربت منه البابلي نفسه فقال المكتفي قبحه الله ما أشرهه لقد شوقني في هذا اليوم إلى شربه اهـ وإنما استكثرنا من إيراد هذه الأخبار لتعلم أن اسمه كان مذكوراً في مجالس الخلفاء وذكره فاشياً على ألسنة ندمائهم - ولكنه على تصرفه في كل فنون الشعر المعروفة وإجادته في جميع أبوابه وكثرة ما سار عنه من ذلك كان من الفاقة وحقارة الشأن وسقوط الجاه بحيث كان يستجدي من أخوانه الكساء فلا يصيب منه قصاصه، وله في ذلك شعر كثير فمن ذلك قوله لأبي جعفر النوبختي كساء بني نوبخت مهلا فأنني ... أراك تناغي طيلسان بني حرب أعيذك أن تأتي مسيرة ليلة ... وتصبر للتسيير في الشرق والغرب كسآي كساي أنه الدرب بيننا ... فلا تدع الثغر المخوف بلا درب ولا تحسبنّي لا أغرد بالتي ... تليني بها في الحفل طوراً وفي الشرب فاعف بحقي في الشتاء فلن أري ... قبول كساء منك في الصيف ذي الكرب وصبراً فإن الحر باللوم تبتغي ... أنابته والعبد بالشتم والضرب وقوله أيضاً طلبت كساء منك إذا أنت عامل ... على قرية النعمان تعطي الرغائبا فأوسعتني منعا أخالك نادماً ... عليه وفي تمحيصه الآن راغبا فإن حق ظني فاستقلني بمترص ... يقيني إذا ما القر أبدى المخالبا وقوله يابن حرب كسوتني طيلسانا ... يتجني على الرياح الذنوبا طيلسان إذا تنفست فيه ... صاح يشكو الصبا ويشكو الجنوبا وتهب الرياح في أرض غيري ... فتهب القرور فيه هبوبا تتغنى إحدى نواحيه صوتاً ... فتشق الأخرى عليه الجيوبا فإذا ما عذلته قال مهلا ... لن يكون الكريم إلا طروبا طال رفوي له فأودى بكسبي ... يابن حرب تركتني محروبا (للفصل بقية)
следующие страницы →