← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الروضة العذراء، وكأنما ألفاظهم فهرس للمعاني التي في نفوسهم تشير إليها إشارة البنان، وكأن قائلهم لجلاج تحتشد في خاطره المعاني فيجيل بها لسانه في شدقه ثم يخرجها مزدحمة بعضها في إثر بعض وقد تخرج متصادمة وبينها وقفات يشقي بها صبره. وتعجبني كلمة لصديق لي في وصف الميوز العربية قال: الفرق بين عروس الشعر الإفرنجية وعجوز الشعر العربية أن الأولى تسكن السماء والثانية لا تألف إلا الرسوم المحيلة، والأطلال البوالي، ولا تغشى إلا الأربع الأدراس، فإذا أراد الشاعر أن يستمد منها الوحي ركب إليها ظهور الإبل ومتون النياق، حتى إذا أنثني عنها شغله وصف ما رأى في طريقه إليها من النجوم وكيف كان اهتداؤه بها، وما هب عليه من الرياح، وأومض من البروق خلبها وصادقها، وأظله من السحاب جهامها وماطرها، وكيف أذكره القمر وجه حبيبته المتألق، وجفلة السرب في الظلام نفرتها ليلة السفح، ثم لا يزال يذكره الأمرُ الأمرَ، ويفضي بك من حديث إلى حديث حتى ينسى ما أوحي إليه من بنات الشعر فيجتزئ بما قال!. وهذا القول صحيح لا يدفعه أن قائله رمى به إلى الدُّعابة والمزح، فرب هزل ترجم عن جدّ، والناظر في شعر العرب يجد أن الشعراء جمعاً قد ساروا في طريق واحد، وأن المتأخر منهم يقلد المتقدم ويجري على منهاجه وأن أكثر الفرق أنما هو في اللفظ والأسلوب لا في الأغراض وحسبك ذلك دليلاً على ضيق الروح والحظيرة والعجز عن التصرف في جميع فنون الشعر. لسنا نحاول الزراية على العرب أو الغض من شعرهم وإنما نريد أن نقول أن الشعر العربي لم يجاوز حد الطفولة، ولو أن الله فسح في البقاء للدولة العربية، وزادها نفساً في أجلها وسعة - ولكنه لم يشأ، وأن أحدنا ليقرأ آثار الغرب فيملك قلبه ما تبين فيها من سمات الصدق والإخلاص، ومخايل النبل والشرف، ويستشفه من دلائل الحياة والإحساس بالجمل وحبهما وعبادتهما في جميع مظاهرهما، ويتوسمه من ذكاء المشاعر، ويقظة الفؤاد، وصدق النظر، وصفاء السريرة، وعلو النفس، وتناسبها وتجاوبها مع ما يكتنفها من مظاهر الطبيعة. هذه حقيقة لا موضع فيها للشبهة وما ينكر أنّ الشعوب الآرية أفطن لمفاتن الطبيعة وجلالة

стр. 807

النفس الإنسانية وجمال الحق والفضيلة إلا كل مكابر ضعيف البصيرة أو رجل أعمته العصبية الباطلة عن إدراك ذلك - نقول العصبية الباطلة لأن الحق غاية الوجود، وكلنا سواء في التماسه، فأيما رجل فاز منه بنصيب فهذا السعيد الموفق، وإلا فهو معذور ومشكور، وليس يغض من أحد أنه انصرف عن هذه الدنيا غير منجح. وأنت إذا تأملت شعراء العرب وكتابهم وكبار رجالهم، لتعرف منازلهم من العظمة ومواقعهم من العبقرية، وجدت أولاهم بذلك وأولهم هنا لك، وأسبقهم في استيجاب التعظيم، واستحقاق التقديم، قوم ينتهي نسبهم إلى غير العرب من مثل بشار بن برد ومروان بن أبي حفصة، وأبي نواس، وابن الرومي، ومهيار، وابن المقفع، وابن العميد، والخوارزمي، وبديع الزمان، وأبي إسحاق الصابئ، وأبي الفرج الأصفهاني، وأبي حنيفة النعمان، وغيرهم ممن لا ضرورة إلى حصرهم،. . . وأنت فقد تعلم أنّ للوراثة أثراً لا ينبغي أن يستهان به في تركيب الجسم والعقل، فليس بمستغرب أن يرث مثل أبن الرومي وهو آري الأصل كثيراً من شمائل قومه وصفاتهم، وأن يكون في شعره أشبه بهم منه للعرب، وحسب القارئ أن يقارن بين قصيدة لأبن الرومي وأخرى لغيره من صميم شعراء العرب في أي باب من أبواب المعاني ليعلم الفرق بين المنزعين وكيف أن ابن الرومي أقرب إلى شعراء الغرب وبهم أشكل، وكيف أنه يطلق للقلم العنان فلا يوقفه إلا حيث يقف الخيال، وكيف أنه ربما تناول الغرض فاندرجت تحته أغراض أخرى كالسيل المتحدر فيه من كل أرض غشيها أثر، إلى أخر مزاياه وخصائصه التي سيمر بك الكلام عليها تفصيلاً. ولد علي بن العباس بن جريح وقيل جرجيوس الشاعر المعروف بابن الرومي بمدينة بغداد يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين في الموضع المعروف بالعقيقة ودرب الختلية في دار بازاء قصر عيسى بن جعفر بن المنصور من نسل العباس بن عبد المطلب. هذا جل ما ذكره المؤرخون من ترجمة (المبسوطة) في ما وصلت إليه أيدينا من الكتب، وليتنا جهلنا ذلك وأحطنا بغيره مما طووه عنا ودفنوه في زوايا الغيب، وليت شعري أي نفع لنا من علمنا أنه ولد بعد طلوع الفجر أو قبله ولليلتين خلتا من رجب أو بقيتا منه وبالعقيقة أو بغيرها من المواضع التي طمست أشراطها، وعفت رسومها، وأنه كان مولى

стр. 808

عيسى ابن جعفر أو جعفر بن عيسى ما دمنا لا ندري كيف كان منه أو من غيره من الناس، وكيف كانت صلته بأهل زمانه، وكيف كانت مؤالفتهم له ومعاشرته لهم، كأن ابن الرومي لم يكن شاعراً كالبحتري أو المتنبي اللذين امتلأت من أخبارهما الأسفار أو كأنه لا يستحق من عناية المؤرخين مثل ما استحق عمر بن أبي ربيعة وأضرابه مثل كثير وجميل. أو المجنون الذي ينكره بعضهم وينفي وجوده، أو مثل ما استحق مركوب أبي القاسم. ولد في خلافة المعتصم وأدرك الواثق والمتوكل والمنتصر والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد - فلم يؤاسوه بأموالهم ولا أسهموا له في هباتهم ولا استحيوا أن يكون في عصورهم شاعر مثله في الحضيض الأوهد من الفقر والخصاصة ورقة الحال. ولسنا نظن أنه كان مولى رجل من العباسيين وكان متصلاً بالوزير أبي الحسين القاسم بن عبد الله وزير المعتضد وقد روى المسعودي في مروج الذهب عن محمد بن يحيى الصولى الشطرنجي قال كنا يوماً نأكل بين يدي المكتفي فوضعت بين أيدينا قطائف رفعت من بين يديه في نهاية النضارة ورقة الخبر وأحكام العمل، فقال هل وصفت الشعراء هذا، فقال له يحيى بن علي نعم قال أحمد بين يحيى فيها: قطائف قد حشيت باللوز ... والسكر الماذى حشو الموز تسبح في أزي دهن الجوز ... سررت لما وقعت في حوزى سرور عباس بقرب فوز قال وأنشدت لأبن الرومي وأتت قطائف بعد ذاك لطائف فقال هذا يقتضي ابتداء فأنشدني الشعر من أوله فأنشدته لأبن الرومي وخببيصة صفراء دينارية ... ثمناً ولونا رفَّها لك جؤذرُ عظمت فكادت أن تكون أوزّة ... وثوت فكاد إهابها يتفطر يا حسنها فوق الخوان وبنتها ... قدامها بصهيرها تتغرغر ظلنا نقشر جلدها عن لحمها ... وكأن تبرا عن لجين يقشر وتقدمتها قبل ذاك ثرائد ... مثل الرياض بمثلهن يصدر

стр. 809

ومرفقّات كلهن مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثّر وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... ترضي اللهاة بها ويرضى الحنجر إلى آخر الأبيات، فاستحسن المكتفي الأبيات وأومأ إلى أن أكتبها له فكتبتها اهـ وفي موضع آخر من الكتاب قال محمد بن يحيى الصولي وأكلنا يوماً بين يديه بعد هذا بشهر فجاءت لوزينجة فقال هل وصف ابن الرومي اللوزينج فقلت نعم فقال أنشدنيه فأنشدته: لا يخطئ منك لوزينج ... إذا بدا أعجب أو أعجبا لم تغلق الشهوةُ أبوابها ... إلا أبت زلفاه أن تحجبا لو شاء أن يذهب في صحفه ... لسهل الطيب له مذهبا يدور بالنفحة في جامه ... دوراً ترى الدهنَ له لولبا عاون فيه منظرٌ مخبراً ... مستحسنٌ ساعد مستعذبا كالحَسَنِ المُحسن في شدوه ... تم فأضحى مغرباً مطربا مستكثف الحشو ولكنه ... أرق جلداً من نسيم الصبا كأنما قدت جلابيبه ... من أعين القطر الذي طنّبا لو أنه صور من خبره ... ثغراً لكان الواضحَ الأشنبا من كل بيضاء يود الفتى ... أن يجعل الكف لها مركبا مدهونة أرقاء مدفونة ... شهباء تحكى الأورق الأشهبا دين له اللوز فلا مرة ... مرت على الذائق إلا أبا وانتقد السكرَ نقاده ... وشارفوا في نقده المذهبا فلا إذا العين رأتها نبت ... ولا إذا الطرس علاها نبا فحفظها المكتفي فكان ينشدها اهـ وفي مكان آخر من الكتاب عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه قال أخبرنا محمد عبد بن حمدون قال تذاكرنا يوماً بحضرة المكتفي فقال فيكم من يحفظ في نبيذ الدوشاب فأنشدته قول ابن الرومي إذا أخذت حبه ودبسه ... ثم أخذت ضربه ومرسه

стр. 810

ثم أطلت في الإناء حبسه ... شربت منه البابلي نفسه فقال المكتفي قبحه الله ما أشرهه لقد شوقني في هذا اليوم إلى شربه اهـ وإنما استكثرنا من إيراد هذه الأخبار لتعلم أن اسمه كان مذكوراً في مجالس الخلفاء وذكره فاشياً على ألسنة ندمائهم - ولكنه على تصرفه في كل فنون الشعر المعروفة وإجادته في جميع أبوابه وكثرة ما سار عنه من ذلك كان من الفاقة وحقارة الشأن وسقوط الجاه بحيث كان يستجدي من أخوانه الكساء فلا يصيب منه قصاصه، وله في ذلك شعر كثير فمن ذلك قوله لأبي جعفر النوبختي كساء بني نوبخت مهلا فأنني ... أراك تناغي طيلسان بني حرب أعيذك أن تأتي مسيرة ليلة ... وتصبر للتسيير في الشرق والغرب كسآي كساي أنه الدرب بيننا ... فلا تدع الثغر المخوف بلا درب ولا تحسبنّي لا أغرد بالتي ... تليني بها في الحفل طوراً وفي الشرب فاعف بحقي في الشتاء فلن أري ... قبول كساء منك في الصيف ذي الكرب وصبراً فإن الحر باللوم تبتغي ... أنابته والعبد بالشتم والضرب وقوله أيضاً طلبت كساء منك إذا أنت عامل ... على قرية النعمان تعطي الرغائبا فأوسعتني منعا أخالك نادماً ... عليه وفي تمحيصه الآن راغبا فإن حق ظني فاستقلني بمترص ... يقيني إذا ما القر أبدى المخالبا وقوله يابن حرب كسوتني طيلسانا ... يتجني على الرياح الذنوبا طيلسان إذا تنفست فيه ... صاح يشكو الصبا ويشكو الجنوبا وتهب الرياح في أرض غيري ... فتهب القرور فيه هبوبا تتغنى إحدى نواحيه صوتاً ... فتشق الأخرى عليه الجيوبا فإذا ما عذلته قال مهلا ... لن يكون الكريم إلا طروبا طال رفوي له فأودى بكسبي ... يابن حرب تركتني محروبا (للفصل بقية)

стр. 811

فصول في الزراعة اللغة العربية والزراعة بين ظهرانينا الآن أفراد مخلصون يعملون في السر ولا تعنيهم الشهرة وهم عند النصفة أولى العاملين بالشهرة والذكر لأنهم مخلصون وعاملون بحق وممن نعرف من هذه الطائفة الصالحة حضرة الأديب الفاضل أحمد أفندي الألفي أحد الذين انقطعوا لعلم الزراعة وتوفروا على ترقيته في مصر وهي لعمري أحق البلاد بهذا العلم وأولى بأن يكثر فيها العاملون عليه - وقد تحفنا حضرة الألفي أفندي بفصول عدة في الزراعة نشرناها فيما سلف من البيان لمكانها من جودة الموضوع وجودة الأسلوب واليوم ننشر لحضرته فصلين عنوان الواحد اللغة العربية والزراعة وعنوان الآخر أنواع الأرض، وهما عند أنعام النظر ينمان على قدم راسخة في الأدب والزراعة معاً - قال التربة. ظاهر الأرض بقدر ما يثيره الحرث أي يقلبه ويعبر عنها بالأرض أو أرض الزراعة أو سطح الأرض أو الطبقة الزراعية. الرُفدة. تحت التربة، الذي لا يصل إليه غور الحرث عادة ويعبر عنه بتحت سطح الأرض. الثرى. التراب الندي الذي لم يصر طيناً. التراب. مادة التربة أو الأرض التي تقوم بالرمل والطين (بالمعنى العلمي) وغيرهما. الطين. أحد العناصر المعدنية المقوّمة للتربة أو الأرض والطين لغة التراب المجبول بالماء يقال جبل التراب إذا صبّ عليه الماء ودعكه طيناً. الرَدَغة. ثرى وجه التربة المشبع بالماء وتسميه العامة (روبة). الطُفَال. الطين اليابس خاصة ويقال أرض طفائية أي طينية. المدر. قطع الطين اليابس وتسميه العامة قلقيل. الابليز. الأرض ذات الملوحة والنز. (وتوصف الأرض بأنها) دمثة. إذا كانت سهلة لينة كالأرض التي تعرف بالأرض الخفيفة. مستحصفة. إذا كانت صلبة من شدة اليبوسة خاصة.

стр. 812

ولازبة أو علكة أو لزجة. هذه أوصاف للأرض الطينية التي إذا ترطبت تتلزّج طينتها وإذا يبست تشتد صلابتها. غَمِقة. الأرض المرطوبة برطوبة راكدة أي لم تصرف وهي أرض مكروهة. غَدِقة. الأرض الندية بماء الري خاصة أو إذا كانت ريا النبت أي مروية. (ملحوظة) استعمل معربوا كتاب الزراعة كلا من هذين اللفظين لأحد هذين المعنيين كأن اللفظين مترادفان والمعنيين متحدان وكل ذلك منهم وهم. أريضة. إذا كانت كاملة الخصال للنبات أي إذا كانت طبائعها جيدة. طبائع الأرض أو خصالها. يعبر عنها بقولهم صفات الأرض الطبيعية أو خواصها الطبيعية. والكلمة المستعملة في اللغة هي لفظة (خصال) يقال أرض كاملة الخصال وكذلك لفظة (طبائع) في استعمال فصحاء المعاصرين. ويقال أرض سمينة. إذا كانت جيدة قوية على ترشيح النبت أي تربيته ويقال عنها في العرف أرض سخية. زهاد أو شحاح. للأرض التي يسرع غيض الماء فيها ولا يعود يترشح منها. جَلد. للأرض التي يضعف نفوذ الماء فيها لصلابتها. ريا. للأرض الندية بماء الري خاصة. ثرية. يقال ثريت الأرض إذا نديت ولانت يبسها. (يتلي) أنواع الأرض تقوم الأرض بالطين والرمل معاً وتسمى طينية إذا كان الأول هو الأغلب في تربتها. وتسمى رملية إذا كان الثاني هو الأغلب في تربتها. وتسمى طميية إذا كانا متعادلين ومتكافئين معاً. وتسمى طينية رملية إذا كانا متقاربين تقارباً امتاز فيه الطين. وتسمى رملية طينية إذا كانا متقاربين تقارباً امتاز فيه الرمل. وقد تزيد ملوحة الأرض حتى تفسد تربتها فتعرف بـ الأرض الملحية ومتى نقيت من ملوحتها عرفت بنوعها الطيني أو الرملي * (الأرض الطينية وتعرف بالأرض السوداء) * وهي صنفان ثقيلة وخفيفة

стр. 813

فالخفيفة لينة التربة وسهلة الخدمة يرى ثراها أكدر اللون ووجها ترابي كامد. والثقيلة أغلب طيناً وأكدر لوناً وأصعب خدمة. لزجة إذا رويت شديدة الاستحصاف إذا يبست. * (الأرض الطينية الرملية وتعرف بالأرض الكحلاء) * الين تربة وأسهل خدمة وأفتح لوناً من الأرض السوداء الخفيفة. * (الأرض الطميية وتعرف بالأرض الصفراء) * سلسلة التربة والخدمة غبراء الأديم أما ثراها فهو أغبر بصفرة خفيفة وحينما تيبس عقب الري يعلوه بياض أكثر وأزهى مما يرى في غيرها كما أنه يكون في الأرض الكحلاء أظهر منه في الأرض السوداء. * (الأرض الرملية الطينية وتعرف بالرملية الصفراء) * هشة التربة خفيفة الخدمة رملية اللون بغبرة وصفرة خفيفتين. * (الأرض الرملية) * تعرف بلونها الرملي البحت وبعدم تماسك تربتها حتى أن خدمتها لا تحتاج إلا لمجهود قليل جداً فيما عدا الري والتسميد. * (الأرض الملحية) * ترى ملوحة تربتها أما ذات لون أسمر أو أبيض كامدين والأولى اردأ تأثيراً وأصعب إزالة وتصير التربة صلبة علكة وتعرف بالأرض المرة بينما الثانية تصيرها رخوة. مراتب الأرض من حيث ريها وزراعتها تقسم إلى (أ) أرض رواتب وهي التي تروى دواماً وتزرع بدورة كاملة وهي أرض الدلتا أي الوجه البحري وبعض أرض الصعيد. (ب) أرض مستجدة وهي التي عمرت حديثاً من أرض البراري ونحوها وتروى وتزرع كالأرض الرواتب ومتى تم تنويعها وتحسينها وعمرانها ألحقت بالأرض الرواتب. (ج) أرض الحياض وهي أرض الصعيد التي تروي غمراً مدة الفيضان ولا زرع إلا

стр. 814

زروعاً شتوية وقد تحول كثير منها شمالي الصعيد فصار من الأرض الرواتب. (د) الأرض الموات وهي التي لم تعمر ولم تزرع كأطراف الدلتا الشمالية ومتى عمرت ألحقت بالأرض المستجدة. من حيث موقعها تقسم إلى (هـ) الأرض الجنوبية العالية من الصعيد إلى جنوب الدلتا ونظراً لنقاوتها من الملوحة وازدياد عمق الرواسب النيلية فيها تعرف بالأرض العميقة الحلوة. (و) الأرض البحرية الواطئة شمالي الدلتا. خصب الأرض خصب الأرض في تربتها وكميته بها كبيرة إلا أن الفعّال منه لتغذية النبات حالاً قليل. أما سائره فكامن ومستعد. وبإتقان الفلاحة تزيد مادة الخصب ويتحول الكامن مستعداً والمستعد فعالاً فيزكو خصب الأرض في جميع حالاته. أما إذا أهملت الأرض فإنها تضعف ثم تمحل. ويختلف سمك التربة من نحو ١٥ سنتمتراً في الارض الضعيفة إلى ضعف ذلك في الأرض الجيدة. أما الرفدة أي تحت التربة وإن كانت مثلها تقوم بالطين والرمل معاً إلا أنها عقيمة لبعدها عن تأثيرات الفلاحة والجو ولكنها تعد وطناً تنمو فيه الجذور الطويلة ومورداً تستعد منه التربة ما استفرغه الزرع من عناصرها المعدنية فضلاً عن شأنها أي الرفدة في تقويم بعض خصال الأرض كدورة الماء مثلاً وقد تكون مفيدة للتربة إذا كانت أي الرفدة سهلة الثرى تحت تربة علكة أو كانت طينية تحت تربة رملية فإنها تعدل مزاج التربة في الحالتين ففي الحالة الأولى تساعد على تصريف رطوبة التربة وفي الحالة الثانية تمنع غيض الماء في الثرى بعيداً عن التربة وقد تكون الرفدة مضرة كما إذا كانت علكة تحت تربة سهلة فإنها تصعب دورة الماء في الأرض فتؤدي به التربة. (يتلى)

стр. 815

القطب الشمالي الرحالة بيرى يصف عودته من القطب الشمالي بعد ربع قرن قضيته في كفاح وجهاد ومساغ ضائعة متتابعة أبى القدر إلا أن أنجح أخيراً فرفعت علم وطني، ذلك العلم الأمريكاني، في بقعة من ذلك القطب يحسدنا عليها العالم طرا. لقد أقمت بالقطب ثلاثين ساعة عصيبة رأيت في خلالها مناظر ومشاهد كثيرة واستطعت فيها أن أجد وسيلة لكتابة رقعة إلى زوجتي استلمتها في سدني. فلما كان اليوم السابع من شهر ابريل سنة ١٩٠٩ في الساعة الرابعة من المساء بدأنا نعود أدراجنا من المخيم الذي ضربناه في ذلك القطب. ولقد يخطئ من يحسب أن المتاعب قد انتهت بعودتنا وأن ما لاقيناه من الرهق في سفرنا لا نلقاه في رجوعنا. إذ العود أشق والرجوع أصعب أنكد. ومصاب الكبتن سكوت ونحس طالعه في عودته دليل محزن مروع. وبرهان ناصع مجيد. أما أنا فلم يؤبه لعودتي لأني ما كدت أعود إلى أمريكا حتى أهملت ذكر ما حدث لي بعد ما رفعت العلم الموشى بالأنجم الزهر. فوق تلك الثلوج البكر. حتى وصلت إلى موطني. وقد جئت اليوم أروي للقراء تفاصيل ذلك الرجوع. وهم سيجدون أن الرحلة إلى القطب تشابه بعض المشابهة مسألة الطيران في صعوبتها وأخطارها. قبل الرحيل جمعت رجالي إلى حديث سريع ثم أفهمتهم ضرورة الوصول إلى الأرض قبل مد البحر القريب الحدوث. ووجوب استعمال جميع قوانا في تحقيق ذلك الغرض. وألقيت في روعهم أنه يجب أن نجد في المسير وننام النوم القليل وأن نسرع من غير توقف أو تمهيل. فأحدثت خطتي هذه همة كبرى عند أولئك الرجال وجعلنا نطوي المراحل مضاعفة إذ كنا نقطع المرحلة الواحدة ثم نقف ريثما نتناول الشاي وطعام الإفطار وبعد ذلك نواصل المسير فنطوي مرحلة أخرى ثم ننام بضع ساعات فإذا انقضت عاودنا على أننا والحق يقال لم نستطع أن نلزم هذه الطريقة في رحيلنا بل جعلنا نقطع تسع مراحل من ذهابنا في ثلاث من عودتنا وكل يوم يروح عنا بعض ما يعتادنا إذ كنا نشفق أن تندرس آثارنا الأولى

стр. 816

ويمحو تأثير الأرواح على الثلوج مواقع أقدامنا. وكان هناك بعد درجة ٨٧ منطقة متسعة الأرجاء مترامية يبلغ محيطها سبعة وخمسين ميلاً وكنت مضطرب النفس أخشى أن لا نستطيع اجتيازها. ومضت اثنا عشرة ساعة والريح تزف زفيفاً شديداً وتهب هبوباً عنيفاً من كل مكان مذيبة هناك بحراً يجتاز. فتنهدت من أعماق نفسي تنهدة الخلاص بعد تلك الدرجة. ووجدنا في كل مكان آثار المرابط التي كنا نقف بها ورأينا معالم المواقع التي كنا ننزل عندها لم تمح ولم تمس. أما الزاد فكان لدينا وفراً يكفي رجالنا وكلابنا وكنا ننطلق كأنما كنا في حلبة السباق. ولا أنسى تأثير ما كان يخالج أرواحنا من نشاط وهدوء. وجملة القول كان كل شيء في جانبنا وكنا نتسلل وراء بعضنا مسرعين مولين في خلال خمسة الأميال الأولى من سياحة عودتنا. ووصلنا بعدها إلى صدع هناك ضيق امتلأ ثلجاً حديثاً ورأيناها فرصة سانحة نستطيع فيها أن نسبر غور تلك الثلوج ولم نكن فعلنا ذلك من قبل في القطب لكثافة الجليد المتراكم. أما في ذلك المكان فقد سهل علينا أن نحفر حتى الماء. وأرسلنا في ذلك الصدع حبالنا فغابت في الجليد نحواً من مترين وثلاثة أرباع متر دون أن نجد القاع. فلما كان خدمنا وهم من (الاسكيمو) يشدون تلك الحبال انكسرت منهم فهوت إلى القاع بخيطها ورصاصها فتركناها ومضينا في سبيلنا فوصلنا المخيم الأول مبكرين. وحل يوم الجمعة (٩ ابريل) فكان يوماً عبوساً قمطريراً أذهبت من الشمال الشرقي ريح عصيبة استحالت عاصفة وإن كان ميزان الحرارة يتراوح بين درجتي ١٨ و ٢٠. ولحسن الحظ كنا نمشي قبل هبوب الريح إذ يستحيل علينا أن نسير ضد تلك العاصفة الهائجة. ومهما كنا نفعل فإن العاصفة كانت تسوق كلابنا سوقاً وتدفعها إلى العدو دفعاً مستمراً. ولاحظنا أن الثلوج تسير معنا إلى الجنوب وقد ساعدنا ذلك على زيادة سرعتنا. ولم نر

стр. 817

ركام الثلج يتحرك ولا مناطقه تنحدر وإلا لو فعلت لكان لنا شأن محزن وفاجعة كبرى. فلما ضرب الليل خيامه سكنت الريح هونا ما ثم لم تلبث أن مضت تاركة الجو كدراً معكراً ولم نستطع مع الضوء صبراً ولم تطق أعيننا رؤيته وكدنا لا نتبين مواقع آثارنا الأولى. ولم نقطع في ذلك اليوم إلا مرحلة واحدة وإن كانت درجة الحرارة لم تزد عن ١٠ ولم نحاول أن نجد في السير ونلج في الرحيل إذ رأينا الكلاب قد أنهكها العدو وشعرت بتأثير جريها المتواصل ولزمنا أن نرفه عنا بعض ذلك الجهد ونتهيأ للغد إذ كنت أتوقع في غد متاعب ومحازن - على أنها بحمد الله لم تقع_من ذلك الجليد الذي سنلقاه في طريقنا. ورأينا لزاماً علينا أن نسرح بعضاً من كلابنا فاقتصرنا منها على خمسين كلباً. وكان الأحد (١١ ابريل) يوماً صحواً جميلاً طلعت شمسه وبزغت غزالته من بين الغيوم والسحب بعد أن هدمنا خيمتنا وأنزلنا طنبها وكان الهواء رخياً هادئاً ولمشرق الشمس حرارة لذيذة ولبزوغها تألق متوهج ولو لم يكن لدينا مناظيرناالقاتمة اللون لسبب لنا وهج ضيائها مر ضافى أعيننا. وآثر فينا حسن ذلك اليوم وجدد من همتنا ما أخلقه التعب فسرنا بأسرع من قبل حتى قطعنا مرحلتين. فلما ضربنا خيامنا وألقينا بالليل عصانا كنا بمقربة من خط ٨٧. وإلى القراء ما كتبته عن تلك الليلة في مذكرتي فهو يغني عن وصفها مرة أخرى. (نؤمل أن نصل غداً إلى النقطة التي خلفنا عندها مارفان. ولا يسعد خاطري وينعم بالي إلا أن أكون هناك فوق الثلج الكثيف. فإن هذه المنطقة تكون في شهر فبراير ماء غديراً ولا تزال كذلك أودية تسيل حتى أواخر مارس. أما تلك النقطة فمغطاة بثلج صغير يسهل السعي عليه ويحمد المسير فيه. على أنه ليس بالطريق الآمن ولا الوسيلة المثلى للرجوع. اللهم إلا قليلاً) وأقبل يوم الاثنين فقطعنا مرحلة مضاعفة طويلة الشقة انتهينا عندها إلى درجة ٨٦، ٣٨ وأفضينا منها إلى مخيم (أبريز) وإنما سميت كذلك تخليداً لذكرى أبعد نقطة شمالية وصل إليها دوق أبريز. وكانت مواقع الخطى في بعض الأماكن دارسة لا أثر لها. متقطعة لا ترى. على أننا لم نجد كثير عناء في تتبعها. وكان اليوم التالي عصيباً سيئاً سرنا فيه مواجهين ريحاً باردة شمالية ترمينا في وجوهنا

стр. 818

بقطع محددة من البرد كأنما وخزها وخز الإبر بل كانت تنفذ من بين فتحات أثوابنا. على أننا وجدنا في المسير فوق ذلك الجليد الصغير راحة وسروراً. وما همنا شأن ذلك البرد بل حسبناه معاكسة بسيطة ومزاحاً من القدر وخيمنا عند نقطة نانس. وما سميت هذه أيضاً بهذا الاسم إلا لإبقاء ذكرى نقطة شمالية سحيقة انتهى إليها الرحالة نانس فبعد نوم هنيء انطلقنا إلى مرحلة أخرى وهنا بدأنا نشعر بتأثير الرياح الشديدة الهوج وقد سمعنا ونحن نهدم خيامنا صوت الثلج المتكسر وانكسر عن كثب منا ركام من الجليد فانفتحت هناك فوهة كبرى فلم نجد مندوحة من اجتيازها في قوارب صغيرة كانت لدينا. فلما ارتحلنا للمرحلة الثانية اكتشفنا آثاراً جديدة هي ولا ريب آثار الحيوان الذي أنقذناه في سفرنا إلى القطب ولاقينا في الطريق فوهة تبلغ نحواً من ميل. وانحدرنا من جانب القطب نمشي الهوينا إلى مرحلة أخرى. وقد وصلنا في السابع عشر من شهر ابريل المخيم الحادي عشر على مسافة مائة وواحد وعشرين ميلاً من رأس كولومبية ومررنا بأخاديد من الثلج كثيرة كنا نقضي ست عشرة ساعة متوالية في المسير إذا استحال علينا أن نتبين آثار أقدامنا الدارسة. ولما طلع علينا يوم الأحد الثامن عشر من شهر ابريل سرنا ست عشرة ساعة أخرى وهبت في بدئها ريح رخاء لينة وانتهت ببرد يلفح وجوهنا شديد الأذى وابتلت أثوابي من العرق وامتد بنا المسير حتى ذر قرن الشمس فأشرقت في عين حمئة وهبت الريح من تلقاء الجنوب الغربي فتألمت من آثرهما ولفحت الشمس وجهي ولكنني تسليت عنا بالتفكير وجعلت أعلل نفسي عن الألم بأننا أصبحنا على مسافة لا تزيد عن مائة ميل من الأرض. وحاولت نسيان ألم الحمى الموجع من تأثير الشمس والهواء بتسريح النظر في تلك الغيوم الأرضية التي كنا نتبينها ونحن في خيمتنا فلما كان الغدر رأينا الأرض رأي العين ومات ثلاثة من كلابنا وأما الأخرى فبدت عليها علائم الموت. وأما المدة التي بين ١٨ ابريل والاثنين (١٩ ابريل) فقد استمر الهواء جميلاً واستطعنا أن تلمح الأرض البراح ووصلنا في سحر اليوم التاسع عشر الساعة الثالثة إلى المراكز التي وضعها الرحالتان مكملان وجود سل في عودتهما وقد قطعنا ثلاث مراحل في خمس عشرة ساعة ونصف وفي اليوم التالي طوينا مرحلة مضاعفة وانطلقنا لدى الأصيل فوصلنا لمخيم

стр. 819

السادس عشر وهناك غلينا القدر وأعددنا طعاماً خفيفاً حتى إذا انتهينا اعتزمنا طريقنا حتى صباح اليوم العشرين من شهر ابريل نريد المخيم الخامس عشر. وفي ذلك الوقت وصلنا إلى منطقة محفوفة بالأذى يعتورها الأخدود الكبير تسلمنا إلى المخيم الخامس عشر ومنه إلى رأس كولومبية. وقضيت ليلة ما كان أمرها وأصعبها إذ أخذتني فيها عوارض كثيرة منصبة جعلتني استدل منها على أنني مصاب باحتقان في الحنجرة على أن مواصلة السير والإسراع فيه خففا ما انتابني من ألم. وبعد يومين أو ثلاثة من مسيرنا لم يحدث فيها شيء غير مألوف وطئت أقدامنا أديم الأرض ورغماً من آلام حنجرتي وليلتي المسهدة فتنني ذلك الخاطر وسحرتني نعمته. أما في باقي سياحتنا فقد اضطررنا إلى إتباع أثر (بارتلت) بدلاً من اقتفاء الأثر الكبير الذاهبة معالمه وليس هنا موضع الشكوى فقد وصلنا إلى نقطة تبعد عن الأرض بنحو خمسين ميلاً أما أنا فقد كانت هذه المرحلة أوجع لي وأشد ألماً أذبت ليلة نبا فيها النوم عن جفني في خيمة شديدة القر وكانت أثوابي مبتلة ندية بالعرق وكنت أشعر بحرقة مستمرة وألم شديد في رأسي وفكي ولكننا ما كدنا ننتهي من المرحلة حتى بدأت أحس بتأثير جرعة الكينا ثم أخذ ذلك الألم يخف رويد حتى زالت أخيراً عوارضه الموجعة. ولم نحسب في ذلك اليوم حساباً لكلابنا إذ رأيناها كأنما فقدت همتها واسترخت لا تستطيع مسيراً. وبدأنا المسير الأخير قبل انتهائنا إلى أديم الأرض في الساعة الخامسة من المساء في ذلك الجو المتألق الهادئ والوقت الساكن الصافي والتقينا بأخدود لم يجتز من قبل وبعد جهد كثير ومحاولة غير مجدية لم نر وسيلة غير إسقاط بعض متاعنا في الماء لنتخفف منها وانقفل الأخدود من جهة الشرق فأتبعنا أثرنا حتى اجتزنا ذلك الشق الكبير. قال روبرت بيري بعد وصف بسيط. لقد أنجزت بغيتي في الحياة وهمي. وأديت للعالم همامتي وشغلي. تلك الهمامة التي كنت أجزم بتحقيقها وأعتقد في انجازها وها أنا قد وفيت بعهدي الذي أبرمت. وصلت إلى القطب بجهدي وحيلتي بعد أن قضيت ثلاثة وعشرين عاماً في سعي ومشقة

стр. 820

وخيبة وحرقة وهم وأخطار. ووضعت في ذمة الولايات المتحدة أكبر ثمن جغرافي ذلك هو القطب الشمالي. ذلك العمل الذي صرفت الأمم المتحضرة له ثلاثة قرون وأضاعت لتحقيقه منهج أبنائها وأنفقت عليه غالي أموالها لم يتذلل إلا لأمر يكا وأنا بذلك قانع راض. . .

стр. 821

تكريم النوابغ يقول اللورد تنيسون ذلك الشاعر الانجليزي الغَزِل مخاطباً ملتن سيد شعراء البريطان، أي ملتن، يا واضع اللحن المؤتلف ومنشد النغم المنسجم، ومغنياً في الدهر والأبد، يا مزهرَ سِحر أنعم الله به علينا، أن اسمك سيتردد صداه في العصور المقبلة وكذلك مكن الله لملتن وكذلك كان شأن الرجل العظيم. وأنت ترى الناس يقدسون العظيم طوعاً أو كرهاً ويعلمون أن لا غناء لهم عن عظيم، وكل شعب فرح بعظمائه يقدر فيهم جلالة الأخطار، ويمشي إليهم بالإعظام والإكبار، وما العظمة إلا نوع من السحر يجمع بين روح العظيم وأرواح بني وطنه، بل هي نار مشوبة في الزمان القر تؤمها النفوس المقرورة والأرواح الصاردة لتصطلي من حرها ولتجد على النار هدي، ولكل رجل منا عظيم يسكنه فؤاده وينزله ربع قلبه، ولا بدع إذا رأيت الشعب الانجليزي الفخور يجد في شكسبير الآية الكبرى ويأبى أن يساوم فيه بالهند، أجمل درة في التاج البريطاني كما قالت مليكتهم، بل يراه أرجح من الهند كفة. وأغلى ثمناً وأعلى شأناً. وقد تذيع في الخافقين عظمة العظيم فيصبح ملكاً شائعاً ليس لأمته فيه غير حق (التسجيل) فإنك ترى فيكتور هوجو في كل مكان وتسمع بشكسبير في كل بلد وتلتقي بجايتي في كل أرض. وقد تتبادل أمتان عظيما بعظيم فترى الأمة الفرنسية تقدس جولد سمث وتنوه بذكره وتتغنى وتؤثره على كثير من شعرائهم ونوابغ كتابهم بينا تجد الأمة الانجليزية تكبر موليير وتعلي شأن مؤلفاته. وأهل الغرب أعرف منا أهل الشرق بحق العظماء، وقدر النوابغ والعلماء فالعظمة عندهن في كل فن، فالموسيقار النابغة فيهم عظيم، والراقص المبدع منهم عظيم، والمغني الغرد لديهم عظيم، وكل نوابغهم عظماء، وكلهم من ذلك يبغي العظمة ويسعى لها. وتراهم يغارون على آثار نوابغهم فيقيمون بعد موتهم دورهم التي كانوا بها يسكنون، ومكاتبهم التي كانوا إليها يجلسون. ويحفظون الرياش والمتاع ليري الأجنبي كيف يقدسون الأبطال وكيف يعبدون البطولة، وقد قدرت براعة ديماس ذلك الروائي الذائع الصيت بالجم الكثير من الدنانير. ونحن اليوم قد بدأنا نهتدي بهدي الغربيين ونأخذ بطريقتهم ونعرف لنوابغنا وأعيان علمائنا حقهم المطلوب. إذا احتفلنا في السابع والعشرين من الشهر الماضي (يونيه) في دار

стр. 822

الجامعة المصرية بصاحب السعادة نابغتنا العظيم أحمد فتحي زغلول باشا لوضعه سفره الحديث شرح القانون المدني ذلك المرجع الجليل والأثر الباقي ما بقي القانون. وكان المحتفلون به أفاضل المصريين وكرام أدبائهم وعلمائهم وسرواتهم. وكانت اللجنة المنوطة بالتكريم مؤلفة من صاحب السعادة محمد باشا شكري وفضيلة الأستاذ الشيخ محمد بخيت وأصحابه العزة الأستاذ الكبير النابغة أحمد بك لطفي السيد والأستاذ محمود بك أبو النصر والأستاذ عبد العزيز بك فهمي والدكتور يعقوب صروف. فلما اكتمل الجمع وآذنت ساعة التكريم قام الخطباء الكرام يتلون على المدعوين روائع خطبهم ويشهدون للنابغة بنبوغه ويعترفون بجليل أسفاره وجميل مآثره على أن الوقت لم يتسع لتلاوة الخطب النفائس جميعاً، فأشرق على المدعوين سعادة المحتفل به يشكرهم وهو بالشكر أحق، ويثني عليهم وهو بالثناء أجدر، ثم انتثر عقد الجمع وكلهم عالم بمكان المحتفل به من النبوغ والفضل وقد نشر نافى موضع آخر من البيان ما وسعنا أن ننشره وأننا نتقدم إلى سعادة النابغة بالثناء الجزل والشكر الأوفر وندعو الله أن يهيئ من وقته فرصاً يخرج فيها آثاراً خالدة أخرى لمصر والمصريين. . . .

стр. 823

الملانخوليا السوداء أو الجنون الساكن تكفل حضرة الطبيب المصري النابغة الدكتور حسن إبراهيم أن يوالي البيان في سائر أعداده بكلمات نافعة في الطب وكذلك وعد أن سيجعل في البيان باباً للفتاوى الطبية إذا أحب القراء أن يبعثوا إلينا بأسئلتهم الطبية فجزاه الله عن العلم وأهله خير ما يجزي به المخلصون - قال حفظه الله تحت هذا العنوان. السوداء أو الملانخوليا مرض عصبي نفساني ينتقل بالوراثة بنسبة ثمانين في المائة وينشأ من تهيجات عصبية مختلفة بنسبة عشرين. والنساء يصبن بهذا الداء أكثر من الرجال، ويحدث في سن الخامسة والعشرين وقد أصابت السوداء صبية وهم في العاشرة من أعمارهم، وله كذلك أسباب أخرى مثل التسمم من الخمور سواء كان وراثياً أم غير وراثياً والانفعالات النفسانية والرعب والخوف والاهتمام الشديد، وتتمشى هذه العلة في المريض بالتدرج لا سيما إذا كان العليل من والدين عصبي مزاجهما، وفي بعض الأحيان يصيب الإنسان دفعة واحدة أثر انفعال نفساني شديد، والانهماك في الشراب يحدث جنوناً ساكناً لدى الأشخاص الناشئين في أسرة عصبية. عوارضه يأخذ هذا المرض عادة دوره تدريجياً وقد يأتي في بعض الحوادث دفعة واحدة ففي الحالة الأولى يشعر المصاب بخمول وفتور في همته وهمود في حركته ويشكو من صداع وأرق ورغبة عن الأكل وعسر هضم وهزال، وعلامته الخاصة أن يشعر المريض بحزن شديد غير مألوف ولا يستطيع التمييز بين الأشياء ويحس أولاً بارتخاء في عضو التناسل وعدم المقدرة على التفكير وضعف الإرادة والعجز عن القيام بأعماله ويرى في كل شيء يفكر فيه صعوبة ومشقة زائدة ويظن أن قوة عقله قد ضاعت واضمحلت وإذا أحس بأن عقلاً يفكر رآه ضئيلاً. يتكلم قليلاً وإذا سئل عن مسألة أجاب بجمل متقطعة محاولاً أن يجعل جواباً مختصراً ما أمكن الاختصار ويقف بين كل كلمة وكلمة برهة من الزمان وتراه لا يشعر بلذة الحياة ولا يجد للسرور ولا للفرح أي ارتياح ويرى كل شيء أمامه أسود مظلماً وينقطع في كل شيء

стр. 824

أمله ويتصور أنه أضحى فريسة لكل المصائب وإلاكدار ونهباً للأفكار المزعجة وقد يهتم أحياناً بأشياء تافهة وهو في ذلك تام العقل قوي الذاكرة وإذا أراد الاهتمام بأمر شق ذلك عليه ويجسد كل أمر متعباً شاقاً فهو لا يقوى على العمل ويهمل أشغاله وواجباته الضرورية حتى نفسه ويشكو بأنه مريض بأمراض عصبية نفسانية كالآلام والهذيان والصداع والاحتقان وتضعف لديه الرغبة في الأكل بل قد يرفض الطعام بتاتاً وتغشى لسانه طبقة بيضاء ويصير لعابه لزجاً ونفسه أبخر ويصيبه أمساك شديد ويقل نومه وكذلك وزن جسمه وتدل هيأة وجهه على حزن وهم مستمر وتفقد عيناه لمعتهما ويجف جلده وتظهر فيه الغضون ويصاب غالباً بضعف الدم ويصير تنفسه بطيئاً وربما يشكو من اختناق أو خفقان، وتضعف قواه التناسلية. وفي الإصابات الشديدة الوطأة التي تعقب الانفعالات النفسانية تكون قوته العقلية منزعجة جد الانزعاج إذ يتوهم المصاب بأنه ارتكب ذنباً لا يغتفر ون الناس لا تنصح له ولا تزجره وأنه سيبدأ عملاً يخالف القوانين والشرائع ويغضب الله العلي العظيم وتراه من ذلك يبكي بكاء مراً. وفي حالات أخرى يحسب نفسه قد أصبح من العجزة المساكين وأن عيلته لا بد أن تلتجئ إلى ملجأ الفقراء ويتوهم أن لا شيء يسد رمقه. وتجد بعض المرضى يتصور أنه مصاب بمرض عضال لا شفاء منه أبداً كالسرطان أو أن أمعاءه التصقت ببعضها وانسدت أو أنه فقد أعضاءه التناسلية وربما أنكر وجودها إنكاراً. ونتيجة جميع هذه التصورات أن المصاب يتوقع من وهمه حلول عواقب وخيمة عليه إذ يظن أنه سيقتل أو يسجن وفي بعض الأحيان ينتحر المريض أو يموت لامتناعه عن الأكل. ويوجد نوعان من هذا الجنون الشديد الوطأة فالنوع الأول أن المريض يضعف كثيراً ويتخذ شكلاً مخصوصاً في جلوسه ويلبث ساعات طوالاً ساهماً كئيباً ويبدو حزيناً مغموماً وإذا خوطب أظهر خوفاً وجبناً لا سيما إذا تحرك في مقعده وأما النوع الثاني فيكون فيه المريض هائجاً يصرخ ويخطر ويأتي بحركات غريبة ويشد شعر رأسه ولحم وجهه ويعض أظفاره وهو لا يشعر من ذلك بألم وكثيراً ما يلقي بنفسه في الأقذار والأوساخ ويبلغ

стр. 825

به الضعف مبلغه فيموت جوعاً أو تسمماً أو من جروح بليغة. نتيجة المرض يشفى المريض في مدة تتراوح بين أربعة أشهر وسنة وقد تلبث العلة طويلاً فتزمن أما من يصاب بها ثم يشفى فتعاوده نوبات تختلف في شدتها وتمكث النوبة الواحدة من أسبوعين إلى أربعة أسابيع وفي بعض الحوادث تأتي النوبات في أوقات معلومة محدودة حتى أن المصاب لينتظرها وهو متأكد من حدوثها، وأغلب الذين يعرفون أوقات نوباتهم يسارعون إلى المستشفيات

стр. 826

متفرقات غرائب الزواج من العادات الذائعة بين المتوحشين والهمج في هذا العصر عادة تسليف الزوجات عنواناً على الكرم والسماحة والجود. وبين قبائل النير من أهل الملابار تتزوج المرأة من أزواج عديدين وهي تعيش مع أمها وأخوتها أو تنتبذ عنهم مسكناً قصياً حيث يزورها أزواجها متتابعين. وفي هذه القبيلة لا يعرف الرجل أباه ويعد أبناء أخته ورثته من بعده. ومن آداب المتوحشين أن ابنة الزوجة لا يحل لها أن تكلم زوج أمها وأن زوجة الأب لا تظهر على ابن زوجها بل ينبغي أن يكون بينهما حجاب مضروب وأن النساء لا يعتدون بأزواجهن ولا ينادينهم بأسمائهم. المجاعات قد أحصى التاريخ من المجاعات والسنن الشهب التي أثرت في المجتمع أكبر تأثير ثلثمائة وخمسين مجاعة. وأهم الأسباب التي دعت إلى هذه المجاعات ولأنتجت أثرها السيئ على ترتيب أهميتها هي المطر والزوابع والأجرام السماوية والحشرات والهوام والحرب والجدب ونقص المواصلات والقوانين والمضاربة والإسراف في الغلال. المراوح يرجع استعمال المراوح في الأقاليم الحارة إلى زمن متأبد بعيد. وفي المتحف الانجليزي مروحة تمثل الملك سنكريب وحوله نسوة يحملن مراوح من الريش. وكانت المراوح شارة الملك ورسم العظمة عند قدماء المصريين وكذلك كانت في الهند شعار أهل النفوذ وفي بعض الأحايين كانت شارة مقدسة. والمراوح المطبقة مصدرها اليابان ثم ظهرت بعد ذلك في الصين. ومن التحيات وعلائم الود الخالص عند الصينيين أن تدعو صديقاً لك أو ضيفاً ذا فضل إلى كتابة شيء مما يخالجه من العواطف والحب لك على مروحتك. الصوم

стр. 827

تختلف فريضة الصيام باختلاف المناخ والجنس والمدنية واعتبارات أخرى ولا تجد ديناً أو شرعاً إلا فرضه وقد ذكر هربرت سبنسر أن كثيراً من القبائل المتوحشة في مشارق الأرض ومغاربها يصومون لموتاهم ويدخرون الزاد الوفر الكثير يضعونه بجانب جثث الموتى أو في أجداثهم. وكان قدماء المصريين يصومون في أعيادهم الدينية لا سيما عيد ايزيس على أن الصوم لم يكن عندهم كرهاً. السيف أول سلاح امتشقه الإنسان دفاعاً عن نفسه أو عداء على أخيه الإنسان هو السيف وكانت السيوف في غوابر الأزمان من الخشب مثل تلك التي كان أهل المكسيك يشهرونها عندما فتح الاسبانيون أرضهم. وكان سيف الرومان قصيراً عضباً له حدان للقطع والضرب. الإمساك مرض يصيب النساء كثيراً حاداً ومزمناً وسببه بطء حركة الأمعاء لا سيما الكبيرة منها وذلك ينشأ من أحوال كثيرة كفقر الدم وأمراض المعدة والكبد والرئتين والقلب والجهاز العصبي وغير ذلك أو يكون السبب في ذلك الضعف تلك الأغذية التي لا تنبه الأمعاء أو لقلة الرياضات الجثمانية أو أثر مرض معوي بالأغشية أو مرض بالجهاز العصبي كالنخاع الشوكي. وقد يكون الإمساك عادة لا أثر لمرض ولا نتيجة لعلة بل لطعام لم ترتح له النفس أو أكل كثير لم يشرب عليه وأما سببه عند النساء فقلة الحركة والرياضات ولبس المشدات وقد يكون نتيجة الكسل والإهمال والخوف من ضياع الوقت. وعوارضه رغبة عن الأكل وتغيير في طعم الفم ووساخة في اللسان وعسر هضم وتجشئة وضيق في الصدر وخفقان في القلب وتراخ في الجسم وضعف في الدم وصداع ونقط سوداء تلوح للإنسان أمام ناظريه وحدة الطبع وأحلام مزعجة. حمى الملاريا

стр. 828

معدل حرارة الجسم في حال صحته يتراوح بين درجتي ٩٨، ٤ و ٩٩، ٥ من مقياس الحرارة لفهرينايت (أي نحواً من ٣٧ سنتجراد) وقد يختلف عن ذلك اختلافاً طفيفاً ما لعسر هضم أو قلة رياضة أو لجو البيئة التي يعيش الإنسان بينها. وعوارض الحمى (نريد حمى الملاريا) رعدة تأخذ الجسم وبرودة شديدة وقد يشتد عارض الحمى فيستحيل إلى رجات عصبية كما يحدث ذلك للأطفال غالباً ومع أن الأطباء يسمون هذه الحالة التي تعتري المريض بالدرجة الباردة للحمى فإن حرارة المصاب تأخذ في الازدياد ثم تعقب ذلك الدرجة الحارة فيسخن الجلد ويجف وتزداد الحرارة لدى الغروب وتهبط عند الصبح. وأنجع العقاقير للحمى هي عقار الكينا وبعض الأطباء يصف الكحول على أن الإسراف فيه مضر وأن كان تناوله في جرعات كبيرة يأتي بالشفاء العاجل للمريض. أما الحمى السوداء التي موطنها أرض السودان فأنجع دواء لها خمرة الشمبانيا. فاس كانت مدينة فاس في الأعصر الماضية كعبة زاهرة للعلم وكان بها سبعمائة مسجد وجامعة كبيرة ومعاهد دينية كثيرة ومكتبة من خيرة مكاتب الدنيا وأبهجها وأبرعها علم وأدباً وقد أندرس معلم تلك المدينة وغاب أثر تلك العظمة وتولى ذلك المجد المؤثل وانكمشت فاس إلى عمل الطرابيش وإن كانت النمسا وفرنسا وتركيا تزاحمها في هذه الصناعة. والصبغة التي يستعملونها في صنع الطرابيش إنما يأخذونها من ثمر التوت وهو قيات يستجم في ضواحيها وينبت كثيراً في أطرافها. وكان بناء فاس على المشهور في عام ٧٩٣ ميلادية شادها أمير مسلم يسمى إدريس. الجميز هو ذلك الثمر المصري الشامي المعروف. وقد كان القدماء يضعونه في الماء أياماً كثيرة قبل أكله أما في الهند يزرعونه لغرض ديني إذ يعده البراهمة والبوذيون نباتاً مقدساً. الفرنسيات والفرنسيون للنساء الفرنسيات الحسان رقة في وجوههن يمازجها شيء من ضعف البشرة وذلك ما

стр. 829

دعاهن إلى استعمال المساحيق ولا تلبث المساحيق أن تحدث الغضون. وانك لترى الحسناء الشابة تبدو عجوزاً شمطاء وهي في الثالثة والعشرين والمرأة الجميلة تخرج لصيد القلوب وقد أربت على الستين وتتصابى وتدل دلال العذراء الغريرة وتروح بمروحتها وتلعب بعينها وترسل لخطبها وتتكلم في العواطف والقلوب الجريحة الدامية والأعين القريحة المسهدة وتقول أنها تموت في الحب والحقيقة أنها تموت من الكبر وطول العمر. ومن غرائب آداب الفرنسيين أن الفرنسي يكلمك بلغته ويطول به نفس الكلام من غير أن ينظر إن كنت بالفرنسية عليماً بل يمضي في حديثه ويلقي عليك ألف سؤال وسؤال ويجيب عنها بنفسه. ولعل الفرنسيين أحسن الناس طهاة ويبجحون بأن كل شيء لهم عظيم فكل حديقة جنة وكل دار قصر وكل امرأة ملاك! ثم تسمع الفرنسي يصبح طروباً يا إله السماء ما أبدع هذا الحسن وما أفتن ذياك الجمال! يا نفس ما هذه العظمة هل ساوانا قوم في علانا وهل في الدنيا أناس مثلنا؟ الجولان في النوم يقوم بعض الناس وهو في سباته ويروح ويغدو غير مستشعر شيئاً ثم يعود إلى فراشه حتى إذا صحا من نومه لم يذكر من ذلك شيئاً بل أن من الناس من يأتي أفعالاً عجيبة تتعلق بشؤونه اليومية ومشاغل نهاره وقد روى أن طاهياً كان ينهض من فراشه فيعمد إلى دلوه فيدلي الرشاء في البئر فيخرج من عينه ماء ثم يعود به إلى الدار فيملأ الأوعية دون أن تسقط من الدلو قطرة ثم ينقلب إلى مهاده فإذا طلع الصبح عليه لم يذكر من ذلك شيئاً ومنهم من يكتب الرسائل وينشر التقارير ويرسم الرسوم ويقع على المعازف والمزاهر وآلات الموسيقى. وقد دلت الملاحظات على أن المشتغل بالكتابة مثلاً وهو في النوم مستغرق إنما تتمثل أمامه صورة خيالية لرسالته وللحروف التي يخطها على القرطاس دون أن يرى حقيقة ما يكتب. لمحة في تاريخ الاشتراكية يرجع تاريخ الاشتراكية إلى عام ١٨١٧ إذ وضع الكاتب الانجليزي (أوين) خطة يريد بها

стр. 830

إنشاء مجتمع اشتراكي ثم عرض خطته على مجلس النواب، وفي ذلك العام أخذت آراء سان سيمون وفوربيه وجهتها الاشتراكية ثم بدأت حركة كبيرة في فرنسة وانجلترة واستمرت كذلك حتى عام ١٨٥٠ وكان بطلا تلك الحركة في فرنسة برودهون ولويس بلانك وقد أخذا الاشتراكية عن سان سيمون وفوربيه أما في انجلترة فقد تبع (أوين) موريس وكنجلي، ومذهب الاشتراكية الحديث يعود إلى فلاسفة الألمان والروس على أنها اليوم تكاد تشيع في كل بلد وقطر. الجعة كان عمل الجعة معروفاً عند المصريين الأقدمين قبل مولد المسيح بمئات السنين ثم عرفها بعدهم الرومان والإغريق والغال القدماء ثم انتقلت من أهل الغال القدماء على مطية العصور إلى عهدنا هذا. وكل الممالك المتحضرة منها والمتبدية في كل عصر وزمان لها خمرة مخصوصة وراح أهلية وقد روى هيرودوت في كتابه أن المصريين لما أعوزتهم خمرة العنب أخذوا يجعلون من القمح راحاً لهم أما اليونان فكانت خمرتهم من الحنطة يشربونها في يومهم وأعيادهم وحفلاتهم وكان باكوس آله الخمر عندهم ومما لا ريب فيه أن اكتشاف الجعة كشراب ترتاح له النفس وتطيب به الروح، أمر قديم له عهد العنب وخمرته، وقبائل جنوب افريقية يعملون من عهد بعيد شراب الجعة من غلة الدخن وجعة الصين من الأرز وخمرة التتر هي حامض لبن أفراسهم. موسم الانتحار شهرا مايو ويونيه في أغلب البلدان هما موسم الانتحار على أن في بافارية وسكسونة يغلب الانتحار ويكثر في شهر يوليه واختلاف فصول السنة بين حر وقر يؤثر في المنتحرات أكثر من المنتحرين لا سيما في ايطالية ودليل ذلك أن تعيسات النساء يؤثرن الانتحار غرقاً وفي الأيام العصيبة الشديدة الحر يزداد عدد المنتحرين وأسهل الطرق في انجلترة للانتحار بين الرجال هو الشنق وأما بين النساء فالغرق وفي ايطالية ينتحر الرجال بمسدساتهم وقلما يخنقون أنفسهم وشقيات الايطاليات يؤثرن إغراق أنفسهن في النهر حتى لقد بلغت الغريقات خمسين في المائة من مجموع المنتحرات واستعمال السم شائع بين الانجليزيات

стр. 831

البائسات.

стр. 832

نبذ من ديوان شكرى ضوء القمر على القبور إذا رأى الإنسان ضوء القمر على الزهور خشع من جلالة ذلك المنظر ولكنه إذا رأى ضوء القمر على القبور امتلكه الفزع من قساوة ذلك المنظر الذي يحكي له فناء الجمال في الموت وفناء الموت في الجمال أني رأيت بياض ضوئك موهنا ... فوق القبور كعارض يتهلل ففزعت من ذاك البياض كأنه ... لون المشيب على الذوائب يثقل ولربما كره الفتى صور الردى ... وهو الجريء على الحمام المقبل ولقد رأيتك والقبور كأنها ... أشباح ساكنة النواظر مثل نظر البريء إلى القتيل مجندلا ... والروع في أنفاسه يتعجل ولقد رأيت على الهلال سآمة ... سأماً يعالج مثله المتأمل فكأنه الحسناء يطرقها الردي ... فتبيت تذوي في الفراش وتذبل طورا يريك الموت في لحظاته ... حتى كأن الحسن داء معضل ويبيت طورا في الرياض يعلها ... مما يريق على الفضاء وينهل ابتسامات وميض ابتسامات يضيء جوانحي ... ويجلو ظلام الهم واليأس من صدري إذا ابتسمت ضاء بعيني ابتسامها ... كما ضاء وجه البدر في صفحة البحر يكاد يضيء الغيب في مستقره ... وميض ابتسام فعله صادق السحر واسمع في نفسي أغاريد جمة ... يهيج صداها في الجوانح والصدر كأن بها من صادح الطير شاديا ... يغرّد في روض من الحب والشعر واني لكالبذر الدفين ولحظها ... غذاء كلحظ الشمس للزهر والبذر ويوقظ آمالي ضياء ابتسامها ... كذاك شعاع الشمس يزخر بالذر شعاع ابتسام كالغدير خواطري ... نوازل فيه كالكواعب في النهر فجر الشباب إني لأذكر أياماً لنا سلفت ... كما تذكر صوت اللجة الصدف

стр. 833

فكان للفجر قلب خانق أبداً ... من الحياة ووجه كله لطف والضوء يرقص في الأنهار موقه ... فقدّه مائس فيها ومنقصف وناظر ونجوم الفجر مائلة ... نحو الغروب كما يرنو لها الدنف وكلمتني الرياح في فمها ... سر الطبيعة مخبوء ومنكشف الكسل وصاحبه يحجم حتى كأنما خشيت ... أعضاؤه أن يموت في غده فيدرك الشيء غير طالبه ... ولا ينال المكسوب في يده وراعه أن ينال ما ضمن ال ... سعي فيشقى بقول حاسده يود أن الأقدار تسعده ... فيغتدي شاكراً لمسعده يحسب أن الأقدار ما خلقت ... إلا لتجري بنسج سؤدده شفة شفة تحلت باللمى ... فتبيت تحلم بالقبل غالى بها رغد النعيم ... وفوقها هبط الأمل

стр. 834

مطبوعات جديدة عكاظ ظهر في هذا الشهر (يوليه سنة ١٩١٣) صحيفة أسبوعية تطلع الناس صباح كل أحد أسماها صاحبها الفاضل (عكاظ) والشيخ فهيم قنديل هو أحد خريجي الأزهر الذين احلولى لهم أن يحترفوا بالصحافة فانتظم في سلك كتاب اللواء حيناً من الدهر حتى إذا انتثر عقد تلك الجريدة أبى الشيخ فهيم لما آنسه في نفسه من الكفاءة الصحفية إلا أن ينظم للناس قلادة أدب. في لغة العرب. يود المطلعون إليها أن تكون كما ترجو مصر. من أبناء هذا العصر. فتكون مثال أدب النفس. وأدب الدرس. إن شاء الله. شرح القانون المدني لسنا الآن بسبيل تقريظ هذا الكتاب الجليل الذي أقام الدنيا وأقعدها وبسبب ظهوره في مصر احتفل رجال القانون من قضاة ومحامين بمؤلفه النابغة العظيم سعادة أحمد فتحي زغلول باشا. وهذا الاحتفال وحده من رجال القانون دليل فيه غناء عن تفريط الكتاب - أما الكتاب فيباع بمكتبة البيان وثمنه مائة قرش وأجرة البريد ثلاثة قروش. واجبات الرجل أهدانا حضرة الفاضل محمد أفندي بشير الموظف بجمرك الإسكندرية الجزء الأول من كتابه واجبات الرجل للنابغة العظيم يوسف مازيني والكتاب جليل مشهور يفيد القارئين. وهذا الجزء الأول يحتوي الكلام على حياة مازيني ويقع في نيف وتسعين صفحة وثمنه ثلاثة قروش وأجرة البريد قرش ويطلب من مكتبة البيان. تقويم البلدان كتاب نافع محكم في علم تقويم البلدان الجغرافية للفاضل الأستاذ محمود أفندي مراد المدرس بمدرسة الناصرية بالقاهرة وقد أهدى إلينا حضرته نسخة من هذا الكتاب فوجدناه عند ظننا بصاحبه الفاضل إذ عني فيه بضبط الأعلام وتنسيق الأبواب وإتقان خرائطه التي تبلغ نحو من ستين وهو يطلب من مكتبة البيان. سر تقدم الانجليز السكسونيين

стр. 835

طبعت مكتبة البيان هذا الكتاب الاجتماعي النفيس للمرة الثالثة وثمنه عشرة قروش و١٥ و ٢٠ حسب نوع الورق وأجرة البريد قرشان. محاسن الطبيعة وعجائب الكون يعلم قراؤنا أننا كنا شرعنا في ترجمة كتاب جمال الطبيعة للورد أفبري ونشرنا منه في العددين الثاني والثالث من السنة الثانية أربعاً وعشرين صفحة ولكن عاقنا عن إتمام الكتاب أن علمنا قيام جناب المترجم البارع وديع البستاني بترجمة هذا الكتاب وكذلك ترجمه فأحسن ما شاء. وأسماء محاسن الطبيعة وعجائب الكون وقام بطبعه أحسن قيام الرجل المجتهد متري صاحب مكتبة المعارف ومطبعتها. وثمن هذا الكتاب ٦ قروش صاغاً ويطلب كذلك من مكتبة البيان. التصريف الملوكي كتاب جليل في علم الصرف لإمام النحويين أبي الفتح عثمان بن عبد الله بن جني النحوي. عني بتصحيحه وطبعه ووضع فهرس له مع إضافة فوائد من هذا العلم إليه الفاضل السيد محمد سعيد بن مصطفى النعسان الحموي. وقد زارنا السيد محمد سعيد القائم بطبع هذا الكتاب فرأينا منه رجلاً مخلصاً متوفراً على ترقية هذه اللغة والعمل على تسهيلها وتقريبها لمدارك الناشئين. وهذا الكتاب يحتاج إليه الناشئ وطالب العلم والأديب.

стр. 836

مجلة البيان بعث إلينا أحد كبار الكتاب في مصر الكلمة الآتية تحت هذا العنوان - وكلها كما يرى القارئ مدح وإطراء لهذه المجلة ولصاحبها_ونحن فلا نرى أننا أدينا لأمتنا الكريمة من الواجب ما نستأهل له بعض هذا الحمد والثناء. ولولا ما نجتليه أثناء سطور هذه الكلمة من آيات الإخلاص والغيرة الصادقة والحمية الشريفة لكنا اجتزأنا عن نشرها بالشكر لصاحبها المفضال_قال غفر الله لنا وله. الأزمنة كالأمكنة فيها المثمر العشيب، والممحل الجديب، وأعشاب الزمن وأجدابه، إنما هو بإثرائه من العلوم والأخلاق أو بأنفاضه. ولقد قدر لي والحمد لله أن أقضي حياتي بأحسن الأماكن وأسوأ الأزمان. وأنفق ساعاتي بألأم العصور وأكرم البلدان. فأنا أعيش في روضة (مصر) من أخصب رياض الدنيا. ولكن في صحراء من أفقر فيافي الزمن. تمتد فيها رمال الجهل إلى غير نهاية، ويستعر فيها هجير اللؤم والقسوة تحت سمائم الشغب والصخب. في مثل هذه البيداء الزمنية لا يجد الإنسان - ولا يرجو أن يجد_أدنى ظل لأكرومة، ولا أحقر غرس لمحمدة ولا أضأل منهل لعرفان. وأن تواتر على عينه سراب هذه الفضائل بالغرور والخديعة. وصادف هنا وهنالك وشلا من علم وضحضاحاً من أدب. وكذلك كل ما لقيت بهذه الصحراء الزمنية. إذ أسافر فيها على مطيتي الليل والنهار. وأنا أقول في نفسي أما آن أن نفضي إلى عين من الطبع الكريم جارية، وبئر من الخلق العظيم صافية، وشجرة من ورق العرفان حالية، وقطعة من ظل المروءة ضافية - أعلل النفس بهذه الآمال وأمثالها إلى أن سرى إليّ في أواسط عام سنة ١٩١١ نسيم طيب شممت فيه ريح الأستاذ الإمام محمد عبده وإذا مهب ذلك النسيم من أوراق شجرة أنبتها نهران غزيران أحدهما يفيض من ذهن الشيخ عبد الرحمن البرقوقي والثاني ينبع من جيبه. وسألت عن اسم هذه الشجرة البرقوقية فقيل هي مجلة البيان. ألا حيا الله هذه المروءة وأيد الله تلكم الهمة، لقد راعني والله ما رأيت وحير لبي وهالني حتى رابني الأمر واشتبه عليّ الزمان والمكان أين أنا؟ في أية جهة أنا! ألست في عصر الجمود واللؤم؟ ألست في عصر المادة والجوع والشره، واصطدام الذئاب على تلك العظمة النخرة، والجيفة القذرة التي يسمونها الدنيا؟ ألست في عصر المعدن - عصر الحديد الذي

стр. 837

شاع فيه الحديد وفشا حتى لكأنه دخل في الأجساد فاغتصب مكان الأفئدة بعد أن طردها من أبدانها فلا قلب إلاَّ من حديد. ولا كف إلاَّ من حديد. بئست القلوب والأكف. وكأنما الناس آلات من الحديد وقد كف الله لأمر ما عن أن يخلق البشر وأحال ذلك العمل على فابريقات برمنجهام ومانشستر. ألسنا في عصر الذهب، ذلك الأصفر الخداع الذي تفض صفرة الهم والذل على متداوليه وطلابه - ذلك المفتر عن شبيه ابتسامة المعشوقة المومس تقود من تشاء إلى حيث تشاء من مهالك الخسران والندامة. ألست في عصر الاقتصاديين والأنانيين الناهين عن البذل والمعروف، الآمرين بالشح واللؤم. بلغوا غاية الرذيلة بمذهبهم استبقاء الأجود وإعدام الأردأ واشتغال المرء عن جميع المخلوقات بذاته. أما زال في هذا العصر. أم قد عدت إلى عصر النجدة والبطولة وأيام صلاح الدين وريكاردوس وعهد دون كشوت وسانكوبانزا؟ بلى لا أزال في عصر لتمدين الوحشي ولكن الأرض لا تخلو البتة من روح صلاح الدين وايفانهو. لقد لأتى على انطانيوس قيصر وقتان ضدان بلغ في احدهما منتهى الذم والنعمة، وفي ثانيهما غاية الحمد والمحنة، أما الأول فذلك حين كان يتقلب في أحضان ملكة الجمال - كليوبترا_وأما الثاني فذلك حيث كان يأكل الحنظل والمرار في بعض غزواته. والمحنة مع المجد أحلى ولا شك في نفس العظيم من النعمة مع الضؤولة. والعظيم لا يطيق الضؤولة إلا ريثما يتحول عنها. أيها الناس أرأيتم غير السيد البرقوقي رجلاً انفسحت له نعمة، وصفا له مورد العيش. فما راقه هذا إلا أن يشمر للمجد وينجرد في سبيل العلاء فأنش المجلة وأنفق عليها المال الجم. وليس بأقل من ذلك. ما أنفقه على مطبوعات البيان وكثير هي. ولعمر الله لو أن شركة قامت بكل هذه الأعمال لخارت قواها وكلت عزائمها مع ما هنالك من المثبطات والعوائق ولكن الفرد العظيم كالملك العظيم. هذا خير من الشركة وذاك خير من الجمهورية. والشيخ أيده الله قد أظهر أكبر الفضل في براعة أسلوبه وجودة إنشائه ولطف تخيله ودقة تصويره بما لا يترك أدنى مجال للشك في أنه كاتب جليل ومفكر قدير. ثم في اصطفائه للمجلة صفوة كتاب العصر ومصاصة ادبائه ثم تخير الموضوعات التي لا ترى بينها إلا

стр. 838

جلائل المسائل وبدائع الفن. ثم في تعريب نخبة ما كتب الإفرنج. كل ذلك في أجمل قالب وأرشق معرض وأحسن سياق، فقد أودع أحسن المعاني أحسن المباني. فكأن هذه في تلك عتيق السلاف، في القدح الشفاف، ثم المثابرة والمواظبة وارتخاص المال وامتهان الجسد والروح في هذه السبيل. وذلك مالم نره في آخر من أهل هذا العصر ولا ما سلفه. اللهم إلا عصور النجدة والبطولة تلك التي ذكرت آنفاً. وعندي أن مجلة البيان ومطبوعاتها فتوحات جديدة في تاريخ الأدب العربي. وثروة حقيقية أضيفت إلى مادة ذلك الأدب. وللمتنقل بين أبواب المجلة ومطبوعاتها لذة المتجول في أرض جديدة يملأ عينه من جمال بهجتها، وكفه من جزيل خيرها وبركتها، وقد جمعت المجلة فنون الأدب بحذافيرها. وبلغت غاية الإتقان في كل ما جمعت. ففيها النقد الأدبي وفلسفة النقد الأدبي. لا أريد التقريظ والهجاء كما يفعل معظم الناقشين بالمداد على الورق. ولكن النقد على الأسلوب العربي القديم. والأسلوب الإفرنجي الحديث. ذلك الذي هو أولى أن يلقب تشريحاً إذ كان أشبه الأشياء بالتشريح الجراحي يكشف عن خفايا الكتاب المنقود وغوامضه، فكأنه للقارئ مجهر يريه ما لطف ودق عن أن ينظر إلا ببصيرة نقادة جهبذ. وفي المجلة كذلك التاريخ الروائي ذلك الذي يكتبه صاحب البيان بعنوان حضارة العرب في الأندلس والذي حاز إعجاب القراء على اختلاف ضروبهم وأشكالهم وتعدد مشاربهم وأميالهم وهي طريقة جديدة في كتابة التاريخ، وخطة بكر لم يحاولها غير السيد قبل، ومع ذلك فقد ذلل السيد صعابها، واقتحم عقابها، وألف الله على يديه بين التاريخ والرواية، وهي غاية في التوفيق ليس دونها غاية. وفي المجلة كذلك الرواية وقد كانت تنقل عن الإفرنجية ثم شرع كتاب البيان أخيراً أن يكتبوها بأقلامهم وابتدأ العقاد فبرهن بمذكرات ابليس على أن ملكة الروائي ليست مما توحد به الغربيون. ولكنها كامنة في المصري تنتظر من كف الزمن قادحاً ومثيراً. وفي المجلة كذلك الرسائل الأخلاقية والاجتماعية والفكاهية والهزلية وفيها القصائد والمقاطيع وفصول التربية والتعليم والفلسفة والعلوم الطبيعية والزراعية والنبذ الوصفية. ذلك إلى ما ينشر فيها من غير المطبوع من نفيس آثار العرب تحت عنوان صحائف مهجورة ولعمر الحق لست أدري أي باب في الأدب لم تطرقه المجلة.

стр. 839

إن مجلة هذا شأنها كان فرضً على كل قارئ من المصريين أن يقتنيها مغتبطاً بها مقتنعاً أنه غانم رابح بل أنها أربح صفقة وأكبر غنيمة أأقول كان ذلك فرضاً على كل قارئ من المصريين؟ ضلة لي، لشد ما بان مني الصواب. وكأني لم أدر بالذي يفرضه على نفسه الناشئ. بل خريج المدارس من الواجبات؟ كأني لم اسمع بالكسل والغرور ومعاداة العلم وأهله وتطليق الكتب والتجرد من المحامد والتعري من المكارم وكأني لم أسمع باللهو واللعب وسهر الليل ونوم العصر والعصي الآبنوس والمنشات والكتاين والمركبات والجزيرة والحلويات ومصر الجديدة. كراهة الاطلاع ومعاداة العلم مع النفخة والغرور. هذا داء مصر الذي لا نجاح لها إلا بعد الشفاء منه ومتى يرجى الشفاء والداء عقام؟ ولكن اليأس سم الحياة، وما أعلم شيئاً أقتل منه للهمم والعزائم. فدعنا من اليأس وأمل خيراً وأنشد عصبة المتخرجين والطلاب وسائر القراء. أي عذر لكم في عدم قراءة جيد الكلام مجلة كان أو كتاباً أو رسالة قديمة أو حديثة عربية أو أجنبية وقل لهم هل أنتم - معاذ الله_من السذاجة بحيث تحتاجون إلى معلم يعرفكم أن أنفس الموجودات طرا هو الكتاب؟ وإذا كان ذلك كذلك فما بالهم يأتون كل أمر إلا اقتناء الكتب أين الأذهان والعقول ألا أن بالإبصار عن حكمة عمى * ألا أن بالإسماع عن عظة صم الخ الخ

стр. 840

موضوعات البيان من بين موضوعات البيان التي لم يستيسر لنا نشرها في هذه الأعداد وسننشرها في العدد القادم مقالة (تمصير اللغة) لأديبنا الكبير النابغة السيد مصطفى صادق الرافعي، وكذلك رسائل اللورد شيسترفيلد ترجمة الكاتب الفاضل عز العرب أفندي علي، وكلمات للسيدة الفاضلة (فتاة النيل)، وهنا نقول أن من بين موضوعات العدد القادم كذلك تاريخ الأندلس، ومبحث يليه مباحث في الاقتصاد السياسي، وثروة الأمم لكبير كتاب الاقتصاد الأستاذ آدم سمث ترجمة الكاتب عباس حافظ، وفصل جليل في سر انحطاط المدنيات القديمة من كتاب مدنية انكلتره للعلامة بوكل، وموضوعات أخرى كثيرة تشوق القارئين. اعتذار نتقدم إلى قرائنا الأفاضل بالمعذرة عن تأخر هذه الأعداد الثلاثة عن مواعيدها إذ كان موعد العدد الخامس سَلخ جمادى الأولى، والسادس جمادى الثانية، والسابع سلخ رجب الأصم، فأظهرناها معاً في هذا اليوم (٢٠ شعبان) وكان من حق القراء المقدس لدينا أن نظهرها متفرقة في أوقاتها لولا ما طرأ في البين من اشتغالنا بنقل إدارة هذه المجلة ومكتبتها ومطبعتها من مكانها الأول إلى مكان رحيب بشارع غيط العدة أمام دار الجريدة. على أننا عوضنا على القراء بأن زدنا هذه الأعداد صفحات أخرى علاوة على صفحات الثلاثة الأعداد تبلغ نحواً من أربعين صفحة وبذلنا الجهد في انتقاء الموضوعات المفيدة للقراء كما يرى الناظر إذا هو دقق النظر وأنعم الروية. وكذلك شأننا منذ أنشأنا هذه المجلة لا نألو جهداً في إتقانها وتخير موضوعاتها وبذل النفس والنفيس في هذه السبيل إلى الغاية التي لا ورائها والله الهادي إلى سواء السبيل. استدراك ذكرنا من بين وكلائنا خطأ حضرة الفاضل السيد عبد العزيز بن عبد الرحمن والحقيقة أنه السيد عبد الله بن عبد الرحمن في بندرمهاراتي - جوهر بالهند.

стр. 841

العدد ١٣ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٣

стр. 842

تمصير اللغة نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم من الفضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استحفظوا عليها مصرية، بعد أن كانت مضرية، وأن نطّرد لهم مع النيل بعدد الترع وعداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر جاهل ويصدر الكتاب من الكتب فيجري من أفهام القوم في طريقة واحدة ويأخذ منهم مأخذاً معروفاً غير متباين بعضه من بعضه ولا ملتو على فئة دون فئة ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا الجمّ الغفير. . . من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصَّر عن لغة أجنبية - ولا نقول عرّب فإن هذه بالطبع غير ما نحن فيه_بل يأخذ من تحت كل لسان ويلقف عن كل شفة ولا يبعد في التناول إلى نضطرب واسع ولا يمضي حيث يمضي إلا مُخِفّاً من هذه القواعد وتلك الضوابط العربية إذ تتهادن يومئذ العدوتان هذه العامية وهذه الفصحى وتصلحان بينهما صلحاً أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلماً ولا لساناً وعلى أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في المواد المضرة التي يعبر عنها دهاة السياسة اللغوية بالألفاظ العامية المبتذلة والألفاظ العربية الغريبة - ثم على أن تحفل إحداهما ما تركت الأخرى مما سوى ذلك فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها. يقولون أن هذه هي شروط الصلح بين اللغتين أو هي المعاني التي ترجع إليها وتترادف بها متى أرادوا أن يبسطوا من هذه الشروط ويخرجوا بها إلى التعدد والكثرة، وإنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطاً في الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملاً مما يكبر في صدورهم على ما ترى من تهافتها وضعف تصريفها واضطراب أولها وآخرها لأنهم لا يثبتون النظر فيها ولا يحققون خطوة ما بين الإرادة والقدرة وفَوتَ ما بين الأمل والعمل ثم لا يعرفونها إلا أحلاماً قريبة الأناة ساكنة الطائر فكان ذلك عذر العقلاء إذا مروا بها لماماً وتروحوا بالأعراض عنها سلاماً حتى تناولها الأستاذ مدير (الجريدة) فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند المعارضة رأياً. فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك وتحيلها إليها فعسى أن يأتي يوم لا تكون العامية فيه شيئاً مذكوراً. بيد أنه أخرج هذا الرأي البليغ من غير بابه، وتسبب إليه في النظر بما ليس من أسبابه،

стр. 843

وجاء به قولاً أن يكن فيه صواب فهو ما آثره من تقريب ما بين العامة والخاصة وإزالة الجفوة بين هؤلاء وهؤلاء، وتوثيق العقدة المنحلة بين الألسن والأقلام، أو بين لغة الكتابة ولغة الكلام، ثم ما رآه من التخطي بالعربية إلى الأمام، وإن يكن فيه خطأ فهو ما وراء ذلك مما أرسله في أقواله البليغة سناداً لرأيه وتثبيتاً لحجته. وإن مَجَم هذا الرأي ومستجمعه أن الأستاذ يرى (أخذ أسماء المستحدثات من اللغة اليومية وإمرارها على الأوزان العربية بقدر الإمكان فإن لم يكن لها ثمة أسماء فمن معاجم اللغة وكتب العلم لأن هذه عنده دون اللغة اليومية - فإن لم يصب ذلك في هذه أيضاً وضع لها الواضع ما شاء. وإن في استعمال مفردات العامة وتراكيبها إحياء للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة إذ يكون من ذلك رفع هذه اللغة إلى الاستعمال الكتابي والنزول بالضروري من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل. ذلك وإن ما استعملته العامة إنما هو قرارات الأمة في هذه الكلمات التي لا تريد النزول عنها. وأن الطريقة الوحيدة لإحياء اللغة هي إحياء لغة الرأي العام من ناحية وإرضاء لغة القرآن من ناحية أخرى. وأننا إذا أردنا الصلح بين اللغتين فأقرب الطرق إلى هذا الصلح أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية ومتى استعملناها في الكتابة. . . اضطررنا إلى تخليصها من الضعف وجعلنا العامة يتابعون الكتاب في كتاباتهم الخ الخ. هذا هو تحصيل رأي الأستاذ وأكثر ما أوردناه إنما هو من ألفاظه بحروفها فإن طال عليك ذلك السرد وبرمت به جملة فإن لك أن تدمجه في كلمتين ثم لا تكون قد أخللت من جميعه بشيء وذلك أن الأستاذ يرى تمصير اللغة لأننا إذا تابعناه فإنما نلتمس كل ما أشار إليه من العامية المصرية وحدها ونعطي هذه العامية سعة أنفسنا وبذل أقلامنا (طاقتها) فنلبسها بالفصيح ونخلط منهما عملاً صالحاً وآخر سيئاً ولعل هذا الرأي أن يشيع من ناحيتنا ويطمئن في كل أمة لها عربية فتأخذ مأخذنا في عاميتها وتنزع إلى ما نزعنا إليه فإذا أمكن أن يتفق ذلك وأن تتوافى عليه الأمم كان لعمري أسرع في فناء العربية وجدا عليها شؤم هذا الرأي مالا يجدو تألب الأعداء لو استأصلوا أهلها. وبلغ منها مالا يبلغه الفاتحون ولو ملكوا تلك الأرض كلها، ثم نحن نتسامح في استعمال المفردات والتراكيب العامية. وسينقاد لذلك من بعدنا ثم من بعدهم إلى أجيال كثيرة يتراخى بعضها عن بعض فيوشك أن يأتي

стр. 844

يوم تكون فيه تلك اللغة الفصحى ضرباً من اللغات الأثرية في كتابها الكريم لأننا لا ننظر فيما نترخص فيه الآن من كلمات معدودة صدرت بها قرارات الأمة أن لا تزال على وجه الدهر عامية ولكنا ننظر إلى الأصل في قاعدة التسامح والترخيص فإذا ثبتناه وأخذ به غيرنا ولم يكن عندنا لذلك نكير فما أشبهها أن تكون كالقاعدة الاستعمارية التي تبتدئ بالتسامح للمستعمرة والغزاة في أخذ الشيء القليل ثم تنتهي بالتسامح في كل شيء. ونحن فإن كنا نفهم رأياً من هذه الآراء الحاضرة فإننا لا نفهم كيف يكون إحياء العربية باستعمال العامية وكيف نرضي لغة القرآن التي تأبى إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبل لغات العرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطرة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية ثم نرضى من جهة أخرى هذه اللهجات العامية التي تأبى أن تتقيد بشيء وهي أبدا دائمة التغير بالأسباب المختلفة التي تؤثر فيها وتديرها في الألسنة حتى صارت في بعض قرى مصر كأنها مالطية (متمصرة) وصار بعض هذه القرى لا يفهم عن بعض. وإذا حاولنا مذهب الإصلاح العامي فليت شعري من أي لهجة نأخذ وأي لهجة في مصر هي غير مصرية فننبذها. وإذا ابتغينا بهذا الإصلاح استدراج العامة ليتابعوا الكتاب والخطباء فيما يكتبون ويخطبون فهل يتابعونهم على العامي وحده حين يُنزَّل في الفصيح إذ يستمرؤنه ويسيغونه حتى إذا عرض لهم الفصيح خالصاً أنكروه وغُضّوا به أم تكون المتابعة على العامي والفصيح جميعاً. إذا جاز على القوم أن يتابعوا الكتاب والخطباء على الفصيح الممزوج بالعامي فلم لا يكون ذلك إذا كان الفصيح خالصاً مأنوساً وكانت القرائن قائمة على ما فيه من جديد أو غريب وكانت ألفاظه لا تبرأ من معانيه ولا هذه تشق على تلك؟ نحن لا نماري في وجوب الإصلاح اللغوي ووجوب أن يكون للغة في هذه النهضة مجمع يحوطها ويصنع لها ولو على الأقل كمصلحة الكنس والرش. . . ولا نقول أن هذه العربية كاملة في مفرداتها ولا أنه ليس لنا أن نتصرف فيها تصرف أهلها فإن من يذهب إلى ذلك لا يعدو باللغة وسيلة من وسائل العيش وأداة من أدواة الاجتماع الفطري. وليت شعري ما يصنع أولئك إذا صارت العربية لغة العلوم والفنون الحديثة وجاؤا إلى طائفة واحدة من الحشرات يقسمها العلماء إلى عشرين ألف ضرب اعتبروا في وضع أسمائها تباين ما بينها

стр. 845

في طبقات التشريح ثم ماذا يصنعون بضروب سائر الحيوانات وبالنبات وغير النبات مما لا يأتي عليه الإحصاء من متعلقات العلوم وفروعها وهل تجزئ في ذلك كله ألفاظ لسان العرب وكتب الحيوان والنبات العربية وما إليها مما أطلقت ألفاظه واضطربت أوضاعه واختلفت معانيه واستفاضت حدوده حتى ليصبح أن تعم اللفظة الواحدة بكثرة ما تطلق عليه في هذه اللغة شطراً من معاني العلم التي هي فيه؟ ألا وأن أعجب ما في أمرنا من المعروف والمنكر أن تختلف الأمم في معاني الألفاظ واختراعها وتحديدها ووجوه الانتفاع بها ولا نختلف نحن إلا على ألفاظ هذه المعاني وأنها عربية أو معربة وهل نتقبلها أو نردها ونثبتها أو ننفيها ونقرها أو ننكره وننسخها أو نمسخها. . . وقد فاتنا أالعرب أنفسهم لم يكونوا يعرفون شيئاً يسمى لغة إنما كان همهم استيعاب أجزاء البيان في كل ما ينطقون به على أصول الفطرة اللغوية التي يُنشّؤن عليها وقد ضبطت هذه الأصول فيما انتهى إلينا من قواعد اللغة وما نقل من ألفاظها فصار لنا حكمهم إذا نحن تدبرناها ونفذنا في أسرارها وأحسنا القيام عليها. وليس عندنا في وجوه الخطأ اللغوي أكبر ولا أعظم من أن يظن امرؤ أن اللغة بالمفردات لا بالأوضاع والتراكيب فإن اللغات المرتقية هي تلك التي تمتاز بوجوه تركيبها ونسق هذه الوجوه ولا يمكن البتة أن تكون لغة من اللغات ذات وفر وثروة من الألفاظ إلا أن تدعو إلى ذلك وجوه أوضاعها وتراكيبها. ولا تجد عندنا من الإنكار على من يقول بإباحة التصرف في تراكيب العربية والتكذيب له والاستعظام لما جاء به إلا كما عندنا من الرد لقول من يمنع التصرف في مفرداتها - بالتعريب وغير التعريب_ما دامت الحاجة إلى ذلك ماسة وما دام ذلك لا يخرج اللفظ الموضوع عن الشبه العربي الذي يجريه في اللغة ويجعله إليها ويلحقه بمادتها ثم ما دمنا نعمل هذا العمل فنقضيه صريحاً محكماً ونستن فيه سنة العرب في طريقة الوضع اللغوي وحكمة هذه الطريقة ووجه هذه الحكمة. فأنت ترى أنه لا ينقصنا من اللغة شيء وهي على ما هي من أحكام الأوضاع والتراكيب والاتساع للمفردات ولو أقبلت كأعناق السيل. ولكن ينقص هذه اللغة رجال يعملون ويحسنون إذا عملوا ويعرفون كيف يتأتى عملهم إلى الإحسان وكيف يكون عملهم عملاً. ولقد كان من سوء الصنع لهذه العربية أن قامت لإحيائها (مجتمعات) كلها كان يكدح في هذا
следующие страницы →