← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

العدد ١٣ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٣

стр. 842

تمصير اللغة نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم من الفضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استحفظوا عليها مصرية، بعد أن كانت مضرية، وأن نطّرد لهم مع النيل بعدد الترع وعداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر جاهل ويصدر الكتاب من الكتب فيجري من أفهام القوم في طريقة واحدة ويأخذ منهم مأخذاً معروفاً غير متباين بعضه من بعضه ولا ملتو على فئة دون فئة ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا الجمّ الغفير. . . من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصَّر عن لغة أجنبية - ولا نقول عرّب فإن هذه بالطبع غير ما نحن فيه_بل يأخذ من تحت كل لسان ويلقف عن كل شفة ولا يبعد في التناول إلى نضطرب واسع ولا يمضي حيث يمضي إلا مُخِفّاً من هذه القواعد وتلك الضوابط العربية إذ تتهادن يومئذ العدوتان هذه العامية وهذه الفصحى وتصلحان بينهما صلحاً أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلماً ولا لساناً وعلى أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في المواد المضرة التي يعبر عنها دهاة السياسة اللغوية بالألفاظ العامية المبتذلة والألفاظ العربية الغريبة - ثم على أن تحفل إحداهما ما تركت الأخرى مما سوى ذلك فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها. يقولون أن هذه هي شروط الصلح بين اللغتين أو هي المعاني التي ترجع إليها وتترادف بها متى أرادوا أن يبسطوا من هذه الشروط ويخرجوا بها إلى التعدد والكثرة، وإنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطاً في الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملاً مما يكبر في صدورهم على ما ترى من تهافتها وضعف تصريفها واضطراب أولها وآخرها لأنهم لا يثبتون النظر فيها ولا يحققون خطوة ما بين الإرادة والقدرة وفَوتَ ما بين الأمل والعمل ثم لا يعرفونها إلا أحلاماً قريبة الأناة ساكنة الطائر فكان ذلك عذر العقلاء إذا مروا بها لماماً وتروحوا بالأعراض عنها سلاماً حتى تناولها الأستاذ مدير (الجريدة) فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند المعارضة رأياً. فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك وتحيلها إليها فعسى أن يأتي يوم لا تكون العامية فيه شيئاً مذكوراً. بيد أنه أخرج هذا الرأي البليغ من غير بابه، وتسبب إليه في النظر بما ليس من أسبابه،

стр. 843

وجاء به قولاً أن يكن فيه صواب فهو ما آثره من تقريب ما بين العامة والخاصة وإزالة الجفوة بين هؤلاء وهؤلاء، وتوثيق العقدة المنحلة بين الألسن والأقلام، أو بين لغة الكتابة ولغة الكلام، ثم ما رآه من التخطي بالعربية إلى الأمام، وإن يكن فيه خطأ فهو ما وراء ذلك مما أرسله في أقواله البليغة سناداً لرأيه وتثبيتاً لحجته. وإن مَجَم هذا الرأي ومستجمعه أن الأستاذ يرى (أخذ أسماء المستحدثات من اللغة اليومية وإمرارها على الأوزان العربية بقدر الإمكان فإن لم يكن لها ثمة أسماء فمن معاجم اللغة وكتب العلم لأن هذه عنده دون اللغة اليومية - فإن لم يصب ذلك في هذه أيضاً وضع لها الواضع ما شاء. وإن في استعمال مفردات العامة وتراكيبها إحياء للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة إذ يكون من ذلك رفع هذه اللغة إلى الاستعمال الكتابي والنزول بالضروري من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل. ذلك وإن ما استعملته العامة إنما هو قرارات الأمة في هذه الكلمات التي لا تريد النزول عنها. وأن الطريقة الوحيدة لإحياء اللغة هي إحياء لغة الرأي العام من ناحية وإرضاء لغة القرآن من ناحية أخرى. وأننا إذا أردنا الصلح بين اللغتين فأقرب الطرق إلى هذا الصلح أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية ومتى استعملناها في الكتابة. . . اضطررنا إلى تخليصها من الضعف وجعلنا العامة يتابعون الكتاب في كتاباتهم الخ الخ. هذا هو تحصيل رأي الأستاذ وأكثر ما أوردناه إنما هو من ألفاظه بحروفها فإن طال عليك ذلك السرد وبرمت به جملة فإن لك أن تدمجه في كلمتين ثم لا تكون قد أخللت من جميعه بشيء وذلك أن الأستاذ يرى تمصير اللغة لأننا إذا تابعناه فإنما نلتمس كل ما أشار إليه من العامية المصرية وحدها ونعطي هذه العامية سعة أنفسنا وبذل أقلامنا (طاقتها) فنلبسها بالفصيح ونخلط منهما عملاً صالحاً وآخر سيئاً ولعل هذا الرأي أن يشيع من ناحيتنا ويطمئن في كل أمة لها عربية فتأخذ مأخذنا في عاميتها وتنزع إلى ما نزعنا إليه فإذا أمكن أن يتفق ذلك وأن تتوافى عليه الأمم كان لعمري أسرع في فناء العربية وجدا عليها شؤم هذا الرأي مالا يجدو تألب الأعداء لو استأصلوا أهلها. وبلغ منها مالا يبلغه الفاتحون ولو ملكوا تلك الأرض كلها، ثم نحن نتسامح في استعمال المفردات والتراكيب العامية. وسينقاد لذلك من بعدنا ثم من بعدهم إلى أجيال كثيرة يتراخى بعضها عن بعض فيوشك أن يأتي

стр. 844

يوم تكون فيه تلك اللغة الفصحى ضرباً من اللغات الأثرية في كتابها الكريم لأننا لا ننظر فيما نترخص فيه الآن من كلمات معدودة صدرت بها قرارات الأمة أن لا تزال على وجه الدهر عامية ولكنا ننظر إلى الأصل في قاعدة التسامح والترخيص فإذا ثبتناه وأخذ به غيرنا ولم يكن عندنا لذلك نكير فما أشبهها أن تكون كالقاعدة الاستعمارية التي تبتدئ بالتسامح للمستعمرة والغزاة في أخذ الشيء القليل ثم تنتهي بالتسامح في كل شيء. ونحن فإن كنا نفهم رأياً من هذه الآراء الحاضرة فإننا لا نفهم كيف يكون إحياء العربية باستعمال العامية وكيف نرضي لغة القرآن التي تأبى إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبل لغات العرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطرة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية ثم نرضى من جهة أخرى هذه اللهجات العامية التي تأبى أن تتقيد بشيء وهي أبدا دائمة التغير بالأسباب المختلفة التي تؤثر فيها وتديرها في الألسنة حتى صارت في بعض قرى مصر كأنها مالطية (متمصرة) وصار بعض هذه القرى لا يفهم عن بعض. وإذا حاولنا مذهب الإصلاح العامي فليت شعري من أي لهجة نأخذ وأي لهجة في مصر هي غير مصرية فننبذها. وإذا ابتغينا بهذا الإصلاح استدراج العامة ليتابعوا الكتاب والخطباء فيما يكتبون ويخطبون فهل يتابعونهم على العامي وحده حين يُنزَّل في الفصيح إذ يستمرؤنه ويسيغونه حتى إذا عرض لهم الفصيح خالصاً أنكروه وغُضّوا به أم تكون المتابعة على العامي والفصيح جميعاً. إذا جاز على القوم أن يتابعوا الكتاب والخطباء على الفصيح الممزوج بالعامي فلم لا يكون ذلك إذا كان الفصيح خالصاً مأنوساً وكانت القرائن قائمة على ما فيه من جديد أو غريب وكانت ألفاظه لا تبرأ من معانيه ولا هذه تشق على تلك؟ نحن لا نماري في وجوب الإصلاح اللغوي ووجوب أن يكون للغة في هذه النهضة مجمع يحوطها ويصنع لها ولو على الأقل كمصلحة الكنس والرش. . . ولا نقول أن هذه العربية كاملة في مفرداتها ولا أنه ليس لنا أن نتصرف فيها تصرف أهلها فإن من يذهب إلى ذلك لا يعدو باللغة وسيلة من وسائل العيش وأداة من أدواة الاجتماع الفطري. وليت شعري ما يصنع أولئك إذا صارت العربية لغة العلوم والفنون الحديثة وجاؤا إلى طائفة واحدة من الحشرات يقسمها العلماء إلى عشرين ألف ضرب اعتبروا في وضع أسمائها تباين ما بينها

стр. 845

في طبقات التشريح ثم ماذا يصنعون بضروب سائر الحيوانات وبالنبات وغير النبات مما لا يأتي عليه الإحصاء من متعلقات العلوم وفروعها وهل تجزئ في ذلك كله ألفاظ لسان العرب وكتب الحيوان والنبات العربية وما إليها مما أطلقت ألفاظه واضطربت أوضاعه واختلفت معانيه واستفاضت حدوده حتى ليصبح أن تعم اللفظة الواحدة بكثرة ما تطلق عليه في هذه اللغة شطراً من معاني العلم التي هي فيه؟ ألا وأن أعجب ما في أمرنا من المعروف والمنكر أن تختلف الأمم في معاني الألفاظ واختراعها وتحديدها ووجوه الانتفاع بها ولا نختلف نحن إلا على ألفاظ هذه المعاني وأنها عربية أو معربة وهل نتقبلها أو نردها ونثبتها أو ننفيها ونقرها أو ننكره وننسخها أو نمسخها. . . وقد فاتنا أالعرب أنفسهم لم يكونوا يعرفون شيئاً يسمى لغة إنما كان همهم استيعاب أجزاء البيان في كل ما ينطقون به على أصول الفطرة اللغوية التي يُنشّؤن عليها وقد ضبطت هذه الأصول فيما انتهى إلينا من قواعد اللغة وما نقل من ألفاظها فصار لنا حكمهم إذا نحن تدبرناها ونفذنا في أسرارها وأحسنا القيام عليها. وليس عندنا في وجوه الخطأ اللغوي أكبر ولا أعظم من أن يظن امرؤ أن اللغة بالمفردات لا بالأوضاع والتراكيب فإن اللغات المرتقية هي تلك التي تمتاز بوجوه تركيبها ونسق هذه الوجوه ولا يمكن البتة أن تكون لغة من اللغات ذات وفر وثروة من الألفاظ إلا أن تدعو إلى ذلك وجوه أوضاعها وتراكيبها. ولا تجد عندنا من الإنكار على من يقول بإباحة التصرف في تراكيب العربية والتكذيب له والاستعظام لما جاء به إلا كما عندنا من الرد لقول من يمنع التصرف في مفرداتها - بالتعريب وغير التعريب_ما دامت الحاجة إلى ذلك ماسة وما دام ذلك لا يخرج اللفظ الموضوع عن الشبه العربي الذي يجريه في اللغة ويجعله إليها ويلحقه بمادتها ثم ما دمنا نعمل هذا العمل فنقضيه صريحاً محكماً ونستن فيه سنة العرب في طريقة الوضع اللغوي وحكمة هذه الطريقة ووجه هذه الحكمة. فأنت ترى أنه لا ينقصنا من اللغة شيء وهي على ما هي من أحكام الأوضاع والتراكيب والاتساع للمفردات ولو أقبلت كأعناق السيل. ولكن ينقص هذه اللغة رجال يعملون ويحسنون إذا عملوا ويعرفون كيف يتأتى عملهم إلى الإحسان وكيف يكون عملهم عملاً. ولقد كان من سوء الصنع لهذه العربية أن قامت لإحيائها (مجتمعات) كلها كان يكدح في هذا

стр. 846

العمل الجديد على قاعدة قديمة فلا يعدون في طريقة العمل وجهة القصد منه أن يبدلوا لفظاً وحرفاً بحرف وينبهوا إلى الخطأ في بعض الاستعمال وصواب في بعض الإهمال مما يستخرجونه أو يقفون عليه أو يتفق لهم اتفاقاً. وهذا عمل تكون الجماعة فيه مهما اعتزمت واشتدت كأنها فرد واحد ويقوم الفرد المضطلع بالجماعة بل قد يفي ويمسح وجهها (بتقدمها) ويكون منها مكان الإمام ممن خلفه وإن كانوا صفوفاً متراصّة متقابلة، وهو أمر كان قديماً فإن العلماء والكتاب كانوا يتلقون الرواة والحفاظ بالمسئلة عن صواب الكلمة وعن وجه استعمال الحرف من اللغة وكان المأمون العباسي قد أرصد من هؤلاء طائفة في دار الحكمة ليرجع إليهم المعربون ثم ليتصفحوا عليهم فيصلحوا خطأ أو يقيموا وزناً أو يغيروا كلمة وكذلك فعل بعض الأمراء المتأخرين في دواوين الإنشاء حين ضعف الأدباء عن اللغة والتوت الألسنة وغلبت العامية وقد تولى ذلك للفاطميين طاهر بن بابشاذ في القرن الخامس وابن بري في القرن السادس وتولاه غيرهما من بعد إلى هذه الغاية في عصور ودول مختلفة على أن كل ذلك قد مضى مع أهله وبقيت اللغة تضرب في حدودها مقبلة مدبرة لم يزد فيها ما زادوا ولم ينقص منها ما نقصوا. ولسنا نرتاب على حال أنه لو قام في صباح كل يوم مجمع لغوي على هذه الطريقة لانتقض في مساء كل يوم مجمع منها لأن القوم يدعون الجهات الملتبسة إلى الصريحة ويتخطون الأصول إلى الفروع ويعملون في سدخلة محتملة ويتكلفون لضرورة في الوسع واللغة وافية بكل ما يأتون به لا يصدّ عنها إلا الجهل والإهمال وإلا سوء طلب الطالب وتحصيل المحصل وهذا أصلحك الله أهون الخطب. وأخف الضرر، وأيسر ما التاث علينا من أمر هذه العربية. فإن المحنة فيها باقية أبداً ما بقي في الأرض معنى ليس له فيها لفظ، وما دمنا لا نُطرّق فيها لهذه الألفاظ المحدثة بقواعد ثابتة، وعلى طرق نهجة، وما دامت في أيدينا جامدة لا نغمز منها، ولا نعيدها سيرتها الأولى في الوضع والاشتقاق بما لا يفسدها ولا يضارّ أصولها ولا يأتي بنيانها من القواعد. وإن ذلك لأمر أول التبعة فيه على متقدمي العلماء، ممن دونوا الأمهات في اللغة، وممن كتبوا في العلوم أو عرّبوا من كتبها. لأنهم عفى الله عنهم لم ينظروا لمن بعدهم. فلم يضعوا في ذلك ديواناً جامعاً، ولا أمضوا فيه بإجماع معروف ينتهي إليه علم. أو يقف عليه طريق

стр. 847

من طرق الرواية. إنما كان لكل واحد منهم رأيه ونظره ومبلغ علمه وإحاطة روايته. فإن اضطر أحدهم إلى ما يعجله عن الأناة، وإجالة الرأي في اختيار اللفظ وتعريبه، ودُفع إلى الكتابة والتأليف من هذه المضايق، لم يبال أن يتناول اللفظ كما هو في لسان أهله ولغة واضعه، ما دام لا يرسله إلا في أسلوب محكم من اللغة، ولا يحيطه إلا بالتركيب العربي المبين، وهم كانوا أبصر بما قررناه من أن اللغة بالأوضاع والتراكيب، لا بالمفردات، بالغة ما بلغت. وأن الشأن فيما ينتظم الكلمة الأعجمية انتظاماً عربياً لا في الكلمة نفسها. وهذا الجاحظ عالم كتّاب هذه الأمة، وفرد بلغائها، تتصفح كتبه فتعثر بالشيء من أسماء الأدوات ومصطلحات الفنون. وبعض ذلك لا سبيل إلى فهمه ومعرفة مدلوله إلا بالرجوع إليه في الفارسية والهندية والرومانية ونحوها وإلا أن اتفق للباحث أن يعثر على بيانه وتفسيره في بعض الموسوعات العربية أو كتب الفنون. وقد كان دأب هذا البليغ أن لا يتوقف عند اللفظة المحدثة يقلبها ويشققها، ولا يتردد عند الكلمة الدخيلة ينظر فيها ويحققها. وهو قد نص على ذلك في موضع من كتابه الحيوان، فقال: بعد أن ساق ألفاظاً من مصطلحات الزنادقة كالساتر والغامر والبطلان وغيرها، وأنكر غرابة الدلالة فيها، وأنها مهجورة عند أهل دعوته وملته، وعند العوام والجمهور إن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ أن أكون ما دمت في المعاني التي هي عبارتها والمادة فيها - أن ألفظ بالشيء العتيد الموجود، وأدع التكلف لما عسى أن لا يسلس ولا يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة، وأرى أن ألفظ بألفاظ المتكلمين ما دمت خائضاً في صناعة الكلام مع خاص أهل الكلام. فإن ذلك أفهم عندي وأخف لمؤنهم على. ولكل صناعة ألفاظ قد جعلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلا بعد أن كانت بينها وبين معاني تلك الصناعة مشاكلات. وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو في مخاطبة العوام والجار، أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته، أو في حديثه إذا حدث أو خبره إذا خبر. وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب وألفاظ العوام وهو في صناعة الكلام داخل. ولكل مقام مقال ولكل صناعة شكل. على أننا لا نستقصي القول في هذه الجهة، فإن موقع النية أن التكلم في تمصير اللغة، وإنما أفضينا إلى الكلام من هذه الناحية إذ كانت هي سبيلنا إليه. فإن القائلين بهذا الرأي،

стр. 848

والغالين فيه، والمكابرين عليه، إنما يدعون به الإصلاح ويذهبون إلى أنه خير ما ينتهي إليه الصواب من رأي، وخير ما يمكن لهم في جانب تلك الغاية، فإنهم زعموا يريدون الإصلاح من أقرب السبيل، ويطلبون الحاجة الراهنة، والمنفعة الدانية، وقد رأوا سواد الأمة عامياً، فلا بأس أن يكون من هذا السواد ظل في اللغة أو على اللغة أو قريباً من اللغة. وفاتهم أن من دون هذه السبيل سبيلاً أخرى هي أقرب في منحاهم، وأدنى إلى غايتهم، لو كانوا يرمون إلى تعليم الأمة وإلى الغاية من هذا التعليم. فإن الزمن الذي تعرب فيه الكتب أو تمصر ثم تطبع وتنشر، ثم تقرأ وتدرس، لا يذهب باطلاً إذا هو ذهب في تعليم لغة أجنبية من لغات العلوم، ثم إلقاء هذه العلوم بها. ويكون من ذلك أن الأمة تستفيد العلوم والفنون محققة وتربح معها فضلاً كبيراً. إذ تربح لغة برمتها وتجمع إليها آدابها وفوائدها. وهذا مالا يتيسر بعضه إذا مصرنا لها العربية لتلك الغاية التي زعموا، وما يطلبون بها من الكفاية والإصلاح. وقد أخذت بهذا الرأي جمهورية الصين الحديثة فإنها فرضت اللغة الانكليزية على كل من يطلب علماً أو صناعة حرصاً على الوقت أن تضيع به الترجمة والطبع والدرس، وتفادياً مما تدخله الترجمة على مصطلحات العلوم والفنون من الضيم في الشرح والتعيين وتحديد الدلالة ونحوها مما ليس منه بد في النقل بين اللغات المتباينة لغة إلى لغة. على أنه إن يكن في رأي التمصير خير فليس يقوم خيره بشؤمه. وهب أن أمراً من ذلك كائن. وأننا أجرينا التراكيب العامية في الفصيح، وأقحمنا مفردات القوم في اللغة، ومكنا للعامة على ما يتوهمون من مقاليد الكلام وأتبعناه مقادتهم، فما جداء ذلك عنهم، وماذا يرد على الأمة! ونحن نعلم أن جمهورها إذا احتاجوا إلى الكتب في العلم فإنما هي كتب ألف باء تاء. . . . قبل كتب المصطلحات العلمية والفنية. وأنه لعجيب أن نبدأ بالتربية من آخرها وأن نجيء إلى حال من الضعف فنتوهم فيها القوة، ثم نمضي على ما نخيل نعتده حقاً فنقرر الأحكام، ونؤصل الأصول، ونقابل شيئاً بشيء، ونستخرج حالاً من حال. وليس لنا مما قبل ذلك جميعه إلا أنه ظن توهمناه يقيناً، وفرض حسبناه قياساً. وإلا أنها العامية جعلنا نسومها ما ليس في طبيعتها، وحسبناها أصلاً بائناً بنفسه متميزاً من سواه بالصفات التي تجعل الأصل أصلاً وتنفيه من صفات فروعه. مع أن أصل هذه العامية لا يزال في

стр. 849

ألسنتنا وأقلامنا. ولا نبرح نردها إليه، ونحكمها به، ونقيمها على طريقه. ومع أن هذه العامية لا تصلح في تراكيبها وصيغها للكتابة ما لم تفصّح على وجه من الوجوه. وهي بعد لا وزن لها في كل ما ابتعدت به عن الفصيح. إلا في عبارات قليلة مما يكون أكبر حسنه أنه أخرج على نسق معروف في البلاغة العربية. كضروب المجاز والكناية وما إلى ذلك. فإذا هي نافرت الفصيح لفظاً أو نسقاً، فلست واجداً فيها إلا أطلالاً من كلمات عربية يأباها من يعرفها صحيحة ماثلة، ويعدها من النقص من يقيمها سوية كاملة. وكيفما أدرتها لا تعرف لها إلا رقة الشأن وسقوط المنزلة بإزاء أصلها الفصيح الذي خرجت منه، ولا تزال فيها مادته. فما اختلافنا في لغة هي في طبيعتها اللغوية تأبى أن تكون أصلاً، وأن تعد لغة، ومهما جهدت بها لا تتحول إلا إلى أصلها المعروف المتميز. فإذا أريدت على غير ذلك التاثت واضطربت، وفرت إلى الأسواق والسبل؟ فإن عارضنا القوم بأنهم يريدون تقريب الفصيح من العامة لا من العامية ليسهل عليهم أن يتأدبوا وأن يتعلموا، قلنا ذلك وجه، وسبيله غير ما يقولون به من تمصير هذا الفصيح العربي. فإن لهم مندوحة في طريق مختلفة يفصحون بها العامية نفسها بردها إلى أصولها القريبة، على نحو ما كانت عليه أيام الأمويين والعباسيين. فأني لأحسب أن العامي من أهل ذلك الزمن لو بُعِث اليوم لرأى أكثر أساليبنا الفصيحة دون عاميته. وقد كنا بسطنا جانباً من القول في مقالتينا اللتين نشرتا في (البيان) عن الرأي العامي في العربية الفصحى، والجنسية العربية في القرآن وأبنا ثمت فساد الرأي في إحالة الفصحى عن وجهها فلا نعيد شيئاً مما بسطناه. وإنما نرسل كلمة في تحقيق استحالة هذا الرأي، وأن القائلين به مهما عملوا فإنهم لا يعدون أن يجتذبوا إليهم طائفة من ضعاف شبابنا المتفرجين يناصرونهم بما تعده الأمة خذلاناً، ويزيدون فيهم بما لا تشعر به الأمة زيادة أو نقصاً. وذلك أنهم يغفلون عن الروح الدينية التي عليها ينشأ المسلمون - أهل هذه العربية_في جهات الأرض، وأن هذه الروح قائمة على نفي العصبية الوطنية كالمصرية وغيرها. فقد كان هذه العصبية عامة في قبائل العرب حتى محاها الإسلام. فأنزل الله سكينته على رسوله والمؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وجعلهم أخوة. ثم نفاها النبي ﷺ . زنفى المؤمنين منها بقوله ليس منا من دعا إلى عصبية الحديث. وما عصبية قبيلة وقبيلة في المعنى إلا

стр. 850

كعصبية بلد وبلد ومصر ومصر. وما يقولون به من تمصير اللغة لا يعدو أن يكون وجهاً من وجوه هذه العصبية الممقوتة. فإنك لتجد المسلمين يختلفون في كل شيء حتى في الدين نفسه. ولا تجدهم إلا شعوراً واحداً بالروح الدينية العربية التي مساكها الكتاب والسنة في عربيتهما الفصيحة. التي لا سبيل إلى التغيير أو التبديل فيها لا على وجه التمصير ولا على وجه آخر، وسواء كان في ذلك إصلاح بين العامية والفصحى أو لم يكن. فإن شذ عن الجماعة فئة من شباننا قد أخذوا بغير أخلاق هذا الدين ونشؤا في غير قومه وعلى غير مبادئه فرأوا فيه بظنونهم وقالوا برأيهم ورضوا له ما لا يرضاه أهله، فهم مهما كثروا لا يستطيعون أن يحدثوا حدثاً، بل يفنون والجماعة باقية، وينقصون والأمة نامية، ويذهبون إلى رحمة الله ومن رحمة الله أنهم لا يعودون ثانية. ولن تجد ذا دخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة. وإن كنا لا نقول بالعكس. فإن فينا من الفضلاء من يخطئ في الرأي يراه أو يعجل به دون أن يطيل ترديده وتقليبه. فإذا بصرته بما فيه أعانك على نفسه، وأحكم ناحية الصواب منها، وأعطاك عن رضا وكأن في عمله خليقاً أن تعرفه بالحكمة وأن ترى تحوله عن الخطأ صواباً إن لم يكن أحسن من صوابك فليس بدونه. هذا وإن أصحابنا لا يجهلون أن الأصل في التربية العامة بالحمل على الأخلاق لا على العقول، وعلى روح الأمة التي تتميز بها وتتفق فيها، لا على صفاتها الأخرى. ونحن لا نجد من ذلك شيئاً في المسلمين كافة من المصريين وغيرهم إلا ما أومأ إليه من الروح الدينية التي تشملهم جميعاً والتي هي أساس هذا الدين. فلا سبيل لتمصير العربية واعتبار هذه المصرية أصلاً لغوياً مجمعاً عليه، إلا بتمصير الدين الإسلامي الذي يقوم على هذه العربية. فإن بعض ذلك سبب طبيعي إلى بعضه. فمن كشف لنا عن الوجه الذي يكون به الدين مصرياً وطنياً. . . وبصرنا بأسباب ذلك ونتائجه، قلنا له أخطأنا وأصبت كذلك أَخذُ ربك إذا أخذ القُرى وهي ظالمة.

стр. 851

حال الإسلام الحاضرة أهدى إلى البيان حضرة الكاتب المشهور محمد أفندي مسعود هذا المبحث الجليل، وهو خاتمة أبواب كتاب حضارة العرب للدكتور جوستاف لوبون الذي ينقله إلى العربية. ولعل قراء البيان يعرفون من هو جوستاف لوبون صاحب كتابي روح الاجتماع وسر تطور الأمم وغيرهما من الأسفار النافعة، وأن هذه اللغة بحاجة ماسة إلى مثل حسنات هذا العالم البحاثة ولا سيما ما كان منها خصيصاً بشؤون الإسلام وحضارة العرب مما يستبصر به المسلم في مدنية المسلمين وسر عظمتهم الماضية، وضعفهم الحاضر، ولا يكاد يظفر بمثله بين دفات تواليفنا العربية - وإنا نزجي خالص الشكر إلى مسعود أفندي على حسن اختياره، وتوفره على نقل هذا الكتاب القيم، وندعو الله أن يهيء له من ساعة حتى يخرج للناس هذه الدرة الثمينة. أهالت القرون على العرب غبار الزوال، وأدرجت حضارتهم في أكفان التاريخ. فلم يبق منها إلا سيرتها العطرة، وأثرها المائل. ولكن زوالهم هذا لم يكن موتاً سالباً للروح، ومورداً للجسد موارد الفساد والفناء. لأن الدين واللغة اللذين قام العرب بينهما في أرجاء العالم، أصبحتا لعهدنا الحاضر أكثر انتشاراً منهما أيام كانت الحضارة العربية متألقة السنا. فإن اللغة العربية يتكلم بها الصادر والوارد، والغادي والرائح، بين مراكش والهند. كما أن الدين الإسلامي لا يزال نطاقه يزداد كل يوم ترامياً إلى أبعد الآفاق والأقطار. يقول علماء تخطيط البلدان: إن عدد مسلمي الأرض ينتهي إلى مائة وعشرة ملايين: ولكن انحطاط هذا العدد عن حقيقة الواقع أمر لا ريب فيه. لأن تقديره إنما كان في زمن لم يخطر ببال أولئك العلماء فيه ما ترامى إليه انتشار الدين واللغة في الصين وافريقية من الأفق القصي والأمد البعيد. وإلا فالدين الإسلامي هو الدين الذي تخفق أعلامه على ربوع الشام وديار مصر وبلاد تركيا وأصقاع آسيا الصغرى وفارس وسواد الروسيا وافريقية والصين والهند. وقد بلغ من سعة انتشاره وعليا كلمته أن تناول جزيرة مدغشقر ومستعمرات افريقية. دع ذيوعه بين جزائر ماليزيا (الملايو) وإن سواد أهالي جاوه وسومطرة وغينية الجديدة يدينون به ويهتدون بهديه. ولقد تخطت عقائد وأصوله معتلج لجج الأقيانوس فبلغت امريكا على يد زنوج افريقية. ومما يسترعي نظر المتأمل سهولة انتشار الإسلام في نواحي العالم قاصه ودانيه فإنه ما

стр. 852

وقف مسلم على صقع ولا نزل بنجع ولا بَلَد بحلة إلا وترك فيها أثراً من دينه باقياً. ثم انظر إلى الأقطار التي لم يدخلها العرب قائمين بل انتجعوا إليها متجرين كبعض ولايات الصين وجهات افريقيا الوسطى والروسيا. فلقد بلغ من انتشار الدين الإسلامي فيها أن المسلمين أصبحوا يعدون فيها بالملايين. واذكر أن اتخاذ أهلها هذا الدين عقيدة لهم ما كان كرهاً ولا قسراً، وإنما كان رضي واختياراً. إذ لم ينته إلى سمع أحد، ولم يدون في التواريخ شيء من أبناء تجنيد الجند لقسرهم على الإسلام وإلزامهم اتخاذه ديناً يدينون له مكرهين، ويذلون أعناقهم لكلمته مرغمين. وقصارى ما في الأمر أن أولئك التجار كانوا يؤدون غير عامدين عمل المبعوتين في البلدان التي مروا بها لترويج سلعهم، وكانوا في كل خطوة خطوها يبذرون بذور الدين الإسلامي فزكا نبته وفرعت أفنائه واشتدت أصوله حتى أصبح استئصالها بعد ذلك أمراً وعراً آد أولئك الذين عالجوا ذلك من أعداء هذا الدين واخصامه المتألبين. ففي بلاد الروسيا التي أخ له فيها مقاماً طيباً لم يوفق الروسيون لاستئصاله من أرضهم على الرغم من سعيهم المتواصل في هذه السبيل. وهذه بلاد الهند قد أصبح حزب المسلمين فيها لا يقل عن ٥٠ مليوناً ولطالما أفتن مبشروا البروتستانت في أساليب السعي والعمل لمناوته بل كثيراً ما أيدتهم الحكومة في خطتهم ومالأتهم على قضاء إربتهم فكانت العاقبة لها ولهم الفشل فيما أرادوا. أما عددهم في افريقية فما برح مجهولاً حتى اليوم ولكن الحقيقة الثابتة هي أن الرحالة والمستكشفين من أهل هذا الجيل لم تطأ أقدامهم ثرى بلاد ظنوا أنهم أول طارق لها ألا والتقوا فيها بقبائل تدين على بكرة أبيها بالإسلام، والإسلام في افريقية ينقل المستمسكين منه بالعروة الوثقى إلى حظيرة الحضارة، بعد أن كانوا في بيداء الهمجية هائمين، أو يترك بين أهلها أثراً من حميد آثاره في نفوسهم. كتب الموسيو دوفال: بفضل الإسلام وصدق تأثيره في نفوس من دانوا به، سقطت الأنصاب والأصنام، ودرس من بلاد العرب رسمها، فزالت عادة تقريب القرابين من الآدميين، وأكل اللحمات البشرية، واستقرت حقوق المرأة على الأساس الوطيدة، ووضعت الحدود لتعدد الزوجات وقيد بالقيود الكثيرة، فتوثقت العرى بين أفراد الأسرة، ومنح الرقيق المستعبد حق الإندماج في أسرة مولاه الذي هو ملك يمينه، فانفرجت أمامه مسالك الحرية، واستقامت طرقاتها واضحة النهج. ثم أن من معالم الصلاة والزكاة وغيرهما من أركان

стр. 853

الإسلام، تطهير العادات والأخلاق من درن المفاسد، وبث عاطفة العدل والإحسان في النفوس. وما من سيد في قومه، أو ملك في أمته، ألا وهو عليم بأن عليه من هذه الواجبات ما على رعاياه. فلا جرم إذا رست قواعد المجتمع عند المسلمين على أمتن الأسس، وكفلت الشريعة بما جاء فيها من الأحكام الرادعة عقاب المسيء في تصرفه أو الحائد عن جادة الحق. أما الذين رماهم الزمن بسهم صائب كأن أدركهم من طاغية جور فيساورهم أبداً الأمل في الحياة الأخرى وأن سيكون لهم من نعيمها وخيرها أحسن البدل عما فاتهم من عرض العاجلة ولهم من أملهم سلوان يجلوا لهم عن نفوسهم ويقويها على احتمال الضيم. تلك هي المزايا التي يقترن بها الإسلام إذا لاحت لوائحه بين الأمم غير المتحضرة والصين من أخص البلدان التي ينتشر الإسلام فيها كالضياء إذا انبثق أو الزيت إذا انساح. فإنك لا تمر بمدينة منها بان فيها شأو المبشرين المسيحيين، وقامت أعمالهم على أرسخ القواعد، إلا وسمعتهم يعترفون بعجزهم وجمودهم حيال ما يشاهدون من تقدم الإسلام، واتساع نطاقه على الدوام ولقد سبق لنا القول بأن عدد المسلمين الصينيين يبلغ الآن عشرين مليوناً وأنهم يعدون في مدينة بكين وحدها مائة ألف نسمة. كتب الأستاذ فازييليف: غشي الإسلام بلاد الصين من نفس الطريق الذي غشيتها منه الديانة البوذية. ومما لا يشك المسلمون الصينيون فيه أن ديانتهم سوف تحل محل مذهب ساكياموني أي المذهب البوذي وهي مسألة من الخطورة بما لا يخفي على الناقد البصير، لأنه إذا تحقق ذلك القول وترامى الصينيون الذين يعادل عددهم ثلث مجموع عدد الجنس البشري فلا بد من انفصام عرى الروابط السياسية التي تربط أجزاء العالم القديم بعضها ببعض. ومتى تم للديانة المحمدية الانتشار فيما بين جبل طارق والمحيط الهادي فهنالك الخطر على المسيحية والمسيحيين. وهنا نمسك عن الخوض ونلقي باليراع في مكانه إلى جانب الدواة لأننا بلغنا من كتابنا هذا الشوط الأخير والشأو الأبعد، فلنلخص كل ما جاء فيه في السطور التالية. إن أمماً قليلة بذت العرب في ميدان الحضارة والعمران، وبلغت إلى ما بلغوا إليه من المرتبة السامية والمنزلة المرموقة في مثل الزمن القصير الذي وصلت إليهما فيه. فإنهم رفعوا قواعد دين من أقوى الأديان التي دانت لها الأمم وبسطت سيادتها على العالم ولا

стр. 854

يزال تأثيرها مشهوداً بالعين حتى الآن. ومهدوا دولة من أكبر الدول التي عرفت في التاريخ وأوسعها أرجاء وأوفرها قوة وتولوا تمدين الأمم الأوربية ورفعها إلى أسمى ذري التقدم علماً وأخلاقاً. ولكن إذا كان القليل من الأمم قد تسامى إلى تلك الغاية العلياء فقليل منها تدهور إلى مثل الحضيض الذي تدهوروا فيه متنسكين بل ليس على وجه البسيطة أمة دلت على قوة تأثير العوامل والأسباب الباعثة على ظهور الدول وحياتها وموتها كالأمة العربية فيما تناولها من هذه العوامل والأسباب. (البيان) للدكتور جوستاف لوبون مبحث جليل في سر تدهور العرب وبيان الأسباب والعوامل التي سببت ذلك وقد وعدنا حضرة مسعود أفندي بإهداء البيان هذا المبحث وسننشره في العدد القادم - هذا والذي نعرفه من الإحصائيات يخالف ما جاء هنا عن عديد المسلمين في الهند والصين وخلافهما وسننشر إحصائية صحيحة عن ذلك إن شاء الله.

стр. 855

عبد البهاء عباس أفندي زعيم البهائيين (*) بين ظهرانينا الآن، وبمرأى منا ومسمع، رجل من نوابغ المشرق. بل من نوابغ العالم جميعاً. وبحسبه أنه زعيم طائفة كبيرة تعد بالملايين منثورة في مصر والفرس والهند وأوربا وأمريكا وأكثر أنحاء المعمورة تقدسه تقديس الأنبياء والمرسلين. وبحسبه كذلك أن الجرائد والمجلات في أوروبا وأمريكا، بَلةَ الكتب والأسفار وقفت له صفحات تنوه به وتشرح دعوته، وتجله إجلال الأبطال. ذلكم هو مولانا عباس أفندي الملقب بعبد البهاء زعيم البهائيين، وبطل الإصلاح الديني في هذا العصر بل سيد المصلحين. منذ ثمان سنين سمعنا بأن في القاهرة عالماً فارسياً يسمى أبا الفضل هو قبلة طلاب العلم، وكعبة يحج إليها رواد العرفان. فبحثنا عن هذا الرجل حتى اهتدينا إلى منزله فوجدنا ثمة رجلاً مخطف البدن نحولاً، رَبعه لم يبلغ قصراً ولا طولاً، كهلاً ينيف على السبعين، ولكنه كابن الثلاثين قوة ونشاطاً، وحدة وذكاء. ورأينا بين برديه روحاً لو كنا ممن يقول بتناسخ الأرواح لقلنا أن تلك روح المأسوف عليه جمال الدين الأفغاني تناجينا بين أثوابه، وتخلب عقولنا بسحر بيانه وحلو خطابه. فملك الرجل علينا أمرنا، وصار لا يحلو لنا الجلوس إلا إليه، ولا الحديث والسمر إلا معه. وكلما زدناه خلطة وامتحاناً، زادنا أدباً وعرفاناً. وفي أثناء ذلك سمعنا بالباب والبابيين والبهاء والبهائيين. ولكن لا من ناحية أبي الفضل أفندي، بل من ناحية بعض المصريين الذين رأيناهم يذكرون البهائيين على غير هدى، ويقرفونهم بم هم منه براء، شأن الحمقى الممرورين الطائري العقول الذين لا يستطيعون الصبر على البحث والاستقصاء والتنقيب. فلفتنا ذلك إلى النظر في أمر هؤلاء البهائيين من وقتئذ. ثم ضرب الدهر من ضَرَباته وسافر أبو الفضل أفندي إلى أمريكا وأخذنا نحن نفتش عن كتاب عربي تعرض للقول على البهائيين، إلى أن عثرنا بتلك النبذة الصغيرة التي كتبها البستانيون في دائرة معارفهم تحت عنوان البابية ثم بكتاب تاريخ البابية للدكتور مهدي ثم بما كتبه المستشرقون مثل العالم الإنكليزي برون في كتابه تاريخ آداب الفرس، وفي كتاب له كبير وضعه باللغة الفارسية خصيصاً بالقول على البهائيين ثم بما كتبته الصحف والمجلات الإنكليزية والأميريكية. فما ذلك إلا شغفاً بمعرفة أمرهم من مصدره الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأن الناس في الغالب الكثير إما مفرّط وإما مفرِط، وإما متعصب لك وإما متعصب عليك.

стр. 856

وعين الرضا عن كل عين كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا وما زلنا بهذه الحال من الشغف والاستهتار (الولوع بالشيء لا يتحدث بغيره) إلى أن ابتسمت لنا الأيام وأديل لنا اليسر من الإعسار. وقدم حضرة زعيم البهائيين الأكبر عبد البهاء عباس أفندي المترجم به إلى وادي النيل. وقطعت جهيرة قول كل خطيب. فكدنا نخرج من جلودنا فرحاً واغتباطاً بقدوم الرئيس الأكبر إلى بلدنا، وشغفنا كله بلقياه حتى أتاح لنا القدر أن حظينا بزيارته في الشهر الماضي بمنزله في رمل الاسكندية. وقبل أن نصف هذه الزورة المباركة وما جرى من الحديث بيننا وبين جنابه. نمهد لذلك بذكر ما كتبته جريدة الكرونكل الانكليزية عن حضرة عباس أفندي إذا زار انجلترا في هذا العام واحتفل به العلماء الانكليز وأدباؤهم الاحتفال اللائق بمقامه الكريم - قالت الكرونكل. نحن في زمان اشتد فيه الضجيج، وعلت الضوضاء من كل مكان. فلا تكاد تسمع فيه دعوة للكمال، إذ أصبحت الشعوب المتحضرة رهينة الهزاهز والاضطراب، يقدح في ساقها الجهاد في سبيل الحياة، وتُصميها سهام الخلافات ونبال المنافسات، وتنقض ظهرها أثقال الاستعدادات الحربية، ويؤودها جهاز القتال. وترى الأمم المتجاورة يرمق بعضها بعضاً شذراً. وتنظر خشية وحذراً. وعالم الصناعة كشجار الديكة ذاهلة أربابه. تدمدم من حولهم الاضطرابات، وتؤاذنهم بوعيدها الثورات، وفي بهرة هذا العراك وذاك الصراع اللجب يسمع نداء المعلم الروحاني يدعو إلى السلام العام. ذلكم عباس أفندي الملقب بعبد البهاء، قد لفت الأنظار بسياحته في انجلترا إلى تلكم الحركة السريعة الانتشار التي تزداد نفوذاً وتنمو قوة لما جمعت بين كثيرين من أتباع الطوائف المتباينة، ووصلت بينهم على مبدأ الإخاء العام تؤلف بينهم عروة وثقى لا انفصام لها. فالبهائية - كما شرحها المستر (ارك همند) فأبدع في شرحها، في كتاب صغير من سلسلة كتب (الحكم المشرقية) _هي كمال حي، هي الكاثوليكية الصادقة يتبعها المسلمون والنصارى واليهود والبوذيون، وليست مذهباً متفرداً بل هي مستجمع المذاهب ومستجمَها، تردها إلى أصولها، وتحيلها إلى صادق مبادئها - كما لها أن الله واحد، إله كل شعب ورب كل دين، ودعواهم فيها سلام. المعلمون الثلاث

стр. 857

ولد عباس أفندي في طهران من أعمال فارس في الثالث والعشرين من شهر مايو عام ١٨٤٤، في نفس اليوم الذي أسست فيه الدعوة البهائية، فأول دعاتها ميرزا علي محمد، إذ كان المبشر بهذه الدعوة المنادي بهذه العروة ولكن لم تخرج دعوته من بلاد فارس. وكانت دعوته في الحقيقة دعوة إصلاح ورقي للإسلام، إذ استخرج أسمى تعاليم القرآن فنقاها مما علق بها مما ليس من الدين الصحيح في شيء، وأخرج للناس مبادئ دينه ترمي إلى توحيد عقائد الناس في الله والخلوص بالروح لى عبادته، على أن أصحاب السلطة جعلوا يضطهدونه وكذلك نَفِس عليه علماء الذين لاعتدائه على دائرتهم. أما الحكام فلازدياد نفوذهم على رعيتهم، فما كان ذلك إلا ليؤازر حركته ويعين دعوته، وأدى اضطغانهم عليه وظلمهم له إلى أن قتلوه وصلبوه وذبحوا من رجاله خلقاً كثيراً. وكان قتلهم إياه سبباً في ازدياد الحركة قوة وانتشاراً وفي سنة ١٨٦٣ خلف الباب بهاء الله في القيام بالدعوة - شريف من الأشراف انجذب منذ حداثته إلى هذه الكمالات الدينية، إذ حملوا أعلامهم إلى جميع الممالك ونادوا بالمؤاخاة بين بني الإنسان، ولكن اشتد عليهم العسف فنفي بهاء الدين مع سبعين من أتباعه وسجنوا في محبسين عامين، وعلى الرغم من شدة التضييق عليهم وعسفهم فقد تدرعوا بالصبر واعتصموا بمكارم الأخلاق حتى رق لهم كل حاكم جديد تولى سجنهم. ولبث حضرة بهاء الدين في السجن أربعين عاماً قضاها في الكتابة والتعليم دون انقطاع ولا يأس ولا فتور. وفي سنة ١٨٩٢ صعد إلى جوار ربه فخلفه أبنه الأكبر عباس أفندي معلم هذا الزمان. قالت سيدة انجليزية أقامت في منزله المبارك ثمانية أشهر: أن إعجابها بحضرة عباس أفندي وإكبارها لشأنه ومقامه كان يزداد يوماً فيوماً: أما صحة تلقيبه بعبد البهاء فقد أثبتته خدماته لبني الإنسان. أما حياته فكانت دليلاً واضحاً وبرهاناً جلياً على هذه الحقيقة وهي أنه على الرغم مما يحف بنا من الجهاد في سبيل الحياة والمجد والثروة والسلطة الدنيوية فالحياة الروحية مع ذلك ممكنة بل أمر واقعي مشهود. فلينظر الذين يصلون لملكوت الله في الأرض ليروا في عباس أفندي رجلاً ساكناً في هذا الملكوت شاعراً به يفيض من حوله سلام يعلو على مدارك إفهامنا. أغراض البهائيين ذلكم عباس أفندي وتلكم مكانته. أما تعاليم البهائية فهي ظاهرة وصوفية باطنية في آن واحد

стр. 858

ولا جرم أنها تشبه من وجوه كثيرة ما كان ينبعث في العصور الوسطى من فرنسيس أُف أسبي من جمال الإحسان والخدمة العامة والنور. فها كم اليوم شيئاً من ذلك التأليف القريب بين الصفات الإلهية والخضوع الإنساني العظيم والقيام على الخدمة. فعباس أفندي ينهج في طليعة أتباعه طريقة تسمى عند بعض الناس طريقة الصوفية لكنهم أنّى ذهبوا يسيرون على طرق عملية، وإليكم مثلاً منها. أن هذا المعلم لا يدعو إلى الرهبنة بل يأمر أتباعه أن يتعلم كلٌّ حرفة كما كان بولص يصنع الخبز ويحضهم على النظافة والصناعة والاقتصاد فآمالهم تسمو إلى ما في السماء وعقولهم لا تلهو عما في الأرض. وإننا نجتزئ بقول من أقوال حضرة عباس أفندي نفسه في أغراض البهائيين. لا تسمحوا لأنفسكم أن تنم بكلمة على أحد ولو كان عدواً لكم ولتسكتوا من ينم لكم على عيوب غيركم، ولتتحلوا بالصدق والوقار، ولتملؤا صدوركم بالآمال. كونوا مرهماً لكل جرح، وماءً عذباً لكل ظامئ ومائدة سماوية لكل جوعان، ومرشداً لكل باحث، وغيثاً لكل حارث، ونجماً في كل أفق، ونوراً لكل مشكاة، ومبشراً لكل نفس مشتاقة إلى ملكوت الله. هذا مبدأ من مبادئ البهائية السامية فلا تطرف في الزهد ولا تعذيب للنفس أملاً في أوهام التنعم في الآخرة بل حال سرور ورياضة للنفس على الخدمة والمساعدة والتضحية وآخر دعوى البهائيين قولهم، اللهم ارحمني من نفسي. السياحة الروحية أما الطريقة الصوفية فيجب الأخذ بها وهذا يفسر بالسياحة في الأودية السبعة التي شرحها وفسرها المستر همند وهذا العدد الرمزي عام. فكما أننا نصعد مع دانتي درجات الطهارة السبع ونخلف في كل درجة إحدى خطايانا المميتة فأننا كما يرشدنا بهاء الله في كتاباته نمر في سير ترقينا بالأودية السبع التي أولها وادي البحث يركب فيه السائح مطية الصبر باحثاً عن الله جل شأنه فيجب أن ينشده في كل مكان حتى في التراب فهو في كل شيء. ثم يصل إلى وادي الحب ومطيته التضحية فيلزمنا أن نتناسى أنفسنا ونطرحها ظهرياً. فالحب الأناني لا يعد حباً وهكذا نستمر فوق تلال هذا الوادي المفرقة حتى نبلغ وادي المعرفة الإلهية فنخرج من الشك إلى اليقين، من تيه الآمال الدنيوية إلى الحكمة الربانية. فهذه

стр. 859

الأودية الثلاث درجات يعرفها كل من سار في الرحلة الروحانية في كل زمان. أما الوادي الرابع فيتميز بائتلافه مع آمال البهائيين. وادي الوحدة الإلهية. ولما كانت أغراض الناس مختلفة متباينة حق علينا أن نعترف بالوحدة الإلهية الموجودة في كل الوجود وأن نتحقق بمجرد وجودنا اتحاد الإنسانية وهذه - الوحدة الإلهية. وإذا تم ذلك استنارت أمامنا ظلمات الطرق وسهل حزنها فيصل السائح إلى وادي الرضا حيث كل شيء سار جميل ويجد طالب السعادة فيه ثوابه ويلي ذلك وادي الحيرة حيث تتحلى فيه المظاهر الأولى على حقيقتها وتخلص الأفكار من الأوهام والخرافات التي كانت تحوطها وينبلج الحق فنعترف به مع الخشوع والذهول اللذين يظهران على الطفل لو أوتي عقلنا وننظر إلى معجزات الكون التي عميت عنا أبصارنا على تقدم أعمارنا ثم نبلغ أخيراً وادي الفقر حيث نوقن أن كل مجد دنيوي تالد وطريف وكل شرف وفخار وحلية ونعمة ما هي إلا أسماء سميناها واتبعناها ما أنزل الله بها من سلطان. وفي ذلك أيضاً تظهر روح البهائية قريبة جداً من روح فرنسيس. إذن فلا شك في أن العقائد البهائية ليست جديدة في ذاتها ولا حديثة في تفاصيلها بل أقدم عهداً من شم الجبال ولكن تطبيقها في هذه الأيام المضطربة الكثيرة الضوضاء واللجب والجلبة تجعلها جديدة. فهلا يسمع العالم ذلك الصوت العالي المنادي بالمساواة المطلقة. والمؤذن بالأخوة الروحانية العامة هلا سمع العالم نداء الأنبياء؟ هذه هي كلمة جريدة (لندن كرونكل) عن البهائيين وزعيمهم الأكبر المقيم اليوم في رمل الإسكندرية - عباس أفندي الملقب بعبد البهاء_وسنأتي في العدد القادم على وصف زورتنا لهذا الرئيس الديني الكبير وما جرى من الحديث بيننا وبينه إن شاء الله.

стр. 860

نوابغ العصر ١ أحمد بك شوقي الجمال أمر يدرك بالذوق والبصيرة، وسرّ يفهم بالوجدان والسريرة. وإنما العين باب إلى القلب، والحس مسلك إلى النفس. ولما كان الجمهور في البلاد المتأخرة غير ذوي بصائر، أو ذوي بصائر رمداء يحسن لديها القبيح. ويقبح الحسن. وذوي أذواق فاسدة تزدرد الخبيث وتلفظ الطيب. أصبح حكمهم على الأشياء متهماً ظنيناً لا ينبغي أن يعتد به أو يلتفت إليه. والجمهور في الممالك المنحطة كالطفل مقلد سريع التقليد، وكالصدي يقول ما لا يفهم، أو كالريح لا تدري أين تذهب. وقد رأيت المكابرين من أهل هذه الديار قد تمسكوا بعرى حجة واهية تخذوها مخرجاً لهم من مأزق الخصام. إذا حاول أحد إقناعهم بالدليل القاطع قالوا لكل إنسان مشرب أو الأذواق تختلف بلى قد صدقتم معشر لمكابرين الأذواق تختلف حسناً وقبحاً، وصحة واختلالاً، وسلامة ومرضاً. وطالما رأينا الرجل الذي ليس بالأعمى يتعشق المرأة القبيحة الشوهاء، والرجل الذي ليس بالأصم يطرب للغناء الفاسد الغث. ورأينا كذلك من تضحكه الكلمة السمجة الباردة، ومن تسره الفعلة السيئة المنكرة. فهل يقوم لهم حجة قولهم لكل إنسان مشرب والأذواق تختلف اللهم لا يكون ذلك ما دام القبيح قبيحاً، والمرذول مرذولاً، والغث غثاً. وأني لأطلب إلى أمثال هؤلاء أن ينسلخوا منا بأذواقهم ومشاربهم، وبكل ما قد اصطفوه واختاروه من محتويات هذا العالم طعاماً كان أو شراباً أو شعراً أو نساءً. وأقسم أن الدنيا ستكون بعد زوالهم أكثر وأغنى، وأملح وأسنى. في خراب البلدان، تكثر البوم والغربان. وفي خراب الأذهان تكثر كذلك البوم والغربان من قالة الهذر والهذيان. فيا ويل عشاق الغناء يومئذ ويابؤسهم، يدورون ويطوفون، وينصبون الآذان، ويرهفون الحواس، علهم يسمعون صوتاً يلذهم، أو نغمة تطربهم. ولكن ماذا تنتظر من البوم وما ترجو لدى الغربان! في هذا الخراب المؤيس إذا طاب السحر، ومرض النسيم، قد يسمع من حين إلى حين بلبل غريد، حلو الأرانين، عذب الأهازيج، يستوقف عاشق الغناء، ذلك التائه الحيران، والهائم الولهان. فيحي بصوته الشجي ملحود الرجاء، ويهدي بلحنه الشهي منشود الرخاء. يسترق

стр. 861

الأسماع. ويسترجف الأضلاع. ويستثير الأدواء، ويستطير الأحشاء. هذا البلبل الشجي، والطائر المحكي. هو مثل أمير الشعراء، وسيد الفصحاء. أحمد بك شوقي. لقد طالما قلت في نفسي ماذا كانت تكون حالنا إذا لم يكن بيننا أمثال شوقي. ماذا كانت تكون حالنا وسط أولئك الوزانين الرصاصين الذين يصنعون أشعارهم بالأيدي والبراجل،_أولئك الصخابين الذين يسمعوننا بدل الألحان والانغام، قرع المطارق فوق السناديل، وقد حولوا غابة الشعر (روشة) بل ماذا كانت تكون آذاننا إذ ذاك إلا آفات لنا_أبوابنا تطرقنا منها صيحات تلك المطارق وضجات هاتيك السناديل. بئس مسالك الشر ومناهج العذاب! لولا أمثال شوقي لكانت مصر بلدة خرساء غير ذات لسان يعبر عن وجدانها ومقول يبسط مطوى إحساساتها. ولكن شوقي هو ترجمان هذا الجيل وبوقه، وهو مزهر تبعث منه الطبيعة رناتها. وتخرج الإنسانية منه أناتها. ولولا شوقي لاستحيينا أن ننتسب إلى آبائنا من العرب، وكيف ولا صلة لدينا ولا نسب. ولكنه السبب الذي به نمت إليهم، والآصرة التي تربطنا بهم على تقادم العهد وتطاول الأمد. أجل أنه منذ انحطاط آداب العرب بانحطاط دولتهم لم ينهض بدولة الأدب إلا شوقي. ومنذ أفول شعر العرب بأفوال سلطانهم لم يلح بأفق القريض إلا شوقي. فهو مسلم هذا العصر ونواسيه. وحبيب هذا الوقت وبحتريه. تبصر في شعره جزالة الجاهليين ورقة المولدين ورشاقة الأندلسيين وعذوبة العباسيين. ويلذك من ديوانه اعتذارات النابغة وأماديح زهير وافتخارات الفرزدق وزهديات أبي القاسم وغزليات الوليد ومراثي الطائي وأوصاف ابن المعتز وبدائع ابن الرومي. وزاد شوقي على ذلك الشيء الذي هو أول شرائط الشاعر الحق وألزم لزومياته، والذي لولاه لا يكون شاعراً، أعني التعبير عن روح عصره وبذلك يعرف فق ما بين الشاعر الفطري الذي يعبر به العصر عن معانيه، ويكشف به الوقت عن مغازيه. فيكون مرآة العصر وصدى الجيل. وبين الوزان المقلد، الذي لا يجيء بشيء من عنده وإنما يردد أقوال الماضين مع المسخ والتشويه، ويسرق معاني الغابرين مع الطلاء والتمويه. ولقد طالما شق علينا أن نرى العلوم تدرس بالمدارس والكتب تفسر ثم لا نرى بينها ديوان

стр. 862

شوقي. وأن نلقي الناس يخرجون للسياحة في الأقطار الغريبة ذات المناظر الشائقة ولا يصنعون سياحة في ديوان شوقي. وأن نجد للأهرام والهياكل والأبراج القديمة وسائر عجائب الكون ونوادر العالم شرّاحاً ومفسرين، ولا نجد ذلك لديوان شوقي. وإن ديوانه لأعجب من كل هذه وأبدع، وأغرب من كل هاته وأروع. وأحق بالدرس والمذاكرة، والبحث والمناظرة. ونحن فقد رأينا أنه ليس من الحكمة أن نقضي الوقت بالأسف على تقصير القوم في حق العظماء، فإن الأسف ضرب من التقصير. وإنما الحزم أن نعمل نحن ما لا يدعو إلى الأسف فنهضنا لهذا العمل الجليل، ونحن نسأل الله القدرة عليه. وأخذنا له أهبه ورأينا من الواجب قبل تناول ديوان شاعرنا الكبير أن نقول كلمة في ماهية الشعر والشاعر لكاتب غربي كبير. قال ذلك الكاتب: الشاعر هو الفصيح المفوه بين قوم بكم، أو الوصيّ بين أحداث. يعبر عما في صدور الخرس، أو ينفق على الصبيان من ميراثهم فأني أرى سواد الناس صبياناً لم يستولوا بعد على تراثهم (أعني محاسن الخليقة وجمال العالم) أو خرساً لا يستطيعون نقل ما يجري من الأحاديث بينهم وبين الطبيعة. وأنه ليس من إنسان إلا وهو يشعر أن للشمس والنجوم والماء والتراب فائدة روحانية - فائدة خلاف الظاهر من فوائدها. وإنها تتأهب لتؤدي له خدمة خاصة. ولكن في طباعنا من الظلمة والكثافة ما يحول دون اجتناء كل الثمرة المنتظرة. وأثر هذه الكائنات في نفوسنا أضعف من أن يهيجنا إلى حدّ الشاعرية وأوهن من أن يفجر على ألسنتنا ينبوع القريض. وكان الواجب أن تعرونا لكل لمسة من الطبيعة هزة، ولكل نغمة منها رجفة ورجة. وكان الواجب أن نكون من حدة الجنان وحدة اللسان بحيث يمكننا التعبير عن كل ما وقع لنا من الطبيعة وجرى. ولكن رنات موسيقى الطبيعة تبلغ الحواس ولا تصل إلى الصميم، وليس دون بلوغها الصميم ما يستردّها لفظاً ويستعيدها كلاماً. فالشاعر هو الرجل الصافي الطبع الذي يرى ويلمس من بدائع الوجود ما يحلم به الغير. فهو معلم القوم وخطيبهم لأنه أشدّهم أخذاً وإلقاءً، وأكثرهم تناولاً وإعطاءً. ليس في الدهر حادث أعظم من ظهور شاعر، وليس في الدهر حادث أندر من ظهور شاعر. وكأن بابن أدم يترقب طلوع امرئ يكشف له قناع الحقيقة، ويركزه على أساس

стр. 863

متين من الصدق، ويخلصه من ربقة الشك وظلمة الشبهة. ويرفعه فوق هذا الجو المغيم وإن خاله صحواً، وهذا اليوم خير من يوم ميلاد. ففي ذلك اليوم صار حيواناً وفي هذا يتجلى نور اليقين ويبصر وجه الحقيقة. هذا أمله وذاك ما يرقب وينتظر. ولكن ما أكثر ما يخيب أمله ويضيع انتظاره. إذ يجد ذلك الرجل المجنح لا يصعد به إلى سماء وإنما ينغمس به في غيوم ثم يطفر به من سحابة إلى سحابة وهو أثناء ذلك يؤكد له أنه صاعد به إلى السماء. ويصدقه الآخر لقلة خبرته وتغيب عنه الحقيقة، وهي إن ذلك المجنح لا يعرف الطريق إلى السماء، وكل ما لديه هو أنه يعلو قليلاً كالسمكة أو الدجاجة ثم يهوي. الشاعر يصف الأشياء فيزيد الجمال جمالاً والحسن حسناً. لأن لكل شيء حسن ظاهراً جميلاً وباطناً أجمل. وذلك الباطن الأجمل لا يبدو إلا لعين الشاعر التي هي أنفذ وأمضى، وأثقب وأذكى. وكما أن أشكال الكائنات ينطبع لها في إنسان عين الناظر وصور أجمل من الحقيقة وأبدع. فكذلك أرواح هذه الكائنات أو كما قلنا الآن بواطنها ينطبع لها في ذهن الشاعر صور أملح كذلك من الأصول وأبرع. وهذا من قبيل تطور الأشياء من حال إلى أرقى، ومن جوهر إلى أنقى. وإن لكل شيء روحاً تحوم فوقه فكما أن عين الناظر تعكس صورة ذلك الشيء، فكذلك ذهن الشاعر يعكس تلك الروح في هيئة غناء - أعني شعراً. أجل إن للبحر والجبل والنهر والزهر في الحقيقة أنغاماً تجري مع النسيم كالروائح العطرة لا يسمعها إلا ذوو الآذان التي هي أحدّ وأرهف_أعني الشعراء. ثم هم يحاولون كتابة هذه الأنغام فأكتبهم لها أشعرهم: وكذلك لا ينبغي أن تكون القافية في أي القصائد بأقل حسناً من النقش في الصدفة، ولا من تشابه الأشكال في طائفة الزهر. وأني أرى ازدواج العصافير ضرباً من الرباعيات. وأرى الزوبعة قصيدة حماسية. والصيف بزرعه وحصاده وخزنه قصيدة قصصية حسنة التقسيم مطردة السياق. فلم لا يتسرَّب إلى أرواحنا شعبة مما نراه في هذه الظواهر الطبيعية من الصحة والصفاء والنظام؟ أيها الشاعر! قد كان الفرسان في سالف الأزمان ينالون المجد والعلاء بالانقطاع إلى حماية عقيلة ذات حسب وجمال، وكانت مواطنهم يومذاك القلاع، وسوح الحرب والصراع. فأصبحت غاية المجد تنحاز لك بانقطاعك إلى آلهة الشعر بالمروج الخضر والغابات. فاعتزل رعاك الله الأوقات والعادات، والاصطلاحات والسياسات، والآراء والاعتبارات.

стр. 864

وخذ كل ما تحتاجه من آلهة القريض ودع لغيرك الحرف والصناعات والأعمال والأشغال. واترك لهم عجلات الحكومة يديرونها والبرلمانات والخطب والمحاكم والقضاء والحرب وزلزاله، والخوف وبلباله. واستتر عن هذه وهاتيك في زوايا الطبيعة ملتحفاً أبراد الظلال، على خرير الزلال. مستهدفاً لقاذعة الذم والهجاء. وقارعة السخر والاستهزاء. فهذا عمرك الله هو الستار الذي صان به بان زهرته المحبوبة وتعز بتشجيع أخوانك. وتأييد خلانك. ولك الأرض بعدُ مجالاً وممرحاً. والبحر مغاصاً ومسبحاً. ولك العيون والأنهار. والسيول والأمطار. وكل ما استعاره الغير أو استأجره فأنت صاحب حوزته. ومالك ربقته. ولأنت رب الخضراء والغبراء والدأماء. وحيثما سقط الثلج أو جرى الماء. وغنى الهزار وصاحت المكاء وأسفر القمر ولاحت الجوزاء. واختلط الظلام في مطلع الفجر بالضياء. وامتزج الغناء من حمائم الأيك بالبكاء. وحيث كان الحب والولاء. والكره والبغضاء. والخوف والرجاء. وجدت أيها الشاعر مسبحاً ومجالاً. وانهالت عليك الخواطر الحسان انهيالاً. (يتبع)

стр. 865

نوابغ العالم فردريك الأكبر بقلم كبير كتاب الانجليز ومؤرخيهم اللورد ماكولي تعريب عباس حافظ وأكثر ما اقتني من خيرة الكتب وأعيان المؤلفات، هو ما صاغه الكرام الكاتبون من الفرنسيين، وما وضعه كتاب ذلك البلد الأمين، فلا عجب أن رأينا إعجابه بهم غير محدود، واستحسانه محاسن ما أنشأوا، وبدائع ما خطوا، متناهياً مترامياً. واستحثته شيمة الطمع والشوق التي فيه على أن يقلد ما أعجبه، ويحاول نسج ما قد حبكوا، وأحب الأماني إلى قلبه وأنداها على فؤاده أن يروح معدوداً بين سادة أهل الشعر في فرنسا، ورؤوس أهل البيان والفصاحة فيها. وطفق ينثر وينظم بجد وصبر للنثر والنظم، كأنه أديب متضور، ولكن الطبيعة التي أتمت عليه مواهب القائد والمنظم أمسكت عنه تلك النعم الأكبر شرفاً، الأسمى مكاناً، الأندر وجوداً، التي تجدّ الصنعة الكتابية سدى لتخرج مثلها بياناً يبقى على الدهر، وحلاوة يطيب بها فم لزمان، ولحناً خالداً في مسمع الأيام. ولو كان منح خيالاً أرق، وذكاءً أنضج مما يظهر، وخاطراً أخصب مما يبدو، لظل مع ذلك رهين نقص كبير يمنعه إلى الأبد أينال مكانة عالية بين الكتاب والأدباء. لم يأخذ من أية لغة بزمامها، ولا راضت له مطيتها، ولا ذلت له أعنتها، ولم يكن له من خواطره ما يستطيع به أن ينهر غلمانه ويزجر خدمه ويأمر رؤساء كتائبه، ولم يُعن بالقواعد ولا اهتم بالنحو، بل ساءت مخارج ألفاظه ونبرات نطقه. وكان يشق عليه أن يفهم أوضح المعاني الشعرية في الأدب الألماني، أو يستخرج مرامي أسلس بيوت الشعر، أو يفقه أريض معاني القريض. وقرئت عليه يوماً ترجمة (افيجيني) للشاعر راسين، فأمسك الأصل الفرنسي في يده، ولكنه اضطر أن يعترف أنه لم يستطع أن يفهم الترجمة حتى وإن راجع الأصل. على أنه وإن كان ترك لسان بلده وأعرض عن لغة موطنه، وأقبل على اللغة الفرنسية، ووضع لديها كل اهتمامه، فلم يفضل نصيبه منها على مرتبة الأجنب عنها، وما طال حظه

стр. 866

على علم الدخيل فيها. لزمه أن يكون في ناديه أدباء باريس وكتابها، ويخطر في جنابه أعيان الآداب وأعلامها، ويمرح في ندوته فحولها وساداتها، ينبهونه إلى ضعف التأليف الفاشي في كتاباته، والأبيات المتهدمة والقوافي العاثرة والأناشيد الضالة الخاطئة، التي تحيرت في نظيمه، وغلبت في قريضه. ولو كانت له روح شعرية - وكان منها عاطلاً جد العطل_لمنعته حاجته إلى اللغات وضعفه أن يكون شاعراً فحلاً يروح الناس بأشعاره ويغدون. ولا نذكر أن فريدة من فرائد الخيال أو عقيلة من عقائله لم يكتبها كاتبها إلا بلغة حفظها ووعي دخيلتها أو تكلم بها في سهولة تامة وبيان نطق قبل أن يعلم مبانيها ويعرف أسرارها ومناحيها. لقد نظم بعض نوابغ الرومان وسادة كتابهم أشعاراً وقصائد باليونانية، فكم من تلك القصائد يستحق الخلود والبقاء؟ وعمل أهل المواهب السامية والألباب الكبيرة في العصور الحديثة أشعاراً لاتينية، ولكن ليس في تلك القصائد والأشعار، حتى ولا في تلك التي نسج (ملتون) بردتها، ووشى حواشيها، ما يصح أن يعد في المرتبة الأولى من الصنعة، أو يكون في رأس الطبقة الثانية وطليعتها. فلا غرابة إذن إن لم نجد في أبيات فردريك وقصائده الفرنسية ما يعلو على شعر (نيوديجيت) طبقة ومظهراً، أو يفوق نصيب أي امرئ أوتي صنعة وكفاءة لا بأس بهما. ولعل أحسن مقطعاته وأبدع أبياته، تعادل أسوأ ما نظم (دورلى) وجمع في منتخباته. ما في التاريخ فكان نجاحه أبهر، وخيبته أقل، ونحن لا نكاد نجد في أي مكان من مذكراته الضخمة، خاطراً بعيد الغور، أو نقع على فكر رائع، ورأي ثاقب، أو نلقي وصفاً حياً وتصويراً خفاقاً مترقرقاً تتحير الحياة في أثنائه وتجري الروح في خلاله. على أن الكتاب ممتاز بوضوحه وإيجازه، ومعانيه، ولهجة صدق وسذاجة هي أروع ما تشهد في رجل جلس إلى دواته يقص أفعالاً جسيمة قضاها ويروي للناس أحاديث أعماله العظيمة. وجملة القول ليس فيما جرى به قلمه أجمل من رسائله أو أظهر حسناً لا سيما تلك التي أنشأها بجد لم يوشها بشعر ولا زركش حفا فيها بقريض.

стр. 867

ولا غرو أن رأيت شاباً حدثاً تفرد للأدب وتفرغ، وقصر اطلاعه على الأدب الفرنسي وسكن إليه وحده أن ينظر إلى نبوغ (فولتير) نظر الموقر المتعبد، بل ليس من العدل أن يلام على عاطفته أو يؤنب على حبه. يقول كالدرون في إحدى (كوميدياته) الفاتنات إن رجلاً لم يشهد الشمس ووضحها، لا يلام إذا حسب أن القمر لا يداني فخره فخر، ولا يبز ضياء ضياءه، بل أن امرءاً لم ير الشمس ولا القمر لا يعذل أن تحدث بضوء نجمة الصبح ونورها الذي لا يبرزه نور. ولو استطاع فردريك أن يقرأ هوميروس وملتون أو فرجيل وتاسو، لعلم أن إعجابه بالهنريات دليل على فساد ذوقه وجهله الأكبر بخالص الصناعة الشعرية وبهرجها، وحسنها وزيفها. ولو اطلع شكسبير وسوفو كليس لترقبنا منه في رواية (زير) حكماً عدلاً ومقدراً منصفاً. ولو أمكنه أن يدرس تاريخ (ثيوسيديد) و (تاسيتاس)، لعلم أن للفصاحة تلعات، وللبيان رامات وذروات، تقصر دونها مقدرة صاحب تاريخ (حياة شارل الثاني عشر) وتعز عليه وتطول. ولكن خير ما قرأ م شعر حماسي ووعى من مآس موجعة فاجعات وتاريخ عليه غلالة الحسن وروعة الجمال هو ما خطه يراع فولتير. ولقد شغفت الأمير الشاب حباً تلك المآثر، وتيمته المحاسن وكاد يروح لها عابداً. ولم تكن آراء فولتير في الدين ومسائله الفلسفية قد نشرت للناس بعد وبسطت للجمهور. فلما نفي من وطنه وأنشب على الكنيسة حرباً قلمية صرح بها للناس وأذاع. ولما كان فردريك يسكن رينسبورغ كان فولتير لا يزال في حاشية الملك وبطانته. ولئن لم يستطع أن يمنع روحه الفياضة ويعصي هوى ذكائه، وينشر بعد ما يخرجه من فرسايل ويطرده من جناب مليكه، فقد نشر شيئاً قليلاً لا يجد فيه لذة رجل ديني أخذ عن (جروتياس) و (تلستون). وتري التقوى المسيحية تتمثل في هنرياته وتتجلى في روايتي (زير) و (ألزير) بأرق مظاهرها وخير أنواعها ولقد تنزل بعد سنين من الزمان الذي نحن في صدده أحد الباباوات فقبل إهداء روايته في (محمد).

стр. 868

وعواطف ذلك الشاعر الحقيقية ومراميه لتبدو لذي العين البصيرة والنظر الحديد من خلال ذلك القناع الذي تقنع به والخمار الذي أرسله عليها، والحجاب الذي ضربه لها، ولم يفت على فردريك فهمها، إذ كان يرى رأيه ويذهب مذهبه وكانت شيمته المواربة والنفاق. (يتلى)

стр. 869

شذرات من كتاب حديث المائدة ٥ الريحان جاءت الفتاة تحمل بين أفنان شعرها وردة وكانت قد بكرت الغداة على البساتين تستنثي نسيم الصبح وعادت بثلاث وردات تلك التي ذكرت ووردتين واحدة على كل وجنة. فقلت لها ذلك بعبارة تناسب المقام فتحولت وردتاها ارجوانتين. وقلت ما أحببت شيئاً قط حبي الورد وأحب الورد إليّ ذاك الذي كان ينمو حول دارنا فيطل علينا من نوافذنا يحيينا بحمرته ونضرته ونفحته. وإني لأوصي صحابّي وأهل ودي وقرابتي إذا أنا هاج بي الغضب أو ثارت بي لوثة أو جنة أعيت كل مداوية. وأعجزت كل راقية. أن يقربوا من أنفي شيئاً من الريحان تسكن بأذن الله سورتي: وتخمد نار ثورتي. مثلي في ذلك مثل الوحش الذي حدثتنا عنه بعض الصحف في كلمة تحت عنوان رياضة العاديات. وسياسة العاتيات. قالت: ذلل رائضنا المشهور بحيلته. وأخضع بفضل حذقه ومهارته. أمام جمع حافل من الخلق وحشاً من أفتك الضاريات. فأخرج للمحفل كالغول يكاد يقطع أصفاده. من شدة النشاط والقوة، يخور ويجرجر في تلك السلاسل الوهاجة كما غل الرعد في سلاسل برقة تخال عينيه جمرتين أو شعلتين. يدير حجاحاه إذا الليل جنه ... شهاب لظي يعشى له المتنور فأخذ الرائض ورقاً طيب الرائحة فسحقه تحت حوافر الوحش لتذيع رياه ثم جعل ذلك المسحوق في طرف عود وأدناه من خرطوم الوحش فتبدلت في الحال هيئته فاستنشق الطيب بشغف وقوة وحاول أن يمسكه بين شقي حافره. حتى إذا زال الرائض بعمله هذا الريبة من نفس الوحش عقد ريحانة من ذلك الصنف بطرف القضيب وأدناها من الوحش فعملت فيه كالسحر فاغرورقت عيناه بمثل قطرات السحاب وضغط على الريحانة بشفتين رجافتين. ثم وقف بعد ذلك مطمئناً ساكناً ومضى فجلب لرائضه صاعاً من الحنطة ولم يجنح إلى وثب ولا هيج ولا جماح. أرى بعض الناس يأخذون على الشعراء أنه ليس من شاعر يظهر إلا ويقول في الورد على

стр. 870

كثرة ما قيل فيه. لم يأت شاعر منذ برأ الله الخليقة إلا قال في الزهر وأكثر. حتى للذي بدواوين الشعر من حدائق الريحان أكثر بكثير مما بظهر البسيطة. أسمعت بشاعر لم ينعت الزهر؟ أو ليس الشاعر بوق الطبيعة ولسانها. ومفسر الطبيعة وترجمانها. أو العبارة أبلغ أليس الشاعر مرآة الطبيعة وهل تأخذ المرآة شيئاً وتترك شيئاً. هل تراها تعي اليوم ولا تعي غداً. هل رأيت مرآة مضياعاً غير مأمونة. إذن فكيف يطلع الورد في جميع أنحاء الأرض ويتفتح وينضر ويشرق ف كل آن ولحظة ويسكت الشاعر فلا ينطق؟ كيف تلد الأرض بناتها الحسان ولا يصدع البشير؟ كيف تجلو الأرض عرائسها ولا يصدح الشادي؟ كيف تجود الطبيعة وتبخل المرآة؟ كلا! ستشرق الأزهار. وتضيء الأنوار في دواوين الشعراء ما أضاءت وأشرقت في دواوين الطبيعة أعني البساتين - قديمة على الأيام جديدة. لمَ نهاب تكرار القول ولا تهاب الطبيعة. لمَ نضعف عن الإعادة ولا تضعف الطبيعة. لم نمتنع عن النطق بالأفكار، ولا يمتنع الليل عن النطق بالنجوم الدراري، ولا الأرض عن النطق بالعيون والجواري، والجداول والأنهار؟ أنظر إلى الطبيعة أتراها قط ملت أن تتلو النشيد النباتي. وإلى السحاب أتراها قط سئمت أن تتلو الحديث القطري والثلجي؟ ما خلا قط من هذه الصلاة الخفية العلنية شبر في الأرض ولا في السماء. وآمين الطبيعة - أثر كل دعاء_زهرة.

стр. 871

اعترافات ده موسيه الفصل الرابع فلما رأى ديزينيه أن اليأس قد بلغ بي حتى عز الدواء، وتوارى الرجاء، وأنني بت لا أريد أن استمع لنصيحة الناصحين، أو أقبل على أحاديث اللائمين، وأني أصبحت لا أفارق حجرتي، همته حالي وأشغله أمري. جاءني في ليلة مرسلاً على معارفه سيمياء الجد، وفي أسارير وجهه علائم الحزن، ثم جعل يحدثني عن خليلتي في لهجة المتهكم، وطفق يرمي النساء بكل نكراء سيئة، وأما أنا فتحاملت حتى استويت في سريري أسمع له وأرى. وكانت ليلة مظلمة، تئن فيها الريح أنين المحتضر، والسماء رذاذاً يتناثر على زجاج النوافذ، تاركاً بين آن وآن سكوناً كسكون الموت، وكل شيء في الطبيعة محزون يتوجع، فالشجر يتمايل من ألم، مطرقة أعاليه من حزن، وأطيار الحقول انزوت في الدغل والوكن، وأقفز الشارع من الناس، وعاد جرحي يؤلمني. بالأمس كانت لي خليلة، وكان لي صديق، فنفرت الخليلة وتولت وألزمني الصديق سرير الوجيعة والألم. ولا أكاد أعلم ما خطر في نفسي، ولا أظن إلا أنني كنت في حلم مروع مخيف، وأني أغمضت عيني لأنهض في الغد سعيداً ناعم البال، مشرق الأمل، وبدت لي حياتي في تلك الساعة حلماً مضحكاً باطلاً، أشبه بأحلام الصبية الصغار، انكشف باطله، وبدا كذبه، وكان ديزينيه جالساً إزائي بجانب المصباح رزيناً ساكناً، تلوح على فمه ابتسامة لا تفارقه. ذلكم ديزينيه، رجل كله قلب، على حين أن فيه جمود الصفاة الملساء وخشونة الصخرة الصماء، رجل بكرت في الحياة تجاربه، وغرب نهار مشاهده، على أن شمس حياته لا تزال في مشرقها، وأحفى مر الغداة شعر رأسه فبان أصلع قبل الأوان. لقد عرف ديزينيه الحياة وبكاها في حينها، وجرت دموعه في همها، ولكنه اتخذ لحزنه درعاً من الصبر، وكان دهرياً، وكان يرتقب الموت. وأنشأ يقول: أني أراك تذهب في الحب مذهب أهل الخيال والشعراء ومذهبك يمنعك من الرجوع إلى رشدك، ويقودك إلى هموم كثيرة ومتاعب.

стр. 872

إن الشعراء يمثلون الحب كما يمثل المصورون الجمال، كما يبتدع الموسيقيون أصوات الغناء، كما يختلقون الأنغام والألحان. إن لهم أمزجة عصبية، وطبائع رقيقة شفافة، فهم لذلك يمثلون أطهر عناصر الحياة، ويرسمون في صنعة التصوير أفتن معالم الحسن، وأزهى صفحات الجمال، ويصدحون بأحلى نغم الطبيعة وأعذب نشائد الكون. قالوا كان في أثينة ترب من الفتيات الحسان فرسمهن (بركستيل) جميعاً واحدة في أثر واحدة، فلما أتم تصوير مختلف حسنهن، وعلم من صورهن عيوبهن، مزج بديع الحسن برائع الجمال، وجعلها في صورة واحدة، كانت هي صورة الزهرة آلهة الجمال. وأن أول رجل صنع آلة للموسيقى، وجعل لصنعة الغناء قواعد، ووضع للألحان قوانين، كان من قبل يستمع لخرير الجدول، وينصت لسجعات البلبل، وكذلك الشعراء، علماء الحياة، شهدوا غراماً طال وغراماً مضى، ورأوا حباً عاش وحباً قضى، وأحسوا في أعماق قلوبهم، وحرارة مشاعرهم السامية، أن عاطفة الهوى تثور في الفؤاد يوماً وتسكن، وتعلو في جنبات القلب حيناً وتهن، وترهف من طبيعة الإنسان تلك العناصر التي تحط من قدرها، وتنزل بها من كل مكان، ولذلك ابتدعوا هذه الأسماء الغريبة، التي تنتقل من عصر إلى عصر، وترتحل من زمان إلى زمان، وهي في أفواه الرجال، وعلى شفاه المحبين تلكم الأسماء: دافنيس وشلو، وهيرو ولاندر وبيرام وتسبا. وأنت إن أردت أن تبحث في حياتنا الدنيا عن هوى أبدي مطلق كنت كالباحث في بيوت البغايا عن حسان كالزهر فاتنات، أو المتطلب من البلبل أن يغني مقطعات (بتهوفن) ويصدح بأناشيده المستعذبات. لا كمال في الدنيا، وإن اعتقاد ذلك انتصار للذكاء الإنساني، ومجد للعقل الآدمي، وما تطلب الكمال إلا شر الجنون، وما رغبه إلا أخطر الحمق. افتح نافذتك وانظر هل ترى بعينك اللانهاية، ألا تشعر بأن السموات لا حدود لها ولا أطراف، وهل يحدثك بذلك قلبك، وهل أنت للانهاية مدرك؟ إنك تذهب في أمر لا نهاية له، أنت المولود بالأمس والميت غداً. والناس من روعة الكون في جنون، ومن روعة الكون نشأ الدين، بل أن رغبة امتلاك

стр. 873

اللانهاية هي التي جعلت (كاتو) ينحر رقبته، وهي التي حرضت المسيحيين على تسليم أنفسهم إلى الأسد تنهشهم، وهي التي ألقت البروتستانت إلى الكاثوليك يسومونهم سوء العذاب. كل شعوب الأرض تمد للكون أكفها وتثب له وثبتها، والأحمق يريد أن يمتلك السماء، وأما العاقل فيعجب بها، ويجلو عينه في كبدها، ويركع من رهب لها، ولا يفكر في طلبها. الكمال أيها الصديق، لم يخلق لنا نحن الناس، فلا ينبغي أن نطلبه في شيء، أو نبحث عنه في حب أو جمال أو سعادة أو فضيلة، بل حسبنا أننا نحب الكمال لنكون ما استطعنا قوماً أخياراً حساناً سعداء. هب لديك في حجرتك صورة لرفائيل، ترى فيها كمال الصنعة ودقة التصوير، وجئت تتطلع إليها ليلة الأمس فاكتشفت فيها عيباً كبيراً كأن رأيت مثلاً عضواً مكسوراً أو عضلاً ناتئاً دون طبيعته، إذن لشد ما يروح حزنك، ويا عظم ما يكون أسفك، على أن نفسك لا تسول لك أن ترمي في النار بصورتك، بل تقول أن الصورة ليست كاملة في صنعة التصوير، ولكن هناك رسوماً وصوراً غيرها تستحق الاستحسان والإعجاب. وهناك نساء يأبى عليهن كرم طباعهن، وتمنعهن صداقة قلوبهن أن يكون لهن عاشقان في وقت معاً، وأنت كان عهدك بخليلتك منهن ولا لوم في الحقيقة عليم ولا عتب، ثم بدا لك أنها تخدعك وتغرر بك، فهل يؤدي بك ذلك إلى احتقارها والإساءة إليها، واعتقادك أنها تستحق كراهيتك ونقمتك. ألا هبها كانت تهواك دون سواك فما أبعد ما بين حبها وبين الكمال، حب إنساني تافه، يتبع سنة نفاق العالم وأخاديعه. وأذكر أنها كانت متاعاً لرجل أو رجال قبلك، وستكون من بعدك في حوزة رجال آخرين، وأن الذي يرمي بك في أحضان الأسى، تطلبك الكمال في خليلتك، فلما رابك من أمرها ما رابك، أنزلتها عن مكانها الأول من فؤادك، ولو علمت أن رأيك في الكمال رأي إنساني حقير، لرأيت أنها ليست إلا درجة واحدة من ذلك السلم الكبير الذي أفسده النقص الإنساني. ألست ترى أن خليلتك كان لها من قبل عشاق وأحباب، وسيكون لها من بعد متحببون وأصحاب، وأنت لا ريب تقول أن معرفة هذه الحقيقة لا تهمك ما دامت تصبو إليك ولا

стр. 874

تصبو إلى سواك، وأنا فأقول لك، إذا علمت أنه كان لها عشاق كُثر فماذا يهمك إذا كان ذلك أمس أو قبل هذا العهد بعامين، بل ماذا يهمك أن تعلم أنها في غد أو بعد غد أو بعد أحوال، نازعة إلى أصحاب أغرار، وإذا كانت اليوم تهواك غير منهومة العين بالهوى، فماذا يهمك أن تعرض عنك بعد ليلة أو بعد سنين. ألست رجلاً، ألا ترى أوراق الشجر تسقط عن غصونه، والغثاء يفترق عن أفنانه، ألا ترى الشمس تشرق ثم تغرب وتطلع على الناس بوضحها فتزاور إلى طَفَلها، ألا تسمع صوت ساعة الحياة الراحلة في كل دقة من دقات قلبك، إذن فهل ترى ثمة من فرق بين حب يأفل في ساعة وحب يدور دورته في عام. إنك تصف بالوفاء المرأة التي تصدق عامين في حبك، كأن لديك (تقويماً) أعددته لتحديد الوقت الذي تجف فيه قبلات الرجال من ثغور النساء، وتزول فيه لثمات الفتيان من شفاه الحسان، أنت لا تفرق بين المرأة التي تهب نفسها من أجل المال، وتلك التي تهبها من أجل الشهوة والإلتذاذ، وبين تلك التي تهبها من أجل العزة والإعتزاز، وتلك التي تهب الروح من أجل الحب المُصَرّد والتضحية الخالصة، وإن من بين النساء اللائي اشتريت، من دفعت إليهن ثمناً أغلى من أترابهن، ومن اللاتي التمست في هواهن لذة حواسك، وطلبت في عشقهن مسرة مشاعرك، من خلصت إليهن، وسكنت أكثر من سكونك لغيرهن، وكذلك ظهرت للواتي تعشقت لأجل الترف وروعة المظهر، في أبهة وحسن مقتبل ما ظهرت بهما لدى أية امرأة أخرى، وفي العشيقات اللاتي صادقت وأحببت من وهبتها ثلث قلبك، وأخرى ربعه وثالثة ألزمتها النصف من فؤادك، وذلك على قدر أنصبتهن من الأدب والأخلاق والأسامي والمولد والجمال والسجية وتبعاً لظروف الأحوال والساعة التي أنت فيها والشراب الذي أنت معاقر والمشمولة التي أنت حاسيها. أي أوكتاف، أنت لدى النساء العزيز المحبب والعشيق المرحب، لأنك ما تزال بعد الفتى الشاب والغيساني الصب، وأنت ذو الكبد الحَرَّى والقلب الخفاق. لك الوجه المستدير والصفحة المشرقة الجميلة، والشعر المنظم المهذب، ولكنك يا صاحبي لا تعلم ما المرأة؟ إن الطبيعة قبل كل شيء تريد من المخلوقات نتاجها ذلك لأن الحياة الدنيا تخاف الموت في كل مكان من قلال شم الجبال إلى قيعان الأوقيانوس، ولكي يحفظ الله ما أبدع ويخلد ما

стр. 875

صنع شرع تلك الشرعة الخالدة، أن أكبر لذاذات الحيوان في نسلها، وأمتع نعيمها في ولدها، وأحفل هناءها في ذراريها. إن الذكر من النخل يؤخذ منه غبار شماريخه الكثيرة التوليد فتلقح به أنثاه، فيهتز من حب، ويتمايل من طرب، في رياح الهاجرة وأهوية الظهيرة، والوعل يصوت للسفاد ويُهتاج فيبقر بطن الأنثى إذا تمنعت عن سفاده، والورقاء تنتفض تحت جناحي صاحبها، كما يرجف العاشق الصب وتنتفض العاشقة الوالهة والرجل يأخذ زوجه بين ذراعه فيمشي بها في بهرة الطبيعة القادرة فيحس بذلك السنا المتألق المقدس الذي بعثته صبابته، يثب في نواحي قلبه ويطفر في حنايا ضلوعه. رويداً أيها الصديق، إذا ضممت ذراعيك العاريتين غادة حسناء المتجرَّد عذبة الميسم، ورأيت لذتك تهجم عليك بالدموع وشهوتك تستبكي عينيك وألفيت شفتيك تدميان بأقسام الحب الأبدي وعهود الهوى الخالد ووجدت اللانهاية قد هبطت من مكانها العلي إلى فؤادك فلا تخف أن تسلم نفسك وتخلص بروحك، ولكن حذار أن تخلط بين الخمرة والنشوة أو تمزج الصهباء بالثمل أو تعتقد أن الكأس التي تحسو منها مطهرة كجمامها، ولا تعجب لها أن تراها في المساء فارغة محطمة، بحسبك أنها امرأة، إنها آنية سريعة التحطيم، صنعها من تراب الأرض خزاف. واحمد الله الذي أراك السموات، ولا تظنك عصفوراً لأنك تنتفض وترتجف، فأن الأطيار نفسها لا تستطيع أن تجوز السحب أو تعبر الغمائم لأن في السموات العُلى أفقاً يعز فيه الهواء، وأن القنبرة تصعد في الأجواء صادحة شادية في غيم الصبح وضباب السحر فتسقط على الأرض ميتة، خذ من الحب قدر ما يأخذ من الخمرة الرجل المعتدل، ولا تعدُ في الدنيا سكيراً، ولا تغدُ في الحب مدمناً، فإن كانت خليلتك صادقة العهد مطمئنة الهوى فأحبها لصدق عهدها واطمئنان هواها. فإن لم تكن كذلك وراحت لعوباً واغتدت حسناء تياهة، فأحبها للعبها وتيهها، وإن كانت رشيقة المتقبل وخفيفة الروح فأحبها لخفتها ورشاقتها فإن لم تكن لا هذا ولا ذاك وكانت تحبك فأحبها لحبها، ولا تغضب ولا تسخط ولا تقل أنا قاتل نفسي لأن لي مزاحماً ينفس عليّ حبي ويستخلص مني خليلتي، وتقول أنها تخادعني نازعة إلى هوى غيري، وتعذبك عزتك ويجرحك إباؤك ولكن ما بالك لا تقول أنه

стр. 876

المخدوع بي فتمسك بذلك عليك عزتك. لا تقل أريد أن يكون كل الحب لي، قاصيه ومبعده، فإنك رجل والرجال هواء لا يقيمون على حال، وإنك لا بد زائد على قولك - ما أمكن _. خذ المان كما يقبل والريح كما تسفر، والمرأة كما تكون، واعلم أن الاسبانيوليات، سيدات النساء، صادقات الحب وفياته، طيبات القلب مدلهاته، ولكن يحملن طوال المناكب أوفياء الشطاط، والانجليزيات ساميات عاليات، ساكنات رزينات ولكنهن باردات الدم متكلفات، والألمانيات رقيقات خفيفات على أن في أخلاقهن مللاً وفي طبعهن سآمة، وللفرنسيات رشاقة متناهية وحسن مظهر وجري إلى شهوة ولكنهن أكذب من سراب. لا تتهم النساء ولا ترمهن بعيوبهن، فنحن الرجال شوَّهنا ما أبدعت الطبيعة، وأسأنا ما أحسنت وابتذلنا ما صانت. إن الطبيعة التي تعمل لكل شيء وتدبر، خلقت الفتاة العذراء لتكون معشوقة محبوبة، على أنها لا تكاد تحمل حملها وتضع طفلها حتى يسقط فرع لها وذؤابة ويشوه ذلك الخصر الأهيف ويبدو في جسمها الناعم آثار القروح وذلك لأن المرأة خلقت لتكون أماً ولتروح والدة! وأن الرجل ليتولى عنها إذ ذاك ويعرض، نافراً من جمال ضائع، مشمئزاً من حسن مفقود، هذا وطفله متشبث به في بكاء ودموع. تلكم الأسرة، ذلكم القانون الإنساني، والشرعة الآدمية، فكل من تنحى وحاد فهو وحشي مسيخ. وفضيلة الريفيين أن نساءهم آلات للولادة والرضاع، وأنهم آلات للعمل والكدح، ليس لهن ضفائر مصطنعة ولا ذوائب مستعارة ولا لبان الأبكار، ولكن ليس على حبهن برص أو جذام. آخذون في ود صادق، وحب فطري ساذج، فلا يعلمون أن هناك عالماً جديداً اهتدينا إليه يسمى أمريكا، استعاضت نساؤهم عن رقة العاطفة وحدَّة المزاج، صحة الأبدان وسلامة الجسوم. لا ناعمات الأكف بل خشنات. لابضات الراح بل شثنات على أن ليس لقلوبهن خشونة

стр. 877

أكفهن. إن المدينة تعمل على عكس الطبيعة فإن العذراء المخلوقة لتجري مع الشمس. ولتعجب بالمتصارعين. ولتختار وتحب، نلزمها الدار فلا تخرج، ونحبسها في عقر البيت فلا تظهر، على حين أنها تخفي قصة غرام تحت نوطها. الله لجمالها، لشد ما تعود صفراء عاطلة أما مرآتها، وواهاً لها تُذبل في سكون الليل جمالاً يختنق. وتُذوي تحت أنفاس الظلام حسناً يعوزه الهواء. ثم نخرجها فجأة من مضربها جاهلة كل شيء لم تحب أحداً وتطلب الجميع، فتقع على عجوز تعلمها دروسها وتلقي عليها تعاليمها، ويأتي إليها فاسق فيهمس في أذنها بكلمة سوء فتنقاد إليه، إلى سرير رجل لا تعرفه أكفهن. إن المدينة تعمل على عكس الطبيعة فإن العذراء المخلوقة لتجري مع الشمس. ولتعجب بالمتصارعين. ولتختار وتحب، نلزمها الدار فلا تخرج، ونحبسها في عقر البيت فلا تظهر، على حين أنها تخفي قصة غرام تحت نوطها. الله لجمالها، لشد ما تعود صفراء عاطلة أما مرآتها، وواهاً لها تُذبل في سكون الليل جمالاً يختنق. وتُذوي تحت أنفاس الظلام حسناً يعوزه الهواء. ثم نخرجها فجأة من مضربها جاهلة كل شيء لم تحب أحداً وتطلب الجميع، فتقع على عجوز تعلمها دروسها وتلقي عليها تعاليمها، ويأتي إليها فاسق فيهمس في أذنها بكلمة سوء فتنقاد إليه، إلى سرير رجل لا تعرفه يسرقها عذريتها، ويهتك حجابها. ذلكم زواج المدنية، وتلكم العيلة المتحضرة، وانظر الآن إلى تلك الفتاة البائسة التي تزوجت فأصبحت حاملاً، وانظر إى شعرها المتساقط وخصرها المتثاقل، فقدت حسن العاشقات ولم تعشق، وضيعت فتنة المحبين ولم تحب. حملت ثم وضعت وهي تسائل لمَ الحمل وعلام الوضع؟ ويجيبونها: أنت اليوم أم. وتقول كلا، ما أنا بأم، ادفعوا بالرضيع إلى مرضِعة ترضعه، فليس في حلمتيّ من لبن. ويجيبها زوجها أنها على حق، فلعل وليده يأبى أن يرضع من ثدي والدته. ويروح أهلها ويغدون، يزينونها ويجملونها، ويضعون الغلائل الرقاق فوق سريرها الغارق بالدماء ويُعنون بالنفساء، ويتعهدونها بالدواء، حتى تتماثل إلى الشفاء، ولا يمر شهر حتى تراها في (التويلري) أو في المرقص أو في دار (الأوبرا)، وطفلها عند المرضع، وزوجها في أحضان المومس والبغيّ ويتلقاها عشرة فتيان شباب، ينفخون بكلم الحب في أذنيها، ويرسلون عبارات الهوى إليها، ويكلمونها عن الإخلاص والعاطفة والعناق الخالد، ويوحون إليها بكل ما يسكن ربع قلبها وينزل في ناحية من فؤادها. فتتخذ لها منهم عشيقاً، تضمه إلى نهديها، وتلقيه فوق كاعبيها، وتمكنه من عفافها فيبدده، وتسلم إليه صونها فيبتذله، وتعود إلى دارها بخزيها، وتنقلب إلى زوجها بعاره وعارها. ثم تنزوي في الدار مهجورة منتبذة، تبكي الليل، وترى أن جفنيها عادا قريحين من طول ما

стр. 878

بكت، فتنزع إلى فتى آخر ترود في عشقه عزاءها، وتطلب في حبه سلوتها، ثم تفقده فلا تني تبحث عن عزاء في غيره حتى يبلغ عشاقها الثلاثين أو يزيدون. وتعيش بعدهم جريحة قريحة، لا حب ولا رقة ولا جمال ولا غم ولا نفور، فرُب ليلة تلتقي فيها بشاب من الأحداث، له شعر فاحم وعين يطل من بين جفنيها الحب والعطف والحنان، وقلب بعلالات الآمال خفاق، وعلائل الرجاء نبّاض، فتذكر شبيبة لها ضاعت، وآلاماً تكبدت، ولوعة ذاقت، فتفيض عليه من دروس حياتها وعبر شبابها وتنصح له ألا يحب أبداً. ذلك مثل المرأة التي أخرجنا، هؤلاء خليلاتنا وضجعائنا، ولكن على رسلك، بحسبك أنهن نساء، وفيهن للذة سوانح وللنعيم فيهن فرص. فإن كان فيك صلابة وكنت حقاً رجلاً فاسمع نصيحتي إليك، ألق بنفسك في غمار العالم، واقذف بها دون خشية في لججه وعواصفه، واتخذ حبائب لك، خليلات وراقصات، وحضريات ومركيزات، وكن ثبتاً ومتحولاً، وفياً وغادراً، حزيناً ومفراحاً، مخدوعاً أو محترماً، واعلم أنه لا يهمك شيء ما أحببنك الساعة التي أنت فيها. وإن كنت امرأ وسطاً عادياً فرأي لك أن تتمهل في ريبك زماماً حتى يستقر، ولا تعتد بشيء تظنه في عشيقتك. وإن كنت رجلاً ضعيفاً تنزع إلى إسار المرأة وتنزل على سلطانها وتريد أن تنبت حيث ترى أية قطعة من الأرض. فاجعل لنفسك درعاً يقيك، وحرزاً يحميك، فإنك أن تُترك لطبيعتك الضعيفة الناحلة لن تنمو ولن تذكو ل تعود هشيماً كالإنبات الباطلة فلا زهر ولا ثمر، وتنتقل عصارة حياتك ونخوتها إلى شجرة غريبة، وتغدو أعمالك صفراء كأوراق السرو والصفصاف، لاريَّ لك إلا من دموعك ولا غذاء لك إلا من قلبك. ولكنك إن كنت ذا طبيعة سامية تهيم في الخيال وتطير تريد تحقيق أحلامك فأقول لك بكل صراحة - الحب غير موجود _. وهبني قلت لك أحب، أفليس الحب أن تهب الروح والجسم وإن شئت فقل تجعل من مخلوقين اثنين مخلوقاً واحداً، أليس الحب أن تمشي تحت ذُكاء، في الهواء المطلق الساجي، بين السنابل والمراعي، وألاعواد والمرج بجسم ذي أربع أذرع ورأسين وقلبين

стр. 879

اثنين! الحب هو الأيمان، هودين السعادة الأرضية، هو مثلث من النور استقر في سماء هذا المعبد الذي نسميه العالم! وأن تحب هو أن تمشي كيف تشاء في ذلك المعبد، يخطر إلى جانبك مخلوق يعلم لمَ تستوقفك الخطرة، وتستملك الكلمة، وتستلفتك الزهرة، لترفع رأسك إلى ذلك المثلث السماوي. إنفاذ المواهب السامية في وجودها حسنة كبرى. ولذلك كانت العبقرية نعمة محمودة، وأن تضم إلى موهبة وتجمع إلى قلب قلباً وإلى ذكاء ذكاء سعادة أسمى ونعيم أمتع، ولكن الله لم يكثر لنا منها، ولذلك كان الحب خيراً من العبقرية وأغلى قدراً وأعز شأناً. ولكن رويدك، أهذا الحب لدى نسائنا؟ كلا. فليس الحب لديهن إلا أن يخرجن مختمرات، ويكتبن مبهمات مُلغزات، ويخطرن مائسات، ويمشين على أطراف أصابعهن متهاديات، ويُبكين ويُضحكن ويظهرن للرجال بأعين مراض، ولحاظ فاترات، ويرسلن عفيفة التنهدات من أزار مصَنَّع مُرجَّل. الحب لديهن أن يذللن مزاحماً، أو يخدعن زوجاً، أو يهجرن حبيباً، أو يعرضن عن العشاق. الحب لدى نسائنا هو التلهي بالكذب، تلهي الصبية بالاستخفاء في اللعب. قلوب فاجرة، ونزعة إلى شهوة أين منها شهوة الرومان إلى أعياد برياب، واستخفاف بالشر كاستخفاف بالخير، ورواية هزلية ثقيلة الروح يتهامس الجميع فيها ويرمين بالنظرات، كل شيء فيها صغير بهيج، وكل شيء فيها شنيع، كمثل لعبات الخزف التي نجلبها من أرض الصين، سخرية بالجميل والدميم، وأزراء بالرائع والمروع والطيب والخبيث والطاهر والكدر، ظل ولا عرض، وهيكل لكل ما خلق الله. . .

стр. 880

واجب المرء نحو نفسه وواجبه نحو الله ما الغرض الذي ينتهي إليه الحق والواجب. وأين يستكن المطلب السامي البديع الذي كان حقاً علينا تحقيقه. والبحث في أن العدل يتجاوز تلك الحدود الضيقة التي وضعناها، ويعدو على تلك الرسوم التي رسمناها وإن الإحسان في دائرة العدل وتحت سلطانه أمر يشق علينا أن نأتي به في كلمة أو كلمتين بل بحسبنا أن نقول أن الواجب هو العدل، وسنرى بعد أن لا غنى لنا عن عنصر آخر هو الحرية فإنه وإن كان الظلم شراً مستطيراً وأن لا خير إلا في العدل فإن من الشر ما يكون عدلاً. وقبل الخوض في هذا البحث ينبغي لنا أن نشرح معنى ما يسمى بالواجبات الشخصية والواجبات الدينية، ولما كانت تلك الواجبات والحقوق علاقات بين الناس وروابط بين الأفراد كان صعباً علينا أن ندرك قولنا أن للمرء حقوقاً تخصه وواجبات تلزمه. ولما كان الواجب هو العدل والمساواة ركنه المكين وكانت المساواة في حق الله غير جائزة كان أشق علينا أن نفهم ما نعني بقولنا واجب المرء نحو الله. إن الآداب كلها آداب اجتماعية وقبل أن تذهب بك بعيداً ينبغي لنا أن نبحث فيما إذا كان هناك آداب دينية وآداب شخصية والمعنى الجدير بكليهما. الفصل الأول واجب المرء نحو نفسه هل لأنفسنا حق علينا؟ قالوا أن رجلاً اعتزل العالم وعاش في نجوة منه. في جزيرة مقفرة كما كان ربنسن كروزو، ملزم باحترام الإنسانية في شخصه ولكن هل يتصور العقل فرضهم أو يقبل منهم قولهم. فأين لإنسان بعيد عن الحياة الاجتماعي لا يدركها ولا تربطه بها رابطة ولا تجمعه بها آصرة أن يحترم الإنسانية ويوقرها. ما كان ربنسن كروزو منقطع الأمل من الرجوع إلى الإنسانية والمعيشة بين قومه بل قد عاد إلى الناس وآب إليهم وكان لربنسن كلب وقط وببغاء والتقى في معتزله (بجمعة)
следующие страницы →