Полный текст (3 596 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
المخدوع بي فتمسك بذلك عليك عزتك.
لا تقل أريد أن يكون كل الحب لي، قاصيه ومبعده، فإنك رجل والرجال هواء لا يقيمون على حال، وإنك لا بد زائد على قولك - ما أمكن _.
خذ المان كما يقبل والريح كما تسفر، والمرأة كما تكون، واعلم أن الاسبانيوليات، سيدات النساء، صادقات الحب وفياته، طيبات القلب مدلهاته، ولكن يحملن طوال المناكب أوفياء الشطاط، والانجليزيات ساميات عاليات، ساكنات رزينات ولكنهن باردات الدم متكلفات، والألمانيات رقيقات خفيفات على أن في أخلاقهن مللاً وفي طبعهن سآمة، وللفرنسيات رشاقة متناهية وحسن مظهر وجري إلى شهوة ولكنهن أكذب من سراب.
لا تتهم النساء ولا ترمهن بعيوبهن، فنحن الرجال شوَّهنا ما أبدعت الطبيعة، وأسأنا ما أحسنت وابتذلنا ما صانت.
إن الطبيعة التي تعمل لكل شيء وتدبر، خلقت الفتاة العذراء لتكون معشوقة محبوبة، على أنها لا تكاد تحمل حملها وتضع طفلها حتى يسقط فرع لها وذؤابة ويشوه ذلك الخصر الأهيف ويبدو في جسمها الناعم آثار القروح وذلك لأن المرأة خلقت لتكون أماً ولتروح والدة!
وأن الرجل ليتولى عنها إذ ذاك ويعرض، نافراً من جمال ضائع، مشمئزاً من حسن مفقود، هذا وطفله متشبث به في بكاء ودموع.
تلكم الأسرة، ذلكم القانون الإنساني، والشرعة الآدمية، فكل من تنحى وحاد فهو وحشي مسيخ.
وفضيلة الريفيين أن نساءهم آلات للولادة والرضاع، وأنهم آلات للعمل والكدح، ليس لهن ضفائر مصطنعة ولا ذوائب مستعارة ولا لبان الأبكار، ولكن ليس على حبهن برص أو جذام.
آخذون في ود صادق، وحب فطري ساذج، فلا يعلمون أن هناك عالماً جديداً اهتدينا إليه يسمى أمريكا، استعاضت نساؤهم عن رقة العاطفة وحدَّة المزاج، صحة الأبدان وسلامة الجسوم.
لا ناعمات الأكف بل خشنات. لابضات الراح بل شثنات على أن ليس لقلوبهن خشونة
стр. 877
أكفهن.
إن المدينة تعمل على عكس الطبيعة فإن العذراء المخلوقة لتجري مع الشمس. ولتعجب بالمتصارعين. ولتختار وتحب، نلزمها الدار فلا تخرج، ونحبسها في عقر البيت فلا تظهر، على حين أنها تخفي قصة غرام تحت نوطها.
الله لجمالها، لشد ما تعود صفراء عاطلة أما مرآتها، وواهاً لها تُذبل في سكون الليل جمالاً يختنق. وتُذوي تحت أنفاس الظلام حسناً يعوزه الهواء.
ثم نخرجها فجأة من مضربها جاهلة كل شيء لم تحب أحداً وتطلب الجميع، فتقع على عجوز تعلمها دروسها وتلقي عليها تعاليمها، ويأتي إليها فاسق فيهمس في أذنها بكلمة سوء فتنقاد إليه، إلى سرير رجل لا تعرفه
أكفهن.
إن المدينة تعمل على عكس الطبيعة فإن العذراء المخلوقة لتجري مع الشمس. ولتعجب بالمتصارعين. ولتختار وتحب، نلزمها الدار فلا تخرج، ونحبسها في عقر البيت فلا تظهر، على حين أنها تخفي قصة غرام تحت نوطها.
الله لجمالها، لشد ما تعود صفراء عاطلة أما مرآتها، وواهاً لها تُذبل في سكون الليل جمالاً يختنق. وتُذوي تحت أنفاس الظلام حسناً يعوزه الهواء.
ثم نخرجها فجأة من مضربها جاهلة كل شيء لم تحب أحداً وتطلب الجميع، فتقع على عجوز تعلمها دروسها وتلقي عليها تعاليمها، ويأتي إليها فاسق فيهمس في أذنها بكلمة سوء فتنقاد إليه، إلى سرير رجل لا تعرفه يسرقها عذريتها، ويهتك حجابها.
ذلكم زواج المدنية، وتلكم العيلة المتحضرة، وانظر الآن إلى تلك الفتاة البائسة التي تزوجت فأصبحت حاملاً، وانظر إى شعرها المتساقط وخصرها المتثاقل، فقدت حسن العاشقات ولم تعشق، وضيعت فتنة المحبين ولم تحب.
حملت ثم وضعت وهي تسائل لمَ الحمل وعلام الوضع؟
ويجيبونها: أنت اليوم أم.
وتقول كلا، ما أنا بأم، ادفعوا بالرضيع إلى مرضِعة ترضعه، فليس في حلمتيّ من لبن.
ويجيبها زوجها أنها على حق، فلعل وليده يأبى أن يرضع من ثدي والدته.
ويروح أهلها ويغدون، يزينونها ويجملونها، ويضعون الغلائل الرقاق فوق سريرها الغارق بالدماء ويُعنون بالنفساء، ويتعهدونها بالدواء، حتى تتماثل إلى الشفاء، ولا يمر شهر حتى تراها في (التويلري) أو في المرقص أو في دار (الأوبرا)، وطفلها عند المرضع، وزوجها في أحضان المومس والبغيّ ويتلقاها عشرة فتيان شباب، ينفخون بكلم الحب في أذنيها، ويرسلون عبارات الهوى إليها، ويكلمونها عن الإخلاص والعاطفة والعناق الخالد، ويوحون إليها بكل ما يسكن ربع قلبها وينزل في ناحية من فؤادها.
فتتخذ لها منهم عشيقاً، تضمه إلى نهديها، وتلقيه فوق كاعبيها، وتمكنه من عفافها فيبدده، وتسلم إليه صونها فيبتذله، وتعود إلى دارها بخزيها، وتنقلب إلى زوجها بعاره وعارها.
ثم تنزوي في الدار مهجورة منتبذة، تبكي الليل، وترى أن جفنيها عادا قريحين من طول ما
стр. 878
بكت، فتنزع إلى فتى آخر ترود في عشقه عزاءها، وتطلب في حبه سلوتها، ثم تفقده فلا تني تبحث عن عزاء في غيره حتى يبلغ عشاقها الثلاثين أو يزيدون.
وتعيش بعدهم جريحة قريحة، لا حب ولا رقة ولا جمال ولا غم ولا نفور، فرُب ليلة تلتقي فيها بشاب من الأحداث، له شعر فاحم وعين يطل من بين جفنيها الحب والعطف والحنان، وقلب بعلالات الآمال خفاق، وعلائل الرجاء نبّاض، فتذكر شبيبة لها ضاعت، وآلاماً تكبدت، ولوعة ذاقت، فتفيض عليه من دروس حياتها وعبر شبابها وتنصح له ألا يحب أبداً.
ذلك مثل المرأة التي أخرجنا، هؤلاء خليلاتنا وضجعائنا، ولكن على رسلك، بحسبك أنهن نساء، وفيهن للذة سوانح وللنعيم فيهن فرص.
فإن كان فيك صلابة وكنت حقاً رجلاً فاسمع نصيحتي إليك، ألق بنفسك في غمار العالم، واقذف بها دون خشية في لججه وعواصفه، واتخذ حبائب لك، خليلات وراقصات، وحضريات ومركيزات، وكن ثبتاً ومتحولاً، وفياً وغادراً، حزيناً ومفراحاً، مخدوعاً أو محترماً، واعلم أنه لا يهمك شيء ما أحببنك الساعة التي أنت فيها.
وإن كنت امرأ وسطاً عادياً فرأي لك أن تتمهل في ريبك زماماً حتى يستقر، ولا تعتد بشيء تظنه في عشيقتك.
وإن كنت رجلاً ضعيفاً تنزع إلى إسار المرأة وتنزل على سلطانها وتريد أن تنبت حيث ترى أية قطعة من الأرض. فاجعل لنفسك درعاً يقيك، وحرزاً يحميك، فإنك أن تُترك لطبيعتك الضعيفة الناحلة لن تنمو ولن تذكو ل تعود هشيماً كالإنبات الباطلة فلا زهر ولا ثمر، وتنتقل عصارة حياتك ونخوتها إلى شجرة غريبة، وتغدو أعمالك صفراء كأوراق السرو والصفصاف، لاريَّ لك إلا من دموعك ولا غذاء لك إلا من قلبك.
ولكنك إن كنت ذا طبيعة سامية تهيم في الخيال وتطير تريد تحقيق أحلامك فأقول لك بكل صراحة - الحب غير موجود _.
وهبني قلت لك أحب، أفليس الحب أن تهب الروح والجسم وإن شئت فقل تجعل من مخلوقين اثنين مخلوقاً واحداً، أليس الحب أن تمشي تحت ذُكاء، في الهواء المطلق الساجي، بين السنابل والمراعي، وألاعواد والمرج بجسم ذي أربع أذرع ورأسين وقلبين
стр. 879
اثنين!
الحب هو الأيمان، هودين السعادة الأرضية، هو مثلث من النور استقر في سماء هذا المعبد الذي نسميه العالم!
وأن تحب هو أن تمشي كيف تشاء في ذلك المعبد، يخطر إلى جانبك مخلوق يعلم لمَ تستوقفك الخطرة، وتستملك الكلمة، وتستلفتك الزهرة، لترفع رأسك إلى ذلك المثلث السماوي.
إنفاذ المواهب السامية في وجودها حسنة كبرى. ولذلك كانت العبقرية نعمة محمودة، وأن تضم إلى موهبة وتجمع إلى قلب قلباً وإلى ذكاء ذكاء سعادة أسمى ونعيم أمتع، ولكن الله لم يكثر لنا منها، ولذلك كان الحب خيراً من العبقرية وأغلى قدراً وأعز شأناً.
ولكن رويدك، أهذا الحب لدى نسائنا؟ كلا. فليس الحب لديهن إلا أن يخرجن مختمرات، ويكتبن مبهمات مُلغزات، ويخطرن مائسات، ويمشين على أطراف أصابعهن متهاديات، ويُبكين ويُضحكن ويظهرن للرجال بأعين مراض، ولحاظ فاترات، ويرسلن عفيفة التنهدات من أزار مصَنَّع مُرجَّل.
الحب لديهن أن يذللن مزاحماً، أو يخدعن زوجاً، أو يهجرن حبيباً، أو يعرضن عن العشاق.
الحب لدى نسائنا هو التلهي بالكذب، تلهي الصبية بالاستخفاء في اللعب.
قلوب فاجرة، ونزعة إلى شهوة أين منها شهوة الرومان إلى أعياد برياب، واستخفاف بالشر كاستخفاف بالخير، ورواية هزلية ثقيلة الروح يتهامس الجميع فيها ويرمين بالنظرات، كل شيء فيها صغير بهيج، وكل شيء فيها شنيع، كمثل لعبات الخزف التي نجلبها من أرض الصين، سخرية بالجميل والدميم، وأزراء بالرائع والمروع والطيب والخبيث والطاهر والكدر، ظل ولا عرض، وهيكل لكل ما خلق الله. . .
стр. 880
واجب المرء نحو نفسه
وواجبه نحو الله
ما الغرض الذي ينتهي إليه الحق والواجب. وأين يستكن المطلب السامي البديع الذي كان حقاً علينا تحقيقه.
والبحث في أن العدل يتجاوز تلك الحدود الضيقة التي وضعناها، ويعدو على تلك الرسوم التي رسمناها وإن الإحسان في دائرة العدل وتحت سلطانه أمر يشق علينا أن نأتي به في كلمة أو كلمتين بل بحسبنا أن نقول أن الواجب هو العدل، وسنرى بعد أن لا غنى لنا عن عنصر آخر هو الحرية فإنه وإن كان الظلم شراً مستطيراً وأن لا خير إلا في العدل فإن من الشر ما يكون عدلاً.
وقبل الخوض في هذا البحث ينبغي لنا أن نشرح معنى ما يسمى بالواجبات الشخصية والواجبات الدينية، ولما كانت تلك الواجبات والحقوق علاقات بين الناس وروابط بين الأفراد كان صعباً علينا أن ندرك قولنا أن للمرء حقوقاً تخصه وواجبات تلزمه. ولما كان الواجب هو العدل والمساواة ركنه المكين وكانت المساواة في حق الله غير جائزة كان أشق علينا أن نفهم ما نعني بقولنا واجب المرء نحو الله.
إن الآداب كلها آداب اجتماعية وقبل أن تذهب بك بعيداً ينبغي لنا أن نبحث فيما إذا كان هناك آداب دينية وآداب شخصية والمعنى الجدير بكليهما.
الفصل الأول
واجب المرء نحو نفسه
هل لأنفسنا حق علينا؟
قالوا أن رجلاً اعتزل العالم وعاش في نجوة منه. في جزيرة مقفرة كما كان ربنسن كروزو، ملزم باحترام الإنسانية في شخصه ولكن هل يتصور العقل فرضهم أو يقبل منهم قولهم. فأين لإنسان بعيد عن الحياة الاجتماعي لا يدركها ولا تربطه بها رابطة ولا تجمعه بها آصرة أن يحترم الإنسانية ويوقرها.
ما كان ربنسن كروزو منقطع الأمل من الرجوع إلى الإنسانية والمعيشة بين قومه بل قد عاد إلى الناس وآب إليهم وكان لربنسن كلب وقط وببغاء والتقى في معتزله (بجمعة)
стр. 881
إن من يحترم الإنسانية في شخصه حق عليه أن يعد نفسه جزءاً منها، ومن انفرد عن العالم وانتبذ مكاناً من المجتمع وانقطع منه كل رجاء في الرجوع إليه ولم يرتبط به في شيء فقد أصبح غريباً عن الإنسانية خارجاً عنها ولو أمكننا أن ندرك أن في وسعه أن يحافظ على كرامته وشرفه وقد فعل لما كان فعله إتباعاً لآداب عمومية وقياماً بواجبات اجتماعية وإنما هو إحساس شريف ونزعة جميلة.
الواجب دَين، والإنسان لا يكون مديناً لنفسه ولا يملك لها إبراء ولا صرفاً فلا وجود إذن للواجب الشخصي بالمعنى الحقيقي.
من كان مديناً لغيره فحق عليه العمل لسداد دَينه وكلنا مدينون للمجتمع فيلزمنا إذن أن نعمل لتوفيته دَينه وأن نقف بحيث يتسنى لنا العمل وما واجبنا على أنفسنا في الحقيقة إلا حقوق للمجتمع وعهود وخلاصة هذه الواجبات أن يحافظ المرء على كيانه ويسلم من الأذى.
إن الشقي الذي ناء بالحياة حملاً وضاق بها ذرعاً وأقفر من الفرح ولأمل فأجمع أمره على فراقها والتخلص بالانتحار من همها أحق بالرأفة وأجدر بالرثاء والرحمة وعلينا أن نكم أفواهنا إزاء بأسائه ونمسك عن القول أمام شقائه ومن كان في رغد من العيش لا يشقى بعبء الحياة فلا يحق له أن ينقم على المسكين ويحكم فيه بأمره فإنه لا يدري ماذا كان يفعل لو كان في مكانه وهذه حقيقة لا يقل عنها ثبوتاً ووضوحاً أنه لا يجوز لأحد منا أن يستل روحه ويجهز على نفسه هرباً من واجب الإنسانية وتخلصاً مما عليه من الحقوق.
إن المجتمع في حداثة أعمالنا يقوم بجميع حاجاتنا ولا نقوم في مقابل خدمته بشيء إلى أن يبلغ الفرد منا خمس عشرة سنة إن كان صانعاً أو العشرين أو الخمسة والعشرين إن كان محترفاً بإحدى المهن الحرة كالطب والمحاماة فهو قبل تلك السن ثروة إلى حين ومتاع مدخر لم ينتج بعد شيئاً للمجتمع ونبت لم يزهر وغرس لم يثمر وهو ملك للجماعة بكليته.
المحافظة على النفس غير مقصورة على الاحتفاظ بالوجود بل على جميع قوى الحياة الأدبية والمادية من صحة وعقل وذكاء ولب وقلب وحرية وليست قوانين الصحة إلا قواعد أخلاق واجب على المرء إتباعها أضف إلى قوانين الصحة قواعد تثقيف العقل وإنماء المدارك فلا يسوغ له أن ينهك ذكاءه أو يخمد وهج نوره أو يقسي قلبه بل يجب عليه أن يتعهده بأنواع الحب والشفقة ولا يميل به إلا إلى كل حسن جميل وإذا جاد لامرئ بقلبه
стр. 882
فليجد دون قيد ولا شرط.
والغيرة على الحرية واجبة قبل كل شيء فلا يجعل المرء لأحد سلطاناً عليه فإن مصيبة المصائب ونكبة النكبات أن يكون الإنسان آلة في أيدي غيره وأنني إذا ما خامرني شك في استقلال امرئ بيني وبينه خلطة وعمل ورأيت منه أنه لا يعمل بإرادته ولا يفكر بعقله عراني لحاله ألم شديد وتضاءل أمامي حتى لأتلمسه فلا أجده وإنما أجد مكانه خيالاً يدعو إلى الرعب والفزع كلما قام أو قعد ظننت أنه يخفي وراءه شباكاً نصبت لاغتيالي.
أعمل بإرادتك واختيارك وإذا ما أحرجتك الصيحة فلا تستثر إلا ذا بصيرة وعقل ولكن احرص كل الحرص على حقك في إهمال رأيه إذا أنت لم تجده سديداً وأن في تخيلك عن حريتك تركاً لحقك في قضاء واجبك ولا تضع شيئاً فوق ضميرك ووجدانك.
وجملة القول واجبك نحو نفسك أن تكون صالحاً لأمر ما وذا قيمة ونفع للبيئة التي تعيش فيها وقد تضطر بعض الأحيان إلى تضحية النفس في سبيل خدمة قومك فافعل ولا تحجم إن كانت هذه التضحية من واجبك ولا يلتبس عليك الانتحار بالتضحية وما تضحية الروح إلا أن تقذف بنفسك إلى حظيرة الموت أو أن لا تطير على الأقل من الموت رعباً وجبناً فإن كان الدافع لك صالحك الشخصي بأن اعتقدت أن في مفارقتك للحياة سعادة لك وهناء لروحك أو نهاية لآلامك وأحزانك وخلاصاً من بؤسك وشقائك فهذا هو الانتحار. أما التضحية فالعمل بشجاعة وثبات على قضاء واجب يكون الموت خاتمته وقد يدعوك واجبك إلى اقتحام المخاوف وتعريض حياتك إلى الأخطار وبذل صحتك وراحتك أو ترك شيء من آمالك وما ترتجيه من مستقبلك أو إلى تمزيق قلبك وإطفاء وجدانك، ومن الجائز - وإن كان من أندر الأمور_أن يقضي عليك صالح الجماعة بتنازلك عن جزء من استقلالك وحريتك فأقدم ولا تجبن إن كان هذا واجبك فإن ما في جسمك من لحم ودم وعظم وما في رأسك من ذكاء وعقل وبصر وسمع وما فيك من قوة وصحة وشعور وإحساس متاع للمجتمع وثروة لست إلا مديرها وأنك لم تعط هذه المواهب لتحبسها وتضن بها كالبخيل الذي يشح بماله ويحتفظ بكنوزه فتذهب فائدتها وإنما لتحسن تصرفها وإنفاقها في صالح أمتك ووطنك.
الفصل الثاني
стр. 883
واجب المرء نحو الله
وهل لله حق على الإنسان؟
وهل من حقوق الله أن نؤمن به ونسلم بوجوده؟
ليست العقيدة كرهاً لأنها خارجة عن إرادة المرء فليس في وسع الإنسان أن يحمل نفسه رغماً منها على التصديق بدعوى يعلم باطلها أو يرغم شعوره على إنكار حقيقة أقتنع بصدقها أو يكره عقله على تصديق ما لم يكن مصدقاً، ومن ذا الذي يستطيع أن ينتزع من مخيلته صورة شيء ماثل أمام عينيه يلمسه ويراه، ولكن لا يجوز له أن يعارض في الحق أو ينصر الباطل أو يرضى بحجة لا يرى سدادها، وإنما الجائز له أن يبحث دون غضب أو تحيز.
لا إكراه في الدين، وإنما الإكراه على حسن النية، ولقد يدعي المتدينون أن إخلاص النية يؤدي حتماً إلى الأيمان ولكن من لم يهده نور الإنجيل فلا هادي له من نفسه وإن من استرشد بتعاليم المسيح فلن يضل السبيل إلا إذا استبدت به شهواته وميوله الفاسدة.
لا ننكر عليهم أن كثيرين من الملحدين ساقهم إلى الإلحاد أسباب غير شريفة ولا وجيهة وإن الطفل الذي يتربى في أحضان الدين يضن بعقائده الساذجة عن أن تعرض إلى المناقشة والبحث حتى إذا ثارت شهواته وتيقظت مداركه شرع يبحث في عقيدته وأخذ في نقدها وتحليلها وفك قيودها وأغلالها وقل ما يكون عادلاً أو دقيقاً ولا يكاد يفسد أيمانه حتى تنهار أخلاقه وتسقط آدابه وكذلك كل بناء يرتكز على أساس غير متين لا يلبث أن ينهار لا محالة.
ما أضعف التربية المرتكزة على الدين المحض وما أشد خطرها على الأخلاق بل ما أبلغ ضررها على الدين نفسه فإن فكرة الناشئ في التخلص من عقيدته والخروج عليها تحدث غالباً من ميل فيه إلى التخلص من الآداب والأخلاق.
وإذا نبذ الشاب الحدث معتقداته الدينية خفة منه وتسرعاً فإن الرجل الناضج قادر على نقدها واختبارها دون ميل أو تحيز ولا يسعنا أن ننكر عليه رزانة فكره وسداد رأيه أو أن ننسب عجزه عن مقاومة شكوكه إلى نقص في صدقه وأمانته فإن العقيدة هي التي تنقصها الأمانة في البحث.
стр. 884
أليس من الأمانة أن يتنزه المرء عن الأغراض ولا يضع نصب عينيه نتيجة معلومة له من قبل يروم الوصول إليها ويتطلب كل دليل يقوم على صحتها وما العقيدة إلا دعوى مسلم من قبل بصدقها أو تحيز إلى طرف مخصوص.
وحب المتعصب دينه أكثر من حبه الحقيقة فلا يعرض دينه لخطر المناقشة ويعمل جهده على الابتعاد عن الجدل ويحرم قراءة بعض الكتب ويحكم على مناظره بأنه عدو للدين لدود فكأني به غير متثبت من يقينه أو لا يريد الإقرار بهزيمته وضعفه.
إن المعرفة شيء والاعتقاد شيء أخر ولا جامعة بين العلم والدين فكل بمعزل عن الأخر إذ الدين عبارة عن التشبث بأمر لم يقم الدليل على صحته.
إن وجد المرء عقيدة أفضل من عقيدته فإخلاصه يقضي عليه بالخروج عن عقيدته واعتناق الأخرى وأن يشك فيما هو موضع للشك وأن يقول لا أدري فيما لا يدري.
أجل إن من المتدينين من ليس مقلداً ولا متبعاً أسلافه إتباعاً أعمى وإنما آمن بدينه لاقتناعه بصحته ونهوض الدليل لديه على صدقه غير أن اليقين المطلق الذي لا يقبل نقضاً ولا شكاً غير موجود إلا في بعض نظريات رياضة وفيما عدا ذلك فكل م نعلمه ونعرفه معتمد على أساس من الريب والظنون وقد أرجع سبينوزا أسباب الاقتناع إلى أمرين فالأول أن يدرك الذهن بنور ذكائه متانة البرهان فيذعن له والثاني أن يعمى المرء لجهله أو لغباوته عن ركاكة الدليل وأوجه الطعن فيه فلا يرى بداً من التسليم.
فالدليل لا يكون ناهضاً قاطعاً إلا لمتانته أو لعدم إدراك مواضع ضعفه ولكن لا يمضي يوم ويظهر لنا فساد بعض الأراء والأدلة التي كنا مقتنعين بصحتها مخدوعين في متناتها وذلك بفضل البحث والمناقشة.
من بذل لنا جهده فقد قام بواجبه ولا لوم على من سعى وأخطأ.
إذن فلا إكراه على العقائد وإنما المرء مكره على أن لا يبحث في المسائل الهامة بنزق وطيش بل عليه أن يبلوها بصدق وثبات.
ومن عمل جهده في مسألة وجود الله واليوم الآخر وكان رائده الإخلاص والأمانة فلا يستحق اللوم والتأنيب مهما كان الحل الذي يصل إليه فلا حجر على الآراء والمبادئ ولا واجب بإزائها غير الدقة والأمانة.
стр. 885
لا حقوق لله على أولئك الذين ينكرونه، ولكن على المتدينين أن يعلموا بدينهم ويصدعوا بعقيدتهم.
ومن المدهش تسامح المتدينين مع من يظهر الأيمان ولا يعمل به وتشددهم في معاملة الملحد وعظيم كراهتهم له مع أن الاثنين سيان لأن المهمل لقواعد دينه في الواقع لا دين له والأيمان عنده ولا يعلق أهمية كبرى على عقائده حتى يفكر في خلعها ويستهتر بها ويعتدها ميثاقاً محلولاً فلا يهتم لنبذها. ومن نظر إلى الأديان نظرة اعتبار واهتمام فألقى حبلها على غاربها وأخلى عقله منها بعد أن فكر فيها كثيراً أقرب رجوعاً إلى الله وأكثر استعداداً لقبول المعتقدات الدينية.
ليس لنا أن نبحث في الطقوس الدينية والشعائر الخاصة بنظام الكنيسة لخروجها عن موضوع هذا الكتاب وعدم تعلقها بالآداب والأخلاق ونقصر القول على المبادئ الدينية العامة التي يشترك فيها جميع الأديان والتي يسميها بعضهم بدين الفطرة.
أول واجب لله إطاعة أوامره وتنفيذ إرادته والمتدينون يعتبرون الوازع الأدبي بمثابة إرادة الله ووحي منه إلى القلوب والأفئدة ويرون أن واجب الله هو أول الواجبات وأعظمها فقد قال السيد المسيح أول الواجبات محبة الله ثم أعقبه بقوله أحب لغيرك ما تحبه لنفسك لا فرق بين الآداب عند المتدينين وغير المتدينين فما يعمله الفريق الأول طاعة منه واحتراماً أو خوفاً ورهبة يعمله الفريق الثاني لدواع اخر وسواء كانت الحكمة المحصنة هي التي ألهمت الضمائر الوازع الأدبي أم ذات عليا هي التي أوحت به إلى القلوب فالوازع واحد لا فرق فيه.
إن أهم التكاليف الدينية بعد محبة الله ولب الدين ومحوره الذي يدور عليه هي الصلاة.
وليست الصلاة بركوع وسجود وترتيل وتمتمة وإنما هي صعود بالروح إلى الله وتمثله في مخيلتك والإخلاص في حبه بل هي هتاف ذاكرتك وخفقان قلبك وأنعام فكرك، وإن أردت الصلاة فأحب الله واستحضره في ذهنك، إنه يقرأ ما يكنه صدرك وما يجول في خاطرك.
يستمد الحب نوره من العطف والحنين وذلك أن تتجاوب القلوب بخفقانها وتتناجى الأرواح بمكنوناتها وجدانها على لسان من الانفعالات النفسية التي تظهر على الوجوه والأطراف، والحبيب في حديثه وأفعاله ونظرات طرفه وتقاسيم وجهه وابتسام ثغره يزيدنا تعلقاً به
стр. 886
ويحمل روحنا على الامتزاج بروحه والله لم يتجل لنا إلا في صنعه ومخلوقاته أعني الكون والطبيعة فبالكون يتسنى لنا الإفصاح عن محبتنا لله . والإعجاب بالطبيعة في جلال منظرها وعظيم اتساعها وحسن نظامها ودقيق سيرها صلاة وعبادة هذا إذا لم يكن استخدام أسرارها في منفعتنا واستدرار خيراتها هو الباعث لنا على ذلك.
أجل إن نفوسنا لا تتجه إلى الله إذا كان همنا من التأمل في مخلوقاته استثمارها والانتفاع بأسرارها لأنا حينئذ لا نحب إلا أنفسنا ولا نفكر في غيرنا ولا نعطف على أحد سوانا إنما الصلاة أن تطيل نظرك في محاسن الطبيعة وتتغلغل بفكرك في عجائب الكون لتبع طرفك من الجمال ونفسك من الهيبة والخشوع. إن الله هو الكمال والدوام والغيب والخفاء لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العقول، مهما حثثنا السير إليه وأجهدنا قوانا للاقتراب منه لا نقطع غير مرحلة صغيرة لأن مواهبنا محدودة ومحصورة يستحيل فك قيودها وإطلاقها من سجنها وإنما في قدرتنا أن نباعد بين جدران سجنها بأن نعيش لغيرنا ولا نفكر في أنفسنا ولا نتفانى في حب ذاتنا وأن نعني من شؤون الناس بمثل ما نعني بشؤوننا ونفسح المدى لقلوبنا ونزيد دائرة اهتمامنا ونمتزج بالمجموع حتى تفنى شخصياتنا.
الإنسان بطبعه ميال إلى الاعتزاز بنفسه والاعتداد بشأنه والاهتمام بشخصه والاعتقاد بأنه ركن العالم وقطب الرحى وهذا خلق مناف للدين والتقى إنما الدين في كل ما يكبح من جماحك ويقصر من غلوائك ويخمد من كبريائك ويردك إلى منزلتك ويعرفك بحقيقة قدرك وقيمة نفسك كما يقول بسكال وفيما يمر بنا من الهواتف الداعية لنا بالرجوع إلى الصواب وعدم النظر إلى الأمور بعين الأثرة وحب الذات وفيما يحملنا على الاعتقاد والشعور بأنا لسنا ذرة صغيرة في الكون لا قدر ولا أهمية لها في الوجود وفي كل ما يكشف لنا الغطاء عن واجبنا ويهدينا إلى العمل الصالح.
إن الفنون الجميلة تعد من قبيل الصلاة ولا أعني الفنون الدنيئة التي تثير اللذائذ وتوقظ الشهوات بل الفنون الراقية التي بخيالها وجمالها وخداعها للعين تصور الطبيعة وتمثل الحقيقة وتبعت في النفوس (كما يقول كانت) سروراً عاماً لا قصد له.
стр. 887
ولا يعشق الطبيعة إلا من عرفها وألم بأسرارها ومن تعمق في دراسة صنع الله وأنعم النظر للوقوف على أسرار خلقه كان أقرب إلى الله.
ولذلك كان العلم ضرباً من ضروب التعبد والتسبيح ولكن ليس ذلك العلم الذي يسعى في إذلال الطبيعة لخدمة الإنسان بل العلم الذي نتطلبه حباً في العلم وتوقداً للذهن وإطفاء لظمئنا إلى الحقيقة واليقين فهذا أجل العبادات وأطهرها. أليس الله كما يعتقد المؤمنون هو الحكمة الخالصة واليقين المطلق وإذا كان الأمر كذلك فهل يوجد أنقى من صلاة يتزلف فيها المرء إلى ربه بنور الحقيقة وضياء اليقين. وما أحسن ما قاله مالبراتس في ذلك من يعرف الحقيقة يرى أن الله هو الذي يتجلى لنا في النتائج ويظهر في البديهيات هو نور ذكائنا وشعاع عقولنا.
ليست الصلاة مقصورة على التأمل والنجوى وتسريح الظن في صنع الله بل تشمل الاستغاثة والاستعانة به فإن الله كعبة المؤمن ومحط آماله ورحاله ومصدر الخير ومنبع الاحسان ولكن ماذا يجمل بنا طلبه منه ؟ هل نبتهل إليه ليرفع عنا البلاء ويعافينا من الأمراض والأسقام ويسدد مساعينا وينجح مقاصدنا ويسبغ علينا من نعائمه وينزل علينا الغيث ويسخر لنا الشمس لحرث الأرض وإنبات الزرع؟ ألا أنه لا يحسن بالمؤمن أن يتضرع إلى ربه ليؤثره بخبراته فإن طلباً كهذا أساسه الأثرة وحب الذات والأثرة قارورة الشر ومن الجنون والحمق أن ندعوا الله إلى خرق ناموس الطبيعة وتغيير نظام الكون وقد جاء في انجيل متى أن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه بدون أن تسألوه إياه. وإنما الذي يحسن بنا أن نطلبه من الله أن يهدينا السبيل ويرشدنا إلى الخير ويوفقنا إلى الإحسان ويهبنا القوة والشجاعة في أداء واجبنا فإن هذا لا يستلزم إظهار المعجزات ولا يدعو إلى خرق نظامه ولأن صلاة كهذه تقوي فينا العاطفة الأدبية وتقتلع من أفئدتنا أصول الشر وتحملنا على بذل الخير وعمل الإحسان. وخليق بالصلاة أن تعد من ضمن ما علينا من الواجبات لأنفسنا لا من حقوق الله علينا فأن الله قائم بذاته غني عن العالم غير مفتقر إلى أحد لا تؤثر عليه أفعالنا لا في قدرته وإرادته ولا في جلاله وكبريائه تعالى عن النقائص وتنزه عن الفقر لا تعوزه صلاتنا وإنما نحن الذين تعوزنا الصلاة إليه فإن في الصلاة وصعود الفكر وتوجيه القلب إليه تزكية للنفوس وتطهيراً
стр. 888
للضمائر وتقوية للعزائم وتنويراً للأذهان.
إذا تقرر كل ذلك علمنا أن في طاقة الملحد بل من المحتم القيام بواجب المؤمن قبل ربه فإن الأخير وإن صف يديه وثنى ركبتيه غير أن ما يخفيه بين أحشائه ويكنه في ضميره قد يخالج الأول ويستقر في أعماق نفسه.
إننا إذا صعدنا بنفوسنا قبل الله فإنما نصعد بها قبل العدل والجمال والحقيقة والملحد غير عاجز عن ذلك. إن المؤمن وإن رأى ضرورة تمثيل الكمال والجمال والحقيقة والعدل في ذات الإله إلا أنه لم يتقدم عن الملحد خطوة ولم يسبقه قيد شيء لأن مواهبه محدودة فلا يقدر أن يحيط بغير المحدود ولا يدرك شيئاً من الحقيقة إلا بواسطة العلوم ولا يحظى بالجمال من غير الفنون والطبيعة ولا يتسنى له العدل إلا بالعمل.
ومن هنا يتضح لنا جلياً أن الواجبات الدينية هي في الحقيقة واجبات شخصية وقد أثبتنا أن جميع الواجبات الشخصية في الواقع واجبات اجتماعية والخلاصة أن الآداب النفسية والدينية داخلتان ضمن الآداب الاجتماعية التي هي الكل في الكل.
стр. 889
ابن زيدون
أو صفحة من مجالى الأنس في ليالي الأندلس
هذه هي المحاضرة الجلية التي ألقاها سعادة العالم البحاثة الثقة أحمد زكي باشا سكرتير مجلس النظار في نادي موظفي الحكومة بالاسكندرية - وقد أتحف بها سعادته مجلة البان فنشكر لسعادته الشكر كله طرفة غالية ستعيها إن شاء الله أذن صاغية
١
تمهيد
قلبي بأندلس مدله وعقلي بأطلاله موله. وهيامي بأهليه حديث قديم، وغرامي بساكنيه مقعد مقيم. وحنيني إليه يحبب لي فيه الأسى والحنين.
فلا غرو إذا كنت أتصيد الفرص السوانح ولا عجب إذا كنت أتقنص الشوارد والبوارح، لأترنم بذكرى المحبوب. فإن الذكرى بلسم القلوب.
أفليس المصدور يروح نفسه بنفثه؟ وهل يلام المستهام إذا تحين خلسة لبثة؟ فاعذروني على هذا الهوى العذري! فقد خانني شعري ولم يساعدني نثري على أنني أعلل نفسي بأن تستمعوا لهمسي وتعاونوني على إحياء أندلسي فذلك الهوس هوسي قد لازمني في حلمي وفي حسي واستمكن من عقلي واستولى على نفسي فهل أحظى بشارقة يكون بها أنسى قبل أن أدخل في رمسي.
ناشدتكم الله أن تسمحوا لهذه الزفرات أن تتصاعد على مسمع منكم! وأن تبيحوا لهذه العبرات أن تتحدر على مشهد منكم! فلعلي أجد في هذا الأنين راحة مما يجده قلبي الحزين! ولعلي أتوصل لإيصال صورتي إلى أعماق قلوب الحاضرين ولإرسال صداء إلى غاية مداه بين الغائبين! ولعلي ولعلني. ولعلني أرى الكثيرين من أبناء أمتي يشاركونني في صبابتي ولوعتي! فو الله أن الشرك في مثل هذا الغرام ليس فيه شيء من الحرام لا في شرع الهوى ولا في شرع النهي، ولا في شرع الهدى، فكل شرك مذموم: اللهم إلا ما كان فيه تعاون على البر والتقوى. وليت شعري أي تعاون أفضل من وضع الأيدي ومن توازر العقول بالعقول ومن تجاذب الأرواح إلى الأرواح للتناصر على إحياء كلمة الأدب بين العرب حتى يزدان هذا العصر الجديد بما كان للشرق من فخر قديم ومجد تليد.
стр. 890
لعمري إذا ما سرى هذا التيار تيار الكهرباء المنبعث من ذياك الغرام في صدور أبناء العرب الكرام، فلا جرم أن تتوقد في قلوبهم تلك الحمية التي امتلكوها بها نواصي الأيام. ولا ريب في أن يشتعل في نفوسهم ذلك الحماس الذي سادوا به على الناس فالأيام دول ومن سار على الدرب وصل!
كنت آليت على نفسي في هذه السنة أن لا أناجي هذا النادي، وأن لا أحاضر هذا السامر بما أتلقفه من بطون الطوامير وما أهتدي إليه بين دفات الدفاتر مما ينضاف إليه شيء من علمي القاصر وخاطري الكليل الفاتر وكنت أردت أن أحقق في نفسي ما قاله حكماء العجم والعرب. إن كان الكلام من فضة: فالسكوت من ذهب فلزمت الصمت ولازمت البيت: وعكفت على خدمة الدفاتر والطوامير. ولبثت منتظراً انهيال القناطر من الدنانير: ولكن حرفة الأدب لا نسبة ولا نسب بينها وبين الذهب. فلم أحظ بذهب السكوت وانفضت عني فضة الكلام فكان حظي صفقة المغبون.
وكأن الأقمار حكمت علي بفضة الكلام لا غير فأثارني من مكمني. وهزني بشدة عنيفة لمعاودة المحاضرة في هذا النادي.
ذلك أن جريدة النوفيل التي تصدر في الإسكندرية كتبت ذات يوم فصلاً عن المسيو بوانكاريه رئيس الجمهورية الفرنسية أثناء زيارته لعاصمة الأنقليشيين (كما يقول الأندلسيون) أو الأنكتار (كما كان يقول المصريون في أيام الحروب الصليبية) أو الانجليز (كما نقول نحن اليوم) تلك العاصمة التي كان أهل الأندلس يسمونها لوندرس وعلى منوالهم جرى الاسبانيون إلى الآن، وهي لوندرة في اصطلاحنا عن الفرنسيين أو لندن في عرفنا أيضاً عن أبناء جلدتها.
قالت جريدة النوفيل أن المسيو بوانكاريه استقبل عشرين وفداً من طوائف الانجليز ورجالاتهم المعدودين، وكلهم قدّم له خطبة للترحيب بمقدمه إلى بلادهم. فأجاب كل خطبة بعبارة من الشكر تخالف ما أجاب به الأخرى. وهكذا استعمل الرئيس عشرين صيغة مختلفة في الشكر. فدل بذلك على تضلعه من لغته وتبحره في آدابها. وكانت هذه البراعة سبباً لإعجاب الناس بهذا الاقتدار. تلقف الإخباريون هذه النادرة فأطنبوا في مدحها وأعجبوا بالرئيس إعجاباً ما وراءه من مزيد.
стр. 891
رأيت ذلك فأخذتني العصبية لقومي، والحمية للغتي. فأمسكت القلم وكتبت في الحال لجريدة النوفيل فصلاً باللغة الفرنسية تكرمت بنشره في اليوم الثاني. أظهرت في هذا الفصل ما تذكرته من أوجه الشبه بين الوزير ابن زيدون وبين الرئيس بوانكاريه ثم ذكرت ما رواه ابن بسام صاحب الذخيرة في محاسن الجزيرة أي جزيرة الأندلس. قال عن ابن زيدون: فاما سعة ذرعه، وتدفق طبعه؟ وغزارة بيانه، ورقة حاشية لسانه: فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد، والرمل الذي لا يحصى ولا يعد. أخبرني من لا أدفع خبره من وزراء اشبيلية، قال: لَعهدي بأبي الوليد قائماً على جنازة بعض حُرَمه والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم، فما سمع يجيب بما أجاب به غيره لسعة ميدانه، وحضور جنانه قال الصلاح الصفدي: وهذا من التوسع في العبارة والقدرة على التفنن في أساليب الكلام. وهو أمر صعب إلى الغاية وأقل ما كان في تلك الجنازة - وهو وزير_ألف رئيس ممن يتعين عليه أن يشكر له، فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها الشكر. وهذا كثير إلى الغاية، ولا سيما من محزون فقد قطعة من كبده.
ولكنه صوب العقول إذا انبرت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
أظهرت للجريدة الفرنسية أن ما صنعه ابن زيدون أكثر بكثير مما فعله الرئيس بوانكاريه، ولا سيما إذا نظرنا إلى الموقفين فإن المثكول بالأولاد، المحروق الفؤاد، يستعصي عليه الكلام، ويحتبس لسانه دون البيان، ولو كان في بلاغة قس وفصاحة سحبان.
ثم ذكرت في تلك الرسالة أن ابن زيدون ممن يستأهل التعريف به في هذه الأيام، وأنني ربما اختلست فرصة من وقتي وتملصت من الأشغال الكثيرة التي تستفرغ جهدي وفكري لتحضير محاضرة أتحف بها أخواني في نادي الموظفين بالإسكندرية. ولكنني لم أختم الرسالة دون الاستطراد إلى ما فعله بعض المشارقة مما ينطوي تحت هذا الباب واخترت ثلاثة شواهد أوردتها لأولي النهي من الإفرنج والجاهلين أو المتجاهلين من المصريين المتفرنجين ليعلموا أن في العربية كنوزاً لمن يطلبها، وذخائر تجعل لها ولأهلها فخراً باقياً. اخترت المثال الأول من العراق، وأشرت إلى الحريري صاحب المقامات وذلك أنه كلما جمع بين الحارث بن همام وبين أبي زيد السروجي واحتاج إلى التفريق بينهما وإلى القول فلما أصبح الصباح تراه يعبر عن هذا المعنى في كل مقامة بعبارة تغاير الأخرى.
стр. 892
والمقامات بيننا تنطق بهذا الشاهد الصادق.
واخترت الشاهد الثاني من مصر. فإن الخطيب ابن نباتة (الذي شرح إحدى رسائل ابن زيدون) أملى مجلدة معناها من أولها إلى آخرها أيها الناس اتقوا الله واحذروه فإنكم إليه ترجعون وهذا أمر بارع معجز والناس يغفلون عن هذه النكتة فيه.
والشاهد الثالث اخترته من لشام وهو الصلاح الصفدي (الذي شرح رسالة أخرى لابن زيدون) فإنه ألف كتاباً كبيراً في تاريخ المشهورين في عصره وسماه أعيان العصر وأعوان النصر وهو يقع في اثني عشر مجلداً: فكلما ذكر وفاة أحد المترجمين استعمل عبارة تخالف الصيغة التي استعملها عند كلامه على وفاة غيره وهلم جراً.
هذه خلاصة الرسالة التي نشرتها في جريدة النوفيل في اليوم التالي لليوم الذ أوردت خبرها عن براعة الرئيس الفرنسي.
فأنتم ترون أن الفضل الأول يرجع إلى هذه الجريدة في محاضرتي الليلة. والفضل الثاني يرجع إلى مؤلفي العرب الذين رجعت إليهم في تلقف هذه الشوارد التي سأقصها عليكم: وهم:
أولاً_ابن بسام صاحب الذخيرة (وقد أحضرنا في دار الكتب الخديوية نسخة منها بخط مغربي نقلناه إلى الخط المشرقي بواسطة العلامة فقيد اللغة والأدب لعهدنا هذا المرحوم الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي)
ثانياً_قلائد العقيان للفتح بن خاقان الأندلسي.
ثالثاً_المعجب بتلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي.
رابعاً_البيان المغرب في أخبار المغرب لابن عذارى المراكشي (وترجمته للغة الفرنسية للموسيو فانيان
خامساً_سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون لابن نباتة المصري.
سادساً_تمام المتون من رسالة ابن زيدون التي كتبها لابن جهور وهو لصلاح الدين الصفدي (وتوجد منه نسخة جليلة في الخزانة الزكية).
سابعاً_أعيان العصر وأعوان النصر لصلاح الدين الصفدي أيضاً (وليس لهذا الكتاب أثر في القطر المصري سوى الجزء الأول الموجود بالخزانة الزكية).
стр. 893
ثامناً_مسالك الأبصار لأبن فضل الله العمري.
تاسعاً_تاريخ مسلمي الأندلس للعلامة دوزي الهولاندي في أربعة أجزاء إلى غير ذلك من الكتب والرسائل الأخرى الموجودة بلغات متعددة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها:
ومما يحسن ذكره أنني حينما شرعت في هذا المبحث رأيت أن اثنين من أفاضل العلماء المستشرقين قد سبقوني إليه. وذلك أنني كنت أبحث في قوائم الكتب المعروضة للبيع في بعض أسواق ألمانية فرأيت كتابين عن ابن زيدون لم يكن لي بهما علم قط قبل ذلك اليوم.
فأولهما - كتاب صنفه دكتور في العلوم اللاهوتية وهو الاستاذ هَندرك أنجلينس بن ويَّرس الهولندي اقتضر فيه على نقل ما كتبه الفتح بن خاقان عن ابن زيدون ثم ترجمه للغة اللاتينية مع شروح كثيرة وتفاسير عدة وطبعه في مدينة ليدن سنة ١٨٣١ (وقد أحضرت هذا الكتاب).
وثانيهما - هو المستشرق بستورن طبع رسالة ابن زيدون إلى ابن جهور وترجمها باللاتينية وصدرها بحياة ابن زيدون وعلق عليها كثيراً من الحواشي والشروح باللاتينية وطبعه سنة ١٨٨٩ (وقد سبقني غيري إلى اقتنائه ولكنني سأجتهد في الحصول على نسخة منه أضمها إلى الخزانة الزكية).
فأنتم ترون أن رجلاً كابن زيدون يُعنَى به العلماء من العرب وغير العرب على كر الغداة ومر العشي واختلاف المذاهب جدير أن يكون موضوع السمر في هذا النادي.
٢
كلمة صغيرة عن الأدب الأندلسي
فتح العرب الأندلس في أواخر المائة الأولى للهجرة، ثم أخذوا ينثالون على تلك البلاد الجميلة من جميع بلاد الإسلام، هنالك راجت سوق الحضارة الإسلامية، واستبحر العمران العربي، ونفقت بضاعة الأدب، وارتفعت رايات العلم، فبلغ القوم شأواً بعيداً، وأبقوا لهم فخراً مجيداً، فكانت لهم تلك الآثار التي تلعب بالعقول، ولا لعب الشمول، وسحروا الألباب، بما أتوا من العجب العجاب، حتى أقر بفضلهم ابن فضل الله العمري مع شدة تعصبه عليهم في كتابه المشهور مسالك الأبصار فقد اعترف بأنهم لطفوا مسالك الأدب، وأفادوا شرف الحضارة محاسن العرب، وقلبوا الأعيان، وسحروا الألباب بالبيان، فجاؤوا بأعجب
стр. 894
العجيب، وزادوا بحسن السبك خالص الذهب، وإن كان المشرق قد أنتج من طبقة أهل الأندلس من لا يُحجم به المُفاخر، ولا تحجب به المفاخر. ولكن للأندلسيين لطائف أعلق بالقلوب، وأدخل على النفوس في كل أسلوب. وستسمعون مصداق ذلك مما سأسرده عليكم من نقثات تلك الآيات البينات، التي تدلكم على أن كلام الأندلسيين ذهب بين رقة الهواء وجزالة الصخرة الصماء.
فكان كما قال شاعرهم الأندلسي عبد الجليل بن وهبون المرسي:
رقيق كما غنّت حمامة ايكة ... وجزل كما شق الهواء عقاب
أولية ابن زيدون
كان في جملة القبائل التي ذهبت إلى الأندلس رهط من بني مخزوم توطنوا في جهات قرطبة وما إليها. وناهيك بهذه القبيلة ذات الشرف الصميم، واللسان القويم. فكان بنو زيدون من رجالاتهم المعدودين، خصوصاً في الفقه والأدب. واشتهر منهم ثلاثة حفظ لنا التاريخ أسماءهم وهم:
أولهم_أبو بكر غالب بن زيدون.
ثانيهم_أبو الوليد أحمد بن زيدون (وهو قطب الدائرة في هذه المحاضرة).
ثالثهم_أبو بكر بن زيدون.
كان مولد الأول سنة ٣٠٤ ومات سنة ٤٠٥ بعد أن بلغ من العمر مائة سنة. توفي في ضيعة له، ثم نقلوا تابوته إلى قرطبة، فدفن بالربض (أي الضاحية). وهنالك رثاه أبو بكر عبادة الشاعر الأندلس بما يعرفنا بمقامه في قومه:
أي ركن من الرياسة هيضا ... وجموم من المكارم غيضا
حملوه من بلدة نحو أخرى ... كي يوافوا به ثراه الأريضا
مثل حمل السحاب ماء طبيبا ... لتداوي به مكاناً مريضا
وأما ثانيهم فهو واسطة العقد، والذي سيدور عليه كلامنا فيما بعد.
والثالث هو الذي تقلد بعد أبيه (أبي الوليد) وزارة المعتمد بن عباد. وقد انتقم لأبيه من ذي الوزارتين ابن عمار على ما سنراه في آخر الكلام. وكان أبو بكر هذا هو الذي تولى السفارة عن أبن عباد إلى يوسف بن تاشفين صاحب المغرب الأقصى حينما تنمر
стр. 895
الاسبانيون مع ملكهم الأذفونش (الفونس السادس) لملوك الطوائف، وخصوصاً لبني عباد في خطب يطول شرحه، ولا يسع المقام تلخيصه.
من هو ابن زيدون
عني خذوا أخباره وتلقفوا ... أشعاره وتتبعوا آثاره
فالحر من أمضى لنيل تراثه ... عزماً وأسهد ليله ونهاره
وبيمن عباس تهيأت النهى ... للعلم واقتنت الورى أسفاره
عباس قد غرس الفخار بأرضكم ... فتعهدوه لتجتنوا آثاره
هو ذو الوزارتين أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب ابن زيدون المخزومي الأندلسي. كان مولده بقرطبة في سنة ٣٩٤ أعني في الوقت الذي سرى فيه الانحلال في جسم الخلافة المروانية بالأندلس بعد أن بلغت من المجد نهاية النهايات، وأدركت من الفخامة مالا تصدق معه الروايات. في ذلك الوقت تحللت عرى الدولة، فانقسم المسلمون على أنفسهم، وتخاذلوا، واستنصروا أعدائهم على بعضهم بعضاً، وسلموا البلاد والقلاع والحصون واحداً تلو الآخر إلى أعدائهم ليمدوهم بالمعونة على إخوانهم. وهكذا حتى أودت تلك الفوادح بذلك الملك الكبير، ثم أتت على القوم بأكملهم فأصبحوا خبراً بعد عين. نتساءل عنهم بقولنا كيف وأين؟ في تلك الأيام استظهروا على شهواتهم بجر ذيولها، وامتروا بطالاتها من أخلاف أباطيلها. حتى انشقت عصاهم، ودارت بدائرة السوء على الجهالة رحاهم.
كان ابتداء الاضمحلال والانحلال من أول يوم جلس فيه المستعين على عرش الخلافة في منتصف ربيع الأول سنة ٤٠٠.
فقد كانت أيامه كلها كما وصفها ابن حيان الأندلسي شداداً نكرات، صعاباً مشئوومات. كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحات المنتهى والخاتمة. ما فقد فيها حيف، ولا فورق خوف. ولا تم سرور، ولا فقد محذور. مع تغير السيرة، وخرق الهيبة، واشتعال الفتنة، واعتلاء العصبية، وظعن الأمن وطول المخافة. دولة كفاها ذماً أنها تمخضت عن الفاقرة الكبرى، وآلت من التي بعدها إلى ما كان أعضل وأدهى. مما طوى بساط الدنيا، وعفارسمها وأهلك أهلها. وإذا أراد الله شيئاً أمضاه.
стр. 896
وكذلك لم يكن في المستكفي أدنى كفاية للخلافة. وإنما أرسله الله على الأمة محنة وبلية. إذ كان منذ عرف منقطعاً إلى البطالة، مجبولاً على الجهالة، عاطلاً عن كل حلية تدل على فضله. عضته الفتنة فأملق، وهان حتى أهانه أهله ولقد رآه أبو حيان مؤرخ الأندلس المشهور أيام الخسف بأهل بيته في الدولة الحمودية، ولم يكن ممن لحقه الاعتقال منهم لركاكته. كان يقصد أهل الفلاحة يومئذ بقرطبة أوان ضمهم لغلاتهم يسألهم من زكاتها. قال وقد أجمع أهل التحصيل أنه لم يجلس في الأمارة منذ تلك الفتنة أسقط منه، ولا أنقص. إذ لم يزل معروفاً بالتخلف والركاكة، مشتهراً بالشرب والبطالة، سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عامل الخلوة.
ذلك الوقت هو الذي أشار إليه ابن حزم بقوله:
فضيحة لم يقع في الدهر مثلها! أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، يسمى كل واحد منهم بأمير المؤمنين، ويخطب له في زمن واحد: أحدهم خلف الحصري باشبيلية على أنه هشام بن الحكم المؤيد. والثاني محمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء والثالث محمد بن علي بن حمود بمدينة مالقه والرابع إدريس ابن يحيى بن علي بسبته تلك هي الأيام التي كان العرب والبربر فيها في خصام مستديم، وكان كل من الفريقين منقسماً على نفسه، وكان الجميع في خلاف مع أهل المغرب الأقصى من الجنوب، وفي حروب وخطوب مع بقايا الأمم الاسبانية من الشمال والغرب. في ذلك الوقت العصيب تفرق أهل الأندلس فرقاً، وتغلب في كل جهة منها متغلب. وهم الذين عرفهم التاريخ باسم - ملوك الطوائف_وقد أرادوا أن يفخموا أنفسهم وممالكهم فتقسموا ألقاب الخلافة، كما تناهبوا أشلائها. فكان منهم المعتضد والمأمون والمؤتمن والمستعين والمقتدر والمعتصم والمعتمد والموفق والمتوكل. إلى غير ذلك من الألقاب الخلافية. حتى قال في ذلك أبو علي الحسن بن رشيق بيتين سارا سير الشمس، وبقيا بقاء الدهر. وهما:
مما يزهدني في أرض أندلس ... سماع مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
فكانت طرطوش وسرقسطة وافراغه ولاردة وقلعة أيوب في يد بني هود. وكانت بلنسية في يد عبد الملك بن عبد العزيز. وكان الثغر، أي ما فوق طليطلة من جهة الشمال
стр. 897
في يد بني رزين وكانت طليطلة في يد بني ذي النون. وكانت قرطبة في يد أبناء جهور. وكانت اشبيلية في يد بني عباد. وكانت ملقة والجزيرة الخضراء وغرناطة في يد بني برزال من البربر - وأما المرية فكانت في يد زهير العامري الخادم ثم خيران العامري الخادم. ثم أبن صمادح. وكانت دانية وأعمالها والجزائر الشرقية (الباليار) في يد مجاهد العامري. وكانت بطليوس ويابرة وشنترين والاشبونة في يد بني الأفطس. فلا عجب إذا كثر الوزراء في تلك الأيام، ولاعجب إذا كثر أيضاً ذوو الوزارتين. فالناس على دين ملوكهم. فكان كل من امتلك مائة كيلو متراً مربعاً في مثلها يعد نفسه سلطاناً كبيراً، ويتخذ من الحاشية ما يضارع به أبهة الخلافة - وقد كان عهدهم بها قريباً_فكثر عندهم الوزراء. وكثر بينهم الذين يسمون أنفسهم بذي الوزارتين.
ومن الطبيعي أن الرئاسة إذا انحطت عن جلالتها تبعها المرؤوس في السقوط. فلما تدلت الخلافة في الانحلال، صارت الوزارة أيضاً في درجات الهوان. فإن المستعين الذي ذكرناه قال بعد أن جلس على عرش الخلافة للناس أجمعين: ارتعوا كيف شئتم وارتسموا بما أحببتم من الخطط فتسمى بالوزارة في أيامه مفردة ومثناة أراذل الدائرة، وأخابث النظار. فضلاً عن زعانف الكتاب والخدمة (عن ابن بسام).
وصارت هذه الرتبة تنحط مع انحطاط الدول، حتى نزلت في أواسط القرن الثامن للهجرة إلى الدرجة التي وصفها لنا ابن فضل الله العمري حيث قال:
سألت الشيخ العلامة ركن الدين أبا عبد الله بن القويع عن رتبة الوزير بالمغرب فقال: ليست بطائل، ولا لصاحبها شيء من الأمر. بل هو كالجاويش يخرج قدام السلطان يوم الجمعة: حقيقة دون السمعة
وقد استبد هؤلاء الرؤساء بتدبير ما تقلبوا عليه من الجهات. وانقطعت الدعوة للخلافة. فلم يبق لخليفة هاشمي أو أموي ذكر على منابر الأندلس خلا أيام يسيرة دعى فيها باشبيلية لهشام المؤيد بن الحكم (أو لشخص شبه لهم) حسبما اقتضته الحيلة، واضطر إليه التدبير. ثم انقطع ذلك. فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا. وحال قواد الاسكندر بعد وفاته. ولم يزل هؤلاء الرؤساء في اقتتال وتخاذل. ويستعينون بعدوهم جميعاً فيميل تارة إلى هذا وطوراً إلى ذاك حتى اختلت الأحوال إلى أن
стр. 898
تولاهم الضعف. فاستنصروا بالمرابطين فانتظم الشمل، وعادت المياه لمجاريها. ولكن إلى أجل معين. ثم عاد الانشقاق والانقسام. فانمحت كلمة الإسلام، وانطفأ ذلك النور، وباد القوم عن آخرهم في سنة ٨٩٧ للهجرة، بعد أن أقاموا فيها ثمانية قرون. لأن دخولهم كان في سنة ٩٢ للهجرة على يد طارق بن زياد.
رفعت الستار عن هذا المنظر المحزن ليكون لكم ولأمم المشرق تذكرة وعبرة، خصوصاً في الأوقات الحاضرة. والآن أقول لكم أنه على الرغم من توالي الفتن واضطراب الأحوال كانت سوق الأدب رائجة وبضاعته نافقة. فكل أمير وكل وزير وكل كاتب وكل وجيه كان له من الأدب نصيب وافر.
عرفنا من تقسيم الأندلس بين ملوك الطوائف أن بني جهور استبدوا بقرطبة، وأن بني عباد استأثروا باشبيلية.
في المملكة الأولى درج ذو الوزارتين ابن زيدون وتربى وظهر فضله. وفي الثانية قضى بقية أيامه في العز والكرامة. وكانت بها وفاته في محرم سنة ٤٦٣ على التحقيق الدقيق كما نص عليه معاصره ابن بسام ولا عبرة بالأقوال الأخرى عن وفاته، لأن الذين قالوا بوفاته في سنة ٤٠٥ خلطوا بينه وبين أبيه غالب بن زيدون. وقد قدمنا الكلام عليه وعلى مولده ووفاته.
اشتغل ابن زيدون بالأدب، وفحص عن نكته، ونقب عن دقائقه، إلى أن برع وبلغ من صناعتي النثر والنظم المبلغ الطائل. حتى قال فيه ابن بسام:
كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء مخزوم، أحد من جر الأيام جراً، وفات الأنام طراً، وصرّف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المباني، شعري الألفاظ والمعاني.
وما عتم أن أصبح في الأندلس متيم ذلك الحي، وعاشق ولاّدة لامى. زاد عل مجنون ليلى، وقيس لبنى، وابن أبي ربيعة صاحب الثريا. تركه هواه أنحف من قلم، وأشهر من نار على علم، وله مع ولادة أخبار ما حكى مثلها ابن أبي عتق، ولا الأصفهاني عن سكان وادي العقيق، ولا الأصمعي عن أهل ذلك الفريق. أندى من نسيم الصباح، وأرق من ريق
стр. 899
الغوادي في ثغور الأقاح.
وإذا تصفحنا دواوين الأدب عند الأمم الأخرى لا نجد له شبيهاً سوى تيبولسشاعر الرومان.
وتنقسم حياة ابن زيدون إلى قسمين مهمين في قرطبة في اشبيلية.
أولاً_في قرطبة: برع ابن زيدون في الأدب، حتى كان أبو الوليد في الأندلس شبيهاً ومثيلاً لأبي الوليد في دولة المتوكل العباسي. وقد سماه الناس بحتري الأندلس. ولقد صدقوا. فمن جملة المحفوظ عنه في صباه قوله:
أخذت ثلث الهوى غصباً ولي ثلث ... وللمحبين فيما بينهم ثلث
تالله لو حلف العشاق أنهم ... موتى من الوجد يوم البين ما حنثوا
قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا ... ماتوا فإن عاد من يهوونه بعثوا
ترى المحبين صرعى في عراصهم ... كفتية الكهف ما يدرون مالبثوا
ثم هام بعد ذلك بحب ولاّدة بنت المستكفي الخليفة الأموي بالأندلس. وكانت أديبة، شاعرة، جزلة القول، حسنة الشعر. تناضل الشعراء وتساجل الأدباء. وعمرت عمراً طويلاً ولم تتزوج قط. جاءت على خلاف أبيها في كل أوصافها، فكانت مصداقاً لقوله تعالى يخرج الحيّ من الميت وقد ابتذل حجابها بعد نكبة أبيها وقتله، فصارت تجلس للشعراء والكتاب وتعاشرهم وتحاضرهم، ويتعشقها الكبراء منهم. وكانت على خلق جميل، وأدب غض. وكان لأبن زيدون معها أخبار تطرف القلوب، وتشغف المسامع. لأنه خلع في هواها العذري عذاره. وقد شهد المؤرخون كلهم لها بالعفة والصيانة. ولكن الشعراء في كل واد يهيمون، فكيف لا يهيم بولاّدة أبو الوليد بن زيدون. والمقام لا يتسع لأشعاره فيها وأشعارها إليه، ولكني آتيكم براموز ومثال، واترك الباقي لغير هذا المجال.
ودّعها ذات يوم فأنشدها مرتجلاً
ودّع الصبر محب ودعك ... ذائعاً من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناءً وسنا ... حفظ الله زماناً أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك
ثم قال
стр. 900
يا نازحاً وضمير القلب مثواه ... أنستك دنياك عبداً أنت دنياه
ألهتك عنه فكاهات تلذ بها ... فليس يجري ببال منك ذكراه
علّ الليالي تبقيني إلى أمل ... الدهر يعلم والأيام معناه
ولما كان مجلس ولاّدة بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر. يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهافت أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة مسامرتها. وهي مع ذلك محافظة على علو النصاب، وكرم الأنساب، وطهارة الأثواب. ولقد طمع بعضهم في الاستئثار بها دون ابن زيدون. فنازعه على حبها، وزاحمه في ودها، رجل من رجالات عصره. وهو أبو عبد الله البطليوسي. فكتب إليه ابن زيدون يزجره بهذا الرجز:
أيا عبد الإله اسمع ... وخذ بمقالتي أو دع
وأنقص بعدها أو زد ... وطر في أثرها أو قع
ألم تعلم بأن الده ... ر يعطي بعد ما يمنع
فإن قصارك الدها ... يز حيث سواك في المضجع
ومنهم الوزير أبو عامر بن عبدوس الملقب بالفار، وكان ممن أكابر رجالات قرطبة، فاغتاظ ابن زيدون وبعث له بهذه الأبيات:
أثرت هزبر الشرى إذ ربض ... ونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلاً ... إليه يد البغي لما انقبض
أبا عامر أين ذاك الوفا ... إذ الدهر وسنان والعيش غض
وأين الذي كنت تعتد من ... مصافاتي الواجب المفترض
حذار حذار فإن الكريم ... إذا سيم خسفا أبي فامتعض
وإن سكون الشجاع النهو ... ش ليس بمانعه أن يعض
عمدت لشعري ولم تتئد ... تعارض جوهره بالعرض
أضاقت أساليب هذا القري ... ض أم عفا رسمه فانقرض
لعمري لفوقت سهم النضال ... وأرسلته لو أصبت الغرض
وشمرت للخوض في لجة ... هي البحر ساحلها لم يخض
وغرك من عهد ولادة ... سراب تراآى وبرق ومض
стр. 901
هي الماء يأبى على قابض ... ويمنع زبدته من مخض
ونبئتها بعده استحمدت ... يسرى إليك لمعنى غمض
أبا عامر عثرة فاستقل ... اتبرم من ودنا ما انتفض
ولا تعتصم ضلة بالحجاج ... وسلم فرب احتجاج دحض
وحسبي أني أطبت الجنى ... ل يأبه وأبحت النفض
ويهنيك أنك يا سيدي ... غدوت مقارن ذاك النفض
ثم كتب له رسالته المشهورة على لسان ولاّدة، وقد عبث فيها به كما عبث الجاحظ في رسالته التربيع والتدوير بأحمد بن عبد الوهاب الكاتب في بغداد. فاشتهرت رسالة ابن زيدون في المشارق والمغارب. وهي التي شرحها كثير من أدباء المشارقة، كابن نباتة والصفدي. وشرح ابن نباتة قد طبع في مصر مراراً. وهو في غاية الحسن ونهاية الفائدة. وأما شرح الصفدي لهذه الرسالة فلم يصلنا.
على أن ابن عبدوس لم ينثن عن محاولته، حتى تمكن من أيقاع الجفوة بين أبن زيدون وولاّدة واستأثر بها دونه، فاغتاظ ابن زيدون والتجأ إلى قريضه القارص، فلسع الرجل بقوله:
أكرم بولادة ذخر المدخر ... لو فرقت بين بيطار وعطار
قالوا أبو عامر أضحى يلم بها ... قلت الفراشة قد تدنو من النار
عيرتمونا بأن قد صار يخلفنا ... فيمن نحب وما في ذاك من عار
أكل شهي أصبنا من أطايبه ... بعضاً وبعضاً صفحنا عنه للفار
ولقد فاز ابن زيدون بمناه، من إقاء الفار عن حماه، بل أن ولاّدة أخذت تعبث بذلك الوزير، حتى أنها مرت به ذات يوم في تربها وسربها وكان الوزير ابن عبدوس جالساً على باب داره يستنشق الهواء العليل، وكانت أمام داره بركة تجمعت فيها مياه المطر، وانساق إليها شيء من أقذار الدار. كان الوزير جالساً في أبهته وعظمته وقد نشر كميه، ونظر في عطفيه، وحشر أعوانه إليه. فلما قربت منه ولاّدة نادته باسمه فهش إليها وبش، واقترب من البدر، فقالت له وهي تشير إلى البركة: يا ابن عبدوس
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
стр. 902
ثم نفرت كالظبي الشارد وتركته حائراً بائراً، باهتاً صامتاً. لا يحير جواباً، ولا يعي خطأ ولا صواباً. وهذا البيت لأبي نواس تمثلت به ولاّدة ونقلته هذا النقل الحسن من المدح إلى الهجاء.
غير أن هذا الوزير صبر حتى خلا جو قرطبة من ابن زيدون على ما سيأتي. فاستأثر بولاّدة وعاش وعاشت حتى بلغا الثمانين وهما يتراسلان ويرتعان في بساتين الأدب، ورياض العفاف.
لم يبلغ ابن زيدون الخامسة والعشرين من عمره حتى نَبُه ذكره، وعم صيته. اصطنعه أبو الحزم ابن جهور المتغلب على قرطبة ونواحيها وضواحيها ونوه به لأنه رآه فتى الآداب، وعمدة الظرف، والشاعر البديع الوصف. ولما له بقرطبة من الأبوة السنية، والوسامة والدراية، وحلاوة المنظوم والسلاطة، وقوة العارضة، والافتنان في المعرفة. فكانت الكتب تنفذ من إنشائه إلى شرق الأندلس فيقال تأتي اشبيلية كتب هي بالنظم الخطير أشبه منها بالمنثور. ثم ترقى في وظائف الدولة القرطبية حتى صار إليه النظر على أهل الذمة، ثم رآه ابن جهور أهلاً للوزارة فرقاه إليها، بل جعله ذا الوزارتين. فكان منه بمنزلة السمير والوزير، والمشير والسفير. فكم أنفذه إلى ملوك الطوائف لأمور سياسية، ولمخابرات تقتضيها المعاملات والمجاملات التي يوجهها الجوار، أو تدعو إليها علاقاته معهم أو مع ملوك الاسبانيين الذين كانوا يتربصون به وبهم دوائر السوء. فأحسن ابن زيدون التصرف في ذلك، وغلب على قلوب الملوك. حتى كان كل ملك يخطب وده، ويتمنى أن يقيم عنده. ولكنه كان بعد انقضاء مهمته يرجع إلى صاحبه بقرطبة وإلى مجالس أنسه بها، ولهوه بأهلها.
في ذلك الوقت المضطرب بالفتن الداخلية، والخطوب الخارجية كانت الجاسوسية لها أثر في مصالح الدولة، وفي أحوال الأفراد.
نترك أمور الدولة وسياستها جانباً ونقتصر على الدائرة التي ارتضينا لأنفسنا الجولان فيها وهي ميدان الأدب، ونذكر حكاية تدل على الجاسوسية الفردية في تلك الأيام.
كانت قرطبة جارية تتعشق فتى من القرشيين، وكانت لوجدها كاتمة. لكن الخبر وصل إلى الوزير ابن زيدون فلم يعبأ به لأن القوم كلهم كانوا متغلغلين في هذه السبيل. وكانت
стр. 903
الجارية تقول الشعر فجاشت نفسها ببيت فذ وامتنع عليها ما تريد وهذا لبيت هو:
يا معطشي عن وصل كنت وارده ... هل منك لي غلة إن صحت واعطشي
فجاءت إلى كبير الوزراء، وأمير الشعراء، وسألته أن يزيد عليه شيئاً وهي تظن أنه لا يعلم بما هي فيه من الغرام، فأمسك القرطاس، واغتنم فرصة الروىّ، وما يعلمه من السر المطوى. فكتب:
كسوتني من ثياب السقم أسبغها ... ظلماً وصيرت من لحف الضنى فرشي
أني بصرف الهوى عن مقلة كحلت ... بالسحر منك وخد بالجمال وشى
لما بدى الصدغ مسوداً بأحمره ... أرى التشاكل بين الروم والحبش
أوفى إلى الخد ثم أنصاع منعطفاً ... كالعقربان انثنى من خوف محترش
لو شئت زرت وسلك الليل منتظم ... والأفق يختال في ثوب من الغبش
جفا إذا التذت الأجفان طيف كرى ... جفنى المنام وصاح الليل يا قرشي
ومن تأمل أحوال الأندلسيين رأى أنهم كانوا يبالغون في التشبه بالشرقيين في كل ما اشتهروا به أو اشتهر من أحوالهم. فمدائنهم وعمائرهم وقصورهم ومنازلهم سموها بما اختاره الشرقيون في بلادهم. كذلك حاكوهم في مجالس أنسهم. وأنا اقتصر على ما يتعلق بابن زيدون وصحبه، وأمهد لذلك بما كان في بغداد.
كان في دار السام الوزير المهلى المشهور، والقاضي التنوخي، وقد بلغا من الكبر سناً عالياً، ولهما ذقون بيضاء تنهال على صدروهما، وكانا يتعاطيان في النهار أمور الدولة بغاية الحشمة والوقار. حتى إذا جن الليل اجتمعا في مجلس العقار، وخلعا العذار، فكانا يشربان في أواني من البلور والنضار، ولا يكتفيان بلذة الشراب، بل يغمسان أذقانهما في الأواني، ثم يرش كل منهما الشراب بتلك الرشاشات الغريبة على صاحبه لتتم لهما لذة السكر حساً ومعنى، باطناً وظاهراً. ويستمران على ذلك طرفاً من الليل. حتى إذا جاء الصباح عادا إلى أشغالهما: الوزير في تدبير الدولة، وقاضي القضاة في النظر في الخصومات والحكم على مقتضى الشرع. واستمرا على هذه الحال في معاقرة المدام، حتى وافاهما الحمام.
فاسمعوا نظير ذلك في قرطبة كان القاضي ابو بكر بن ذكوان من الجلالة بأسمى مكان.
стр. 904
أدركته حرفة الأدب، وله في العلم باع طويل. وكان يتشبه في خلوته مع ابن زيدون بالقاضي التنوخي مع الوزير المهلى. وهنالك ما شئت من دعابات ورقاعات، وما تخيلت من فكاهات ومجانات. حتى إذا أصبحا ذهب ذو الوزارتين إلى شأنه في ديوانه، وبكر أبو بكر إلى مجلس الحكم بمقتضى الحق. ومتى اقترب المساء عادا إلى القصف، وتجاوزا في ميدانهما كل وصف. إلى أن سطا الدهر، على أبي بكر. واتفق أن مرّ لبن زيدون يوماً بقبر ابن ذكوان في لمة من أخوانه، وجماعة من عمار ميدانه، فعطفوا عليه مسلمين، فقال أبو الوليد ابن زيدون مرتجلاً:
انظر الحال كيف تحال ... ولدولة العلياء كيف تدال
من سر لما عاش قل متاعه ... فالعيش نوم والسرور خيال
ولى ابو بكر فراع له الورى ... هول تقاصر دونه الأهوال
يا قبره العطر الرى لا يبعدن ... حلو من الفتيان فيك حلال
ما أنت إلا الجفن أصبح طيه ... نصل عليه من الشباب صقال
ما أقبح الدنيا خلاف مودع ... غنيت به في حسنها تختال
يا منشئ الأمثال منه أوحد ... ضربت به في السودد الأمثال
نقصت حياتك حين فضلك كامل ... هلا استضاف إلى الكمال كمال
من للقضاء يعز في أثنائه ... إيضاح مظلمة لها أشكال
من لليتيم تتابعت أرزاؤه ... هلك الأب الحافي وضلع المال
زرناك لم تأذن كأنك غافل ... ما كان منك بواجب إغفال
أين الحفاوة روضها غض الجنى ... أين الطلافة ماؤها سلسال
هيهات لا عهد كعهدك عائد ... إذ أنت في وجه الزمان جمال
فاذهب ذهاب البدء أعقبه الغنى ... وإلا من وافت بعده الأوجال
حيّ الحيا مثواك وامتدت على ... ضاحي ثراك من النعيم ظلال
وإذا النسيم اعتل فاعتلت به ... ساحاتك الغدوات والآصال
ولئن إذا لك بعد طول صيانة ... قدر فكل مصونة ستذال
ولقد أفاض في مدح ابن جهور وأهل بيته بأمداح تزري بالقلائد ولا تحتملها هذه
стр. 905
المحاضرة، فاقتصر على هذه الأبيات:
إن الجهاورة الملوك تبوؤا ... شرفاً جرى معه السماك جنيبا
فإذا دعوت وليدهم لعظمة=لباك رقراق السماح أريبا
هم تعاقبها النجوم وقد تلا=في سؤدد منها العيب عقيبا
ومحاسن تندى دقائق ذكرها=فتكاد توهمك المديح نسيبا
فتى أديب حر يصل هذه المكانة قبل أن يصل إلى الثلاثين من العمر، فكيف لا يكون كما قال المتنبي حرب الزمان والدهر. نعم فقد دبت عقارب الغيرة بينه وبين حاسدي نعمته وسعادته، والمناظرين والأنداد فتألبوا عليه وتآمروا حتى انتهوا بإيقاعه في شراكهم، ونجحوا لدى الأمير ابن جهور فحبسه حبساً طالت مدته فكانت تلك السجون مثاراً لشجونه.
فبعد أن صاغ لبني جهور لا سيما لأبي الحزم قلائد وخرائد، كتب إليه من السجن أشعاراً ورسائل مختارة، فاضت بها نفسه في التنصل والاعتذار والاستشفاع والاستعطاف. ولكن المزاحمين له على مركزه في الدولة، وعلى حب ولاّدة، كانوا دائماً يفوزون. فبقي في السجن مدة تنيف على الخمسمائة يوم.
كتب لابن جهور تلك الرسالة البديعة التي طبعها أحد المستشرقين في سنة ١٨٨٩، وهي التي شرحها العلامة صلاح الدين الصفدي. وعندي في الخزانة الزكية نسخة جليلة من هذا الشرح. وختمها بقصيدة فريدة يقول في تضاعيفها:
أيهذا الوزير، ها أنا أشكو! ... والعصا بدء قرعها للحليم!
ما عناء أن يألف السابق المر ... بط في العتق منه والتطهيم
وثواء الحسام في الجفن يثنى ... منه بعد المضاء والتصميم
أقصير مئين خمسٌ من الأ=يام؟ ناهيك من عذاب أليم!
فلم يفد ذلك شيئاً. ومنظوماته في هذا الباب كثيرة جداً، أذكر منها قيدة قصيرة:
إيهٍ، أبا الحزم اهتبل غرة! =ألسنة الشكر عليها فصاح
لا طار لي حظ إلى غاية ... إن لم أكن منك مريش الجناح!
عتباك بعد العتب أمنية، ... مالى على الدهر سواها اقتراح!
لم يثنني عن أمل ما جرى، ... قد يرقع الخرق وتؤسى الجراح
стр. 906
ولقد زارته أمه في سجنه، فخانتها دمعتها، فقال يخاطبها من قصيدته اللاّمية التي وجهها إلى ابن جهور مستعطفاً:
ألم يأنِ أن يبكي الغمام على مثلي ... ويطلب ثأري البرق منصلت النصل؟
وهلا أقامت أنجم الليل مأتماً ... لتندب في الآفاق ما ضاع من نبلي؟
فلو أصفتني، وهي أشكال همتي، ... لألقت بأيدي الذل لما رأت ذلي!
ولا افترقت سبع الثريا وغاضها ... بمطلعها ما فرق الدهر من شملي
لعمر الليالي، إن يكن طال عمرها، ... لقد قرطست بالنَبل في مقتبل النُبل!
تحلّت بآدابي وإن مآربي ... لسارحة في عُرص أمنية عطل
أخص لفهمي بالقلى؟ وكأنما ... يبيت لذي الفهم الزمان على دخل!
وأجفى على نظمي لكل قلادة ... مفصلة السمطين بالمنطق الفصل؟
ولو أنني اسطيع كي أرضى العدا ... شريت ببعض العلم حظاً من الجهل
أمقتولة الأجفان، مالكِ والهاً؟ ... ألم تُركِ الأيام نجماً هوى قبلي؟
أقلى بكاءً لست أول حرة ... طوت بالأسى كشحاً على مضض الثكل
وفي أم موسى عبرة إذ رمت به ... إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي
ولله فينا علم غب وحسبنا ... به عند جور الدهر من حكم عدل
وإن أردنا أن نتعرف حالته الروحية، وهو في سجنه، فهذه شذرات من قصيدة وجهها إلى أبي الحزم ابن جهور، يعاتبه فيها على عدم الإصغاء إليه. قال يصف نفسه:
جواد إذا استن الجياد إلى مدى ... تمطر، فاستولى على أمد الخصل
ثوى صافنا في مرابط الهون، يشتكي ... بتصهاله ما ناله من أذى الشكل
وأني لتنهاني نهاي عن التي ... أشار بها الواشي، ويعقلني عقلي!
أأنقض فيك المدح من بعد قوة؟ ... فلا أقتدي إلا بناقضة الغزل!
هي النعل زلت بي فهل أنت مكذب ... لقيل الأعادي؟ أنها زلة الحسل!
ألا أن ظني بين فعليك واقف ... وقوف الهوى بين القطيعة والوصل!
وإلا جنيت الأنس من وحشة النوى ... وهول السرى بين المطية والرحل
وأين جواب منك ترضى به العلا، ... إذا سألتني عنك ألسنة الحفل؟
стр. 907
ومن السجن خاطب صديقه أبا حفص بن برد، وقد حار لم يجد هادياً، وصار رهيناً لا يرجو فادياً، وعلم أن الناس متقلبون، وعلى من انقلب به الدهر منقلبون، لا يدينهم في الشدة إخاء، ولا يثنيهم عن ذي الخطوة زهو ولا انتماء:
ما على ظني باسُ ... يجرح الدهر ويأسو!
ربما أشرف بالمر ... ء على الآمال يأسُ!
ولقد ينجيك أغفا ... لٌن ويرديك احتراس!
والمحاذير سهام، ... والمقادير قياس!
ولكم أجدى قعود، ... ولكم أكدى التماس!
وكذا الحكم إذا ما ... عز ناس، ذل ناسُ
وبنو الأيام أخيا ... ف: سراة وخساس
نلبس الدنيا، ولكن ... متعة ذاك اللباس
يا أبا حفص، وماسا ... واك في فهم إياس!
من سنا رأيك لي في ... غسق الخطب اقتباس
وودادي لك نص ... لم يخالفه القياس!
أنا حيران وللأم ... ر وضوح والتباس
لا يكن عهدك ورداً، ... إن عهدي لك آس!
وأدِر ذكرىَ كاسا، ... ما امتطت كفك كاس
فعسى أن يسمح الده ... ر، فقد طال الشماس
واغتنم صفو الليالي، ... إنما العيش اختلاس
ما ترى في معشر حا ... لوا عن العهد وحاسوا؟
ورأوني سامرياً، ... يُتَّقى منه المساس
أذؤبٌ هامت بلحمي: ... فانتهاب وانتهاس
كلهم يسأل عن حا ... لي وللذئب اعتساس
إن قسا الدهر، فللما ... ء من الصخر انبجاس
ولئن أمسيت محبو ... سا، فللغيث احتباس
стр. 908
ويُفَتُّ المسك في التر ... ب: فيوطاً ويداس
وما ألطف وصفه لنفسه ولوشاته في إحدى قصائده الطنانة:
كأن الوشاة، وقد منيت بأفكهم، ... أسباط يعقوب، وكنت الذيبا
هذه الأحوال مضافة إلى نفس كبيرة تتعب في مرادها الأبدان، شيبت رأس ابن زيدون وجعلته هرماً قبل الأوان. فقد رأى الشيب في رأسه وعاضيه، فبكى على نفسه وقال قصيدة أخرى يستعطف بها ابن جهور أيضاً:
لم تطو برد شبابي كبرة وأرى ... برق المشيب اعتلى في عارض الشَّعَر
قبل الثلاثين إذ عهد الصبا كثب ... وللشبيبة غصن غير مهتصر
وفيها يقول بما يعرفنا بأنه عارف قدر نفسه:
أحين رف على الآفاق من أدبي ... غرس له من جناه يانع الثمر؟
وسيلة سبباً أن لا تكن سبباً ... فهو الوداد صفاء غير ما كدر
فدلنا بذلك على أن الشيب ألمَّ برأسه وبلحيتهن قبل أن يصل إلى الثلاثين من عمره. وذلك مصداق لما ذكرناه من أنه بلغ مراتب العلا وهو في سن الفتوة وريعان الصبا. وذكر الصفدي أنه كان يخضب بالسواد. وأنا لست ممن يرى الخضاب للرجال، فإنما هو في رأي خليق برباب الحجال. لأن الطبيعة لا تغالب ولا تقهر، وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر. ويعجبني بهذه المناسبة قول تلك العجوز المشرقية:
وصبغت ما صبغ الزمان، فلم يفد ... صبغي. ودانت صبغة الأيام
ولا استجيز رواية البيت الثاني لكم. . . فإذا كان منكم من يعرفه فليهمس به لأخيه الذي بجانبهن وليطلب منه أن يلقيه في أذن صاحبه. وهكذا حتى يدور الدور، فأكون كأنني ألقيته عليكم وما ألقيته. ولكن الذي أسألكم العفو في إيراده، أن ابن زيدون كان كأنه نظر إلينا في هذه الليلة وتفرس أن سيكون من بني مصر رجل يعرف فضله، وينشر ذكره، فأشار بما أفاضته الحكمة الربانية على لسانه إلى هذا العاجز الواقف بين أيديكم يناجيكم في ناديكم. فقد قال في ضمن استعطافه لابن جهور بيتاً هو أشبه بالوحي الذي يفيض على ألسنة الشعراء:
سيُعنى بما ضيعت مني حافظٌ ... ويغلي لما أرخصتَ من خطري مغلِ
стр. 909
ولكن ابن جهور أصر على القعود عن إقالته، من كبوته. فلما رأى ابن زيدون أن كل ذلك لم يجده نفعاً قال يخاطبه:
قل للوزير وقد قطعت بمدحه ... عمري، فكان السجن منه ثوابي
لا تخش لائمتي بما قد جئته ... من ذاك فيّ ولا توقَّ عتابي
لم تُخطِ في أمري الصواب موفقاً ... هذا جزاء الشاعر الكذاب
ثم أنه تحيل في الهرب ونجح. فلما خرج من السجنن اختفى بقرطبة وأقام فيها متوارياً. م نظم قصيدة طويلة يخاطب فيها ولاّدة ويستنهض الأديب أبا بكر بن مسلم للشفاعة ويستنزل أبا الحزم بن جهور. وفيها يعرفنا أن مدة حبسه بلغت خمس سنوات. قال:
سنون من الأيم خمس قطعتها ... أسيراًن وأن لم يبد شدٌّ ولا ربط
والقصيدة طويلة جميلة جليلة. ثم أنه ما زال بأبي الوليد بن جهور يستشفع به إلى أبيه أبي الحزم، حتى شفع له وانتشله من نكبته وصيره في صنائعه. ولما ولي الأمر بعد والده نوّه به وقدمه في الذين اصطنع لدولته وجلله كرامة لم تقنعه، زعموا.
فلا غرابة إذا بكى واستبكى حينما مات أبو الوليد بن جهور الذي أذاقه من الحبس والعذاب ألواناً. فقد وجد ابن بسام بخط ابن حيان هذه المرثية البديعة لأبن زيدون في أبي الحزم:
ألم تر أن الشمس قد ضمها القبر، ... وإن قد كفانا فقدها القمرَ البدر؟
وأن الحيا إن كان أقلع صوبه ... فقد فاض للآمال في أثره البحر؟
إساءة دهر أحسن الفعل بعدها، ... وذنب زمان جاء يتبعه العذر
فلا يتمنى الكاشحون، فما دجا ... لنا الليل إلا ريثما طلع الفجر
وإن يك ولى جهور؟ فمحمد ... خليفته العدل الرضا وابنه البر
همام جرى يتلو أباه كما جرى ... معاوية يتلو الذي سنه صخر
فقل للحيارى: قد بدا علم الهدى ... وللطالع المعروف قد قضى الأمر
أبا الحزم قد ضاقت عليك من الأسى ... قلوب ومنها الصبر لو ساعد الصبر
دع الدهر يفجع بالذخائر أهله ... فليس لنفس مذ طواك الردى قدر
مساعيك حلى الزمان مرصع ... وذكرك في أيام أردانها عطر
أمامك من حفظ الإله طليعة ... وحولك من آلائه عسكر مجر
стр. 910
وما بك من فقر إلى نصر ناصر، ... كفاك من الله الكلاءة والنصر
ولكننا نعود إلى ولاّدة ونتساءل هل نسي أبو الوليد ولاّدة؟ كلا بل عاد إلى التودد إليها والتقرب منها، وكان يذكرها في قرطبة وغير قرطبة ويراسلها بأشعاره الرائقة الفائقة.
ذهب مرة إلى الزهراء يتأمل في محاسنها فوصفها بقوله:
أني ذكرتك بالزهراء مشتاقا، ... والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله، ... كأنما رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضيّ مبتسم، ... كما حللتِ عن اللبات أطواقا
يوم كأيام لذات لنا انصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر، سراقا
تلهو بما يستميل العين من زهر ... جال الندا فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه، إذ عاينت أرقى، ... بكت لما بي، فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته، ... فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سري بنا فجة نيلوفر عبق ... وسنان نبه منه الصبح أحداقا
كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا ... إليك، لم يعد عنها الصدر إن ضاقا
لو كان وَّفي المنا في جمعنا بكم، ... لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكن الله قلباً عنّ ذكركم، ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
لو شاء حملى نسيم الريح حين هفا، ... وافاكم بفتى أضناه مالاقا
كان التجازي بمحض الود من زمن ... ميدان أنس جرينا فيه إطلاقا
فالآن أحمد ما كنا لعهدكم ... سلوتم؟ وبقينا نحن عشاقا
ثم أرسله ابو الوليد بن جهور سفيراً إلى حضرة إدريس الحسني بمالقة، فأطال الثواء هنالك واقترب من إدريس وخف على نفسه وأحضره مجالس أنسه فعتب عليه ابن جهور وصرفه عن السفارة بينه وبين أمراء الأندلس فيما يجري بينهم من التراسل والمداخلة.
٢_إلى هنا انقضت أيامه في قرطبة. فلقد خشي أبو الوليد أن يلاقي من الوليد ما لاقاه من الوالد. وحينئذ صحت عزيمته على الهجرة من قرطبة والذهاب إلى المعتضد بن عباد باشبيلية. فلامه بعض اخصائه على ما اعتزمه من التحول عن وطنه وهجرة أهله وخلانه فكتب إليه رسالة ضافية يعتذر فيها لنفسه ويقول من جملتها ما نصه:
стр. 911
وكنت أول حبسي قد وُضعت من السجن في موضع قد جرت العادة بوضع مستوري الناس وذوي الهيئات منهم فيه. وفي الشر خيار، وبعضه أهون من بعض. ثم اقتضى نقلي إلى حيث الجناة المفسدون، واللصوص المعتدون. وشكوت ذلك إلى الحاكم الحابس لي. . . فانتفى من الرضا به وأظهر الامتعاض. وتقدم إلى الموكل بالسجن في اختيار مجلس، أباين فيه من لا تليق بي ملابسته، وأنتبذ عمن لا تُرضى لي مجالسته. ثم لم ألبث أن أحضره (أي الموكل بالسجن) مجلس نظره وأمر بتأديبه على امتثاله فيما أمره به وانتهائه إلى ما حده له. واستأنف العهد في التضييق عليّ، زمنع من اعتاد صلتي من الوصول إلي. فأصعدت إلى غرفة في السجن أقنعني بها مع خساستها وامتلأت بالكون فيها على مضاضتها انفرادي من لفيف الأخلاط ومن ضمه السجن من السفلة والسقاط. فحين استوائي إليها عهد بحطي إليهم وخلطي بهم ووضعي بينهم فنقلت على أقبح النصب وأسوء الرتب. ودخل إلي في هذه الحال من أبلغ إليّ عن ابن الحكم رسالة جامعة من فنون مشتملة من الوعيد. فتبين لي أن ايحاشي نفسي بايناس أهلي، وقطعها في مواصلة وطني غبنٌ في الرأي وخور في العزم. ووجدت الحر ينام على الشكل ولا ينام على الذل. ولم استغرب أن أسأم بمثل هذا الخسف في مسقط رأسي، فقد ضاع المرء الفاضل في وطنه. فاستخرت الله ، واضح وجه العذر، ثابت قائم الحجة، عند من غصن عين الهوي، وخزن لسان التعسف. والله يصيب غرض الصواب برأي، ويقرب غاية النجاح على من سعى، حسبما ذلك في علمه أني مظلوم، مبغي علي، منسوب ما لم آته إلي ولعمرك يا سيدي أن ساعة العذر لتضيق عنك، وما تكاد تتسع لك في إسلامك تلميذك وابن جارك وشيخك الذي لم تزل آخذاً عنه مقتبساً منه، مع إكثارك من ذكر هذا والاعتداد به وادعاء الحفظ له. وقد رويت أن حسن العهد من الأيمان، ولكن من لك بأخيك كله؟ وما حم واقع، ولا حذر من قدر، وقد سبق السيف العذل! وتقدم من فعلي ما جف به القلم. وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن، ألا إن نذراً من وعيد سقط إلي بأن السعي لم يرتفع، وأن مادة البغي لم تنقطع، وأن البصيرة مستحكمة في استرجاعي من الأفق الذي أحل به، والجناب الذي أحط فيه. وأكد ذلك ف ظني ما كان إشارة لي إليه بعض من كنت آوي إلى الثقة بعهده، وأبني على الوثاقة من عقده، من الفقهاء الموسومين بالثرة عند لحكم المذكور والمكانة منه. وقد
стр. 912
عاتبته على تأخره عن مضافرتي، وتقصيره في مؤازرتي. فاعتذر بأن ذلك لا سبيل إليه، ولا منفذ للحيلة فيه. إذ المحرض علي لا تتأتى معارضته، ولا يتهيأ الاستبداد عليه، وأنه وصفني بالبذاء، وعابني بالتسلط على الأعراض. ووالله! ما استنجزت هذا، بعد أن هتك من ستري ما هتك، وأنهك ما انتهك، إن كنت أقول معذوراً، وأنفث مصدوراً. فكيف قبل ذلك، إذ لم يحدث سبب ولا عرض موجب؟ ومالي وهذا الجني تم مالياً! وستكتب شهادتهم ويسألون. . .
ووالله ما توهمت أني أوتي ممن أوتيت منه، مع اتصالي به وانقطاعي إليه واتسامي بالتأمل له والتعويل عليه. أن المعارف في أهل النهي ذمم. . .
لقد كان من محاسن الشيم، وشروط المروءة والكرم، أن يهب لي ما أنكر لما عرف، ويغفر ما سخط لما رضي، ويدفع بالتي هي أحسن، ويؤثر الذي هو أجمل وأرفق، ويتوقف عندما نص له من سعاية، وزف إليه من وشاية. فإن كان باطلاً ألقاه وفضح المخبر المتقرب به وأقصاه. ون كان حقاً صبر صبر الحليم. وأغضي إغضاء الكريم. وقبل إنابة المعتب، واقتصد في مؤاخذة المذنب. فقدم التوقيف قبل التثقيف، والتأنيب قبل التأديب. فإن الرفق بالجاني عتاب. والحر يلحى والعصا للعبد. . .
وهو يرى ويسمع أن بالحضرة قوماً لا يحصرهم العد، تحتمل سقطاتهم وتغتفر هفواتهم، وتقال عثراتهم. . .
وما أعلم أنهم يدلون بوسيلة إلا شاركتهم فيها، ولا يمتون بذريعة ينفردون دوني بها. . .
فإن كانت مسامحتهم لسابقة سلفت فقد أحرزت منها الحظ الأعلى أو لكمال أدب فقد ضربتُ فيه بالقدح المعلى، أو للطف تودد فما قصرتُ في الاجتهاد غير أني حرمت التوفيق. والأمر لله رب مجتهد ما خاب إلا لأنه جاهد والله لقد أظهرت مدحه، وأضمرت نصحه، وتممت على الصاغية له، وجريت ملء العنان إلى الاعتلاق به، اسقيه السائغ من مياه ودي. واكسبه السابغ من برود حمدي، وأجنبه الغض من ثمرات شكري، وأهدي إليه العطر من نفحات ذكري. لا يفيدني التحبب إليه، إلا ضياعاً لديه. ولا يزيدني التقرب منه. إلا بعداً عنه.
والذي أحبه منك وأثق ف المسارعة إليه بك، لقاؤه مجارياً ذكرى، مفاوضنا في امرئ،
стр. 913
معلماً له بالذي لا يذهب عنه من أن الذي اخترته لنفسي غاية ما يسيء العدو به ويساء المولى منه. فالجلاء أخو القتل، والغربة أحد السباءين: قال الله تعالى: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم
وقد هجرت الأرض التي هي ظئري، والدار التي كانت مهادي، وغبت عن أم أنا واحدها، تمتد أنفاسها شوقاً لي، وتغض أجفانها حزناً علي، والله يرى بكاءها ويسمع لي على من ظلمني نداءها. فالاستجابة مضمونة للمخلص وللمظلوم، وقد حملت السمتين، واستوجبت الصفتين ولتكن بغيتك التي دخرها عليها كلمة تأمين وإشارة إلى تأنيس وتذكير، تراجعني بها فأظهر بحيث أنا آمنا، وألقي العصا مطمئناً. فإن وجدت محر الشفرة فالعوان لا تعلم الخمرَة فإن اشبهت الليلة البارحة، أعلمتني بذلك، فطلبت الأمن في مظانه، وتقريت السلامة في مواطنها. وصبرت حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. كل يوم هو في شأن. ومع اليوم غد ولكل حال معقب. ولربما أجلى لك المكروه عما تحمد. ولك يا سيدي في انتدابك لما ندبتك إليه الفضل، والأيادي قروض، والصنائع ودائع، لا يذهب العرف بين الله والناس. والتحية الطيبة والسلام المردد على سيدي
ولكن ابن زيدون كان قد ذاق من الدهر حلوه ومره، فلم يرض لنفسه بالذهاب إلى اشبيلية دون أن يكون على ثقة من أمره. فلذلك كتب رسائل بديعة إلى بعض المقربين من المعتضد، قم إلى المعتضد نفسه، ليمهد السبيل إلى الهجرة حتى إذا تحقق أنه سينزل في اشبيلية على الرحب والسعة أزمع الرحيل إليها. وكان ذلك في سنة ٤٤١ للهجرة.
واتفق في وقت فراره من قرطبة إلى اشبيلية أن صادفه عيد الأضحى فرأى الناس مبتهجين بالعيد، وهم يتزاورون ويتبادلون التهاني، وهو شريد طريد، ففاضت نفسه بوصف حاله:
خليليّ لا فطر يسر ولا أضحى! ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى!
لئن شاقني شرق العقاب، فلم أزل ... أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا
وما انفك جو في الرصافة مشعري ... دواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسي صبابة ... بقلبي لا يألو زناد الهوى قدحا
وليس ذميماً عهد مجلس ناصح ... فأقبل في فرط الولوع به نصحا
стр. 914
كأني لم أشهد لدى عين شهدة ... نزال عتاب كان آخره الفتحا
وقائع جانيها التجني فإن مشى ... سفير خضوع بيننا، أكد الصلحا
وأيام وصل بالعقيق اقتضيته ... فا لا يكن ميعاده العيد، فالفصحا
وآصال لهو في مسناة مالك ... معاطاة ندمان إذا شئت أو سبحا
لدى راكد تصيبك من صفحاته ... قوارير خضر خلتها مردت صرحا
معاهد لذات وأوطان صبوة ... أجلت المعلى في الأماني بها قدحا
مقاصر ملك أشرقت جنباتها، ... فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحاً
يمثل قرطيها لي الوهم جهرة ... فقبتها فالكوكب الرحب فالسطحا
هناك الحمام الزرق تندى خفافها ... ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه ... إذا عزّ أن يصدى الفى فيه أو يصحا
تعوضت من شدو القيان خلالها، ... صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا
ومن حملى الكاس المفدى مديرها، ... تقحم أهوال حملت لها الرمحا
فلما وصل اشبيلية، نزل على كنف المعتضد، وأصبح من خواصه وصحابته يجالسه في خلواته، ويرسله في مهم رسائله. وولاه الوزارة، وحفظ له لقبه ذا الوزارتين.
كان المعتضد جعل مجلسه منحطاً عن مجلس ابنه وولي عهده المعتمد بن عباد. فكتب المعتمد لابن زيدون:
أيها المنحط عني مجلساً! ... وله في النفس أعلى مجلس!
بفؤادي لك حب يقتضي ... أن تري تحمل فوق الأرؤس!
فأجابه ابن زيدون يشكره:
اسقيط الطل فوق النرجس ... أم نسيم الروض تحت الحندس
أم قريض جاءني من ملك ... مالك بالبر رق الأنفس؟
يا جمال الموكب الغادي إذا ... سار فيه، يا بهاء المجلس!
شرفت بكر المعالي خطبة ... بك، فانعم بسرور المعرس!
وارتشفت معسول ثغر أشنب ... تجنيه من مجاج ألعس!
واغتبق بالسعد في جفن المنى ... يصبح الصنع دهاق الاكؤس!
стр. 915
فاعترض الدهر فيما شئته ... مرتقي في صدره لم يهجس!
ولكن هل أنساه ذلك ولاّدة ومحاسنها، أم قرطبة ومساكنها؟
كلا! فلم يزل صاحبنا مشغوفاً بهذه وبتلك، وأشعاره أكبر دليل على ذلك. فكلما حانت له فرصة، أو هزته نشوة، قال فيها أقوالاً تذيب الفؤاد.
فلقد تشوق إلى قرطبة وساكنيها بقصيدة تدل على حنينه لها ولمن فيها، فقال:
على دارة الشرقي مني تحية ... زكت وعلى وادي العقيق سلام
ولا زال روض بالرصافة ضاحك ... بأرجائها يبكي عليه غمام!
معاهد لهو لم نزل في ظلالها ... تدار علينا للسرور مدام
زمانٌ رياض العيش خضر نواعم ... ترف وأمواه النعيم جمام
فإن بان مني عهدها فبلوعة ... يشب لها بين الضلوع ضرام
تذكرت أيامي بها فتبادرت ... دموعي كما خان الفريد نظام!
ومن أجلها أدعو لقرطبة المنى ... بسقي ضعيف الطل وهو رهام!
محل نعمنا بالتصابي خلاله ... فأسعدنا والحادثات نيام!
فما لحقت تلك الليالي ملامة، ... ولا ذم من ذاك الحبيب ذمام!
وكان يبلغه عن بني جهور ما يسوءه في نفسه وقرابته في قرطبة، فقال يخاطبهم:
بني جهور أحرقتمو بجفائكم ... فؤادي؟ فما بال المدائح تعبق!
تعدونني كالعنبر الورد، إنما ... تفوح لكم أنفاسه حين يحرق!
وأما أمداحه في المعتضد بن عباد فشيء كثير جليل. وأذكر فقط بيتين أرسلهما إليه مع هدية من باكورة التفاح، وهما:
يا من تزينت الريا ... سة حين ألبس ثوبها!
جاءتك جامدة المدا ... م، فخذ عليها ذوبها!
وقد كتب عنه إلى صهره الموفق أبي الجيش بن مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية المعروفة الآن بجزائر الباليار:
عرفت عرف الصبا إذ هب عاطره ... من أفق من آنا في قلبي أشاطره
أراد تجديد ذكراه على شحط ... وما تيقن أنى الدهر ذاكره
следующие страницы →