Полный текст (3 596 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وكنت أول حبسي قد وُضعت من السجن في موضع قد جرت العادة بوضع مستوري الناس وذوي الهيئات منهم فيه. وفي الشر خيار، وبعضه أهون من بعض. ثم اقتضى نقلي إلى حيث الجناة المفسدون، واللصوص المعتدون. وشكوت ذلك إلى الحاكم الحابس لي. . . فانتفى من الرضا به وأظهر الامتعاض. وتقدم إلى الموكل بالسجن في اختيار مجلس، أباين فيه من لا تليق بي ملابسته، وأنتبذ عمن لا تُرضى لي مجالسته. ثم لم ألبث أن أحضره (أي الموكل بالسجن) مجلس نظره وأمر بتأديبه على امتثاله فيما أمره به وانتهائه إلى ما حده له. واستأنف العهد في التضييق عليّ، زمنع من اعتاد صلتي من الوصول إلي. فأصعدت إلى غرفة في السجن أقنعني بها مع خساستها وامتلأت بالكون فيها على مضاضتها انفرادي من لفيف الأخلاط ومن ضمه السجن من السفلة والسقاط. فحين استوائي إليها عهد بحطي إليهم وخلطي بهم ووضعي بينهم فنقلت على أقبح النصب وأسوء الرتب. ودخل إلي في هذه الحال من أبلغ إليّ عن ابن الحكم رسالة جامعة من فنون مشتملة من الوعيد. فتبين لي أن ايحاشي نفسي بايناس أهلي، وقطعها في مواصلة وطني غبنٌ في الرأي وخور في العزم. ووجدت الحر ينام على الشكل ولا ينام على الذل. ولم استغرب أن أسأم بمثل هذا الخسف في مسقط رأسي، فقد ضاع المرء الفاضل في وطنه. فاستخرت الله ، واضح وجه العذر، ثابت قائم الحجة، عند من غصن عين الهوي، وخزن لسان التعسف. والله يصيب غرض الصواب برأي، ويقرب غاية النجاح على من سعى، حسبما ذلك في علمه أني مظلوم، مبغي علي، منسوب ما لم آته إلي ولعمرك يا سيدي أن ساعة العذر لتضيق عنك، وما تكاد تتسع لك في إسلامك تلميذك وابن جارك وشيخك الذي لم تزل آخذاً عنه مقتبساً منه، مع إكثارك من ذكر هذا والاعتداد به وادعاء الحفظ له. وقد رويت أن حسن العهد من الأيمان، ولكن من لك بأخيك كله؟ وما حم واقع، ولا حذر من قدر، وقد سبق السيف العذل! وتقدم من فعلي ما جف به القلم. وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن، ألا إن نذراً من وعيد سقط إلي بأن السعي لم يرتفع، وأن مادة البغي لم تنقطع، وأن البصيرة مستحكمة في استرجاعي من الأفق الذي أحل به، والجناب الذي أحط فيه. وأكد ذلك ف ظني ما كان إشارة لي إليه بعض من كنت آوي إلى الثقة بعهده، وأبني على الوثاقة من عقده، من الفقهاء الموسومين بالثرة عند لحكم المذكور والمكانة منه. وقد
стр. 912
عاتبته على تأخره عن مضافرتي، وتقصيره في مؤازرتي. فاعتذر بأن ذلك لا سبيل إليه، ولا منفذ للحيلة فيه. إذ المحرض علي لا تتأتى معارضته، ولا يتهيأ الاستبداد عليه، وأنه وصفني بالبذاء، وعابني بالتسلط على الأعراض. ووالله! ما استنجزت هذا، بعد أن هتك من ستري ما هتك، وأنهك ما انتهك، إن كنت أقول معذوراً، وأنفث مصدوراً. فكيف قبل ذلك، إذ لم يحدث سبب ولا عرض موجب؟ ومالي وهذا الجني تم مالياً! وستكتب شهادتهم ويسألون. . .
ووالله ما توهمت أني أوتي ممن أوتيت منه، مع اتصالي به وانقطاعي إليه واتسامي بالتأمل له والتعويل عليه. أن المعارف في أهل النهي ذمم. . .
لقد كان من محاسن الشيم، وشروط المروءة والكرم، أن يهب لي ما أنكر لما عرف، ويغفر ما سخط لما رضي، ويدفع بالتي هي أحسن، ويؤثر الذي هو أجمل وأرفق، ويتوقف عندما نص له من سعاية، وزف إليه من وشاية. فإن كان باطلاً ألقاه وفضح المخبر المتقرب به وأقصاه. ون كان حقاً صبر صبر الحليم. وأغضي إغضاء الكريم. وقبل إنابة المعتب، واقتصد في مؤاخذة المذنب. فقدم التوقيف قبل التثقيف، والتأنيب قبل التأديب. فإن الرفق بالجاني عتاب. والحر يلحى والعصا للعبد. . .
وهو يرى ويسمع أن بالحضرة قوماً لا يحصرهم العد، تحتمل سقطاتهم وتغتفر هفواتهم، وتقال عثراتهم. . .
وما أعلم أنهم يدلون بوسيلة إلا شاركتهم فيها، ولا يمتون بذريعة ينفردون دوني بها. . .
فإن كانت مسامحتهم لسابقة سلفت فقد أحرزت منها الحظ الأعلى أو لكمال أدب فقد ضربتُ فيه بالقدح المعلى، أو للطف تودد فما قصرتُ في الاجتهاد غير أني حرمت التوفيق. والأمر لله رب مجتهد ما خاب إلا لأنه جاهد والله لقد أظهرت مدحه، وأضمرت نصحه، وتممت على الصاغية له، وجريت ملء العنان إلى الاعتلاق به، اسقيه السائغ من مياه ودي. واكسبه السابغ من برود حمدي، وأجنبه الغض من ثمرات شكري، وأهدي إليه العطر من نفحات ذكري. لا يفيدني التحبب إليه، إلا ضياعاً لديه. ولا يزيدني التقرب منه. إلا بعداً عنه.
والذي أحبه منك وأثق ف المسارعة إليه بك، لقاؤه مجارياً ذكرى، مفاوضنا في امرئ،
стр. 913
معلماً له بالذي لا يذهب عنه من أن الذي اخترته لنفسي غاية ما يسيء العدو به ويساء المولى منه. فالجلاء أخو القتل، والغربة أحد السباءين: قال الله تعالى: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم
وقد هجرت الأرض التي هي ظئري، والدار التي كانت مهادي، وغبت عن أم أنا واحدها، تمتد أنفاسها شوقاً لي، وتغض أجفانها حزناً علي، والله يرى بكاءها ويسمع لي على من ظلمني نداءها. فالاستجابة مضمونة للمخلص وللمظلوم، وقد حملت السمتين، واستوجبت الصفتين ولتكن بغيتك التي دخرها عليها كلمة تأمين وإشارة إلى تأنيس وتذكير، تراجعني بها فأظهر بحيث أنا آمنا، وألقي العصا مطمئناً. فإن وجدت محر الشفرة فالعوان لا تعلم الخمرَة فإن اشبهت الليلة البارحة، أعلمتني بذلك، فطلبت الأمن في مظانه، وتقريت السلامة في مواطنها. وصبرت حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. كل يوم هو في شأن. ومع اليوم غد ولكل حال معقب. ولربما أجلى لك المكروه عما تحمد. ولك يا سيدي في انتدابك لما ندبتك إليه الفضل، والأيادي قروض، والصنائع ودائع، لا يذهب العرف بين الله والناس. والتحية الطيبة والسلام المردد على سيدي
ولكن ابن زيدون كان قد ذاق من الدهر حلوه ومره، فلم يرض لنفسه بالذهاب إلى اشبيلية دون أن يكون على ثقة من أمره. فلذلك كتب رسائل بديعة إلى بعض المقربين من المعتضد، قم إلى المعتضد نفسه، ليمهد السبيل إلى الهجرة حتى إذا تحقق أنه سينزل في اشبيلية على الرحب والسعة أزمع الرحيل إليها. وكان ذلك في سنة ٤٤١ للهجرة.
واتفق في وقت فراره من قرطبة إلى اشبيلية أن صادفه عيد الأضحى فرأى الناس مبتهجين بالعيد، وهم يتزاورون ويتبادلون التهاني، وهو شريد طريد، ففاضت نفسه بوصف حاله:
خليليّ لا فطر يسر ولا أضحى! ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى!
لئن شاقني شرق العقاب، فلم أزل ... أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا
وما انفك جو في الرصافة مشعري ... دواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسي صبابة ... بقلبي لا يألو زناد الهوى قدحا
وليس ذميماً عهد مجلس ناصح ... فأقبل في فرط الولوع به نصحا
стр. 914
كأني لم أشهد لدى عين شهدة ... نزال عتاب كان آخره الفتحا
وقائع جانيها التجني فإن مشى ... سفير خضوع بيننا، أكد الصلحا
وأيام وصل بالعقيق اقتضيته ... فا لا يكن ميعاده العيد، فالفصحا
وآصال لهو في مسناة مالك ... معاطاة ندمان إذا شئت أو سبحا
لدى راكد تصيبك من صفحاته ... قوارير خضر خلتها مردت صرحا
معاهد لذات وأوطان صبوة ... أجلت المعلى في الأماني بها قدحا
مقاصر ملك أشرقت جنباتها، ... فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحاً
يمثل قرطيها لي الوهم جهرة ... فقبتها فالكوكب الرحب فالسطحا
هناك الحمام الزرق تندى خفافها ... ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه ... إذا عزّ أن يصدى الفى فيه أو يصحا
تعوضت من شدو القيان خلالها، ... صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا
ومن حملى الكاس المفدى مديرها، ... تقحم أهوال حملت لها الرمحا
فلما وصل اشبيلية، نزل على كنف المعتضد، وأصبح من خواصه وصحابته يجالسه في خلواته، ويرسله في مهم رسائله. وولاه الوزارة، وحفظ له لقبه ذا الوزارتين.
كان المعتضد جعل مجلسه منحطاً عن مجلس ابنه وولي عهده المعتمد بن عباد. فكتب المعتمد لابن زيدون:
أيها المنحط عني مجلساً! ... وله في النفس أعلى مجلس!
بفؤادي لك حب يقتضي ... أن تري تحمل فوق الأرؤس!
فأجابه ابن زيدون يشكره:
اسقيط الطل فوق النرجس ... أم نسيم الروض تحت الحندس
أم قريض جاءني من ملك ... مالك بالبر رق الأنفس؟
يا جمال الموكب الغادي إذا ... سار فيه، يا بهاء المجلس!
شرفت بكر المعالي خطبة ... بك، فانعم بسرور المعرس!
وارتشفت معسول ثغر أشنب ... تجنيه من مجاج ألعس!
واغتبق بالسعد في جفن المنى ... يصبح الصنع دهاق الاكؤس!
стр. 915
فاعترض الدهر فيما شئته ... مرتقي في صدره لم يهجس!
ولكن هل أنساه ذلك ولاّدة ومحاسنها، أم قرطبة ومساكنها؟
كلا! فلم يزل صاحبنا مشغوفاً بهذه وبتلك، وأشعاره أكبر دليل على ذلك. فكلما حانت له فرصة، أو هزته نشوة، قال فيها أقوالاً تذيب الفؤاد.
فلقد تشوق إلى قرطبة وساكنيها بقصيدة تدل على حنينه لها ولمن فيها، فقال:
على دارة الشرقي مني تحية ... زكت وعلى وادي العقيق سلام
ولا زال روض بالرصافة ضاحك ... بأرجائها يبكي عليه غمام!
معاهد لهو لم نزل في ظلالها ... تدار علينا للسرور مدام
زمانٌ رياض العيش خضر نواعم ... ترف وأمواه النعيم جمام
فإن بان مني عهدها فبلوعة ... يشب لها بين الضلوع ضرام
تذكرت أيامي بها فتبادرت ... دموعي كما خان الفريد نظام!
ومن أجلها أدعو لقرطبة المنى ... بسقي ضعيف الطل وهو رهام!
محل نعمنا بالتصابي خلاله ... فأسعدنا والحادثات نيام!
فما لحقت تلك الليالي ملامة، ... ولا ذم من ذاك الحبيب ذمام!
وكان يبلغه عن بني جهور ما يسوءه في نفسه وقرابته في قرطبة، فقال يخاطبهم:
بني جهور أحرقتمو بجفائكم ... فؤادي؟ فما بال المدائح تعبق!
تعدونني كالعنبر الورد، إنما ... تفوح لكم أنفاسه حين يحرق!
وأما أمداحه في المعتضد بن عباد فشيء كثير جليل. وأذكر فقط بيتين أرسلهما إليه مع هدية من باكورة التفاح، وهما:
يا من تزينت الريا ... سة حين ألبس ثوبها!
جاءتك جامدة المدا ... م، فخذ عليها ذوبها!
وقد كتب عنه إلى صهره الموفق أبي الجيش بن مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية المعروفة الآن بجزائر الباليار:
عرفت عرف الصبا إذ هب عاطره ... من أفق من آنا في قلبي أشاطره
أراد تجديد ذكراه على شحط ... وما تيقن أنى الدهر ذاكره
стр. 916
ينأى الزار به، والدار دانية ... يا حبذا الفال لو صحت زواجره
خلي، أبا الجيش، هل يدنو اللقاء بنا ... فيشتفي منك طرف أنت ناظره
قصاره قيصر أن قام مفتخراً ... لله أوله مجداً وآخره
قلت فيما تقدم أن ملوك الطوائف كانوا منقسمين على أنفسهم، وأن الحرب كانت دائرة بينهم. فإليكم مثالاً واحداً مما يتعلق بابن زيدون. وذلك أن الحرب وقعت بين المعتضد صاحب اشبيلية، وبين ابن الأفطس صاحب بطليوس، فانهزم ابن الأفطس هزيمة فظيعة، وخسر خسارة جسيمة، فقال ابن زيدون يهنئ المعتضد:
ليهن الهدى إنجاح سعيك في العدا ... وإن راح صنع الله نحوك واغتدى!
وبشراك دنيا غضة العهد طلقة ... كما ابتسم النوار عن أدمع الندى!
دعوت فقال النصر. لبيك ماثلاً، ... ولم تك كالداعي يجاوبه الصدى!
وأحمد عقب الصبر في درك المنى، ... كما بلغ الساري الصباح فاحمدا.
ولما اعتضدت الله كنت مؤملاً ... لديه بأن تحمي وتكفي وتعضدا.
وجدناك أن ألقحت سعياً نتجته، ... وغيرك شاو حين أنضج أرمدا.
سل الخائن المغتر: كيف احتقابه ... مع الدهر عاراً بالفرار مخلدا؟
رأى أنه أضحى هزبراً مصمماً! ... فلم يعد أن أمسى ظليماً مشردا!
يود إذا ما جنه الليل أنه ... أقام عليه آخر الليل سرمدا!
وأصبح يبكيه المصاب بثكله ... بكاء لبيد حين فارق أربدا.
هذا مع أن ابن زيدون سبق له مدح ابن الأفطس بمديحة غراء في قصيدته التي يقول فيها:
لبيض الطلى ولسود اللمم ... بقلبي مذبن عني لمم!
ففي ناظري عن رشادي عمم، ... وفي أذني عن ملامي صمم!
مليك إذا طاولته الملوك ... حوى الخصل، أو ساهمته شهم.
فأطولهم بالأيادي يدا ... وأثبتهم ف المعالي قدم.
وأروح، لا مبتغي رفده ... يخيب ولا جاره يهتضم.
أبوه الذي فل غرب الضلا ... ل ولاءم شعب الهدى فالتأم.
فلا سامي الطرف إلا أذل ... ولا شامخ الأنف إلا رغم.
стр. 917
تقيل في العز من حمير ... مقاول عز جميع الأمم.
نجوم هدى والمعالي بروج، ... وأسد وغى والعوالي أجم.
أبا بكر أسلم على الحادثات ... ولا زلت من ريبها في حرم!
وأني لأصفيك محض الهوى ... وأخفي لبعدك برح الألم!
ولا غرابة في ذلك. فالملك عقيم، وتصاريف السياسة تقضي بالتغيير من حال إلى حال، خصوصاً إذا انقسمت أمة من الأمم على نفسها، وخاضت في غمار الخطوب والفتن. وفوق ذلك أفليس التقلب من مديح إلى هجاء ومن ملام إلى سلام، هو سجية من سجايا الشعراء الكرام وغير الكرام.
فلما مات المعتضد بن عباد وتولى الملك ابنه المعتمد ابن عباد كان لابن زيدون عنده تلك الكرامة وهذه الحفاوة، تدلنا على ذلك شهادة التاريخ ويؤيدها قول ابن زيدون نفسه في رثاء المعتضد ومخاطبته روحه بعد دفنه.
أعباد، يا أوفى الملوك لقد عدا ... عليك زمان من سجيته الغدر!
فهلا عداه أن علياك حلية ... وذكراك في أردان أيامه عطر؟
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى ... وأخطر علق للهدى اقبر الدهر؟
فهل علم الشأو القدس أنني ... مسوّغ حال ضل في وهمها الفكر؟
وإن متاتي لم يضعه محمد ... خليفتك العدل الرضا وابنك البر
وأرغم في بري أنوف عصابة ... لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر؟
إذا ما استوى في الدست عاد حبوة ... وقام سماطاً خلفه فلى الصدر،
ومن المعلوم أن ابن زيدون هو الذي دبر دولة المعتضد واظهر صولته وأغراه بأعدائه وزين له الإيقاع بعماله، ووزرائه فغدا شجا في صدورهم، ونكداً في سرورهم، فلما آل الأمر إلى المعتمد. قام حساده وخصومه وسعوا لديه في النكاية به، ثم رموا إليه برقعة فيها قصيدة طويلة أولها:
يا أيها الملك العلي الأعظم ... اقطع وريدى كل باغ ينئم!
واحسم بسيفك داء كل منافق ... يبدي الجميل وضد ذلك يكتم!
وهي قصيدة طويلة تتألف من ٢٧ بيتاً كلها إغراء بابن زيدون، على سبيل التصريح
стр. 918
المفهوم. ولكن المعتمد كان أعقل من ابن جهور، فلم يصغ لتلك النميمة، ولم تنفع لديه تلك السعاية، فقل في صدهم ورد كيدهم في نحرهم.
كذبت منا كم صرحوا أو جمجموا ... الدين أمتن والسجية أكرم!
خنتم ورمتم أن أخون وربما ... حاولتم أن يستخف ململم
وأردتم تضييق صدر لم يضق ... والسمر في ثغر النحور تحطم
وزحفتم بمحالكم لمجرب ... ما زال يثبت للمحال فيهزم
أني رجوتم غدر من جربتم ... منه الوفاء وظلم من لا يظلم
أنا ذلكم، لا البغي يثمر غرسه ... عندي ولا مبنى الصنيعة يهدم
كفوا وإلا فارقبوا إلي بطشة ... يلقى السفيه بمثلها فيحلم
فلما بلغ ابن زيدون ما راجعهم به وتحقق حسن مذهبه وعلم أن حياته قد أخفقت، وسعايتهم ما نفقت، وسهامهم تهزعت، ومكائدهم تبددت وتوزعت.
قال ينمدح المعتمد ويعرض بإعاديه بقصيدة طويلة مطلعها:
الدهر، إن سأل، فصيح أعجم ... يعطي اعتباري ما جهلت فأعلم
ومنها
ولكم تسامي بالرفيع نصابه ... خطراً فناصبه الوضيع الالأم
ومنها
قل للبغاة المنبضين قسيهم ... سترون من تصميه تلك الأسهم
ثم مدح المعتمد - إلى أن قال:
امطيتني متن السماك برتبة ... علياء منكب عزها لا يزحم
وتركت حسادي عليك وكلهم ... شاكي حشى يدوي وأنف يرغم
نصح العدا في زعمهم فوقمتهم ... والغش في بعض النصائح مدغم
وثناهم ثبت قناة أناتهم ... خلقاء يصلب متنها إذ يعجم
وزهاهم نظم الهراء فكفهم ... نظم عقود السحر منه تنظم
أشرعت منه إلى لغواة أسنة ... نفذت وقد ينبو الطرير اللهذم
فرق عوت فزأرت زأرة زاجر ... راع الكليب بها البسبنتي الضيغم
стр. 919
ياليت شعري هل يعود سفيههم ... أم قد حماه النبح ذاك الأكعم
لي منك، فليذب الحسود تلظياً، ... لطف المكانة والمحل الأكرم
وشفوف حظ ليس يفتأ يجتلي ... غض الشباب وكل غض يهرم
لم تلف صاغيتي لديك مضاعة ... كلا ولا حق اصطناعي الأقدم
بل أوسعت حفظاً وصدق رعاية ... ذمم موثقة العرى لا تفصم
فليخرقن الأرض شكر منجد ... منى تناقله المحافل متهم
عطر هو المسك السطيع يطيب في ... شم العقول أريجه المتنسم
فإذا غصون المكرمات تهدلت ... كان الهديل ثناءها المترنم
الفخر ثغر عن حياضك باسم ... والمجد برد من وفائك معلم
فاسلم مدى الدنيا فأنت جمالها ... وتسوغ النعمى فإنك منعم
واستقر المعتمد به في وزارته فكان أحد وزرائه الثلاثة الأكابر المثناة وزارتهم (أي أحد الثلاثة الذين يلقب كل واحد منهم بذي الوزارتين) والآخران هما ذو الوزارتين ابن عمار وذو الوزارتين ابن خلدون (جد صاحب التاريخ المشهور).
خرج الثلاثة في أحد الأيام من اشبيلية إلى منظرة (قصر خلوى) لبني عباد بموضع يقال له الفُنت (تعريباً للفظ اسباني وهو متنزه تحف به مروج مشرقة الأنوار، متنسمة الأنجاد والأغوار، متبسمة عن ثغور النوار. في زمان ربيع سقت الأرض السحب فيه بوسميها ووليها. وجعلتها في زاهر ملبسها وباهر حليها. وارداف الربى قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النوار قلائده حول لباتها، ومجامر الزهر تعطر أردية النسائم عند هباتها. وهناك من البهار، ما يزري على مداهن النضار، ومن النرجس الريان، ما يهزأ بنواعس الأجفان. وقد نووا الانفراد للهو والطرب، والتنزه في روضي النبات والأدب. وبعثوا صاحباً لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم، ليأتيهم بنبيذ يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجهن ويرمونه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه. فجلسوا الانتظار، وترقب عوده على آثاره. فلما بصروا به مقبلاً من أول الفج بادروا إلى لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه. واتفق أن فارساً من الجند ركب فرسه فصدمه، ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمصالالنبيذ الذي كان معه، وفرق
стр. 920
من شملهم ما كان الدهر جمعه. ومضى على غلوائه راكضاً حتى خفي عن العين، خائفاً من متعلق به يحين بتعلقه الحين. وحين وصل الوزراء إليه تأسفوا عليه وأفاضوا في ذكر الزمان وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات، على تمام المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات.
فقال ابن زيدون:
أنلهو والحتوف بنا مطيفه ... ونأمن والمنون لنا مخيفه؟
فقال ابن خلدون:
وفي يوم وما أدراك يومٌ ... مضى قُمصالنا ومضى خليفة!
فقال ابن عمار:
هما فخارتا راح وروح ... تكسرتا فأشقاف وجيفه.
ولابن زيدون مدائح في المعتمد بن عباد كلها درر وغرر، وآيات بينات، وله معه مداعبات، ومطارحات ومساجلات. فتارة يشوقه إلى تعاطي الحميا في قصوره البديعة، وتارة يرسل له التفاح ويكتب عليه الأشعار، يدعوه إلى تناول العقار، وتارة يهينه، وأخرى يمدحه. وله بيتان قد بلغا حد الإبداع في هذا الباب. قال يخاطبه:
مهما امتدحت سواك قبل فإنما ... مدحي إلى مدحي لك استطراد
يغشى الميادين الفوارس حقبة ... كيما يعلمها النزال طراد
فما أحسن هذا التنصل بالتمرن على المديح، حتى إذا جاد وبلغ المراد أهدى ثمرته إلى ابن عباد.
هذه قطرة من بحر من بحور شعر ذلك الفرد. وأما نثره، فشيء بعيد حصره. ومما يجهله كثيرون أنه ألف كتاباً في التاريخ، جعله ابن حزم من مفاخر الأندلس، وقال أن أبا الوليد بن زيدون ألف كتاب التبيين في خلفاء بني أمية بالأندلس على منزع كتاب التعيين في خلفاء المشرق للمسعودي. وقد نقل صاحب نفح الطيب سطراً أو سطرين عن هذا الكتب الذي لم يبق له أثر ولا عين.
وما زال ابن زيدون يتشوق لقرطبة ولمن فيها ويعمل لدى المعتمد بن عباد حتى جعل قرطبة منتهى أملهن فسعى في مداخلة أهليها، ومواصلة ذوي الكلمة فيها. لأنه رأى عدم
стр. 921
الفائدة، في غير الحيلة والمكايدة، لاستمساك أهلها بدعوة الخلافة وأنفتهم من زوالها عنهم وانطماس رسومها في بلدهم فلما فاز بالمرام وانتظمت تلك العاصمة الضخمة في ملكه. ذهب إليها مسرعاً واهتم بتدبير شؤونها. هنالك جاشت نفسه بالفخر على سائر ملوك الطوائف. فقال:
من للملوك بشأو الأصيد البطل، ... هيهات جاءتكم مهدية الدول!
خطبت قرطبة الحسناء إذ منعت ... من جاء يخطبها بالبيض والأسل
وكم غدت عاطلاً حتى عرضت لها ... فأصبحت في سرى الحلي والحلل.
عرس الملوك لنا في قصرها عرس ... كل الملوك به في مأتم الوجل.
فراقبوا عن قريب! لا أبالكم، ... هجوم ليث بدرع البأس مشتعل
أما ابن زيدون، فقد عاد قرير العين إلى وطنه وأهله وكانت له شيعة كبيرة في قرطبة، فارتفع جده، وزاد إقبال الدنيا عليه، وبلغ حظوته عند المعتمد درجة لا يطمع فيها.
فحينئذ سعي في هلاكه صاحباه ابن مرتين وابن عمار، وتلطفا في إبعاده وإبعاد ابنه من بعده ليخلو لهما الجو، ولينفردا بالاستئثار بابن عباد. ولقد ساعدتهما الظروف.
فقد وقعت فتنة في اشبيلية واضطر ابن عباد للتعجيل بإرسال جيش كثيف إليها تحت قيادة ابنه سراج الدولة بن عباد. فسول ابن مرتين وابن عمار لابن عباد أن يرسل ابن زيدون مع سراج الدولة وتلطفا في تفهيم السلطان أن ذهاب ذي الوزارتين فيه حقن للدماء، وحفظ للنظام، لما له من المكانة العالية والجاه الرفيع، ولأنه محبوب لدى جميع القلوب. ثم وسوسا له بأن المصلحة كل المصلحة هي في وجود ابن زيدون الوزير العاقل المدرب المحنك المجرب بجانب سراج الدولة الذي هو قرة عين الملك، ومطمح الأنظار لبقاء البيت العبادي.
وما زال الرجلان ينسجان على هذا المنوال حتى أفلحا خصوصاً لغياب ابن زيدون في مرض ألزمه البيت.
صدر إليه الأمر بالذهاب ولم يعذره السلطان في التوقف لما ألم به من الآلام. فخرج منها مع الحاجب سراج الدولة بن عباد والجيش متوجهين إلى اشبيلية. وكان ذلك في يوم ١٣ ذي الحجة سنة ٤٦٢. وخلف في قرطبة ابنه الوزير الكاتب أبا بكر بن زيدون، ولكن
стр. 922
صاحبينا (بن مرتين وابن عمار) ما زالا يعملان لدى ابن عباد حتى صدر الأمر إلى أبي بكر بن زيدون أيضاً بأن يلحق بأبيه في اشبيلية. حينئذ خلا لهما الجو فاستأثرا بالأمور كلها وانفردا بتدبير الدولة بلا مشارك لهما في أهوائهما ولا معارض لهما في أغراضهما.
وكأن زوال دولة ابن عباد كان مقدراً على يد هذين الرجلين. فابن مرتين، يكفي في التعريف بمراميه أنه ابن مرتين أي أنه من أصل غير عربي، فإن جده رجل اسباني يسمى وأما ابن عمار فقد أنكر فضل ابن عباد وشق طاعته وسعى في الفساد والخراب وخرق العهود وخان واتعب ابن عباد حتى أوهي دولته، على ما هو معروف ومشهور.
أما ابن زيدون وهو في اشبيلية، فلم يطل الأمد به بعد لحاق ابنه به. فكأنه جاء ليكفنه ويدفنه بها في صدر رجب سنة ٤٦٣ حينئذ تولى منه كهل لن يخلف الدهر مثله جمالاً وبياناً وبراعة وظرفاً.
وهو عند أولي التحقيق في النظم أمد طلقاً وأحث عنقاً، فلا يلحقه فيه تقصير، ولا يخشى رهقاً. ولما وصل خبره إلى قرطبة، وله فيها عشرة كبيرة وأشياع كثار، تناعوه وحزنوا عليه لأنه كان منهم، هاوياً إليهم، حدباً عليهم، وليجة خير بينهم وبين سلطانهم الحديث الولاية.
فأراد السلطان أن يترضاهم فأرسل لأبنه (أي أبي بكر بن زيدون) وقربه إليه، ورقاه في مراتب والده، حتى أحظاه بالوزارة. وقد اغتنم هذا فرصة ما وقع من ذي الوزارتين بن عمار من الخروج على ابن عباد فأوغر صدر ابن عباد عليه وما زال يعمل لديه حتى كان سبباً في هلاك ابن عمار على ما هو معروف ومشهور.
يقولون مات ابن زيدون. فهل تظنون أن هذا قد كان أو يمكن أن يكون.
أنا لا أقول بالرجعة ولا أذهب إلى الخلود. ولكنني لا أصدق بأن ابن زيدون قد مات. لأن المؤرخين اختلفوا في موته، والاختلاف مدعاة للشكوك والظنون. فشمس الدين الذهبي يقول أنه مات سنة ٤٦٣. وأما ابن بشكوال فإنه يجعل ذلك سنة ٤٠٥. فإن صدقنا هذا الثاني لأنه أندلسي، فإننا نرى ابن بسام (وهو أندلسي) أيضاً يؤيد قول الذهبي الشرقي. فهذا شك أول.
ثم أنهم اختلفوا في موضع وفاته. فقال الذهبي أنها حدثت باشبيلية. وقال ابن بشكوال أن
стр. 923
ذلك كان بالبيرة (وهي مدينة كبيرة بقرب غرناطة).
نعم إنهما اتفقا على دفنه بقرطبة. ولكن الرجل لا يمكن أن يكون قد مات في موضعين مختلفين وفي وقتين متباعدين. فذلك شك ثان نؤيده باستدلالات واستنباطات. وفوق ذلك فإن ابن بسام يؤكد لنا أن دفنه كان باشبيلية ٠فهذا شك ثالث).
كيف يموت ابن زيدون وأقواله لا تزال ترن في المسامع وتدور في الأفواه؟
كيف يموت ذلك الذي لا يصح لأديب أو متأدب أن لا يروي له شيئاً من الأشعار؟
كيف يموت ذلك الذي نظم القصيدة النونية التي افتتحها بقوله:
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا؟
كيف يموت صاحب هذه القصيدة التي حكم بعض الأدباء بأن من رواها ولبس البياض وتختم بالعقيق وقرا لأبي عمرو وتفقه للشافعي فقد استكمل الظرف.
كيف يموت صاحب هذه القصيدة التي سارت في البلاد، وطارت بين العباد، واشتهرت حتى صارت محدودة، فقيل ما حفظها أحد إلا مات غريباً.
كيف يموت صاحب هذه القصيدة التي تهافت كبراء الأدباء على معارضتها في حياة صاحبها وبعد موته (الذي يزعمون) ولم يقاربها أحد منهم إلى الآن بل بقيت الشهرة لها كما بقي الصيت لصاحبها (الباقي إلى الآن).
كيف يموت صاحب هذه النونية التي عارضها أبو بكر بن الملح وأراد أن ينازعه الراية، فقصر عن الغاية. وهذا مطلع قصيدته:
هل يسمع الربع شكوانا فيشكينا ... أو يرجع القول مغناه فيغنينا
كيف يموت صاحب هذه القصيدة التي أراد الصفدي أزمان الشباب أن يعارضها بمرثية لبعض أصحابه في صفد، وأولها
تحكمت بعدكم أيدي الثوى فينا ... وقد قامت بنادينا تنادينا
كيف يموت صاحب هذه القصيدة التي قصر عنها الأدباء فاحتمى بعضهم في ظلالها: واقتبس كلامها، فقد سدسها أحد علماء المغرب وهذا مطلع التسديس:
ماللعيون بسهم الغنج تُصمينا ... وعن قطاف جنى الأعطاف تحمينا
стр. 924
تألق كان يحيينا ويضنينا ... تفرق عاث في شمل المحبينا
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا ... وآن عن طيب دنيانا تجافينا
كيف يموت صاحب هذه القصيدة التي تلطف الشاعر المصري اللطيف وأعني به صدر الدين ابن الوكيل المتوفي سنة ٧٠٦ بالقاهرة، فاقتبس من جواهر ذلك العقد النفيس ما حلا به موشحاً لطيفاً.
وأني أترك إلقاء هذا التوشيح لبعض أعضاء النادي الكرام ليكون في صوتهم الشجي وتلحينهم الرخيم. تشنيف للأسماع يحسن عنده الختام، والسلام.
стр. 925
مشاهدات وخواطر
تسعة أشهر بمستشفى الهلال الأحمر البحري الباخرة بحر أحمر
بين الجرحى والمرضى والمهاجرين
بقلم سعادة العالم الدكتور محجوب ثابت بك المدرس الثاني لعلمي الأمراض والبكتريولوجيا بمدرسة الطب ومستشفى القصر العيني سابقاً والخبير في الأعمال الطبية أمام محكمة الاستئناف الأهلية العليا.
وَمَن لَم يَذُد عن حوضِه بسلاَحِه ... يُهَدَّم وَمَن لاَ يَظلِم النَّاس يُظلَم
تلكم حقيقة نطق بها ذلكم الشاعر الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمى المازني منذ مئات السنين، يثبت فيها أن الاعتداء طبيعة ثابتة في التكوين الحيواني يقضي بها ناموس الاحتفاظ بالبقاء، كما شرح ذلك العالم البيولوجي شارلس داروين في نظريته المشهورة أي ناموس الاقتتال للحياة أو ناموس تنازع البقاء. وقد أعان على هذا الناموس مختلف الآلات الحادة والأسلحة القاطعة التي اكتشفت في دفين الأرض منذ آلاف السنين. سواء كان ذلك في العصر المعروف بعصر الحجر أو بعصر النحاس أو البرنز أو الحديد مما هو مدون في أسفار علمي الجيولوجيا الطبقات الأرضية والباليونتولوجيا المتحجرات النباتية والحيوانية (أي علم الهَلك) وكأنما كتب عليها بقلم الزمان، أي التعدي على الضعيف ومحاربة الكفؤ للكفؤ، وقتال القرن للقرن، طبيعة ثابتة في الإنسان.
وقد أثبتت ذلك أيضاً الكتب السماوية بما هو معروف من قتل قابيل هابيل، فكأنما ولدا جد البشر قدسنا جريمة القتل وعلما منازعة الأقران للأقران وعصيا ربهما كما فعل من قبل أبوهما.
قال في ذلك جل شأنه وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضُكم لبعض عدوٌّ ولكم في الأرض مستَقَر ومتاع إلى حين
مما ضمنه شاعر المعرة وفيلسوف الإسلام في بيته المشهور:
أبوكم آدم سنَّ المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان
قامت الحروب من قديم الزمان بين مختلف الأمم والأجناس وأهل الأديان المتباينة، ولتجدن
стр. 926
كل صفحة من صفحات التاريخ قد كتب السيف فيها أغلب السطور، وكم قيت هذه الغبراء بزكيّ الدماء، وكم جالت في أوديتها الوحوش والأوابد، وكم سرحت العقبان والطيور والبوارح، تلتهم لحمان القتلى، وتأكل من أشلاء الشهداء.
وقديماً تحارب أعتق الأمم مدنية وأسبقها حضارة، وقديماً أغاروا على جيرانهم، فتلكم حروب الفراعنة مع الرعاة، وتلكم أغارات أشور وفارس على مصر، وتلكم حروب اليونان والفرس والتتار مع الصين والهند والعجم والعراق، والحروب البيونوكية بين رومه وقرطاجه، وهذه فتوحات الإسلام ومحاربة العرب للمعارضين من اليونان والرومان والعجم والفرنجة، وهذه الحروب الصليبية وحروب الترك من آل سلجوق وآل عثمان، وفتوح القسطنطينية وحروب نابليون التي أثارها في بادئة أمره باسم حقوق الإنسان، ثم انقلبت بعد إلى توسيع سلطانه وإخضاع الرؤوس المتوجة لكلمته. وقصارى القول أنه لم يمر على الإنسان حين من الدهر إلا وكان فيه للسيف وأسنة المران وقذائف النيران، القول الفصل لبلوغ المطامع، وإطفاء لهيب التعصبات الدينية والجنسية، قول عمد إليه الأولون فيما اختلفوا فيه، واقتدى به الآخرون، على حين وجود ما يسمونه محاكم التحكيم، وستذهب السنون وقصر الهاي قائم يزينه ذلكم الاسم الجميل قصر السلام ولكن للأسف لا يلجأ إليه إلا في نادر الظروف، ولا يغاث فيه مجتاح ولا ملهوف، حتى لقد حق قول أبي تمام:
السيف أصدق إِنباَء من الكتب ... في حدّه الحدُّ بين الجِدّ واللّعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والرّيب
تتوالى السنون وتتقادم العصور وفي كل يوم نشهد لقول أبي تمام آلاف الأمثال الناهضة على صحته، فكل يوم نسمع زمجرة القوى الغضبية الراسخة في النفوس وتسلحها بمتقن المدمرات، فكم أفتنّ القوم في آلات التدمير، وكم اخترعوا من وسائل إزهاق الأرواح مما يحصد بين غمضة العين وانتباهتها آلاف النفوس.
وقد نازع الشرقي عديد السنين محله في الحياة إزاء الغربي المهاجم ورأي يوماً له ويوماً عليه، وأخضع ما أخضع من مختلف الجنسيات والمذاهب، ودوّخ ما دوّخ من شاسع الأقطار والممالك، وخفقت أعلامه فوق متعدد البحار ومختلف الأقطار، حتى ظن المسلمون في وقت من الأوقات أنهم بلغوا من السلطان أعلى مكانه، وكنت ترى الفاتح العثماني
стр. 927
والسيف في يده مطلاً على أسوار (ويانة) والعربي والرمح متنكباً به، غير هياب ولا وكل، قد بلغ أعالي مجرى الرون، لا يفصله عن أخيه التركي إلا قمم جبال الألب، حتى لم يبق إلا اليسير لإتمام قوس الهلال، ويضع الفاتح الأندلسي يده في يد الفاتح البيزنطي، ولكن لم تتم نعمة الله، ووقف المسلمون حيال أمم الغرب وشعوبه، وقفة الليث يحمي عن عرينه، لا يرتد عن قرنه إلا مخضباً بدم فريسته وذلك ما فعله بعض ملوك الأندلس كابن الأحمر ومن قبله الخليفة الكبير عبد الرحمن الناصر والفاتحون العثمانيون. وقبر السلطان مراد الخامس الذي صار منذ سنة مضت يخفق عليه العلم الصربي بسهل قصّووه يعد تمثالاً حياً لها الكفاح وذياكم النضال.
ولكن قضى القضاء على الدولة الإسلامية في الأندلس منذ خمسمائة عام وأخرج المسلمون من ديارهم، وتركوا الأموال والبنين بين أيدي العدو فنهب منها ما نهب، وسبي ما سبي، واستباح ما استباح، وعمّد ما عمد، وفرق بين المولود ووالده، وحال بين رضيع ومرضعه، وشيخ وعشيرته، ووضع السيف في الرقاب، وحول ما شاء أن يحول من بيوت كانت بالإسلام حافلة، ومدارس كانت بفلاسفته زاهرة، ومصائب حلت بالإسلام غرباً منذ خمسة قرون لا يزال (ناسور) جرحها يفرز صديد الأسف، ونواح أبي البقاء الرندي على الأندلس في مرثيته المشهورة لا يبرح يتردد صداه لدى كل ناطق بالضاد، وحوادث البلقان في العام المنصرم، وما حل بالإسلام في الرومللي، قد جددت تلكم الذكرى واهتاجت النفس، واستوقدت الضلوع، فليسمع المسلمون عولة أبي البقاء
دهي الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وأنهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزأت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان
فسل بَلنسِية ما شأن مُرسيةٍ ... وأين شاطبة أم أين جَيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان
وأين حِمصٌ وما تحويه من نُزَه ... ونهرها العذب فياض وملآن
وما يقوله أبو عبد الله بن الآبار القضاعي كاتب الأمير زيان صاحب بلنسية وقد أوفده مستنجداً بصاحب أفريقية أمير المؤمنين أبي زكريا بن أبي حفص:
يا للجزيرة أضحى أهلها جزراً ... للحادثات وأضحى جدها تَعسا
стр. 928
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو يستنزف النفسا
مدائن حلّها الإشراك مبتسماً ... جذلان وارتحل الأيمان مبتئسا
فمن دساكر كانت دونها حرسا ... ومن كنائس كانت قبلها كنسا
لهفي عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارس للمثاني أصبحت دُرُسا
تلكم مصيبة كانت أعظم درس وأكبر عبرة، ولكن عميت بصائر القوم، فنسوا أسبابها، وراحوا على تخاذلهم وتنافروا وتنازعهم حتى دالت دول الإسلام إثر بعضها، فَدُر بعينك وقل أين بعدُ سلطان قرطبة وسلطان مراكش، وأين أمارة الجزائر، وأين تونس، وأين لا أين، زال الكل ولم تبق إلا أسماء مملكة في غير موضعها، ولولا أن اختار لهذه الأمم الإسلامية جماعة من الأغوار المساعير، فوقفوا بشطلجة وقفة مشهودة، لازدحمت دار الخلافة بخيل البلغار ورَجلهم، ولوطئوا مسجد أيا صوفيا بنعالهم، وتوجوا فردينند ملكهم بالتاج القسطنطيني كما كان وكانوا بذلك يحلمون، هذا وجماعة من الأمة منقسمون على اخوانهم يتمنون فوز العدو ونصرته، ولو كان في الخطب الأعم، كما كان بالأمس ملوك الطوائف ورؤساء العشائر بالأندلس كل يريد الملك لنفسه والسيطرة على الآخرين، فما كان في ذلك إلا هلكهم جميعاً، فما أشبه الليلة بالبارحة!!
ذاك وأنا نجتزئ بهذه الكلمة عن الإفاضة والاسترسال مع نفس تنفث ألماً.
وتسيل أسى. وتنقطع حسرة. وذكرى تجيش بالصدر. لغلطات ساسة كان في استطاعتهم أن يتلافوا هذا الاتحاد البلقاني الذي كادت ريحه تعصف بالدولة والخلافة. وكثيراً ما مدت أحدى دول هذا الاتحاد يدها طالبة إليهم الاتفاق على المسألة الكريدية مع حفظ الكرامة العثمانية وإبلاغ سكتهم الحديدية إلى سلانيك فما أصيخ لها ولا استمع. فحدث ما حدث وتعجل القوم خوض غمار حرب غشوم. على حين أن أولياء الأمور إذ ذاك سر حوا مائة وخمسين ألف جندي نظامي مستجمعين كل شرائط النصر وما النصر إلا من عند الله.
ونحن نقول أن ما وقع كان عاقبة تلكم الغلطات الفاضحة. وأي غلطات هناك بعد سياسة ولدت الاتحاد البلقاني ذلكم الاتحاد المدهش الذي لم يقع في حسبان أحد ما. حتى أن السلطان المخلوع لما انتهى إليه نبأ هزيمة الجيش العثماني أمام اليونان عند مفارقته قصر
стр. 929
ألاتين بسلانيك ليقيم بقصر بكلربك سجيناً على ضفاف البوسفور وبلغه نبأ خفوق علم الصرب فوق مقبرة السلطان مراد الخامس وازدحام خيل البلغار بسهول لولو برغاس واستيلائهم على قرق كليسة وباقات الرياحين يقابلهم بها أهلوها بدلاً من مقذوفات البنادق والمدافع أخذه العجب واستولت عليه الدهشة وجعل يقول: كيف تركوا البلغار واليونان يتحدون؟
ولعمري لقد أصاب في تساؤله فإن الضغائن والأحقاد أيبست الثري منذ اثني عشر قرناً بين هاتين الأمتين. وقد أجمع مؤرخوا الإمبراطورية البزنطية على أنه لم يبق لها عدو غير البلغار على الرغم م كثرة أعدائها. ولذلك كان كل همهم وأول واجب على قياصرتهم أن يضربوا هذه القبائل البلغارية حتى لقد كان أكبر لقب يفخر به إمبراطرتهم هو لقب قاتل البلغار
نقول ولكن أبى الله إلا أن ينزل بدولة الخلافة هذه الكارثة النكراء والداهية الدهماء. فانبعثت نفوس المسلمين في جميع الأقطار. ونفضوا غبار الغفلة عنهم. ودبت روح الحمية فيهم. ورأوا أن من واجب الخلافة عليهم أن يعرفوها وقت الشدة. ويمدوا إليها يد المساعدة. وكان في طليعة الجميع المصريون ثم إخواننا الهنود. والفضل كله في همة المصريين راجع لسلالة تلك الأسرة العلوية الكريمة فقد قام أمرؤها قومة مباركة وتركوا مشيد قصورهم ليالي وأياماً. واستعاضوا عنها بحجرات القاطرات أصباحاً وإمساء.
وجابوا القطر طولاً وعرضاً ى يعرفون سآمة ولا تعبا. نخص بالذكر منهم دولتي الأميرين الجليلين البرنس عمر طوسون باشا والبرنس محمد علي باشا إذ كانت رياستهما احتفالات التبرعات أكبر داع للنجاح. وكانت للأموال التي جمعت أكبر معين للمجاهدين على استمرار جهادهم وأحسن عزاء، وأعظم آس لجرحاهم ومرضاهم.
كل الناس يعلمون ما قامت به لجنة الإعانة للمجاهدين التي رأسها الأمير الجليل البرنس عمر طوسون باشا من جليل الأعمال. وكذلك ما قامت به جمعية الهلال الأحمر المصرية برئاسة دولة الأمير شقيق الجناب العالي الخديوي.
والتي يرأس لجنتها التنفيذية الأمير الكريم البرنس يوسف كمال باشا. وترعاها أم المحسنين الموقرة والدة سمو الجناب العالي حفظهم الله فقد بعثت متعدد البعثات إلى
стр. 930
الأستانة وغيرها لتخفيف ويلات هذه الحرب ومواساة جرحى ومرضى المجاهدين. وقد كان من بين هذه البعثات بعثتنا التي كان مركزها الباخرة ٠بحر أحمر) وكانت هذه الباخرة من قبل نقالة للجيش العثماني والتجأت إلى السويس أثناء الحرب الإيطالية العثمانية. فرأى سمو الخديوي استعمالها كمستشفى لمداواة الجرحى والمرضى ونقلهم والمهاجرين من سلانيك إلى الجهة التي تعينها الدولة لجمعية الهلال الأحمر وقد طلب سموه إلى صاحب الدولة شقيقه رئيسها المفضال أن يعين للقيام بهذا العمل بعثة خاصة ويحول هذه الباخرة إلى مستشفى مستوف شرائط الصحة الحديثة. فكان لنا الشرف بأن عهد إلينا دولته القيام بذلك في أخريات أيام نوفمبر من العام الماضي فأتمرنا مسارعين لتحقيق رغبتين ساميتين. وتنفيذ إرادتين جليلتين. مهما كلفنا ذلك. وأمكننا بعون الله ثم بمساعدة حضرات أعضاء لجنة إدارة جمعية الهلال الأحمر وسعادة محافظ القنال أن نحول هذه الباخرة التي مكثت بمياه السويس عاماً كاملاً حتى كادت تبلى إلى مستشفى بحري تام المعدات.
ونكتفي بإيراد ما كتبه جناب الدكتور كاربنتر جراح المدرعة الدريدنوط الأمريكانية (تنسي) التي كانت راسية بثغر أزمير لحماية المسيحيين والمصالح الأمريكية حيث شرح حال المستشفى شرحاً وافياً في مجلة الجراحة العسكرية ذاكراً ما قامت به من الخدم نحو جرحى ومرضى ومهاجري الحرب البلقانية.
(البيان): انظر صفحة ٥٥٠ فقد ترجمنا ثمت هذه الكلمة - ولكلمة الدكتور محجوب بك ثابت بقية سنأتي عليها في الأعداد القادمة:
стр. 931
اكتشاف مصري
حول اكتشاف الدكتور رياض
(هذه أولى رسائل الدكتور أحمد رياض مكتشف (الفتوغرافية المخية) التي وعد أن يشرح بها اكتشافه وينشرها في مجلة البيان - وقد وعدنا كذلك أن سيتحف البيان في كل عدد من أعداده مبحثاً من مباحث العلوم الطبيعية والفلسفية النافعة فنشكر له الشكر كله هذه الهمم الكبار أكثر الله من أمثاله العاملين
١
تاريخ الأثير
شاهد العلماء في جميع مباحثهم عن الكائنات وأصلها أن الطبيعة لا تجيز العدم، وأن كلمة (فراغ) إنما هي كلمة نظرية لا تطابق الواقع.
ولما وجدوا أن بعض التغيرات التي تطرأ على بعض الأجسام من حركة تؤثر في أجسام أخرى على بعد منها من غير وجود الهواء بين الاثنين قالوا أنه لا بد من وجود مادة غير الهواء تتحرك حركة مستمرة بين الأجسام فتحدث التجاذب والتنافر بينهما، وهي السب في التوافق المشاهد أحياناً بين عملي جسمين غير متماسين.
وقد ضرب العلماء لتفسير هذه الحقيقة أمثالاً كثيرة، منها أن سفينتين على سطح البحر لا يمكن تأثير إحداهما على الأخرى إلا بتوسط المادة وما فيها من طاقة. وذلك بأن تتحرك إحداهما فتحدث أمواجاً متسلسلة في الماء يضرب آخرها السفينة الأخرى فتتحرك حركة في اتجاه مماثل. أو بأن تقذف مادة من أحدهما على الأخرى فتحدث فيها تغيراً. ومن غير هذين لا يمكن تأثير أية سفينة في البحر على أخرى فيه بعيدة عنها. وكذلك لا يمكن تأثير أي جسم على آخر بعيد عنه إلا بواسطة مادة تتحرك بين الاثنين فتصل بينهما. فإن لم يكن الهواء هو الواسطة في النقل فلا بد من وجود مادة أخرى تقوم بهذا العمل.
ولما كان التجاذب بين القطبين المتضادين، والتنافر بين القطبين المتجانسين في الكهرباء والمغناطيس واقعين بدون وجود الهواء بين الأجسام، فلا بد من أن هناك مادة كفيلة بهاتين الظاهرتين.
وقد سموا هذه المادة بالأثير نسبة إلى استمرار حركتها، وقالوا أن هذا الأثير موجود بين
стр. 932
ذرات الأجسام، وفي جميع أنحاء العالم حتى فيما وراء القبة السماوية المكونة من غازات علمت للعام والخاص، وأنه هو البيئة التي فيها تسبح الكواكب وبدونه ما كانت تستطيع حركة.
وقد تغلغل بعضهم إلى القول بأنه هو أصل كهرباء الجو وافلوفيا المغنطيس بعدما أثبت ذلك ببراهين شتى.
وعندما انتهى هذا الاكتشاف إلى مسامع علماء علم النفس جعلوه أساساً لحركة الأعصاب التموجية، ونسبوا غليه نقل الرسائل من الجسم والحواس إلى المخ، وكانت نتائج أبحاثهم على هذا الفرض كلها معقولة.
وفي حداثة هذا الاكتشاف كان كل فريق من العلماء يعتقد أن هناك أنواعاً كثيرة للأثير، وأن الأثير الذي يحرك الضوء غير الأثير الذي ينقل الرسائل إلى المخ، إلى حد أنهم كانوا يتكلمون عن أثير الضوء وأثير الكهرباء وأثير الجسم كأنها أسماء تدل على أشياء مختلفة.
ومن ذلك أن الفيلسوف (اسحق نيوتن) قال أن هناك نوعاً من الأثير يتغير الضغط عليه فيسبب جاذبية الأرض، وأن هذه الجاذبية لا تترتب على غير ذلك. ولا أصل لها ألا هذا التغير في الضغط على الأثير ولكنه ترك هذه الفكرة حبراً على ورق ولم يذكرها في مؤلف له، وإنما نقلت هذه الفكرة عن الذين أطلعوا على بعض كتابته الخصيصة، أو عمن حادثوه من العلماء المعاصرين له.
وكان أتباع نيوتن لا يذكرون الأثير في تفسير جميع الظاهرات لطبيعية مثل تجاذب الأجسام وتنافرها، لشكهم في حقيقة ما فرضه أستاذهم من وجود جوهر يملأ العالم يسمى بالأثير.
أما العلماء الحديثون فيعتقدون أن الأثير هو جوهر متجانس في جميع أنحاء الكون، وأن أعماله هي التي تتغير على حسب الوسط الذي يعمل فيه أو على حسب مقدار تكثفه، وقد أثبت وجوده إثباتاً محسوساً في كيفية نقل الضوء. والذي اكتشف هذه الحقيقة هو العالم (هيوجينس). وقد أثبت غيره وجود الأثير من ظاهرات التشعع والضياء بأن أشعة الضوء لا تسير في مستقيمات بل هي مجموعة أقواس صغيرة جداً.
وأهم ما وصلوا إليه من هذا القبيل هو إثباتهم أن الضوء ليس بمادة بل عمل ناشئ عما في
стр. 933
المادة من طاقة، وأن الهواء ليس بناقل الضوء من محل إلى آخر، وذلك بأنهم أحضروا ينبوع ضوء تخرج منه حزمة من الأشعة تمر داخل عدسات مرتبة بشكل معروف في علم الضوء، فتنقسم إلى حزمتين تضيء إحداهما أي لوحة إذا وقعت عليها مفردة، وتفعل الأخرى كذلك وحدها، وأما إذا وقعتا كلتاهما معاً على اللوحة وجد بينهما على اللوحة نقط غير مضاءة. ولا شك في أن عدم الضياء ناشئ من اتحاد ضياء الأولى بالثانية.
فاستنتجوا من هذه التجربة أن الحزمة الأصلية كأية حزمة ضوئية أخرى تتكون من حزمتين متضادتين في التأثير، فإذا سمينا إحداهما موجبة كانت الثانية سالبة.
ما دام لا يوجد في العالم بأسره مادتان إذا اتحدتا أعدمت إحداهما الأخرى فإنه لا يكون الضوء المكون من شيئين متضادين مادة أبداً لأن السلب والإيجاب من عوارض المادة.
وعلى أثر هذه التجربة ونتائجها قال (فريزنيل) أن الضوء هو نتيجة تنازع مادتين إحداهما الأثير. ووافقه على روح فكرته العالم المشهور (نيومان) ولكنه اختلف عنه في اتجاه التنازع. وقد عملت بعد ذلك تجارب كثيرة لإثبات هذه الحقيقة فأسفرت عن نجاح تام.
أما عدم قدرة الهواء على نقل الضوء فهذه فكرة واقعية أثبتوها بقولهم أن الهواء لا يستطيع أبداً نقل شيئين عملهما متناقض كما هي الحال في الضوء إنما يقدر فقط على نقل تذبذبات متجانسة كما هي الحال في الصوت.
ومن جهة أخرى ترى سرعة الضوء تساوي ملايين عدة من سرعة التموجات العادية التي يقوم بنقلها الهواء مهما كبرت سرعته في نقلها ولذلك لا يكون الهواء أبداً ناقلاً للضوء، وإنما يقوم بذلك غيره وهو ما أطلقنا عليه لفظة الأثير.
وقد شوهد أن سرعة الضوء تزيد إذا مر داخل أجسام غير الهواء وسببه أن هذه الأجسام تتحرك ذراتها حركة مستقلة بأكثر من سرعة حركة الهواء، فلذلك تعجل من سير الضوء وقد تنقص سرعته إذا كانت سرعة حركتها أقل من الهواء، وللأثير طاقة تقاس (في حال قيامه بنقل الضوء) بمقدار الحرارة التي تمتصها الأجسام من أشعة الضوء. لأن هذه الحرارة ناشئة من مقدار عمله. وله مرونة وكثافة محدودة أثبتت بتجارب شتى، وتوجد في كثير من الكتب العلمية الراقية التي تبحث في هذا الموضوع.
ومما روي عن (فاراداي) العالم المعروف إزاء هذا الاكتشاف أنه قال أن كل ما يشاهد من
стр. 934
عمل في مناطق تأثير المغناطيس الكهربائية يحمله على القول بأن الأثير هو أصل قوى التجاذب والتنافر ومن غيره لا تكون.
وقال (تلفر بريستون) في كتاب له أن الأثير موجود بشكل غاز، وأنه مكون من جزيئات لكل مادة ولكنه لم يثبت ذلك غير أن بعض الفلاسفة استنتج من قيامه بالتجاذب والتنافر بين الأجسام أنه مكون من جزيئات.
والفكرة الغالبة أنه مادة متصلة متجانسة موجودة ككتلة واحدة مالئة للكون وقد بنيت جميع الاختراعات والاكتشافات الحديثة على حقيقة أن الأثير هو أصل كل حركة وتأثير وهو موجد العلاقة بين الأجسام، وأن له طاقة لا نهاية لها وأن أغلب الأجسام تحسن توصيله، بمعنى أنه يمكنه اختراقها والتجوال بين ذراتها. وفي فلسفة النشوء والتكوين أن العالم مكون من مادة وقوة أو مادة وطاقة وأن تحول الطاقة وانتقالها من نقطة إلى أخرى هو سبب كل ما في هذا الوجود من حركة، مهما كان نوعها وأن الأثير هو الموصل للحركة والتأثير الناشئين عن عمل الطاقة من جسم إلى جسم.
فالأثير إذن موجود في كل موضع، وداخل أي جسم وفيه تنتقل ذرات الجسم من نقطة إلى أخرى داخله لتكوين الحرارة أو للمغطسة أو للتكهرب كما هو معلوم في علم الطبيعة والكيمياء الطبيعية.
ومن ذلك أن الأثير موجود داخل جسم الإنسان، وكل حركة داخل الجسم تحدث فيه ذبذبة ينشأ عنها أمواج فيه تخترق الجسم إلى الخارج.
أما عمل المخ فليس إلا حركات تتحركها ذراته بنظام فتؤدي إلى العلم والشعور بصور ومعان والفضل في هذا الشعور للخلقة أو الطبيعية ويثبت حركة ذرات المخ احتياجه إلى التغذية ومرضا احتقان المخ وفقر الدم فيه، لأن التغذية لا تكون إلا لتعويض ما فقده من طاقة على العمل.
وعلى حقيقة تحرك ذرات المخ بنيت فنون كثيرة منها قراءة الضمير وتفسيره أن تذبذب المراكز المخية المنوطة بالتخيل يحدث ذبذبة في الأثير كما قلنا ينشأ عنها أمواج فيه تخترق الجسم حتى إذا وصلت إلى مخ ساكن مستعد لقبول الرسائل الخارجية تحدث في ذراته ذبذبة تؤدي إلى نفس المعنى المنقول لأن الطبيعة واحدة وخلقة المخ واحدة. وهذا
стр. 935
مشاهد كثيراً في حياتنا العادية حيث يطرأ على فكر الإنسان شعور بما يفكر فيه غيره بدون قرينة أو أفكار متداعية فيسميه الإنسان إلهاماً ولكن الحقيقة ما ذكرت.
هذا هو الأثير وهذه بعض أعماله ومن لم يعتقد وجوده وأعماله فإنه لا مشاحة غير مستعد لقبول أية حقيقة
(يتبع)
стр. 936
كشكول البيان
تفاريق - علمية، وأدبية، وتاريخية، وفكاهية_ونظرات_في سير مشهوري العلماء، والمخترعين - وشذرات_في أخبار العالم وأحداثه الحاضرة.
أرمينياس فامبري
لقد فقد عالم السياسة رجلاً عظيماً، وصحفياً مجرياً قديراً. كان معدوداً بين أساطين الصحافة. ونعني به أرمينياس فامبري الذي توفي منذ أيام قلائل وقد ناز الثانية والثمانين. ولا والله كان صمويل سميلز، المشهور بين الناس بكتابته عن حياة الأبطال وسر عظمتهم، يعيش اليوم بيننا، وينعم بالحياة مثلنا. لما ونى في التنويه بذكر رجل بدأ الحياة مجاهداً مناضلاً. وما فتئ يقطع كل عقبة، ويجوز كل كأداة، ويحمل في سباق الحياة على نفسه. حتى استطاع بقوة الدأب وروح المثابرة، أن يذلل دونه المصاعب والمشاق، إلى أن عد أخيراً في طليعة أبناء عصره.
كان لفامبري ولع غريزي بتعلم اللغات، فلم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى كان عليماً بكل لغات الغرب. ولكنه لم يقف عند ذلك. بل مابرح يقبل على تعلم اللغات الشرقية، حتى حذق عدة منها، ولا ننسى سياحاته الكثيرة في آسية الوسطى. وكان في كل أدوار حياته مدققاً بصيراً، وسياسياً ماهراً. وكثيراً ما هز أعصاب الأندية السياسية بنقده وحملاته. وقد زار فامبري انجلترة عدة زيارات، لقي في كلها دلائل الترحاب، وأمارات الود والإعجاب. وكان مقامه في أخريات أيامه مدينة بست عاصمة المجر، ومن هذا المعتزل كان يكاتب رجال السياسة ويقف على ماجرياتها وكان لدفاعه عن سياسة انجلترة ضد مطامع الروسيا أثر كبير في البلاد الانجليزية. وأن أنعام الملك إدوارد السابق في عام ١٩٠٢ على فامبري بلقب قائد دليل واضح على عظم أعمل الرجل في سني حياته الحافلة بالحوادث.
الفوضى في الصين
لقد انتهت الثورة التي كانت في الصين بعد ما احتلت الجنود الشمالية مدينة نانكنج في أول سبتمبر الماضي، ولو لم يحدث بين القواد خلاف في أمر الزحف ووسائله لدخلت الجنود المدينة قبل ذلك بأسابيع عدة على أن الجنود إذ فتحت المدينة بدأت تقتل وتنهب، وراحت تفتك وتسلب، والضباط يشجعونهم ولا يبدون اعتراضاً ولا منعاً. ولم تكن الحرب ضد
стр. 937
الثوار على شيء من النظام حتى ترفع في عين أوروبا من شأن حكومة الصين. وقد حدث في خلال فتح نانكينج حادث كاد يكون سيء العاقبة على الصين، وهو أن الجنود قتلت ثلاثة من اليابانيين، وداست العلم الياباني بالأقدام، ووقع غير ذلك من الأحداث الشبيهة بهذه، مما ألجأ حكومة اليابان إلى طلب غرامة تكون بمثابة اعتذار عما فرط من الجنود الصينية، وتقديم ديات إلى عشائر القتلى، وعقاب الجناة، فكفلت الحكومة الصينية الغرامة والديات ولكن القائد شينغ هسان الصيني في نانكينج رفض أن يقدم اعتذاره الشخصي على تفريط جنوده وكان اعتذاره مطلوباً، فلم يكن من اليابان إلا أن أرسلت بعض سفائنها الحربية إلى جوار نانكينج، وكان يخشى من حدوث شغب بين الفريقين لو لم يذعن لقائد إلى تقديم اعتذاره، وعاد السكون كما كان. أما حكومة اليابان ففي موقف صعب. فإن الشعب الياباني يظهر في كل يوم رضاه عن ثوار الجنوب، وقد حاول أخيراً أن يلجيء حكومته إلى اتخاذ خطة عدائية ضد حكومة الصين، ولم يستحسن منها طلباتها، وهو يحرضها على طلب جزء من الأراضي الصينية، ولعل حكومة الميكادو وشعبه ألب على الصين. ولكن الحكومة تعلم أنه لم يحن بعد الوقت الذي تلحف فيه وتتشدد، لأن ذلك يدعو إلى تداخل حكومات أوروبا في الأمر، وقد أدت حمية أنف الشعب الياباني إلى هديد حكومته وقتل كبير من كبارها، عرفوا عنه أنه يحابي الحكومة الصينية.
الحكومة في شخص
كتب كاتب انجليزي في إحدى الصحف التي تصدر في انجلترة يصف أخلاق إمبراطور الألمان. كيف أن الإمبراطور يفطن إلى كل شيء يجري حوله وإن تظاهر بأنه لا يرى منها شيئاً. ودليل ذلك أنه ذات مرة بينا هو عائد من أحد وجوهه، كان جماعة من العمال وقوفاً في طريقه فتعمدوا أن يدعوه يمر بهم في سكوت. ليثبتوا له سخطهم على الحكومة، ولكن الإمبراطور كأنما تبين سوء نيتهم، إذ خرج من بين جنود موكبه وقصدهم محيياً، ولبث على هذه الحال ينظر إليهم ويحدق فيهم البصر حتى اضطرهم إلى مقابلة تحيته بمثلها فحسروا عن رؤوسهم محيين، فلما عاد إلى مكانه من محفله هتفوا له.
قال الكاتب والإمبراطور جدُّ متقلبٍ، ولكن للتقلب حدوداً، والإمبراطور أطمع ما يكون في التألق في جو السياسة على حين أنه أخيب نصيباً منها وهو لا يني يؤكد للناس أنه يريد أن
стр. 938
يعرف في الأجيال المقبلة بأنه غليوم السلمي ويؤكد لجيرانه أنه يود أن يعيش وإياهم في ظل السلم، ومع ذلك يوعدهم ويحذرهم ويقول لهم أنه لا يتأخر عن لقائهم في الميدان إذا أرادوا حرباً، وأنه ليخطب خطبه الدينية، والسيف إلى جنبه، وحمائله في نطاقهن وفي هيئته ما يدل على أنه يتجهز لتجريده.
الجراثيم
كتب السير ويليم رامزي ذلكم العالم الكيماوي المشهور موضوعاً في تحويل الجراثيم إلى العمل لصالح الإنسانية، وقد استشهد بأعمال الأستاذ روبرت براون أمير علماء النبات ومساعي الأستاذ لوب، وكذلك بمجهودات باستور وكثيرين ممن يجتهدون في تحقيق هذا الموضوع. وقال أن غرض العلماء من تحديد الجراثيم النافعة والجراثيم الضارة هو تقليل الوفيات، ولكن ليس ذلك كل ما في الأمر، فإن كانت حمى الملاريا من جراثيم في البعوض وكذلك الحمى الصفراء قد ثبت بالفحص أنها تنشأ من البعوض، ومرض النوم قد دلت الأبحاث على أن سببه جراثيم قتاله تنفذ إلى جسم المريض من عضات ذباب (التستسي) الفاشي في أفريقية، والوباء قد عرف اليوم أنه يحدث من عضة برغوث يعدى الجرذان، بلى أن كان كل ذلك قد اهتدى إليه اليوم، فلم يقف العلماء بعدُ عن السعي في اكتشاف الوسائل لقتل هذه الجراثيم وجعل سكان الأصقاع الكثيرة الجراثيم من ويلاتها آمنين.
الآلهة في أفريقية
في مقاطعة بحر الغزال قبيلة تسمىقريش أجا تدين بآله لها: أسد يعيش دائماً في البحر، شديد البأس، حتى يستحيل على أهل هذه القبيلة أن ينقذوا من يقع في قبضته دون أن يقدموا له ذبحاً أو ضحية، وقد اعتاد أهل القبيلة خوفاً من غضبه أن يقربو له قربانين في كل عام، الأول في بدء الفيضان، والثاني عند هبوطه، وقد روي أن شرطياً من رجال الحكومة هناك وقع في قبضة الأسد الله وكان يسبح في عرض البحر ولم يتركه حتى قربوا له القربان المطلوب.
الكلب البائع
مما يروى في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية بائع صحف له كلبان يخدمانه الخدمة الكبرى إذ ينوبان عنه إذا غاب في بيع الصحف فيجلس أحدهما على مقعد في
стр. 939
الدكان وبين فكيه غليون تبغ ويحمل نسخة من الجرائد اليومية ويلزم صاحبه مقعداً آخر ويحمل بين أسنانه قبعة صغيرة يحفظ فيها النقود، فإذا ابتاع أحد السابلة نسخة من إحدى الصحف استوى الثاني واقفاً يطلب النقود، ويبدو على الكلبين استعداد كبير للبيع ومهارة فائقة. وأما سيدهما فيركن لهما كل الركون.
مجمع الشيوخ
انعقد في الولايات المتحدة منذ أيام مجمع كبير للشيوخ الذين بلغو أرذل العمر، وقد بلغ مجموع أعمار الحاضرين عشرة آلاف عام، ولم يكن بينهم إلا شخص واحد لم يجز بعد السبعين وفيهم امرأة عجوز لها من العمر مائة وثلاثة أعوام، وكان هذا المجمع معداً لقضاء النزهة والرياضة، وهو يقام مرة في كل سنة في تلك البلاد إذ تؤلف جماعات تنفذ إلى كل مقاطعة لتدعو شيوخها وعجائزها وهم يعطون كل شخص شارة من الحرير فمن كان في سن السبعين أعطي شارة حمراء ومن كان في سن الثمانين أعطي زرقاء وتعطى شارة بضاء لمن تجاوزت أعمارهم التسعين.
وتكفل هذه الشارات لحامليها السفر والأكل وجميع اللوازم دون مقابل، وخادماً إذا استدعت الحال، حتى إذا اكتمل جمعهم وانتدوا شيوخاً وعجائز في ناديهم، قضوا اليوم في عيد يجمع الغناء والألعاب والقصف بأنواعه، وتعطى مئات الجوائز لأكبر الرجال سناً، وأكثر النساء عيالاً، وأصغر الرجال الجند الذين شهدوا الحرب بين الولايات المتحدة وانجلترة، وأصغر النسوة اللاتي قطعن الصحاري وجبن الموامي، وأشد الرجال صلعاً أو قرعاً وغير ذلك، ويشترك الحضور في الألعاب الرياضية، وتعمل مقارنات في الرقص للنساء اللاتي بلغن السبعين أو الثمانين.
برنارد شو ورواياته
كتب كاتب في صحيفة ألمانية عن برنارد شو الفيلسوف والروائي الانجليزي الأوحد، فقال: إن في صدر المستر شو روحين تترددان، فهو في رواياته الشاعر الذي ينظر إلى الحقائق بالنظر العادي، أما في مقدماته ومقالاته فهو المحرك السياسي الذي اضطربت مخيلته من حركات الأحزاب. وأنك لتجد في حال المستر شو صورة مضحكة فبينا تراه يحارب المذاهب الكمالية الخيالية وهو الشاعر، إذ به يؤيد: وهو السياسي: مذهباً منها ونعني به
стр. 940
الاشتراكية نعم وقد يقولون أن السياسة والدين - وما الاشتراكية إلا جامعتهما_قد يزيغان في البحث أكبر العقول، ماذا يهمنا من برنارد شو سياسياً إذا كنا ننعم بثمرات قريحته شاعراً؟
وكتبت صحيفة فرنسية عن برنارد شو موليير القرن العشرين تقول دقق البصر في أية رواية من رواياته الجديدة يتبين لك أنها لا غضب الجمهور ولكن تسخط الناقدين، وطريقة المستر شو في رواياته أن يبسط للناس آراءه ويعرض عليهم مذاهبه، ويدعوهم إلى التفكير فيها، ثم يترك لهم الحرية في تحللها، فهو في ذلك ينحو منحى موليير، وقد أنشأ روايات هي آيات في الكوميديا.
الشرق والغرب
جاء في مجلة الشرق والغرب بقلم كاتب اجليزي كبير نبذة في تقدم المدنية هذه خاتمتها: إن مساعي السير ويليم جون ومونيير ويليم وماكس مولر قد أحدثت ثورة ساكنة في عالم الحياة الغربية وتطوراً كبيراً في أفكارها وإن (تغريب) الشرق ليظهر بأجلى مظاهره في نظام اليابان الحربي وهيئة حكومتها وكذلك (تهنيد) الغرب ليبدو لنا إذا نحن استطعنا أن ندقق التحليل والبحث في أفكار الغرب وأدب الغربيين لا سيما في دولة جوت وعالم شوبنهور والشرق لا يزال بعد سراً مجولاً وإن كانت شمسه لا تبرح تطل على العالم الغربي وتنفذ بضيائها من نوافذه. والحقيقة التي لا لجاج فيها هي أن المدنية الغربية قد أنهكت نفسها، وأن العالم قد أصبح اليوم على أبواب ثورة كبرى - كما قال فيلسوف هندي عظيم_ثورة ستسترد فيها أفكار الشرق القديمة ونماذج الكمال الماضية مكانتها الأولى. وستظهر على عظمة أوربا المادية والاقتصادية، وستسمو على سلطة الغرب الروحانية والفلسفية.
الشرطة والمظلات
في مصر وغيرها من البلاد لا يزيد لباس رجال البوليس الرسمي في الشتاء والأيام المطيرة عن (البدل السوداء) وفي أيام الصيف وحروره عن الأثواب البيض. على أن القائمين بنظام البوليس في هذا البلد قد اخترعوا لوقاية الشرطة من حرارة الشمس تلك القبعة التي تلبس فوق (الطربوش) ولكنها لا تغني كثيراً ولا تفيد أما مدينة (كلكتا) عاصمة
стр. 941
الهند القديمة فإن الشرطي يعطى من إدارة البوليس مظلة كبيرة يتقي بها حرارة الشمس ولفحاتها، فضلاً عن بدلة بيضاء لا تمتص الحرارة. وليس في الأمر عجب. على أن عامة المصريين لو شهدوا رجال البوليس في الطريق وهم يحملون المظلات لاجتمعوا ضاحكين معجبين مهللين.
مأساة في البحر_حريق فولترنو
النار تلتهم، والعاصفة تعصف، في الليل الأحلك، وفي وسط بحر الظلمات - الأوقيانوس الأطلانطي_على مسافتين متساويتين من ثغري الهافر ونيويورك، والتلغراف اللاسلكي يقود إلى مواقف الخطر عشر سفن من سفائن البريد، تحاول - ولكن عبثاً_كل حيلة للإنقاذ. . . ذلكم تاريخ حريق فولترنو سفينة من سفن البريد. تحمل ٣٠٠٠ طن، ملك شركة انجليزية تسمة (يورا نبام)، تركت ثغر روتردام في هولانده في اليوم الثاني من شهر اكتوبر وتريد ثغر هليفا كس من أعمال كندا تحمل اثنين وعشرين مسافراً وثمانية وثلاثين وخمسمائة مهاجر، وثلاثة وتسعين من موظفيها وبحارتها.
فلما كان يوم الخميس التاسع من شهر اكتوبر شبت النار في مقدمتها وكان السبب كما يعتقدون طيش طائش رمي غير متعمد بقايا (سيجارته) فلم تلبث أن اشتعلت النيران في البضائع المختلفة وسلع المهاجرين ودنان الكحول. وفي الساعة الثامنة صبحاً طيرت السفينة بواسطة التلغراف اللاسلكي نبأ فاجعتها فلبي نداءها واستجاب لها عشر سفن مختلفات الأعلام أسرعن إلى مكان الخطر. هذا وفولترنو ترقص في الماء وفي النار، والمهاجرون فيهم خلق كثير من النساء والأطفال مكدسون في المؤخرة قد ذهبت نفوسهم هلعاً ورعباً، ولى القراء تقرير الربان كوسان قبطان سفينة (تورين) الذي لم تكد تصل إليه دعوى الإنقاذ من فولترنو في الساعة الثامنة والنصف حتى دفع إلى مكانها وغير سبيله في البحر سرباً. وفي هذا التقرير يصف القبطان رعب الغرقى وألم السفن التي ذهبت تطلب إسعاف السفينة وشجاعة الضباط وبأس البحارة. قال:
في الساعة الثالثة وربع أبرقت فولترنو تسأل الإسراع في نجدتها. أن النار كادت تبلغ سطح السفينة. تريد الأحتيال بكل الوسائل، وقد وصلت إليها سفينتا (سيدلتز) وكيرزست:
إن السفن الحاضرة لا تستطيع إرسال الزوارق لأن البحر خضم مضطرب فقد حاولت
стр. 942
(سيدلتز) ولكنها اضطرت أن تترك حيلتها، وأنزلت السفينة (كرامانيا) زورقاً إلى البحر ولم ترسل فيه نوتياً ولا بحاراً بل حاولت أن تربطه بحبل حتى تبلغه إلى فولترنو، ولكنها رأت هذه الحيلة صعبة شاقة فاجتنبتها وقد عملت سيدلتز وكيرزست مجهودات كثيرة وحيلاً مختلفة فلم يجد ذلك كله نفعاً.
وفي الساعة الثامنة مساءً أرسلت فولترنو هذه الإشارة أنقذونا بأية تضحية فإن النار تضطرم وتنتشر وعلمنا من السفن الأخرى المستنجدة أن سطح فولترنو قد التهمته النار وأن تلغرافها اللاسلكي قد فسد فلا يصلح بعدها.
وفي منتصف الساعة التاسعة ليلاً كانت كرامانيا تشك في أن فولترنو ستعيش بقية اليوم.
وفي الساعة التاسعة رأيناها شعلة من النار وفي منتصف الساعة الحادية عشر قطعنا كل أمل في أصراخها وبلغ منا اليأس من إنقاذها، ولم يعد أحد منا يستطيع أن يخاطبها وقذف جماعة من الرجال بأنفسهم في لجج الأقيانوس فلم ينج إلا واحد انتشلته كرمانيا وهوى في اللج المتقاذف زورقان من زوارق فولترنو أنزلا إلى البحر يحملان خلقاً من ركابها، فانقلبا بمن فيهما واحتواهما الماء.
وفي الساعة الحادية عشر إلا ربعاً قبل وصول السفينة الفرنسية (ترانس اتلانتيك) بخمسة عشر دقيقة ابتعد قارب من قوارب الصيد عن سفينة (تورين) يحمل قبطانها الثاني مسيو روسلوت بعد شجار بين الضباط والبحارة وخلاف في إحراز هذا الشرف وذهب الملازم (ايزينيك) في زورق آخر، وانطلق الزورقان مختفيين في ظلمة ذلك الليل البهيم.
ومضت ثلاث ساعات، فلما كانت الساعة الواحدة ونصف بعد منتصف الليل رأينا مصباحاً يلوح هناك وإذا بمسيو ايزينيك قد عاد يحمل في الزورق خمسة من المسافرين وقد استطاع أن يخاطب السفينة فولترنو وقد حدثنا بما رأى، قال: أن المنظر رهيب مخيف لأن مقدمة السفينة ووسطها ليسا إلا شعلة من اللهب، والسفينة تهتز وتضطرب، وقد نقل المسافرون الأمتعة إلى الطرف الأقصى من المؤخرة وقد علا الضجيج واشتد الصريخ وقد اصطدم زورق الصيد الذي أرسله للنجدة من غير إرادته بجنب السفينة لإنحرافها واضطرابها، وفي الحال ترامى على الزورق بعض المسافرين ووثب إليها آخرون، واستشهد اثنان كانا يحاولان النجاة وتواريا تحت السفينة!!
стр. 943
وأراد مسيو إيزينيك أن يعود إلى فولترنو مرة أخرى ولكن القبطان آثر أن يلزم الزورق ضابطاً آخر وهو المسيو كوتيه.
ولم تمض عشر دقائق حتى رجع المسيو روسلوت بثلاثة من المسافرين وقفل راجعاً إلى نجدة غيرهم واقترب من زورق وقف على جنبه خلق كثيرون وإذا بهم قد ترامو مثل حب الغمام على زورقه، ولم يسع المسيو روسلوت إلا ن يبتعد منقذاً سبعة عشر نقل إلى الزورق الآخر سبعة منهم وفي الساعة الرابعة سحراً كان مجموع من أنقذتهم (تورين) اثنين وعشرين هذا وقد اضطرب البحر وتقاذف لجه ونحن مرتقبون طلوع النهار لنواصل الإسعاف والإنجاد.
فلما أشرق النهار - وكانت الساعة السادسة_اقتربت السفن جميعاً من فولترنو وقد قل الفزع، وسهل بعض السهولة إنقاذ المنكوبين، وفي منتصف الساعة الثالثة حيت السفن حطام فولترنو ومحترق آثارها وملتهب معالمها وأخذت كل سفينة طريقها يحملن ثلاثة عشر وخمسمائة مسافر.
وشهداء هذه المأساة يبلغون المائة والأربعين، ولو لم يقم بين المسافرين ذلك الفزع الأكبر والرعب الأشد اللذان استوليا على النفوس لاستطاعت السفن أن تنقذ الجميع.
وهؤلاء المهاجرين جمع مختلف من كل الأجناس والشعوب فيهم الروس والبلغار والنمساويون والبولانديون والجاليشيون (من أهل جاليشيا) وكانوا يحملون معهم كل ثروتهم ومتاعهم. وقد اعتاضوا عن العرض المتحول المتغير بنعمة الحياة، وكلهم يخاطب زميله بالبيت المشهور:
ورأس مالك وهي الروح قد سلمت ... لا تأسفن لشيء بعدها ذهبا
غش البرتقال
حكمت محكمة السين في باريس منذ أيام على بائعة حكماً صارماً إذ قبض عليها وهي تلون قشر البرتقال الفج بلون صناعي لا يختلف عن اللون الطبيعي المشاهد في البرتقال الناضج.
ولعمري أنها مهارة غريبة من البائعة تستوجب حكماً خفيفاً لا صارماً وماذا كان قضاة باريس يفعلون إذا رأوا باعتنا يغشون في أبسط السلع غشاً فاضحاً؟
стр. 944
واعجباً، لقد فاقونا حتى في الغش!
стр. 945
حول المرأة
قام بين الجرائد المصرية ضجة جديدة حول تحرير المرأة ننتهزها نحن الآن فرصة للكلام على المرأة ومستقبلها، مع بيان مختصر عن حال النساء المسترجلات في انجلترة التي توافينا التلغرافات كل يوم عن مشاغباتهم للحكومة.
قد يتساءل الناس عند البحث عن حال المرأة ما هو مركز الأنثى مطلقاً في العالم الحيواني؟ وهذا ضروري لنعرف إذا كانت الطبيعة ترمي إلى تفضيل الذكر على الأنثى كناموس عام لها، أو هي الظروف فقط تفضل أحياناً الأنثى على الذكر في بعض الأنواع، وأحياناً أخرى تفضل الذكر على الأنثى.
بحث سير لانكاستر في هذا الموضوع، وخرج منه بأن الأنثى في الجملة أقوى وأكبر جثماناً من الذكر على عكس ما يعهده القارئ. وقد ذكر ضرباً من الأسماك بالغت الطبيعة في إظهار أنثاه على الذكر حتى صيرت الأنثى تزن ألف ضعف ما يزنه الذكر. وهناك نوع آخر من السمك يتضاءل فيه الذكر حتى يصير في حجم الخراطين على حين أن أنثاه تكبر إلى حد كبير.
وأنثى العقرب أكبر وأقوى من الذكر. فهي إذا شعرت أنها تلقحت منه انقضت عليه أكلته من رأسه إلى قدمه. وكذلك تفعل أنثى العنكبوت بذكرها. ولكنه أحياناً ينجو منها لأنه لا يكاد يشعر بانتهاء السفاد حتى يقفز عنها هارباً ناجياً.
وليست الحضانة وتربية الأولاد من واجبات الأنثى الطبيعية كما يتوهم بعض الناس ذلك.
فقد ذكر الجاحظ وحقق قوله العلماء الآن أن الظليم يرخم على بيض النعامة (يحضنه) كالدجاجة الرنقاء حين تسعى هي لمعاشها.
وجملة القول أن الطبيعة لا تؤيد من يذهبون إلى تفضيل الذكر على الأنثى في القوة الجسمية أو العقلية. أما في النوع الإنساني فالذكر أقوى من المرأة مطلقاً في القوة الجثمانية وهي أقوى منه نسبياً في القوة العقلية. لأن حجم دماغ المرأة بالقياس لجسمها أكبر من حجم دماغ الرجل بالقياس إلى جسمه.
وقد أثبت التاريخ أن الرجل كان القائم عليها في القرون الماضية مع شذوذ قليل ومثال ذلك أن في بعض القبائل الألمانية حكمت النساء الرجال حقبة طويلة من الدهر.
وكانت المرأة المصرية القديمة تنعم بكل حقوق الرجل على أن ذلك كان في عصر التمدن
стр. 946
ولكن لا مراء في أن الرجل استعبد المرأة في كل زمن وحشيته وبربريته كما يفعل المتوحشون والمتبربرة الآن. فقد كانت المرأة ملكاً لرئيس الأسرة يتصرف فيها بيعاً وشراءً وقتلاً وعقاباً مثلما يتصرف في عبيده وأولاده وما ملكت يمينه.
وإذا نظرنا إلى المدنية الغربية الحديثة وجدنا أنها بدت بتحرير أفراد الأسرة التدريجي من سلطة الوالد.
فقد تحرر أولاد رئيس الأسرة من سلطته ثم تلاهم في ذلك العمال الذن يعملون في أرضه وتلا هؤلاء مواليه وتلا هؤلاء أخيراً المرأة.
وقد شاع النقاب والحجاب عند بعض الأمم الشرقية مثل العرب والروس. فلما أراد بطرس الأكبر قيصر روسيا أن يدخل المدنية بلاده التزم أن يحتم على أمته رفع النقاب إذ عده منافياً للمدنية في القرن السابع عشر. وبهذه المناسبة أقول أن بعض البرتقاليات ما برحن بعدُ يلبسن الحبرة غير منتقبات، وما زال الأسبانيول يحجبون المرأة عن ضيفانهم ويفردون لها مقاعد في دور التمثيل حتى لا تجالس الرجال. وهذا أثر من آثار المدنية الإسلامية الموروثة فيهم.
ويختلف شأن المرأة اليوم باختلاف الأوساط فهي عبد رق لزوجها أو أبيها بين المتوحشين ولكن مقامها يرتفع شيئاً عند الأمم المتبربرة، فلها شيء من الحقوق المدنية في الصين. وفي بعض بلاد التبّت حيث يشيع الضماد - وهو أن تتخذ المرأة أكثر من زوج واحد في وقت واحد_ترأس الأسرة وتتصرف في متاعها وأملاكها تصرفاً تاماً دون تداخل من أزواجها. أما عند الأمم المتحضرة فيختلف مقامها ولكنها سائرة يراُ حثيثاً نحو الحرية وإليك مثلاً المرأة الانجليزية فأنها كانت حتى عام ١٨٨٢ لا تستطيع التمتع بأملاكها بعد الزواج. لأن عقد الزواج كان يسلبها هذا الحق وينقله إلى زوجها وقد عاش الأوروبيون كل هذا الزمن الطويل وهم لا يقرون للمرأة بحق الملك وذلك بخلاف المسلمين لأن الإسلام نص على حقوق المرأة في الملكية. وفي سنة ١٨٨٦ منحت حق الوصاية على أولادها وكانت محرومة منه من قبل.
وفي سنة ١٨٨٤ اعترفت لها المحاكم بجواز تمنعها من الذهاب إلى بيت زوجها. وهذا الحق غير معترف به للمرأة المصرية مسلمة كانت أم مسيحية. وأقبلت المرأة الانجليزية
стр. 947
على دخول الجامعات من نحو سنة ١٨٥٠ ولاقت من الصعوبات في ذلك ما لاقت، لأن مجالس الجامعات كانت تأبى دخول النساء وإذا أجازت دخولهن حرمت عليهن الامتحان ونيل الشهادات. ولكن دأب النساء ومثابرتهن وحميتهن وإقبالهن على العلوم، رفع عن أعين هذه المجالس غشاوة الجمود، ودفع أعضاءها إلى الإقرار بحق المرأة في دخول الجامعة. ومن ذلك العهد كثر خريجات الجامعات في الأدب والفلسفة والعلوم والحرف كالطب وغيره.
والدافع الأكبر لإقبال المرأة على التفوق في العلوم والآداب والصناعات التي قامت تزاحم فيها الرجال اليوم ليس مجرد حب العلم أو الغيرة من الرجل ومزاحمته في صناعاته. بل الحقيقة أن الحالة الاقتصادية في القرن التاسع عشر هي التي نبهت النساء إلى وجوب نزولهن في ميدان أعمال الرجال ومزاحمتهم.
وذلك لأن المرأة كانت إلى ما قبل هذا القرن تصنع بيديها كل المصنوعات التي احتكرتها الآلات في القرن التاسع عشر. فكانت تنسج المنسوجات وتحيك الثياب وتطحن الغلات إلى غير ذلك من الأعمال التي كانت تعملها بيديها وتعيش منها وحرمتها منها الآلات في هذا القرن. فوجدت نفسها على أثر اختراع هذه الآلات وانتشارها خالية اليد لا عمل لها في الدنيا يملأ فراغها ويكسبها مرتزقاً. لأن أصحاب المعامل والآلات يستعملون الرجال في إدارتها وقليلاً ما يستخدمون النساء. فنشأ من هذه الحالة جماعات من النساء عاطلات من كل عمل حاقدات على المجتمع ناقمات عليه نظامه. ومن هنا تجد أن الحركة النسائية اليوم بالغة أشدها في البلاد التي كثرت فيها المعامل مثل انجلترة وأمريكا. ولا تجد لها أثراً ضعيفاً في البلاد الزراعية مثل هولاندة والمجر.
ففي انجلترة تطالب النساء بالمساواة التامة بالرجل في حقوقه وواجباته. يطلبن حق الانتخاب في البرلمان والتوظف في وظائف الحكومة.
وللمرأة حق الانتخاب للمجالس البلدية في انجلترة، وللبرلمان وحق التوظف في الحكومة في السويد والنرويج وفنلاندة. فمنهن الأن عاملات في مصلحة البريد والتلغراف في أكثر الأمم الأوربية، ومنهن قاضيات وطبيبات ومحاميات في الولايات المتحدة وفرنسا.
وبين فئة من نساء أوروبا المتعلمات حركة غريبة متناهية في التطرف. فأنهن لا يكتفين
стр. 948
بمطالبة المساواة بالرجال، بل يطلبن إلغاء الزواج الشرعي إذ يعدونه أثراً من آثار عهد الاستبداد بالمرأة أولاً ولأنه لا يتفق مع شرف الحب ثانياً.
يقلن أن المرأة التي تربط نفسها بعقد شرعي مع زوجها مكرهة على المعيشة معه ولو لم تحبه. وهذا في رأيهن بيع صريح للعرض. أما إذا تزوجت زواجاً حراً فإنها تبقى مع زوجها ما دام الحب مكيناً بينهما، فإذا انفكت عراه انفصلا.
ومن العلماء من يوافق على هذا الرأي، وقد ألف جرانت ألن في هذا المبدأ - وكان من دعاته - روايته المرأة التي فعلت.
ومنذ نحو أربع سنوات قرأت في جريدة انجليزية إعلاناً هذه مجمله فلان وفلانة تزوجا اليوم زواجاً حراً وبدآ المعيشة معاً في دار واحدة.
هذا مبلغ ما وصلت إليه الحركة النسائية في العالم المتمدن، فما هي العبرة التي نستخرجها من هذه الخلاصة؟
قبل البحث في ذلك يجب أن نبحث فيما إذا كانت الأسرة الأوروبية أسعد حالاً من أسرتنا، وفيما إذا كانت المرأة هي السبب الوحيد أو أحد الأسباب التي تدعو إلى ذلك.
أما عن المسألة الأولى فحسبنا دليلاً على ذلك أن عدد وفيات الأطفال أقل مما هو عندنا بكثير كما تثبت ذلك إحصائيات حكومتنا عن وفيات القاهرة. وبيوتهم أنظف من بيوتنا. والطلاق غير شائع بينهم شيوعه بيننا.
وقد تكون سعادة الأسرة في غير ذلك ولكن وجودها أرجح في هذه الشروط مما لو فشي الموت بين الأطفال وقذرت دورنا وكثر الطلاق بين الأزواج كما هي الحال بيننا.
والمرأة الأوروبية هي سبب هذه السعادة. فهي على شيء من العلم تعرف به كيف تجمع بين جدران دارها كل مستلزمات الصحة فتقتل الأمراض وتزول منها. ويصبح بيتها بما فيه من ترتيب ونظام مبهجة زوجها وداعية سروره فلا ينفر سارباً إلى (القهوات والبارات) كما نفعل نحن الآن. وقلة الطلاق عندهم ليست ناشئة من الدين كما يتوهم البعض بل من حسن تخير الرجل لزوجته وتخير المرأة لزوجها قبل الزواج وذلك بفضل التزاور.
وحجاب المرأة عندنا يمنع استيفاء هذه الشروط. فضلاً عن أن ذلك يضر بالمرأة نفسها لأن جسمها يحتوي على عضلات تحتاج إلى كثرة التمرين لكي تبقى سليمة صحيحة. فعضلات
стр. 949
جسمها تضعف وتهن لقلة حركتها إلا بين جُدُر الدار، ودماغها يقف عن النمو لقلة ما يشغله من الأعمال العقلية، وأن إغفال وظيفة عضو في الجسم يعود بالضعف عليه.
ودليل ذلك أن الحشرات التي تعيش في الأمكنة المظلمة لا ترى في الضوء.
والديدان التي تعيش في أمعاء الإنسان لا تأخذ طعامها بفيها وتهضمه بأمعائها بل تمتصه بجلدها ويذبل جهازها الهضمي ويزول بالتدريج.
والأعضاء الأثرية التي في الإنسان الآن تدل على صدق هذه النظرية. فإن الزائدة الدودية هي بقية أثرية من المعي الذي كان يهضم الأطعمة النباتية وأصبح الآن ضئيلاً عاطلاً لا عمل له. لأن الإنسان استغنى عنه باستعماله المأكولات اللحمية المطبوخة. وما يحل بالمرأة من الضرر الناشئ من الحجاب يحل بأولادها أيضاً تبعاً لناموس الوراثة وأولادها إناثاً وذكراناً هم أفراد الشعب فالضرر إذن عائد على الشعب بأسره من جرّاء الحجاب.
ولقد خبط الكتاب وهرفوا في مسألة الحجاب. قام الرجعيون منا يؤيدونه بدعوى أن الدين الإسلامي يأمر به.
والحقيقة أن الحجاب ليس منشؤه الدين بل هو ناشئ من حاجات بيولوجية وفسيولوجية سيكولوجية. فإنه من العادات التي فشت قديماً بين أمم المنطقة الحارة من قبل أن تدين بأديانها الحاضرة. وإذا كان الحجاب قد تعدى هذه الأمم إلى أمم المناطق الباردة فإنما كان ذلك عن طريق التقليد لا غير ولذلك لم يطل عمره عندها كما حدث في روسية.
وسبب ذيوع الحجاب بين أمم المناطق لحارة أن الفتيات في هذه الأمم يدركن سن البلوغ الجنسي قبل أن تنضج عقولهن. أي وهن في الثانية أو الثالثة عشر من عمرهن. فتتنبه شهواتهن الجنسية قبل أن يكون لهن من عقولهن رادع يردعهن عن الوقوع في أشراك الشهوة. فأصبح من دواعي بقاء هذه الأمم أن يحجبن بناتهن عن الخروج والاختلاط بالرجال حتى يحفظن فروجهن. ولذلك لم ينتشر الحجاب في أوروبا مطلقاً إلا عند الأتراك والأندلسيين.
ولهذا أيضاً تزيد حرية المرأة كلما قربت من القطب الشمالي وتقل بقربها من خط الاستواء.
فليس الدين إذن هو منشأ الحجاب. وكل ما فعل أنه شرط لهذه العادة شروطاً تخفف مما
стр. 950
عساه أن ينشأ عنها من الإضرار بالمرأة.
ونظامنا الحاضر يزيل حاجتنا إلى الحجاب، لا لأن الطبيعة البشرية تغيرت بل لأن القوانين الحاضرة تكفل بعقاب من يهتك عذراء عقاباً ليس وراءه عقاب.
ثم أن تربية البنت التي يرى لزومها حتى أنصار الحجاب تستدعي مخالفة مبدأ الحجاب إلى ما بعد سن البلوغ لأن البنت تضطر فيه أحياناً للذهاب إلى المدرسة في كل يوم إلى أن تبلغ الخامسة عشر أو السادسة عشر. وهذه هي السن التي قلنا أن الطبيعة دفعت الإنسان في أدوار همجيته إلى سن الحجاب فيها للبنات.
ولا بد أن القرئ قد أدرك الآن أن الحجاب قد اخترع لصيانة لبنت لا لصيانة الأن عدم لزومه للمرأة ظاهر لأنها كاملة العقل ولأنها متزوجة. فليس هناك خطر عليها من شهواتها. بل على العكس قد تتنبه شهواتها الجنسية أكثر بواسطة الحجاب لما ينجم عنه من الإنفراد والوحدة وخلو اليد من العمل.
والمعروف أن الاستنماء عند الذكور هو إحدى عادات الوحدة والراحة. فيجب إذن أن نخاف على المرأة من حجابها ونعده مثيراً لشهواتها الجنسية أكثر مما لو سمح لها بالخروج والاختلاط والاشتغال في الهواء الطلق بين مختلف الأعمال التي تفتح للأعصاب منفذاً تصرف فيه قواها.
وإذا صح ما ذكره مؤرخو العرب من أن النساء كن يجالسن الرجال وأن أحد الخلفاء منع ذلك صدقت نظريتنا من أن الحجاب كان يقصد به في الأصل صيانة البنت ل المرأة الراشيدة.
ونحن كدنا نعكس الغرض من الحجاب. فبينا نحجب نساءنا وهن الراشدات، إذ نسمح لبناتنا بالذهاب إلى المدارس سافرات.
والسبيل المعقولة لمعاملة نسائنا هي منحهن الحرية التامة وهن أزواج راشدات مثل أترابهن الغربيات. ومراقبة طبائعهن وهن صغيرات، فيمنعن من الاختلاط مع الشباب بين سني العاشرة والخامسة عشر مثلاً. ولكن مراقبتهن لا يجب أن تصل إلى ملازمتهن البيت ولا يخفى أن ما تحتاج إليه بنات الوجه البحري من الرقابة أقل مما يحتاج إليه بنات الوجه القبلي لأن اختلاف الطبائع يستدعي اختلاف المعاملة. فمن بين البنات من تصل إلى سن
следующие страницы →