← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ولكن لا مراء في أن الرجل استعبد المرأة في كل زمن وحشيته وبربريته كما يفعل المتوحشون والمتبربرة الآن. فقد كانت المرأة ملكاً لرئيس الأسرة يتصرف فيها بيعاً وشراءً وقتلاً وعقاباً مثلما يتصرف في عبيده وأولاده وما ملكت يمينه. وإذا نظرنا إلى المدنية الغربية الحديثة وجدنا أنها بدت بتحرير أفراد الأسرة التدريجي من سلطة الوالد. فقد تحرر أولاد رئيس الأسرة من سلطته ثم تلاهم في ذلك العمال الذن يعملون في أرضه وتلا هؤلاء مواليه وتلا هؤلاء أخيراً المرأة. وقد شاع النقاب والحجاب عند بعض الأمم الشرقية مثل العرب والروس. فلما أراد بطرس الأكبر قيصر روسيا أن يدخل المدنية بلاده التزم أن يحتم على أمته رفع النقاب إذ عده منافياً للمدنية في القرن السابع عشر. وبهذه المناسبة أقول أن بعض البرتقاليات ما برحن بعدُ يلبسن الحبرة غير منتقبات، وما زال الأسبانيول يحجبون المرأة عن ضيفانهم ويفردون لها مقاعد في دور التمثيل حتى لا تجالس الرجال. وهذا أثر من آثار المدنية الإسلامية الموروثة فيهم. ويختلف شأن المرأة اليوم باختلاف الأوساط فهي عبد رق لزوجها أو أبيها بين المتوحشين ولكن مقامها يرتفع شيئاً عند الأمم المتبربرة، فلها شيء من الحقوق المدنية في الصين. وفي بعض بلاد التبّت حيث يشيع الضماد - وهو أن تتخذ المرأة أكثر من زوج واحد في وقت واحد_ترأس الأسرة وتتصرف في متاعها وأملاكها تصرفاً تاماً دون تداخل من أزواجها. أما عند الأمم المتحضرة فيختلف مقامها ولكنها سائرة يراُ حثيثاً نحو الحرية وإليك مثلاً المرأة الانجليزية فأنها كانت حتى عام ١٨٨٢ لا تستطيع التمتع بأملاكها بعد الزواج. لأن عقد الزواج كان يسلبها هذا الحق وينقله إلى زوجها وقد عاش الأوروبيون كل هذا الزمن الطويل وهم لا يقرون للمرأة بحق الملك وذلك بخلاف المسلمين لأن الإسلام نص على حقوق المرأة في الملكية. وفي سنة ١٨٨٦ منحت حق الوصاية على أولادها وكانت محرومة منه من قبل. وفي سنة ١٨٨٤ اعترفت لها المحاكم بجواز تمنعها من الذهاب إلى بيت زوجها. وهذا الحق غير معترف به للمرأة المصرية مسلمة كانت أم مسيحية. وأقبلت المرأة الانجليزية

стр. 947

على دخول الجامعات من نحو سنة ١٨٥٠ ولاقت من الصعوبات في ذلك ما لاقت، لأن مجالس الجامعات كانت تأبى دخول النساء وإذا أجازت دخولهن حرمت عليهن الامتحان ونيل الشهادات. ولكن دأب النساء ومثابرتهن وحميتهن وإقبالهن على العلوم، رفع عن أعين هذه المجالس غشاوة الجمود، ودفع أعضاءها إلى الإقرار بحق المرأة في دخول الجامعة. ومن ذلك العهد كثر خريجات الجامعات في الأدب والفلسفة والعلوم والحرف كالطب وغيره. والدافع الأكبر لإقبال المرأة على التفوق في العلوم والآداب والصناعات التي قامت تزاحم فيها الرجال اليوم ليس مجرد حب العلم أو الغيرة من الرجل ومزاحمته في صناعاته. بل الحقيقة أن الحالة الاقتصادية في القرن التاسع عشر هي التي نبهت النساء إلى وجوب نزولهن في ميدان أعمال الرجال ومزاحمتهم. وذلك لأن المرأة كانت إلى ما قبل هذا القرن تصنع بيديها كل المصنوعات التي احتكرتها الآلات في القرن التاسع عشر. فكانت تنسج المنسوجات وتحيك الثياب وتطحن الغلات إلى غير ذلك من الأعمال التي كانت تعملها بيديها وتعيش منها وحرمتها منها الآلات في هذا القرن. فوجدت نفسها على أثر اختراع هذه الآلات وانتشارها خالية اليد لا عمل لها في الدنيا يملأ فراغها ويكسبها مرتزقاً. لأن أصحاب المعامل والآلات يستعملون الرجال في إدارتها وقليلاً ما يستخدمون النساء. فنشأ من هذه الحالة جماعات من النساء عاطلات من كل عمل حاقدات على المجتمع ناقمات عليه نظامه. ومن هنا تجد أن الحركة النسائية اليوم بالغة أشدها في البلاد التي كثرت فيها المعامل مثل انجلترة وأمريكا. ولا تجد لها أثراً ضعيفاً في البلاد الزراعية مثل هولاندة والمجر. ففي انجلترة تطالب النساء بالمساواة التامة بالرجل في حقوقه وواجباته. يطلبن حق الانتخاب في البرلمان والتوظف في وظائف الحكومة. وللمرأة حق الانتخاب للمجالس البلدية في انجلترة، وللبرلمان وحق التوظف في الحكومة في السويد والنرويج وفنلاندة. فمنهن الأن عاملات في مصلحة البريد والتلغراف في أكثر الأمم الأوربية، ومنهن قاضيات وطبيبات ومحاميات في الولايات المتحدة وفرنسا. وبين فئة من نساء أوروبا المتعلمات حركة غريبة متناهية في التطرف. فأنهن لا يكتفين

стр. 948

بمطالبة المساواة بالرجال، بل يطلبن إلغاء الزواج الشرعي إذ يعدونه أثراً من آثار عهد الاستبداد بالمرأة أولاً ولأنه لا يتفق مع شرف الحب ثانياً. يقلن أن المرأة التي تربط نفسها بعقد شرعي مع زوجها مكرهة على المعيشة معه ولو لم تحبه. وهذا في رأيهن بيع صريح للعرض. أما إذا تزوجت زواجاً حراً فإنها تبقى مع زوجها ما دام الحب مكيناً بينهما، فإذا انفكت عراه انفصلا. ومن العلماء من يوافق على هذا الرأي، وقد ألف جرانت ألن في هذا المبدأ - وكان من دعاته - روايته المرأة التي فعلت. ومنذ نحو أربع سنوات قرأت في جريدة انجليزية إعلاناً هذه مجمله فلان وفلانة تزوجا اليوم زواجاً حراً وبدآ المعيشة معاً في دار واحدة. هذا مبلغ ما وصلت إليه الحركة النسائية في العالم المتمدن، فما هي العبرة التي نستخرجها من هذه الخلاصة؟ قبل البحث في ذلك يجب أن نبحث فيما إذا كانت الأسرة الأوروبية أسعد حالاً من أسرتنا، وفيما إذا كانت المرأة هي السبب الوحيد أو أحد الأسباب التي تدعو إلى ذلك. أما عن المسألة الأولى فحسبنا دليلاً على ذلك أن عدد وفيات الأطفال أقل مما هو عندنا بكثير كما تثبت ذلك إحصائيات حكومتنا عن وفيات القاهرة. وبيوتهم أنظف من بيوتنا. والطلاق غير شائع بينهم شيوعه بيننا. وقد تكون سعادة الأسرة في غير ذلك ولكن وجودها أرجح في هذه الشروط مما لو فشي الموت بين الأطفال وقذرت دورنا وكثر الطلاق بين الأزواج كما هي الحال بيننا. والمرأة الأوروبية هي سبب هذه السعادة. فهي على شيء من العلم تعرف به كيف تجمع بين جدران دارها كل مستلزمات الصحة فتقتل الأمراض وتزول منها. ويصبح بيتها بما فيه من ترتيب ونظام مبهجة زوجها وداعية سروره فلا ينفر سارباً إلى (القهوات والبارات) كما نفعل نحن الآن. وقلة الطلاق عندهم ليست ناشئة من الدين كما يتوهم البعض بل من حسن تخير الرجل لزوجته وتخير المرأة لزوجها قبل الزواج وذلك بفضل التزاور. وحجاب المرأة عندنا يمنع استيفاء هذه الشروط. فضلاً عن أن ذلك يضر بالمرأة نفسها لأن جسمها يحتوي على عضلات تحتاج إلى كثرة التمرين لكي تبقى سليمة صحيحة. فعضلات

стр. 949

جسمها تضعف وتهن لقلة حركتها إلا بين جُدُر الدار، ودماغها يقف عن النمو لقلة ما يشغله من الأعمال العقلية، وأن إغفال وظيفة عضو في الجسم يعود بالضعف عليه. ودليل ذلك أن الحشرات التي تعيش في الأمكنة المظلمة لا ترى في الضوء. والديدان التي تعيش في أمعاء الإنسان لا تأخذ طعامها بفيها وتهضمه بأمعائها بل تمتصه بجلدها ويذبل جهازها الهضمي ويزول بالتدريج. والأعضاء الأثرية التي في الإنسان الآن تدل على صدق هذه النظرية. فإن الزائدة الدودية هي بقية أثرية من المعي الذي كان يهضم الأطعمة النباتية وأصبح الآن ضئيلاً عاطلاً لا عمل له. لأن الإنسان استغنى عنه باستعماله المأكولات اللحمية المطبوخة. وما يحل بالمرأة من الضرر الناشئ من الحجاب يحل بأولادها أيضاً تبعاً لناموس الوراثة وأولادها إناثاً وذكراناً هم أفراد الشعب فالضرر إذن عائد على الشعب بأسره من جرّاء الحجاب. ولقد خبط الكتاب وهرفوا في مسألة الحجاب. قام الرجعيون منا يؤيدونه بدعوى أن الدين الإسلامي يأمر به. والحقيقة أن الحجاب ليس منشؤه الدين بل هو ناشئ من حاجات بيولوجية وفسيولوجية سيكولوجية. فإنه من العادات التي فشت قديماً بين أمم المنطقة الحارة من قبل أن تدين بأديانها الحاضرة. وإذا كان الحجاب قد تعدى هذه الأمم إلى أمم المناطق الباردة فإنما كان ذلك عن طريق التقليد لا غير ولذلك لم يطل عمره عندها كما حدث في روسية. وسبب ذيوع الحجاب بين أمم المناطق لحارة أن الفتيات في هذه الأمم يدركن سن البلوغ الجنسي قبل أن تنضج عقولهن. أي وهن في الثانية أو الثالثة عشر من عمرهن. فتتنبه شهواتهن الجنسية قبل أن يكون لهن من عقولهن رادع يردعهن عن الوقوع في أشراك الشهوة. فأصبح من دواعي بقاء هذه الأمم أن يحجبن بناتهن عن الخروج والاختلاط بالرجال حتى يحفظن فروجهن. ولذلك لم ينتشر الحجاب في أوروبا مطلقاً إلا عند الأتراك والأندلسيين. ولهذا أيضاً تزيد حرية المرأة كلما قربت من القطب الشمالي وتقل بقربها من خط الاستواء. فليس الدين إذن هو منشأ الحجاب. وكل ما فعل أنه شرط لهذه العادة شروطاً تخفف مما

стр. 950

عساه أن ينشأ عنها من الإضرار بالمرأة. ونظامنا الحاضر يزيل حاجتنا إلى الحجاب، لا لأن الطبيعة البشرية تغيرت بل لأن القوانين الحاضرة تكفل بعقاب من يهتك عذراء عقاباً ليس وراءه عقاب. ثم أن تربية البنت التي يرى لزومها حتى أنصار الحجاب تستدعي مخالفة مبدأ الحجاب إلى ما بعد سن البلوغ لأن البنت تضطر فيه أحياناً للذهاب إلى المدرسة في كل يوم إلى أن تبلغ الخامسة عشر أو السادسة عشر. وهذه هي السن التي قلنا أن الطبيعة دفعت الإنسان في أدوار همجيته إلى سن الحجاب فيها للبنات. ولا بد أن القرئ قد أدرك الآن أن الحجاب قد اخترع لصيانة لبنت لا لصيانة الأن عدم لزومه للمرأة ظاهر لأنها كاملة العقل ولأنها متزوجة. فليس هناك خطر عليها من شهواتها. بل على العكس قد تتنبه شهواتها الجنسية أكثر بواسطة الحجاب لما ينجم عنه من الإنفراد والوحدة وخلو اليد من العمل. والمعروف أن الاستنماء عند الذكور هو إحدى عادات الوحدة والراحة. فيجب إذن أن نخاف على المرأة من حجابها ونعده مثيراً لشهواتها الجنسية أكثر مما لو سمح لها بالخروج والاختلاط والاشتغال في الهواء الطلق بين مختلف الأعمال التي تفتح للأعصاب منفذاً تصرف فيه قواها. وإذا صح ما ذكره مؤرخو العرب من أن النساء كن يجالسن الرجال وأن أحد الخلفاء منع ذلك صدقت نظريتنا من أن الحجاب كان يقصد به في الأصل صيانة البنت ل المرأة الراشيدة. ونحن كدنا نعكس الغرض من الحجاب. فبينا نحجب نساءنا وهن الراشدات، إذ نسمح لبناتنا بالذهاب إلى المدارس سافرات. والسبيل المعقولة لمعاملة نسائنا هي منحهن الحرية التامة وهن أزواج راشدات مثل أترابهن الغربيات. ومراقبة طبائعهن وهن صغيرات، فيمنعن من الاختلاط مع الشباب بين سني العاشرة والخامسة عشر مثلاً. ولكن مراقبتهن لا يجب أن تصل إلى ملازمتهن البيت ولا يخفى أن ما تحتاج إليه بنات الوجه البحري من الرقابة أقل مما يحتاج إليه بنات الوجه القبلي لأن اختلاف الطبائع يستدعي اختلاف المعاملة. فمن بين البنات من تصل إلى سن

стр. 951

البلوغ عندنا وهي في الحادية عشر، وبينهن من لا تصل إلى هذه السن إلا بعد أن تجوز السادسة عشر. وقد زرت أيام كنت بانجلترة مدارس يعلم فيها الفتيان والفتيات معاً في حجرات واحدة يجلس فيها الفتى بجانب الفتاة بغير ماريبة تمر بخاطر المعلم. ويبقيان كذلك إلى سن الخامسة عشر. والغرض من هذا الاختلاط أن تدمث أخلاق الفتيان وتشذب، وتخشن أخلاق الفتيات قليلاً وترجل. حتى إذا تزوجا في المستقبل لم تكن فرجة الخلاف في الأخلاق بينهما متسعة. وأني أذكر هذه قصد إثبات تأخر سن البلوغ عند الغربيات وخلاف طبائعهن لطبائعنا. فإن مثل هذه المدرسة المختلطة لا تنجح أبداً عندنا. وأعوذ فأبرئ الدين الإسلامي من الحجاب وأقول أنه أصبح غير لازم لمجتمعنا المصري. سلامة موسى

стр. 952

مستشفى الهلال الأحمر المصري البحري بالباخرة بحر أحمر بقلم الدكتور كاربنتر الجراح باسطول الولايات المتحدة نقلاً عن مجلة الجراحة العسكرية عدد شهر سبتمبر مجلد ٣٣ نمرة ٣ على الرغم من أن الأسطول العثماني لم يقم بأي عمل يذكر في حربه الحاضرة مع الدول المتحالفة، فإن هناك مركباً واحدة جعلت مستشفى بحرياً قامت بخدم جلى وأدت فوائد عظمى. وذلك أن نقالة من نقالات الجيش سلمت إلى جمعية الهلال الأحمر ببورت سعيد، فكانت مدى اسبوعين لا غير مستشفى كاملاً تسبح بيضاء الطلاء في وسطها منطقة خضراء وتحمل في قمتها العليا راية ذات صبغة بيضاء يتوسطها هلال أحمر. ولقد تم ذلك بمباشرة همة الدكتور محجوب ثابت استاذ علم البكتريولوجيا بمدرسة الطب سابقاً. وهو لا يزال رئيس هذا المستشفى، وتحت أمرته قبطان تركي مع جماعة من بحارته. وجمعية الهلال الأحمر في مصر معادلة عندنا لجمعية الصليب الأحمر، وعلى رأس الجمعية شقيق خديوي مصر البرنس محمد علي باشا، وقوام هذه الجمعية هي الأموال التي تجمع من تبرعات المحسنين، وجماعة الوطنيين المصريين. وهذه المركب بنيت في انجلترة عام ١٨٩٣ وهي باخرة حمولتها ثلاثة آلاف طن، وقبل أن تصير نقالة تركية كانت تسمى. س. س. رولاند وطول هذه الباخرة (٣٥٧) قدماً وعمقها ٤٣ قدماً والمنغمر منها في الماء ٢٤ قدماً وقوتها ٢٢٥٠ حصاناً بخارياً تجعلها في سرعة ١٤ عقدة وإن كانت قوتها البحرية هي ١٢ عقدة ليس غير. وسطح المركب العلوي منقم إلى قسمين سطح أمامي وسطح خلفي وفي كل منهما محل للبضاعة ينتهي إلى مخازن كبيرة سفلية وفي مقد السطح الأمامي محل صغير مغطى، فيه قمرات للبحارة. وفي السطح الأوسط محل يحتوي على وابورين لطبخ الحساء والخضروات وفوق ذلك سطح فيه عدة للتطهير ويوجد بالسطح العلوي محل البوصلة وغرف القبطان الفنية أما السطح الأسفل ففيه عدة حجر خاصة بالشؤون الجراحية وذلك لقربها من حجرة العمليات وقد اقترح وباشر الدكتور ثابت عمل غرفة العمليات وعدة سرر خشبية بعضها بجوار

стр. 953

بعض وبكل واحدة منها مرتبة ووسادة لنوم الجرحى كما أنه أوجد المتبرزات المصنوعة صنعاً بحيث توافق العادة التركية، وبجانبها الحمامات التي لكل منها حنفية وحوض صغير - هذا في وسط المركب، وبجانب المركب توجد حجرة الدكتور ثابت وحجرات أخر لخمسة من أطباء جمعية الهلال الأحمر وغرف للمرضى من الضباط. وبهذه الجهة الصيدلية وحرة العملياتن وتحتوي الأولى على كمية وافرة جداً من الأدوية من بينها مجموعة وافية من مصل كمصل التيتوس (الكزّاز) والحمى الشوكية (التهاب السحايا الشوكي) والدفتريا والتقيحات ذات الميكروب السبحي والعنقودي ومادة التطعيم للحمى التيفودية والجدري أما حجرة العمليات فإنها وإن كانت صغيرة إلا أنها تشتمل طاولة عمليات جيدة وجهازاً للتعقيم والتطهير وجميع أدوات الجراحة وأدوات غسل الجروح ولوازم الضمادات المختلفة التي يحتاج إليها. وبين الصيدلية وحجرة العمليات مستحم بحوض كبير ومتبرز وهما خصيصان بالضباط. أما السطح الخارجي العلوي ففيه غرف لضباط المركب وبالسطح الباقي وتحته عنابر عديدة للعساكر ينفصل بعضها عن بعض وذلك لكي يكون بعضها معداً لنساء وأطفال المهاجرين الذين كان معهم غالب الأحيان ما يلزمهم لفراش الممرضين من رجال الجيش التركي ولخمس وثلاثين ممرضاً من مرضى جمعية الهلال الأحمر وعلى نفس ذلك السطح يوجد جزء صغير ينفصل عنه به حجرات خاصة بالبحارة. وبعد أن وصف آلة السفينة البخارية ومراجلها الثمانية ووسائط تخلل الهواء إليها قال حضرته: أن الباخرة في الحقيقة ما بنيت لتكون مستشفى حديث الطراز في كل أجزائه بل هي في الحقيقة نقالة عسكرية حولت إلى مستشفى وصارت مستجمعة لكل ما جعلت له من نقل جرحى ومرضى ومهاجرين والعناية بتمريضهم وبذلك أدت خدماً عظيمة. وبعد أن أخذت اليونان والبلغار والصرب سالونيك أخذوا كل الجرحى والمرضى في مانستر وما جاورها أسرى فاعتني بهم في مستشفياتهم وقام على تمريضهم جراحون من الأتراك أيضاً وكان يوجد بسلانيك أيضاً نحو المائتين من الجنود التركية الذين أصيبوا بإصابات مختلفة في حادثة فرقعة بمخزن بارودها فأخذوا أسرى جميعاً. وقد سمح لبعثة الهلال الأحمر المصري أن تنقل هؤلاء الجرحى وغيرهم من سالونيك إلى

стр. 954

أزمير وأن تنقل أيضاً ما يربو على الثلاثين ألفاً من المهاجرين الآتين من الحدود، وقد كان سواد هؤلاء من الأولاد والعجزة. الذين البستهم هذه الحرب الغشوم برداً سميكاً من الحزن العرم. قدم هؤلاء وهم بين خمصان وعار وبين شاك وحاك لانتهاك عرض أو مقتل زوج أو ثكل بنين أو فقد رؤوم أو ضياع متاع أو ذهاب نعمة وليس بعجيب أن يعجز المرء عن معرفة أعداد أولئك الذين دهبوا طعمة لهذه الحرب بين ميت وقتيل ولكن الدكتور ثابت قدر ذلك بأكثر من مائتي ألف مسلم ذبحوا ذبحاً وقال أن هؤلاء ذهبوا ضحايا التعصب فأما المسيحية وأما السيف والنار والعارفون بتاريخ الحكم التركي في الأربعة القرون الأخيرة لا يعجبون إذا عمد البلغار والصرب بعد أن قاسوا ما قاسوا إلى استئصال مسلمي الرومللي ولو باسم المسيحية والدين: ومما لا يزال في الآذان صداه ما يقال بأن كثيرين ممن كانوا في اطنه كانوا أعضاء لما يسمى بالعصابة البلغارية وهي قوة غير منتظمة تزحف وراء الجيش ويعزي غليها كثير من الأهوال وانتهاك الحرمات. والحقيقة التي لا ريب فيها أن هؤلاء النسوة الأيامي والأطفال اليتامى أبرياء لا ذنب لهم ويجب أن يلقوا منا حناناً وعطفاً. ولقد قامت بعثة الهلال الأحمر بعمل جليل إزاء هؤلاء فعاملتهم معاملة البار الرحيم. وأنعشتهم بأنواع الغذاء هم وأولئك الجنود المرضى والمجروحين إذ أمكن الباخرة أن تنقل ١٨٠٠ إلى ٢٠٠ من المهاجرين و٣٠٠ إلى ٥٠٠ جرحى ومرضى من الجنود في نقلة واحدة مما لا حاجة الآن إلى بيان ما كان يبقى من الأوساخ والقاذورات بعد خمسة أيام تستغرقها في كل نقلة كهذه ونقل هذا العدد الجسم - أما في الأحوال المعتادة فيمكن هذه الباخرة حمل ثلثمائة من المرضى إلى خمسمائة من الجنود الجرحى والمرضى بدون ازدحام ولقد كان الدور الأعلى خصيصاً بالرجال وأما النساء والأولاد فكانت في الدور الذي يلي الدور الأعلى ولقد كان بين هؤلاء كثير من المرضى بالجدري والألتهاب الرئوي والروماتزم والتيفوس الطفحي بل كان بين المهاجرين نساء حبالى وضعن أثناء السفر حتى كان أطباء بعثة الهلال الأحمر في شغل دائم يبدأونه باكرين ولا يفرغون من العناء حتى تنقضي ساعات من الليل. وقد اضطر أطباء بعثة الهلال الأحمر إجراء العيادات اليومية لعدة مئات من الجرحى

стр. 955

المصابين بجروح ملوثة وبتر حديث إلى الإستعانة بسبعة من الجراحين بالجيش التركي ونحو ثمانين ممرضاً من الذين قدموا من سالونيك مع الجنود. ولم يشاهد بين الجنود مرض الكوليرا على حين كانت بينهم اصابات كثيرة بالإسهال الدموي الدسونتاري الشكل ولما كان غذاء هؤلاء بسيطاً في العادة، لم يكن هناك أدنى خطر عليهم. وكان غذاء الباخرة فوق الكفاف ولا يعدو الزبدة والشاي والقهوة والحساء والعدس والأرز والفواكه والخضروات وأحياناً قطع من اللحم والسمك. وأما أطباء الهلال الأحمر فهم رجال قديرون بلغوا مراتبهم الطبية من مدارس القاهرة أو بروت أو باريس ولكنهم لاقوا جم الصعوبات في المحافظة على القوانين الصحية مع جماعة ليس لديهم أقل فكرة من مبادئها. أما الباخرة فكان يعتنى بنظافتها وتطهر بعد كل نقلة تطهيراً فنياً مستجمعاً كل الشروط اللازمة وبكل اعتناء. ولما كانت اللغة المصرية هي العربية وهذه لا يفهمها الأتراك فقد كان التخاطب بين أطباء الهلال الأحمر والجراحين والأتراك باللغة الفرنسية، حتى إذا وصلت الباخرة ثغر أزمير كان المهاجرون الجنود ينقلون إلى الشاطئ بواسطة ماعونات يجرها زورق بخاري من مصلحة المينا فكان الجنود المرضى والجرحى يرسلون إذ ذاك إلى المستشفى الحربي أو المستشفى العثماني الملكي في المدينة وأما المهاجرون فيودعون في المساجد الكثيرة العدد لتوزيعهم على المملكة يسعون وراء عمل أو مرتزق وكانت الحكومة التركية تعطي كل مهاجر في اليوم ثمانية أو عشرة سنتات وهي قيمة تكفي تقريباً قوتهم اليومي وإنا لنشكر الجالية الأوروبية بأزمير على ما قدمته من الأموال المجتمعة من التبرعات والمشروعات الخيرية لمشتري ملابس وبطاطين وسائر لوازمهم وسينقل كل المهاجرين من سالونيك إلى آسيا الصغرى. في الأستانة نحو سبعين ألفاً أعتني بهم مثل هذا الاعتناء وهؤلاء قدموا إليها من تراقيه ووزعوا في شمال الأناضول وللهلال الأحمر المصري بعثات في الأستانة مكونة من أطباء وممرضين وممرضات تعتني بالجرحى ومرضى الكوليرا اعتناءها بالمهاجرين وإن أكثر ما يفتت الفؤاد في هذه الحرب هم أولئك المهاجرون الذين سيجهل التاريخ حقيقة ما أصابهم من ويلات هذه الحرب الطاحنة.

стр. 956

ويجب أن يكون الفخر كله لأعمال جماعة الهلال الأحمر المصري ومستشفاهم البحري بحر أحمر في تخفيف ويلات منكوبي هذه الحرب. (انتهى ببعض تلخيص)

стр. 957

من وصية أرسطو للاسكندر وأعلم أنه ليس أحد أصلح للناس من أولي الأمر إذا صلحوا ولا أفسد لهم منهم ذا أفسدوا وأن الوالي من الرعية مكان الروح من الجسد الذي لا حياة له إلا بها وبموضع الرأس من سائر الأعضاء فإنه لا بقاء لها إلا معه فبالوا إلى مع فضل منزلته من الحاجة إلى إصلاح الرعية مثل ما بالرعية من حاجة إلى إصلاح الوالي وقوة بعضهم زيادة في قوة بعض ووهن بعضهم سريع في وهن بعض وبعد الوالي من القدرة على إصلاح نفسه مع استفادة رعيته كعبد الرأس من البقاء مع هلاك سائر البدن غير أنه أجدر بإصلاح الرعية الصالحة من الرعية بإصلاح الوالي الفاسد وإفساد الوالي الصالح لفضل قوته عليها ووهن قوتها عن قوته. وقد قال هوميروس الشاعر أن الأئمة يصلحون المؤتمين بفضل قوتهم فأما الأئمة فلا يصلحهم مؤتم.

стр. 958

اختزال الكتابة العربية الإختزال فن قديم يرجع عهده إلى الرومان. فقد زاولوا الخط المختزل في عهد شيشرون خطيبهم الشهير، وأول من كتب به نيرون الروماني. وقد عثر الدكتور أرثور هنت بمصر على ورقة من البردي (البابيرس) كتبت سنة ١٥٥ بعد الميلاد بالخط المختزل وهي عبارة عن عقد بين تلميذ ومعلم. ويستفاد من ذلك أن الإختزال كان يعلم في بلاد مصر ولكنه زال بزوال الرومان كما أن الديمطوقي أي الخط العامي المصري وهو عندهم في مقام الإختزال للخط الهيروغليفي القديم قد اندثر على مر الأيام. وكانت أول خطوة لانتشار الكتابة المختزلة ببلاد أوربا سنة ١١٧٤ بانكلترا ثم أخذ هذا الفن يذيع بتلك البلاد ويدخل في طور الإتقان إلى أن استعمل في فرنسا وعلم في مدارسها حتى وصل بين هاتين الأمتين إلى ما نراه اليوم من الكمال والإتقان. أما في ألمانيا فلم يوجد بها من وضع طريقة للإختزال ولم يظهر أثره فيها إلا في أواخر القرن السابع عشر. ولقد عمت فائدة هذا الفن وانتشر استعماله في أغلب البلاد الأوروبية فبدئ باستعماله في البرلمان الانكليزي سنة ١٧٨٠ وفي مجلس الأمة بفرنسا سنة ١٧٩٠ وفي مجالس النواب الألماني سنة ١٨٩٠. وقد نشرت مجلة المقتطف في أواخر القرن الماضي مقالة في فن الإختزال ولخصت طريقة قد ابتكرها حضرة العلامة سليمان بك البستاني وهو أول من وضع أساس هذه الفكرة وقدر الفوائد التي تعود منها على البلاد العربية قدرها ولكنا نقول مع الأسف أن تلك الطريقة في بدئها لم تأت بنتيجة مرضية على الرغم من أن الإشارات التي استعملت لها كانت من أبسط العلامات الهندسية ولا شك عندنا أنه لو كان العالم البستاني بذل جهده ووجد متسعاً من الوقت كافياً لنجحت طريقته وعمت هذه البلاد. وقد جاء من بعده آخرون ووضع كل منهم طريقة للإختزال العربي ولكنها لم تف بالغرض المقصود إذ ظهر في بعضها نقص وعجز استحال معهما انتشارها. ولما شعرت الحكومة المصرية بحاجتها إلى وضع طريقة للكتابة العربية المختزلة قصد تعليمها في مدارسها التجارية وإدخالها في مصالحها أخذت تنشط الكثيرين وتمهد لهم السبيل حتى كثرت المساعي في السنين الأخيرة واتجهت الهمم إلى وضع طرق شتى. بيد أن القائمين بهذه الفكرة لم يتوخوا استنباط طريقة اختزالية خاصة باللغة العربية بل طبقوا

стр. 959

بعض الطرق الأوروبية واقتبسوا منها ما أدخلوه على الكتابة العربية فلم يوفقوا إلى إنجاح مشروعهم. فمنهم من استعمل في طريقته أشكالاً مبهمة ورموزاً غامضة، ومنهم من أدخل الشكل في الكتابة فزادها بذلك صعوبة وغموضاً ومنهم من استعمل أشكالاً مشتركة لحرفين أو ثلاثة أو أربعة حتى كانت تصعب القراءة على المختزل بعد كتابتها، وقد استنبط أحدهم طريقة أخرى ورأى كتابتها من اليسار إلى اليمين فمسخ بذلك روح الكتابة العربية المأخوذة عن الكتابة الأرامية وهي كما لا يخفى تكتب دائماً من اليمين إلى اليسار، ولم تتغير عن هذه الصورة منذ إنشائها إلى الأن. وقد قام سعادة المفضال أحمد باشا زكي سكرتير مجلس النظار وحث على الاهتمام بهذا الفن ورضخ من ماله (تبرع) بمبلغ خمسين جنيهاً وأعلن توزيعها على الفائزين في امتحان قام به نظارة المعارف في ١٨ ديسمبر سنة ١٩١٢ وقد بلغ عدد المتبارين عشرة فأستقرت النتيجة عن فشلهم جميعاً ولم ينل الجائزة المفروضة أحد إذ كان القدر المحدود تسعين كلمة في الدقيقة وهذا ما يدل على صعوبة الطرق التي كانوا يدرسونها. وقد اهتدى المسيو راوول بينكردي المختز لسكرتارية نظارة المالية إلى وضع طريقة إختزالية باللغة العربية بعد أن قضى زمناً طويلاً في بحث وتنقيب وذلل ما صادفه من الصعوبات الجمة في هذه السبيل ثم نشر كتابه في شهر يوليو الماضي إجابة لإلحاح الكثيرين ممن يفضلون طريقته على غيرها فطبع الجزء الأول منه مصدراً بمقدمة تاريخية مسهبة في تاريخ الكتابة عموماً والكتابة المختزلة خصوصاً ثم أخذ من ذلك الحين يدرس طريقته هذه مجاناً في مدارس برلتز ويلقيها على نفر ممن يرغبون في تعلمها ويسرنا أن نقول أن المجتهدين منهم يكتبون اليوم بسرعة كادت تسبق سرعة من سبقهم من الطلبة في هذا الفن منذ الأربع السنوات الأخيرة وذلك على الرغم من حداثة عهدهم وهي بلا شك نتيجة مرضية تنبشر بنجاح باهر. وقد تمتاز هذه الطريقة أيضاً بأنها لا تقتصر على وضع رموز وخطوط وأقواس ودوائر كما هي الحال في أغلب الطرق المختزلة بل أنها مبنية على قواعد معقولة مطابقة لروح اللغة العربية، وموافقة لأسلوب الكتابة بها كجمع الحرفين أو الثلاثة معاً وجعلها صوتية إذ أن الكلمات العربية تكتب غالباً كما تنطق وهذه ميزة قد لا تجدها في أية طريقة أخرى، ولقد تصفحنا كتابه هذا فوجدناه محكم الوضع سهل المأخذ،

стр. 960

فقد أعطي لكل حرف من الحروف الهجائية علامة هندسية خصيصة به ثم أتى بعلامات إضافية لبعض الحروف ليسهل بذلك اتصالها واستغنى بذلك عن الشكل لأنه من العبث استعماله في الكتابة المختزلة ثم اتخذ من ذلك كله قاعدة عامة ثابتة لا تتغير يسهل على الطالب إدراكها فجاءت طريقته أفضل ما ظهر (في رأينا) من نوعها حتى الآن. وقد طلبنا إلى المسيو راوول بينكردي نموذجاً من خطه المختزل فقدم لنا نبذة من المقامة العاصمية للشيخ ناصيف اليازجي نشرنا صورتها هنا (أنظر صورة المقامة) على الرغم من أن أغلب الكلمات العربية الموجودة في هذه النبذة لغوية ونادرة الاستعمال إلا أنك تجد لها علامات في غاية من البساطة لا يوجد بين الواحدة والأخرى أدنى غموض ولا إبهام وبعض هذه الكلمات كما ترى متصل بعضه ببعض وذلك مما يزيد السرعة في الكتابة فيتيسر بذلك مجاراة أذلق الخطباء لساناً. وأسرعهم بياناً. فحبذا لو نظرت الحكومة إلى طريقته بعين الإهتمام، وأخذت بناصره تشجيعاً له وتنشيطاً لغيره من الذين يعالجون الاستنباطات العلمية المفيدة شأن سائر الحكومات المتمدنة التي لا تفتأ تمديد التشجيع لمساعدة أفرادها النبغاء على أن اللغة العربية في أشد الافتقار إلى هذا الفن المفيد والحاجة ماسة إلى هذا الاختراع ولاسيما في نظارات الحكومة ودوائرها المختلفة مثل المجالس والمحاكم حيث تلقى الخطب والمرافعات والمحاورات بسرعة يتعذر على الكاتب تدوينها كما هي فيضيع معظمها سدى ويهمل في زوايا النسيان. ولما كانت الأمة المصرية قد دخلت في طور جديد من الرقي وخطت خطوة واسعة في سبيل العلم فنحن نرحب بهذا الاختراع المفيد ونطلب لى حكومتنا السنية تقريره في مدارسها التجارية حتى تعم بذلك الفائدة ونصل إلى الغاية المنشودة إن شاء الله.

стр. 961

مطبوعات جديدة آداب اللياقة كتاب لم يكد يصدر حتى انتشر. ولم يكد ينتشر حتى علم الناس مكانته من النفع ومحله بين الكتب الممتعة التي نحن المصريين شيوخاً وشباباً بمسيس الحاجة إليها. ومما زاد جمهور القراء ثقة بجمام نفعه وكبير فائدته أن واضعه ذلك الكاتب اللبق والمطلع الباحث محمد أفندي مسعود الذي كثر ما عرفوا فضله وشهدوا مقدرته وتبينوا حذقه وسعة اطلاعه واجتهاده في البحث في سني تقويمه وغير ذلك من عقائل براعته ومحاسن قلمه. وقد زان الكتاب في كثير من موضوعاته بالأحاديث النبوية وروائع الكلم ومأثور الحكم وكثير من الاستشهادات والحكايات مما جعل الكتاب آية في بابه نفعاً وفائدة. وقد أحسنت نظارة المعارف صنعاً بتقريره في مدارسها، وعى أن يقرأه المعلمون على تلاميذهم، ويأخذوا النشئ بآدابه، ويحثوهم على العمل بقواعده، حتى تتهذب الآداب وتستقيم النفوس، وتطيب الأخلاق، فذلكم عماد الرقي ونهجه، والكتاب كفيل بأن يأخذ من النفوس مكانه، ويدلها على سامية الآداب ومحمود الأخلاق. وثمنه ستة قروش. الخلق اهدى إلينا حضرة الفاضل حسين أفندي فتوح الموظف بنظارة المعارف - وهو من أفاضل المصريين المشهورين بالألمعية والذكاء_مؤلفاً له سماه الخلق، وهو من خير ما وضع في هذا الغرض حيث لم يقف صاحبه الفاضل عند سرد الحكم والأداب مجردة عن البحث والتعليل والاستقصاء بل ترى الكتاب على صغر حجمه ووجازة كلمه شاملاً علمي النفس والأخلاق معاً وليس ذلك لعمري ببدع على مثل فتوح أفندي ومكانه من العلم والفضل مكانه أما الكتاب فيباع بمكتبة البيان وثمنه خمسة قروش عدا أجرة البريد. تهذيب الألفاظ العامية كتاب قيم وسفر جليل وضعه الأستاذ الفاضل الشيخ محمد علي الدسوقي المدرس بالمدارس الأميرية والعضو بجمعية التأليف المصرية وقد صدره مؤلفه الفاضل بمقدمة ضافية ألمّ فيها بشرح أدواء اللحن والتحريف والمولد والدخيل وأعراضها ووصف أدويتها وطرق التعريب في زمن العرب والإسلام ثم الكلمات العامية ومرادفاتها من العربية وقد جمع فيها طائفة

стр. 962

صالحة تسد حاج الكتاب الذين برموا بالكلمات العامية وضاقت بها نفوسهم وأنا نثني على الأستاذ المؤلف خيراً ونشكر له هذه العناية الكبرى والخدمة الجليلة التي أسداها إلى اللغة فسد بها حاجة كانت بنا ماسة أكثر من أمثاله العاملين، وثمن الكتاب خمسة قروش. القاموس العصري أخرج في هذه الأيام لجماعة المشتغلين باللغة الانجليزية وفئة المعربين جناب الفاضل الياس أفندي أنطون صاحب كتابي التحفة المصرية والهدية السنية قاموساً انجليزياً عربياً أسماه القاموس العصري وهو معجم مفيد ضاف تفرد بصحة المعاني العربية ودقة تعريب المفردات مما يقوم بحاجة الطلبة وكل من يعنون بالإطلاع والاستقصاء وهو عمل مبرور ويستحق الاستحسان والإعجاب وهو خليق بأن يكون في كل خزانة وقمين بأن يدخر في كل مكتبة ونحن لا يسعنا إلا أن نشكر واضعه الفاضل على اجتهاده وعنايته ونرجو لمعجمه الذيوع والانتشار. والقاموس يباع في مكبة البيان وثمنه ثلاثون قرشاً صاغاً عدا اجرة البريد وهي أربعة قروش. هنري الخامس هي تلك الرواية الذائعة الصيت الطائرة الذكر الخالدة الأثر التي دبجتها براعة ذلكم العبقر النادر ونعني به ويليم شكسبير الذي شهد له قومه بأن أرض انجلترة بل العالم بأسره لن تنبت مثيل شكسبير، والرواية تعد من محاسن رواياته التاريخية، ضمنها الحرب التي كانت ناشبة بين انجلترة وفرنسا وقد جمع شكسبير في هذه الرواية بين روعة التاريخ وبهجة الفكاهة. وقد قررتها نظارة المعارف على طلبة البكالوريا في هذا العام وعربها لمكتبة البيان محمد السباعي ليستعين الطلبة بدقيق التعريب على تفهم دقيق معانيها في الانجليزية فندعو كل مجد للإطلاع إلى اقتنائها وهي تباع بمكتبة البيان وثمنها عشرة قروش. مجلة العلوم الاجتماعية صدرت في بيروت في شهر يبتمبر الماضي مجلة باسم مجلة العلوم الاجتماعية وقفت صفحاتها على البحث في المسائل القانونية والاجتماعية والاقتصادية، أنشأها حضرة الفاضل المحامي توفيق أفندي الناطور الحائز على شهادة الحقوق من كليتي باريس

стр. 963

والأستانة وعهد بتحريرها إلى لجنة من الحقوقيين والاقتصاديين والاجتماعيين ويدير تحريرها محمد أفني منيب الناطور، واشتراكها السنوي ريالان في البلاد العثمانية وعشرة فرنكات في الأقطر الأجنبية، فنتمنى لها الرقي والرواج. المنهل اسم مجلة ظهر العدد الأول منها في شهر رمضان أنشأها محمد أفندي موسى المغربي في القدس الشريف وعني فيها بموضوعات الأدب والتاريخ والاجتماع وقيمة اشتراكها في السنة ريال مجيدي ونصف في البلاد العثمانية وعشرة فرنكات في البلاد الخارجية. ولعلها آخذة في سبيل التحسين وعسانا نراها بعد قليل على ما نحب لها من التقدم والرقي. الحكمة مجلة في بضع صفحات تصدر في ماردين من أعمال سوريا، مديرها المسؤول حنا القس ومحررها ميخائيل حكمت حقي وقد كتب تحت أسمها أنها مجلة دينية أدبية تاريخية أخبارية وهي تصدر مرتين في الشهر، فترجو لها النجاح. زينب لا نرى في عالم الكتابة في هذا البلد نقصاً أعيب ولا عاباً أفضح من خلونا من الكتاب الروائيين. ولعل مدعاة هذه النقيصة أننا قليلو الملاحظة حتى في أبسط المحسوسات ولو سألت أي رجل منا عن عدد نوافذ داره أو أبواب حجراته أو درج سلمه لتردد في الجواب غير عليم، ولا حجة لمن يدعي بأن بلادنا متناسبة المناظر متناسقها، لا ينبسط لها خيال الكاتب، ولا تمرح في معالم حسنها المتشابهة خاطرة الروائي، فليست الروايات مقصورة على وصف جلال الطبيعة وبديع مناظرها، ونحن نريد كتاباً روائيين يأخذون من حالنا الحاضرة وأدوائنا وعللنا ومبدأ المحافظة على القديم المتأصل في نفوس شيوخنا وبعض شبابنا والحال التي كان عليها آباؤنا وصالحة عاداتهم وفاسدتها موضوعات يصيغونها في أسلوب روائي على مبدأ (الرياليزم) ولا ضرار في وضع روايات خيالية يرمي كتابها بها إلى مبدأ سام أو فكرة رشيدة يهذبون بها العواطف، ويقومون بها أود الأخلاق فليس مبدأ (الرومانتزم) في فن وضع الروايات بأقل فائدة من الروايات القائمة على الحقائق. نقول ذلك وفي يدنا رواية صالحة، هي بدأ عهد جديد في عالم الكتابة نستقبله بالغبطة

стр. 964

والروح، تلكم رواية ٠زينب) وضعها صاحبها يصف فيها حال الريفيين في طهرهم وعفافهم وسلامة قلوبهم وشريف حبهم وجمود كبارهم وتقوى كهولهم وضمنها مبادئ له عصرية ليس فيها إلا الرشيد القويم، متبعاً في ذلك مذهب ديكنز ولزاك وثكرى. ذلكم محمد حسين هيكل، رجل شديد العارضة، شديد الذكاء قوي الحجة، قوي المبدأ حاضر الذهن. سريع الخاطر. وقد جمع إلى ذلك مبدأ إنكار الذات في سبيل الخدمة العامة فاكتفى بكتابة (فلاح مصري) على غلاف روايته. وأنا نجل هذه منه كما نجل هذه الرواية البديعة النافعة ونرجو أن يفرغ الدكتور حسين هيكل إلى وضع الروايات فنحن بحاجة شديدة إليها وإلى ما يخرجه ذلك العقل الكبير ونتوقع أن تقل حاجتنا إلى معربات ديكنز وديماس ودوديه. وأمثالهم بما ينشئ من جلائل الروايات. (والرواية تباع ف مكتبة البيان وثمنها ١٠ قروش) مصر الجديدة هي الرواية الجليلة المحزنة التي مثلت على مسرح جوق جورج أبيض فكان لها أكبر تأثير في نفوس من شهدها وأعظم وقع من عواطف من حضرها، فهي مجموعة من أمراضنا الاجتماعية التي لا نهضة لنا ولا رقي ولا انتعاش إلا بالشفاء منها وقتل جراثيمها. وقد بدي فيها واضعها فرح أفندي أنطون عليماً بفن (الدراما) - أي فن وضع الروايات التمثيلية بعد ما عرفناه صحفياً قديراً تتجلى في كل موقف مقدرته. ومعرباً مبدعاً يتخير لتعريبه. ومطلعاً جم الإطلاع غزيره. وقد سرنا أن يطبع (مصر الجديدة) حتى يجمع الناس بين لذة القراءة ولذة المشاهدة. فتكون أرسخ أثراً. وأعم نفعاً وأنا نحث كل محب للإطلاع على اقتنائها. ونرجو لها مطبوعة الإقبال التي حازته على المسرح. (وهي تباع بمكتبة التأليف وسائر المكاتب) اعتذار اعتذار قد كنا أعددنا لهذين العددين موضوعات جمة وأبحاث كثيرة خلاف ما جاء فيهما، مثل خطاب السير أولفر لودج في المجمع البريطاني عن بقاء الروح مع نشر صورته الفتوغرافية. ومذكرات أميرة من أميرات الأسرة المالكة في أسبانيا وهل نستطيع أن نتنبأ بالمستقبل. وعادة أهل الصين في عقاب العشاق. إلى غير ذلك من الموضوعات الشائقة

стр. 965

المفيدة. ولكننا وجدنا أننا لو طاوعنا النفس على رغبتها. وخففنا لنشرها. وأخرجنا هذين العددين في حجم أضخم مما قرر لهما. لظلمنا أنفسنا وغبناها. وذهب أمرنا فرطاً ويرى القراء أنا أدخلنا على البيان باب التصوير. وليست النفقات عليه بالشيء اليسير وبينا نحن نبعد في الإنفاق على وسائل التحسين. إذ أكثر المشتركين يأبي إلا أن يمطلنا ويجعلنا في مأزق من أمرنا ويضيع علينا بمطله ثمين وقتنا. وكأني بهم يظنون أننا (بيت روتشلد) أو روكفلر أو أرنست كاسل غنى وثراء. على حين أن هؤلاء لا يرتضون أن يخسروا (بنساً) واحداً في عمل لهم. ونحن ننفق الكثير من حر المال وحر الجهد فلا نرى حتى مالنا. ماذا يريد منا وبنا المماطلون؟ أيريدوننا على أن نجعل لهم الإشتراك بقيمة مسح أحذيتهم؟ أيريدون أن نخرج لهم بدل مجلة البيان (حسن أبو علي سرق المعزة) أو سلسلة من سنكلر وكارتر وتلك التي لم يقف ضررها عند حد الجناية على الأخلاق بل تعداه إلى الجناية على اللغة؟ لقد ضقنا ذرعاً بهذه الإستهانة وذلكم المطل. ولا حيلة لنا إلا أن نطبع من البيان بمقدار المشتركين المهذبين ليس غير.

стр. 966

أبطال العالم مشروع جليل جديد في العربية (إلى كل قارئ وكل قارئة) قال توماس كارليل صاحب كتاب الأبطال: أن تاريخ الدنيا: أي تاريخ ما أحدث الإنسان في هذا العالم: إنما هو تاريخ من ظهر الدنيا من العظماء. فهم الأئمة، وهم المكيفون للأمور، وهم الأسوة والقدوة، وهم المبدعون لكل ما وفق إليه أهل الدنيا: وكل ما بلغه العالم وكل ما تراه قائماً في هذا الوجود كاملاً متقناً فاعلم أنه نتيجة أفكار أولئك العظماء الذين اصطفاهم الله وأرسلهم إلى الناس ليؤدي كل ماناطته به القدرة الإلهية من الخير. فروح تاريخ العالم إنما هو تاريخ أولئك الفحول. ومن هنا أجمعنا النية على القيام بعمل عظيم سوف يصادف في اعتقادنا موقعاً حسناً من نفس كل ناطق بالضاد ومن نفس كل قارئ وكل قارئة وكل الرجال وكل الشباب وبالجملة كل من يهمه أن يمتع نفسه ويشحذ ذهنه ويرهف حسه ويقوي مداركه ويقف على روح العلم والأدب والفلسفة والتاريخ وحياة العظماء في أحسن أسلوب وألذه وأمتعه أما هذا العمل العظيم فهو حلقات من الكتب والأسفار كل حلقة خصيصة ببطل من أبطال العالم كتاباً كانوا أو شعراء أو فلاسفة أو علماء أو روائيين أو قواداً أو روحانيين وسواء كانوا عرباً أو غير عرب. وهذه الحلقة تصدّر بفذلكة في تاريخ البطل ثم يلي ذلك أطيب ما قاله. وذلك أن نظهر في كل أسبوع أو كل أسبوعين أو كل شهر - حسب رواج هذا العمل وإقبال القراء عليه_جزأ يقع في ثمانين صفحة. عشرون منها أو قريب من ذلك في تاريخ البطل (وليكن فكتور هوجو مثلاً) والستون الباقية نثبت فيها أحسن ما كتبه في كتبه ورواياته فإن لم تكف الستون صفحة أردفنا هذا الجزء بجزء آخر في حجمه ننشر فيه بقية مختارات هوجو وهلم جراً أي أننا سنرصد لكل بطل حلقة قد تبلغ الخمسة أجزاء وقد لا تتجاوز الجزء الواحد،_وقد أسلفنا أننا سنكتب عن كل بطل في العالم شاعراً كان أو كاتباً أو روائياً أو فيلسوفاً أو عالماً أو مخترعاً أو قائداً روحانياً. وكان مصرياً أو تركياً أو عربياً أو انكليزياً أو فرنسياً أو ألمانياً أو روسياً أو صينياً أو هندياً أو فارسياً الخ_ومن ثم سيرى القراء من هذا العمل أعجب العجب، ولب لباب التاريخ والعلم والأدب بل سيرون، دائرة

стр. 967

معارف عربية جامعة لكل ما تشتهيه الأنفس وتقر به الأعين ويصبحون بقراءته أدباء وعلماء وفلاسفة ومؤرخين وكل شيء. أما القائم بكتابة هذه الأسفار النافعة فهو صاحب هذه المجلة وصفوة العلماء والأدباء في مصر - وأما القائم بطبعه ونشره والذي يخاطب في شأنه فصاحب هذه المجلة وحده. هذا وسيكون ثمن الجزء الواحد قرشان مصريان وللمقيم بعيداً عن القاهرة أن يشترك في خمسة أجزاء ثم في خمسة أجزاء أخرى وهكذا وقيمة الإشتراك في الخمسة أجزاء ١٢ لأننا سنرسلها إلى حضرته مسوكرة (مسجلة) والقيمة تدفع مقدماً (طبعاً) وسنظهر الجزء الأول من هذه الأسفار في أوائل يناير القادم ومن أحب أن يشترك فليرسل إلينا الخمسة عشر قرشاً حوالة على البريد والله الموفق.

стр. 968

العدد ١٤ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٣

стр. 969

حول الدين نبذة فلسفية جليلة حول الدين من كتاب حديث المائدة الذي يعنى البيان بنقل أطيبه إلى العربية حدث شاعر المائدة قال: زرت الأستاذ في داره ذات صباح فألفيته مكباً على أنبوبة من الزجاج محبوكة الطرفين فيها سائل كدر، وقال لي انظر فخبرني كيف ترى هذا السائل. قلت كدر قل إن هذا السائل سخن مدة ثلاث ساعات وما زال صافياً حتى منذ أيام قلائل ثم أخذ بعد ذلك يتكدر ثم أن الأستاذ فض أحد طرفي الأنبوبة فأخذ مقداراً يسيراً من سائل على قضيب زجاجي فوضعه فوق قطعة من الزجاج للفحص الميكروسكوبي ثم نظر في المجهر وصاح هاك دلائل الحياة. انظر فنظرت فإذا أشياء تشبه هذه العلامات فأما الأجسام التي هي كالخطوط المستقيمة فقد كانت تذهب وتجيء مسرعة في كل ناحية، وأما المنكسرة فكانت تتلوى كالأراقم، وكانت المستديرة تدور حول محاورها. والكل في حركة ذائمة كأنما لا تبرح تلتمس مالا تجد. قال الأستاذ إن عناصر هذه الأجسام لمتينة، فلقد غليت ثلاث ساعات فلم تمت، ولكني سأنظر ماذا كانت نتيجة الغلي مدة ست ساعات. ثم عمد إلى بعض أوعيته. ولعل القارئ قد أدرك ماذا كان يفعل الأستاذ، وإنما يزاول بعض تجارب تلك النظرية الشهيرة تولد الحياة من الجماد. وعاد بأنبوبة كالأولى ولكنها تعي سائلاً صافياً ثم قال غليت ست ساعات، أترى بها أدنى كدر. قلت كلا أنها لأصفى من قضيب بلور فقال ما أظن أن بها دليلاً واحداً على الحياة ثم فعل بها كما فعل بسالفتها، فإذا السائل خال من كل شيء ولا يكشف المجهر منه إلا عن قطعة من النور. قال الأستاذ لقد قتلها غلي ست ساعات. حسن هذا. أفتدري ماذا كان يحدث لو أنا وجدنا

стр. 970

هذه الأنبوبة كدرة، وأصبنا بها دلائل الحياة؟ إذن لاهتز قصر البابا وزلزلت أركانه، وتساءل القوم عن النبأ العظيم في أنحاء العالم الديني. إذن لارتجفت العقائد والروايات والملل والنحل والمذاهب، تطلعاً إلى نتيجة تجاربي وتشوفاً إلى ثمرة مباحثي، ليعرفوا تكدر السائل في زجاجتي أم صفا. ولا والله لا أعلم أأضحك من هذه الحال أم أبكي فأنتحب. فلما كان الغد وقد لفنا الصباح حول المائدة طرح الأستاذ مسألة الأمس على بساط المحاورة قلت لا بد من التسليم بأن تلك الجراثيم لم تحتمل غلي ست ساعات. قال الأستاذ: هذا من حسن حظ البابا، وكل من راعه وأزعجه لفظة العلوم الطبيعية فإنه إذا ثبت أن الأشياء الميتة قد تحي من تلقاء أنفسها كبر الأمر، وعظم الخطب، وانبرى لك بعض الناس يقول: إذا استطاع الشيء الميت أن يحي نفسه، فلا يبعد أن تكون الأرض قد ملأت نفسها بالخلائق من غير واسطة. على أنه لو كان ذلك حقاً لما كان ذلك من المعجزات الصعائب. والمعضلات الغرائب. ولأمكننا مع ذلك أن نجد في قلوبنا منفسحاً للاعتقاد بآله خالق. بدليل أننا قد نصدق الآن بوجود الآله، مع أنا نرى البذرة الضئيلة لا تزال تنمو حتى تمتص عصارات نصف فدان من الأرض، وكل ذلك تفعله بقوتها الذاتية الكامنة، بلى أن الحياة لتتولد في هذه الدنيا بأية كيفية. وما أظن أن جرثومة البرص قد خلقت مع آدم، ولكنما تولدت في هذه الدنيا بعد خلقته. قلت وهذا أيضاً اعتقادي وإلا فإذا كان آدم قد جمع في جسده كافة العلل والأمراض التي ابتلى بها ذريته ونسله، إذن فلقد كان والله مستشفى متحركاً. قال الأستاذ إذن فكيف تسنى لذاك الحيوان جرثومة هذا الداء أن يظهر في العالم؟ أتظن ذلك قد كان بناء على لائحة سماوية أصدرت بمنح ذلك المخلوق الخبيث هدية للإنسانية؟ فرأيت أن أجعل الصمت الجواب على هذا السؤال فسكت. وكان الفتى الفلكي (هو أحد أعضاء مائدة الأفطار) جالساً يسمع فتحرك فقال أني أيها الأستاذ وإياك نزاول مسألة بعينها. نعم لقد نظرت من وقت إلى آخر في مجهر فرأيت ارتجاج الذرات المتواصل في ذاك السائل وهو ما تسميه الحركة الذرية. وهذا وأبيك هو عين ما أبصر حينما أنظر في مرقبي إذ أرى تراب النجوم يدور دائباً في فضاء الأثير. وحيث لا أرى حركته أوقن بوجوده معللاً خفاءه ببعد المسافة. فالحركة والمادة في كل

стр. 971

مكان. ولا فراغ ولا سكون مطلقاً. ثم أراك تسأل عن ذراتك المضطربة لم لا تتجمع فتصبح أجساماً حية ذاتية الحركة: وأراني أسأل عن تراب النجوم لم لا يتجمع فينمو فينتظم حتى يصير عوالم مأهولة ودنامعمورة. والناس يروعهم بعد أن يسمعوا بتكون العوالم من غيوم النجوم (تراب النجوم) وليس يروعهم أن يروا العوالم المائية (كرات الماء: يريد بذلك قطرات المطر) تكوّن أنفسها بأنفسها من الغيوم السارية فوق أرؤسنا. ولكن إذا استطاعت العوالم أن تتألف من تلقاء ذاتها كهيئة تألف القطرات من المطر، إذن لتفاقم الأمر. واستفحل الشر. وكانت الفتاة جالسة معنا على المائدة، وقد راعها هذا القول المستقل والرأي الحرّ، فارتسم على وجهها أوضح آيات الإندهاش والخوف. وما أحسن وجود العنصر الأناني في مثل هذه الحفلات والمجالس. والنساء أتقى من الرجال وأورع، وأقوى إيماناً وأرسخ عقيدة. ولست بقائل لك ما يقوله ذوو البت في المستقبل من أنه إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار فسيكون ربع سكان الخلود ذكوراً والثلاثة أرباع أناثاً. والسبب في فضل إيمان النساء وزيادة تقواهن أنهن أحوج من الرجال إلى أيمان يعضدهن، واعتقاد يؤيدهن. لأنهن شديدات الاحتجاز، لا تدعوهن إلى الخروج من أنفسهن تلك الدواعي التي تدعو الرجال إلى ذلك. وهن لما جبلن عليه من التوكل والاعتماد أسرع إلى الأيمان الذي إنما هو الثقة والتوكل والاعتماد على الغير. وخلق الاستقلال الفكري قد يخرج من النفس الرائع الحسن من كوامن الفضائل، غير أنه لا يبعث على الورع والتقى. فلما كان بعد يومين من انفضاض هذا المجلس جاءني البريد بالرسالة الأتية من الفتاة سيدي. وددت لو تعرف أني لست من قبيل أولئك النسوة الهيابات اللائي يذعرهن الخوض في المسائل الدينية والمباحث العلمية كالتي طرحتها على بساط المناقشة ذياك الصباح ونحن على المائدة. وما زلت اقرأ أمثال هذه الأبحاث تارة في الكتب وآونة في الجرائد فلا أرجف ولا أرتعد. وقد كنت أسمع أيام طفولتي أن الشعرة توضع في الماء فتصير بعد يومين ثعباناً فلا يهولني ذلك، لأني أرى البيضة تتحول فرخاً فلا أنزعج ولا أهال. وإنما أقول صنع قادر جل الخالق وتعالى شأنه. وكذلك أقول إذا أبصرت في أنبوبة الكيماوي حيوانات صغاراً، أو ما يخيل إلىّ حيوانات صغاراً. وما أراك تحسب أني أطوي أنجيلي،

стр. 972

وأهجر محرابي، لرؤيتي مشهداً عجيباً في عالم كله عجائب، ولغزاً مبهماً في كون كله ألغاز غير مفهومة. وكذلك أرى أنه يمكن التوفيق بين الكتاب المقدس وبين نظرية داروين في أصل الإنسان بحجة أنك ترى الرجل الدميم يلد المليح والأبن الصالح يولد للطالح، وهذا دليل على أن الرقى العظيم قد يحدث في فصائل النوع البشري إذا ساعد أمتداد الأمد. وسنوح الفرص، ولقد قرأت في بعض الأسفار أن الكلاب ينتهي نسبها إلى الذئاب. وأني كلما تذكرت كلبي الرفيق الرقيق ذلك الذي يخلص لربه الحب، ويمحضه المودة، ويكون في الدعة أمينه. وفي الشدة معينه. وهو إذا ما ناجاه صاحبه ... يفهم عنه ما تفهم الأنس وجدت أن مابينه وبين أسلافه الذئاب أبعد بكثير مما بين الهمج المتوحشين لسكان نمنم وبين أسلافهم القردة. قد ترى من غصون كلماتي هذه أني ممن يطلقون للعقل حرية النظر في أمثال هذه المسائل. ونحن معشر النساء نستطيع أن نجري مع تيار الزمن نصغي صامتات إلى ما يدور حولنا من المناقشات في المحاورات والكتب ونغير أسلوب حديثنا وتفكيرنا بأسهل مما نغير أزياءنا من عام إلى عام. وما أحسب أنكم عصبة الرجال تعلمون ما لتلك العادة - أعني عادة التوفيق ما بين أذواقنا وبين الاوضاع المتجددة والسنن المتبدلة_من الأثر في نفوسنا. فإنه والله لا يثبت على تلك العادة شيء في نفوسنا، ولا يستقر معها رأي في عقولنا. والتقلب كما تعلمون هو قاعدة الذوق. وظني أننا نتعلم من خاطة ثيابنا كيف نخلع عن عقولنا أرديتها القُدم فنطرح عليها الأكسية الجدُد في أتم سهولة، وما ذاك إلا لاعتيادنا تغيير الأزياء كل فصل وموسم. (وبعد) فقد أطلت جداً في مقدمتي هذه وأخشى أن يكون قد انتابك الملل قبل بلوغك جوهر القول وزبدته. تعلمّ سيدي أن الدين في نظرنا معشر النساء ليس هو بعض هذه المسائل التي يجعلها عشاق الكلام موضوعات للذة الجدل وسرور المحاجة. وإنما هو أمر غير ذلك. هو حياتنا بل هو أكثر من حياتنا. إذ أن حياتنا إنما تقاس بدقات قلوبنا، ولكن شعورنا الديني شيء

стр. 973

أبديّ ما أن يزال يهفو إلى الأبدية، ويطمح نحو العالم الروحاني. أنه لا يبعد أن تصبح أشكال الديانات بعد مضي بضعة قرون وقد نالها من التغير ما لا نكاد نعرفها معه. ولكن مهما يطرأ على أشكال الديانات من التغير فإن حاجة النفس إلى الاعتماد على القدرة الألهية وتلمسها الأتصال بذلك السر الخفي الأبدي - هذا أمر ثابت دائم لا يزول ولا يتغير. وما كان في قدرة مجهر الكيماوي أو مرقب الفلكي أو قادوم الجيولوجي أن ينزع من النفس حاجتها إلى تلك الصخرة الراسية تستقر عليها_إلى تلك النجمة التي لا تغرب_إلى ذلك الموجود الواهب الحياة لأدنى ذرات هذا الكون الواسع. والناس على الإطلاق لا غنى بهم عن الدين، من لم يحتج إليه صغيراً احتاجه كبيراً، ومن لم يعتقده مختاراً اعتقده مقهوراً. فإنك لتبصر الرجل الضعيف العقيدة يسترسل في جحوده ما شاء فيرميه الله بالمصيبة فإذا هو مؤمن. وأني لمن أدركوا سر الحياة الباطنية بطول مكابدة أهوال الحياة الظاهرة. ولقد كنت قبل أن يبتليني الله أكثر اهتماماً بلون قطيفتي ومقدار ملائمتها للوني مني بالدين وكافة شؤونه فأراد الله أن أفهم معنى قولهم المؤمن مصاب. ولما تأدبت في مدارس الشقاء، وسبكت بنار المحنة، علمت أنه لا ذخر أنفس من الأيمان، ولا حرز أمنع من اليقين. وذلك أني وجدتني غنية بذلك إذ أنفضت من متاع الدنيا. وكان إيماني كالعود الخوار فإذا هو كالنبعة الصلبة ألفيتها نعم المتكأ في الضراء. والمعتمد في النكراء. وكان يقيني واهناً ضعيفاً كخامد الجمر، فإذا هو كالضرام المتأجج جلى غيهب الشكوك وحندس الشبهات، وأوضح منهج الرشد فعلوته مسددة الخطوات مأمونة العثرات. ولست في ذلك إلا واحدة من آلاف آلاف كلهم قد لقي من هذه الأحوال ما لقيت. كلهم غمس في حياض البلاء ورسب في أعماق الكرب فعرف حاجة النفس إلى الإيمان والتوكل - إلى بث شكاياتها ونفث أشجانها ورفع دعواتها إلى أذن سميع مجيب يفهم حاجاتها ويرثى لبلواها. هذا حق لا يضر به ولا يؤثر فيه تداول الألسن إياه بالمناقشات والمباحثات وهل يعرف الناس شيئاً أثبت على الجدال وأرسى على المحاورة ولا أبقى على المعارضة وأدوم على المحاربة من الحق؟ وما أحسن ما نطق به الأستاذ في هذه الصدد إذ قال أحد الجلساء ألا

стр. 974

تخشى من إيراد المسائل الدينية في عرض الحديث الاعتيادي؟ فقال الأستاذ أخشى على م؟ فأجاب صاحبه على الحق قال الأستاذ ما كنت أحسب أن الوهن والمرض قد بلغا بالحق هذا المبلغ. متى كان الحق من شدة الضعف بحيث لا يستطيع الخروج إلى الناس إلا متلففاً في كسائه مختفياً في جوف مركبته خشية مس الهواء والشمس. دعني أضرب لك في هذا الصدد مثلاً يسر الصغار ولا يضر الكبار. يحكى أن صبياً كان له طيارة مملوءة غازاً ولها حبل يعقد طرفه بكفه خشية أن تندّ في الفضاء فتضيع، وكان للغلام أخ خبيث فأتاه ذات يوم فقال له أي أخيّ أنزل طيارتك أرها، فجذبها الغلام وكان في يد الأخ الخبيث إبرة فشك بها الطيارة فخرج من جوفها الهواء فتقلصت فإذا كل ما هنالك جلدة متقبضة. فلما كان ذات مساء وأبو الغلام واقف لدى النافذة نادى ابنه لينظر القمر ففعل فسرّه الكوكب المتألق غير أنه ما لبث أن قال أبي. لا تجذب الحبل فيهبط القمر لأني أخشى عليه أخي الخبيث أن يخرقه فيتقلص ويذهب فلا نراه أبداً. عند ذلك ضحك أبوه وأخبره أن القمر ما برح مشرقاً على الدنيا منذ أقدم العصور وأنه سيبقى كذلك أمداً طويلاً. وأم كلّ ما علينا هو أن ننظف زجاج نوافذنا فلا ندع التراب يتراكم عليها، وأن نبقي أعيننا مفتوحة ولكنا لا نستطيع أن نجذب إلينا القمر فنشكه فنخرقه. ولتعلمنّ كذلك أن القمر ليس ملكاً خاصاً بفرد من الأفراد وإنما متاع مشاع ينعم برؤيته كل من شاء. الحق صلب يابس ليس كالفقاعة يفقؤها اللمس. ولكنه كالكرة تركلها طول النهار بقدميك فلا تجدها لدى المساء إلا متينة منتفخة. وما أحسن قول المستر برينت حيث يقول. الحق متين لو مر فوقه قطار البخار ما ضرّه. والباطل سقيم يميته أدنى الخدش. وما أن رأيت ولا سمعت برياضيّ راح قلقاً على نظرية من نظرياته أن يبطلها مبطل أو يدحض برهانها داحض. ورأي أن خوفك المناقشة دليل قاطع على وهن اعتقادك.

стр. 975

لماذا لا نتزوج من الأخطار التي تحدق بالمجتمع الحاضر أحجام الشبان والشواب عن الزواج، فقد قلت نسبته اليوم في البلد الغربية، وفي مصر وغيرها من الأقطار عما كانت عليه منذ عشرين أو ثلاثين عاماً، وقد سئل في سبب ذلك كثيرون من مشهوري الفرنسيين والانجليز، وكثيرات من مشهوراتهم زفيهم فتيان وآنسات وكهول وعجائز. فآثرنا أن نأتي بآراء هؤلاء الأفاضل والفضليات في هذه المسألة الحيوية الخطيرة. قالت مدام ساره برنارد الممثلة الذائعة الصيت. أني على يقين من أن سبب قلة النسبة الحاضرة للزواج راجع إلى تغير في العادات والآداب والأطوار عما كانت عليه قديماً، فلما كنت فتاة لم يكن يسمح للآنسات من الحرية والإباحة عشر معشار ما ينعمن به اليوم، ولم نكن نعرف في شبيبتنا الأكل في المطاعم والفنادق بأن لا وسيلة للقاء إلا بالتزوار، وأحسن سبيل للخلاص من عناء الزيارة في المنزل، أن يسرعوا إلى الزواج ولكن تغيرت الحال في هذه الأيام، فإن الفتيات ينعمن في كثير من الوجوه بالحرية التي للرجال، نعم قد يصادف أن يكون الآباء على غيرة شديدة فلا يسمحون لفتياتهم بالخروج إلا مع الوصيفات، ولكن أغلب الوصيفات قد أصبح في هذه الأيام أقبل للخداع عما كن عليه في السنين الماضية. فنشأ من ذلك أن الفتى والفتاة قد أصبح لهما الآن من الحرية أكثر من أمس، فهما يستطيعان أن يلتقيا كل يوم بالطبع، فلا يكاد يمضي عليهما وقت كبير حتى يشعرا بأنه من الغبن أن يتخليا عن شيء من هذه الحرية، ويضحيا تلك العادات الطائشة التي لهما. وكلما تدبرت هذه المسألة من وجوهها، ورأيت هذه التغيرات الكثيرة التي عدت على العادات التي كنا نأخذ بها منذ خمسة عشر أو عشرين سنة، لا يسعني إلا أن أرى أن نسبة الزواج الآخذة في القلة لم تصر إلى مثل هذه الحال إلا لأن امتزاج الرجال بالنساء اليوم قد أصبح مستهاناً فيه، ومباحاً أكثر من قبل أضعافاً مضاعفة. وقال المستر أرثر بور شير وهو من الشبان: إن في رأيي أن سبب قلة الزواج راجع بأجمعه إلى خطأ المرأة، فإن المرأة العصرية هي بلا ريب أقل صبراً ورزانة من جدتها أو جدة جدتها، وهي أبداً تميل إلى عادة من اسوأ العادات وأقبحها وهي الماعبة، وأكبر شيء يعجز عن احتماله كل رجل هو أن تنتقده المرأة

стр. 976

وتسخر منه، فإذا لم يجد الرجل من النساء سخرية ودعابة فإني لا أرى هناك ما يمنعه من الزواج، فإن أوثق ما يرتبط به زوج وزوجة هو اتفاق اخلاقهما. وقالت مسز هنري دودنيت الروائية المشهورة ليس منشأ قلة الزواج خطأ أحد الفريقين أو كليهما، وإنما يرجع إلى شجاعة هذا العصر وإخلاصه، وفوق ذلك إلى روح المصادقة النامية بين الجنسين، وليست كما يظن البعض دليلاً على الأثرة والانحطاط، وإنما هي برهان جليّ على تقدم (الإِدياليزم) أي المثل الأعلى. لقد كانوا يظنون في الماضي أن اختلاف الجنس وتساوي المركز في المجتمع خير قاعدة يؤسس عليها الزواج، ولكن المحبين اليوم والحبائب يطلبون أكثر من ذلك، ويظهرأن الجيل الحاضر يريد زواجاً لا انحلال له. وتغير مركز المرأة في المجتمع له مساس كبير بالموضوع من الوجهة الاقتصادية، على أني أقدم العامل الأول وهو المثل الأعلى على العامل الثاني وهو السبب الاقتصادي، فإن الأول أبدي والثاني عرضي. وقالت الآنسة هيلدة تريفلان: أني أرى السبب الأكبر ف الإحجام عن الزواج هو غلاء المعيشة ويلي ذلك حب الملاهي والملذات، وهذا من أكبر معالم الفتيان والفتيات اليوم، وهناك سبب ثالث كسابقيه في أهميته، وهو اكتساب المرأة تلك الحرية لكبيرة التي رخصتها لها سنن المجتمع الحاضر، وأرى أن هناك شعوراً عاماً بين الشبان والشواب وهو أن الزواج لا ينبغي أن يفهم من معناه اليوم القيام بما ينتظره العالم من كل فتى أو فتاة، وأعرف كثيرات من الفتيات العوازب كما أعرف كثيرين من الفتية العزّابن يجدون في العزوبية والبقاء عليها كل الرضا، ويخال لي أن العزبة حال راضية، فلما وجد كل من الفريقين أن من الممكنات أن يكون سعداء ناعمي البال وهم وحدان عزاب فضلوا ما عدّوه السعادة العزبية المحققة على السعادة الزوجية المحتملة. وأرى أنه ما دامت النساء يتمتعن بنصيبهن الحاضر من الاستقلال، فلا بد من أن تظل نسبة الزواج أقل مما كانت عليه في تلك الأيام التي كانت تعيش فيه الفتاة عيشة النسك

стр. 977

والاعتزال. وقال الآنسة فانبروج: إن تساؤلنا لم لا يتزوج اليوم إلا القليلون ليبدو لي من أصعب المسائل التي يشق على فرد محاولة الجواب عليها، وأنا أميل إلى الظن بأن السبب الهام في قلة نسبة الزواج يرجع إلى الترخيص للنساء بهذه الحرية التي لهن اليوم. لقد وضعت مسز جراندي في الأيام الماضية طريقة صعبة وهي أن المرأة ينبغي أن يكون لها وقت فراغ طويل، ولايجب عليها أتلعب شيئاً من الألعاب إلا ما كان منها هادئاً، وأن تتعلم الخياطة والتطريز وتشتغل بهما في كل يوم، ولا ينبغي لها أن تخرج وحدها إلا نادراً، فنتج من ذلك أن الفتاة العانس رأت نفسها سجينة ما بقيت على عزبتها. فوجدت أن السبيل الوحيدة التي تستطيع بها أن تنال قسطاً أكبر من الحرية. هي أن تتزوج. أما اليوم فقد سمح للنساء بحرية أكبر من قبل. ورياضات أكثر. فنشأ ولا ريب من ذلك أن كثيرات منهن يشعرن بأنهن سعيدات مستقلات وهن في العزوبة. ومن الغبن أن يخاطرن بسعادتهن وحرّيتهن في سبيل الزواج. وقالت مسز ويليمسن الروائية المشهورة: أرى أن إحجام الناس عن الزواج كثيراً راجع إلى هذا الغلاء الآخذ في الأزدياد حتى لقد أصبح الحب في كوخ أغلى من قبل وأكثر نفقة، وقد زادت الحاجيات عن ذي قبل، ولذلك يعوز الفقير لخطبة الفتاة الحسناء شجاعة أكبر مما كانت في تلك الأيام التي كان الروائيون فيها يختمون رواياتهم بعرس أو خطبة. وفضلاً عن ذلك فإن النساء قد سنحت لهن فرص العمل عن قبل. وازدادت الأجور عما كانت في السنين المنصرمة. فلا حاجة بالنساء إلى أن يتزوجن لغرض الزواج ليس غير. وإذا كان الناس يتزوجون اليوم أقل من قبل فلعلهم يرون في الزواج حالاً أسعد مما رأى آباؤهم. وقال المستر تمبل ثيرستون الروائي المشهور، وهو من الشباب: من الخطأ الفادح أن نلقي سبب قلة الزواج على أحد الفريقين، وإذا كان هناك شجار في هذا الموضوع بين الجنسين، فلا بد أن يكون من الأثنين، ولعل النساء يعرفن رجالهن أكثر مما عرفن، والرجال يعرفون نساءهم أكثر مما عرفوا، ومن المحتمل أن يكون هناك شيء

стр. 978

من المثل الأعلى في الحياة متلجلجاً في صدور الرجل والنساء، ومنشؤه شدة الصحف اليومية، وليس في عصبة الرجال من رجل، ولا في جماعة النساء من امرأة، لا يكونان بالزواج السعيد أسعد حالاً وأنعم عيشاً، ولذلك نحن نؤمل أن تكون قلة النسبة عرضية لا تلبث أن تزول، وقد أصبحت هذه الأيام الحاضرة أيام حقائق، ولكن لا يسعني إلا أن أظن أننا لن نسمع بعد شيئاً عن قلة الزواج، إذا لم يتشبث الخطيبان بالحقائق جد التشبث، واعتقدا ما هو حق اليوم كما كان من قبل، وهو أن الزواج يقضي في السماء، ولا دخل في قضائه للأرض. وقالت مسز بي رينولدز من مشهورات الكتاب الروائيين وهي من العجائز: أن هناك أسباباً كثيرة لقلة نسبة الزواج الحاضرة، فمنها الروح الجديدة السارية بين الناس لطلب السعادة، والسعادة من الكلمات التي أسيء استعمالها جد الإساءة مثل كلمة الحب، وإذا تكلمنا اليوم عن السعادة كشيء ينبغي لنا اقتناؤه، فلا نقصد بذلك كلمة اللهو، ذلكم اللهو الذي يشترى بالمال ويتمتع بع في العطلة والفراغ، والزواج الذي يلازمه دخل قليل هو على نقيض هذه السعادة، إذ يستلزم الجهد والسعي والاستقامة وتضحية النفس، وكلها من الأشياء التي يكرهها هذا العصر ويدعي أنه يحتقرها ويزري بها. وهناك سبب آخر يعمل في أذهان المبصرين والعقلاء، ذلك أن الجيل الذي تقدمنا - آباؤنا وأجدادنا وجداتنا_كانوا يتزوجون دون تفكير أو استبصار، فكان من ذلك أن بلغت الأسرة عشرة أفراد أو أثني عشر فرداً، على حين أن دخل الأسرة لا يكفي لتعليم أربعة منهم تعليماً نافعاً، ونحن لا نزال نذكر نتيجة ذلك، ولهذا نريد أن نكون أحزم من آبائنا وأبعد نظراً ونريد فوق ذلك أن نكون أحراراً مستقلين، لنستطيع أن نكفل عيشنا ونضمن لأبنائنا ما يستعينون به على جهادهم في هذا العالم، فكان من المستحيل أن نتزوج ونحن في ربيع العمر وحداثة السن، فأما أن ننتظر حتى يتهيأ لنا أمرنا، ونأخذ للزواج عتاده، وأما أن نعجل بالزواج فنهبط في المجتمع، وننزل من مكانتنا التي درجنا فيها، ولا يستطع المقاومة والمصارعة إلا القليلون الأشداء. وفي الغالب ترى الأنتظار يقلل من رغبتنا التي غالبتنا في زمان الصبا، ويضعفها، ويذهب بها، ونصبح أكثر انزواء عن الزواج وإشفاقاً منه، واعتياداً للعزوبة والعمل تبع أهوائنا،

стр. 979

ويأخذ تأثير الزواج في الضعف ما انتظرنا حتى ينتهي غالباً بالرفض. وقالت مدام كلارت: أظن أن قلة الزواج ترجع كثيراً إلى فكرة الجيل الحاضر واختلافها عن فكرة أجدادهم وجداتهم، فإن لهذا الجيل أفكاراً أكبر، ومطامع اوسع وأكثر تبايناً، وأشد طماعة مما كان عليه آباؤهم. وكلما فكروا في الجهاد الذي لقيه آباؤهم في السنين الأولى من حياتهم الزوجية، وكيف كانوا يقتّرون ويقتصدون ويحرمون أنفسهم حتى من ضروريات الحياة، لكي يكفلوا لأبنائهم وسائل التربية الصحيحة، ساءل كل نفسه أيليق بمثلي الزواج، أن لي الآن دخلاً صغيراً، فهل يحق لي أن اسأل امرأة يدها لتعيش معي عيشة التضحية التي عاشتها أمي في الأعوام الأولى من زواجها؟. . ويذكر كيف كانت والدته وهو صغير تشتغل في الدار أبداً وتعمل، تصلح جوارب زوجها، وترقع أثواب أطفالها، وتجدد أخلاق ثيابها. فيقول بلى أني لأوثر أن أتزوج، ولكن يظهر أن الزواج لا يليق بي أو بحياتي. ويذكر بعد ذلك السؤال الذي يريد لو يلقيه على الفتاة الجميلة فلا يستطيع عليه إقداماً. وتمضي السنون عليه فيفقد ذلك الميل الذي كان يشعر به وتفقد فتاته الجميلة رونق الشباب. فإذا نظرنا إلى المسألة من هذه الجهة فمن ذا الذي يستطيع أن يقول أمصيباً كان في بقائه على العزوبية أم مخطئاً. أما أنا فلا أستطيع أن أجيب عليه ولا أرى لي فيه رأياً.

стр. 980

نوابغ العصر أحمد بك شوقي ٢ تكلمانا في العدد الماضي - وكنا بصدد من اعرية شاعرنا النابغة أحمد بك شوقي_عن الشاعر ومكانه من الجماعة، وجئنا بكلمة طيبة في ذلك لكاتب شاعر من خيرة كتاب المغرب الشعراء، ولما كنا قد اعتزمنا أن نكتب فصولاً عدة في شاعرية أمر الشعراء ونبوغه وآرائه وشعره وأدبه مما ليس في مكنتنا أن نلم به في فصل أو فصلين، رأينا من الفائدة أن نبدأ بفصل في الشعر وماهيته وتاريخ تطوره، وموازنة الشعر العربي بالشعر الغربي، وتقدير الأمم قدر شعرائها، حتى ينبسط لنا الكلام في موضوعنا الذي اجتمع رأينا على الاستفاضة فيه وتناوله من أجزائه وصميمه. الشعر هو ذلك الفن الوجداني الذي يصور أدق شعور النفس، ويمثل كامن مشاعرها، وعظيم وجداناتها، ويبسط أحوال العالم بمظاهره الكامنة، ومعالمه الظاهرة، ويمرح بالفكر بين وادي الحس ووادي الخيالن ويظهر للعيان أرواح العصور والأجيال، بين أنة يصعدها موجع، ودمعة يذرفها محزون، ونغمة يصدح بها مبتهج، وشكاة يبديها مظلوم، وكلمة كبيرة يصدرها حكيم، وضحكة ظهرها طروب، ولوعة يجدها عاشق. ولا تجد في تاريخ الإنسانية عصراً خلا من شعر له، فإن المخيلة أبداً تعملن ومشاعر النفس أبداً تنفّس عنها بالظهور، مما يثبت أن الإنسان خلق بطبيعته شاعراًن وأن الشاعرية كامنة فيه كمون النار في الصفاة، لا يعوزها للظهور إلا ما يعوز صاحب الجرس الحلو من توازن النبراتن وانتظام النغم، وخفة التقطيع وطيب الأوزان. ومن المعاني المستنبطة من توليد القريحة وابتكار المخيلة، والإفتنان في التعبير بما يقع من المجاز والكناية، فإن في انتظام النبرات ما في أغاريد الهزار وخرير الأمواه وحمحمة الجياد من تأثير، كما أن في بواكر المعاني أثراً غريباً في النفس، شأن كل جديد غير مرتقبز وكذلك فإن في أساليب الإستعارة والمجاز والكناية أعمالاً للفكر ينطبع له المعنى في الذهن بأشد مما لو كان صريحاً لا يحتاج الفكر في فهمه إلى شيء. وقد تبع الشعر سنة التطورن وكان تطوره من التماثل إلى التباين، فقد كان الشعر

стр. 981

والموسيقى والرقص أجزاء لشيء واحد، فصارت على ممر العصور كما نراها الآن منفصلة بعضها عن بعض، وأصبح كل منها فناً قائماً بذاته، وأنك لتجدها حتى اليوم متماثلة متحدة بن القبائل المتوحشة، فإن رقص الهمجيين لا بد من أن يصحبه نشيد متشاكل النغم، وتصفيق بالأيدي وقرع الدفوف، أي أن هناك حركات موزونة وكلمات موزونة ونغمات موزونة، ومن نظر إلى تاريخ الشعوب القديمة الأثرية رأى هذه جميعاً متحدة في الأعياد الدينية، وقد جاء في المدونات العبرية أن نشيد النصر الذي نظمه موسى في هزيمته للمصريين تغنوا به على الرقص وقع الطبول. وكان بنو اسرائيل ينشدون ويرقصون ويتغنون يوم اتخاذهم العجل الذهبي. ولما كانوا قد أخذوا العجل الذهبي عن (آبيس) معبود المصريين فلا جرم أن المصريين كانوا يفعلون فعلهم في الحفلات الدينية، وكذلك كان اليونان في أعياد آلهتهم وأبطالهم، وكان للرومان أعياد دينية يقيمونها رقصاً وإنشاداً وغناء، وفي بعض الشعوب المسيحية التي جاءت بعد هؤلاء كان الأهلون يقيمون حفلة راقصة منشدة تبركاً بالقديس، وقد بدأت هذه الفنون تنفصل بعضها عن بعض، ثم تنفصل عن الدين في عهد اليونان، فقد اتخذوها بعد ذلك في حروبهم، وابتدأ الشعر والموسيقى مجتمعين ينفصلان عن الرقص. وأنشأ الشاعر ينظم القصيدة فإن كانت مطولة ألقاها إلقاء، وإن كانت قصيرة غناها. وكان الشعر مع ذلك يتطور في نفسه ويتدرج تبعاً لتطور العالم وارتقائه، فقد كانت اشعار الإنسان بل الشاعر الأول أناشيد روحانية تدور حول الخالق والخلق. وكان العالم قفراً يباباً، وكان فكر الإنسان مذهولاً متلدداً بين السماء والأرض، فلما زادت الخيرات وخرج الإنسان عن أنانيته وحيوانيته فأصبح حيواناً اجتماعياً، وامتدت حدود الاجتماع فصارت العشيرة قبيلة وصارت القبيلة أمة، وتطورت جماعات المدينة إلى جماعات الأقليم، وتطورت جماعات الأقليم إلى جماعة الشعب، وشرع الكاهن والملك يلعبان دورهما في تاريخ الأنسلية، فأنشئت الأمارات وقامت الممالك، ثم بدأ العالم من جراء التكاثر يزدحم، وراح كل شعب يصطدم بجيرانه، فوقعت من ذلك الحروب والغارات، وولدت الحروب أمثال هوميروس، فكان الشعر هو مرآة لكل تلك الأمور، وانتقل من حد بيان الخواطر والمشاعر إلى وصف الحوادث وتصويرها، فكان منه التاريخ، وتدوين الوقائع، وتسطير

стр. 982

الحكايات والخرافات، ثم دخل العالم بعد ذلك في حال جديدة فتوارت الآلهة أمام العقائد الصحيحة، ووضعت آساس المدنية الحقة، فتحولت أخلاق الإنسان وتهذبت مداركه وأصبح الشعر بعد ذلك أقرب إلى الحقائق وأدنى إلى المعقول. وكأنما العالم راح بعد ذلك منهوك القوى من أثر المدنيات الأولى، فأقبلت عليه العصور المظلمة، وأرخت عليه سدولها، فنام الشاعر وسكنت أغاريده وتنوسى هوميروس وإلياذته، وفرجيل وإينيادته، وهوراس وشاعريته، وتتابعت عشرة قرون خرس كما يقول كارليل، حتى أنبتت أرض إيطالية دانتي، فأنشأ (الكوميديا المقدسة) وكان في منحاه صدى لفرجيل، وجاء بعده بترارك فنظم ملحمته (أفريقيا) وبوكاسيو وجيوتو ونكولر بيزانو، فكانوا جميعاً طلائع الشعر الغربي، ومرددي الشعر الروماني واليوناني، وتقوضت بهم حكومات الإقطاعاتن وبدأت عبادة جديدة للجمال، وأخرى للعلمن وثالثة للسياسة والمُلك، وأحدثت الآراء الجديدة في الإنسان والحياة ومقاصدها وحقوقها وواجباتها، ومباهجها وآلامها، وفي الدين والعلم وما إليهما مما له مساس بتاريخ الإنسانية، فنشأ من تلكم الآراء الإصلاح الديني الذي قام به مارتن لوثر وكالفن وجون نوكس واراسماس، ونجم عنها النظريات والآراء التي أضرمت نار الثورة الفرنسية الكبرى، ولا يزال أثر هؤلاء الشعراء باقياً في آداب الغربيين حتى يومنا هذا. وعن هؤلاء أخذ شعراء الانجليز والفرنسيين، واقتفوا آثارهم وآثار الشعر الروماني واليوناني اللذين أخذ عنهما هؤلاء الطليان. وكان معاصراً لهم أول شعراء الانجليز شوسر، فكان له من الأدب الطلياني عالم جديد سمت فيه شاعريته إلى أوجها، وتعلم من جحيم دانتي كيف تكون الروح الشعرية، وتلقن من مقطعات بترارك صناعته، وأخذ عن قصص بوكاسيو وإبداعه في السرد، وكان شوسر يأخذ عناوين قصائد هؤلاء فينسج على منوالها، في أحسن قالب ومكانة شوسر عند الانكليز مكانة امرئ القيس عند العرب، بل أن روحيهما تكادان تتفقان من أغلب الوجوه. فأنت ترى من ذلك أن الشعر الغربي يرجع مصدره إلى الشعر اليوناني والشعر الروماني. ولم يكن لشعراء الغرب في بادئة أمرهم إلا نوعان من الشعر أخذوهما عن اليونانية أيضاً، وهما الشعر القصصي، وهو ما يعبر عنه في الانجليزية بلفظة والشعر الغنائي، وهو ما

стр. 983

يعبر عنه بلفظة والكلمتان مأخوذتان من اليونانية أيضاً، ومرمى النوع الأول التعبير عن مشاعر الناس وأحوالهم ومرمى النوع الثاني التعبير عن مشاعر النفس، ولكل من هذين أنواع وأقسام. فمنها الشعر الروائي واسمه في الانجليزية كقصيدة شارل هارولد أودون جوان للشاعر بيرون، والشعر الديني كقصائد ملتن، والشعر الفلسفي مثل قصيدة (الأوكسترا) للشاعر ديفس وفيها يصف العالم ويشبهه بالمرقص، وقصائده التي عنوانها أعرف نفسك وقصيدة خلود الروح. والشعر التهكمي كأشعار الشاعر سبنسر، والشعر الصوفي مثل قصيدة إبراهيم كولي عن نفسي والشعر الوطني مثل قصائد درايتون ودانيل وصامويل، والشعر الغرامي كقصيدة امورتي للشاعر درايتون، وأغنية لودج في روسالين، والشعر الحربي كقصيدة موقعة البالطيك للشاعر كامبل، والشعر السياسي كتلك الأشعار التي كانت تنظم في أيام الثورة الانكليزية، والشعر الأخلاقي مثل قصيدة الواجب للشاعر كوبر، والشعر الثوري كشعر روبرت سونى - الشاعر الحمي الأنف الأسم_في الثورة الفرنسيةن وشعر اليأس والحزن مثل قصائد الشاعر القنوط كولوريدج. وجملة القول لم يدع شعراء الغرب فرعاً من فروع الحياة إلا وجالت فيه ناضجة قرائحهمن ومرحت فيه مريعة مخيلاتهم. ثم أدخلوا على هذين البابين وفروعهما باباً ثالثاً سموه الدراما ومعناه الشعر التمثيلي. ولهذا الباب أقسام وهي الكوميديا ومعناها الروايات المفرحة أو المضحكة. وكان يصحبها في بادئ الامر الرقص والغناء، والتراجيديا وهي الروايات المحزنة، والهستوريك أي الروايات التاريخية. ولم تكن الدراما أواخر القرن الثالث عشر في شيء من هذه الأقسام بل بدأت في انجلترة بنوع يسمى وهذا النوع يدور حول تمثيل حوادث التوراة والانجيل وأعمال المسيح، وكانوا يمثلونها غالباً في الكنيسة أو بجوارها. ولم يكن الممثلون إلا الكهنة، ثم أخذوا بعد ذلك يمثلونها في القرى، ثم توسعوا في هذا النوع وتصرفوا فيه وسموه وأدخلوا عليه تمثيل بعض قصص عن قديس أو شهيد وكانوا يمثلون هذه جميعاً في يوم عيد الميلاد والأعياد الدينية الأخرى. وتطور هذان النوعان المرتبطان بعد ذلك حتى كان عهد أدوارد الثالث بين ١٣٢٧ و

стр. 984

١٣٧٧ فأنشأوا نوعاً أخلاقياً جديداً سموه وأشخاص الروايات التي من هذا النوع هي الفضائل والرذائل مثل الثبات والإرادة والكذب والنميمة وغيرها، ثم أضافوا بعد ذلك أشخاصاً أخرى مثل الغني والفقير والموت، وكان المؤلفون يربطون هذه جميعاً ويصوغونها في قصة بسيطة تنتهي بفوز إحدى الفضائل. ثم توسعوا في ذلك فجعلوا يمثلون هذه في أبطال اشتهروا بها، فيجعلون مثلاً لتشخيص العدل أريستايديس اليوناني المشهور وللقوة هيركيوليس وللفصاحة ديموستنيس وأمثال ذلك، فأنشأوا بذلك مبادئ الدراما الحقيقية. ثم أشأوا لملهاة الجمهور قطعاً مضحكة يمثلون بها الحياة العامة وسموها ومنها تفرع النوع الهزلي الذي نشاهده في قهاوي الرقص اليوم، ويسمونه وقد يجمعون كل هذه الأنواع في رواية واحدة، كما جمع شكسبير فروع الشعر القصصي والشعر الغنائي في رواياته التمثيلية. ثم بدأت الدراما الأصلية، وكانت تنظم شعراً مقفي، يتخللها قطع نثرية، ثم بدأ الشاعر الانجليزي مارلو نظمها شعراً مرسلاً وجاء بعده ويليم شكسبير أنبغ نوابغ الشعر التمثيلي فأفتن في ذلك. وسما الشعر التمثيلي في انجلترة بشكسبير كما سما في ألمانية بجيث وشيلر وضعفت مكانته بوفاته، وجعل الشعراء بعده يقلدون بدائعه فلم يظفروا. حتى كان عهد ويليم الثالث بعد كرومويل ورجوع الملكية فأخذ مؤلفو الدراما ذلك أسلوب كابرناد وسكوديري من رجالات القرن السابع عشر واقترضوا روايات كورني وراسين مزاحمه وصاحب رواية الأدعياء وموليير أشعر شعراء الكوميديا، وأخذوا عن كورني أسلوبه المسمى بالإرتباطات الثلاث وهي المكان والزمان والحدوث ومعناها أن المناظر يجب أن تكون في مكان واحد، وأن حوادث الرواية يجب أن لا تحدث في أكثر من يوم واحد، وأن لا يدخل في الرواية مالا يختص بإظهار خاتمتها. وتركوا الشعر المرسل ونظموا رواياتهم شعراً مقفى. ولكن الشاعر دريدن وهو أشعر شعراء الملكية في انجلترة عاد فاستعمله. ولم يشتهر في انجلترة من لروايات بعد ذلك إلا رواية كاتو في عام ١٧١٣ وكان مؤلفها الكاتب المشهور ادين وقد امتدحها فولتير وأثنى عليها خيراً وقال أنها أول تراجيديا فلسفية.

стр. 985

واشتهر القرن التاسع عشر بنوع جديد سموه (الأوبرا) تلازم فيه الموسيقى التمثيل. وتفننوا فيه فاستعملوا نوعاً معروفاً عندهم باسم يتتابع فيه الكلام والغناء والنشيد. ونوعاً آخر اسمه اوبرابوف وهو نوع من الكوميديا. ومن الذين اشتهروا (بالأوبرات) أمثال فردي وأشهر رواياته ارناني وعائدة وترافياتا. وكانت وفاته عام ١٩٠١ وولد سنة ١٨١٣ ولذلك عمل له في هذا العام التذكار المئيني. وجو نود ودوزنتي وبرليوز وكثيرين. هذا ما وسعنا اليوم وسنعود في العدد القادم فنكتب في الموازنة بين الشعر العربي والشعر الغربي ثم نأخذ في موضوعنا الذي اعتزمنا إن شاء الله.
следующие страницы →