← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7334

وسطية أهل السنة بين الفرق

محمد با كريم محمد با عبد الله

Полный текст (520 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال ﷺ في وصف الفرقة الناجية -وقد قيل له: من هي يا رسول الله؟ : "ما أنا عليه وأصحابي" ١. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم، وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم"٢. وقال الإمام أحمد بن حنبل: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع"٣. وما زال أئمة السنة وعلماء الأمة جيلًا بعد جيل يدعون إلى إتباع السلف الصالح والاقتداء بهم وسلوك طريقهم، ومن ذلك قول الإمام الأوزاعي "ت ١٥٧ هـ": "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول"٤، وقوله أيضًا: "أصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا: وكف عما كفوا عنه، وأسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك"٥. وما برح أهل السنة يستدلون على دينهم، وعقائدهم، بما جاء في كتاب الله ، وبما صح من سنة رسول الله ﷺ ؛ فإن لم يجدوا فبما ثبت وأثر

стр. 107

عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المعروف عنهم الإمامة في السنة والتقدم فيها، فيسلكون طريقهم ويقولون فيها بقولهم. فانظر مثلًا إلى الإمام أبي القاسم اللالكائي وهو يوضح منهجه في الاستدلال على مسائل الاعتقاد في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" قائلًا: "ثم استدل على صحة مذاهب أهل السنة بما ورد في كتاب الله تعالى فيها، وبما روي عن رسول الله ﷺ ؛ فإن وجدت فيهما جميعًا ذكرتهما، وإن وجدت في إحداهما دون الآخر ذكرته، وإن لم ِأجد فيهما إلا عن الصحابة الذين أمر الله ورسوله أن يقتدى بهم ويهتدى بهم ويهتدى بأقوالهم، ويستضاء بأنوارهم لمشاهدتهم الوحي والتنزيل، ومعرفتهم معاني التأويل احتججت بها؛ فإن لم يكن فيها أثر عن صحابي فعن التابعين لهم بإحسان الذين في قولهم الشفا والهدى"١. وإلى قول الإمام ابن كثير وهو يجنح إلى إتباع السلف والقول بقولهم: "وأما قول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ فللناس في هذا مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها؛ وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك "٩٣- ١٧٩ هـ"، والأوزاعي، والثوريي "٩٧- ١٦١ هـ"، والليث بن سعد "ت ١٧٥ هـ" والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق"٣. وقول الإمام ابن أبي العز شارح "الطحاوية": "وقد أحببت أن أشرحها سالكًا طريق السلف في عبراتهم، وانسج على منوالهم متطفلًا عليهم لعلي أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم"٤.

стр. 108

وقال الإمام الذهبي في مقدمة كتابه القيم "العلو للعلي الغفار" بعد أن ذكر عددًا من آيات الاستواء والعلو: "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف؛ فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما تسكت بحلم"١. ضرورة بيان مذهب السلف ومواقفهم من أهل البدع: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ وصدر القرن الأول على قول واحد وصراط مستقيم إلى أن أطلت الفتن، وبزغت قرون أهل البدع والخلاف؛ فخرجت الخوارج، وتشيعت الشيعة، وتجهمت الجهمية، واعتزلت المعتزلة، واستطار شرر المتكلمين في الأمصار يثير الشبهات. وكان هؤلاء وأولئك يرون أنهم على حق وأنهم الفرق الناجية، ويستدلون على أقوالهم ومذاهبهم بنصوص من الكتاب والسنة ينزلونها على آرائهم، ويصرفونها عما دلت عليه ظواهرها، كما ألمحنا إلى ذلك فيما سبق، ويدعون انهم متبعون للكتاب والسنة، وربما التبس الأمر على عامة الناس، لما يظهره هؤلاء من الاستدلال بنصوص الشرع على مذاهبهم وأقوالهم. فلما كان الأمر كذلك احتاج أهل السنة إلى بيان وإظهار مذهب السلف الصالح الذين لا يشك أحد في أنهم أهل السنة وأئمتها المعروفون بها، وبيان ما ذهبوا إليه في فهم هذه النصوص وما فسروها به؛ لأنهم أدق فهمًا، وأصفى ذهنًا، وأصدق تسننًا وتدينًا وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى مشكاة النبوة، وشعاع الوحي، ما زال نورهما في قلوبهم مضيئًا يهيديهم إلى القول الحق، والطريق المستقيم، ليقف الناس على أقوالهم ومذاهبهم فيتبين لهم مدى مخالفة أقوال ومذاهب تلك الفرق لأقوال السلف الصالح ومباينتها لها.

стр. 109

ولذا نرى كثيرًا من أئمة الإسلام؛ إذ ذكر أمرًا من أمور الاعتقاد يحرص على بيان قول السلف والأئمة المقتدى بهم المتفق على إمامتهم في السنة، ليعلم أن مخالفهم سار على غير هديهم؛ فإما أن يكونوا على الهدى والصواب والسنةن أو يكون مخالفهم هو المصيب، ولا شك أنهم بالحق والصواب أولى؛ لما عرفنا من فضلهم وعلمهم وحرصهم على السنة والتمسك بها. وذلك كقول الإمام أحمد بن حنبل في مقدمة رسالة "السنة" له: "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"، ثم ذكر قولهم في مسائل الاعتقاد١. وكذلك قول الإمامين أبي حاتم "ت ٢٧٧ هـ"، وأبي زرعة "ت ٢٦٤ هـ" الرازيين: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا، وعراقًا وشامًا، ويمنًا؛ فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٢. وقول الإمام الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت بها لسنة من صفاته"٣. وهكذا كان أهل العلم من الأئمة يحرصون على أن يبينوا ما ذكروه وما قالوه في مسائل الاعتقاد هو قول من سبقهم من أئمة السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ليعلم أن ما خالف ذلك فليس هو من قولهم ولا من هديهم، وأنه من أقوال أهل البدع والخلاف.

стр. 110

وأهل البدع وإن كانوا يدعون اتباع الكتاب والسنة ويستدلون بالكثير من نصوصهما على ما يذهبون إليه على نحو ما ذكرنا، ويزعمون أنهم أهل الحق وربما تسمى بعضهم بأهل السنة؛ إلا أنهم لم يدعوا يومًا أنهم على مذهب السلف أو من أتباعهم أو قائلون بقولهم. بل يصرحون بمخالفتهم ومباينتهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل والطوائف المشهورة بالبدعة، كالخوارج والروافض، لا يدعون أنهم على مذهب السلف؛ بل هؤلاء يكفرون جمهور السلف، فالرافضة تطعن في أبي بكر وعمر وعامة السابقين والأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإسحان، وسائر أئمة الإسلام، بل ويكفرونهم فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف، ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذبًا وافتراء؟ " وكذلك الخوارج قد كفروا عثمان وعليًا، وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟ والمعتزلة أيضًا تفسق من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعن في كثير منهم وفيما رووه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم. وليس انتحال مذهب السلف من شعائرهم. -إلى أن قال: فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السنة والجماعة بالبدعة، ليسوا منتحلين للسلف فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال إتباع السلف. وأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية، مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف؛ بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل ما كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم وله اتبع؛ وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها. أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع، فهذا باطل قطعًا، فإن

стр. 111

ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم. يوضح ذلك: أن كثيرًا من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف، في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث، يقولون: مذهب السلف، أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وأما المتكلمون من أصحابنا فمذهبهم كيت وكيت١، وكذلك يقولون: مذهب السلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبًا أو جوازًا ويذكرون اغلخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين، هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم"٢. فلما كان هذا حال هذا الفرق والطوائف؛ تصريح بأن مذهبهم خلاف مذهب السلف، مع ادعاء اتباع الكتاب والسنة والاستدلال بهما والتسمي بأهل الحق، وأهل السنة والجماعة من قبل بعضهم أظهر أهل السنة مذهب السلف وأبرزوه وذكروا أقوال أئمة السلف من الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإتباع الذين هم أئمة السنة وأهلها بلا منازع ليبينوا من خالف قولهم؛ فليس هو على السنة المحضة وإن أصاب بعضها في بعض أقواله وليتميز المحق في ادعائه من المبطل، فإن اتباع الكتاب والسنة كل يديعيه، والميزان هو اتباع وارتضاء طريقتهم، وانتهاج منهجهم؛ فإنهم كانوا على هدي مستقيم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه٣، وبذلك يظهر المحق من المبطل ويميز بين أهل السنة وأهل البدعة الذين شعارهم مجانبة السلف ومخالفتهم.

стр. 112

جواز الانتساب إلى السلف والتلقب بـ "السلفية" والرد على من أنكر ذلك: كان للجهود التي بذلها الأئمة من أهل السنة -وعلى رأسهم إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة "٣١١ هـ"، والإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري "٣٦٠ هـ"، والإمام أبو عبد الله بن بطة العكبري "٣٧٨ هـ"، والإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي "٤١٨ هـ"، والإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني "٥٣٥ هـ"، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية "٧٢٨ هـ"، وتلميذه الإمام ابن القيم "٧٥١ هـ"، ثم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب "١٢٠٦ هـ" رحمة الله عليهم جميعًا في الدعوة إلى السنة والعودة إلى طريقة السلف ومنهجهم، والاقتداء بهم- الأثر الكبير في ظهور اتجاه سلفي على مر التاريخ يستقي أسس دينه وعقيدته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وسيرة سلفه الصالح من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ويقاوم كل تياربدعي يخرج عن هذه الأسس، ويرتكز على علم الكلام والفلسفة في تقرير العقائد. عرف أتباع هذا المنهج بأنهم أبتاع السلف؛ لشدة تمسكهم بآثارهم، وحرصهم على سلوك طريقهم، ومعرفة رأيهم: وقولهم وموقفهم في كل مسألة من مسائل الدين؛ فهل يسوغ أن يطلق على هؤلاء لقب "السلفيين" أو "السلفية" وهل يلقب الفرد منهم بـ "السلفي"؟ الواقع أننا إذا عرفنا: "أن الدعوة إلى اتباع السلف، أو إلى السلفية كما يعبر البعض إنما هي دعوة إلى الإسلام الحق، وإلى السنة المحضة، دعوة إلى العودة إلى الإسلام كما أنزل على رسول الله ﷺ وتلقاه عنه أصحابه الكرام رضوان الله عليهم"؛ فلا شك أن هذه الدعوة دعوة حق، والانتساب إليها حق، فلا ضير في الانتساب إلى السلف والاعتزاء إليهم حينئذ.

стр. 113

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه؛ بل يجب قبول ذلك منه، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا"١، قال ذلك فيمن قال إنه على مذهب السلف. وقد جاء في "الأنساب" للسمعاني "ت ٥٦٢ هـ" السلفي: بفتح السين واللام وفي آخرها الفاء هذه النسبة إلى السلف، وانتحال مذاهبم على ما سمعت منهم"٢. وقال ابن الأثير: "ت ٦٣٠ هـ" عقب كلام السمعاني السابق: "وعرف به جماعة"٣، وهذا يعني: أن التلقب بالسلفية والانتساب إليها أمر عرف في عصر الإمام السمعاني أو قبله. وأطلق شيخ الإسلام ابن تيمية لقب "السلفية" في بعض مصنفاته٤، على أولئك الذين قالوا: يقول السلف في الفوقية: وفي عصرنا الحاضر أطلق هذه النسبة وهذا اللقب علماء أفاضل، عرفوا بالتمسك بالسنة والذب عنها، كالشيخ عبد الرحمن المعلمي "ت ١٣٨٦ هـ" في كتابه "القائد إلى تصحيح العقائد"٥. والشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "مختصر العلو"٦، ومقدمته لشرح العقيدة الطحاوية٧ وكتابه: "التوسل"٨، والشيخ العالم القدورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز في رسالته "تنبيهات هامة على ما كتبه محمد علي

стр. 114

الصابوني في صفات الله "١، ومن هؤلاء شيخي وأستاذي الفاضل الدكتور علي بن ناصر فقيهي في كتابه: "الفتح المبين بالرد على نقد عبد الله الغماري لكتاب الأربعين"٢، وغير هؤلاء كثير من أهل العلم المعاصرين. فهؤلاء الأفاضل من أهل العلم لم يروا باسًا في إطلاق لقب "سلفي" أو "السلفيين" مشيرين به إلى أولئك السائرين على منهاج السلف وطريقتهم. وقد عد بعض من كتب في المذاهب الإسلامية وتاريخها من المحدثين "السلفيين" طائفة متميزة عرفت بهذا الاسم؛ وذلك كصنيع الدكتور محمد أبي زهرة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية"٣، والدكتور مصطفى الشكعة في كتابه "إسلام بلا مذاهب"٤، وقد أشارا إلى التطور التاريخي لمسيرة هذه الطائفة واتفقا على أنها امتداد لمدرسة الإمام أحمد بن حنبل، تجددت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية في القرن السابع الهجري، والشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري، وزعما أن السلفيين هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب. وسواء صح أن دعاة العودة إلى مذاهب السلف هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا القب، أم أطلقه عليهم غيرهم ثم عرفوا به؛ فإني لم أقف على من أنكر عليهم ذلك أو اعترض على إطلاق هذا اللقب عليهم من أهل العلم قديمًا، أو حديثًا ممن عرف بالسنة والدعوة إليها، وأقل ما يقال في جواز التلقب بذلك والانتساب إليه. وأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ما دام المعنى صحيحًا وحقًا في أصله كما تقدم كلام شيخ الإسلام في ذلك، وأنه لا عيب

стр. 115

على من أظهر مذهب السلف وانتسب واعتزى إليه؛ لأن مذهب السلف لأي كون إلا حقًا. وما كان الموضوع يستدعي الوقوف عنده والإطالة في تقريره لولا ما وقفت عليه من كلام للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه الجديد "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي"، عد فيه "من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة "السلف" فنصوغ منها مصطلحًا جديدًا طارئًا على تاريخ الشريعة الإسلامية ألا وهو "السلفية" فنجعله عنوانًا مميزًا تندرج تحته فئة معينة من المسلمين"١؛ بل عد ذلك من البدع الطارئة على المسلمين فقال: "بل لا نعدوا الحقيقة إن قلنا: وإن اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأمة والخلف الملتزمة بنهجه"٢. وهو يرى في هذا الكتاب: "أن الاقتداء بالسلف لا يكون باتباع آرائهم، وأقوالهم، ومواقفهم التي اتخذوها، وسلوك طريقتهم؛ فيقول: "فإن إتباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها، أو المواقف الجزئية التي اتخذوها؛ لأنهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك؛ وإنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها، وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام"٣. وإذا نحن أردنا أن نعرف ما هي هذه القواعد؟ ومتى وضعت؛ فإن فضيلته يجيب بوضوح: أن هذه القواعد هي قواعد أصول الفقه، وأنها تعتمد فيما تعتمد على طبيعة اللغة العربية وأساليبها وفهمها، وأن استنباط هذه القواعد تأخر إلى

стр. 116

عصر الإمام محمد بن إدريس الشافعي "١٥٠- ٢٠٤ هـ"١ أول من وضع قواعد أصول الفقه. وإذا كان عصر الإمام الشافعي لا يمثل إلا الحلقة الثالثة من القرون الثلاثة التي هي خير القرون والتي تمثل بمجموعها السلف المقتدي بهم، كما سبق بيان ذلك؛ فأين القواعد التي اعتمد عليها الصحابة والتابعون بقبل أن يضع الإمام الشافعي هذه القواعد، حتى يمكن أن نقول: لا نقتدي بالصحابة إلا على ضوئها ووفق قوانينها. وليت فضيلته وقف عند الأصول والقواعد التي وضعها الإمام الشافعي؛ فالإمام الشافعي إمام من أئمة السلف يدعو إلى السنة على طريقة من سبقه من الأئمة؛ وإنما نراه يضع لنا منهجًا عامًا يرى أنه لا بد لمن يريد ممارسة الإسلام الصحيح أن يتبعه فيقول: "إن الإنسان لكي يمارس الإسلام يقينًا وسلوكًا لا بد أن يجتاز المراحل الثلاث التالية: أ- التأكد من صحة النصوص الواردة والمنقولة عن فهم سيدنا محمد ﷺ ، قرآنا كانت هذه النصوص أم حديثًا؛ بحيث ينتهي إلى يقين بأنها موصولة النسب إليه وليست منقولة عليه. ب- الوقوف بدقة على ما تتضمنه وتعينه تلك النصوص؛ بحيث يطمئن إلى ما يعنيه ويقصده صاحب تلك النصوص منها. ج- عرض حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها على موازين المنطق والعقل قال: "ونعني بالمنطق هنا قواعد الدراية والمعرفة عمومًا لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها"٢. ثم أخذ يفصل ويشرح أجزاء كل من هذه الثلاث المراحل التي تكون في مجموعها وبتفاصيلها المنهج العلمي الذي ينبغي اتباعه في فهم النصوص في

стр. 117

نظره. وبإلقاء نظرة فاحصة على أجزاء هذا المنهج يتضح لنا بدون أدنى مواربة أن الحكم النهائي في تفسير النص، وقبوله أو رده؛ إنما هو للعقل والمنطق، وهذا منهج أهل الكلام والبدع يعرضون النصوص على العقول فما أجارته وقبلته، أجيز وما لا فلا بد من التصرف فيه بالرد أو التأويل أو بإبطال مفعوله وإيقافه عن العمل في بعض الأبواب دون بعض، وما كان هذا المنهج في يوم من الأيام هو منهج السلف. ولنسر مع الدكتور البوطي وهو يوضح موقف العقل من نصوص الشرع، بعد أن قسم الحديث إلى متواتر، وآحاد، وضعيف؛ فيقول في المتواتر: "وإنما موقف العقل منه هو القبول والإذعان، أيًا كان هذا العقل، وأيًا كان صاحبه ومهما كانت نحلته؛ فإن العقل الإنساني لا يرتاب في صحة خبر امتد إليه ابتداء من مصدره، عن طريق جموع غفيرة متصلة". ثم يقول في موقف العقل من خبر الآحاد: "هذا القسم الثاني من الأخبار يسمى صحيحًا، وموقف العقل منه هو الاطمئنان غليه والوثوق به على سبيل الترجيح لا الجزم؛ فإن العقل يظل يجيز احتمال أن يكون قد تسلل إلى الخبر شائبة وهم، من جهة نسيان، أو خطأ أو ذهول وقع من بعض رواته، ومهما كان هذا الاحتمال بعيدًا؛ نظرًا لتوافر شروط الصحة فيه؛ فإنه يظل احتمالا وأردًا. ولأجل هذا الاحتمال البعيد، يضرب فضيلة الدكتور البوطي ومن قبله أصحاب هذا المنهج من أسلافه عن توفر شروط الصحة في حديث الآحاد صفحًا، ويقرر أن: "هذا القسم لا تتكون منه حجة ملزمة في نطاق الاعتقاد؛ بحيث يقع الإنسان في طائلة الكفر إن هو لم يجزم بمضمون خبر صحيح لم يرق إلى درجة التواتر، وبقي في حدود الآحاد، بل يسعه أن لا يجزم به دون أن

стр. 118

يخدش ذلك في إيمانه وإسلامه وإن كان ذلك قد يخدش في عدالته ويتسوجب فسقه". ويعلل فضيلته هذا الاتجاه: "بأن الاعتقاد انفعال قسري وليس فعلًا اختياريًا؛ فإن وجد العقل أمامه ما يحمله على الانفعال واليقين يأمر ما، اصطبغ بذلك اليقين لا محالة دون أن يكون في ذلك أي اختيار، وإن لم يجد أمامه ما يحمله على ذلك الانفعال واليقين لم يجد بدًا من الوقوف عند درجة الربية والظن"١. وأي فضل لامرء في إيمان أو اعتقاد لا خيار له فيه؛ وإنما وجد نفسه منفعلة به مقسورة عليه، على ماذا يثاب حينئذ؟ وهل كان إيمان الصحابة إلا تسليمًا وتصديقًا بما جاء به الرسول ﷺ -وكذلك إيمان سائر السلف من بعدهم لم يكن قهرًا ولا قسرًا ولا وجدوا أنفسهم مضطرين إليه مقسورين عليه؛ إنما جاءهم كتاب ربهم وبلغتهم سنة نبيهم فآمنوا وسلموا تسليمًا، وقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار﴾ ٢؛ فقبل منهم هذا الإيمان ووعدهم بالإثابة والأجر عليه فقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ٣. ولم يقبل الله إيمان فرعون عندما آمن اضطرارًا، ولم يصدق موسى ﵇ إلا بعد أن وجد نفسه مقسورة على اليقين والإيمان منفعلة به؛ فلا ثواب، بل ولا قبول حينئذ. يقول : ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِين

стр. 119

آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾ أي: لا ينفعك هذا الإيمان؛ لأنه لم يكن إيمان تسليم؛ وإنما إيمان قسر واضطرار؛ ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ١. وبعد: فهذا المنهج الذي يرى فضيلة الدكتور البوطي أنه مقياس اتباع الكتاب والسنة، وهو العنوان على مدى الاعتصام بحبل الله عز وجل٢. وهو كما ترى منهج يقضي بتحكيم العقل في نصوص الشرع وتسليطه عليها وهو منهج أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة٣. فانظر أيهما أهدى إتباع السلف الصالح وسلوك طريقهم ومنهجهم، واعتبار أقوالهم وفهمهم وتفسيرهم لنصوص الوحي، أم هذا المنهج الخلقي؟

стр. 120

٣- أهل الحديث: من الأسماء التي ترد كثيرًا معبرًا بها عن "أهل السنة"، "أهل الحديث"، وهذا واضح في كلام كثير من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من أهل العلم قبله وبعده، يذكرون "أهل الحديث" و"أهل السنة" مبينين اعتقادهم، ولا يفرقون بين المصطلحين؛ فهذا الإمام الصابوني "٣٧٢- ٤٤٩"، يقول في عقيدته: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية وللرسول الله ﷺ بالرسالة والنبوة. إلى أن يقول: وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف.

стр. 121

والتكييف والتشبيه ومن عليهم بالتعريف والتفهيم"١. فعبر بكل من المصطلحين عن الآخر مما يدل على أنهما يترادفان ولا سيما إذا ذكرا في كتب الاعتقاد؛ لأن اعتقادهما واحد وهو ما جاء في الحديث والسنة وهما بمعنى واحد. وشيخ الإسلام يقول مثلًا: "مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة"٢. وهذا كما ذكرت، كثير في كتبهم ﵏؛ وإنما ذكرت ذلك من باب التمثيل، فهل يعني ذلك أن المصطلحين مترادفان أو أن لكل منهما معنى؟ لكي نتبين ذلك لا بد أن نقف على معنى "السنة" و"الحديث" هل هما بمعنى واحد أو أن لكطل منهما معنى؟ تقدم لنا تعريف السنة، وأن معناها يختلف عند المدثين عنه عند الفقهاء، عنه عند الأصوليين، وأن معنى السنة في عرف كثير من السلف مقابل للبدعة، فيقصدون بالسنة موافقة الكتاب وسنة الرسول ﷺ وأصحابه الكرام؛ فيقال: فلان على السنة؛ إذ كان عمله موافقًا للكتاب والسنة، وعمل السلف، وفلان على البدعة؛ إذ كان عمله مخالفًا للكتاب والسنة٣. والسنة عند المحدثين مرادفة للحديث، فهما كل ما أثر عن النبي ﷺ قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية٤. وبهذا يتبين لنا أن السنة والحديث وإن كانا بمعنى واحد عند المحدثين

стр. 122

لكنهما عند غيرهم ليسا كذلك، ولا سيما عند السلف الذين يطلقون السنة في مقابل البدعة فتشمل الكتاب والسنة والشريعة، وليس ذلك لـ "الحديث"؛ فالحديث إذن مصطلح علمي فني أضيق من "السنة". وعلى هذا: فهنالك فرق بين مصلطح "أهل السنة" و"أهل الحديث"، وإن عبر بأحدهما عن الآخر في أبواب الاعتقاد لما بينهما من التقارب في الغالب؛ وإلا فقد يكون المرء من أهل السنة، وليس من أهل الحديث من الناحية الصناعية؛ أي: ليس بمحدث. وقد يكون المرء من أهل الحديث صناعة وليس هو من أهل السنة فقد يكون مبتدعًا؛ ولذلك قال عبد الرحمن بن مهدي: "الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث؛ فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري"١. وقال الإمام ابن الصلاح: وقد سئل عن الفرق بين السنة والحديث في قول بعضهم عن الإمام مالك أنه جمع بين السنة والحديث؛ قال: "السنة هنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك ﵁ جمع بين السنتين؛ فكان عالمًا بالسنة؛ أي: لحديث - ومعتقدًا للسنة- أي كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة"٢. لكن في الغالب أن أهل الحديث على السنة؛ لأنهم حملتها، وأقرب الناس إليها، وهم ورثة رسول الله ﷺ ونقله سنته، والمبتدع فيهم قليل بل الغالب عليهم الإتباع. فإذا قيل: "أهل الحديث" في كتاب العقائد، فالمراد أهله رواية ودراية

стр. 123

واتباعًا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان المقصود بلفظ "أهل الحديث": "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته وروايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه باطنًا وظاهرًا وكذلك أهل القرآن"١. وعلى هذا المعنى يصح أن يعبر بمصطلح "أهل الحديث" عن "أهل السنة" وهو المراد عند الإطلاق ولا سيما في كتاب الاعتقاد عن السلف. والله تعالى أعلم.

стр. 124

٤- "الأثرية" أو "أهل الأثر ": وهذا الاسم يطلقه كثير من أهل العلم ويريدون به أهل السنة والحديث. كما جاء في كلام أبي حاتم الرازي "١٩٥- ٢٧٧ هـ": "مذهبنا واختيارنا إتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين. والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل: أبي عبد الله أحمد بن حنبل". وقال في موضع آخر: "وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية" فاستعمل "أهل الأثر" بمعنى "أهل السنة"١. وكذلك ورد إطلاق ذلك في كلام أبي نصر السجزي٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية٤، والإمام السفاريني٥ وغيرهم من أهل العلم، وربما جعل بعضهم

стр. 125

هذا اللفظ علمًا على مصنفاتهم في العقيدة١. وسموا بذلك؛ نسبة إلى "الأثر" وهو في اصطلاح أهل الحديث مرادف للحديث، وعنه بعض الفقهاء هو بمعنى الموقوف على الصحابي٢. يقال: أثرت الحديث بمعنى رويته، ويسمى المحدث أثريًا؛ نسبة للأثر٣. ومعنى أهل الأثر كما يقول الإمام السفاريني: "أي: الذين إنما يأخذون عقيدتهم من المأثور عن الله جل شأنه في كتابه، أو في سنة النبي ﷺ ، أو ما ثبت وصح عن السلف الصالح من الصحابة الكرام والتابعين لهم الفخام"٤. وهذا بمعنى "أهل السنة" في إطلاق السلف.

стр. 126

٥- الفرق الناجية ... ٥- الفرقة الناجية: وذلك أخذًُا من قوله ﷺ في حديث الافتراق: "وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" ١. فأخبر ﷺ أن الفرق كلها هالكة إلا واحدة فهي ناجية وهي الجماعة، وفي رواية أخرى: "ما أنا عليه وأصحابي" ٢.

стр. 127

وهذا الوصف لا ينطبق إلا على أهل الحديث والسنة؛ فإنهم هم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. فهم الفرقة الناجية ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل، وقد ذكر حديث النبي ﷺ : "تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة": إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم١. وقال الإمام عبد القادر الجيلاني وقد ذكر أصول الفرق ... : "وأما الفرقة الناجية: فهي أهل السنة والجماعة"٢. ونجد كثيرًا من أهل العلم قديمًا وحديثًا "يجعل الفرقة الناجية" علمًا على "أهل السنة" واسمًا من أسمائها، ومن ذلك: صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة العقيدة الواسطة؛ حيث قال: "أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة"٣. ومن ذلك أيضًا صنيع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز؛ حيث قال: "قول الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات هو"٤. وقد تقدم إدعاء كثير من الفرق أنهم الفرقة الناجية والرد على ذلك٥.

стр. 128

٦ الطائفة المنصورة: وهذا اللقب مستفاد من قول المصطفى ﷺ من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" ١. وفي حديث معاوية بن قرة عن أبيه: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" ٢. وقد بين السلف المراد بهذه الطائفة٣. وقال يزيد بن هارون "١١٨- ٢٠٦ هـ": "إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم"٤. وقال علي بن المديني "١٦١- ٢٣٤ هـ": "هم أصحاب الحديث"٥. وقال الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١": "إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم"٦. قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح٧. وقال الإمام البخاري "١٩٤- ٢٥٦ هـ": "وهم أهل العلم"٨.

стр. 129

وروى الخطيب البغدادي عنه بسنده أنه قال: "يعني: أصحاب الحديث"١ ولا منافاة بين القولين؛ فإن أهل الحديث من أهل العلم. وقال أحمد بن سنان " ... - ٢٥٩": "هم أهل العلم وأصحاب الآثار"٢. والمراد بأهل الحديث: أهله رواية ودراية، علمًا وعملًا وإتباعًا؛ إذ هم الذين يستحقون النصر والظهور لنصرتهم سنة رسول الله ﷺ وعملهم بها وذبهم عنها؛ فهم أولى الناس بأن يكونوا الطائفة المنصورة كما قال أبو عبد الله الحاكم بعد أن ذكر قول الإمام أحمد في الطائفة المنصورة السابق، قال: "فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخدلان عنهم إلى قيام الساعة، هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف الماضيين، ودفعوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين"٣. وأهل الحديث بهذا المعنى هم أهل السنة؛ ولهذا قال القاضي عياض "٤٧٦- ٥٤٤ هـ" عقب قول الإمام أحمد السابق: "إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"٤. فأهل الحديث، في تفسير السلف للطائفة المنصورة، هم أهل السنة والجماعة، فهم الطائفة المنصورة؛ ولهذا نرى كثيرًا من أهل العلم يطلق اسم الطائفة المنصورة على أهل السنة والجماعة؛ فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في مقدمة العقيدة الواسطية: "أما بعد:

стр. 130

فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة"١، ويقول في آخر هذه العقيدة أيضًا: وهم -أي: أهل السنة- الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" ٢. وما ورد في بعض الروايات من أن هذه الطائفة هم أهل الشام، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" ٣. قال الإمام أحمد بن حنبل: "هم أهل الشام"٤، وقال معاذ بن جبل ﵁: "وهم بالشام"٥؛ فلا ينافي تفسير الأئمة بأنهم أهل الحديث؛ فالطائفة المنصورة هم أهل الحديث والسنة سواء كانوا في الشام أم في غيرها، ولا يمنع أن يكون أهل الشام في بعض الأوقات هم الطائفة المنصورة، أو أحق الناس دخولًا فيها لقيامهم بالسنة ودفاعهم عن حمى الإسلام والمسلمين، كما حدث زمن اجتياح التتار بلاد المسلمين في أواخر القرن السابع الهجري؛ فإن أهل الشام في ذلك الوقت كانوا هم الطائفة المنصورة لتمسكهم بالسنة وثباتهم عليها وذودهم عن بلاد المسلمين، ولنستمع لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو شاهد حال عاصر الفتنة، وكان من المجاهدين فيها بلسانه وسنانه رحمة الله عليه؛ إذ يقول: "أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما، فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكر النبي ﷺ بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: "لا تزال طائفة من أمتي

стр. 131

ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم؛ حتى تقوم الساعة، ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم الطوائف بدين الإسلام، علمًا وعملًا، وجهادًا، عن شرق الأرض وغربها؛ فإنهم هم الذين يقاتلون، أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب، ومغازيهم مع النصارى، ومع المشركين من الترك، ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين في الرافضة وغيرهم، كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة، معلومة قديمًا وحديثًا"١. ثم ذكر ﵀ أحوال أهل الأقطار الإسلامية، وما حل بهم من ضعف وعجز عن الجهاد، وبعد عن الكتاب والسنة، وتلبس بالبدع والضلال والفجور؛ فيقول: "وذلك أن سكان اليمن في الوقت ضعاف، عاجزون عن الجهاد، أو مضيعون له وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد، حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء. وأما سكان الحجاز؛ فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون, وأما بلاد إفريقية فأعرابها غالبون عليها، وهم من شرق الخلق؛ بل هم مستحقون للجهاد والغزو، وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم لا يقومون بجهاد النصارى هناك؛ فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت، هم كتيبة الإسلام, وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام؛ فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز، ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه"٢. فهذه الصورة التي نقلها شيخ الإسلام لواقع المسلمين في عصره، تبين في جلاء أن أكثر أهل الديار الإسلامية قد ابتعدوا عن الكتاب والسنة، ودب فيهم الضلال والفجور والبدع، مما جعلهم غير مؤهلين للدفاع عن بلاد الإسلام، وجهاد الأعداء، وإن أهل الشام كانوا في ذلك الوقت هم أهل السنة العاملين بها والذابين عنها قولًا وعملًا وجهادًا لأعدائها؛ فكانوا هم الطائفة المنصورة في عصرهم.

стр. 132

ثانيًا: ألقاب أهل السنة عند خصومهم من أهل الأهواء والبدع تقدم لنا في أول هذا المبحث أن خصوم أهل السنة نادرًا ما يذكرونهم باسم أهل السنة، أو أهل الحديث، أو غير ذلك من الأسماء المرضية عند أهل السنة. وأنهم درجوا على الإشارة إليهم في كتبهم وأقوالهم بألقاب وأسماء ابتدعوها من عند أنفسهم، بقصد الحط والتشنيع عليهم وعلى مذهبهم، كما قال إما أهل السنة الإمام أحمد في كتاب "السنة" له: "وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك الطعن عليهم، والإزراء بهم عند السفها والجهال"١. فكل فرقة أو طائفة تذكر أهل السنة بلقب أو أكثر، وربما اتفق طائفتان أو أكثر على نبز أهل السنة ببعض الألفاب كما سيأتي، حتى أصبح من أبرز علامات أهل البدع وأظهر ما يميزهم هم الوقيعة في أهل السنة والأثر٢، ونبزهم بالألقاب المنفرة المستكرهة. وهذه علامة أهل الباطل، إذا أعيتهم الحجة لجئوا إلى وصم أهل الحق ودعاته بأقبح الألقاب، وأحط الأسماء، كما فعل مشركوا مكة مع رسول الله ﷺ ؛ حيث اقتسبموا القول فيه، فسماه بعضهم: ساحرًا، وبعضهم كاهنًا، وبعضهم شاعرًا، وبعضهم مجنونًا، وبعضهم مفتونًا،

стр. 133

وبعضهم مفتريًا مختلفًا كذابًا، وكان النبي ﷺ من تلك المعائب بريئًا، ولم يكن إلا رسولًا مصطفى نبيًا قال الله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ١، وكذلك المبتدعة. اقتسموا القول في حملة أخباره، ونقلة آثاره ورواة أحاديثه المقتدين به، المهتدين بسنته، المعروفين بأصحاب الحديث، فسماهم بعضهم حشوية، وبعضهم: مشبهة، وبعضهم نابتة، وبعضهم: ناصبة، وبعضهم: جبرية، وأصحاب الحديث عصامة من هذه المعايب، بريئة زكية نقية وليسوا إلا أهل السنة المضية والسيرة المرضية٢. وجميع هذه الألقاب والأسماء لا تلحق أهل السنة عند التخفيف، كما لم يلحق رسول الله ﷺ ما نبزه به الكفار من الأسماء والألقاب؛ وإنما نوردها هنا لأمور: الأمر الأول: هو ما أشرنا إليه في مطلع المبحث وهو أن كتب الفرق والمقالات لا تذكر اهل السنة أو أهل الحديث؛ وإنما تذكر مذهب أهل السنة وأهل الحديث وتقول قال الحشوية، أو قال المشبهة، أو المجسمة، أو الناصبة ولا يريدون بهم إلا أهل السنة والحديث؛ فلا بد أن نذكر هذه الأسماء والألقاب ونبين المراد بها. الأمر الثاني: لبيان من نبز بها أهل السنة وذلك بالرجوع إلى مصادرهم ما أمكنني ذلك. والثالث: للرد عليها وبيان أنها لا تنطبق على أهل السنة، وأن غيرهم أحق بها. فأول هذه الألقاب:

стр. 134

١- مشبهة: وهذا اللقب من أشنع الألقاب التي نبزهم بها مخالفوهم في باب الأسماء والصفات -من الجهمية- والمعتزلة، والأشاعرة؛ وذلك أن أهل السنة والأثر يصفون الله بكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وعند هذه الطوائف والفرق أنه لا بد من تأويل النصوص الواردة في باب الصفات؛ لأن ظاهرها يوهم التشبيه عندهم؛ فلا بد من صرفها، لذا عدوا كل من أثبت لله ما أثبته النصوص من غير تأويل، مشبهًا. فأما الجهمية، فإن من أهم وأقدم ما وصل إلينا من النصوص التي تشير إلى نبزهم أهل السنة والأثر بلقب "مشبهة" ما رواه الإمام اللالكائي عن إسحاق بن راهويه "ت ٢٣٨ هـ" قال: "علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة"١. وما أورده الإمام أحمد بن حنبل في كتابه القيم: "الرد على الجهمية والزنادقة" عن الجهم "ت ١٢٨ هـ": "أنه زعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسول الله ﷺ كان كافرًا، وكان من المشبهة"٢. وكذلك قول أبي حاتم "ت ٢٧٧ هـ": "وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة"٣. وأما المعتزلة: فهم ورثة الجهمية الذين ورثوا عنهم القول بنفي الصفات، ونبز من أثبتها بالتشبيه؛ فهذا أبو موسى المردار "ت ٣٣٦ هـ"، والذي يعد من علماء المعتزلة ومقدميهم ينقل عنه الخياط "ت بعد ٣٠٠ هـ" أنه: "كان يزعم أن

стр. 135

من قال: إن الله يرى بالأبصار على أي وجه قال: فمشبه لله بخلقه والمشبه عنده كافر"١. ومعلوم أن من أصول مذهب أهل السنة إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الجنة. ويقول القاضي عبد الجبار "ت ٤١٥ هـ" بعد أن أول الاستواء وذكر استعمالات لفظة "استوى" في اللغة: "وإذا كانت اللفظة تستعمل على هذه الجهات؛ فكيف يصح للمشبهة التعليق بها؟ "٢، يقصد من يثبت الاستواء لله على عرشه. ويذكر الإمام الرازي "ت ٦٠٦ هـ": "أن جماعة من المعتزلة ينسبون التشبيه إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين "ت ٣٣٣ هـ" - قال: وهذا خطأ منهم فإنهم منزهون في اعتقادهم عن التشبيه والتعطيل"٣. ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك "ت ١٧٩ هـ" وأصحابه، والثوري "ت ١٦١ هـ" وأصحابه، والأوزاعي "ت ١٥٧ هـ" وأصحابه، والشافعي "ت ٢٠٤ هـ"، وأحمد "ت ٢٤١ هـ" وأصحابه، وإسحاق بن راهويه "ت ٢٣٨ هـ"، وأبي عبيد "٢٢٤" وغيرهم في قسم المشبهة"٤. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك: "فرمى الأنبياء صلوات الله وسلامه

стр. 136

عليهم بذلك؛ حتى قال ثمامة بن الأشرس "ت ٢١٣ هـ" من رؤساء الجهمية١: ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى؛ حيث قال: "إن هي إلا فتنتك"٢ وعيسى؛ حيث قال: "تعلم ما نفسي ولا أعلم ما في نفسك"٣ ومحمد ﷺ ؛ حيث قال: "ينزل ربنا"٤" ٥. وأما الأشاعرة: فإنهم لما كانوا لا يثبتون إلا بعض الصفات٦، ويؤولون البعض الآخر؛ فقد نبزوا من يثبت لله جميع ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ بالتشبيه. يقول الجويني "ت ٤٧٨ هـ": "واعلموا أن مذهب أهل الحق أن الرب يتقدس عن شغل حيز، ويتنزه عن الاختصاص بجهة. وذهب المشبهة إلى أنه -تعالى عن قولهم - مختص بجهة فوق"٧. ومعلوم أن أهل السنة والجماعة يثبوت لله ما أثبته لنفسه من الفوقية في قوله : ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٨، ومن أثبت ذلك عند

стр. 137

الجويني يعد مشبهًا. ومن خلال هذا العرض لهذه النماذج من أقوال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة التي وصموا فيها أهل السنة بلتشبيه، يتضح لنا أن القوم يعدون إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ تشبيهًا، وكل من أثبتها مشبهًا. والحق أن أهل السنة لم يزيدوا في هذا الباب على أن قالوا كما قال ربهم وخالقهم عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فأثبتوا لله ما أثبت لنفسه من الصفات مع قطعهم بنفي المشابهة والمماثلة بين صفاته وصفات المخلوقات؛ فهم يصفون الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. والمشبهة هم الذين يمثلون صفاته بصفات خلقه، كما قال الإمام إسحاق ابن راهويه: "إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد، وسمع كسمع"٢، أما إذا قيل: يد وسمع تليق بعظم الباري وجلاله من غير مشابهة أو مماثلة ليد وسمع المخلوق اللائق بعجزه وافتقاره فلا يعد ذلك تشبيهًا. وأهل السنة من أشد الناس مقتًا للمشبهة والتشبيه لما قام في قلوبهم من جلال الخالق وعظمته، مع إثباتهم صفات الجلال والكمال التي ثبتت لله ، ولذلك يقول نعيم بن حماد "ت ٢٢٨ هـ": "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر؛ فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه"٣؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته. وقال إسحاق بن راهويه: "من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من

стр. 138

خلق الله؛ فهو كافر بالله العظيم"١. وقد عقد الإمام اللالكائي بابًا في "سياق ما روي في تكفير المشبهة"٢ نقل فيه من أقوال السلف في ذلك ما ذكرنا بعضه فكيف يقال بعد ذلك أِنهم مشبهة؟ بل التشبيه بنفاة الصفات ومؤوليها أشبه. كما ذكر الإمام البخاري عن بعض أهل العلم: "أن الجهمية هم المشبهة؛ لأنهم شبهوا رهبم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يخلق، وقالت الجهمية: هو كذلك لا يتكلم ولا يبصر نفسه، وقالوا: إن اسم الله مخلوق"٣. وربما شبهوه بالمعدومات بقوله: ليس هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا هو ممازج له ولا منفصل عنه٤. وسيأتي إن شاء الله زيادة تفصيل عند التعرض لمسائل الصفات وموقف المؤولة والنفاة والمشبهة منها. ٢- مجبرة: وهذا اللقب نبزهم به المعتزلة والقدرية، وذلك لأن أهل السنة والأثر يقولون: كل شيء بقدر الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا القول عند القدرية جبر؛ لأنهم يرون أن أفعال العباد هم المحدثون لها وليست مخلوقة لله، وأن أفعال الشر من الكفر والمعاصي تقع من العبد وهو المحدث لها من غير إرادة من الله ولا تقدير لها.

стр. 139

وكل من قال: إنها تقع بإرادة الله وقضائه وقدره وعدوه جبريًا. نقل الخياط المعتزلي "ت بعد ٣٠٠هـ" عن أبي موسى المردار "ت ٢٢٦هـ" أن: "من وصف الله بأنه يقضي المعاصي على عباده ويقدرها فمسفه لله في فعله، والمسفه لله كافر به، والشارك في قول المشبه والمجبر فلا يدري أحق قوله أم باطل، كافر بالله أيضًا"١؛ فلم يكتف المردار أن يرمي مثبت القدر بالجبر حتى عده كافرًا بل وعدي التكفير إلى من شك في كفره. وعد القاضي عبد الجبار "ت ٤١٥هـ" وهو من كبار مصنفي المعتزلة ومقرري أصولهم، كل ما أثبت القدر مجبرًا فقال: "والذين يثبتون القدرهم المجبرة؛ فأما نحن فإنا ننفيه، وننزه الله تعالى أن تكون الأفعال بقضائه وقدره"٢. وعنده كل من قال إن الله خالق أفعال العباد؛ فهو مجبر، يقول في كتاب "متشابه القرآن": "وإن سأل المجبر فقال: إن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ، وفي الأرض الفساد والظلم وأفعال العباد، فيجب أ، يدل ظاهره على أن الخالق لها، ثم قال: والجواب عن ذلك"٣ والشاهد انه عد القول بخلق أفعال العباد من قول المجبرة. هكذا نرى المعتزلة لا يترددون في إطلاق لقب المجبرة على من يثبت وقوع الأفعال بقضاء الله وقدره، ولذلك عد أئمة السلف من علامات القدرية "تسميتهم أهل السنة مجبرة" كما روى ذلك اللالكائي٤ عن أبي حاتم، وقال الإمام أحمد: "وأما القدرية فيسمون أهل السنة مجبرة"٥.

стр. 140

٣- نقصانية: ٤- مخالفة: ٥- شكاك: لما كان المرئجة على اختلاف طوائفهم يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان إذا الإيمان عند بعضهم "المعرفة فقط"، وعند فريق هو "النطق باللسان"، وعند أمثلهم هو "اعتقاد بالقلب ونطق باللسان"، قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يجوز الاستثناء فيه؛ فليس للمرء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو؛ وإنما يقطع بإيمانه. وعدوًا من أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وقال بزيادته ونقصانه وجوز الاستثناء فيه، مخالفًا لهم. ومن ثم نبزوا أهل السنة والجماعة بالألقاب القبيحة، فقالوا: نقصانية: لقولهم إن الإيمان يزيد وينقص، وقالوا: مخالفة: لمخالفتهم لمذهبهم، وقالوا: شكاك: لقولهم بالاستثناء في الإيمان. روى الإمام اللالكائي عن أبي حاتم قوله: "وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية"١. وقال الإمام أحمد في كتاب "السنة" له: "وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء قبيحة شنيعة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك الطعن عليهم، والإزراء بهم عند السفهاء والجهال. فأما المرجئة: فيسمون أهل السنة شكاكًا"٢. ويبين أبو حاتم الرازي٣ وجه نبز أهل السنة بـ "الشكاك" فيقول: "ويقال لهم الشكاك، لقبوهم بذلك لقولهم: إن الإيمان يزيد وينقص وأنهم لم يثبتوا الشهادة على من شهد الشهادتين أنه مؤمن حقًا، وشكوا في أمره، ويقولون:

стр. 141

نرجو أن يكون مؤمنًا؛ وإنما الواجب عليهم أن يقولوا إن إيمانه مثل إيمان محمد ﷺ ، وِإيمان جبريل، وأن يشهدوا عليه أنه مؤمن حقًا ولا يشكوا فيه"١. والحق أن أهل السنة لم يقولوا بالاستثناء في الإيمان، شكا منهم في إيمانهم؛ وإنما استثنوا مخافة تزكية النفس والهشادة لها، واحتياطًا؛ لأن الإيمان عند أهل السنة تدخل فيه الأعمال، والقطع بالإيمان يتضمن القطع بفعل جميع الطاعات وترك جميع المنهيات، وفي القطع بذلك تزكية للنفس والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢. وقد صرح أئمة أهل السنة بأن استثناءهم ليس على معنى الشك، وإنما هو لمعاني أخرى عن الاستثناء في الإيمان فقال: "نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري وغيره، قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٣، وقال النبي ﷺ : "إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله" ٤، وقال في البقيع: "عليه نبعث إن شاء الله ٥ " ٦ وليس الاستثناء في شيء من ذلك على معنى الشك؛ فكذلك استثناؤهم في الإيمان٧.

стр. 142

وبهذا يتبين أن نبز المرجئة أهل السنة بلقب "الشكاك" لا وجه له يصح؛ وإنما هو من باب التشنيع بغير حق. ٦- ناصبة: وهو من الألقاب الشنيعة التي رماهم بها الرافضة، وهو لقب يطلقونه على كل من قدم أبا بكر وعمر وعثمان على علي ﵃ في الخلافة والفضل، سئل بعض أئمة الشيعة عن "الناصب" هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه "الجبت" و"الطاغوت"١ واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب٢. وهو من المناصبة وهي المعاداة؛ يقال: "ناصبه الشر والحرب والعداوة مناصبة: أظهره له"٣. وعند الرافضة كل من لم يبغض أبا بكر وعمر ﵄؛ فقد أبغض عليًا؛ لأنه لا ولاء لعلي إلا بالبراءة منهما، ثم جعلوا كل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيًا٤. ويبرز صاحب كتاب "الزينة" وجهًا آخر لإطلاق لقب "ناصبي" فيقول: "وروت الشيعة في قراءتهم أن جعفر بن محمد رضي الله عنه٥ قرأ الآية في

стр. 143

﴿أَلَمْ نَشْرَح﴾ ، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ ١ بكسر الصاد. وقالوا: إذا فرغت من إكمال الشريعة فانصب لهم عليًا إمامًا؛ فقالت: الشيعة: لما أمر الله بذلك نصب النبي ﷺ عليًا وأشار إليه وأهله للإمامة، وقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خدله؛ فمن نازعه في الإمامة، ودعا إلى مخالفته، ونصب إمامًا بإزائه غيره؛ فقد ناصب رسول الله ﷺ وآله؛ لأنه نصب عليًا، وهذا نصب غيره، وخذل عليًا وعاداه وترك نصرته، وصار مع عدوه حربًا عليه، فهو مناصب؛ لأنه ناصب النبي ﷺ ، ففعل مثل فعله"٢. وقال الإمام الجيلاني في ذلك: "وتسميها الرافضة ناصبية، لقولها باختيار الإمام ونصبه بالعقد"٣. والرافضة لا ترى ذلك وإنما تذهب إلى أن الأئمة قد نص عليهم. وسواء كان وجه التسمية هذا أو ذاك؛ فإنه لا يقع على أهل السنة؛ لأنهم يعتقدون موالاة وحب أهل البيت، وجميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي اللهم عنهم، ولا يناصبون أحدًا منهم العداء كما قال الإمام الطحاوي في عقيدته: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإسحان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"٤. فقوم هذا اعتقادهم، في أصحاب رسول الله ﷺ بما فيهم أهل بيته، أيصح بعد ذلك أن يرموا بالنصب ومعاداة آل البيت؛ بل الأشبه أن يقع هذا

стр. 144

اللقب على خصومهم الذين نبزوهم به؛ لأن الرافضة هم الذين ناصبوا أصحاب رسول الله ﷺ العداء، بل وقالوا بكفرهم وارتدادهم بعد وفاة النبي ﷺ عدى قلة منهم تعد على الأصابع كما سيأتي توضيح ذلك في موضعه بإذن الله. ٧- العامة، والجمهور: العامة: خلاف الخاصة١، وهذا اللقب مما انفرد الرافضة بإطلاقه على أهل السنة، فيجعلون أنفسهم الخاصة، المؤمنين، ويعدون أهل السنة "عامة" لا خلاق لهم بل هم عندهم كفار ونجس، لا تحل ذبائحهم، وتستباح دماؤهم وأموالهم٢. وهذه بعض نصوص القوم في كتبهم توضح في جلاء إطلاقهم لقب "العامة" على أهل السنة. نقل الخونساري في كتاب "روضات الجنات" عن صاحب "معالم العلماء" أنه قال في ترجمة أبي نعيم: "الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني عامي إلا أن له منقبة الطاهرين ومرتبة الطيبين"، كما نقل عن محمد حسين الخاتون آبادي قوله: وممن أطلعت على تشيعه من مشاهير علماء العامة هو الحافظ أبو نعيم"٣ يريد بقوله "عامي" و "من العامة" أنه من أهل السنة٤.

стр. 145

وهذا علي أكبر الغفاري صاحب التعليقات على كتاب "الكافي" للكليني يصف من قدح في كتاب الكافي ومؤلفه بأنه من العامة؛ فيقول: "أقول: هذه مقالات أساطين العلم، وأعلام الدين وعمد المذهب في شأن الكليني ومقامه الأسني فلا يفتنك قول أناس من أصاغر المتأخرين الذين أسلسوا للعصبية المذهبية قيادهم من "العامة" في قدح الكليني والتحامل على كتابه "الكافي"١ ولا يريد بالعامة سوى أهل السنة. وليس هذا شأن متقدمي الرافضة فحسب؛ بل سار على نهجهم متأخرجوهم ممن لهم فيهم مكانة عالية وتقدم في العلم والإمامة، ومن هؤلاء الآية العظمى عندهم، وأستاذ الحوزة والمرجع الديني الأعلى إمامهم خميني؛ إذ يقول في تقسيمات التقية: "ومنها التقسيم بحسب المتقي منه، فتارة تكون التقية من الكفار وغير المعتقدين بالإسلام سواء كانوا من قبيل السلاطين والرعية، وأخرى تكون من سلاطين العامة وأمرائهم، وثالثة من فقهائهم وقضاتهم ورابعة من عوامهم، وخامسة من سلاطين الشيعة أو عوامهم، إلى غير ذلك. ثم إن التقية من الكفار وغيرهم قد تكون في إيتان عمل موافقًا للعامة كما لو فرض أن السلطان ألزم المسلمين على العمل بفتوى أبي حنيفة"٢. فأطلق لقب العامة وأراد به أهل السنة الذين يعد أبو حنيفة إمامًا من أئمتهم المشهورين. وقد أطلق الخميني لقب العامة على أهل السنة في نصوص أخرى، لا نطيل بنقلها هنا٣.
следующие страницы →