نرجو أن يكون مؤمنًا؛ وإنما الواجب عليهم أن يقولوا إن إيمانه مثل إيمان محمد ﷺ ، وِإيمان جبريل، وأن يشهدوا عليه أنه مؤمن حقًا ولا يشكوا فيه"١.
والحق أن أهل السنة لم يقولوا بالاستثناء في الإيمان، شكا منهم في إيمانهم؛ وإنما استثنوا مخافة تزكية النفس والهشادة لها، واحتياطًا؛ لأن الإيمان عند أهل السنة تدخل فيه الأعمال، والقطع بالإيمان يتضمن القطع بفعل جميع الطاعات وترك جميع المنهيات، وفي القطع بذلك تزكية للنفس والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢.
وقد صرح أئمة أهل السنة بأن استثناءهم ليس على معنى الشك، وإنما هو لمعاني أخرى عن الاستثناء في الإيمان فقال: "نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري وغيره، قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٣، وقال النبي ﷺ : "إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله" ٤، وقال في البقيع: "عليه نبعث إن شاء الله ٥ " ٦ وليس الاستثناء في شيء من ذلك على معنى الشك؛ فكذلك استثناؤهم في الإيمان٧.
стр. 142
وبهذا يتبين أن نبز المرجئة أهل السنة بلقب "الشكاك" لا وجه له يصح؛ وإنما هو من باب التشنيع بغير حق.
٦- ناصبة:
وهو من الألقاب الشنيعة التي رماهم بها الرافضة، وهو لقب يطلقونه على كل من قدم أبا بكر وعمر وعثمان على علي ﵃ في الخلافة والفضل، سئل بعض أئمة الشيعة عن "الناصب" هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه "الجبت" و"الطاغوت"١ واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب٢.
وهو من المناصبة وهي المعاداة؛ يقال: "ناصبه الشر والحرب والعداوة مناصبة: أظهره له"٣.
وعند الرافضة كل من لم يبغض أبا بكر وعمر ﵄؛ فقد أبغض عليًا؛ لأنه لا ولاء لعلي إلا بالبراءة منهما، ثم جعلوا كل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيًا٤.
ويبرز صاحب كتاب "الزينة" وجهًا آخر لإطلاق لقب "ناصبي" فيقول: "وروت الشيعة في قراءتهم أن جعفر بن محمد رضي الله عنه٥ قرأ الآية في
стр. 143
﴿أَلَمْ نَشْرَح﴾ ، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ ١ بكسر الصاد.
وقالوا: إذا فرغت من إكمال الشريعة فانصب لهم عليًا إمامًا؛ فقالت: الشيعة: لما أمر الله بذلك نصب النبي ﷺ عليًا وأشار إليه وأهله للإمامة، وقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خدله؛ فمن نازعه في الإمامة، ودعا إلى مخالفته، ونصب إمامًا بإزائه غيره؛ فقد ناصب رسول الله ﷺ وآله؛ لأنه نصب عليًا، وهذا نصب غيره، وخذل عليًا وعاداه وترك نصرته، وصار مع عدوه حربًا عليه، فهو مناصب؛ لأنه ناصب النبي ﷺ ، ففعل مثل فعله"٢.
وقال الإمام الجيلاني في ذلك: "وتسميها الرافضة ناصبية، لقولها باختيار الإمام ونصبه بالعقد"٣. والرافضة لا ترى ذلك وإنما تذهب إلى أن الأئمة قد نص عليهم.
وسواء كان وجه التسمية هذا أو ذاك؛ فإنه لا يقع على أهل السنة؛ لأنهم يعتقدون موالاة وحب أهل البيت، وجميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي اللهم عنهم، ولا يناصبون أحدًا منهم العداء كما قال الإمام الطحاوي في عقيدته: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإسحان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"٤.
فقوم هذا اعتقادهم، في أصحاب رسول الله ﷺ بما فيهم أهل بيته، أيصح بعد ذلك أن يرموا بالنصب ومعاداة آل البيت؛ بل الأشبه أن يقع هذا
стр. 144
اللقب على خصومهم الذين نبزوهم به؛ لأن الرافضة هم الذين ناصبوا أصحاب رسول الله ﷺ العداء، بل وقالوا بكفرهم وارتدادهم بعد وفاة النبي ﷺ عدى قلة منهم تعد على الأصابع كما سيأتي توضيح ذلك في موضعه بإذن الله.
٧- العامة، والجمهور:
العامة: خلاف الخاصة١، وهذا اللقب مما انفرد الرافضة بإطلاقه على أهل السنة، فيجعلون أنفسهم الخاصة، المؤمنين، ويعدون أهل السنة "عامة" لا خلاق لهم بل هم عندهم كفار ونجس، لا تحل ذبائحهم، وتستباح دماؤهم وأموالهم٢.
وهذه بعض نصوص القوم في كتبهم توضح في جلاء إطلاقهم لقب "العامة" على أهل السنة.
نقل الخونساري في كتاب "روضات الجنات" عن صاحب "معالم العلماء" أنه قال في ترجمة أبي نعيم: "الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني عامي إلا أن له منقبة الطاهرين ومرتبة الطيبين"، كما نقل عن محمد حسين الخاتون آبادي قوله: وممن أطلعت على تشيعه من مشاهير علماء العامة هو الحافظ أبو نعيم"٣ يريد بقوله "عامي" و "من العامة" أنه من أهل السنة٤.
стр. 145
وهذا علي أكبر الغفاري صاحب التعليقات على كتاب "الكافي" للكليني يصف من قدح في كتاب الكافي ومؤلفه بأنه من العامة؛ فيقول: "أقول: هذه مقالات أساطين العلم، وأعلام الدين وعمد المذهب في شأن الكليني ومقامه الأسني فلا يفتنك قول أناس من أصاغر المتأخرين الذين أسلسوا للعصبية المذهبية قيادهم من "العامة" في قدح الكليني والتحامل على كتابه "الكافي"١ ولا يريد بالعامة سوى أهل السنة.
وليس هذا شأن متقدمي الرافضة فحسب؛ بل سار على نهجهم متأخرجوهم ممن لهم فيهم مكانة عالية وتقدم في العلم والإمامة، ومن هؤلاء الآية العظمى عندهم، وأستاذ الحوزة والمرجع الديني الأعلى إمامهم خميني؛ إذ يقول في تقسيمات التقية: "ومنها التقسيم بحسب المتقي منه، فتارة تكون التقية من الكفار وغير المعتقدين بالإسلام سواء كانوا من قبيل السلاطين والرعية، وأخرى تكون من سلاطين العامة وأمرائهم، وثالثة من فقهائهم وقضاتهم ورابعة من عوامهم، وخامسة من سلاطين الشيعة أو عوامهم، إلى غير ذلك.
ثم إن التقية من الكفار وغيرهم قد تكون في إيتان عمل موافقًا للعامة كما لو فرض أن السلطان ألزم المسلمين على العمل بفتوى أبي حنيفة"٢.
فأطلق لقب العامة وأراد به أهل السنة الذين يعد أبو حنيفة إمامًا من أئمتهم المشهورين.
وقد أطلق الخميني لقب العامة على أهل السنة في نصوص أخرى، لا نطيل بنقلها هنا٣.
стр. 146
يقول الدكتور الصباغ: "ولو أردنا أن نناقض القائلين بهذه التسمية ونسألهم عن مسوغات إطلاق مثل هذا اللقب على من كان متبعًا لسنة رسول الله ﷺ لأعياهم الجواب، والحق أن هذه التسمية بهم ألصق؛ لأن العامي هو الذي يعطل عقله ويصدق كل ما يقال له، ولو كن مما يصادم الحسن١، كما تجد في أقوالهم التي يدعون بها العصمة لغير الأنبياء، وزعمهم أن هناك باطنًا للنصوص الدينية غير الظاهر، وأن هذا الباطن لا يعرفه إلا أئمتهم.
إن هذا وأمثاله من العاقئد والسلوك هو الذي يجعل المتصف به جديرًا بأن يدعي عاميًا"٢.
وأما لقب "الجمهور"؛ فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرافضة أنهم يسمون أهل السنة "الجمهور"٣، والجمهور في اللغة: الرمل الكثير المتراكم، وجمهور كل شيء، معظمه، وجمهور الناس جلهم٤ والمراد به في إطلاق الرافضة عامة الناس وهو غير الأعيان والمتميزين فيهم؛ فهو بمعنى العامة عندهم ومرادف له.
والحق أنه لا مستند للرافضة في نبز أهل السنة بهذه الألقاب، إلا ما تكنه صدورهم من غل وحقد على أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم بإحسان، وما أشبه قولهم هذا يقول أولئك القوم الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٥، وهؤلاء قالوا: ليس عليهم في العامة سبيل واستباحوا منهم الأنفس والأموال والأعراض، يقول الخميني: "والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في
стр. 147
إباحة ما أغتنم منهم وتعلق الخمس به؛ بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد وبأي وجه كان"١.
والناصب -عندهم- كما تقدم لنا هو كل من تولى أبا بكر وعمر قال بإمامتهما وقدمهما في الخلافة والرتبة على علي ﵃ أجمعين، وهؤلاء هم أهل السنة وهم الذين يطلق عليهم الرافضة العامة والجمهور.
٨- حشوية:
وهذا اللقب من أشنع الألقاب التي نبزهم بها مخالفوهم، وهو بسكون الشين من:
الحشو: وهو أن يودع الشيء وعاء باستقصاء، يقال: حشوته أحشوه حشوًا.. ويقال: فلان من حشوة بني فلان أي: من رذالهم، وإنما قيل ذلك؛ لأن الذي تحشى به الأشياء لا يكون من أفخر المتاع، بل أدونه٢.
وفي "اللسان": "والحشو من الكلام: الفضل الذي لا يعتمد عليه، وكذلك هو من الناس، وحشوة الناس رذالتهم. .. وفلان من حشوة بني فلان بالكسر: أي من رزالهم"٣.
وبفتح الشين من: حشا: والحشا الناحية٤، وحاشية كل شيء جانبه وطرفه٥.
وهو في اصطلاح من أطلقه يراد به أحد المعاني الآتية:
стр. 148
١- يراد به العامة الذين هم حشور الناس١، ورذالتهم وجمهورهم، وهم غير الأعيان والمتميزين، وهم عند الشيعة والروافض السواد الأعظم من هذه الأمة، كما جاء في "فرق الشيعة: للنوبختي"؛ حيث نبز كل من لم يقل بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ بأنه من أهل الحشو: "فلما قتل علي ﵁ التقت الفرقة التي كانت معه والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة ﵃ فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان؛ إلا القليل منهم من شيعته٢ ومن قال بإمامته بعد النبي ﷺ -وهم السواد الأعظم وأهل الحشو وأتباع الملوك وأعوان كل من غلب؛ أعني الذين التقوا مع معاوية"٣.
٢- يراد به: رواة الأحاديث من غير تمييز لصحيحها من سقيمها:
قال ابن الوزير: "فإن الحشوية إنما سموا بذلك؛ لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ ؛ أي: يدخلونها فيها وليست منها".
ونقل عن صاحب كتاب٤ "ضياء الحلوم" قوله: "إن الحشوية سموا بذلك لكثرة قبولهم الأخبار من غير إنكار"٥.
وقد بين ابن الوزير براءة أهل الحديث والسنة من هذا اللقب؛ فقال "فأكثر عامة المسلمين لا يدرون من الحشوية؟ ولا يعرفون أن هذه النسبة غير
стр. 149
مرضية ... ومن كان له أدنى تمييز عرف أن نقاد الحديث وأئمة الأثر هم أعداء الحشوية وأكره الناس لهذه الطائفة الغوية"١.
وقال أبو حاتم -أحمد بن حمدان- الرازي: "ومن ألقابهم -أي: أهل السنة- الحشوية: لقبوا بذلك؛ لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة المتناقضة ... حتى قال فيهم بعض الملحدين: يروون أحاديث ثم يرون نقيضها، ولروايتهم أحاديث كثيرة مما أنكره عليهم أصحاب الرأي وغيرهم من الفرق في التشبيه٢ وغير ذلك فلقبولهم الحشوية بذلك"٣.
٣- يراد به معنى: التجسيم: كما نقل التهانوي عن السبكي أنهم سموا بذلك؛ لأن منهم المجسمة أو هم هم. والجسم حشو٤.
ونسب ابن القيم لجهله الجهمية أنهم لقبوا اهل السنة بذلك؛ لأنهم -بزعمهم- جعلوا ربهم حشو هذا الكون بإثباتهم له صفة الفوقية والاستواء وأنه في السماء٥.
فهذه المعاني الثلاثة أو أحدها هي المسوغات التي اعتبرها مخالفوا أهل السنة وهم ينبزونهم بهذا اللقب الجائر.
فعند الرافضة كل من لم يقل بإمامة علي بن أبي طالب ﵁ بعد الرسول ﷺ مباشرة فهو حشوي؛ أي: من عامة الناس وسقطهم.
стр. 150
وعند المعتزلة كل من أثبت الصفات، وأثبت القدر فهو من حشو الناس وعامتهم فلا يعتد بكلامهم في العقيدة؛ لأنهم لم يتعمقوا تعمقهم في التأويل، ولا ذهبوا مذاهبهم في الإنكار والتعطيل؛ فكل من آمن بظواهر النصوص وأثبت ما دلت عليه، ولم يشتغل بصرفها، وتأويلها، فهو عندهم حشوي بعيد عن التحقيق.
وكذلك الأمر عند الأشاعرة والماتريدية؛ فكل من أثبت الصفات الخبرية ولم يؤولها ويصرفها عن ظاهرها، عدوه حشويًا، كما سيتضح لنا ذلك من ذكر نماذج من أقوال الفرق التي نبزت أهل السنة والأثر بهذا اللقب.
الفرق التي نبزت أهل السنة بلقب "الحشوية" ونماذج من أقوالهم:
يعد هذا اللقب من أكثر الألقاب ذيوعًا وورودًا في كتب مخالفي أهل السنة؛ وذلك لكثرة الفرق التي رمت أهل السنة به، فلا أدري أهو مما تواصوا به، أم تشابهت قلوبهم، فاتفقت أقوالهم على وصم أهل السنة والأثر به؟ وسأورد فيما يأتي ذكر الطوائف والفرق التي رمتهم بذلك مع ذكر نماذج من أقوالهم التي يتضح منها أنهم يعتبرون القول بما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة في باب الصفات حشوًا والقائلين بذلك حشوية.
١- المعتزلة:
وهو أول من تولي كبر ذلك؛ إذ أول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ عمرو بن عبيد١ "٨٠- ١٤٤ هـ" رئيس المعتزلة -فقيههم وعابدهم٢
стр. 151
فإنه ذكر له عن ابن عمر١ شيء يخالف قوله؛ فقال: "كان ابن عمر حشويًا"٢، وقال ابن العماد في "ترجمته": "وكانت له جرأة فإنه قال عن ابن عمر: هو حشوي، -قال-: فانظر هذه الجرأة والافتراء عامله الله بعدله"٣.
وذكر ابن جرير عن الخليفة العباسي المأمون "١٧٠- ٢١٨ هـ" الذي تبنى قوله المعتزلة في خلق القرآن. أنه نبز مخالفيه بأنهم حشو رعاع فقال في كتابه إلى إسحاق بن إبراهيم٤ في امتحان القضاة والمحدثين، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظرله ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته. -إلى أن قال- وذلك أنهم ساووا بين الله ﵎ وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه"٥.
وظل المعتزلة يتوارثون نبز أهل السنة والحديث بلقب "الحشوية" في مؤلفاتهم ومقالاتهم؛ فما هو القاضي عبد الجبار مؤلف أهم مصنفات المعتزلة التي وصلت إليها بعد كتاب "الانتصار للخياط" يصم أهل السنة بهذا اللقب
стр. 152
كلما عنت له سانحة فيقول في "شرح الأصول الخمسة": "فقد ذهبت الحشوية والنوابت١ من الحنابلة إلى أن هذا القرآن المتلو في المحاريب، والمكتوب في المصاحف غير مخلوق ولا محدث"٢.
ويقول فيه أيضًا: "فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف، وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به؛ فمن اجتازه فهو من أهل الجنة"٣.
ويقول في كتاب آخر له: "وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٤ لا يدل على ما تقوله الحشوية في أنه تعالى يرى يوم القيامة بأن يرفع عنه الحجب للمؤمنين فيروه"٥.
ويقول في مصنف ثالث: "واعلم أن القوم على فرق؛ ففيهم من يجعل كلام الله هذا المسموع، وكذلك كلام أحدنا ما هو بهذه الصفة، ولكنه يقول في كلامه تعالى خاصة إنه غير مخلوق ولا محدث، ويقر في كلامنا بذلك فهؤلاء هم الحشوية، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل"٦.
فهذه أمثلة من كلامه في ذلك وإلا فالشواهد كثيرة، والمقصود بيان أنه يطلق لقب "الحشوية" على "أهل السنة والجماعة"؛ لأنهم هم أصحاب الأقوال التي عدها حشوًا.
стр. 153
٢- الرافضة:
وقد تقدم نقل كلام النوبختي في ذلك، وكلام أحمد بن أبي حاتم صاحب كتاب "الزينة"١.
٣- الأشاعرة:
فقد تلقوا هذه التركة عن المعتزلة؛ فنراهم يتابعونهم على ما درجوا عليه من نبز أهل السنة والأثر بهذا اللقب الجائر، وهذه ثلثة من أقوالهم في ذلك:
يقول أبو المعالي الجوني: "وذهبت الكرامية وبعض الحشوية إلى أن الباري تعالى عن قولهم متحيز مختص بجهة فوق"٢.
وقصد بالحشوية من أثبت الفوقية لله وهم أهل السنة والحديث كما أشار المحقق في الحاشية٣.
وإن كان أهل السنة والحديث لم ينطقوا بلفظ التحيز والجهة نفيًا ولا إثباتًا كما هو منهجهم؛ وإنما أثبتوا لله ما اثبته لنفسه من الفوقية.
وهذا الإمام الغزالي "٤٥٠- ٥٠٥ هـ" يجعل من أثبت رؤية الله من جهة حشويًا٤.
والآمدي "٥٥١- ٦٣١ هـ" يعد من قال بقول أهل السنة في الإيمان حشويًا فيقول: "وبهذا يتبين فساد قول الحشوية: إن الإيمان هو: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان"٥.
стр. 154
وعد محقق الكتاب الآمدي غير موفيق في تسمية أهل السنة والحديث بالحشوية١. وهو كما قال.
وهذا حامل لواء الأشعرية في العصر الحديث محمد زاهد الكوثري "١٢٩٦- ١٣٧١ هـ" يقول في تعليقه على كتاب "الرد على أهل الأهواء والبدع"، للملطي: نفى أن يكون الله متمكنًا في السماء مذهب أهل الحق وكذا نفي الفوقية الحسية؛ بخلاف معتقد الحشوية"٢ يقصد أهل السنة فإنهم هم الذين يعتقدون الفوقية الحسية لله .
وفي مقدمته لكتاب "السيف الصقيل" ينبز أئمة السلف -الذين يدعون ابن تيمية إلى تقرير عقيدتهم- بأنهم "حشوية"٣، وكلامه في ذلك كثير في تعليقاته على "السيف الصقيل" و"الرد على أهل الأهواء" و"تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" لابن عساكر.
٤- الماتريدية:
وهي صنو الأشعرية، وشريكتها في إرث تركة المعتزلة، ورمي أهل السنة بألقاب السوء، وها هو شيخ الماتريدية ومؤسسها الأول أبو منصور الماتريدي يصم من يعد الأعمال داخلة في مسمى الإيمان بأنه حشوي فيقول في تعريف الإرجاء: "ثم اختلف في المعنى الذي سمى به من سمى مرجئًا بعد اتفاق أهل اللسان على الإرجاء أنه التأخير".
قالت: "الحشوية": سميت المرجئة بما لم يسموا كل الخيرات
стр. 155
إيمانًا"١.
٥- الخوارج:
نسب ذلك إليهم الإمام أحمد بن حنبل؛ فقال في كتاب "السنة" في معرض حديثه عما أحدثه أهل الأهواء والبدع والخلاف من أسماء شنيعة قبيحة سموا بها أهل السنة؛ فقال: "وأما الخوارج فيسمون أهل السنة: نابتة وحشوية"٢.
وللرد على هؤلاء جميعًا نقول:
أولًا: إن هذا اللقب لقب مبتدع ما أنزل الله به من سلطان؛ فليس هو في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا نطق به أحد من سلف الأمة وأئمتها نفيًا ولا إثباتًا؛ فالذم به ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان بل هو من قبيل التنابز بالألقاب المنهي عنه٣.
ثانيًا: إن الطائفة إنما تتميز باسم رجالها أو بنعت أحوالها؛ فالأول كما يقال: الجهمية، نسبة للجهم بن صفوان، والكلابية، نسبة لابن كلاب، والأشعرية، نسبة للأشعري، والثاني: كما يقال: الرافضة، لرفضهم زيد بن علي، والقدرية لقولهم بالقدر، والمرجئة لقولهم بالإرجاء في الإيمان، أما لفظ الحشوية فليس فيه ما يدل على شخص معين ولا مقالة معينة٤.
ثالثًا: أنكم نبزتم أهل السنة بهذا اللقب؛ لأنهم بزعمكم يرون الأحاديث بلا تمييز ولا إنكار. وهذا خلاف الواقع، فإن أهل الحديث والسنة هم الذين اختصوا بالذب عن السنة، وميزوا صحيحها من سقيمها، ثم إنكم أيها.
стр. 156
المخالفون أحق بهذا اللقب؛ لأنكم تستشهدون لمهبكم بما يؤيده من الأحاديث وإن كان ضعيفًا أو موضوعًا عند أهل الفن؛ ولأنكم تحشون أقوالكم ومصنفاتكم بالكلام الذي لا تعرف صحته، بل يعرف بطلانه لمخالفته لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
رابعًا: أما معنى التجسيم الذي نبزتم أهل السنة بالحشو لأجله؛ فإنه ليس في قول أهل السنة تجسيم؛ لأنهم إنما أثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات، مع نفي المشابهة والمماثلة للمخلوقات، ثم إن لفظ التجسيم عندهم من الألفاظ المبتدعة فلم ينطقوا به نفيًا ولا إثباتًا.
خامسًا: إنه ينبغي أن ينظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به أيهما أحق. وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة، كما ذكر العلماء -كأبي حاتم وغيره- أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية١.
يكفي أن نعرف أن أول الواسمين به هو عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة كما تقدم، وأن أول الموسومين به هو "عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄" الصحابي الجليل. ثم أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة ﵀ عليه؛ لتعلم منزلة الواسم والموسوم.
فعمرو بن عبيد رأس في البدعة والاعتزال، وعبد الله بن عمر صحابي ابن صحابي. من أكثر الصحابة رواية وحفظًا لسنة رسول الله ﷺ ؛ وبذلك نقم عليه ابن عبيد، وعده حشويًا لكثرة روايته؛ لأن المعتزلة أعداء الحديث والأثر، والإمام أحمد هو من هو في الإمامة والتقديم في العلم والسنة.
ثم ورث كلا من الواسم والموسم اتباعه ومن هم على نهجه، فورث عمرو بن عبيد في نبز أهل السنة بهذا اللقب، أهل البدعة والخلاف، وورث
стр. 157
عبد الله بن عمر والإمام أحمد أهل السنة والجماعة وأني يستوي الإرثان١؛ هذا إرث هدي وسنة، وذاك إرث ضلالة وبدعة.
٩- نابتة أو نوابت:
وهو لغة: من النبت، والنابت من كل شيء: الطري حين ينبت صغيرًا ... ونبتت لهم نابتة: إذ نشأ لهم نشأ صغار، وإن بني فلان لنا بتة شر، والنوابت من الأحداث: الأغمار٢.
واصطلاحًا: لقب أطلقه أهل الكلام على أهل الستة والأثر، يعنون أنهم أحداث أغمار: لا خبرة لهم بعلم الكلام ولا دراية لهم به، وأنهم نابتة شر نبتوا في الإسلام بأقوال بدعية٣ لقولهم بما دلت عليه الأحاديث والآثار. التي يزعم أهل الكلام أن القول بها يقضي إلى التشبيه والتجسيم.
من أطلق هذه اللقب:
هذا اللقب من الألقاب التي يكثر أهل الكلام من رمى أهل السنة بها.
١- فالمعتزلة: من أولى الفرق التي وصمتهم به، يقول الخياط: "إن أبا الهذيل لما صح عنده أن الله عالم في الحقيقة وفسد عنده أن يكون عالمًا بعلم على ما قالته النابتة"٤.
فجعل الذين يقولون: إن الله عالم بعلم، وهم أهل السنة "نابتة"٥.
٢- الخوارج: نسب إليهم الإمام أحمد في "السنة" أنهم سموا أهل السنة "نابتة"٦.
стр. 158
١٠- غثاء، وغثراء:
فالغثاء: ما يحمله السيل من القمش وهو أيضًا الزبد والقذر١.
ويقال لسفلة الناس: الغثاء تشبيهًا بما ذكر٢.
والغثراء: قال ابن فارس: الغين والثاء والراء يدل على تجمع من ناس غير كرام، يقولون: الغثراء: سفلة الناس٣.
وهذا المعنى اللغوي لكل من اللفظين، هو ما لحظه أهل الكلام عندما نبزوا أهل السنة بهما؛ فعندهم أن أهل السنة سفلة الناس ويقطهم، فهم كالغثاء الذي لا نفع فيه.
وهذا معنى وملحظ مشترك بن كثير من الألقاب التي أطلقها أهل الكلام على أهل السنة والأثر كما تقدم.
وبعد؛ فكل هذه الألقاب ألقاب مبتدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يلحق أهل السنة والأثر شيء منها عند التحقيق؛ فإن أهل السنة هم خيار الناس وأفاضلهم لاتباعهم في أمور دينهم سنة نبيهم ﷺ وآثار السلف الصالح، وابتعادهم عن الابتداع والبدعة والقول في دين الله بغير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع؛ بخلاف أهل البدع الواسمين لهم بهذه الألقاب؛ فإنهم أصحاب فرقة وخلاف وابتداع، ومن علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر والحط عليهم والنيل منهم بغير حق، للإزراء بهم والتنفير منهم. والله يحكم بين الجميع يوم لقائه، وسيعلم الذين ظلموا حينئذ أي منقلب ينقلبون؟
стр. 159
الباب الأول: وسطية هذه الأمة بين الأمم
بين يدي هذا الباب:
قبل بدء القول في فصول هذا الباب ومباحثه أود أن أوضح ثلاثة أمور يحسن أن نلقي الضوء عليها.
الأمر الأول: علاقة وسطية هذه الأمة بوسطية أهل السنة.
الأمر الثاني: معاني الأمة والمراد منها في موضوعنا.
الأمر الثالث: التذكير بمعنى الوسطية والتركيز على معنى الوسطية المثبتة لهذه الأمة.
فأما الأمر الأول: وهو العلاقة بين وسطية هذه الأمة ووسطية أهل السنة
فاعلم أن وسطية أهل السنة والجماعة في هذه الأمة؛ إنما هي في حقيقتها امتداد الوسطية هذه الأمة وعدالتها وخيرتها؛ بل إن أهل السنة الذين هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان من هذه الأمة على ما كانوا عليه من الهدي والتمسك بالكتاب والسنة هم النموذج لهذه الأمة، التي أثنى الله عليها خيرًا فقال: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١.
وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
стр. 160
الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.
فعند تنزل هذه الآية الكريمة، كان أصحاب رسول الله ﷺ هم الأمة؛ ولذلك قال السلف إن المراد بـ "الأمة" الصحابة عامة، أو بعض فئات منهم٢.
فالحصابة رضوان الله عنهم، ثم من اتبعهم واقتدى بهم واهتدى بهديهم ممن جاء بعدهم من القرون يمثلون الأمة الوسط المذكورة والمعنية في الآية الكريمة.
ثم لما بدأ التفرق والخلاف في هذه الأمة في أواخر عهد الصحابة لعوامل كثيرة -سنعرض لها في موضعها إن شاء الله تعالى- انحرف أكثر فرق الأمة عن الصراط المستقيم، وأخذت بهم السبل ذات اليمين وذات الشمال. بين غال، وجاف، ومفرط ومفرد، فانحطت وسطية هذه الفرق بقدر إفراطها وتفريطها وغلوها وجفوها، وبقدر ما ابتعدت عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، على أنه لا يزال اسم الأمة يصدق على الجميع لقوله ﷺ في حديث الافتراق: "وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" ٣؛ فجعلهم جميعًا أمته مع تفرقهم وكونهم في النار إلا واحدة، كما أخبر ﷺ .
ولا يزال فيهم من الخير والوسطية والعدالة أكثر مما في غيرهم من فرق الأمم السابقة؛ فعموم الوسطية ثابت لهم على غيرهم؛ لأن كل شر فيهم فهو في غيرهم من فرق الأمم السابقة أكثر وأعظم، وكل خير وفضل في فرق الأمم السابقة؛ ففي فرق هذه الأمة ما هو خير منه وأعظم.
فالخيرية والوسطية ثابتة لهذه الأمة على سائر الأمم، وخير هذه الأمة
стр. 161
وأوسطها وأعدلها أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم لقوله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١؛ فهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل"٢.
فكل خير وفضل وعدل ثبت لهذه الأمة فلأهل السنة والجماعة منه الحظ الأوفر والقدح المعلي.
وعندما نثبت وسطية هذه الأمة، وخيرتها وعدالتها؛ فإنما نثبت كل ذلك لأهل السنة بطريق الأولى؛ لأنهم خير هذه الأمة وأوسطها. وهم الطائفة التي تتحقق فيها الوسطية المطلقة لهذه الأمة.
الأمر الثاني: معنى الأمة
يأتي لفظ "أمة" في لغة العرب لعدة معاني:
أحدها: أنها بمعنى الشريعة والدين.
ومنه قوله : ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ٤.
الثاني: بمعنى: الرجل الذي لا نظير له:
ومنه قوله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ ٥.
الثالث: بمعنى: الحين من الزمن:
стр. 162
ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة﴾ ١، قال الفراء: "أي: بعد حين من الدهر"٢.
الرابع: بمعنى: الجماعةمن الناس وغيرهم:
فأما بمعنى الجماعة من الناس:
فمنه قوله : ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ٤. وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٦، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٧.
وأما الجماعة من غير الناس:
فمنه قوله : ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٨، وقوله ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ٩، ١٠.
стр. 163
المراد بالملة في الاصطلاح الشرعي:
يراد بالملة في لسان الشارع. أحد أمرين:
الأول: أمة الدعوة.
الثان: أمة الإجابة.
يقول الإمام النووي ﵀: "لفظ الأمة يطلق على معان منها:
١- من صدق النبي ﷺ ، وآمن بما جاء به، وتبعه فيه وهذا هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة﴾ ، وكقوله ﷺ : "شفاعتي لأمتي" ١ وقوله: "تأتي أمتي غرًا محجلين" ٢ وغير ذلك.
٢- ومنها: من بعث إليهم النبي ﷺ من مسلم وكافرِ، ومنه قوله ﷺ "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم في "صحيحه" في كتاب الإيمان٣، ٤.
فالمراد بالأمة الوسط في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أمة الإجابة، وهم كل من أجاب دعوة الرسول ﷺ ، وآمن به واتبعه، على تفاوت بينهم في الإصابة من هذا الثناء كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
стр. 164
الأمر الثالث: معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة
تقدم في أول التمهيد شرح معنى الوسط والتوسط في اللغة، وفي لسان الشرع، وأريد هنا أن أبين معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١.
فالذي يتلخص لنا مما تقدم٢ أن للوسطية المشار إليها في الآية الكريمة ثلاثة معان:
المعنى الأول: العدالة
وهذا المعنى نص عليه النبي ﷺ في تفسير هذه الآية فقال: بعد أن تلا الآية: "والوسط: العدل"٣. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ، قال: عدولًا"٤. وروي هذا التفسير موقوفًا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما٥.
ولذلك جعل الله هذه الأمة شاهدة على الناس، ورتب هذه الشهادة على كونها وسطًا؛ أي: عدلًا؛ إذ العدالة من شروط قبول الشهادة.
والوسط في حقيقته يتضمن معنى العدل؛ وإنما سمي العدل: "وسطًا"؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين.
"فالوسط في الأصل: هو اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من
стр. 165
الجوانب في المدور، ومن الطرفين في المطول، كمركز الدائرة ولسان الميزان من العمود، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط"١.
فكما أن جميع الجهات تتساوى أبعادها بالنسبة للوسط؛ فكذلك العدل يتساوى لديه الخصمان ولا يميل إلى إحداهما. فإذا مال لم يكن عدلًا ولا وسطًا.
المعنى الثاني: الخيرية
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ؛ أي: خيارًا. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة عإبراهيم علي السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكل بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا؛ أي: خيراها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه؛ أي: أشرفهم نسبًا"٢ فالوسط من كل شيء خياره، وقد تقدم ذلك في معاني الوسط في الغلة في أول التمهيد٣.
وقد أخبر الله عن خيرية هذه الأمة بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٤.
المعنى الثالث: أن الوسط في الآية بمعنى الاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط:
وهذا المعنى اختاره الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية فقال: "وأنا أرى أن "الوسط" في هذا الموضع، هو الوسط الذي بمعنى: الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل "وسط الدار" محرك الوسط مثقله، غير جائز في "سينه".
стр. 166
التخفيف، قال: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم "وسط"؛ لتوسطهم في الدين؛ فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهيب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذا كان أحب الأمور إلى الله أوسطها"١.
وكل من هذا المعاني الثلاثة صحيح، والآية صالحة للجميع، وهي معان متلازمة مترابطة؛ فالعدول، لا يكونون إلا خيارًا، بل لا تتوفر العدالة إلا في خيار الناس لا في فساقهم وسفلتهم فإنهم ليسوا مظنة عدالة.
والخيار لا بد أن يتصفوا بالعدالة؛ فإذا كانوا ظلمة جائرين فليسوا بخيار.
وأما التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وبين الغلاة، والجفاة، فإنه عدل واعتدل. وهو خير من الميل إلى أحد الطرفين المذمومين.
وهذه الأمة أمة وسط بين الأمم بكل ما تدل عليه كلمة "وسط" من معنى؛ فهي خير الأمم وأفضلها وأشرفها وأكملها كما أخبر الله بذلك عنها، وهي أعدل الأمم ولذلك أعدها الله لتكون شاهدة على الناس، وهي آخذة بمركز الوسط بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.
ولتفصيل هذه المعاني الثلاثة للوسطية، جعلت هذا الباب في ثلاثة فصول:
الأول: في عدالة هذه الأمة.
الثاني: في خيرية هذه الأمة وفضلها.
الثالث: في اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.
стр. 167
الفصل الأول: عدالة هذه الأمة
المبحث الأول: العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به
أولا: وجوب العدل على هذه الأمة
...
الفصل الأول: عدالة هذه الأمة
المبحث الأول: وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به
أولًا: وجوب العدل على هذه الأمة
العدل من الأسس والقيم التي جاءت بها جميع الشرائع السماوية؛ فأنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ١؛ أي: بالعدل.
فما من كتاب أنزل، ولا رسول أرسل إلا أمر أمته بالعدل، وأوجبه عليها، والأمم في ذلك ما بين طائع آخذ منه بنصيب، وحائد مائل عن العدل والقسط لجهل أو هوى. والرسل ما تزال ترسل تجدد ما اندرس، وتذكر الناس بما نسوا إلى أن ختمت الرسالات بخاتم الأنبياء نينا محمد ﷺ .
ولما كانت هذه الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات، والنبي ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، وهذه الأمة خاتمة الأمم، والأمة التي جعلها الله شاهدة على الناس، قيمة على البشرية، تبلغها دين الله، وتشهد لها بالإيمان أو عليها بالكفر والعصيان. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فقد كان العدل من أهم ما يجب على هذه الأمة؛ بل هو من أعظم ما يميزها عن الأمم.
ولم يكتف الحق ﵎ بإيجاب العدل على هذه الأمة؛ بل أراد
стр. 168
منها أن تجعله خلقًا من أخلاقها، وصفة من صفاتها، وصبغة تصطبغ بها من دون الناس؛ فأمرها أن تكون قائمة بالعدل؛ بل قوامة به بين الناس، لله ، لا لأي شيء آخر، فلا تحابي فيه قريبًا لقرابته، ولا تضار عدوًا لعداوته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
قال الإمام ابن جرير في تفسير هذه الآية: "يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله، وبرسوله محمد ﷺ ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل، في أولياءكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وافعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي، وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم؛ ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري"٢.
وقال الحافظ ابن كثير: "أي: كونوا قائمين بالحق لله ، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا شهداء بالقسط؛ أي: بالعدل لا بالجور، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًا"٣.
وقال في موضع آخر: "أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل؛ فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال"٤.
فالعدل الذي أمرت به هذه الأمة، حق عام لكل أحد من الناس، لا يحجبه عن مستحقه شنئان ولا عداوة، ولا يحول دونه اختلاف لون ولا جنس بل
стр. 169
ولا دين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١.
فالعدل حق لكل الناس جميع الناس، لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب دون سائر الناس؛ وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه "إنسان" فهذه الصفة -صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة التي يلتقي عليها البشر جيمعًا، مؤمنين وكفارًا، أصدقاء وأعداء، سودًا وبيضًا، عربًا وعجمًا، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل -متى حكمت في أمرهم-٢.
العدل واجب على هذه الأمة، ولو كان فيه مراغمة لعواطف البغض والعداوة، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، وهو كذلك واجب، ولو كان فيه مراغمة لكافة عواطف الحب والمودة والقرابة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٣. والأمة مأمور بأن تقوم بالعدل والقسط والشهادة لله وليس لأحد سواه، وأن يكون ذلك منها بدون اعتبار لدوافع الحب والولاء والقرابة، أو البغضاء والشنئان والعداوة؛ لأنهما إنما تقوم بالعدل والقسط بين الناس لله وبأمر الله.
ولاعدل بهذه الصورة الشاملة، لم تعرفه البشرية قط إلا على يد هذه الأمة، ولم تنعم به البشرية قط إلا تحت حكم الأمة المسلمة.
стр. 170
ثانيًا: قيام هذه الأمة بالعدل
لم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مثل عليا، أو وصايا تفخر بها، دون ممارسة أو تطبيق؛ ولكنه كان واقعًا عاشته هذه الأمة ومارسته، وطبقته في واقع حياتها، على مر تاريخها الطويل، على تفاوت في ذلك التطبيق يبين زمان وزمان، ودولة ودولة، وحسب اشتعال جذوة الإيمان في قلوب الحاكمين وخبوئها؛ غير أنه مما يقطع به أنه لم يخل زمان ممن يقيم الحق والعدل ويقوم بالقسط ويحكم به من هذه الأمة.
وحسبنا أن نذكر فيما يلي صورًا من عدل هذه الأمة فيما بينهان ومع أعدائها وخصومها، وأهل ذمتها وسنختار هذه الصورة من واقع الأمة من خلال تاريخها الطويل. ليعلم أن هذه الأمة لم تزل قائمة بالقسط بين الناس شاهدة به على الناس لله، وأنها جديرة بأن تكون الأمة الوسط الشاهدة على البشرية.
وأولى هذه الصور تعيضها مع سيد الخلق وإمام العادلين نبينا محمد ﷺ ، إمام هذه الأمة ومعلمها الخير، وهو يضرب أروع الأمثلة ويلقن أمته أبلغ دروس العدل والإنصاف والمساواة.
فها هو ﷺ يقيد أحد أصحابه من نفسه في طعنة طعنها إياه بالقدح في بطنه أثناء تسويته الصف للقتال، روى ابن إسحاق أنه ﷺ : "عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يديه قدح١ يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية٢ وهو مستنتل٣ من الصف، قال ابن هشام: -ويقال: مستنصل٤ من الصف -فطعن
стр. 171
في بطنه بالقدح، وقال: استويا سواد؛ فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: "استقد" قال: فاعتنقه فقبل بطنه؛ فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله! حضر ما ترى؛ فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقاله، له"١.
وجاء يهودي يشتكي إليه أحد أصحابه قائلًا: يا محمد! إن لي على هذا أربعة دراهم، وقد غلبني عليها، قال: "أعطه حقه". قال -أي: الصحابي: والذي بعثك بالحق؛ ما أقدر عليها، قال: "أعطه حقه"، قال: والذي نفسي بيده؛ ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر؛ فأرجوا أن تغنمنا شيئًا فأرجع فأقضيه. قال: "أعطه حقه". وكان رسول الله ﷺ إذا قال ثلاثًا لم يراجع٢.
وكان ﷺ يقيم حدود الله على من وجب عليه ذلك في عدل وِإنصاف لا تأخذه في الله لومة لائم ولا قرابة قريب أو مكانة شريف؛ فما هو ﷺ -يقسم- وهو الصادق المصدوق البار في قمسه: لو أن ابنته سرقت لأقام عليها الحد. لا يدرؤه عنها كونها ابنة محمد ﷺ . أخرج الإمام البخاري عن عائشة ﵂: أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ من يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ؛ فكلم رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام: فخطب فقال: "يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله؛ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" ٣.
стр. 172
فإن قيل هذا محمد رسول الله ﷺ ، ولا يستغرب منه مثل هذا العدل، ومن يعدل إن لم يعدل هو؟
قلنا: وهذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ عمر بنا لخطاب ﵁، يهتدي بهدي رسول الله ﷺ ، فيقيم العدل والقسط بين الناس يحكم بالحق لرجل يهودي على مسلم، ولم يحمله كفر اليهودي على ظلمه والحيف عليه. أخرج الإمام مالك من طريق سعيد بن المسيب١: أن عمر بن الخطاب ﵁ اختصم إليه مسلم ويهودي؛ فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضي له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق٢.
وكان ﵁ يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس! إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم؛ إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم؛ فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانًا ضربني مائة سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: "أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين"٣، ولو لم يرضوه لأقاده ﵁.
وجاءه رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرو بن العصا واليه على مصر
стр. 173
قائلًا: "يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين؛ فكتب عمر إلى عمرو ﵄ يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب؛ فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس -راوي القصة: فضرب، فوالله؛ لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه. فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني١.
فانظر إلى هذه الصورة الرابعة لعدالة هذه الأمة، رجل من عامة الناس وفي رواية أنه ذمي من أقباط مصر، يتظلم فيعطى حقه ويقاد من ابن الأمير يجاء به وبأبيه ليعطي الرجل حقه وينصف.
ثم انظر إلى الحاضرين من أصحاب النبي ﷺ كيف أحبوا ذلك وأبدوه؛ "فوالله؛ لقد ضربه ونحن نحب ضربه" لا تشفيا منه، ولا شماته بعمرو وابنه؛ فالقوم فوق ذلك وأبعد ما يكون عن التشفي والشماتة، ولكنهم جيل أحب العدل وعاشه وتربى عليه على يد رسول الله ﷺ ؛ لذا فهو لا يطيق رؤية الجور ولا يقره في الأمة ولو كان على رجل مخالف لها في الدين، ويسعد لرؤية العدالة تعم الأمة ليؤخذ لضعيفها من قويها.
فإن قيل: هذا الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر الفاروق، ومثله خليق بإقامة العدل في رعيته.
قلنا: إليك صورة أخرى بطلها ليس بخليفة ولا أمير، ولكنه رجل من عامة
стр. 174
أصحاب رسول الله ﷺ هو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة١ يكل إليه النبي ﷺ خرص مزارع خيبر التي تركها ﷺ بيد اليهود؛ فيحاول يهود رشوته ليخفف عليهم في الخرص. فيشتد غضبه ﵁ أن ساوموه على أمانته وعدالته ويقول مخاطبًا إخوان القردة والخنازير: "يا معشر اليهودي! أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله ، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، وقد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي". فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، وقد أخذنا فأخرج عنا٢، وفي رواية أنه قال لهم: "لأنتم والله أبغض إلي من عدتكم من القدرة والخنازير"٣.
وأقر اليهود بعدله ونصفته، وأنه لم يحف عليهم كما ادعوا٤. ولكنهم قوم بهت!
فإن قيل هذا صحابي جليل تربى على يد الرسول ﷺ وشاهد التنزيل؛ فليس ببدع أن يعدل ويحكم بالقسط إذ وكل إليه الحكم في أمر من الأمور.
قلنا: لندع جيل الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم، جيل فريد، الأصل فيهم الخير والعدالة، ولنتجاوزهم إلى غيرهم ممن جاء بعدهم، فهذا شريح القاضي٥ يتحاكم إليه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ورجل ذمي
стр. 175
فيحكم شريح يرحمه الله للذمي على أمير المؤمنين؛ فقد أخرج البيهقي بسنده عن الشعبي؛ قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁، إلى السوق، فإذا هو بنصراني١ يبيع درعًا قال: فعرف علي ﵁ الدرع، فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، قال: فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء وأجلس عليًا ﵁ في مجلسه، وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني؛ فقال له علي ﵁: يا شريح لو كان خصمي مسلمًا لقعدت معه مجلس الخصم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصافحوهم، ولا تبدؤهم بالسلام ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، ولجوهم إلى مضايق الطرق، وصغروهم كما صغرهم الله٢"، اقض بيني وبينه يا شريح. فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: فقال علي ﵁: هذه درعي ذهبت مني منذ زمان قال: فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ قال: فقال: ما أكذب أمير المؤمنين؛ الدرع هي درعي، فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بينة؟ فقال علي ﵁: صدق شريح. قال: فقال النصراني: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمينن درعك. اتبعتك من الجيش وقد زلت عن جملك الأورق؛ فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال: فقال علي ﵁: أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس عتيق، قال فقال الشعبي: لقد رأيته يقاتل المشركين٣.
стр. 176
وهذا النص يبين لنا كيف كان قضاة المسلمين يصدرون أحكامهم العادلة فيما يعرض عليهم من قضايا في حرية تامة، لا تأخذهم في إقامة العدل لومة لائم، الأمير والحقير، والقوي والضعيف كل أمام القضاء سواء؛ لذا حكم شريح على أمير المؤمنين ﵁ للنصراني بما رآه حقًا، وأمير المؤمنين ﵁ يرضي بالحكم ويصدق شريحًا على صحة ما قضى به؛ لأنه حكم بمقتضى قواعد الشرع، فكان ذلك كله سببًا في إسلام النصراني واهتدائه، لما رأى من قيام هذه الأمة في رعاياها وأهل ذمتها بالعدل والقسط الذي هو من أحكام الأنبياء والمرسلين.
стр. 177
المبحث الثاني: وصف الله لهذه الأمة بالعدالة وشهادته لها بها
اصطفى الله هذه الأمة لحمل الرسالة الخاتمة، وألقى على عاتقها مهمة القيام بواجب البلاغ، وجعلها قيمة على ذلك؛ إذ لا رسول بعد رسولها محمد ﷺ ؛ لذلك أناط الله بهذه الأمة مسئولية استمرار هذه الدعوة وإبلاغها للناس، وجعل هذه الأمة شاهدة وحجة على البشرية، تبلغهم وتشهد لهم بالإجابة، أو عليهم بالتمرد والعصيان.
ولما كان من شرط قبول الشهادة أن يكون الشاهد عدلًا خيارًا مرضيًا جعل الله هذه الأمة، خير أمة وجلعها عدلًا وسطًا بين الأمم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ؛ فكما أن الرسول ﷺ شاهد عدل على هذه الأمة، كذلك أمته من بعده شاهد عدل على البشرية، تشهد على الأمم السابقة كما تشهد على الأمم اللاحقة.
تشهد على الأمم السابقة حين تنكر وتنكر تلك الأمم لرسل الله إليها وتفتري عليهم الكذب، وتدعي أنه ما جاءها من بشير ولا نذير؛ فيستشهد الرسل بهذه الأمة فتشهد لهم.
أخرج البخاري ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعي نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ، والوسط العدل" ١.
стр. 178
وهكذا يشهدون لجميع الأنبياء ﵈ على أممهم١، وقبول الشهادة دليل العدالة، يقول الحافظ ابن كثير ﵀: وشهادة أمة محمد ﷺ على جمع الأمم يوم القيامة برهان على عدالة هذه الأمة وشرقها، ومضمون هذا أن هذه الأمة يشتهد بهم الأنبياء على أممهم، ولولا اعتراف أممهم بشرف هذه الأمة لما حصل إلزامهم بشهادتهم"٢.
وشهادة هذه الأمة على الأمم شهادة حق وعدل؛ لأنها ما شهدت إلا بما علمت وإن كانت لم تشاهد ولم تحضر، لكنها شهدت بشهادة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . شهد لديها بصدق الرسل وتبليغهم أممهم دعوة ربهم؛ فشهدت بذلك. أخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذل وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم فيدعي قومه، فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا؛ فيقال: من شهد لك؛ فيقول: محمد وأمته فتدعي أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك، أن الرسل قد بلغوا فصدقناه. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٣.
وكما تشهد هذه الأمة على الأمم السالفة في الآخرة فتقبل شهادتها، كذلك يشهد بعضها على بعض، فتمضي وتعتبر عند الله كما هي ماضية معتبرة عند خلقه؛ لأن الله جعلها شاهدة على خلقه.
стр. 179
أخرج البخاري ﵀ من حديث أنس بن مالك ﵁: "مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا؛ فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض"١.
وقال ﷺ : "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" قال عمر: فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد٢.
وكذلك عمر ﵁ إذا مرت به جنازة وأثنى عليها الحاضرون خيرًا قال: وجبت، وإذا أثنوا عليها شرًا قال: وجبت. يصنع كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم٣.
لقد فهم عمر الفاروق ﵁ أن شهادة هذه الأمة مقبولة عند الله، لفضلها.
стр. 180
المبحث الثالث: اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك
بلغت عدالة هذه الأمة يوم أن كانت في أوج قوتها ونفوذ سلطانها، وقدرتها على البطش والظلم إن أرادت حدًا أذهل الأعداء والخصوم، وجعلهم يقفون مشدوهين أمام عظمة هذه الأمة، والدين الذي تدين به وتدعو الأمم إليه؛ مما جعلهم -على ما في قلوبهم من غل وحقد وحسد- يشيدون بعدالة هذه الأمة، وسماحتها وقيامها بالقسط مع خصومها ومن يعيش في كنفها من أهل الديانات الأخرى قبل أبنائها ومواطنيها.
فنطقت ألسنتهم بما رأوا ولمسوا من العدل والإنصاف والسماحة التي عاشوها وعوملوا بها في رحاب هذه الأمة وتحت سلطانها.
وحين تأتي الشهادة لهذه الأمة من الأعداء والخصوم؛ فهي شهادة غير متهم، ولا محاب، بل هي شهادة عدو، وخصم أنطقه واقع العدل الذي نعم به في جوار هذه الأمة، والرحمة التي أسبغت عليه مما لم يجد له مثيلًا حتى لدى بنهي جنسه ودينه.
وهي شهادة تفخر بها هذه الأمة، وإن كان بها عنها غنى، وقديمًا قيل: والفضل ما شهدت به الأعداء.
وهذه بعض اعترافات وشهادات الأمم وأهل الأديان الأخرى بعدالة هذه الأمة وسماحتها وإنصافها لمن عاش تحت حكمها منهم:
١- روى البلاذري من طريق سعيد بن عبد العزيز١ قال: بلغني أنه لما