وهذا النص يبين لنا كيف كان قضاة المسلمين يصدرون أحكامهم العادلة فيما يعرض عليهم من قضايا في حرية تامة، لا تأخذهم في إقامة العدل لومة لائم، الأمير والحقير، والقوي والضعيف كل أمام القضاء سواء؛ لذا حكم شريح على أمير المؤمنين ﵁ للنصراني بما رآه حقًا، وأمير المؤمنين ﵁ يرضي بالحكم ويصدق شريحًا على صحة ما قضى به؛ لأنه حكم بمقتضى قواعد الشرع، فكان ذلك كله سببًا في إسلام النصراني واهتدائه، لما رأى من قيام هذه الأمة في رعاياها وأهل ذمتها بالعدل والقسط الذي هو من أحكام الأنبياء والمرسلين.
стр. 177
المبحث الثاني: وصف الله لهذه الأمة بالعدالة وشهادته لها بها
اصطفى الله هذه الأمة لحمل الرسالة الخاتمة، وألقى على عاتقها مهمة القيام بواجب البلاغ، وجعلها قيمة على ذلك؛ إذ لا رسول بعد رسولها محمد ﷺ ؛ لذلك أناط الله بهذه الأمة مسئولية استمرار هذه الدعوة وإبلاغها للناس، وجعل هذه الأمة شاهدة وحجة على البشرية، تبلغهم وتشهد لهم بالإجابة، أو عليهم بالتمرد والعصيان.
ولما كان من شرط قبول الشهادة أن يكون الشاهد عدلًا خيارًا مرضيًا جعل الله هذه الأمة، خير أمة وجلعها عدلًا وسطًا بين الأمم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ؛ فكما أن الرسول ﷺ شاهد عدل على هذه الأمة، كذلك أمته من بعده شاهد عدل على البشرية، تشهد على الأمم السابقة كما تشهد على الأمم اللاحقة.
تشهد على الأمم السابقة حين تنكر وتنكر تلك الأمم لرسل الله إليها وتفتري عليهم الكذب، وتدعي أنه ما جاءها من بشير ولا نذير؛ فيستشهد الرسل بهذه الأمة فتشهد لهم.
أخرج البخاري ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعي نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ، والوسط العدل" ١.
стр. 178
وهكذا يشهدون لجميع الأنبياء ﵈ على أممهم١، وقبول الشهادة دليل العدالة، يقول الحافظ ابن كثير ﵀: وشهادة أمة محمد ﷺ على جمع الأمم يوم القيامة برهان على عدالة هذه الأمة وشرقها، ومضمون هذا أن هذه الأمة يشتهد بهم الأنبياء على أممهم، ولولا اعتراف أممهم بشرف هذه الأمة لما حصل إلزامهم بشهادتهم"٢.
وشهادة هذه الأمة على الأمم شهادة حق وعدل؛ لأنها ما شهدت إلا بما علمت وإن كانت لم تشاهد ولم تحضر، لكنها شهدت بشهادة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . شهد لديها بصدق الرسل وتبليغهم أممهم دعوة ربهم؛ فشهدت بذلك. أخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذل وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم فيدعي قومه، فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا؛ فيقال: من شهد لك؛ فيقول: محمد وأمته فتدعي أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك، أن الرسل قد بلغوا فصدقناه. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٣.
وكما تشهد هذه الأمة على الأمم السالفة في الآخرة فتقبل شهادتها، كذلك يشهد بعضها على بعض، فتمضي وتعتبر عند الله كما هي ماضية معتبرة عند خلقه؛ لأن الله جعلها شاهدة على خلقه.
стр. 179
أخرج البخاري ﵀ من حديث أنس بن مالك ﵁: "مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا؛ فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض"١.
وقال ﷺ : "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" قال عمر: فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد٢.
وكذلك عمر ﵁ إذا مرت به جنازة وأثنى عليها الحاضرون خيرًا قال: وجبت، وإذا أثنوا عليها شرًا قال: وجبت. يصنع كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم٣.
لقد فهم عمر الفاروق ﵁ أن شهادة هذه الأمة مقبولة عند الله، لفضلها.
стр. 180
المبحث الثالث: اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك
بلغت عدالة هذه الأمة يوم أن كانت في أوج قوتها ونفوذ سلطانها، وقدرتها على البطش والظلم إن أرادت حدًا أذهل الأعداء والخصوم، وجعلهم يقفون مشدوهين أمام عظمة هذه الأمة، والدين الذي تدين به وتدعو الأمم إليه؛ مما جعلهم -على ما في قلوبهم من غل وحقد وحسد- يشيدون بعدالة هذه الأمة، وسماحتها وقيامها بالقسط مع خصومها ومن يعيش في كنفها من أهل الديانات الأخرى قبل أبنائها ومواطنيها.
فنطقت ألسنتهم بما رأوا ولمسوا من العدل والإنصاف والسماحة التي عاشوها وعوملوا بها في رحاب هذه الأمة وتحت سلطانها.
وحين تأتي الشهادة لهذه الأمة من الأعداء والخصوم؛ فهي شهادة غير متهم، ولا محاب، بل هي شهادة عدو، وخصم أنطقه واقع العدل الذي نعم به في جوار هذه الأمة، والرحمة التي أسبغت عليه مما لم يجد له مثيلًا حتى لدى بنهي جنسه ودينه.
وهي شهادة تفخر بها هذه الأمة، وإن كان بها عنها غنى، وقديمًا قيل: والفضل ما شهدت به الأعداء.
وهذه بعض اعترافات وشهادات الأمم وأهل الأديان الأخرى بعدالة هذه الأمة وسماحتها وإنصافها لمن عاش تحت حكمها منهم:
١- روى البلاذري من طريق سعيد بن عبد العزيز١ قال: بلغني أنه لما
стр. 181
جمع هرقل١ للمسملين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص٢ ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم، والدفع عنكم؛ فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: "لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم٣، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"٤.
وكان أهل حمص نصارى، صالحهم المسلمون على أن يدفعوا الجزية والخراج ويتكفل ولي أمر ولي أمر المسلمين بحمايتهم، ودفع الأعداء عنه، وقد كانوا قبل حكم المسلمين تحت حكم الروم وهم على دينهم.
فلما رأى المسلمون أنهم غير قادرين على الوفاء لهم بشرط الحماية، ردجوا عليهم ما أخذوا منهم.
فأكبر ذلك أهل حمص؛ لأنهم لم يعهدوا مثله في أمة غير المسلمين، وأشادوا بعدل المسلمين وحسن ولايتهم عليهم، وأنهم أحب إليهم من الروم مع كونهم على دينهم.
وهذه شهادة صريحة بعدالة هذه الأمة، نبعث من واقع عاشه القوم تحت لواء المسلمين، لمسوا خلاله من العدالة، والرحمة، والمساحة ما لم يعرفوا من قبل.
٢- وهذا اعتراف آخر وشهادة أخرى من أهل وادي الأردن:
стр. 182
لقد كتبوا إلى قائد المسلمين آنذاك وهو أبو عبيدة عامر بن الجراح١ ﵃ معربين له عن تمنيهم لحكم المسلمين لما لمسوا من عدالتهم ووفائهم ورأفتهمبهم وأنهم يفضلونهم على الروم وإن كانوا على دينهم، قائلين: "يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا"٢.
٣- شهادة المستشرق توماس وآرنولد٣:
يقول في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" وهو يتحدث عن اضطهاد الفرس للمسيحيين، موازنًا بين سلوكهم وسلوك المسلمين: "ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال -التي كان يمارسها الفرس على رعاياهم من المسيحيين التي تنطوي على الظلم؛ بل كان المسلمون على خلاف غيرهم، إذًا يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدًا في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس"٤.
وقال عن إيثار أهل القدس وفلسطين لحكم المسلمين واغتباطهم به:
стр. 183
"ومن المؤكد أن المسيحيين من أهالي هذه البلاد؛- أي: القدس- قد آثروا حكم المسلمين على حكم الصليبيين"١.
٤- شهادة واعتراف المستشرق الأمريكي، وول ديورانت:
بالرغم من أن هذا الرجل يهودي صهيوني درس في كتابه "قصة الحضارة" السم في الدسم، وأساء للإسلام ونبيه ﷺ كما أساء للمسيح ﵇ كثيرًا؛ مما يحتم على قارئ هذا الكتاب أن يتوخى الحذر، وأن ينتبه لذلك ويتوقى تلك الألغام٢ التي بثها الرجل في ثنايا مؤلفه هذا. ومع ذلك يأبى الله إلا أن يظهر الحق ولو على لسان عدو من أعدائه.
يقول ديورانت واصفًا حال أهل الذمة الذين يعيشون في ظل الخلافة الإسلامية: "ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون٣، واليهود، والصابئون٤ يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر
стр. 184
دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص، وأداء فرضة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله، ولم تكن هذه الضريبة١ تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفي منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقاء، والشيوخ، والعجزة، والعمي، والشديد والفقر.
وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية ولا فرض عليهم الزكاة وكان لهم على الحكومة أن تحميهم٢.
وهذا النص يثبت أن المسلمين في الأندلس عاملوا أهل ذمتهم وفق القواعد التي وضعها وحددها الإسلام، وهي قواعد تعطي أهل الذمة أكثر مما تأخذ منهم، توفر لهم الحماية والنصفة، وعدم الظلم أو الهضم وتسبغ الرحمة والعطف على الفقراء وذوي الأعذار، توفر لهم حرية التدين، والاكتساب، وهذا غاية العدل؛ بل هو إلى الفضل أقرب.
٥- اعتراف المستشرق ستانلي لين بول:
نقل عنه صاحب "قصة الحضارة" العبارة التالية:
"لم تنعم الأندلس طول تاريخها بحكم رحيم، عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب"٣.
стр. 185
ثم عقب عليه ديوران -اليهودي- بقوله: "ذلك حكم يصدره مستشرق مسيحي عظيم" ثم غلب عليه حقده وخبثه وأراد أن يقلل من شأن هذه الشهادة والإشادة مع اعترافه بصحة حكم استانلي، فيغمزها قائلًا: "قد يتطلب تحمسه شيئًا من التقليل من ثنائه، لكن هذا الحكم بعد أن نقص منه ما عساه أن يكون فيه من التحمس يظل مع ذلك قائمًا صحيحًا"١.
стр. 186
المبحث الرابع: العدل عند أهل الكتاب
أولا: مبدأ العدل عند اليهود
...
المبحث الرابع: العدل عند أهل الكتاب
كنت أود أن أستعرض مبدأ العدل عند الكثير من الأمم والأديان الأخرى إلا أني رأيت أن أكتفي بالحديث عن مبدأ العدل عند أهل الكتاب، اليهود والنصارى، لأمرين:
الأول: خشية الإطالة.
والثاني: أننا إذا تحدثنا عن العدل عند أهل الكتاب، وبينا ما وصلوا إليه من ظلم وجور، وجنوح عن العدل والإنصاف، وهم قوم أنزل الله إليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل تترى، ومع ذلك حادوا عن الحق وحرفوا وظلموا وطغوا واستبدوا؛ فكيف بغيرهم من الأمم التي لم تحظ بما حظوا به من توالي الرسالات وكثرة الأنبياء.
وسنتحدث في هذا المبحث عن العدل عند اليهود أولًا فيما بينهم، ثم فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم، ثم عن العدل عند النصارى كذلك فيما بينهم، وفيما بينهم وبين الأمم الأخرى.
أولًا: مبدأ العدل عند اليهود
أ- العدل فيما بينهم:
لقد أمرهم أنبياؤهم أن يقوموا بالعدل والقسط، وأن لا يتظالموا، ولا يظلموا أحدًا، وأنزل الله عليهم التوراة، يها هدى ونور، وفضل لهم فيها الحدود والأحكام والقصاص العادل. كما أخبر الله بذلك في القرآن الكريم؛ حيث قال ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ؛ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا
стр. 187
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ؛ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وفيما بقي بين أيدي القوم من أسفار التوراة -مع تحريفهم وتبديلهم لها- أثر مما ورد ذكره في القرآن الكريم. وسأورد فيما يلي بعض نصوص أسفار التوراة، التي توجب على اليهود الحكم بالعدل والقسط، وتحذرهم من الظلم والجور في القضاء والكيل والوزن؛ ففي "سفر اللاويين" أن الرب كلم موسى ﵇ قائلًا:
"لا ترتكبوا جورًا في القضاء، ولا تأخذوا بوجه مسكين ولا تحترم وجه كبير، بالعدل تحكم لقريبك"٢.
وفيه أيضًا: "وإذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه، كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم وتحبه كنفسك؛ لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. أن الرب إلهكم. لا ترتبكوا جورًا في القضاء لا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل، ميزان حق ووزنات حق وإيفة حق وهبن حق تكون لكم، أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر، فتحفظون كل فرائضي وكل أحكامي وتعملونها أنا الرب"٣.
وفيه أيضًا ما يدل على القصاص وأن النفس بالنفس: "وإذا أمات أحد إنسانًا فإنه يقتل"٤، "ومن قتل بهيمة يعوض عنها ومن قتل إنسانًا يقتل، حكم
стр. 188
واحد يكون لكم الغريب يكون كالوطني إني أن الرب إلهكم"١.
وفي "سفر الخروج": "من ضرب إنسانًا فمات يقتل قتلًا"٢.
فقد دل إذن القرآن الكريم، وأسفار التوراة التي بقيت بأيديهم على وجوب العدل، عليهم والقصاص الحق عندهم، وتحريم الظلم والجور؛ فماذا فعل القوم؟ لقد حرفوا وبدلوا، وتلاعبوا بنصوص التوراة، ولم يقوموا فيما بينهم بالقسط والعدل. وفرقوا بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف، ولم يساووا بين الناس في إقامة الحدود والقصاص، كما أخبرنا رسول الله ﷺ عنهم في حديث المخزومية التي سرقت فقطع يدها وغضب على من جاء يشفع فيها وقام فيهم خطيبًا قائلًا: "أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وغذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد"٣.
ومن الشواهد على هذا المسلك المشين ليهود ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ قال:
"كان قرظية٤ والنضير٥، وكان النضير أشرف من قريظة؛ فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلًا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فودي بمائة وسق من تمر؛ فلما بعث النبي ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فقالوا: ادفعوه لنا نقتله؛ فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ ، فأتوه فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ ٦، والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت:
стр. 189
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ١، ٢.
فانظر كيف حادوا عن حكم الله وتلاعبوا بحدوده؛ فأقاموا الحد، والقصاص على الضعيف فيهم، وصرفوا عن ذي المكانة والقوة والمنعة والعجب لا ينقضي من تمالئهم على ذلك واتفاقهم عليه.
وهذا شاهد آخر على اختلال ميزان العدل عند يهود، ومبلغ ظلمهم وجورهم، وتعطيلهم الحدود الله : أخرج الإمام البخاري ﵀ عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم، ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم؛ فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فيقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: أرفع يديك، فرفع يده؛ فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم؛ فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة٣.
وفي رواية عند مسلم: "أن اليهود حمموا وجه الزاني وجلدوه ولما سألهم النبي ﷺ : "أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم"، قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم؛ ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف
стр. 190
والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم"١.
وفي "سفر التثنية" من التوراة جاء في شأن حد الزاني النص الآتي:
"ولكن إن كان هذا الأمر صحيحًا لم توجد عذرة للفتاة، يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت؛ لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها، فتنزع الشر من وسطك.
وإذا وجد رجل مضطجعًا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة، فتنزع الشر من إسرائيل.
إذا كانت فتاة عذراء مخطبوة لرجل فوجدها رجل في المدينة فاضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وأرجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك"٢.
ب- العدل عند اليهود بينهم وبين غيرهم من الأمم:
إذا كان اليهود لم يقيموا العدل فيما بينهم، وهم شعب واحد وأبناء عمومة؛ بل فرقوا بين ضعيفهم وقويهم، وشريفهم ووضيعهم- كما تقدم- فكيف بهم مع غيرهم من الأمم؟ إن نظرة اليهود إلى غيرهم من الأمم والشعوب نظرة تعال وازدراء؛ فهم يرون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه كما أخبر الله عن مقالتهم هذه وأكذبهم فيها؛ فقال جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير﴾ ٣.
стр. 191
وكانوا يرون أن غيرهم من الأمم لا حق لهم في عدل ولا نصف؛ بل ويستحلون منهم الدماء والأنفس والأموال بحجة أن غير اليهود، كفار مشركون لا حرمة لهم. وقد نبأنا الله خبرهم وقولهم هذا وعدهم كذبة مفترين في ذلك فقال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ومرادهم بالأميين العرب والمشركين وكل من ليس بيهودي. روى ابن جرير عن قتادة٢ ﵀ في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ، قال: ليس علينا في المشركين سبيل، يعنون من ليس من أهل الكتاب٣.
وفي أسفار التوراة المحرفة ما يشي بهذا المسلك الذي انتهجه يهود تجاه الأمم الأخرى؛ ففي "سفر الخروج" ضمن الوصايا العشر التي يزعمون أن موسى ﵇ تلقاها من ربه: "لا تشهد على قريب شهادة زور، لا تشته بيت قريبك لا تشته امرأة قريبك، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئًا مما لقريبك"٤؛ فمفهوم قوله "قريبك" في هذا النص، أن غير القريب يجوز لهم اشتهاء امرأته وبيته وو....، وقد فهم اليهود هذا الفهم، ونص التلمود على حل كل ذلك كما سيأتي ذكر نصوص منه.
وفي "سفر التثنية" إباحة التعامل بالربا مع غير اليهودي، وتحريمه مع اليهودي: "للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا"٥؛ بل يمنع
стр. 192
"التلمود"١ إقراض غير اليهود إلا بربي: "غير مصرح لليهودي أن يقرض الأجنبي إلا بالربا"٢، ولقد أخبرنا الحق ﵎ أنه نهاهم عن أكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل وأنهم لما خالفوا وظلموا وأكلوا الربا حرم عليهم بعض الطيبات التي كانت حلالًا عقوبة لهم في الدنيا.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣.
وهذه بعض نصوص "التلمود" التي تبيح لليهود أموال الأميين بل ودماءهم وأعراضهم، نسوق منها نماذج باختصار ليتبين مدى ظلم القوم وجورهم.
١- إباحة دماء غير اليهود:
يقول "التلمود": "اقتل الصالح من غير الإسرائيليين، ومحرم على اليهودي أن ينجي أحدًا من باقي الأمم من هلاك، أو يخرجه من حفرة يقع فيها؛ لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين"٤.
"من العدل أن يقتل اليهودي بيده كل كافر؛ لأن من يسفك دم الكافر يقرب قربانًا لله"٥.
وكل من ليس بيهودي فهو كافر عندهم.
стр. 193
٢- إباحة عرضه:
يقول "التلمود": لا يخطئ اليهود إذا تعدى على عرض الأجنبي؛ لأن كل عقد نكاح عند الأجانب فاسد؛ لأن المرأة التي لم تكن من بني إسرائيل كبهيمة والعقد لا يوجد مع البهائم وما شاكلها"١.
قال ميموند٢: "إن لليهود الحق في اغتصاب النساء غير المؤمنات؛ أي: غير اليهوديات"٣.
٣ إباحة ماله:
يقول "التلمود": "إن الله حلل أموال باقي الأمم لبني إسرائيل لما رآهم قد خالفوا السبع الوصايا المختصة بعبادة الأوثان، والزنا، والقتل والسرقة، وأكل لحم الحيوانات غير المذبوحة، وخصاء الإنسان وإيلاد الحيوان من غير جنسه"٤.
"إذا سرق أولاد نوح -أي: غير اليهود- شيئًا ولو كانت قيمته طفيفة جدًا، يستحقون الموت؛ لأنهم قد خالفوا الوصايا التي أعطاها الله لهم, وأما اليهود فمصرح لهم أن يضروا الأمي؛ لأنه جاء في الوصايا: "لا تسرق مال القريب"، قال علماء "التلمود" مفسرين هذه الوصية: إن الأمي ليس بقريب، وإن موسى لم يكتب في الوصية "لا تسرق مالي الأمي" فسلب ماله لم يكن مخالفًا للوصايا"٥.
стр. 194
وفي شأن رد الأموال المفقودة لغير اليهودي يقول "التلمود": "إن الله لا يغفر ذنبًا ليهودي يرد للأمي ماله المفقود، وغير جائز رد الأشياء المفقودة من الأجانب"١.
وبعد فهذه بعض نصوص "التلمود" وهي تفصح أن القوم لا يرقبون في غير اليهودي إلا ولا ذمة؛ بل يظلمونه، ويستحلون دمه وعرضه وماله، ويعدون ذلك دينًا قاتلهم الله أنى يؤفكون، وعاملهم بعدله.
стр. 195
ثانيا: العدل عند النصارى
...
ثانيًا: العدل بين النصارى
أ- العدل فيما بينهم
النصارى يتبعون التوراة في الأحكام والتشريعات، وما أمر به اليهود من العدل في الأحكام والمحدود، وإيفاء الكيل والوزن وخلاف ذلك؛ فإنه يسري على أمة النصارى كذلك.
لكن لما بغى اليهود وقست قلوبهم، وأحلوا ما حرم الله، وأكلوا أموال الناس بالباطل، جاء المسيح ﵇ ليردهم إلى الجادة؛ فلم يأمرهم بالعدل فحسب بل تجاوزه إلى الفضل، والعفو، وأمرهم ألا يقابلوا الإساءة بمثلها، وأن لا يعتدوا على من اعتدى عليهم بل قال لهم كما جاء في إنجيل "متى" الذي يزعمون إنه مما أنزل على عيسى ﵇: "قد سمعتم أنه قيل: العين بالعين والسن بالسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرير بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك أيضًا، ومن سخرك ميلًا فامش معه اثنين، من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه، قد سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك، أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا
стр. 196
لأجل من يعنتكم ويضطهدكم"١.
لكن أمة النصارى لم تهتد؛ بل حرفت وبدلت فصلت عن سواء السبيل، ولئن كان اليهود مغضوبًا عليهم فإن النصارى ضالون، كما ثبت عن المصطفى ﷺ ؛ أنه قال في تفسير قوله : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٢، قال: "إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى" ٣.
وأول ضلالهم، وأعظم جورهم وبغيهم أن عدلوا بربهم غيره، وجعلوا له شركاء، إذا جعلوه ثالث ثلاثة، وتارة جعلوا المسيح ﵇ هو الإله وأخرى ابن الإله؛ قال الله عن كفرهم وضلالهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٤، وقال في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ ٥، وقال في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٧.
والشرك بالله، واتخاذ غيره إلهًا معه، من أعظم الظلم، كما أخبر الحق ﵎ على لسان العبد الصالح لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ
стр. 197
يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١، ولما نزل قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. شق ذلك على الصحابة ﵃؛ فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ ؛ إنما هو الشرك" ٣.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ "أي: هو أعظم الظلم"٤.
فإذا كان القوم قد ارتكبوا أعظم الظلم وظلموا أنفسهم بجعلهم لله أندادًا ومعه شركاء؛ فماذا نتوقع منهم وقد ضلوا وظلموا، غير الظلم والجور في جل حياتهم وشئونهم؛ لأنهم بنوا دينهم عليه.
فلم يكونوا قائمين بالعدل والقسط فيما بينهم، وقول الرسول ﷺ من قصة المخزومية التي سرقت: "إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوا وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد" ٥، يشملهم وإن كان هو في اليهود أظهر، وهؤلاء رهبانهم الذين هم عبادهم وعلماؤهم، وهم الصفوة فيهم والقدوة، والذين يفترض فيهم أن يكونوا أقرب القوم إلى العدل وعدم الظلم نجدهم ظلمة جائرين آكلين لأموال الناس بالباطل كما أخبرنا الله بذلك عنهم، وكما يدل على واقع الكنائس وسيرتها. يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ
стр. 198
اللَّهِ﴾ ١.
يقول الحافظ ابن كثير: "ذلكم أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس، يأكلون أموالهم بذلك"٢.
ولعل من أبرز مظاهر ذلك ما تمارسه الكنيسة من إصدار ما عرف بـ"صكوك الغفران"٣ وهي صكوك يصدرها أهل السلطة في الكنيسة من البابوات والمطارنة، والبطارقة، والقساوسة، باسم الكنيسة، يغفر بمقتضاها لحاملها ما اقترفه من الآثام والخطايا في حياته، مقابل أن يدفع مبالغ للكنيسة وهذا إلى جانب كونه أكلًا لأموال الناس بالباطل هو أيضًا قول على الله بلا علم وافتراء عليه، وتعد على ألوهيته ؛ إذ لا يملك غفران الذنوب والعفو عنها إلا هو سبحانه، ولكن القوم ضلوا ضلالًا بعيدًا.
ومن صور جور هذه الأمة وعدم عدلها. أن كل فرقة وطائفة منها، إذا تسلطت على الفرق الأخرى، أذاقتها ألوانًا من الظم والبطش والاضطهاد ولم ترقب فيها إلا ولا ذمة. يقول د. أحمد شلبي: "تكرر في تاريخ المسيحية حدث عظيم لم يتخل، وهو التجاء الجانب القوي إلى أعنف وأقسى وسائل الاضطهادات، والتعذيب، والتنكيل، والحرق، والإفناء يسلطها على الجانب الضعيف. والعجيب أن المسيحيين اضطهدوا من اليهود والرومان، ونزلت بهم الويلات في القرون الثلاثة الأولى؛ فلما بدأ جانبهم يشتد رأيناهم ينزلون نفس الويلات بمخالفيهم من أبناء دينهم، ومن اتباع الأديان الأخرى، ومن هنا فنيت مذاهب مسيحية كثيرة كان بعضها في وقت ما، له الغلبة في العدد ولكن
стр. 199
تنقصه القوة والسلطان، وكان فناء هذه المذاهب بسبب قسوة اليهود والرومان أحيانًا، وأحيانًا بسبب قسوة فرق مسيحية أخرى قويت واشتدت بالأباطرة وذوي النفوذ"١.
وهذا مصداق قوله ﵎: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٢.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا؛ فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية٣ تكفر اليعقوبية٤، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية٥.
стр. 200
والآربوسية١، كل طائفة تكفر الأخرى"٢.
وكمثال على ما ذكر من ظلم أمة النصارى وجور بعضهم على بعض، ما لاقاه أقباط مصر -وهم من الطائفة اليعقوبية- من ظلم واضطهاد على يد أبناء دينهم البيزنطيين الذين كانوا يحكمونهم قبل الفتح الإسلام لمصر.
يقول المستشرق توماس أرنولد: "فإن اليعاقبة -وهم الأقباط- الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من السكان المسيحيين، قد عوملوا معاملة مجحفة من اتباع المذهب الأرثوذكسي٣ التابعيين للبلاط، الذين ألقوا في قلوبهم بذرو السخط والحنق اللذين لم ينسهما أعقابهم حتى اليوم.
كان بعضهم يعذب ثم يلقى بهم في اليم وتبع كثير منهم بطريقهم إلى المنفى، لينجوا من أيدي مضطهديهم، وأخفى عدد كبير منهم عقائدهم الحقيقية، وتظاهر بقبول قرار خلقدونية"٤.
стр. 201
وقد جلب الفتح الإسلامي إلى هؤلاء القبط -ذلك اللفظ الذي يطلق على المسيحيين من اليعاقبة في مصر- حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان"١.
وكثيرًا ما كان الحكم الإسلامي مخلصًا لكثير من طوائف النصارى من حقد واضطهاد وظلم، وبجانب عامل العدل والتسامح الذي عرف به الفاتحون المسلمون، كان هذا من العوامل التي جعلت الكثير من المسيحيين يفضلون الحكم الإسلامي على حكم أبناء دينهم من أتباع الطوائف الأخرى. كما تقدم لنا شواهد ذلك في مبحث "شهادة الأعداء بعدالة الأمة الإسلامية"٢.
ب- العدل فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم:
سبق لنا في بحث العدل فيما بينهم كيف أن المسيح ﵇، أمرهم بمقابلة السيئة بالحسنة، وأن لا يردوا على من أساء إليهم، وتلك مثالية عالية لم تبلغها همم القوم؛ ولعل ما نزل بهم من ظلم يهود ولارومان واضطهادهم المرير لهم أيام ضعفهم وذلتهم، ترك في أنفسهم الرغبة في الانتقام متى استطاعوا ذلك؛ بل والاعتداء إن قدروا.
وإن نحن استنطقنا تاريخ القوم أفصح لنا عن سواءت يتوارى المرء منها خجلًا؛ إذ ثبت الوقائع التاريخية أن القوم كانوا شديدي الظلم والاضطهاد لمن يقع تحت سلطانهم من أهل الأديان الأخرى؛ إذ ليس لأهل هذه الأديان بينهم مقام؛ فإما التنصر وإما القتل أو الرحيل.
ولم يكن اضطهادهم للمخالفين عملًا فرديًا يبدو حينًا ويختفي حينًا؛ بل
стр. 202
كان سياسة ثابتة حاسمة تستهدف إفناء الخصوم ومحو آثارهم.
فكانت المذابح العامة تدبر وتنفذ بوحشية بالغة ترتكب خلالها لضائع وجرائم يندى لها جبين الإنسانية فضلًا عن اتباع نبي كان من تعاليمه ما ذكرنا.
ولعل من أبلغ الأمثلة الشاهدة على مبلغ ظلم القوم وحقدهم تلك المذابح التي ارتكبها الصليبيون ضد سكان بيت المقدس إبان استيلاءهم عليها، عندما تخاذل عن الدفاع عنها العبيديون؛ إذ اكتفى واليهم آنذاك -افتخار الدولة- بتأمين نجاته مع حرسه الخاص، وترك المدينة للصليبيين يعيثون فيها فسادًا، بعد أن دافع عنها دفاعًا هزيلًا، ذرًا للرماد في العيون.
وسنعيش أحداث هذه المأساة مع قسيس صليبي هو "القس ريمند" وهو شاهد عيان يروي لنا ما فعله أبناء عمومته، وهو غير متهم بالمبالغة في تصوير المأساة إن لم يحاول إخفاء بعض المخازي. يقول بعد دخوله بيت المقدس: "وشاهدنا أشياء عجيبة؛ إذا قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رميًا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من قول الأبراج، وظل بعضهم يعذبون عدة أيام، ثم أحرقوا في النقار، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأرجل، والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل"١.
ويقول المستشرق ستيفن رنسيمان في وصف ذلك:
"على أنه لم ينج من المسلمين بحياتهم إلا هذه الفئة القليلة -وهم افتخار الدولة والي العبيدييين على القدس وحرسه الخاص- إذ أن الصليبيين، وقد زاد في جنونهم ما أحرزوه من نصر كبير بعد شقاء وعناء شديد، انطلقوا في شوارع المدينة، وإلى الدور والمساجد يقتلون كل من يصادفهم من الرجال
стр. 203
والنساء، والأطفال دون تمييز، استمرت المذبحة طوال مساء ذلك اليوم وطوال الليل، ولم يكن علم تانكرد١ عاصمًا للاجئين إلى المسجد الأقصى من القتل؛ ففي الصباح الباكر من اليوم الثاني اقتحم باب المسجد ثلثة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين وحينما توجه ريموند آجيل في الضحى لزيارة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بغلت ركبتيه.
وفر يهود بيت المقدس جميعًا ِإلى معبدهم الكبير؛ غير أنه تقرر إلقاء القبض عليهم بحجة أنهم ساعدوا المسلمين فلم تأخذهم بهم الرحمة والرأفة، فأشعلوا النار في المعبد، ولقي اليهود بداخله مصرعهم محترقين.
- يقول: وتركت مذبحة بيت المقدس أثرًا عميقًا في جميع العالم، ليس معروفًا بالضبط عدد ضحاياها٢ غير أنها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود"٣.
فانظر الفرق والبون الشاسع بين دخول الصليبين هذه المدينة المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود، وبين دخول القائد المسلم صلاح الدين.
وفي الأندلس عند أفول نجم الخلافة الإسلامية فيها، وتغلب النصارى عليها ألحقوا بالمسلمين ضروبًا من الظلم والأذى، يصور ذلك الدكتور توفيق الطويل في إيجاز فيقول:
"وقد استنفدت الكنيسة جهدها في إقناع المسلمين المقيمين في أسباينا، لكن يرتدوا عن دينهم ويعتنقوا المسيحية دينًا، وعلى غير جدوى ما بذلت من جهود، فاستجمعت محكمة التفتيش كل قواها، واعتصمت بالجرأة والتعصب،
стр. 204
وصبت عذابها على المسلمين في غير رفق ولا عدالة، حتى اعتنق النصرانية خار في ميدان الكفاح، وهاجر من حار بين التمسك بعقيدته، واحتمال آلام العذاب. وفي عام ١٦٠٩ و ١٦١٠ م تم إجلاء ألوف المسلمين عن أسبانيا بعد أن أغرقوا بدمهم أرضها، وكتبوا بمقاومتهم أنصح الصفحات في تاريخ الجهاد في سبيل الله"١.
ولعل من أقرب الشواهد إلى الذاكرة على ظلم النصارى ومبلغ اضطهادهم لمعتنقي الأديان الأخرى، ما اقترفه نصارى لبنان -الموارنة- ضد المسلمين الفلسطينيين في مخيمي "صبرا وشاتيلا" من مجازر ومذابح أودت بأرواح الآلاف من قاطني المخيمين مع ما صاحب ذلك من النهب والتدبير الشامل لمحتويات المخيمين وذلك عقب اجتياح الجيش اليهودي الصهيوني لمدينة بيروت وغيرها من المدن اللبنانية عام ١٩٨٢ م - ١٤٠٢ هـ.
يقول أحد شهود العيان: "دفنت في يوم واحد عددًا إجماليًا مائة وثلاث عشرة جثة ... وعندما دخلت المخيم رأيت اللحم ملزقًا على الحيطان، وتستطيع أن تقول كل أساليب القتل قد استخدمت: الساطور، البارودة، الرصاص، العصى، كاتم الصوت. وكان بين الضحايا من كان عمره تسعين سنة. ومن بين الذين دفناهم أطفال أعمارهم بين ٦- ٧ سنوات ونساء من مختلف الأعمار، كانوا -أي: النصارى- يقتلون كل شيء يتحرك قدامهم"٢، ٣.
стр. 205
وبعد: فإن النصارى ما كانوا في عدائهم عدولًا، ولا رحماء بمخالفيهم، كما هو شأن الإسلامِ؛ فقد كانت أفعالهم بخصومهم تفرق كل وصف، ولولا ما نقله شهود العيان مما أنزلوه بغيرهم من الظلم والعدوان لما استطاع المرء أن يتصور أن تصدر هذه الأعمال الموغلة في الوحشية والشناعة، من قوم لا دين لهم؛ فضلًا عن قوم يدعون أنهم أتباع من قال لهم: "قد سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك؛ أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا لأجل من ينتكم ويضطهدكم"١.
стр. 206
الفصل الثاني: في خيرية هذه الأمة
المبحث الأول: في إثبات خيريتها
تقدم لنا في أول الباب١: أن الخيرية أحد المعاني المثبتة لهذه الأمة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٢؛ فسرها بذلك الحافظ ابن كثير وغيره.
وقد نص الله ﵎ على خيريتها فيقول : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣.
وقال ﷺ في تفسير هذه الآية: "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" ٤.
стр. 207
وفي حديث آخر قال ﷺ : "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء؛ فقلنا: يا رسول الله! ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم" ١.
فهذه النصوص تدل على ثبوت عموم الخيرية لعموم هذه الأمة، وإن كان قد وردت بعض الآثار تدل على أن المراد: الصحابة أو بعضهم؛ ولكن كلها آثار موقوفة أو مقطوعة، ذكرها الإمام ابن جرير الطبري٢، ثم رجع أن المراد عموم الأمة؛ فقال عقب ذكره قول الحسن: "نحن آخرها وأكرمها" "وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن"٣، ثم ذكر حديث بهز بن حكيم المتقدم٤. كذا رجح ابن كثير حمل الآية على العموم فقال: "والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم"٥.
ورجح ذلك الحافظ ابن حجر أيضًا٦:
وما رجحه هؤلاء الأئمة هو الحق؛ فإن النصوص الصحيحة صريحة في العموم، وما جاء من الآثار في تخصيص ذلك ببعض الأمة كالصحابة أو بعضهم، لا يقوى على ذلك إذ ليس شيء منها مرفوعًا.
стр. 208
وعلى فرض أنها نزلت في الصحابة أو بعضهم؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في علم أصول التفسير.
على أن الصحابة رضوان الله عليهم أول الداخلين في هذا العموم؛ إذ هم خير هذه المة بعد نبيها ﷺ ، كما يدل عليه قوله ﷺ : "خير أمتي قرني" ١ فهم، خيار الخيار، وهم الصفوة الأخيار.
إشكال وجوابه:
قد يشكل على البعض ما ورد من تفضيل الله بني إسرائيل على العالمين، واختياره لهم، في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ٣؛ فكيف تكون هذه الأمة خير الأمم، مع كون بني إسرائيل أفضل العالمين؟
ويزول الإشكال إذا علمنا أن المراد: بـ "العالمين" من قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ، هم عالم زمانهم، وليس جميع العالمين الذين خلقهم الله، أخرج ابن جرير ﵀ عن قتادة٤ في قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ، قال: "فضلهم على عالم ذلك الزمان"٥، كما أخرج أيضًا عن أبي العالية٦: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ قال: "بما أعطوا من
стр. 209
الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالمًا"١ وكذا من مجاهد٢: "قال: على من بين ظهرانيه"٣.
وإلى هذا المعنى ذهب ابن جرير٤، وابن كثير٥ في تفسير الآية.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ -في الجواب عن هذا الإشكال: "قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ لا يعارض قوله تعالى في تفضيل هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية؛ لأنه المراد بالعالمين عالموا زمانهم بدليل الآيات والأحاديث المصرحة بأن هذه الأمة أفضل منهم، كحديث معاوية بن حيدة القشيري٦ في "المسانيد" و"السنن"؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" ٧.
ألا ترى أن الله جعل المقصتد منهم هو أعلاهم منزلة؛ حيث قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ٨، وجعل في هذه الأمة درجة أعلى من درجة المقتصد وهي درجة السابق بالخيرات؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ
стр. 210
مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١، ٢.
وهذه استدلال لطيف على تقدم هذه الأمة على بني إسرائيل في الفضل ألمح إليه الحافظ ابن كثير ﵀ ﷺ تعالى في تفسيره قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون﴾ ؛ حيث قال: "فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ " ٣.
стр. 211
المبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة
الوجه الأول: إيمانها بالله
...
المبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة
لم تنل هذه الأمة هذه المكانة السامقة بين الأمم، مصادقة ولا جزافًا ولا محاباة؛ فالله منزه عن أن يكون في ملكه شيء من ذلك؛ فكل شيء عنده بمقدار، وهو يخلق ما يشاء ويختار.
وهو سبحانه عندما أخبر أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بين وجه ذلك وعلته في نفس الآية؛ فقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ؛ فبهذه الأمور الثلاثة العظيمة القدر كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ على أن هذه الأمور ليست هي كل ما كانت به هذه الأمة خير أمة؛ إذ هناك أمور وخلال كثيرة أهلت هذه الأمة لهذه الخيرية، ولكن هذه الثلاثة أهمها وأعظمها، إذ لا تدوم ولا تستمر هذه الخيرية ولا تحفظ إلا بإقامتها وأدائها، فإن فقدت هذه الأمور في جيل من أجيال هذه الأمة لم يكن حريًا بهذه الخيرية التي حظيت بها هذه الأمة.
وسأعرض فيما يأتي لأهم أوجه هذه الخيرية، محاولًا الإيجاز وعدم الإطالة. فأقول وبالله التوفيق.
الوجه الأول: إيمانها بالله
وهذا الوجه وإن كان يظهر للوهلة الأولى أنه لا اختصاص لهذه الأمة به، فغيرها من الأمم يشاركها فيه، فما من أمة من الأمم بعث إليها رسول من الرسل إلا ووجد فيها من آمن به وصدقه واتبعه؛ إلا أن إيمان هذه الأمة يتميز عن إيمان سائر الأمم بأنه إيمان عام شامل، يشمل جميع الرسل التي أرسلت، والكتب التي أنزلت على جميع الأمم التي خلت ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا
стр. 212
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ ١. وقال ﷺ في حديث جبريل المشهور في بيان حد الإيمان الواجب على هذه الأمة: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٢.
فحصل لهذه الأمة المحمدية من الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب ما لم يحصل لغيره باعتبار ما يأتي:
١- أن هذه الأمة هي آخر الأمم، كما قال النبي ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" ٣، وقال في حديث آخر: "نكمل اليوم سبعين أمة نحن آخرها، وخيرها" ٤، وفي حديث آخر: "نكمل اليوم سبعين أمة نحن آخرها، وخيرها" ٤، وفي حديث آخر: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب" ٥؛ فآمنت بجميع الرسل والكتب التي قبلها، مع إيمانها برسولها الخاتم، وكتابها المهيمن على جميع الكتب، ولم يقع ذلك إلا ولها؛ فحق لها أن تكون خير الأمم؛ لأنها جمعت خيرما عندهم من الإيمان بالكتب والرسل.
٢- أن كثيرًا من الأمم التي قبلها، لم تؤمن بمن كان قبلها من الرسل والكتب، وبل كذبوا وكفروا بهم. وسيأتي لذلك زيادة إيضاح عند الكلام على وسطية هذه الأمة في باب أنبياء الله إن شاء الله تعالى.
وهذا الوجه وإن جاء في الآية تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه لمعنى اختلف المفسرون في تحديده٦، إلا أنه باتفاق الجميع هو الأساس الذي بني عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم يكن ثمت إيمان على أساسه يتصور المعروف فيؤمر به، والمنكر فينهى عنه؛ فليس هناك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بالمعنى الشرعي.
стр. 213
الوجه الثاني: أنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر
وهذا من أعظم ما به كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ فهو من أظهر خصائصها، وأبرز ما تتيمز به عن سائر الأمم، ولذلك قدمهما الله في الذكر على الإيمان به تعالى، مع كونه -أي: الإيمان- متقدمًا عليهما في الوجود والرتبة؛ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ، وقد أمر الله هذه الأمة بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن يكون فيها من يقوم بذلك فقال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١، كما أوجب النبي ﷺ ذلك على أمته على حسب الاستطاعة وهي مراتب فقال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٢.
стр. 214
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: "وأما قوله ﷺ : "فليغيره"؛ فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلاد عذر ولا خوف"١.
ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه المثابة، عدهما كثير من السلف شرطًا في استحقاق الخيرية المشار إليها في الآية، مع إيمان بالله : كما روى ابن جرير ﵀ بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أنه في حجة حجها قرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: "يا أيها الناس! من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها"٢.
وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأخرج عن مجاهد في قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، يقول: "على هذا الشرط: أن تأمروا باملعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله"٣.
ولقد كانت هذه الأمة أكثر الأمم قيامًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لم يكن في أمة من الأمم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل ما في هذه الأمة؛ إذ كانت أعظم الأمم التي قبلنا وهم بنو إسرائيل مفرطين فيهما غير قائمين بهما كما قص الله علينا خبرهم في قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
стр. 215
بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١.
فلما قامت هذه الأمة بهذا الأمر مع تقصير غيرها من الأمم وتفريطها فيه، كانت جديرة بما أثبته الله ورسوله لها من الخيرية؛ إذ خير الناس آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، كما جاء عن النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن درة٢ بنت أبي لهب قال: "قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ فقال ﷺ : خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم "٣.