← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7334

وسطية أهل السنة بين الفرق

محمد با كريم محمد با عبد الله

Полный текст (520 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة الوجه الأول: إيمانها بالله ... المبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة لم تنل هذه الأمة هذه المكانة السامقة بين الأمم، مصادقة ولا جزافًا ولا محاباة؛ فالله منزه عن أن يكون في ملكه شيء من ذلك؛ فكل شيء عنده بمقدار، وهو يخلق ما يشاء ويختار. وهو سبحانه عندما أخبر أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بين وجه ذلك وعلته في نفس الآية؛ فقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ؛ فبهذه الأمور الثلاثة العظيمة القدر كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ على أن هذه الأمور ليست هي كل ما كانت به هذه الأمة خير أمة؛ إذ هناك أمور وخلال كثيرة أهلت هذه الأمة لهذه الخيرية، ولكن هذه الثلاثة أهمها وأعظمها، إذ لا تدوم ولا تستمر هذه الخيرية ولا تحفظ إلا بإقامتها وأدائها، فإن فقدت هذه الأمور في جيل من أجيال هذه الأمة لم يكن حريًا بهذه الخيرية التي حظيت بها هذه الأمة. وسأعرض فيما يأتي لأهم أوجه هذه الخيرية، محاولًا الإيجاز وعدم الإطالة. فأقول وبالله التوفيق. الوجه الأول: إيمانها بالله وهذا الوجه وإن كان يظهر للوهلة الأولى أنه لا اختصاص لهذه الأمة به، فغيرها من الأمم يشاركها فيه، فما من أمة من الأمم بعث إليها رسول من الرسل إلا ووجد فيها من آمن به وصدقه واتبعه؛ إلا أن إيمان هذه الأمة يتميز عن إيمان سائر الأمم بأنه إيمان عام شامل، يشمل جميع الرسل التي أرسلت، والكتب التي أنزلت على جميع الأمم التي خلت ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا

стр. 212

سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ ١. وقال ﷺ في حديث جبريل المشهور في بيان حد الإيمان الواجب على هذه الأمة: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٢. فحصل لهذه الأمة المحمدية من الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب ما لم يحصل لغيره باعتبار ما يأتي: ١- أن هذه الأمة هي آخر الأمم، كما قال النبي ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" ٣، وقال في حديث آخر: "نكمل اليوم سبعين أمة نحن آخرها، وخيرها" ٤، وفي حديث آخر: "نكمل اليوم سبعين أمة نحن آخرها، وخيرها" ٤، وفي حديث آخر: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب" ٥؛ فآمنت بجميع الرسل والكتب التي قبلها، مع إيمانها برسولها الخاتم، وكتابها المهيمن على جميع الكتب، ولم يقع ذلك إلا ولها؛ فحق لها أن تكون خير الأمم؛ لأنها جمعت خيرما عندهم من الإيمان بالكتب والرسل. ٢- أن كثيرًا من الأمم التي قبلها، لم تؤمن بمن كان قبلها من الرسل والكتب، وبل كذبوا وكفروا بهم. وسيأتي لذلك زيادة إيضاح عند الكلام على وسطية هذه الأمة في باب أنبياء الله إن شاء الله تعالى. وهذا الوجه وإن جاء في الآية تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه لمعنى اختلف المفسرون في تحديده٦، إلا أنه باتفاق الجميع هو الأساس الذي بني عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم يكن ثمت إيمان على أساسه يتصور المعروف فيؤمر به، والمنكر فينهى عنه؛ فليس هناك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بالمعنى الشرعي.

стр. 213

الوجه الثاني: أنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهذا من أعظم ما به كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ فهو من أظهر خصائصها، وأبرز ما تتيمز به عن سائر الأمم، ولذلك قدمهما الله في الذكر على الإيمان به تعالى، مع كونه -أي: الإيمان- متقدمًا عليهما في الوجود والرتبة؛ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ، وقد أمر الله هذه الأمة بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن يكون فيها من يقوم بذلك فقال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١، كما أوجب النبي ﷺ ذلك على أمته على حسب الاستطاعة وهي مراتب فقال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٢.

стр. 214

قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: "وأما قوله ﷺ : "فليغيره"؛ فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلاد عذر ولا خوف"١. ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه المثابة، عدهما كثير من السلف شرطًا في استحقاق الخيرية المشار إليها في الآية، مع إيمان بالله : كما روى ابن جرير ﵀ بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أنه في حجة حجها قرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: "يا أيها الناس! من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها"٢. وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأخرج عن مجاهد في قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، يقول: "على هذا الشرط: أن تأمروا باملعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله"٣. ولقد كانت هذه الأمة أكثر الأمم قيامًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لم يكن في أمة من الأمم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل ما في هذه الأمة؛ إذ كانت أعظم الأمم التي قبلنا وهم بنو إسرائيل مفرطين فيهما غير قائمين بهما كما قص الله علينا خبرهم في قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ

стр. 215

بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١. فلما قامت هذه الأمة بهذا الأمر مع تقصير غيرها من الأمم وتفريطها فيه، كانت جديرة بما أثبته الله ورسوله لها من الخيرية؛ إذ خير الناس آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، كما جاء عن النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن درة٢ بنت أبي لهب قال: "قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ فقال ﷺ : خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم "٣.

стр. 216

الوجه الثالث: كونها خير الأمم للناس وأنفعها لهم وذلك أن هذه الأمة لما قامت بواجب الأمر بالمعورف والنهي عن المنكر، وكان من أعظم المعروف الذي تأمر به الإيمان بالله وعبادته وحده، ومن أنكر المنكر الذي تنهى عنه وتحذر الناس منه: الإشراك بالله وعبادة غيره من دونه، كما قال عبد الله بن عباس ﵄: "تأمرونهم بالمعروف؛ أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و"لا إله إلا الله" هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكر المنكر"١؛ إنما كانت في الواقع تدعو الناس إلى ما فيه نفعهم ونجاتهم، وتنهاهم عما فيه هلاكهم، بأذلة في سبيل ذلك النفس والنفيس، ليس لها هدف إلا القيام بما أوجبه الله عليها من هداية الخلق إلى طريق النجاة، وإخراجهم

стр. 217

من ظلمات الجهل والشك، والوثنية، إلى نور التوحيد والإيمان، وتحريرهم من عبودية العباد إلى عبودية الخالق جلا وعلا، كما قال ربعي بن عامر١ ﵁ لرستم٢ قائد الفرس لما سأله: ما جاء بكم؟ قال: "الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه، حتى نقضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي"٣. لقد كان هذا الصحابي الجليل خير سفير لهذه الأمة إلى رستم وقومه، ترجم لهم مهمة هذه الأمة، وهدفها، وهو أنها لم تخرج لطلب مال، أو ملك، أو أرض، وغنما أخرجها الله، وابتعثها، كما قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ بالبناء للمجهول للدلالة على أنها لم تخرج بنفسها لهوى أو مصلحة ذاتية؛ وإنما أخرجت للناس، الله هو الذي أخرجها؛ لتدعوا بنفسها لهوى أو مصلحة ذاتية؛ وإنما أخرجت للناس، الله هو الذي أخرجها؛ لتدعو الخلق إلى عبادة الخالق دون المخلوق، ليس لها هدف سوى ذلك. فإن هو تحقق كان ذلك غاية ما تطمح إليه وتسعد به "فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا". من أجل ذلك كانت هذه الأمة خير الأمم للناس؛ لأنها تدعوهم إلى

стр. 218

الخير، ولا ترجو منهم ثمنًا له؛ بل تجاهد من يحول بينها وبين تبليغ عباد الله دين الله، حتى يخلي بينهم وبينه، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إذا تبين للناس الرشد من الغي كما قال : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٢. لكن هذه الأمة بما أوتيت من حب الخير للغير، تكره للناس أن ينتهوا إلى هذا المصير الرهيب، وتجهد نفسها -في غير ولا أذى- في سبيل أن تحول بينهم وبينه. إن أمة تحمل للبشرية كل هذا الخير، غير مبالية بما تلقى من عنت، وسغب، ونصب، بما في ذلك القتل والقتال، وفراق المال والعيال. لهي بحق خليفة بأن تكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ؛ لأنها تسعى لنفعهم وهدايتهم وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم. يقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ في هذا المعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ؛ لأنها تسعى لنفعهم وهدايتهم وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم. يقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ في هذا المعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون في الإسلام"٣. وكذا قال غير واحد من السلف كابن عباس٤، ومجاهد، وعكرمة، والربيع بن أنس وغيرهم٥.

стр. 219

الوجه الرابع: كونهم أكثر الناس استجابة للأنبياء ... الوجه الرابع: كونهم أكثر استجابة للأنبياء أشار إلى هذا الوجه الإمام ابن جرير ﵀ بقوله: "وقال آخرون إنما قيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ؛ لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام، ثم روى عن الربيع١ أنه قال في الآية: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة؛ فمن ثم قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢. يدل لذلك ما جاء في الصحيح من كونه ﷺ أكثر الأنبياء تبعًا. كما في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد" ٣ وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة" ٤. يوضح النبي ﷺ مبلغ هذه الكثرة فيقول في الحديث الذي رواه ابن عباس ﵄: "عرضت على الأمم؛ فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط٥، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه. قيل: انظر إلى الأفق؛ فإذا سواد يملأ الأفق. ثم قيل لي: انظر هاهنا، وهاهنا -في آفاق السماء- فإذا سواد قد ملأ الأفق، وقيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير

стр. 220

حساب" ١. وهذه النصوص الصحيحة صريحة في بيان أن المؤمنين المتبعين للنبي ﷺ من هذه الأمة، أكثر من المتبعين لأي نبي من الأنبياء من الأمم السابقة؛ فهذه الأمة أقرب الأمم إلى الحق واعتناقه، وهذه علامة الخير والرشد، وبذلك كانت ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ؛ لكون المؤمنين والمهتدين منها أكثر منهم في الأمم قبلها.

стр. 221

الوجه الخامس: كونها لا تجتمع على ضلالة وذلك أنها أمة ورثت الرسل في القيام بهداية البشرية ودعوتها إلى ما دعا إليه سائر الرسل من الإيمان بالله وعبادته وحده؛ فهي ذات رسالة تبلغها، وتستمر في إبلاغها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذلك ما كان لهذه الأمة أن تضل عن مهمتها ورسالتها مهما طال عليها الأمد، وامتد بها الأجل؛ لأنها إن ضلت هي فلن يهتدي أحد، لانقطاع الوحي والرسالة. وقد يضل بعض أفراداها وطوائفها عن الحق؛ بل قد يكفر ويلحد وينافق طوائف منها ولكنها لا تجمع ولا تجتمع على ذلك أبدًا. بذلك أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ ؛ فقال فيما رواه أنس بن مالك ﵁: "إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة" ١، بخلاف من قبلها من الأمم؛ فإنه كان الحق يغلب فيهم حتى لا تقوم به طائفة منهم، فهؤلاء أهل الكتاب، اليهود منهم

стр. 222

والنصارى، اندثر الحق والدين الصحيح بينهم وانقرضت الفرقة التي كانت على الحق أو انحرفت، وأصبحت فرقهم كلها على ضلال وكفر وشك وشرك؛ فهاهم اليوم بسائر فرقهم وطوائفهم قد أجمعوا على الضلالة والكفر وأعرضوا عما جاء به الإسلام من الحق؛ فليس منهم رجل رشيد. أما هذه الأمة؛ فإنها والحمد لله لا تجتمع على ضلالة أبدًا؛ بل لا بد أن يبقى منها طائفة على الدين الصحيح ظاهرة قائمة به، كما قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" ١، وفي رواية أخرى: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" ٢. فأمة تثبت على الخير والإيمان ولا يضمحل فيها نور النبوة والإسلام، بل يبقى مشتعلًا مضيئًا في يدها تحمله جيلًا بعد جيل إلى أن تلقى الله به آخر طائفة منها، لا شك أنها خير الأمم التي عرفتها البشرية، بما لم توغل، كما أوغل الكثير من الأمم قبلها في الكفر والضلالة، وبما بقي بها من الخير والهدى ما لم يبق في غيرها من الأمم.

стр. 223

الوجه السادس: كون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتب السماوية ... الوجه السادس: كون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتاب السماوية وذلك من وجوه: ١- أنه الكتاب الذي وصفه الله بأنه أحسن الحديث الذي أنزله؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١.

стр. 224

قال الحافظ ابن كثير: "هذا مدح من الله لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسول الكريم"١، وهو نص في أن القرآن الكريم أحسن وأفضل من غيره من الكتب السماوية التي أنزلها الله قبله. ٢- أنه الكتاب السماوي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من الزيادة والنقصان ومن التحريف والتبديل؛ فقال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ فالمراد بالذكر: القرآن، والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ راجع إليه على الصحيح. قال فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية، أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ راجع إلى الذكر الذي هو القرآن، وقيل: الضمير راجع إلى النبي ﷺ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٣ والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق"٤. وأخبر جلا وعلا: أن الباطل لا يتطرق إليه بحال؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٥؛ فكتاب هذه الأمة محفوظ بحفظ الله له، وقد مضى على نزوله الآن أربعة عشر قرنًا من الزمان، ولا يزال كما أنزله الله على عبده ورسوله محمد ﷺ ، لم يستطع أحد أن يزيد فيه حرفًا، أو ينقص منه حرفًا، أو يبدل فيه حرفًا مكان آخر؛ فهو محفوظ في السطور والصدور، يحفظه عشرات الآلاف من المسلمين، ولو أراد مريد أن يزيد فيه حرفًا أو ينقصه منه لرد عليه صغار أبناء المسلمين قبل كبارهم وذلك من حفظ الله له.

стр. 225

وهذه حقيقة ملموسة يعترف بها أعداء الإسلام فضلًا عن أبنائه. يقول وليم ميمور في كتابه "حياة محمد": وهو معروف بتحامله على الإسلام ونبيه ﷺ : "لم يمض على وفاة محمد ﷺ ربع قرن حتى نشأت منازعات عنيفة، وقامت طوائف، وقد ذهب عثمان ﵁ ضحية هذه الفتن ولا تزال هذه الخلافات قائمة؛ ولكن القرآن ظل كتاب هذه الطوائف الوحيد، إن اعتماد هذه الطوائف جميعًا على هذا الكتاب تلاوة، برهان ساطع على أن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو الصحيفة التي أمر الخليفة المظلوم بجمعها وكتابتها؛ فلعله هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصًا محفوظًا من التحريف طيلة ألف ومائتي سنة"١. ويقول وهيري في تفسيره للقرآن: "إن القرآن أبعد الصحف القديمة بالإطلاق عن الخلط والإلحاق، وأكثر صحة وأصالة"٢. ويقول المستشرق لين بول "١٨٣٢- ١٨٩٥"٣: "إن أكبر ما يمتاز به القرآن أنه لم يتطرق شك إلى أصالته، إن كل حرف نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير منذ ثلاثة عشر قرنًا"٤. وذلك بخلاف الكتاب السماوية السابقة، التي طرأ عليها الكثير من التحريف والتبديل، والزيادة والنقصان، بل والضياع أيضًا، وكان من ذلك ما

стр. 226

أشار إليه الحق ﵎ في غير ما آية من كتابه العزيز كقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٢. وقوله : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ ٣. وذلك لأن الله لم يتكفل بحفظها؛ وإنما وكل ذلك إلى أهلها فضيعوا وحرفوا وبدلوا. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ ٤. قال الشيخ محمد الأمين ﵀ عليه: "فإن قيل: ما الفرق بين التوراة والقرآن؛ فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله عليهم، والتوراة حرفت، وبدلت. والقرآن محفوظ من التحريف والتدبيل، ولو حرف منه أحد حرفًا واحدًا فأبدله بغيره أو زاد فيه حرفًا أو نقص منه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلًا عن كبارهم؟ قال: فالجواب: أن الله استحفظهم التوراة، واستودعهم إياها؛ فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمدًا، والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى

стр. 227

أحد حتى يمكنه تضييعه؛ بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات"١. ٣- أنه الكتاب المهيمن على الكتب قبله: لما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية المنزلة، وهو الكتاب الذي يحمل الصورة الأخيرة لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن المرجع الأخير في عقائد الناس، وشرائعهم ونظام حياتهم٢؛ فقد جعله الله الكتاب المهيمن على الكتب المنزلة قبله، فقال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٣؛ أي: هو الشهيد والأمين والمؤتمن والرقيب والحاكم على كل كتاب قبله كما أثر ذلك عن ابن عباس وغيره٤. يقول العلامة ابن كثير ﵀: "وهذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى؛ فإن اسم "المهيمن" يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، وجعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥، ٦. ٤- أنه الكتاب الوحيد الذي تحدى الله البشر أن يأتوا بسورة من مثله:

стр. 228

القرآن الكريم معجزة الله الخالدة، التي آتاها نبيه ﷺ ، للدلالة على صدقه ونبوته، فتحدى به الجن والإنس، أن يأتوا بمثله فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٢، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله؛ فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣؛ فلما لم يستطيعوا تحداهم أن يأتوا بسورة، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ ٤. وهذا التحدي هو من خصائص هذا الكتاب العزيز، ولم يقع لكتاب قبله؛ لأن الله لم يجعلها معجزة لأنبيائه؛ وإنما اختص كل نبي منهم بمعجزة رئيسه من جنس ما برع فيه قومه؛ فكانت معجزة موسى ﵇ "العصى" و"اليد" لبروع قومه في السحر، وجعل معجزة عيسى ﵇ إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص لبروز قومه في الطب، ثم جعل معجزة نبينا ﷺ هذا الكتاب الكريم المعجز بنظمه ومعناه فتحدى به العرب مع فصحاتهم وبلاغتهم التي عرفوا بها. يقول ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر؛ وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله، فأرجو أن أكون أكثر تابعًا يوم القيامة" ٥، قال الإمام ابن كثير في معنى قوله ﷺ في الحديث: "إنما كان الذي أوتيته وحيًا" أوحاه الله؛ فأرجو أن أكون أكثر تابعًا يوم القايمة" ٥. قال الإمام ابن كثير في معنى قوله ﷺ في الحديث: "إنما كان الذي أوتيته وحيًا": "أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن

стр. 229

يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية؛ فإنها ليست معجزة والله أعلم"١. وبعد: فهذا غيض من فيض من فضائل هذا الكتاب العظيم، الذي أنزل على هذه الأمة؛ فهو الكتاب الوحيد الذي وصفه الله بأنه أحسن الحديث، والكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من بين سائر كتبه، وهو الكتاب الذي جعله الله مهيمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، حاويًا لأفضل وأحسن ما جاء فيها، وزايدًا عليها بفضائل كثيرة وهو الكتاب الوحيد الذي تحدي الله الجن والإنس أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة من سوره. وإن اختيار الله لكتاب بهذه العظمة وهذا الفضل ليكون الكتاب الذي ينزل على هذه الأمة ليدل على فضل هذه الأمة وخيريتها. يقول الإمام ابن كثير -يعد إيراده حديث بهز بن حكيم: "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله"٢-: "وإنما فازوا بهذه ببركة الكتاب العظيم القرآن الذي شرفه الله على كل كتاب أنزله وجعله مهيمنًا عليه وناسخًا له وخاتمًا له"٣. وقال الحافظ ابن حجر مبينًا مناسبة إيراد الإمام البخاري لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس ومثلكم ومثل اليهود والنصارى، كمثل رجل استعمل عمالًا؛ فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود، فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء،

стр. 230

قال: هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلي أوتيه من شئت"١ في باب "فضل القرآن على سائر الكلام" قال: "ومناسبة الحديث -أي: للباب- من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به"٢.

стр. 231

الوجه السابع: كون نبيها أفضل الأنبياء والرسل عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام لقد بين الله في كتابه الكريم أنه فضل بعض الرسل والأنبياء على بعض؛ فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ١، وقال في آية أخرى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ٢. قال الإمام ابن كثير: "ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٣، وفي الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤، ولا خلاف أن محمدًا ﷺ أفضلهم ثم بعده إبراهيم ثم موسى على المشهور"٥.

стр. 232

فنبينا ﷺ أفضل الخلق قاطبة، وهو سيد البشر، كما أخبر عن ذلك ﷺ في قوله: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ " ١، ثم بين ﷺ أنه يشفع للخلق يوم القيامة حين لا يشفع هذه الشفاعة العظمى غيره من الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام. وقال ﷺ في حديث آخر: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع" ٢. وهو ﷺ حين يقول ذلك ويخبر به لا يقوله من باب التفاخر والتعالي؛ فقد صرح بنفي الفخر في رواية أخرى فقال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ٣؛ وإنما قاله لوجهين: أحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ٤. والثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه ﷺ بما تقتضي مرتبته، كما أمرهم الله تعالى٥. ولأنه لا يمكننا معرفة ذلك إلا بخبره ﷺ ؛ إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله٦.

стр. 233

ولا يشكل على تفضيله ﷺ على غيره من الأنبياء والمرسلين، ما ورد من قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش؛ فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله" ١، وقوله ﷺ في رواية أخرى: "لا تفضلوا بين الأنبياء" ٢، وقوله ﷺ : "لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" ٣. فإن المراد بالنهي: التفضيل المؤدي إلى تنقص المفضول من الأنبياء وهذا غير لازم لتفضيل النبي ﷺ ؛ لأنهم أفاضل وهو أفضلهم من غير نقص أو تنقص لمكانتهم صلوات الله وسلامه عليهم. وقال بعض أهل العلم: "المراد بالنهي: التفضيل المؤدي إلى الخصومة والتنازع، وقال بعضهم: أنه ﷺ نهى عن تفضيله على موسى أو غيره من الأنبياء تواضعًا وتأدبًا؛ وإلا فهو أفضلهم"٤. عموم رسالته: وإن من أعظم ما به فضل نبي هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، ما خصه الله به، من عموم البعثة، وشمول الرسالة لجميع الأمم، وليس ذلك لأحد قبله من إخوانه الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

стр. 234

وفي بيان عموم رسالته يقول المولى ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١. قال الإمام ابن جرير في تفسيرها: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ "قُلْ" يا محمد للناس كلهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعضِ، كما كان من قبلي من الرسل مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض؛ فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم"٢. وقال الإمام ابن كثير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ؛ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، ثم ذكر بعض الآيات الدالية على ذلك وقال: والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر. وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم"٣. ومن الآيات الدالة على عموم رسالته ﷺ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٤، وقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ٥. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما جاء في الصحيين من حديث جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بارعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي،

стр. 235

وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ١. وكل الأنبياء والرسل قبله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة دون غيرهم. كما أخبر الله ؛ فقال عن نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٢. وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٣. وقال عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ٤، وقال عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ٥، وقال عن لوط ﵇: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ٦ وقال عن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ ٧، وقال عن موسى ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِه﴾ ٨، وقال عن عيسى ﵇: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٩. وقال في حق محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ لجميع الناس؛ بل والجن أيضًا، قد ثبت أنه ﷺ مرسل إليهم أيضًا، وقد بلغهم ﷺ كما ِأخبر المولى بذلك في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ

стр. 236

وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ ١. قال الإمام البيهقي: "فبان بقوله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ أنهم عرفوا أنه مبعوث إليهم، وسمعوا دعوته إياهم والذين لم يحضروه من جملتهم؛ فلذلك قالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، فقالوا: آمنا به"٢، كما دل على ذلك قوله : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ٣. وقال الإمام ابن كثير في تفسيره لآية "الأحقاف": "فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن؛ حيث دعاهم إلى الله وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّه﴾ ٤. ختم النبوة به: ومما يدل على مبلغ فضله ﷺ وعلو مقامه، أن الله ختم به النبوات، وبرسالته الرسالات، فلا تحتاج البشرية بعده إلى نبي، ولا بعد رسالته ودينه الكامل الشامل إلى رسالة أو دين. يقول : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٥. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ

стр. 237

قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا؛ فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" ١. وبعد: فإن هذه الأمة إنما حازت قصب السبق إلى الخيرات بينهما محمد ﷺ ؛ فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، بعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل؛ فالعمل على منهاجه وسبيله، يقول القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه٢. ولأمة يختار الله لها أفضل رسله، وأعلاهم مكانة ومنزلة عنده وأحبهم إليه فيبعثه فيها هاديًا ونبيًا ورسولًا. لهي أمة حرية بأن تكون خير أمة؛ لأنها أمة خير الخلق والرسل منه تعلمت وعلى يديه تربت وبه بذت الأمم.

стр. 238

الوجه الثامن: تقديمها على الأمم في الحشر والحساب يوم القيامة ودخول الجنة مع كونها آخر الأمم إن مما يدل على فضل هذه الأمة، وكونها خير الأمم ما خصها اللهبه من التكريم والتشريف وتقديمها على سائر الأمم يوم القيامة في الحشر والحساب، كما قال ﷺ : "نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون والأولون" ١. وفي "الصحيح" أنه ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة؛ بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله؛ فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" ٢.

стр. 239

يقول الحافظ ابن حجر في "شرحه": "أي: نحن الآخرون زمانًا السابقون منزلة، قال: والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية؛ فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يحشر وأول من يحاسب وأول من يقضي بينهم، وأول من يدخل الجنة. وقيل: المراد بالسبق: إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة، ويوم الجمعة وإن كان مسبوقًا بسبت قبله أو أحد لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا"١. وظاهر الحديث يشمل الأمرين؛ فقد نص على سبقها يوم القيامة، كما هو نص في سبقها في الاهتداء لأفضل الأيام الذي هو يوم الجمعة مع تأخرها عن اليهود والنصارى في الزمان والله تعالى أعلم. وهي كذلك أول الأم دخولًا الجنة، مع كونها آخر الأمم زمانًا، وذلك من تكريم الله لها، وتفضيله إياها، يقول ﷺ في ذلك: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة" ٢:

стр. 240

الوجه التاسع: كونها أكثر أهل الجنة لا كانت هذه الأمة أكثر الأمم استجابة للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، حتى كان ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا، امتازت بأنها أكثر من يدخل الجنة من الأمم. وفي ذلك دلالة جلية على فضلها وخيريتها. يقول ﷺ : "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفس محمدبيده؛ إني لأرجو أن تكونوا

стр. 241

شطر أهل الجنة الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر" ١.

стр. 242

الفصل الثالث: اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط والغلو والتقصير تمهيد ... تمهيد: تقدم في أول هذا الباب أن الاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو أحد معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١. وهو المعنى الذي مقال إليه الإمام ابن جرير ﵀ في تفسير الآية كما تقدم على أن اختياره له، لا ينافي المعاني الأخرى الثابتة في معنى الوسطية، والتي تقدم الكلام عليها في الفصلين السابقين من هذا الباب. وإن المتأمل في دين هذه الأمة واعتقادها، وعبادتها ومعاملاتها، ومواقفها بعامة؛ ليدرك أن الاعتدال والتوازن والتوسط أحد الخصائص الهامة التي تميزت بها هذه الأمة. فهي وسط بين الأمم، آخذه بزمام الاعتدال والتوازن، بعيدة عن طرفي الإفراط والغلو، والتفريط والتقصير والجفاء إذ كلاهما مذموم غير محمود، وغاية البعد عنهما هو التوسط بينهما؛ إذ هو نقطة التوازن والاعتدال. ولعل من أهم مظاهر اعتدالها وتوسطها؛ كونها وسطًا بين الأمم الجوانب التالية: ١- في توحيد الله وصفاته: فهي وسط في ذلك بين اليهود والنصارى.

стр. 243

فاليهود وصفوا الرب بصفات النقص التي يختص بها المخلوق، وشبهوا الخالق بالمخلوق؛ فقالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السماوات والأرض تعب فاستراح يوم السبت. إلى غير ذلك من قبيح قولهم. والنصارى: وصفوا المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها؛ فشبهوا المخلوق بالخالق؛ حيث قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب. والمسلمون: وحدوا الله ، ووصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، وأن يشابهه أو يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات، وقالوا: ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته١. ٢- في أنبياء الله ورسله: فهذه الأمة في هذا الباب أيضًا وسط بين اليهود والنصارى. فاليهود: قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، ورموهم بارتكاب الكبائر، وكذبوهم، وجفوهم، واستكبروا عن اتباعهم. والنصارى: غلوا فيهم فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح ابن مريم. وأما المسلمون: فأنزلوهم منازلهم وعزروهم ووقروهم، وصدقوهم ولم يكذبوهم وأحبوهم وأطاعوهم وآمنوا بهم جميعًا عبيدًا لله رسلًا مبشرين ومنذرين، ولم يعبدوهم أو يتخذوهم أربابًا من دون الله.

стр. 244

٣- في الشرائع: فاليهود: منعوا الخالق أن يبعث رسولًا بغير شريعة الرسول الأول، وقالوا: لا يجوز أن ينسخ ما شرعه، أو يمحو ما يشاء ويثبت. والنصارى: جوزوا لأحبارهم وأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا، كما ذكرالله ذلك عنهم؛ بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١، جاء في حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال بعد هذه الآية: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم؛ ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" ٢. والمسلمون: قالوا: لله الخلق والأمر، يمحوا ما يشاء ويثبت، وقالوا: إن الله يحكم ما يريد، وأما المخلوق؛ فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، مهما بلغت منزلته وعظم قدره. ٤- في أمر الحلال والحرام: هي في ذلك أيضًا متوسطة معتدلة, وهي وسط بين اليهود والنصارى. فاليهود: حرم عليهم كثير من الطيبات؛ مما حرمه إسرائيل على نفسه ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ٣، ومما حرمه الله عليهم جزاء بغيهم وظلمهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ

стр. 245

الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ١. والنصارى: أسرفوا في الإباحة، وأحلوا ما نصت التوراة على تحريمه، ولم يأت المسيح بإباحته؛ فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، كالميتة والدم ولحم الخنزير، حتى إنهم يتعبدون بالنجاسات كالبول والغائط ولا يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون لصلاة، وكلما كان الراهب عندهم أبعد عن الطهارة وأكثر ملابسة للنجاسات كان مغظمًا عندهم٢. والمسلمون: أحلوا ما أحله الله ورسوله لهم من الطيبات، وحرموا ما حرم عليهم من الخبائث، واتبعوا في ذلك ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٣. ٥- في العبادة: وهم وسط في ذلك بين: اليهود: الذين أعرضوا عن العبادات، واستكبروا عن عبادة الله، وتشاغلوا بالشهوات، وعبدوا أنفسهم للمادة، واشتغلوا بديناهم عن دينهم وآخرتهم؛ حتى إنك تكاد لا تجد فيما بين أيديهم من كتابهم ذكرًا للجزاء الأخروي على الأعمال والعبادات؛ وإنما يجعلون جزاء ذلك في الدنيا، من زيادة في المال والرزق ومعافاة في الجسد والبدن، وإن وجد ذكر لذلك وهو قليل، فعمل القوم على خلافه.

стр. 246

والنصارىِ: غلوا في الرهبنة، وتعبدوا ببدع ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أمرهم بها نبي ولا رسول، فاعتزلوا الناس، وانقطع عبادهم في الأديرة والخلوات وألزموا أنفسهم ما لم يلزمهم الله به مما يشق على النفس والجسد، ويغالب الفطرة البشرية ويضادها؛ فلم يستطيعوا الوفاء ألزموا أنفسهم به من ذلك كما قال عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١. والمسلمون: عبدوا الله وحده بما شرع، ولم يعرضوا ويستكبروا عن عبادته كما فعل اليهود، ولم يبتدعوا في عبادتهم ما لم يأذن به الله، كما فعل النصارى. ولم يقصروا فيما فرض عليهم من العبادات، وأمروا به من الفراض والنوافل ولم يفرطوا في التعبد فيحملوا أنفسهم ما لا يطيقون؛ بل كانوا بين ذلك على صراط مستقيمِ، فصاموا وأفطروا، وقاموا الليل، وناموا، وتزوجوا النساء وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنسهم ولم ينسو نصيبهم وحظوظهم من الدنيا، قدوتهم في ذلك نبهيم ﷺ . وبعد: فجوانب وسطية هذه المة كثيرة ومظاهر ذلك يتعذر علينا حصرها، بله تفصيلها؛ فليس ذلك بسمتطاع في مثل هذا المقام؛ ولكن سنكتفي بما سبق أن أجملنا ذكره من ذلك، وسنعرض بشيء من التفصيل للمظهر الأول والثاني في المبحثين الآتيين، وبالله التوفيق.

стр. 247

المبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته مدخل ... المبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته إن المتأمل في كتاب الله ﵎ وما جاء فيه عن دعوات الرسل وما أنزل عليهم من الكتب ليخرج بحقيقة واحدة، أطبق عليها جمع الرسل، وأنزلت بها جميع الكتب السماوية. هذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله وعبادته دون سواه؛ فهي أس الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها. وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج فما من نبي أرسل ولا كتاب أنزل إلا وكان أول ما يدعوا إليه هو توحيد الله ﵎. يقول الله في تقرير هذه الحقيقة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وإذا استعرضنا القرآن الكريم في حديثه عن رسل الله عليهم الصلاة والسلام نجد أن كل رسول قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣. ابتداء من أولهم نوح ﵇، وانتهاء بخاتمهم نبينا محمد ﷺ . فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، وهو الإسلام، وشرائعهم مختلفة كما قال المصطفى ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا

стр. 248

والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد" ١. قال الحافظ ابن حجر: "ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع. وقيل المراد: أن أزمنتهم مختلفة"٢. وقال الحافظ ابن كثير في معنى الحديث: "أي: القدر المشترك بينهم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٣، ٤. وكل الأنبياء أخبروا بأنهم مسلمون ودعوا قومهم للإسلام٥؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غيره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٦، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٧. وهذا يدل على أن دين جميع الأنبياء واحد وهو الإسلام ودعوتهم واحدة وهي الدعوة لتوحيد الله وإفراده بالعبادة، على هذا مضى رسل الله والمسلمون من أممهم. ولكن قومهم غيروا وبدلوا بعدهم، وحرقوا وأدخلوا في دين الله ما لم يأذن

стр. 249

به الله، وشمل التحريف والتبديل أساس دعوة الرسل، وهو التوحيد. وما يتعلق بذات الله من الأسماء والصفات؛ فتفرقت الأمم في ذلك ما بين مفرط، ومفرط، وغال ومقصر، لإعراضهم عن هدي المرسلين وإتباعهم غير سبيل المؤمنين. ومن أعظم الأمم اختلافًا وضلالًا في هذا الباب، أمة اليهود والنصارى؛ فاليهود غلب عليهم التقصير والتفريط والجفاء، وإن كان لديهم غلو وإفراط، والنصارى غلب عليهم الغلو والإفراط وإن كان وقع منهم تفريط وتقصير في جوانب. والمسلمون اتبعوا الرسل؛ فهدوا لأقوم السبل، فكان قولهم هدى بين ضلالتين، وحقًا بين باطلين، فهو كلبن سائغ يخرج من بين فرث ودم. وفي هذا المبحث سنبين ما ذهب إليه كل من هذه الأمم الثلاث في هذا الباب بعون الله تعالى.

стр. 250

أولًا: موقف أمة اليهود عرفنا مما تقدم أن أمة يهود، أمة غلب عليها طابع، التفريط، والتقصير في هذا الباب؛ بل هو الغالب عليهم في أكثر الأبواب. ولعل من أبرز مظاهر تفريطهم وتقصيرهم في هذا الباب أمرين: الأول: اتخاذهم الأنداد لله ، وعبادة الأصنام. والثاني: إغراقهم في تشبيه الخالق بالمخلوق، ووصف الله بالنقائض التي لا تليق إلا بالمخلوق. فأما الأمر الأول: وهو اتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام: فإن القوم، لما أنقذهم الله من عدوهم وجنوده، وجاوز بهم البحر مع موسى ﵇، وأغرق عدوهم على مشهد منهم، ومروا على قوم
следующие страницы →