← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7334

وسطية أهل السنة بين الفرق

محمد با كريم محمد با عبد الله

Полный текст (520 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والنصارىِ: غلوا في الرهبنة، وتعبدوا ببدع ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أمرهم بها نبي ولا رسول، فاعتزلوا الناس، وانقطع عبادهم في الأديرة والخلوات وألزموا أنفسهم ما لم يلزمهم الله به مما يشق على النفس والجسد، ويغالب الفطرة البشرية ويضادها؛ فلم يستطيعوا الوفاء ألزموا أنفسهم به من ذلك كما قال عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١. والمسلمون: عبدوا الله وحده بما شرع، ولم يعرضوا ويستكبروا عن عبادته كما فعل اليهود، ولم يبتدعوا في عبادتهم ما لم يأذن به الله، كما فعل النصارى. ولم يقصروا فيما فرض عليهم من العبادات، وأمروا به من الفراض والنوافل ولم يفرطوا في التعبد فيحملوا أنفسهم ما لا يطيقون؛ بل كانوا بين ذلك على صراط مستقيمِ، فصاموا وأفطروا، وقاموا الليل، وناموا، وتزوجوا النساء وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنسهم ولم ينسو نصيبهم وحظوظهم من الدنيا، قدوتهم في ذلك نبهيم ﷺ . وبعد: فجوانب وسطية هذه المة كثيرة ومظاهر ذلك يتعذر علينا حصرها، بله تفصيلها؛ فليس ذلك بسمتطاع في مثل هذا المقام؛ ولكن سنكتفي بما سبق أن أجملنا ذكره من ذلك، وسنعرض بشيء من التفصيل للمظهر الأول والثاني في المبحثين الآتيين، وبالله التوفيق.

стр. 247

المبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته مدخل ... المبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته إن المتأمل في كتاب الله ﵎ وما جاء فيه عن دعوات الرسل وما أنزل عليهم من الكتب ليخرج بحقيقة واحدة، أطبق عليها جمع الرسل، وأنزلت بها جميع الكتب السماوية. هذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله وعبادته دون سواه؛ فهي أس الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها. وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج فما من نبي أرسل ولا كتاب أنزل إلا وكان أول ما يدعوا إليه هو توحيد الله ﵎. يقول الله في تقرير هذه الحقيقة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وإذا استعرضنا القرآن الكريم في حديثه عن رسل الله عليهم الصلاة والسلام نجد أن كل رسول قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣. ابتداء من أولهم نوح ﵇، وانتهاء بخاتمهم نبينا محمد ﷺ . فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، وهو الإسلام، وشرائعهم مختلفة كما قال المصطفى ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا

стр. 248

والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد" ١. قال الحافظ ابن حجر: "ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع. وقيل المراد: أن أزمنتهم مختلفة"٢. وقال الحافظ ابن كثير في معنى الحديث: "أي: القدر المشترك بينهم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٣، ٤. وكل الأنبياء أخبروا بأنهم مسلمون ودعوا قومهم للإسلام٥؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غيره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٦، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٧. وهذا يدل على أن دين جميع الأنبياء واحد وهو الإسلام ودعوتهم واحدة وهي الدعوة لتوحيد الله وإفراده بالعبادة، على هذا مضى رسل الله والمسلمون من أممهم. ولكن قومهم غيروا وبدلوا بعدهم، وحرقوا وأدخلوا في دين الله ما لم يأذن

стр. 249

به الله، وشمل التحريف والتبديل أساس دعوة الرسل، وهو التوحيد. وما يتعلق بذات الله من الأسماء والصفات؛ فتفرقت الأمم في ذلك ما بين مفرط، ومفرط، وغال ومقصر، لإعراضهم عن هدي المرسلين وإتباعهم غير سبيل المؤمنين. ومن أعظم الأمم اختلافًا وضلالًا في هذا الباب، أمة اليهود والنصارى؛ فاليهود غلب عليهم التقصير والتفريط والجفاء، وإن كان لديهم غلو وإفراط، والنصارى غلب عليهم الغلو والإفراط وإن كان وقع منهم تفريط وتقصير في جوانب. والمسلمون اتبعوا الرسل؛ فهدوا لأقوم السبل، فكان قولهم هدى بين ضلالتين، وحقًا بين باطلين، فهو كلبن سائغ يخرج من بين فرث ودم. وفي هذا المبحث سنبين ما ذهب إليه كل من هذه الأمم الثلاث في هذا الباب بعون الله تعالى.

стр. 250

أولًا: موقف أمة اليهود عرفنا مما تقدم أن أمة يهود، أمة غلب عليها طابع، التفريط، والتقصير في هذا الباب؛ بل هو الغالب عليهم في أكثر الأبواب. ولعل من أبرز مظاهر تفريطهم وتقصيرهم في هذا الباب أمرين: الأول: اتخاذهم الأنداد لله ، وعبادة الأصنام. والثاني: إغراقهم في تشبيه الخالق بالمخلوق، ووصف الله بالنقائض التي لا تليق إلا بالمخلوق. فأما الأمر الأول: وهو اتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام: فإن القوم، لما أنقذهم الله من عدوهم وجنوده، وجاوز بهم البحر مع موسى ﵇، وأغرق عدوهم على مشهد منهم، ومروا على قوم

стр. 251

يعكفون على أصنام لهم. مالت نفوسهم إلى الوثنية وطالبوا موسى ﵇ أن يجعل لهم مثلها. يقول الله جل وعلا في ذلك: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١، ثم بين لهم موسى ﵇ ضلال أولئك وبطلان عملهم، وأن الإله الحق هو الله الذي فضلهم على العالمين؛ فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢. اتخاذهم العجل في زمن موسى: لم يلق نصح موسى ﵇ وتذكيره ووعظه من القوم قلبًا واعيًا وأذنًا صاغية؛ فما إن تركهم ﵇ وذهب إلى ربه يناجيه، حتى اتخذوا العجل من بعده إلهًا من دون الله قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٣. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٤. ثم بين تعالى من تولى كبر إضلالهم وصناعة العجل لهم؛ فقال: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ٥. فبين تعالى أن الذي عمل لهم العجل هو السامري. ومن العجيب أن

стр. 252

كتاب العهد القديم ينسب هذا العمل الشنيع إلى هارون ﵇ كما جاء في "سفر الخروج"١ كما سيأتي الكلام على ذلك في المبحث الثاني إن شاء الله٢. ولقد تكرر من القوم اتخاذ الأصنام وعبادتها بعد موسى ﵇. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأهل الكتاب معترفون بأن اليهود عبدوا الأصنام مرات"٣. وفي كتاب العهد القديم إشارات كثيرة لعبادتهم الأوثان والأصنام، من ذلك: ١- ما جاء في "سفر الملوك الثاني" عن عودتهم لعبادة العجل في عهد رحبعام٤. يقول السفر: "وعمل عجلي ذهب، وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم هو ذا ألهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر ووضع واحدًا في بيت أيل، وجعل الآخر في دان"٥. ٢- عبادتهم الأفعى وبعض التماثيل: يذكر "سفر الملوك الثاني" عن الملك حزقيال أنه: "أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها"٦.

стр. 253

على أن موسى ﵇ لم يعمل تمثالًا نحاسيًا للحية؛ وإنما كانت عصاه تنقلب إلى حية تسعى معجزة له، ثم تعود سيرتها الأولى بعد ذلك عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه؛ لكن لعل بني إسرائيل عملوا ذلك ونسبوه إلى موسى ﵇ لتروج عند الناس ويعظموها ويعبدوها. والله تعالى أعلم. وأما الأمر الثاني: وهو قولهم بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق: وهذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني١ من طباعهم الملازمة لهم؛ فإن القوم أسرفوا في تشبيه الله بالمخلوق، ووصفوه جلا وعلا بالنقائص التي تختص بالمخلوق. ولقد سجل القرآن الكريم عليهم صورًا من ذلك. وكتابهم الذي بين أيديهم ينضح بالكثير من ذلك. ونحن نذكر يما يلي نماذج من أقوالهم التي شبهوا فيها الخالق بخلقه: ١- فمن ذلك: "وصفهم الله بالفقر". وهو صفة لا تليق بخالق البشر؛ ولكن القوم لا عقول لهم ولا حياء عندهم. يقول في ذلك: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٢. ٢- ومن ذلك: "وصفهم له بأن يده مغلولة". قال ذاكرًا قولهم هذا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣.

стр. 254

٣- وصفوه بأنه: "يحزن، ويندم على أفعاله"، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. يصفه "سفر التكوين" بذلك فيقول: "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه؛ إنما هو شريب كل يوم فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه؛ فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أني عملتهم"١. ٤- ووصفوه: "بالتعب والاستراحة" تعالى عن ذلك. جاء في "سفر الخروج": "أذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملًا أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك، ونزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب الأرض والسماء والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه"٢. وفي "سفر التكوين": "فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل"٣. ٥- وقالوا: "بأنه إنسان وأنه صارع يعقوب ﵇ إلى الفجر". ففي "سفر التكوين": "فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطلقني؛ لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. لا يدعي اسمك في ما بعد

стр. 255

يعقوب بل إسرائيل؛ لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت فدعا يعقوب اسم المكان فينئيل قائلًا: لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي"١. ٦- وصفوه بما يفيد أنه "لا يعلم الغيب ويحتاج علامات يميز بها بني إسرائيل من غيرهم، فوضع الدم علامة على بيوت بني إسرائيل ليميزها عن بيوت المصريين حتى لا يهلكهم". ففي "سفر الخروج": "أن الرب كلم موسى ﵇ وقال له فيما قال: فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر"٢. ٧- أنهم "جعلوا له أبناء كما أن للمخلوق أبناء". جاء في "سفر التكوين": "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهم حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا"٣. وحكى الله عنهم أنهم جعلوا له ابنًا فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤.

стр. 256

ثانيًا: موقف النصارى لقد ضلت أمة النصارى في هذا الباب ضلالًا بعيدًا، ولعل أمة من الأمم لم تضل في دينها وربها وإلهها كما ضل الذين قالوا إنا نصارى. ولا عجب فالضلالة صفتهم المميزة لهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال" ١. قال ذلك في تفسير قول الله : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٢. ولعل من أعظم ضلالهم في باب توحيد الله وصفاته أنهم: ١- شبهوا المخلوق بالخالق: وأضفوا عليه من الصفات والخصائص ما لا يليق إلا بالله . ولا يصلح إلا له سبحانه. فوصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: "إنه يخلق، ويرزق، ويغفر، ويرحم، ويتوب على الخلق وثيب ويعاقب"٣ إلى غير ذلك من خصائص الربوبية، وصفات الألوهية التي لا تكون إلا الله سبحانه. وذلك أن هذه الأمة الضالة، جعلت المسيح ﵇ هو الله، كما ذكر الله قولهم هذا وأكفرهم به فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٤. وتارة جعلوه ابنًا لله سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون، وعن قولهم هذا يقول الحق ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.

стр. 257

وقالوا تارة أخرى أنه شريك لله وجزء من ثلاثة يتكون منها الإله، كما ذكر الله قوله هذا وكفرهم به أيضًا. فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. فألهوا المسيح ﵇ وجعلوه شريكًا لله، وعبدوه من دونه؛ بل وصفوه بأخص صفات الألوهية والربوبية من الخلق والرزق والإحياء، والإماتة؛ وبذلك فارقوا عباد الأصنام والأوثان الذين قالوا في معبوداتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، ولم يضيفوا إليها شيئًا من خصائص الربوبية كالخلق والرزق ونحو ذلك؛ بل أقروا بكل ذلك لله وحده كما قال : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٥، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦. أما هؤلاء فلئن سألتهم عن شيء من ذلك ليقولن المسيحِ؛ فهو عندهم الإله الخالق الرازق المحيي المميت، باعث الرسل، ومنزل الكتب، حكى

стр. 258

الإمام ابن القيم عنهم أنهم قالوا: "وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة "هكذا" بني ولا عبد صالح؛ بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم، ومؤيدهم ورب الملائكة"١. ونقل عنهم أنهم يقولون في صلواتهم ومناجاتهم: "أنت أيها المسيح اليسوع تحيينا وترزقنا وتخلق أولادنا وتقيم أجسادنا وتبعثنا"٢. وفي قراراهم الذي قرروه في "مجمع نيقيه"٣ الذي عقدوه سنة ٣٢٥ م وسموه بـ "الأمانة"، ونصوا فيه على ألوهية المسيح ﵇، صرحوا بأنه هو الذي سينزل للقضاء بين الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم فقالوا: "وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء"٤. يقول أحد قساوستهم في رسالة إلى أبي عبيدة الخزرجي٥، صرحًا بألوهية المسيح، وأنه خالق السماوات والأرض: "أما بعد حمد الله الذي هدانا لدينه، وأيدنا بيمينه، وخصنا بابنه ومحبوبه، ومد علينا رحمته بصلبه المسيح إلهنا، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهن، والذي أمدنا بدمه المقدس ومن

стр. 259

عذاب جهنم وقانا"١. وقال مخاطبًا أبا عبيدة داعيًا إياه للإيمان بألوهية المسيح الخالق: "وما عقائدتكم كلها إلا حسنة, وكان عندكم عدل كثير في أصل دينكم، وخير شامل؛ فلو آمنتم بالمسيح وقلتم: إنه هو الله خالق السماوات والأرض لكمل إيمانكم"٢. وهكذا نرى النصارى يصفون المسيح ﵇ بصفات الربوبية المختصة برب العالمين ، وهذا أمر انفردوا به من بين العالمين. ولم يقتصر الأمر على المسيح ﵇، بل جعلوا لغيره من الخلق بعض صفات الله ﵎. فجعلوا مريم ﵍ آلهة؛ لأنها أم الله بزعمهم، ووصفوها بالجلوس على العرش مع الله ، وسألوها ما لا يسأل إلا من الله ، يقول الإمام ابن القيم: "وأما قولهم في مريم: فإنهم يقولون إنها أم المسيح ابن الله ووالدته في الحقيقة. وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب ﵎ والد ابنها، وابنها عن يمينه. قال: والنصارى يدعونها، ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر ومغفرة الذنوب"٣. وهذه أمور لا يملكها إلا الله ولا يسألها إلا هو سبحانه، ولقد أشار القرآن الكريم إلى قول النصارى بألوهية مريم في قوله ﵎ مخاطبًا عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ

стр. 260

عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ١. بل وخصوا كنائسهم وبابواتهم ومطارنتهم ببغض خصائص الله كمغفرة الذنوب ودخول الجنة والحرمان منها. ففي المجمع الثاني عشر من مجامعهم المعقود في سنة ١٢١٥م، قرروا: "أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء"٢؛ وبناء على هذا القرار قامت الكنيسة بإصدار ما يسمى بـ"صكوك الغفران". يقول أحد قسسهم في هذا: "وقد جعل الله في أيدي المطارين ما لم يجعله في يد أحد؛ وذلك أن كل ما يفعلون في الأرض يفعله الله في السماء؛ فإذا أذنبنا فهم الذين يقبلون التوبات ويعفون عن السيئات بأيديهم صلاح الأحياء والأموات"٣ ماذا أبقوا الله ؟! ٢- ومن ضلالهم في هذا الباب أيضًا أنهم سبوا الخالق وتنقصوه: وذلك من وجهين: الأول: قولهم إنه اتخذ ولدًا؛ حيث قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤، وقد نزه الله نفسه عن اتخاذ الصحابة والولد؛ فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٥، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ

стр. 261

الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ١؛ فأنكر قولهم، ونزه نفسه عن أن يكون له ولد. وبين سبحانه في آية أخرى أن الولد لا يكون إلا من صاحبة، وهو سبحانه لا صاحبة له؛ فقال : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢. قال ابن كثير في تفسيره هذه الآية: "أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والوالد إنما يكون متولدًا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبه له ولا ولد"٣. وقد بين سبحانه في الحديث القدسي، أن من نسب إليه اتخاذ الولد فقد شتمه وسبه بقوله ذلك؛ ففي الصحيح عن ابن عباس ﵄، عن النبي صلى الله عليه قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي؛ فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا" ٤. الثاني: زعمهم أن الله عن قولهم علوًا كبيرًا "ينزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانًا وحبل به وولد من مريم البتول وقتل وصلب"٥.

стр. 262

وقال القس القوطي في رسالته إلى أبي عبيدة الخزرجي يشرح فيها مذهبه "فهبط بذاته من السماء والتحم في بطن مريم العذراء البتول أم النور فاتخذ لنفسه منها حجابًا كما سبق في حكمته"١. يقول الإمام ابن القيم: "إن هذه الأمة -أي: النصارى ارتكبت محذورين عظيمين، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة: أحدهما: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له. والثاني: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم؛ حيث زعموا أنه عن قولهم علوًا كبيرًا -نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة وأقام تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو٢، وقد علته أطباق المشيمة والرحم، والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعًا صغيرًا يمص الثدي..... ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلًا من الشوك، وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم وهو المعبود المسجود له. ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم"٣. وذكر عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أنه قال فيهم: "أهينوهم ولا تظلموهم؛ فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر"٤. وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من قول معاذ بن جبل رضي الله عنه٥.

стр. 263

ثالثًا: موقف المسلمين أما هذه الأمة المسلمة فقولها في هذا الباب هو ما جاء به المرسلون من توحيد الله وإفراده بالعبادة. فآمنت بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو رب العالمين، وخالق الكون، ومدبره، ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ونزهوه سبحانه عن الأنداد، واتخاذ الصحابة والأولاد، تصديقًا لقوله تعالى عن نفسه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢، ,وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣، وقالوا كما قال مؤمنوا الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ ٤. ووصفوه سبحانه بصفات الكمال والجلال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، كما نزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات٥.

стр. 264

ولم يصفوه إلا بما وصف به نفسه سبحانه, أو وصفته به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من غير تعطيل ولا تمثيل. فلم يشبهوه بشيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته - كما فعل اليهود- بل قالوا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. ولم يشبهوا شيئًا من خلقه به، لا في ذاته ولا في شيء من صفاته، ولم يجعلوا له نظيرًا أو ندًا أو مثيلًا أو شريكًا في شيء من خصائص ألوهيته وربوبيته -كما صنع النصارى- بل نزهوه سبحانه عن التشبيه والنظير والكفء، والند والمثيل.

стр. 265

المبحث الثاني: وسطيتها واعتدالها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام مدخل ... المبحث الثاني: وسطيتها واعتدالها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام لقد كان من أعظم نعم الله على عباده أن بعث فيهم رسلًا منهم، يعرفون نسبهم وأخلاقهم، اختارهم من خيارهم واصطفاهم من أوسطهم مكانة ونسبًا. يدعون قومهم إلى خير ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، ويحذرونهم وينهونهم عن كل ما فيه هلاكهم وضررهم في دنياهم وأخراهم، يدعونهم إلى عبادة الله وحده واتباع أوامره واجتناب نواهيه ويحذرونهم من الشرك بالله ومعصيته، ومخالفة أوامره وارتكاب نواهيه. فما من أمة إلا خلا فيها نذير، وبعث إليها رسلا أو رسولا؛ وذلك رحمة من الله بعباده، ولئلا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، يقول في ذلك ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ١. ويقول عزل وجل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٢. فبين سبحانه أنه أرسل رسله إلى عباده مبشرين ومنذرين، مبشرين من أطاعهم بعظيم الأجر والمثوبة، ومنذرين من عصاهم بأليم العذاب والعقوبة؛ لئلا يحتج من كفر بالله وعبد الأنداد أو ضل عن سبيله بأن يقول إن أراد الله

стр. 266

عقابه: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ١. ولقد بلغ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ما أرسلوا به، ونصحوا لأممهم غاية النصح، وبينوا لهم أوضح بيان وأجلاه ما يجب عليهم في دينهم ودنياهم، وما أعد الله لأهل طاعته من ثواب، ولأهل معصيته من عذاب، وسلكوا في تبليغ قومهم رسالات ربهم كل مسلك، فدعوهم ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، لم يسألوهم على ذلك أجرًا؛ بل تحملوا في سبيل نصحهم وهدايتهم ألون الشدائد وضروب المتاعب والأذى. ولقد تباينت مواقف الأمم تجاه أنبيائهم ورسلهم، ما بين مؤمن بهم متبع لهم، وبين كافر بهم مؤذ لهم، وبين غال فيهم منزل لهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها. وفي هذا المبحث سنعرض لبيان مواقف ثلاث من أعظم الأمم وأهمها في أنبياء الله ورسوله وهي: ١- اليهود ٢- النصارى ٣- المسلمون. وإنما اخترنا هذه الأمم من بين سائر الأمم؛ لكونها أكثر الأمم أنبياء ورسلًا، ولكونهم أهل كتب سماوية نزلت إليهم، ولكونها آخر ثلاث أمم أرسل إليها رسل. أدرك بعضها بعضًا.

стр. 267

أولًا: موقف اليهود من أنبياء الله ورسله: لقد كان ليهود من أنبياء الله ورسله مواقف شائنة مخزية، تنبئ عن خبث في الطوية، وفساد في السيرة والسريرة، وإتباع للنفس والهوى، وإعراض عن الحق والهدى. وإذا نحن أجلنا النظر في كتاب الله ، تحصل لنا أن مواقف اليهود من رسل الله تتلخص في الأمور التالية: الأمر الأول: أنهم فرقوا بين رسل الله ولم يؤمنوا بهم جميعًا؛ بل آمنوا ببعض وكفروا بالبعض الآخر "بمجرد التشهي والعادة، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية"١. ومن أعظلم الرسل الذين كفروا بهم وكذبوا برسالتهم، عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، على أنهم كذبوا وكفروا بأنبياء آخرين غيرهما بدليل قتلهم لكثير من أبنيائهم كما سيأتي. وقد عد الله من يؤمن ببعض الرسل ويكفر بالبعض الآخر كافرًا؛ بل هو الكافر حقًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٢. قال الإمام ابن جرير في تفسيره: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ ؛ يعني: أنهم يقولون: نصدق بهذا ونكذب بهذا، كما فعلت اليهود في تكذيبهم عيسى ومحمد ﷺ ، وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم، وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدًا ﷺ وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم"٣. وقال ﵀ في معنى قوله عزل وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ : "يقول: أيها الناس! هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًا، فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرون بما يزعموا أنه به مقرون من

стр. 268

الكتب والرسل؛ فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كذبة، وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل هو المصدق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن؛ فأما من صدق ببعض ذلك وكذب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاءبه جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب، وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاء به من عند ربهم؛ فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله وبنوة أنبيائه حق الجحود المكذبون بذلك حق التكذيب"١. الأمر الثاني: أنهم خذلوا أنبياءهم ولم يقوموا بنصرهم. وقد أخذ الله عليهم ميثاقهم لينصرنهم فقال: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢. قال الحافظ ابن كثير: "أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق"٣. فلم يفوا بميثاقهم، وما لبثوا أن قالوا لموسى ﵇ لما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٤.

стр. 269

﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ ١. ثم ما لبثوا أن أعلنوا خذلانه، وعدم القتال معه، وخلوا بينه وبين عدوه فـ ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ ٢. فكان جزاءهم التيه في الأرض أربعين سنة ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣. الأمر الثالث: أنهم تنقصوا بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورموهم بارتكاب كبائر الذنوب، وألصقوا بهم كل رذيلة، وكتابهم الذي بين أيديهم ويزعمون أنه التوراة، يفوح بألوان من المخازي، وينضح بالكثير من البهت، والأذى الذي عرف به يهود، لم يسلم من كبار أنبيائهم فضلًا عن غيرهم ممن بعث فيهم، وهاته نماذج مما رموا به بعض الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك: ١- أنهم نسبوا إلى بعض أنبيائهم: الإعانة على الشرك بالله وعبادة غيره وتسهيل سبيل ذلك لقومهم. فنسبوا لهارون ﵇ أنه صنع لهم العجل، الذي عبدوه من دون الله، جاء في "سفر الخروج": "ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم أصنع لنا آلهة تسير أمامنا؛ لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم

стр. 270

هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها؛ فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالأزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا، فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر؛ فلما نظر هارون بنى مذبحًا أمامه ونادى هارون وقال: غدًا عيد للرب فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب"١. هكذا يصور هذا السفر نبيًا عظيمًا من أنبياء الله -بعثه الله ليدعو الناس إلى توحيد الله- في صورة صانع للأصنام، مغر لقومه بعبادتها من دون الله . ونحن نقطع بأن هذا النص مما كتبه اليهود بأيديهم وقالوا هو من عند الله وما هو من عند الله، وأنه "ليدل على أن محرري هذه الأسفار لا يرعون لأنبيائهم حرمة، ولا يرجون لهم وقارًا، ولا يتورعون عن أن ينسبوا إليهم أية نقيصة حتى خيانة الرسالة نفسها التي بعثوا من أجلها، ودفع قومهم إلى الشرك بالله"٢. ولقد ذكر الله في القرآن الكريم قصة عبادة اليهود العجل، وبين أن الذي صنع العجل وأغراهم بعبادته هو السامري وليسهارون ﵇، بل أخبر أن هارون ﵇ حذر قومه من ذلك ولكن القوم لم يلتفتوا إلى تحذيره وعصوه، وخالفوه إلى ما نهاهن عنه فقال : ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ

стр. 271

عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ، أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ١. فهذه الآيات تنطق في وضوح ببراءة هارون ﵇ مما نسبه إليه اليهود، وتشهد بافترائهم وكذبهم وتقولهم على الله ، ورسل ألا بئسما يزرون. ورموا نبي الله الأواب سليمان ﵇ بأنه في أواخر أيامه مال إلى ممالأة نسائه على عبادة الأوثان وبنى لآلهتهن المعابد وأن قلبه مال معهن إلى هذه الآلهة ولم يكن مخلصًا في إيمانه بربه . يقول "سفر الملوك الأول": "وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه فذهب سليمان وراء عشتورث إلالهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشرقي عيني الرب ولم يتبع الرب تمامًا كداود أبيه. حينئذ بني سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم ولمولك رجس بني عمون. وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن؛ فغضب الرب على سليمان؛ لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين واوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخي فلم يحفظ ما أوصى به الرب"٢.

стр. 272

هذا سليمان النبي الكريم، الذي لم يقر ملكه سبأ وقومها على عباده الشمس والقمر من دون الله، وبذل ما في وسعه لهدايتهم إلى عبادة الله رب العالمين؛ فأظهر لها من آيات الله التي أتاه ما حدى بها إلى الهداية والإسلام فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ومع ذلك ينسب إليه اليهود الميل إلى عبادة الأصنام والإذعان لرغبة نسائه في ذلك. سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم. ٢- نسبتهم لبعض الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شرب الخمر وارتكاب فاحشة الزنا والقتل. فنسبوا إلى أبي الأنبياء نوح ﵇ أنه شرب الخمر حتى سكر وثمل وانكشفت سوءته، كما جاء في "سفر التكوين": "وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا؛ فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافها ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء؛ فلم يبصرا عورة أبيهما؛ فلما استقظ نوح من خمرة علم ما فعل به ابنه الصغير فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته٢. هكذا يصور كتاب اليهود المقدس نوحًا ﵇ الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، في صورة فاسق لا يفيق من السكر، قاتلهم الله أنى يؤفكون. ونسبوا إلى نبي الله لوط ﵇ الزنى بابنتيه؛ فقالوا: إن ابنتيه تأمرنا عليه وأسقتاه خمرًا حتى ثمل وزنى بهما وحملتا منه.

стр. 273

ففي "سفر التكوين": "وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن في صوغر فسكن المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمرًا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلًا. فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد اضطجعت البارحة مع أبي نسقيه خمرًا في تلك الليلة فادخلي اضطجعي معه فنحيي من أبينا نسلًا؛ فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا وقامت الصغيرة واضطجعت معه ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها فحبلت ابنتا لوط من أبيهما فولدت البكر ابنًا ودعت اسمه موآب وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضًا ولدت ابنا اسمه بن عمي وهو أبو بني عمون إلى اليوم"١. وهذا نبي الله الملك الصالح داود ﵇ تنسب إليه التوراة المزعومة الزنى بامرأة أحد جنوده، وأنها حملت منه سفاحًا، وإنه لما خشي افتضاح أمره احتال لقتله، وتزوج امرأته من بعده. جاء في "سفر صموئيل الثاني": "وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جدًا فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد: أليست هذه بتشبع بنت ألبعام امرأة أوريا الحثي، فأرسل داود رسلًا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود وقالت: إني حبلى"٢. ثم يذكر هذا الإصحاح ما قام به داود ﵇ من طلب عودة أوريا

стр. 274

من المعركة ليقيم مع زوجته في محاولة من داود لإخفاء جريمته ونسبة الحمل لأوريا؛ ولكن أوريا لم يدخل على أهله، ولما يئس منه داود تاب إلى قائده يأمره لأوريا؛ ولكن أوريا يمقدمة الجيش والتراجع عنه عند اشتداد الخطر ليهلك يقول الإصحاح: "وفي الصباح كتب داود مكتوبًا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا، وكتب في المكتوب يقول: أجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وأجرعوا من ورائه فيضرب ويموت"١. فانظر رحمك الله كيف صوروا نبيًا كريمًا بهذه الصورة المزرية؛ فلم يكفهم نسبة الزنا إليه، حتى جعلوه متآمرًا على القتل، بل آمرًا به. الأمر الرابع: أنهم قتلوا بعض أنبيائهم لقد سجل الله عليهم في القرآن الكريم هذا الموقف المشين من أنبيائهم في غير ما آية، مقرعًا ومبخًا لهم على هذا الصنع القبيح، والجرم العظيم الذي ارتكبوه في حق من أرسل لهدايتهم، وبعث لإرشادهم إلى صراط الله المسقيم، من أنبياء الله ورسله؛ ولكن القوم كانوا كلما جاءهم رسول بما يخالف أهواءهم ورغباتهم الهابطة لا يألون جهدًا في إيذائه وصده عن دعوته، متبعين في ذلك مختلف الأساليب سالكين شتى الطرق، فسبوهم وأهانوهم وتنقصوهم حتى أفضى بهم الأمر إلى أن قتلوهم. يقول جل وعلا مسجلًا عليهم هذا الموقف: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ٢. وقال : ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا

стр. 275

كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ١. فاستجلبوا بهذا الموقف المخزي غضب الله ومقته وسخطه واستوجبوا عذابه ونقمته: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٢. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣. ولقد أسرف القوم فيقتل الأنبياء واستمرؤا ذلك، وردوا على الكفر بالله وسفك دم أنبيائه، فكانوا يقتلون النبيأو الأنبياء، ثم يمارسون أعمالهم وحياتهم اليومية وكأنهم لم يرتكبوا إثمًا، أو يحدثوا جرمًا، أثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "وكانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار"٤. ومن أعظم الأنبياء الذين قتلوهم زكريا وابنه يحيى ﵉؛ فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: "بعث عيسى بن مريم في اثني عشر رجلًا من الحواريين يعلمون الناس فكان ينهاهم عن نكاح ابنة الأخ وكان ملك له ابنة أخ تعجبه فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها إذا سالت عن حاجتك فقولي له: أن تقل يحيى بن زكرياِ؛ فقال لها الملك: حاجتك فقالت: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا، فقال: سلي غير

стр. 276

هذا؛ فقالت: لا أسأل غير هذا؛ فلما أتى أمر به فذبح"١. وذكر الإمام ابن جرير٢ وغيره٣ قتل بني غرسائل زكريا عليها لسلام كما قتلوا ابنه يحيى، وقد أجمعوا قتل المسيح عيسى بن مريم ﵇؛ ولكن الله حفظه من كيدهم، ورفعه إليه، وألقى شبهه على غيره فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدون أنهم قتلوا المسيح ﵇، كما ذكر ذلك عنهم الحق ﵎: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤. وكما سجل الله عليهم في القرآن الكريم هذا الجزم العظيم، نجد نصوص الأسفار المقدسة عندهم تنص على وقوع ذلك أيضًا؛ ففي "سفر الملوك الأول" نرى كيف حاول بنو إسرائيل قتل نبي الله إلياس ﵇ -والسفر يذكره باسم "إيليا"- مما اضطره إلى الهرب والاختباء منهم؛ لأنهم تركوا عهد الله وقتلوا أنبياءه: "وكان كلام الرب إليه يقول له: مالك ههنا يا إيليا؟ فقال: قد غرت غيره للرب إليه الجنود؛ لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف؛ فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها"٥. فهذا النص الذي سجله أحبار اليهود ومحرروًا أسفارهم، يدل دلالة

стр. 277

واضحة على أن هذا الخلق الذميم كان متأصلًا في نفوسهم العليلة، حتى إنهم لا يتحرجون من الاعتراف؛ بل من التباهي به، وكأنهم يسجلون عملًا جليلًا قاموا به، وقد رأينا قبل هذا كيف ادعوا واعتقدوا أنهم قتلوا المسيح بن مريم ﵇ وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ١. ويبدو أن هذا الخلق ظل ملازمًا لهم تجاه أنبياء الله ورسله، ولم يكن ذلك منهم مع أنبيائهم فقط؛ فقد حاولوا قتل نبينا محمد ﷺ ، فدسوا له السم صلوات الله عليه بغية قتله وحاول بنو النضير منهم اغتياله بإلقاء الصخرة عليه٢، جريًا على عادتهم في الخبث والكيد لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما ثبت في "الصحيحيين" من حديث أنس ﵁: "أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها فجئ بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك؟ فقالك أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك، قال: أو قال: "علي" قال: قالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا، قال فما زلت أعرفها في لهوات٣ رسول الله ﷺ "٤. وتشير بعض الروايات إلى أن النبي ﷺ مات وهو يجد أثر سم اليهود له؛ ففي حديث عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر؛ فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من السم"٥

стр. 278

وبعد: فهذا هو موقف يهود من رسل الله وأنبائه صلوات الله وسلامه عليهم؛ إيمان ببعض وكفر ببعض، وتنقص منهم، وإيذاء، وسب، وشتم، وقذف بارتكاب جرائم السكر والعربدة، والزنا والقتل، ثم تشريد ومطاردة وقتل لبعضهم. وهي مواقف تدل على مبلغ تفريط القوم في حق أنبياء الله ورسله، وعظم تقصيرهم وشدة جفائهم وعداوتهم لهم، وهذا هو الطابع الذي غلب عليهم في هذا الباب١، على أنهم ربما غلوا وأفرطوا في حق بعض أنبيائهم، وأنزلوهم فوق مكانة النوبة والرسال، كما وقع منهم في حق العزيز ﵇؛ إذ قالوا إنه ابن الله كما ذكر الله ذلك في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. ومن مظاهر غلوهم اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، كما أخبر المصطفى ﷺ بذلك ولعنهم لأجله؛ فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٣. وفي حديث آخر قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٤. فالقوم كان لديهم غلو في بعض أنبيائهم؛ لكن لما كان الغالب عليهم الجفاء والتفريط في هذا الجانب ظن بعض الناس أنه لم يقع منهم غلو، لكثرة ما ورد في القرآن من نسبة قتل الأنبياء وتكذيبهم إليهم، بل ربما لهوى في نفوس البعض، حاول التشكيك في الأحاديث التي أشرنا إليها وأوهم أنها تعارض ما جاء في القرآن من ذكر جفائهم للأنبياء٥، وغفل أو تغافل عن القرآن الكريم كما جاء فيه نسبة التفريط إليهم، جاء فيه أيضًا نسبة الإفراط والغلو إليهم كما تقدم في شأن العزير ﵇.

стр. 279

ثانيًا: موقف النصارى إذا كان اليهود غلب عليهم التفريط والتقصير والجفاء في حق أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مع غلوهم في بعضهم كالعزير ﵇. فإن النصارى قد ذهبوا إلى أقصى الطرف المعاكس فغلب عليهم الغلو والإفراط ولا سيما في نبي الله عيسى ﵊، على أنهم فرطوا وقصروا أيضًا في حق بعض رسل الله بل وفي حق عيسى ﵇ أيضًا، ويمكن إجمال مواقفهم في هذا الباب في الأمور التالية: الأمر الأول: أنهم لو يؤمنوا بجميع رسل الله وأنبيائه؛ بل فرقوا بينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وغلوا في البعض الآخر، وهم معنيون أيضًا بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ١، وقدمنا إيراد هذه الآية في الكلام على موقف اليهود، وذكرنا ما قاله الإمام ابن جرير في تفسيرها، وفيه أن النصارى ممن آمن ببعض الأنبياء، وكفر ببعض حيث آمنوا بعيسى وموسى بزعمهم، وكفروا بمحمد ﷺ .

стр. 280

الأمر الثاني: أنهم غلوا وأفرطوا في نبي الله عيسى ﵊، ورفعوه فوق المكانة التي جعله الله فيها، وأنزلوه فوق المنزلة التي أنزله الله إياها. فلم يؤمنوا به عبدًا لله ورسولًا نبيًا؛ وإنما جعلوه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة يتكون منها الإله، وعبدوه من دون الله وأضافوا إليه من الأفعال والأعمال ما لا يصح إضافته ونسبته إلا إلى الله ؛ فكانت عقيدتهم فيه التي أجمعوا عليها بعد "مجمع نيقية"١ وسموها بـ "الأمانة" على النحو التالي: "الإيمان: ١- بإله واحد، آب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، صانع ما يرى وما لا يرى. ٢- وبرب واحد يسوع، الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهور من نور الله إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خطايانا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء، وصلب حيًا على عهد بيلاطس وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه"٢. ولقد ذكر القرآن الكريم غلوهم في عيسى ﵇، وقولهم بألوهيته وبنوته لله ، وكفرهم بذلك، فقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ

стр. 281

اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣. وورد في بعض الأناجيل بعض النصوص، التي اعتمد عليها النصارى في تالية المسيح وبنوته. من ذلك ما جاء في إنجيل "يوحنا" كقوله: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله، كل به كون وبغيره لم يكون شيء مما كون"٤. فجعل المسيح هو الكلمة، وجعل الكلمة هي الله، فالمسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم. وفيه أيضًا أن المسيح ﵇ أبرأ أعمى فرده بصيرًا، وأن اليهود لما سألوه من رد إليك بصرك وأخبرهم بذلك ووعظهم طردوه "وسمع يسوع أنهم طردوه خارجًا فلقيه وقال له: أتؤمن أنت بابن الله؛ فأجاب. وقال: ومن هو يا سيد لأومن به؛ فقال له يسوع قد رأيته وهو الذي يكلمك؛ فقال له: قد آمنت يا رب وسجد له"٥. على أن في هذا الإنجيل وغيره من الأناجيل من التناقضات في هذا الباب

стр. 282

الكثير، بل فيه ما يدل على بشرية المسيح وعبوديته، وأنه نبي وليس بإله، وليس من غرضنا هنا ذكر ذلك؛ وإنما القصد الإشارة إلى قولهم بألوهية المسيح وبنوته لله . الأمر الثالث: خذلانهم لنبيهم وعدم نصرته: إن من الواجب على أتباع الرسل وخاصة أصحابهم وحوارييهم، أن ينصروهم ويعزروهم، ويفدوهم بأنسهم وأموالهم، كما تقدم ذكر أخذ الله ميثاق بني إسرائيل على نصر الرسل ومؤازرتهم. ولكن قوم عيسى ﵇، وتلاميذه خذلوه ولم ينصروه عندما أراد أعداؤه من اليهود أخذه وقتله، بل أسلمه بعضهم ودل عدوه عليه لولا أن الله رفعه وألقى شبهة على بعض تلاميذه. ويسجل عليهم إنجيل "متى" هذا الموقف المشين فيقول في ذلك: "حينئذ مضى أحد الاثني عشر الذي يقال له يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء الكهنة، وقال لهم: ماذا تريدون أن تعطوني فأسلمه إليكم؟ فجعوا له ثلاثين من القصة، ومن ذلك الوقت يطلب الفرصة ليسلمه. وفيما هو يتكلم -أي: المسيح- إذ جاء يهوذا أحد الاثني عشر ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من قبل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلًا الذي أقبله هو هو فأمسكوه وللوقت دنا إلى يسوع، وقال له: السلام يا معلم وقبله؛ فقال له يسوع: يا صاحب لأي شيء جئت، حينئذ جاءوا وألقوا أيديهم على يسوع وأمسكوه. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا"١. فانظر كيف تآمر عليه تلميذ وصاحب من أصحابه، وباعه لأعدائه بثمن بخس دراهم معدودة، ثم كيف هرب باقي تلاميذه وتركوه، نعم حاول بعضهم الدفاع عنه لكنهم في النهاية أسلموه لعدوه؛ على أنا لا نسلم لهم أن دعوه تمكن منه وما صلبوه وما قتلوه يقينًا ولكن شبه لهم. لكن الشاهد من هذا النص من الإنجيل أن النصارى يثبتون أن تلاميذ المسيح وأصحابه أسلموا لليهود وخلوا بينهم وبينه وقبض بعضهم ثمنًا لذلك. وهذا غاية الخذلان.

стр. 283

ثالثًا: موقف المسلمين من أنبياء الله ورسله ينبع موقف المسلمين في هذا الباب من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فهما سداه ولحمته، منهما تستقي هذه الأمة مواقفها واعتقادها وسائر أمور دينها، وعنهما تصدر. لذلك جاء موقفها من أنبياء الله ورسله موقفًا معتدلًا وسطًا، لا غلو فيه ولا إفراط، ولا تفريط أو تقصير فيه، ولم تضل فيه كما ضلت أمم قبلها؛ لأنها لم تقل يه بمجرد الرأي والهوى، ولم تبتدع فيه ما لم يأذن به الله ولا رسوله ﷺ . نوجز هذا الموقف في الأمور التالية: الأمر الأول: أن هذه الأمة آمنت بجميع الأنبياء والمرسلين ولم تفرق بين أحد منهم فتؤمن ببعض وتكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى. ذلك أن الله أمرها بذلك في كتابه الكريم بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١. قال الإمام ابن كثير في تفسيره هذه الآية: "أرشد الله تعالى عباده المؤمنين

стр. 284

إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم؛ بل يؤمنوا بهم كلهم"١. وقال قتادة: "أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم ولا يفرقوا بين أحد منهم"٢. وعد الرسول ﷺ الإيمان بالرسل أحد أركان ايمان الستة التي لا يكون المرء مؤمنًا إلا إذا استكملها؛ فقال ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"٣. فاستجابت هذه الأمة لأمر الله ورسوله وآمنت برسل الله جميعًا، وشهد الله لها بهذا الإيمان في محكم كتابه فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ ٤. وبلغ من عمق إيمانها برسل الله وتصديقها لهم، أنها تشهد لهم على أممهم بالبلاغ، كما تقدم٥ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، يقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ،

стр. 285

ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١ " ٢. الأمر الثاني: أنها لم تنقص أحدًا منهم، كما فعل غيرها من الأمم؛ بل وقرتهم وعزرتهم ونصرتهم، ونفت عنهم كل ما يقدح في أشخاصهم أو نبوتهم ورسالتهم، وأثبت عصمتهم، من الكفر، وارتكاب الكبائر قبل الرسالة وبعدها، وفي الصغائر خلاف والجمهور على عصمتهم من تعمدها٣. لأنهم صفوة الله من خلقه، كما أخبر الله في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤. وقال عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٥. وقال عن عدد من رسله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَار﴾ ٦. وقال عن جميع رسله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس﴾ ٧. فهذه الأمة تؤمن وتعتقد أن رسل الله وأنبياءه أفضل الخلق وأطهرهم
следующие страницы →