اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣.
وورد في بعض الأناجيل بعض النصوص، التي اعتمد عليها النصارى في تالية المسيح وبنوته.
من ذلك ما جاء في إنجيل "يوحنا" كقوله: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله، كل به كون وبغيره لم يكون شيء مما كون"٤.
فجعل المسيح هو الكلمة، وجعل الكلمة هي الله، فالمسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم.
وفيه أيضًا أن المسيح ﵇ أبرأ أعمى فرده بصيرًا، وأن اليهود لما سألوه من رد إليك بصرك وأخبرهم بذلك ووعظهم طردوه "وسمع يسوع أنهم طردوه خارجًا فلقيه وقال له: أتؤمن أنت بابن الله؛ فأجاب. وقال: ومن هو يا سيد لأومن به؛ فقال له يسوع قد رأيته وهو الذي يكلمك؛ فقال له: قد آمنت يا رب وسجد له"٥.
على أن في هذا الإنجيل وغيره من الأناجيل من التناقضات في هذا الباب
стр. 282
الكثير، بل فيه ما يدل على بشرية المسيح وعبوديته، وأنه نبي وليس بإله، وليس من غرضنا هنا ذكر ذلك؛ وإنما القصد الإشارة إلى قولهم بألوهية المسيح وبنوته لله .
الأمر الثالث:
خذلانهم لنبيهم وعدم نصرته: إن من الواجب على أتباع الرسل وخاصة أصحابهم وحوارييهم، أن ينصروهم ويعزروهم، ويفدوهم بأنسهم وأموالهم، كما تقدم ذكر أخذ الله ميثاق بني إسرائيل على نصر الرسل ومؤازرتهم.
ولكن قوم عيسى ﵇، وتلاميذه خذلوه ولم ينصروه عندما أراد أعداؤه من اليهود أخذه وقتله، بل أسلمه بعضهم ودل عدوه عليه لولا أن الله رفعه وألقى شبهة على بعض تلاميذه.
ويسجل عليهم إنجيل "متى" هذا الموقف المشين فيقول في ذلك: "حينئذ مضى أحد الاثني عشر الذي يقال له يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء الكهنة، وقال لهم: ماذا تريدون أن تعطوني فأسلمه إليكم؟ فجعوا له ثلاثين من القصة، ومن ذلك الوقت يطلب الفرصة ليسلمه. وفيما هو يتكلم -أي: المسيح- إذ جاء يهوذا أحد الاثني عشر ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من قبل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلًا الذي أقبله هو هو فأمسكوه وللوقت دنا إلى يسوع، وقال له: السلام يا معلم وقبله؛ فقال له يسوع: يا صاحب لأي شيء جئت، حينئذ جاءوا وألقوا أيديهم على يسوع وأمسكوه. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا"١.
فانظر كيف تآمر عليه تلميذ وصاحب من أصحابه، وباعه لأعدائه بثمن بخس دراهم معدودة، ثم كيف هرب باقي تلاميذه وتركوه، نعم حاول بعضهم الدفاع عنه لكنهم في النهاية أسلموه لعدوه؛ على أنا لا نسلم لهم أن دعوه تمكن منه وما صلبوه وما قتلوه يقينًا ولكن شبه لهم.
لكن الشاهد من هذا النص من الإنجيل أن النصارى يثبتون أن تلاميذ المسيح وأصحابه أسلموا لليهود وخلوا بينهم وبينه وقبض بعضهم ثمنًا لذلك. وهذا غاية الخذلان.
стр. 283
ثالثًا: موقف المسلمين من أنبياء الله ورسله
ينبع موقف المسلمين في هذا الباب من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فهما سداه ولحمته، منهما تستقي هذه الأمة مواقفها واعتقادها وسائر أمور دينها، وعنهما تصدر.
لذلك جاء موقفها من أنبياء الله ورسله موقفًا معتدلًا وسطًا، لا غلو فيه ولا إفراط، ولا تفريط أو تقصير فيه، ولم تضل فيه كما ضلت أمم قبلها؛ لأنها لم تقل يه بمجرد الرأي والهوى، ولم تبتدع فيه ما لم يأذن به الله ولا رسوله ﷺ .
نوجز هذا الموقف في الأمور التالية:
الأمر الأول:
أن هذه الأمة آمنت بجميع الأنبياء والمرسلين ولم تفرق بين أحد منهم فتؤمن ببعض وتكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى.
ذلك أن الله أمرها بذلك في كتابه الكريم بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره هذه الآية: "أرشد الله تعالى عباده المؤمنين
стр. 284
إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم؛ بل يؤمنوا بهم كلهم"١.
وقال قتادة: "أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم ولا يفرقوا بين أحد منهم"٢.
وعد الرسول ﷺ الإيمان بالرسل أحد أركان ايمان الستة التي لا يكون المرء مؤمنًا إلا إذا استكملها؛ فقال ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"٣.
فاستجابت هذه الأمة لأمر الله ورسوله وآمنت برسل الله جميعًا، وشهد الله لها بهذا الإيمان في محكم كتابه فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ ٤.
وبلغ من عمق إيمانها برسل الله وتصديقها لهم، أنها تشهد لهم على أممهم بالبلاغ، كما تقدم٥ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، يقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ،
стр. 285
ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١ " ٢.
الأمر الثاني:
أنها لم تنقص أحدًا منهم، كما فعل غيرها من الأمم؛ بل وقرتهم وعزرتهم ونصرتهم، ونفت عنهم كل ما يقدح في أشخاصهم أو نبوتهم ورسالتهم، وأثبت عصمتهم، من الكفر، وارتكاب الكبائر قبل الرسالة وبعدها، وفي الصغائر خلاف والجمهور على عصمتهم من تعمدها٣.
لأنهم صفوة الله من خلقه، كما أخبر الله في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وقال عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٥.
وقال عن عدد من رسله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَار﴾ ٦.
وقال عن جميع رسله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس﴾ ٧.
فهذه الأمة تؤمن وتعتقد أن رسل الله وأنبياءه أفضل الخلق وأطهرهم
стр. 286
وأزكاهم، وأنهم منزهون عن الدنايا مبرؤون من كل سوء، صادقون في أقوالهم، قدوة وأسوة في أفعالهم وأعمالهم، لا يأتون منكرًا ولا يقولون زورًا، ولا يستحقون ذمًا ولا يستوجبون عقابًا، أمرنا الله بالاقتداء، بهم واتباع هديهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.
وترى محبتهم واجبة، ونصرتهم لازمة؛ لذلك كان نبيها ورسولها محمد ﷺ ، أحب إليها من النفس والمال، والولد والوالد، كما جاء في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٣. وفي حديث عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي؛ فقال النبي ﷺ : "لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر" ٤.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفدون النبي ﷺ بأموالهم وأنفسهم، فكان منهم من يقيه بجسده وقع السهام والنبال كما صنع أبو دجانة٥
стр. 287
رضي الله عنه في غزوة أحد١.
ولم يخذلوه قط أو يتخلفوا عن نصره والقتال بين يديه، حتى قال قائلهم يوم بدر وهو المقداد بن عمرو٢: "يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك؛ والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٣، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فهو الذي بعثك بالحق؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد٤ لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه"٥.
يروي الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ هذا الموقف العظيم من المقداد ﵁ مشيدًا به متمنيًا أن يكون هو صاحبه؛ فيقول: "شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا؛ لأن ِأكون صاحبه أحب إلي مما عدل به٦: أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم
стр. 288
موسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ ؛ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره؛ يعني: قوله"١.
وقال سعد بن معاذ٢ ﵁ في هذا المقام: "فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك؛ فوالذي بعثك بالحق؛ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله ﷺ يقول سعد ونشطه ذلك"٣.
فتأمل موقف هذه الأمة من نبيها، وانظر أي بون بينه وبين موقف قوم موسى ﵇ في قولهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ، أو موقف النصارى الذين أسلموا نبيهم لأعدائهم ليقتلوا ويصلبوه بزعمهم، وتآمر بعض تلاميذه وحوارييه عليه، كما تقدم إيضاح ذلك في مواقف القوم من أنبيائهم.
الأمر الثالث:
أنهم لم يغلو فيهم أو يفرطوا في مدحهم بالباطل؛ وإنما قدروهم حق قدره، وعزروهم ونصروهم، وأحبوهم، وعظموهم وأجلوهم غاية التعظيم والإجلال، ولم يفرطوا في مدحهم ولم يبالغوا في إطرائهم والثناء عليهم ولم يجاوزوا الحد في ذلك، ولم ينزلوهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها. ولم يرفعوهم فوق المقام الذي لهم؛ فلم يجاوزوا بهم منزلة الرسالة والنبوة، ومقام
стр. 289
العبودية لله، وهما المقام والمنزلة التي أنزلهم الله إياها وأقامهم فيها وخاطبهم وذكرهم بها، في كتابه العزيز فقال عن نوح ﵇: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ١، وقال عن داود ﵇: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٢، وقال عن سليمان ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ ٣، وقال عن أيوب ﵇: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ٤، وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار﴾ ٥، ثم قال عن عيسى ﵇: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٦، وقال عن خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ٧، وقال ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٨.
فمقام الرسالة والعبودية هو المقام الذي شرف الله به عباده المرسلين ومن عليهم به، وهم صلوات الله وسلامه عليهم يأبون أن يرفعوا فوق ذلك، وينهون أممهم ويحذرونهم من مجاوزة هذا المقام، ويقول في هذا المصطفى ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله
стр. 290
ورسوله" ١، ويقول: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا تسجرينكم الشياطين أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله" ٢.
فالأنبياء والمرسلون بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويتزوجون النساء، ولكثير منهم بنون، وحفدة، وليسوا بآلهة ولا أبناء إله، كما ضل النصارى في عيسى ﵇.
يقول الحق ﵎ مقررًا هذه الحقيقة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣، ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤، ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٥، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٦، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٧.
وبعد: فهذه منزلة الرسل والأنبياء عند هذه الأمة، لاإفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير؛ فهم عندها عبيد لا يعبدون، ورسل لا يكذبون، بل يطاعون ويتبعون.
стр. 291
الباب الثاني: وسطية أهل السنة بين الفرق
بين يدي هذا الباب
مدخل
...
الباب الثاني: وسطية أهل السنة بين الفرق
بين يدي هذا الباب:
تكلمنا في الباب الأول عن وسطية هذه الأمة بين الأمة، وبينا هناك أن أهل السنة والجماعة هم أول الناس دخولًا في هذه الوسطية، وأن كل معنى من معاني الوسطية ثبت لهذه الأمة؛ فلأهل السنة منه الحظ الأوفر، وما ذاك إلا لأنهم النموذج الأمثل للأمة التي جعلها الله أمة وسطًا، وأخبر أنها خير أمة أخرجت للناس؛ إذ هم الطائفة الوحيدة التي حققت المتابعة المحضة لكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، بخلاف غيرهم من فرق وطوائف الأمة، فإنه ما من فرقة ولا طائفة منها إلا ولها من الأقوال والاعتقادات ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
لذلك كان أهل السنة خير فرق هذه الأمة وأوسط طوائفها، لتمسكهم بالسنة وحرصهم على متابعتها، والذب عنها؛ فهم الطائفة المنصورة، وهم الفرقة الناجية كما تقدم لنا بيان ذلك في أول هذه الرسالة.
فهم كما قال شيخ الإسلام: "وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل"١. "والسنة- التي هم أهلها وأخص الناس بها- أعز في الإسلام، من الإسلام في سائر الأديان". كما قال الإمام أبو بكر بن عياش ﵀
стр. 292
عليه١.
وفي هذا الباب سنعرض لبيان وسطية أهل السنة بين فرق هذه الأمة، وقد جعلت الكلام على ذلك في خمسة، فصول، مصدرة بتهميد في بيان افتراق الأمة وأسباب ذلك.
الفصل الأول: في بيان وسطيتهم في باب الأسماء والصفات.
الفصل الثاني: في بيان وسطيتهم في باب الأسماء والأحكام والوعيد.
والفصل الثالث: في بيان وسطيتهم في باب القدر.
والفصل الرابع: في بيان وسطيتهم في باب أصحاب رسول الله ﷺ .
والفصل الخامس: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم رسول الله ﷺ والصالحين من أمته.
стр. 293
تمهيد: في بيان افتراق الأمة وأسباب ذلك
أولًا: افتراق هذه الأمة
أخبر ﷺ أنه سيقع في أمته ما وقع في بني إسرائيل من التفرق والاختلاف؛ فقال: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"١.
وفي بعض الروايات: "كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة"٢.
وفي بعضها: "كلها في النار إلا واحدة". قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"٣.
ولم يقع في حياته ﷺ بين الأمة فرقة أو اختلاف؛ لأنه بين أظهرهم والوحي يتنزل عليه، فلا مجال لفرقة، ولا مرتع لبدعة.
ولما لحق ﷺ بالرفيق الأعلى، عاش الناس بعده في كنف الخلافة الراشدة المهدية، لم يظهر بينهم خلاف في أصول دينهم أو افتراق بسبب ذلك.
فكان الناس على اجتماع وائتلاف خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وطرفًا من خلافة علي ﵁، ثم في منتصف خلافته ﵁ اشرأبت أعناق البدع، ونبتت ثوابت الفرقة والاختلاف في أصول الدين وأمور الإيمان ثم تتابع ظهور البدع والفرق مصداقًا لخبر المصطفى ﷺ .
وقد تكلم أرباب الفرق والمقالات على تحصيل عدد هذه الفرق
стр. 294
ومقالاتها، وجهد بعضهم في أن يبلغ بها العدد المذكور في الحديث، وصنفوا في ذلك المصنفات١. وسلكوا في ذلك مسالك شتى.
والذي يعنينا هنا هو الكلام على أمهات الفرق التي فارقت أهل السنة، وخالفتهم في شيء من أصول الدين والإيمان.
وسنذكر هنا: أشهر من عرف بذلك من الفرق مع نبذة عن نشأة كل فرقة، وأهم ما فارقت به أهل السنة، وخالفتهم فيه من الأصول.
فمن تلك الفرق:
١- الخوارج:
وهي أول فرقة، أظهرت الخلاف وفارقت جماعة المسلمين.
* وجه التسمية:
سموا بذلك؛ لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ ولقولهم بالخروج على الأئمة٢.
* تاريخ النشأة ٣:
برزت هذه الفرقة أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وبالتحديد سنة ٣٧ هـ بعد معركة "صفين" وقبول علي ﵁ تحكيم الحكمين؛ حيث كرهوا ذلك منه ونقموا عليه بسببه وقالوا: لا حكم إلا لله، مع أنهم هم الذين أكرهوه على قبوله في أول الأمر، فانحازوا إلى بلدة
стр. 295
"حروراء"١ وأعلنوا البراءة من علي والحكمين ومن رضي بالتحكيم، بل وكفروهم بسبب ذلك.
* أهم آرائهم الاعتقادية:
تتلخص المبادئ التي يرتكز عليها الخوارج في ثلاثة أمور رئيسية، بها حادوا عن سواء الصراط، فضلوا وأضلوا:
الأمر الأول: تكفير علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، والحكمين ﵃.
الأمر الثاني: القول بالخروج على الإمام الجائر.
الأمر الثالث: قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار.
هذه المبادئ الثلاثة هي جوهر اعتقاد الخوارج، وليس بينهم في ذلك خلاف؛ إلا خلافًا لبعضهم في تطبيق هذه المبادئ.
يقول الإمام ابو الحسن الأشعري في حكاية ما أجمع عليه الخوارج من الآراء: "أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب ﵁ أن حكم وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟
وأجمعوا على: أن كل كبيرة كفر؛ إلا النجدات٢ فإنها لا تقول ذلك.
وأجمعوا على: أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا؛ إلا
стр. 296
النجدات أصحاب نجدة"١.
وقال المقدسي في ذلك: "وأصل مذهبهم: إكفار علي بن أبي طالب ﵁، والتبرؤ من عثمان بن عفان، والتكفير بالذنب، والخروج على الإمام الجائر"٢.
٢- الشيعة:
* وجه التسمية:
يقول الأشعري في بيان وجه ذلك: "وإنما قيل لهم الشيعة؛ لأنهم شايعوا عليًا رضوان الله عليه، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ "٣.
فكل من قال إن عليًا ﵁ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي٤.
* تاريخ النشأة:
ظهر التشيع في زمن خلافة علي ﵁ على الصحيح، ولا عبرة ما يدعيه الشيعة من بدء ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلك حيث نص بعضهم على أن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة٥.
وكان التشيع في أوله؛ يعني: تقديم علي ﵁ على عثمان في الفضل.
стр. 297
إذ كان بعض الصحابة ﵃ أجمعين يرى تقديم علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان ﵄ في الفضل، ولم يقدموه على أبي بكر وعمر ﵄؛ بل كان الجميع بما فيهم على مجمعين على تقديم الشيخين في الخلافة والفضل، فقد "تواتر عن علي ﵁ قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"١ وهذا متفق عليه بين قدماء الشيعة، وكلهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر ﵄؛ وإنما كان النزاع في علي وعثمان ﵄ حين صار لهذه شيعة، ولهذا شيعة، وأما أبو بكر وعمر ﵄ فلم يكن أحد يتشيع لهما بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما حتى الخوارج؛ فإنهم يتولونهما ويترؤون من علي وعثمان ﵄"٢.
ثم تغلظ التشيع على يد عبد الله بن سبأ، وهو يهودي أدى الإسلام وزعم محبة آل البيت وموالاتهم، وقال بالوصية لعلي بالخلافة، وله فيه غلو هو كفر٣.
ثم انقسم الشيعة إلى: غالية تؤله عليًا ﵁، ورافضة إمامية وزيدية كما سيأتي في المبحث الرابع.
* أهم آرائهم وأقوالهم التي فارقوا بها أهل السنة:
يجمع الشيعة الرافضة:
١- القول بوجوب إمامة علي ﵁، وتقديمه وتفضيله على سائر الصحابة وأن الرسول نص على إمامته.
٢- القول بعصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر.
стр. 298
٣- القول بالتولي والتبري قولًا وفعلًا؛ أي: تولي علي ﵁ والتبري من أصحاب رسول الله ﷺ ولا سيما الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم١.
٣- المرجئة:
* وجه التسمية:
نسبة إلى الإرجاء، وهو تأخير العمل عن الإيمان٢.
والإرجاء على معنيين:
أحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ٣؛ أي: أمهله وأخره.
والثاني: إعطاء الرجاء٤.
وهم أصناف أهمها:
المرجئة الخالصة: وهم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ومن هؤلاء جه وأصحابه.
وسيأتي ذكر أقسامهم في الفصل الثاني بإذن الله.
* نشأتهم:
أول من تكلم في الإرجاء الذي هو تأخير الأعماء عن الإيمان غيلان
стр. 299
الدمشقي١ "ت بعد ١٠٥ هـ"، كما يقول الشهرستاني٢.
وروى الخلال في "السنة" عن الإمام أحمد سئل "أول من تكلم في القدر من هو؟ قال: يقولون أول من تكلم فيه ذر٣، ٤.
أما الإرجاء المنسوب إلى "أبي محمد الحسن بن محمد المعروف بابن الحنية"؛ فليس هو الإرجاء في الإيمان؛ وإنما هو إرجاء أمر المتقاتلين من الصحابة إلى الله عز وجل٥.
* أهم أقوالهم التي فارقوا بها أهل السنة:
- قولهم بتأخير الأعمال عن مسمى الإيمان.
- وقول الخالصة منهم: أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
стр. 300
٤- الجهمية:
وهم أصحاب جهم بن صفوان١ "ت ١٢٨ هـ" وسموا بذلك نسبة إليه.
أهم مقالتهم التي فارقوا بها أهل السنة وجماعة المسلمين:
١- نفي أسماء الله وصفاته.
٢- القول بخلق القرآن.
٣- القول بالجبر: وهو أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة؛ وإنما هو مجبور على أفعاله٢.
٤- القول بالإرجاء وأن الإيمان هو المعرفة٣.
٥ القول بفناء الجنة والنار٤.
٥ المعتزلة:
* وجه التسمية:
سموا بذلك؛ لاعتزال مؤسس نحلتهم واصل بن عطاء "٨٠- ١٣١" مجلس الحسن البصري "ت ١١٠" بعد مخالفته له في مرتكب الكبيرة؛ حيث قال واصل أنه في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم تنحى عن مجلس الحسن واعتزل جانبًا يقرر رأيه هذا٥ فقيل له ولأتباعه من يومئذ المعتزلة.
стр. 301
* أهم أقوالهم التي خالفوا فيها أهل السنة:
١- نفي الصفات الإلهية.
٢- القول بخلق القرآن.
٣- قولهم أن العبد خالق لأفعاله خيره وشرها، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، وأن أفعالهم تقع منهم بغير إرادة الله ومشيئته.
٤- القول: بأن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وأنه في منزلة بين ذلك، وأنه لا بد أن يدخل النار ويخلد فيها١.
٥- قولهم باستحقاق العبد الثواب على الله إذا خرج من الدنيا طائعًا على سبيل الإيجاب والمعارضة٢.
ولهم أقوال أخرى، وما ذكرت هو أعظمها.
٦- طائفة الأشعرية، أو الأشاعرة:
وهي أكبر طوائف المسلمين، وأوسعها انتشارًا.
* وجه التسمية:
سمو بذلك؛ نسبة إلى مؤسس النحلة، وهو الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الإشعري "٢٦٠- ٣٢٤ هـ" الذي كان في أول أمره معتزليًا، ثم ترك الاعتزال لما تبين له خطله، وسلك طريقه ابن كلاب٣، فأثبت بعض الصفات وأول البعض الآخر، ثم هداه الله إلى مذهب أهل السنة في آخر حياته، فصنف
стр. 302
الإبانة والمقالات، وذكر فيهما متابعته لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وقوله بكل ما قالهِ١.
ذكر هذه الأطوال الثلاثة لأبي الحسن الإمام ابن كثير ﵀ فقال: "ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولاها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة
الحال الثاني: إثبات الصفات السبع وهي: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية؛ كالوجه واليدين والقدم والساق.
والحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريًا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا"٢.
والمنتسبون إليه هم على مذهبه الكلابي الذي رجع عنه إلى مذهب السلف.
* أشهر أقوالهم التي خالفوا فيها أهل السنة:
١- نفي وتأويل بعض الصفات الخبرية؛ كالوجه واليدين والساق ونحو ذلك، وتأويل الصفات الاختيارية كالاستواء، والنزول، والغضب والرحمة.
٢- القول: بأن كلام الله كلام نفسي بلا حرف ولا صوت.
٣- قولهم: بأن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان.
٤- قولهم: بالكسب الذي يؤول إلى الجبر.
وسيأتي لذلك زيادة إيضاح في الفصول الآتية.
стр. 303
ثانيًا: أسباب افتراقها
يمكن تقسيم الأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذا الافتراق إلى قسمين:
أسباب داخلية:
أسباب ومؤثرات جنبية خارجية:
أ- فأما الأسباب الداخلية فمن أهمها:
١- اتباع الهوى: فإنه أصل الزيغ ومفارقة الحق١.
٢- الجهل: وهو من أعظم الأسباب المؤدية إلى الابتداء والتفرق والاختلاف.
٣- الغلو والإفراط: وهو من الأسباب الهامة والعوامل المؤثرة في تكون الفرق واختلافها، ومن شواهد ذلك غلو الشيعة في علي ﵁، وأئمتهم وقولهم بعصمتهم. ثم غلو الخوارج والمعتزلة في آيات الوعيد، وغلو الجبرية في إثبات القدر.
٤- فتح باب تأويل النصوص الشرعية بدون دليل، وهو من أعظم عوامل تفرق الأمم وابتداعها، يقول الإمام ابن القيم: "وبالجملة فافتراق أهل الكتاب وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ إنما أوجبه التأويل، وإنما أريقت
стр. 304
دماء المسلمين يوم الجمل وصفين بالتأويل"١.
٥- تحكيم العقل في النقل وتقدميه عليه، واعتبار العقل هو الأصل والأساس فيما يقبل ويرد، وفيما يصح أو لا يصح، ويجوز على الله أو لا يجوز. كما يقول المعتزلة. يقول القاضي عبد الجبار وهو يترتب أنواع الأدلة: "فاعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع، ومعرفة الله لا تنال إلا بالعقل"٢.
ب- الأسباب والمؤثرات الأجنبية:
ويمكن تلخيص هذه الأسباب والمؤثرات في العناصر الآتية:
١- احتكاك المسلمين بالأمم المجاورة والتأثر بثقافاتها وأفكارها الدينية، ولا سيما بعد المد الإسلامي واتساع الفتوح وسياحة المسلمين في البلدان المفتوحة.
٢- دخول كثير من أصحاب الأديان الأخرى في الإسلام، ولم يتخلصوا من أفكارهم ومعتقداتهم السابقة، فأثروا الشبهات في الإسلام.
٣- ترجمة كتب الفلسفة والمنطق، وتشجيع دراستها والتعمق فيها.
٤- دخول بعض المغرضين من اليهود والمجوس في الإسلام بقصد الدرس والكيد للإسلام والمسلمين، ومن هؤلاء عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، وفرق الأمة بما بثه من أفكار الغلو في علي ﵁ وأحقيته بالخلافة.
ومما يدل على مبغل أثر المؤثرات والأسباب الأجنبية في تفرق المسلمين ومدى مسؤوليتها عن ذلك. أنك إذا رجعت إلى أصول كثير من الفرق والبدع
стр. 305
تجدها أصولًا خارجية.
فاصل مقالة التعطيل والقول بخلق القرآن مثلًا: يهودي، إذا يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، كما ذكر ابن الأثير في سياقه سلسلة التعطيل؛ حيث قال: "وأخذ الجهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد بن أبان بن سمعان، وأخذه أبان بن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبدي بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقًا فأفشى الزندقة"١.
وأصل القول في القدر يرجع إلى رجل نصراني، أخرج الآجرى، واللالكائي، وغيرهما عن الإمام الأوزاعي ﵀ أنه قال: "أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد"٢.
واصل التشيع والرفض يرجع إلى يهودي هو: عبد الله بن سبأ كما تقدم.
وهكذا نجد العوامل والمؤثرات الخارجية ذات تأثير مباشر في نشأة الفرق وتكونها ووقوع الخلاف.
стр. 306
الفصل الأول: في وسطية أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته
تمهيد:
إن التالي لكتاب الله ، ليجد في كثير من الآيات الكريمات ذكر اسم من أسماء الله ﵎، أو صفة من صفاته.
وكذلك يجد المطالع للسنة المطهرة عددًا من الأحاديث الشريفة تشتمل على ذكر اسم من أسماء الله الحسنى أو صفة من صفاته العلى.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتلون آيات الله ، ويتلقون عن رسول الله ﷺ سنته المطهرة.
ونجزم أنهم كانوا يقرأون القرآن قراءة تدبر، وأنهم كانوا يفهمون معاني ما يتلون ويقرأون؛ لأنهم يتلونه ليعلموا به، فيحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويعملوا بمحكمه ويؤمنوا بمتشابهه.
وكذلك كان تلقيهم لسنة رسول الله ﷺ ، تلقى فهم وتدبر؛ لأنهم متعبدون بالعمل بها كما هم متعبدون بالقرآن.
وإذا أشكل عليهم شيء مما جاء فيها، أو خفي عليهم معناه، أو عزب أن أذهانهم فهم المراد منه، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فبين لهم ما نزل إليهم، ويوضح ما خفي عليهم.
جاء في "الصحيح": "أن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ -كانت
стр. 307
لا تسمع شيئًا لا نعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال: من حوسب عذب، قالت عائشة فقلت: أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ١ قالت: فقال: إنما ذلك الغرض؛ ولكن من نوقش الحساب يهلك"٢.
ومع ذلك لم يرد قط من طريق صحيح، ولا سقيم، عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة، في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه ﷺ ؛ بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكنوا عن الكلام في الصفات٣.
وربما اختلفوا ﵃ في شيء من الأحكام وأمور الحلال والحرام؛ لكنهم لم يختلفوا في أسماء الله وصفاته وإثبات ما ورد منها.
يقول الإمام ابن القيم ﵀ عليه موضحًا شأنهم في ذلك: "وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا؛ ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدروها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإيمان والتعظيم وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا.
стр. 308
واحدًا، وأجروها على سنن واحد"١.
مضى عصر الصحابة على ذلك، كلمتهم واحدة، ليس لهم في ذلك قولان، ولا تنازع في هذا الباب منهم اثنان.
ثم خلف من بعدهم أخلاف، وبسقت قرون بدع، ونبتت نوابت فرقة واختلاف، فاختلف الناس في هذا الباب بعد ائتلاف؛ فكانوا طوائف ثلاث:
الأولى: أهل تعطيل.
الثانية: أهل تمثيل.
الثالثة: أهل سواء سبيل.
فأما أهل التعطيل: فقد قالوا بنفي أسماء الله وصفاته، وبعضهم أثبت الأسماء ونفي الصفات، وأمثلهم أثبت الأسماء وبعض الصفات، ونفي أو أول البعض الآخر، وهم طوائف. بينهم تفاوت.
وأما أهل التمثيل: فمالوا إلى ضروب من التمثيل والتشبيه، وهم أيضًا طوائف، ما بين مشبه للمخلوق بالخالق، وآخر مشبه للخالق بالمخلوق.
وأما أهل سواء السبيل: فهم الذي سلكوا سبيل ذلك الرعيل الذي عاصر التنزيل؛ أعني: الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ اقتدوا بهم، واهتدوا بهديهم؛ فكان قولهم كقولهم، وهؤلاء هم أهل السنة وجامعة الذين سلموا من ضلالة النفي والتعطيل، ولم يرتكسوا في حمأة التشبيه والتمثيل، وكانوا بين ذلك على هدي قاصد وصراط مستقيم.
وفي هذا الفصل سنعرض بإذن الله لبيان قول كل من الطوائف الثلاثة في هذا الباب من خلال كتبهم ومصنفاتهم ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، أو من خلال
стр. 309
ما نقل وأثر من أقوال أئمتهم ورواد نحلتهم، ثم نذيل الفصل بذكر طرف من أقوال أهل العلم التي أشاروا فيها إلى وسطية قول أهل السنة في هذا الباب، ونماذج مختارة من بعض الصفات نبرز من خلالها صور وسطية أهل السنة في ذلك، ندل بها على باقي الصفات.
стр. 310
المبحث الأول: في بيان قول أهل التعطيل
الطائفة الأولى: نفاة الأسماء والصفات
...
المبحث الأول: في بيان قول أهل التعطيل
وقيل ذكر أقوالهم، لنقف على معنى التعطيل في اللغة، والمراد به عند إطلاقه في هذا الباب.
فالتعطيل في اللغة: من عطل، وهو يدل على خلو وفراغ، نقول: عطلت الدار، ودار معطلة، ومتى تركت الإبل بلا راع فقد عطلت، وكذلك البئر ذا لم تورد ولم يستق منها، قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ ١، ٢؛ أي: لا يستقي منها، ولايردها أحد٣.
والمراد بالتعطيل: إنكار ونفي ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات أو إنكار بعض ذلك٤، وهو يتضمن تعطيل الخالق جل وعلا من بعض أسمائه وصفاته، وتعطيل نصوص الكتاب والسنة عما دلت عليه من المعنى الحق في هذا الباب.
وأهل التعطيل كما سبقت الإشارة طوائف، أخذ الخالف منهم بعض ما كان عليه السالف والجميع في ربقة التعطيل مرتبك.
الطائفة الأولى: نفاة الأسماء والصفات
وهؤلاء هم "الجهمية" وسموا بذلك نسبة إلى "الجهم بن صفوان" السمرقندي الترمذي، مولى بني راسب "ت ١٢٨ هـ"٥.
стр. 311
وكان -كما يقول الإمام أحمد بن حنبل "صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى"١.
تلقى عن شيخه "الجعد بن درهم"٢ الكلام والقول بإنكار الأسماء والصفات٣، ثم أشاعه وأظهر حتى نسب ذلك إليه دونه وكان أول ظهور مذهبه بـ "ترمذ"، وظل يبث آراءه في ذلك حتى قتله سلم بن أحوز المازني بـ "مرو" في آخر ملك بني أمية كما يقول الأشعري٤، وذكر الإمام ابن جرير وفاته في سنة مائة وثمان وعشرين٥.
* ذكر قول جهم وأصحابه في الأسماء والصفات:
لم يصل إلينا شيء من كتب الجهمية الأوائل؛ غير أننا نستطيع أن نقف على الكثير من أقوالهم واعتقاداتهم، من خلال ما دونه عنهم بعض الأئمة ومؤلفوا كتب الفرق والمقالات، وما سجله بعض المؤرخين من مقالاتهم في ثنايا تراجمهم وأخبارهم.
فما بلغنا من قولهم في ذلك، ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في كتاب: "الرد على الجهمية والزنادقة"؛ حيث قال: "وزعم -أي: جهم- أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله كان كافرًا، وكان من المشبهة.
стр. 312
وإذا سألهم الناس عن قول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقولون: ليس كثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان ولم يتكلم، ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد ي الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة"١.
ومن ذلك قول الأشعري عن الجهم: "ويحكى عنه أنه كان يقول: لا أقول أن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء"٢.
ومن ذلك ما نقله الملطي من قولهم: "إن الله لا شيء، ولا يقع عليه صفة شيء.... -قال-: ومنهم صنف زعموا أن الله شيء، وليس كالأشياء، ولا يقع عليه صفة.... ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا يتكلم، وأن القرآن مخلوق، وأنه لم يكلم موسى، ولا يكلم قط ... -قال:- ومنهم صنف قالوا: لا نقول: إن الله قوي ولا شديد ولا حي، ولا ميت، ولا يغضب ولا يرضى، ولا يسخط، ولا يحب ولا يعجب، ولا يرحم، ولا يفرح، ولا يسمع، ولا يبصر ولا يقبض، ولا يبسط"٣.
ذكر عن جهم أنه: أنكر أن يكون الله على العرش، وأنكر الكرسي، وأنكر النزول، والرؤية والوجه, والسمع والبصر، والتكلم واليد وغير ذلك٤.
ومن ذلك ما ذكره الشهرستاني، قال: "وافق٥- أي: جهم- المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء:
стр. 313
منها: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقة؛ لأن ذلك يقضي تشبيهًا فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق"١.
ومن ذلك ما ذكره السمعاني في "الأنساب"؛ حيث قال في ترجمة جهم: "والمنكر في عقيدته كثير، وأفظعها كان يزعم أن الله لا يوصف بأنه شيء، ولا بأنه حي عالم ولا يوصف بما يجوز إطلاق بعضه على غيره، وزعم أن تسميته شيئًا، وتسمية غيره شيئًا، توجب التشبيه بينه وبين غيره، وكذلك تسميته حيًا وعالمًا، وتسمية غيره بذلك توجب التشبيه بينه وبين من سمى بذلك من المخلوقين.
وأطلق عليه اسم القادر؛ لأنه - أي: الجهم- لا يسمى أحدًا من المخلوقين قادرًا من أجل نفيه استطاعة العباد واكتسابهم.
قال: وفي هذا القول إبطال أكثر ما ورد به القرآن من أسماء الله تعالى، كالعليم، والحي، والبصير، والسميع، ونحو ذلك؛ لأن كل واحد من هذه الأسماء قد يسمى به غيره فيلزمه أن لا يسمى إلهه إلا باسم ينفرد به كالإله والخالق والرزاق ونحو ذلك، ويرد أسماءه حينئذ إلى عدد قليل"٢.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان جهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروى أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق؛ فلم يسمه إلا بالخالق القادر؛ لأنه كان جبريًا يرى أن العبد لا قدرة له"٣.
من هذه النقول يتضح لنا مذهب جهم الذي يدور على:
стр. 314
١- نفي كل اسم أو صفة يجوز أن يسمى أو يتصف بها غير الله.
٢- إثبات اسم القادر والخالق؛ لأنه لا قادر ولا خالق غيره ولا يسمى بها أحد من خلقه.
٣- إنكار رؤية الله في الآخرة.
٤- القول بخلق القرآن.
٥- أن شبهته الرئيسية التي من أجلها قال بكل ذلك: نفي التشبيه؛ إذ يرى أن تسميته أو صفه بشيء يسمى به أو يوصف به غيره. تشبيه له سبحانه بالمخلوقات؛ فلما قام في قلبه التشبيه نزع إلى النفي والتعطيل.
стр. 315
الطائفة الثانية: من طوائف المعطلة
هم مثبتة الأسماء ونفاة الصفات وهؤلاء هم المعتزلة.
أحذ المعتزلة عن الجهمية القول بنفي الصفات، والقول بخلق القرآن ونفي رؤية الله في الآخرة.
وقد أشار الإمام أحمد ﵀ إلى أن بعض أصحاب "عمرو بن عبيد" أحد رؤوس الآعتزال كما هو معلوم، -وقد تبع جهم بن صفوان على مقالته وأخذ عنه١.
وكان بين جهم وواصل بن عطاء٢ زعيم المعتزلة الأولى مكاتبات٣. وقد أخذ بشر المريسي، المعتزلي مقالة الجهم بن صفوان واحتج لها، وجرد القول
стр. 316
بخلق القرآن وناظر عليه١.
إذًا فهناك اتصال بين أقطاب التجهم وبين رواد الاعتزال، على إثره انتقلت بعض أفكار الجهمية ومذاهبهم إلى المعتزلة الذين تبنوها ودافعوا عنها؛ حتى أصبح يطلق عليهم الجهمية أيضًا لشدة تأثرهم بمقولة جهم وأتباعه؛ ولا سيما في نفي الصفات، والرؤية، والقول بخلق القرآن، قال القاسمي: "إن تلقيبهم -أي: المعتزلة- بالجهمية إنما كان لما وجد من موافقتهم للجهمية في تلك المسائل -أي: نفي الرؤية والصفات- مع مراعاة سبقهم فيها على المعتزلة، وتمهيدهم السبيل للتوسع فيها -قال- فاحفظه"٢.
وهذه بعض النقول التي استقيناها من كتب القوم، وكتب الفرق والمقالات التي دونت أقوالهم ومذاهبهم، والتي تبين رأيهم ومعتقدهم في باب أسماء الله وصفاته.
يقول ابن المرتضى المعتزلي في بيان ما أجمعت عليه المعتزلة: "وأما ما أجمعوا عليه فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعان، ليس بجسم، ولا عرض، ولا جوهر عينًا واحدًا لا يدرك بحاسة"٣.
وقوله: "لا لمعان"؛ معناه: أنهم يثبتون كونه قادرًاِ، عالمًا، حيًا، أسماء مجردة لا تدل على صفات؛ فهو قادر بدون قدرة، عالم بلا علم حي بلا حياة. يوضح هذا:
قول الشهرستاني: "والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول: بأن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلًا فقالوا:
стр. 317
هو عالم بذاته، حي بذاته، لا يعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص لشاركته في الإلهية.
واتفقوا على: أن كلامه محدث في محل. واتفقوا على أن الإرادة، والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته. واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار"١.
وقال السكسكي: "وقد اجتمعت -أي: المعتزلة- على نفي الصفات عن الله ، وتعالى عن قولهم، كالعلم والقدرة والسمع والبصر"٢.
وهذا القول مما أسس عليه الكيان المعتزلي؛ فقد "كان شيخهم الأول -واصل ابن عطاء- يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إليهن"٣.
لذلك كان من أولى قواعد مذهبه: نفي الصفات بناء على رأيه هذا.
стр. 318
الطائفة الثالثة: من طوائف أهل التعطيل
وهم الذين أثبتوا الأسماء وبعض الصفات ونفوا أو أولوا البعض الآخر:
ومن هذه الطائفة: الأشاعرة١.
فإنهم متفقون على إثبات بعض الصفات التي يسمونها صفات المعاني، وهي القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع والبصر، والكلام٢.
стр. 319
يقول البغدادي: "أجمع أصحابنا على أن قدرة الله ، وعلمه وحياته وإرادته وسمعه وكلامه، صفات له أزلية"١.
واتفقوا على وجوب تأويل بعض الصفات ونفيها عن الله ؛ وذلك مثل صفة المحبة والرضى وغيرها من الصفات الاختيارية التي تقع بمشيئة الله وإرادته.
يبين الباقلاني عقيدتهم في مثل هذه الصفات فيقول: "ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه، ورحمته، وكراهيته، وغضبه، وسخطه، وولايته، وعداوته كلها راجع إلى إرادته"٢، وقال: "وأنه سبحانه لم يزر مريدًا ومحبًا ومبغضًا وراضيًا، وساخطًا، مواليًا، ومعاديًا, ورحيمًا ورحمانًا، وجيع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب بغيره، ورضى يسكنه طبعًا له، وحنق وغيظ يلحقه، وحقد يجده"٣.
وحقيقة قولهم نفي حقيقة هذه الصفات، وتأويلها بالإرادة.
واختلف قولهم في بعض الصفات الذاتية التي تعرف بالصفات الخبرية؛ أي: التي لم تثبت إلا من طريق السمع ولا دخل للعقل في إثباتها، ولولا ورود السمع بها لما علمت؛ وذلك مثل صفة: اليدين، والعينين، والوجه.
فبعض متقديمهم يثبت ما ثبت من ذلك، كالباقلاني٤. وأولها أكثرهم ولا سيما متأخروهم.
الحاصل أن القوم يثبتون بعض الصفات، وينفون ويؤولون البعض الآخر، وهذا تعطيل وإن كان أخف بلا شك من تعطيل الجهمية والمعتزلة.
стр. 320
المبحث الثاني: في بيان أهل التشبيه والتمثيل
...
المبحث الثاني: في بيان قول أهل التشبيه والتمثيل
وهم صنفان: كما تقدم.
صنف شبهوا المخلوق بالخالق. ومن هذا الصنف؛ السبأية١ من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا وقالوا: أنت الله حتى حرقهم بالنار على ذلك٢.
وليس من غرضنا هنا الحديث عن هذا الصنف؛ لأنا إنما نريد معرفة قول النصف الثاني: وهم الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين.
وهذا النوع من التشبيه يكثر في الراوفض؛ بل هم أهله.
فإن من أشهر من قال بهذا النوع من التشبيه منهم: هشام بن الحكم الرافضي٣ الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم أنه سبعة أشبار بشبر نفسه.
وأنه جسم طويل عريض وروى عنه أنه كسبيكة الفضة"٤.