بخلق القرآن وناظر عليه١.
إذًا فهناك اتصال بين أقطاب التجهم وبين رواد الاعتزال، على إثره انتقلت بعض أفكار الجهمية ومذاهبهم إلى المعتزلة الذين تبنوها ودافعوا عنها؛ حتى أصبح يطلق عليهم الجهمية أيضًا لشدة تأثرهم بمقولة جهم وأتباعه؛ ولا سيما في نفي الصفات، والرؤية، والقول بخلق القرآن، قال القاسمي: "إن تلقيبهم -أي: المعتزلة- بالجهمية إنما كان لما وجد من موافقتهم للجهمية في تلك المسائل -أي: نفي الرؤية والصفات- مع مراعاة سبقهم فيها على المعتزلة، وتمهيدهم السبيل للتوسع فيها -قال- فاحفظه"٢.
وهذه بعض النقول التي استقيناها من كتب القوم، وكتب الفرق والمقالات التي دونت أقوالهم ومذاهبهم، والتي تبين رأيهم ومعتقدهم في باب أسماء الله وصفاته.
يقول ابن المرتضى المعتزلي في بيان ما أجمعت عليه المعتزلة: "وأما ما أجمعوا عليه فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعان، ليس بجسم، ولا عرض، ولا جوهر عينًا واحدًا لا يدرك بحاسة"٣.
وقوله: "لا لمعان"؛ معناه: أنهم يثبتون كونه قادرًاِ، عالمًا، حيًا، أسماء مجردة لا تدل على صفات؛ فهو قادر بدون قدرة، عالم بلا علم حي بلا حياة. يوضح هذا:
قول الشهرستاني: "والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول: بأن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلًا فقالوا:
стр. 317
هو عالم بذاته، حي بذاته، لا يعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص لشاركته في الإلهية.
واتفقوا على: أن كلامه محدث في محل. واتفقوا على أن الإرادة، والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته. واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار"١.
وقال السكسكي: "وقد اجتمعت -أي: المعتزلة- على نفي الصفات عن الله ، وتعالى عن قولهم، كالعلم والقدرة والسمع والبصر"٢.
وهذا القول مما أسس عليه الكيان المعتزلي؛ فقد "كان شيخهم الأول -واصل ابن عطاء- يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إليهن"٣.
لذلك كان من أولى قواعد مذهبه: نفي الصفات بناء على رأيه هذا.
стр. 318
الطائفة الثالثة: من طوائف أهل التعطيل
وهم الذين أثبتوا الأسماء وبعض الصفات ونفوا أو أولوا البعض الآخر:
ومن هذه الطائفة: الأشاعرة١.
فإنهم متفقون على إثبات بعض الصفات التي يسمونها صفات المعاني، وهي القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع والبصر، والكلام٢.
стр. 319
يقول البغدادي: "أجمع أصحابنا على أن قدرة الله ، وعلمه وحياته وإرادته وسمعه وكلامه، صفات له أزلية"١.
واتفقوا على وجوب تأويل بعض الصفات ونفيها عن الله ؛ وذلك مثل صفة المحبة والرضى وغيرها من الصفات الاختيارية التي تقع بمشيئة الله وإرادته.
يبين الباقلاني عقيدتهم في مثل هذه الصفات فيقول: "ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه، ورحمته، وكراهيته، وغضبه، وسخطه، وولايته، وعداوته كلها راجع إلى إرادته"٢، وقال: "وأنه سبحانه لم يزر مريدًا ومحبًا ومبغضًا وراضيًا، وساخطًا، مواليًا، ومعاديًا, ورحيمًا ورحمانًا، وجيع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب بغيره، ورضى يسكنه طبعًا له، وحنق وغيظ يلحقه، وحقد يجده"٣.
وحقيقة قولهم نفي حقيقة هذه الصفات، وتأويلها بالإرادة.
واختلف قولهم في بعض الصفات الذاتية التي تعرف بالصفات الخبرية؛ أي: التي لم تثبت إلا من طريق السمع ولا دخل للعقل في إثباتها، ولولا ورود السمع بها لما علمت؛ وذلك مثل صفة: اليدين، والعينين، والوجه.
فبعض متقديمهم يثبت ما ثبت من ذلك، كالباقلاني٤. وأولها أكثرهم ولا سيما متأخروهم.
الحاصل أن القوم يثبتون بعض الصفات، وينفون ويؤولون البعض الآخر، وهذا تعطيل وإن كان أخف بلا شك من تعطيل الجهمية والمعتزلة.
стр. 320
المبحث الثاني: في بيان أهل التشبيه والتمثيل
...
المبحث الثاني: في بيان قول أهل التشبيه والتمثيل
وهم صنفان: كما تقدم.
صنف شبهوا المخلوق بالخالق. ومن هذا الصنف؛ السبأية١ من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا وقالوا: أنت الله حتى حرقهم بالنار على ذلك٢.
وليس من غرضنا هنا الحديث عن هذا الصنف؛ لأنا إنما نريد معرفة قول النصف الثاني: وهم الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين.
وهذا النوع من التشبيه يكثر في الراوفض؛ بل هم أهله.
فإن من أشهر من قال بهذا النوع من التشبيه منهم: هشام بن الحكم الرافضي٣ الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم أنه سبعة أشبار بشبر نفسه.
وأنه جسم طويل عريض وروى عنه أنه كسبيكة الفضة"٤.
стр. 321
ومنهم هشام بن سالم الجواليقي١: الذي "زعم أنه معبود على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت"٢.
ومنهم: داود الجواربي٣ الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية٤ وقال: "اعفوني عن الفرج واللحة واسألوني عما وراء ذلك"٥. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وممن قال بالتشبيه من غير الرافضة: مقاتل بن سليمان المفسر٦ الذي قال فيه الأمم أبو حنيفة: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان؛ جهم معطل، ومقاتل مشبه"٧.
وقال ابن حبان: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث"٨.
стр. 322
المبحث الثالث: في بيان قول أهل سواء السبيل وهم أهل السنة
أما أهل السنة والجماعة فإن من أصولهم التي يدينون بها: إثبات ما ورد في كتاب الله ، أو على لسان رسول الله ﷺ من أسماء الله وصفاته لا يفرقون بين أسماء الله وصفاته، ولا بين بعض صفاته وبعض؛ بل قولهم في الجمع واحد، لا ينفون ولا يؤولون شيئًا منها، ولا يكيفيون أو يشبهون شيئًا منها بصفات المخلوقين.
يقول الإمام ابن عبد البر في ذلك: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة"١.
ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة وقولهم في ذلك بما لا مزيد عليه فيقول: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل، يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، يثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، ينزهون عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ رد على المعطلة"٢. فمذهبهم إذًا بين التمثيل والتعطيل، دائر على الإثبات والتنزيه.
ولهم في ذلك منهج وسط، وقواعد مثلى عليها يدور مذهبهم، وقولهم في
стр. 323
أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وهي قواعد دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فهي مستوحاة منهما، وكل من ضل في هذا الباب فإنما حصل له ذلك بسبب التفريط والإعراض عن شيء منها.
أولى هذه القواعد وأعظمها:
أن لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث١.
وكان مطرف يقول: الحمد لله الذي من العلم به الجهل بغير ما وصف به نفسه٢.
وقال سحنون: من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه٣.
فمن وصفه بما لم يصف به نفسه، أيو يصفه به رسوله فقد ضل، وقال على الله بلا علم، ومن ذلك صنيع الفلاسفة الذين سموه العقل الفعال، والمعتزلة الذين جعلوا القدم أخص صفاته، وهذا الاسم إلى كونه ليس في كتاب الله فإنه لا يؤدي المعنى الذي أناطوه به. واللفظ الشرعي الوارد في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ ٤ أدل على المعنى المطلوب وأرضى للرب.
ومن لم يصفه بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله؛ فقد ضيع وفرط وضل وعطل الله عن أسمائه وصفاته التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة.
القاعدة الثانية:
القطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه لصفاته
стр. 324
بصفات خلقه، كما تقدم قول نعيم بن حماد: "من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه أو تمثيل"١
وبسبب التفريط في هذا الأصل، ضل كل من طائفتي المعطلة، والمشبهة إذا اعتقد الجميع أن فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيهًا؛ فنفي المعطلة وأولوا ما دلت عليه النصوص من الصفات، وقال المشبهة بمماثلتها لصفات المخلوقات.
القاعدة الثالثة:
قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله سبحان٢، وكل من حاول إدراك ذلك خرج إلى ضرب من التشبيه.
القاعدة الرابعة:
القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وبسبب الغفلة عن هذا الأصل ضل من أثبت بعض الصفات ونفي البعض الآخر؛ إذ لا فرق بين ما نفاه وما أثبته والقول فيهما واحد٣ وكذلك القول في الأسماء.
القاعدة الخامسة:
والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله.
فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا
стр. 325
إثبات كيفية؛ فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف١.
القاعدة السادسة:
الاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في هذا الباب نفيًا وإثباتًا، والتوقف في الألفاظ التي لم يرد نص بذكرها نفيًا ولا إثباتًا كلفظ الجسم، والحيز والجهة، والمكان ونحو ذلك، والاستفصال عن مراد من أطلقها؛ فإن كان المعنى الذي أراده صحيحًا قبل وعبر عنه باللفظ الشرعي، وإن كان معنى باطلًا، لم يقبل.
يقول شيخ الإسلام في هذا المعنى: "فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي؛ فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني.
وأما الألفاظ التي تنازع فيها من ابتدعها من المتأخرين، مثل لفظ "الجسم" و"الجوهر" و"المتحيز" و"الجهة" ونحو ذلك؛ فلا تطلق نفيًا ولا إثباتًا، حي ينظر في مقصود قائلها فإن كان قد أراد بالنفي والإثبات معنى صحيحًا موافقًا لما أخبر به الرسول ﷺ صوف المعنى الذي قصده بلفظه؛ ولكن ينبغي أن يعبر عنه بألفاظ النصوص، ولا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها - قال- والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، وأما إن أريد بها معنى باطل نفي ذلك المعنى، وإن جمع بين حق وباطل، أثبت الحق وأبطل
стр. 326
الباطل"١.
ويعد: فهذه بعض أهم القواعد التي تميز منهج أهل السنة في هذا الباب، وهي تدل على مدى اعتصامهم بالكتاب والسنة، والقول بما دلا عليه. بالسير عليها جاء قولهم معتدلًا مستصوبًا.
стр. 327
المبحث الرابع: بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب
أولا: أقوال بعض السلف في وسطية قول أهل السنة في صفات الله تعالى
...
المبحث الرابع: بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب
مما تقدم من عرض لأقوال الثلاث في هذا الباب، يتضح لنا أن مذهب أهل السنة وسط بين النفاة المعطلة وبين المشبهة الممثلة.
وفي هذا المبحث سنذكر بعض أقوال أهل العلم من السلف الذين أشراوا إلى وسطية أهل السنة في هذا الباب، ثم نشير إلى صور من وسطيتهم من خلال قولهم وأقوال الفرق الأخرى في نماذج مختارة من الصفات.
أولًا: أقوال بعض السلف في وسطية قول أهل السنة في صفات الله تعالى
١- قول: الخطيب البغدادي:
قال ﵀: "أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية، والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه"١.
٢- وممن أشار إلى وسطيتهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه؛ فقال في "الوصية الكبرى": "فهم -أي: أهل السنة- في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى شبهوه بالعدم والموات، وبين أهل
стр. 328
التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.
فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل"١.
وقال: "ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على أهل التشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على أهل النفي والتعطيل.
فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا"٢
٣- وممن أشار إلى وسطية قولهم من فضلاء أهل السنة المعاصرين الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه لحديث: "يضحك الله لرجلين" في كتابه وعشرون حديثًا من صحيح مسلم، بعد أن ذكر القول الواجب في الصفات وذكر قول اهل التعطيل والتأويل وقول أهل التشبيه والتمثيل. قال: "والحق وسط بين الإفراط والتفريط وسط بين الذين أثبتوا الصفات وأفرطوا إذ شبهوا الله بخقله، وبين الذين فرطوا فنفوا الصفات، أو تأولوها بقصد تنزيه الله عن مشابهة الخلق".
والمذهب الحق وسط بين الطرفين ففيه الإثبات؛ فلا نفي ولا تأويل، وفيه التنزيه فلا تشبيه ولا تمثيل، وكل من المشبهة والنفاة جمعوا بين إساءة وإحسان.
فالمشبهة: أحسنوا؛ إذ أثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤا إذا شبهوا ومثلوا.
والنفاة: أحسنوا إذ نزهوا الله عن مشابهة خلقه، وأساءوا إذ نفوا عنه الله
стр. 329
ما أثبته لنفسه.
وأهل السنة والجماعة جمعوا بين المحسنيين وسلموا من الإساءتين؛ فالإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة، وذلك أنهم أثبتوا ما أثبت في الكتاب والسنة ما لصفات، ونزهوا الله عن مشابهة خلقه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ؛ فأول الآية تنزيه، وآخرها إثبات.
فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلني كاللبن السائغ الخالص السائغ للشاربين الذي يخرج من فرث ودم"١.
هذه بعض أقوال الأئمة في وسطية قول أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته، في عصور متفاوتة، وللائمة إلى ذلك إشارات وتهبيهات كثيرة إلى هذه الوسطية، وما ذكرت كاف ودال على أمثاله.
стр. 330
ثانيًا: صور من وسطية أهل السنة في هذا الباب
من أعظم وأبلغ صور وسطية أهل السنة في هذا الباب:
كونهم الطائفة الوحيدة التي أثبتت لله جميع ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ مع تحقيقها للتنزه وسلامة قولها من التشبيه والتمثيل. وليس ذلك إلا لها.
فإن الجهمية المحضة، نفوا الأسماء والصفات كما تقدم.
والمعتزلة: أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات كما سبق ذكر ذلك.
فكان قولهم خيرًا من قول أولئك؛ فإن من سمي الله بما سمي به نفسه أقرب إلى الحق والصواب ممن نفي ذلك.
стр. 331
والكلابية والأشاعرة: أثبتوا الأسماء، وبعض الصفات، ونفوا وأولوا البعض الآخر؛ فقولهم خير وأقرب للحق من قول الجهمية والمعتزلة.
وأهل السنة لما أثبتوا جميع الأسماء والصفات، كان قولهم خيرًا من قول الجميع.
كونهم الطائفة الوحيدة التي عملت بمقتضى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ١؛ إذ كل طائفة عداها إنما عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر كما تقدم إيضاح ذلك في كلام فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد.
هذه بعض الصور العامة لوسطيتهم، وهناك صور كثيرة لهذه الوسطية نستطيع أن نلمسها من خلال أقوالهم في كثير من الصفات الإلهية.
وسنختار بعض الصفات أمثلة ونماذج نوضح من خلالها هذه الوسطية؛ فمن ذلك:
١- صفة العلو والفوقية:
دلت كثير من الآيات والأحاديث النبوية على علو الله ، وأنه فوق مخلوقاته، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ ٢، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٤، وغير ذلك من الآيات كثير.
فاختلفت الطوائف والفرق في ذلك، ونزع قوم إلى إفراط، وآخرون إلى
стр. 332
تفريط.
فقال حلولية الجهمية: إن الله بذاته في كل مكان فقالوا: "هو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان"١.
وقال معطلة الجهمية: ليس هو داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت.
وهذا قول المعتزلة٢، وإليه يؤول قول الأشاعرة، الذين نفوا فوقيته لزعمهم أنه لا يصح أن يكون الباري في جهة؛ يقول الجويني: "إن الرب تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات والإتصاف بالمحاذاة ولا تحيط به الأقطار"٣.
ويقول الرازي: أعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحسن أن ههنا أو هنالك"٤ ومؤداه أنه سبحانه ليس فوق سماواته مستو على عرشه.
وقال أهل السنة: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، كما دل على ذلك الكتاب وإجماع سلف الأمة٥.
فقول أهل السنة كما ترى وسط بين قول من جعله -تعالى عن قولهم- في كل مكان، وبين قول من جعله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا
стр. 333
تحت.
٢- رؤية الله :
فقد أفرط قوم في إثبات ذلك فجاوزوا الحد، وقالوا: إنه سبحانه يرى في الدنيا والآخرة, وأنه يحاضر ويسامر وهذا قول بعض غلاة الحلولية١.
وفرط قول فقالوا: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا قول: الجهمية والمعتزلة٢ وغيرهم من أهل البدع٣.
وقال أهل السنة: -من الصحابة والتابعين- إن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه.
لأن الله أخبر أن عباده يرونه في الآخرة فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤، وقال عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ ٥؛ فلما حجب الكفار عن رؤيته عقوبة لهم دل على أن أهل طاعته يرونه.
وأخبر رسول الله ﷺ أنه لا يتمكن رؤيته في الدنيا فقال: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" ٦.
فقول أهل السنة كما ترى وسط بين من أثبت رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة، وبين من نفاها في الدارين؛ فأثبتوها في الآخرة دون الدنيا كما قال الله ورسوله ﷺ .
стр. 334
وبعد فإن صور وسطية أهل السنة في هذا الباب كثيرة فما من صفة إلا وقولهم فيها وسط بين الغلاة في الإثبات، والمغرقين في النفي والتأويل، وهم بين هؤلاء وهؤلاء على سواه السبيل وأسعد بالدليل.
стр. 335
الفصل الثاني: وسطية أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد
تمهيد:
الخلاف في هذا الباب قديم؛ فهو من أوائل ما حصل فيه النزاع بين الفرق المنتمية إلى الإسلام، وأول من أظهر الخلاف في ذلك وخالف جماعة المسلمين الخوارج، ثم قابلهم المرجئة، ثم خرجت المعتزلة وجاءوا في هذا بما لم يأت به أولئك، والجميع دائر بين إفراط، وتفريط.
ولما كان ديدن أهل السنة هو السنة هو التمسك بكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، والقول بما دلا عليه وأديا إليه؛ فقد جاء قولهم في هذا الباب وسطًا بين إفراط الخوارج وأهل الاعتزال، وتفريط أهل الإرجاء.
ولبيان قول كل ومذهبه، جعلت هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: في بيان وسطية أهل السنة في الأسماء والأحكام.
المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في الوعد والوعيد.
стр. 336
المبحث الأول: في وسطيتهم في الأسماء والأحكام
المراد بالأسماء: أسماء الدين مثل مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.
والمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة١؛ أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء٢.
فقد تنازع الناس في "مرتكب الكبيرة المليء" ماذا يسمى؟ أهو مؤمن؟ أم كافر؟ أم فاسق؟ أم منافق؟ وما حكمه في الدنيا؟ بنا على ذلك، وما هو حكمه في الآخرة؟ وافترقوا في ذلك إلى: طرفين، وواسطية.
فالخوارج، والمعتزلة في طرف.
وطوائف المرجئة في الطرف المقابل.
وأهل السنة: وسط بين الطرفين.
واختلافهم في ذلك مبني على اختلافهم في حقيقة الإيمان الواجب؛ لذا فإنا قبل عرض أقوالهم واختلافهم في اسم صاحب الكبيرة وحكمه، صنعرض بإيجاز لأقوالهم في تعريف الإيمان، وحقيقته عند كل منهم، وما بين مذاهبهم من فروق، وما فارقهم به أهل السنة، وامتازوا به عنهم من قول.
تعريف الإيمان:
أولًا: عند أهل السنة والخوارج والمعتزلة:
ذهب كل من أهل السنة، والخوارج، والمعتزلة إلى أن الإيمان يتألف من
стр. 337
ثلاثة أمور:
١- المعرفة والتصديق بالقلب.
٢- الإقرار والنطق باللسان.
٣-- العمل بالجوارح١.
ثم فارق كل من الخوارج، والمعتزلة أهل السنة بقولهم: إن الإيمان كل لا يتجزأ ولا يتبعض، وهو العمل بكل مأمور، وترك كل محظور، والذنوب لا تجامع الإيمان؛ بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام؛ فمتى ذهب بعضه بارتكاب شيء منها ذهب كله؛ ولهذا قالوا: بسلب الإيمان عن أصحاب الكبائر كما سيأتي.
ثم قالت الخوارج: يكون العاصي كافرًا.
وقالت المعتزلة: لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا بل هو في منزلة بينهما٢، كما سيأتي.
ثانيًا: عند المرجئة:
المرجئة ثلاثة أصناف:
الصنف الأول:
قالوا: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، كالمحبة، والخضوع، ومنهم من لا يدخلها فيه، ويرى أنه مجرد المعرفة بالقلب فقط وهو قول جهم.
وهذا الصنف: هم الذين يطلق عليهم المرجئة الخالصة، وهم الذين
стр. 338
قالوا: "لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة"١.
الصنف الثاني:
قالوا: الإيمان مجرد قول اللسان فقط وهؤلاء هم الكرامية٢.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول لا يعرف لأحد قبل الكرامية"٣.
والصنف الثالث:
مرجئة الفقهاء كأبي حنيفة وغيره: قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان٤.
قول الأشاعرة في تعريف الإيمان:
أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان؛ حيث قال عقب ذكره قول جهم السابق في الإيمان، وأنه المعرفة: "وهذا الذي نصره هو -أي: الأشعري- وأصحابه"٥.
قلت: أما الأشعري، فقوله في كتاب "الإبانة" يدل على رجوعه عن ذلك؛ فإنه يقول: "و -نؤمن- أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٦.
وأما أصحاب الأشعري، والأشاعرة بعامة: فقول جمهورهم: أن الإيمان
стр. 339
هو التصديق١، وزاد بعضهم: نطق اللسان، لتحقق الإيمان ظاهرًا.
يقول الباقلاني: "فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب"٢، يوضحه قوله في حد الكفر: "وإن قال قائل: ما الكفر عندكم؟ قيل له: هو ضد الإيمان، وهو الجهل بالله ، والتكذيب به السائر لقلب الإنسان عن العلم به؛ فهو كالمغطي عن معرفة الحق"٣.
ويقول الجويني: "والمرضي عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم"٤.
وهذا القول فيه شائبة من قول جهم ويفضي إليه بوجه، ولهذا قال شيخ الإسلام فيهم ما قال.
وللجويني قول آخر يرى فيه: أن من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه جحودًا أنه ليس بمؤمن، وإن لم ينطق به من غير جحود فهو مؤمن باطنًا، وإن نطق فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا. يقول: "والمؤمن على التحقيق: من انطوى عقدًا على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم، وصفاته وأنبيائه فإن اعترف بلسانه ما عرف بجنانه؛ فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإن لم يعترف بلسانه معاندًا، لم ينفعه علم قلبه"٥.
стр. 340
الفرق بين قول الخوارج والمعتزلة والمرجئة الخالصة وبين قول أهل السنة:
من خلال أقوال كل من الخوارج والمعتزلة، والمرجئة الخالصة. نلاحظ: أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا لا يتبعض ولا يتجزأ؛ فهو عند الخوارج والمعتزلة: مجموع: التصديق القلبي، والنطق اللساني، والعمل بالجوارح، وهو فعل الطاعات وترك المعاصي.
وإذا ذهب بعضه باترتكاب كبيرة ذهب كله.
وهو عند المرجئة الخالصة مجرد المعرفة، والأعمال ليست منه.
أما أهل السنة فإنهم -وإن اتفقوا مع الخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان لكنهم- يرون أنه يتبعض ويتجزأ، ويزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا فرق ما بينهم وبين أولئك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عليه: وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة: أن الإيمان يتفاضل ويتبعض كما قال النبي ﷺ : "من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ١"٢.
وأما أولئك فإنه لما كان الإيمان عندهم لا يتبعض، قال الخوارج والمعتزلة: من فعل ذنبًا زال بعض الإيمان فيزول كله فيخلد صاحبه في النار.
وقالت الجهمية: قد علمنا أنه ليس يخلد في النار، وأنه ليس كافرًا مرتدًا بل هو من المسلمين، وإذا كان من المسلمين وجب أن يكون مؤمنًا تام الإيمان ليس معه بعض الإيمان؛ لأن الإيمان لا يتبعض عندهم٣.
стр. 341
وكل من الفريقين غالط فيما قال. والحق ما قال أهل السنة في ذلك.
وإذا تقرر لدينا قول كل من هذه الطوائف في الإيمان، فلنشرع في بيان قول كل منهم في اسم مرتكب الكبيرة، وحكمه في الدنيا، والآخرة، وهم في ذلك كما أشرنا في أول المبحث طرفان، وواسطة على النحو التالي:
أولًا: قول الطرف الأول "وهم الخوارج والمعتزلة":
أ- قول الخوارج:
يتخلص قول الخوارج في مرتكب الكبيرة في الأمور التالية:
- حكموا بخروجه من الإيمان، وسموه كافرًا، إلا فرقة النجدات١ منهم، ثم اختلفوا هل كفره كفر شرك أو كفر نعمة؟ على ما سيأتي.
- أن حكمه في الدنيا حكم الكفار، تجري عليه أحكامهم؛ فيكون حلال الدم والمال عند من قال: كفره، كفر شرك، وليس كذلك عند جعل كفره كفر نعمة أو نفاق.
- أما حكمه في الآخرة فإنه خالد في النار لا يخرج منها.
يقول أبو عمار عبد الكافي الإباضي "قبل ٥٧٠ هـ" وهو خارجي إباضي كما هو واضح من نسبته: "اختلف من أثبت الوعيد لأهل الكبائر في أسمائهم، وفي كبائرهم ما هي؟ بعد إجماعهم على ثبوت الوعيد لهم، ونفي التسمية عنهم بالإيمان.
فقال الصفرية٢: إن كبائرهم كفر شرك، وأسماءهم كفار مشركون
стр. 342
محاربون كأهل حرب النبي ﷺ ، تسفك دماؤهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وهم مع ذلك قد تورث أموالهم، وتنكح نساؤهم وتؤكل ذبائحهم، ويحج معهم، ويصلي معهم.
وقالت الإباضية: كبائرهم كفر نفاق، لا كفر شرك، وأسماؤهم: كافرون منافقون ليسوا بمشركين، ولا مؤمنين ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ١، لا إلى المشركين في الحكم، والسرة ولا إلى المؤمنين في الاسم والثواب"٢.
وقال الأشعري: "وأجمعوا -أي: الخوارج- على أن كل كبيرة إلا النجدات؛ فإنها لا تقول ذلك.
وأجمعوا على أن الله -سبحانه- يعذب أصحاب الكبائر، عذابًا دائمًا إلا النجدات٣.
وقال الشهرستاني -في معرض ذكر جماع قول الخوارج: "ويكفرون أصحاب الكبائر"٤.
وقال الرازي: "سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب"٥.
وقال السكسكي: "وقالوا من أذنب كبيرة فهو كافر؛ إلا النجدات،
стр. 343
فإنها لاتكفر من أذنب منهم، وتكفر من أذنب من غيرهم، وأن مرتكبي الكبائر مخلدون في النار معذبون بعذاب أهل النار"١.
ب- قول المعتزلة:
يتلخص قولهم في مركتب الكبيرة في الأمور التالية:
- خروجه من مسمى الإيمان، لا إلى الكفر؛ ولكن إلى منزلة بينهما.
- حكمه في الدنيا: حكم باقي المسلمين في حرمة الدم والعرض والمال، والتوارث ونحو ذلك.
- حكمه في الآخرة: دخول النار، والخلود فيها، لكن يكون عذابه دون عذاب الكفار فيها.
ولنضع الآن لقول القاضي عبد الجبار المعتزلي وهو يدون مذهب أهل نحلته فيقول: "صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا سامه اسم المؤمن؛ وإنما يسمى فاسقًا.
وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن؛ بل يفرد به حكم ثالث"٢.
وقال في موضع آخر: "وجملة القول في ذلك أن الغرض بهذا الباب -أي: باب المنزلة بين المنزلتين - هو أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا؛ وإنما يسمى فاسقًا"٣.
وقال في بيان وجه عدم تسميته مؤمنًا: "والذي يدل على الفصل الأول،
стр. 344
وهو الكلام أن صاحب الكبيرة لا يمسي مؤمنًا، هو ما قد ثبت أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن, والاستخفاف والإهانة وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة؛ فإذ قد ثبت هذان الأصلان؛ فلا إشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنًا"١.
ولم يجز أن يسمى كافرًا؛ لأن الشرع جعل الكافر اسمًا لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين. قال: إذا ثبت هذا، ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم، ولا تجري عليه هذه الأحكام؛ فلم يجز أن يسمى كافرًا٢.
وهذا الكلام إلى جانب ما أفاده من عدم جواز تسمية صاحب الكبيرة كافرًا تضمن أيضًا الحكم الدنيوي له، وهو أنه تسري عليه أحكام المسلمين من المناكحة، والموارثة والدفن في مقابر المسلمين.
ويقول ابن المرتضي -وهو معتزلي أيضًا- في معرض كلامه عما أجمعت عليه المعتزلة: "وأما ما أجمعوا عليه؛ فقد أجمعت المعتزلة على.... وعلى المنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا"٣.
وأما حكمه في الآخرة فترى المعتزلة: "أن الفاسق يخلد في النار، ويعذب فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين"٤.
وذلك إذا مات على كبيرته ولم يحدث منها توبة، ذكر الإسفراييني
стр. 345
اتفاقهم على ذلك فقال: "ومما اتفقوا عليه. قولهم: إن حال الفاسق الملِّي منزلة بين منزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، وأنه إذ خرج من الدنيا قبل أن يتوب يكون خالدًا مخلدًا في النار مع جملة الكفار، ولا يجوز لله تعالى أن يغفر له أو يرحمه"١.
ومن خلال هذا العرض لقولي الخوارج والمعتزلة نلاحظ اتفاق الفريقين في صاحب الكبيرة على أمور:
الأول: سلب اسم الإيمان عنه.
الثاني: الحكم بأنه من أهل النار وأنه خالد فيها؛ إلا أن عذابه فيها دون عذاب الكفار عند المعتزلة.
واختلفوا في أمرين:
الأول: في اسمه.
الثاني: في حكمه في الدنيا.
فسمته الخوارج كافرًا، على الخلاف المذكور بينهم في نوع كفره، كما تقدم.
وقال المعتزلة: لا نسميه مؤمنًا، ولا كافرًا؛ بل هو عندنا فاسق في منزلة بين الكفر والإيمان.
وأما حكمه في الدنيا؛ فالمعتزلة: تجري عليه أحكام المسلمين كما تقدم.
وأما الخوارج: فهم في ذلك فريقان كما تقدم:
طائفة: تجري عليه أحكام الكفار، فتبيح دمه وماله.
стр. 346
وطائفة: تجري عليه أحكام المسلمين فلا تستبيح ذلك منه.
ثانيًا: قول الطرف الثاني "وهم طوائف المرجئة":
الأصل الذي يجمع المرجئة بمختلف طوائفها، والذي لأجله سموا بذلك كما تقدم هو: إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان؛ فهذا أصل أصول المرجئة، وأساس مذهبهم؛ حتى إنه لا يكون المرجئ مرجًا حتى يقول بذلك.
لذلك جاء قولهم في مرتكب الكبيرة من أهل القبلة متساوقًا مع هذا الأصل الذي أصلوه ومتفرعًا عنه، ونتيجة له؛ فكان من قولهم: أن مرتكب الكبيرة:
- مؤمن كامل الإيمان، وارتكاب الكبار لا يؤثر في إيمانه.
- وأنه في الآخرة: من أهل الجنة إذا مات موحدًا مؤمنًا، وإن زنى وسرق وقتل.
وقال المرجئة الخالصة منهم العبارة المشهورة: "لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة"١، وأفصح بعض طوائفهم عن مذهبهم فقالوا: "الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع، له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب؛ فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو المؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك، إذا كان الإيمان خالصًا، واليقين صادقًا"٢.
وقال العبيدية٣ منهم: "ما دون الشرك مغفور لا محالة، وإن العبد إذا مات على توحيده، لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات"٤.
стр. 347
ونقل الملطي أن منهم من يقول: "من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحرم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله؛ دخل الجنة إذ مات، وإن زنى، وإن سرق وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة والزكاة والصيام، إذًا كان مقرًا بها يسوف التوبة؛ لم يضره وقوعه على الكبائر، وتركه للفرائض، وركوبه الفواحش"١.
وحكى السكسكي إجماعهم على: "أنه لا يدخل النار إلا الكفار فحسب"٢.
ونقل الرازي عن بعض فرقهم أنهم: "يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان معصية ما، وأن الله تعالى لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة"٣.
فهذا موقف المرجئة من أصحاب الكبائر، وهذه أقوالهم فيهم، وهي أقوال غلب عليها التفريط كما هو ظاهر:
على أن بعضًا من طوائف المرجئة والذين وافقوهم في تعريف الإيمان وحقيقته فقالوا بقولهم في استبعاد وتأخير الأعمال عن مسمى الإيمان كمرجئة الفقهاء؛ كأبي حنيفة وغيره، والأشاعرة، كل هؤلاء لا يقولون بقول المرجئة في مرتكب الكبيرة؛ وإنما يرون انه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأمره في الآخرة إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإنشاء عفا عنه.
يقول أبو المعالي الجويني في تقرير مذهب الأشاعرة: "من مات من عصاة أهل الإيمان من غير توبة فأمره مغيب؛ إن شاء الله غفر له، أو شفع فيه شفيع، وإن شاء عرضه على النار بقدر ذنبه، ثم عاقبته الفوز الأكبر
стр. 348
والنجاة"١.
وهو موافق لقول أهل السنة كما سيأتي.
ثالثًا: قول أهل السنة والجماعة:
أما أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة الصالحين، وخلفها المتبعين؛ فإنهم مع قولهم بأن الأعمال جزء من مسمى الإيمان، لا يرون في ارتكاب الكبائر ما يخرج المرء من الإيمان سوى الشرك بالله؛ فكان قولهم في مرتكب الكبيرة أنه:
- مؤمن عاص، أو مؤمن فاسق، أو يقال: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته؛ فلا يزيلون عنه اسم الإيمان بالكلية بذهاب بعضه، ولا يعطونه اسم الإيمان المطلق.
- أما حكمه في الآخرة، فيرون أنه إذا مات ولم يتب؛ داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء غفر له وأدخله الجنة دون عذاب، وإن شاء أدخله النار وعذبه بقدر ذنوبه.
- ثم إنه لا يخلد في النار كالكفار؛ بل لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة.
هذا هو مجمل قول أهل السنة في صاحب الكبيرة.
وهذه بعض نصوص أئمة أهل السنة التي عبروا فيها عن معتقدهم وقولهم في أصحاب الكبائر من أهل القبلة، نسوقها هنا لنقف على حقيقة قولهم في ذلك.
يقول إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل "ت ٢٤١ هـ" في اعتقاده
стр. 349
الذي ذكره اللالكائي: "ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب، ويرجو له رحمة الله.
ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه؛ فإن الله يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك في الدنيا؛ فهو كفارة، كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ومن لقيه مصرًا غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
ومن لقيه كافرًا عذبه ولم يغفر له"٢.
وذكر الإمامان الجليلان أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم "١٩٠- ٢٦٤ هـ" وأبو حاتم محمد بن إدريس "١٩٥- ٢٧٧" الرازيان أنه كان من قول العلماء الذين أدركناهم في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا: "وأهل الكبائر في مشيئة الله ، ولا نكفر أهل القبلة بذنبوهم، ونكل سرائرهم إلى الله "٣.
ويقول الإمام الطحاوي "٣٢١هـ" في عقيدته المشهورة: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب٤ ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب
стр. 350
لمن عمله. نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة١. ونستغفر لمسيئهم، نخاف عليهم ولا نقنطهم. ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.
وأهل الكبائر من -أمة محمد ﷺ -٢ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين، يعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه؛ إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ وإن شاء عذبهم في النار بعدله. ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته؛ وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته"٤.
وهذا الإمام عبيد الله بن بطة "٣٠٤- ٣٨٧ هـ" ينقل إجماع علماء السلف على ذلك فيقول: "وقد أجمعت العلماء لا خلاف بيهم أنه لا يكفر أحد
стр. 351
من أهل القبلة بذنب١ ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولا نقول بذلك بقول المعتزلة؛ فإنها تقول: من أتى ذنبًا واحدًا في عمره أو ظلم بحبة في عمره فقد كفر؛ فمن قال ذلك فقد أعظم الفرية على الله ويراه مما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والتجاوز والإحسان والغفران"٢.
ويسوق الإمام الصابوني ٣٧٢- ٤٤٩ هـ" عقيدة أهل السنة في ذلك قائلًا: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب، واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار.
وإن شاء عاقبه، وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيه؛ بل أعتقه وأخرجه منها إلى دار القرار"٣.
ويحكي الإمام البغوي " ... / ٥١٦ هـ" اتفاق أهل السنة على ذلك فيقول: "اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر؛ إذ لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنة برحمته، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة٤.
стр. 352
واختلفوا في ترك الصلاة المفروضة عمدًا، فكفره بعضهم، ولم يكفره الآخرون"١.
وبعد: فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر من أهل القبلة كما دونها أئمتهم على ضوء نصوص الكتاب والسنة، قولهم في ذلك واحد لا يختلف فيه أحد، كلهم متفقون عليه كما صرح بذلك من نقل إجماعهم واتفاقهم عليه من الأئمة كما تقدم.
وهو قول يدل على عدل واعتدال وتوسط واتزان، كل جزئية منه يدل عليها آية من كتاب الله، أو سنة عن رسول الله ﷺ .
يدل لقولهم بإيمانه، وعدم زواله عنه وفسقه أو كفره، كما يقول المعتزلة والخوارج، كثير من الآيات والأحاديث المصرحة بإيمان العصاة مرتكبي الكبائر، كقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ فخاطب الجميع باسم الإيمان مع أن فيهم من قد وجب عليه القصاص؛ لارتكابه كبيرة القتل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وأثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ، ولا شك في أن المراد بالأخوة الإخوة الإيمانية المذكورة في قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فدل ذلك على بقاء الإيمان مع كبيرة القتل.
قال الإمام ابن الجوزي في الآية: "ودل قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ على أن القائل لم يخرج عن الإسلام"٣.
стр. 353
وكقوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١، فسمي الجميع مؤمنين، مع الاقتتال، وجعل الجميع إخوة؛ فدل ذلك على أن الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإيمان، وقد استدل الإمام البخاري بهذه الآية فقال: "باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: فسماهم المؤمنين"٢؛ أي: مع اقتتالهما.
ثم إن نصوص الكتاب والسنة، والإجماع تدل على أن الزاني، والسارق والقاذف لا يقتل؛ بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد٣ بارتكاب هذه الكبائر ولو كان كذلك لقتل.
أما قولهم بأنه إذا مات من غير توبة؛ فهو داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
فيشهد له قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ فجوز أن يغفر كل ذنب سوى الشرك بالله بما في ذلك الكبائر.
ويدل عليه قول المصطفى ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو
стр. 354
كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" ١.
والحديث نص في دخول من مات على شيء من الكبائر، تحت المشيئة كما يقول أهل السنة.
وأما قولهم: إنه لا يخلد في النار إذا دخلها، وأنه لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة؛ فهو مأخوذ من مثله قوله ﷺ : "يدخل أهل الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة، شك مالك أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل" ٢.
فدل الحديث على خروج من في قلبه مثقال حبة من إيمان من النار وإدخالهم الجنة، ومعلوم أن أصحاب الكبائر مؤمنون، مع كثير منهم مثقال أو مثاقيل من الإيمان؛ فلا شك في خروجهم والحديث يتضمن أيضًا الرد على المرجئة الخالصة من قولهم: "لا يضر مع الإيمان ذنب"؛ إذ يثبت الحديث أن من المؤمنين من تضرة المعاصي فيدخل النار، ثم يخرج منها، فخروجه دل على أنه ليس بكافر؛ وإنما هو مؤمن عذب بقدر ذنبه ثم أخرج إلى الجنة.
قال الحافظ ابن حجر موضحًا مراد الإمام البخاري بإيراد هذا الحديث: "وأراد بإيراده الرد على المرجئة؛ لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود"٣.
стр. 355
المبحث الثاني: في وسطيتهم في نصوص الوعد والوعيد
الوعد في اللغة: يكون بالخير والشر.
أما الوعيد: فلا يكون إلا بالشر١.
والمراد بالوعد: النصوص المتضمنة وعد الله لأهل طاعته بالثواب والجزاء الحسن والنعيم المقيم.
ويعرف أهل الكلام الوعد بأنه: كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير، أو دفع ضرر عنه في المستقبل٢.
وأما الوعيد: فالمراد به: النصوص التي فيها توعد للعصاة بالعذاب والنكال٣.
ويعرفه المتكلمون بأنه: كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى العير أو تفويت نفع عنه في المستقبل٤.
وإذا تقرر لدينا معنى الوعد والوعيد والمراد بهما؛ فاعلم أنه جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثير من الآيات والأحاديث التي تدل على وعد الله للمؤمنين والمطيعين بالثواب الجزيل، وأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ووعدهم بألوان من الأجر والجزاء. ومغفرة الذنوب فيما دون الشرك وتكفير السيئات وإبدالها حسنات ونحو ذلك.
فمن النصوص الواردة في ذلك قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ