← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7334

وسطية أهل السنة بين الفرق

محمد با كريم محمد با عبد الله

Полный текст (520 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

من أهل القبلة بذنب١ ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولا نقول بذلك بقول المعتزلة؛ فإنها تقول: من أتى ذنبًا واحدًا في عمره أو ظلم بحبة في عمره فقد كفر؛ فمن قال ذلك فقد أعظم الفرية على الله ويراه مما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والتجاوز والإحسان والغفران"٢. ويسوق الإمام الصابوني ٣٧٢- ٤٤٩ هـ" عقيدة أهل السنة في ذلك قائلًا: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب، واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار. وإن شاء عاقبه، وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيه؛ بل أعتقه وأخرجه منها إلى دار القرار"٣. ويحكي الإمام البغوي " ... / ٥١٦ هـ" اتفاق أهل السنة على ذلك فيقول: "اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر؛ إذ لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنة برحمته، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة٤.

стр. 352

واختلفوا في ترك الصلاة المفروضة عمدًا، فكفره بعضهم، ولم يكفره الآخرون"١. وبعد: فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر من أهل القبلة كما دونها أئمتهم على ضوء نصوص الكتاب والسنة، قولهم في ذلك واحد لا يختلف فيه أحد، كلهم متفقون عليه كما صرح بذلك من نقل إجماعهم واتفاقهم عليه من الأئمة كما تقدم. وهو قول يدل على عدل واعتدال وتوسط واتزان، كل جزئية منه يدل عليها آية من كتاب الله، أو سنة عن رسول الله ﷺ . يدل لقولهم بإيمانه، وعدم زواله عنه وفسقه أو كفره، كما يقول المعتزلة والخوارج، كثير من الآيات والأحاديث المصرحة بإيمان العصاة مرتكبي الكبائر، كقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ فخاطب الجميع باسم الإيمان مع أن فيهم من قد وجب عليه القصاص؛ لارتكابه كبيرة القتل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . وأثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ، ولا شك في أن المراد بالأخوة الإخوة الإيمانية المذكورة في قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فدل ذلك على بقاء الإيمان مع كبيرة القتل. قال الإمام ابن الجوزي في الآية: "ودل قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ على أن القائل لم يخرج عن الإسلام"٣.

стр. 353

وكقوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١، فسمي الجميع مؤمنين، مع الاقتتال، وجعل الجميع إخوة؛ فدل ذلك على أن الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإيمان، وقد استدل الإمام البخاري بهذه الآية فقال: "باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: فسماهم المؤمنين"٢؛ أي: مع اقتتالهما. ثم إن نصوص الكتاب والسنة، والإجماع تدل على أن الزاني، والسارق والقاذف لا يقتل؛ بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد٣ بارتكاب هذه الكبائر ولو كان كذلك لقتل. أما قولهم بأنه إذا مات من غير توبة؛ فهو داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فيشهد له قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ فجوز أن يغفر كل ذنب سوى الشرك بالله بما في ذلك الكبائر. ويدل عليه قول المصطفى ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو

стр. 354

كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" ١. والحديث نص في دخول من مات على شيء من الكبائر، تحت المشيئة كما يقول أهل السنة. وأما قولهم: إنه لا يخلد في النار إذا دخلها، وأنه لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة؛ فهو مأخوذ من مثله قوله ﷺ : "يدخل أهل الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة، شك مالك أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل" ٢. فدل الحديث على خروج من في قلبه مثقال حبة من إيمان من النار وإدخالهم الجنة، ومعلوم أن أصحاب الكبائر مؤمنون، مع كثير منهم مثقال أو مثاقيل من الإيمان؛ فلا شك في خروجهم والحديث يتضمن أيضًا الرد على المرجئة الخالصة من قولهم: "لا يضر مع الإيمان ذنب"؛ إذ يثبت الحديث أن من المؤمنين من تضرة المعاصي فيدخل النار، ثم يخرج منها، فخروجه دل على أنه ليس بكافر؛ وإنما هو مؤمن عذب بقدر ذنبه ثم أخرج إلى الجنة. قال الحافظ ابن حجر موضحًا مراد الإمام البخاري بإيراد هذا الحديث: "وأراد بإيراده الرد على المرجئة؛ لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود"٣.

стр. 355

المبحث الثاني: في وسطيتهم في نصوص الوعد والوعيد الوعد في اللغة: يكون بالخير والشر. أما الوعيد: فلا يكون إلا بالشر١. والمراد بالوعد: النصوص المتضمنة وعد الله لأهل طاعته بالثواب والجزاء الحسن والنعيم المقيم. ويعرف أهل الكلام الوعد بأنه: كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير، أو دفع ضرر عنه في المستقبل٢. وأما الوعيد: فالمراد به: النصوص التي فيها توعد للعصاة بالعذاب والنكال٣. ويعرفه المتكلمون بأنه: كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى العير أو تفويت نفع عنه في المستقبل٤. وإذا تقرر لدينا معنى الوعد والوعيد والمراد بهما؛ فاعلم أنه جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثير من الآيات والأحاديث التي تدل على وعد الله للمؤمنين والمطيعين بالثواب الجزيل، وأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ووعدهم بألوان من الأجر والجزاء. ومغفرة الذنوب فيما دون الشرك وتكفير السيئات وإبدالها حسنات ونحو ذلك. فمن النصوص الواردة في ذلك قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 356

وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ١، وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ٢، ونحو ذلك مما فيه وعد بالجنة. ومن نصوص الوعد بغفران الذنوب وتكفير السيئات: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، وقوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤ وقوله ﷺ : "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" ٥. وقوله ﷺ : "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ... -قال الراوي- وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق" ٦. كما ورد فيهما أيضًا آيات وأحاديث كثيرة، تتضمن الوعيد الشديد بالعذاب الأليم والخلود في النار لأهل الفسق والمعاصي وأصحاب الكبائر ووصفهم بالكفر والفسق والضلال ونحو ذلك، كما في قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ ٧، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٨، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ

стр. 357

جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١، ونحو قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حي يزني وهو مؤمن" ٢، وقوله: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ٣. الحاصل أن النصوص الواردة في الوعد والوعيد كثيرة، سواء في كتاب الله ، أو من سنة رسوله ﷺ . تجاه هذه النصوص وما شابهها افتراق الناس في باب الوعد والوعيد إلى طرفين وواسطة: طرف غلب نصوص الوعد، وأغفل نصوص الوعيد، وهم المرجئة الخالصة؛ فقالوا: كل ذنب سوا الشرك فهو مغفور واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. والطرف المقابل لهم وهم الخوارج والمعتزلة قالوا: لا بد أن ينجز الله وعده ووعيده، ولا يصح أن يخلف أيًا منهما، وهذه بعض نصوصهم في ذلك من كتبهم تنبئ عن مذهبهم، وتفتي بحقيقة قولهم: يقول القاضي عبد الجبار في بيان مذهب المعتزلة في ذلك: "وأما علوم الوعد والوعيد؛ فهو أن يعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب"٤. ويقول أبو عمار عبد الكافي الإباضي في تقرير مذهب أهل نحلته من

стр. 358

طوائف الخوارج ومن وافقهم: "واتفق جمهور من ذكرنا في صدر المقالة من الأمة على أن الله منجز وعده، ووعيد، ومصدقهما بتمام ذلك وإمضائه في جميع من وعده وتوعده، لا تبديل لكلمات الله، ولا تحويل لأمره. واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ ١، ٢. ولذلك قال هؤلاء: بخلود أصحاب الكبائر في النار؛ لأن الله توعدهم بها وعندهم أن الله لا يخلف الميعاد، وقد ذكرنا قولهم في أصحاب الكبائر وحكمهم فيهم في الدنيا والآخرة، وما بينهما من التمايز في المبحث الأول. وهؤلاء قد ضلوا في الوعد والوعيد جميعًا. فأما ضلالهم في الوعيد فواضح؛ حيث جرهم قولهم به إلى إكفار أصحاب الكبائر أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق ووجوب أصحاب الكبائر أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق ووجوب إدخالهم النار وتخليدهم فيها، وقالوا: إنه لا يجوز أن يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا، ويكفي أن قولهم هذا يناقض قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ؛ فمن أين لهم أنه سبحانه لا يشاء المغفرة لهم، مع كونهم ليسوا كفارًا على مذهب المعتزلة، وليسوا مشركين على مذهب الإباضية، وطوائف من الخوارج، والنص إنما دل على عدم المغفرة للمشرك به سبحانه، والذين لا يغفر لهم هم الكافرون والمشركون. وما ضلالهم في الوعد: فلإيجابهم ذلك على الله سبحانه بطريق الاستحقاق والعوض. يقول القاضي عبد الجبار: "أعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة؛ فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله"٣. ويقول الزمخشري -وهو أحد أقطاب المعتزلة- في تفسيره قوله تعالى:

стр. 359

﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١. قال: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ : فقد وجب ثوابه عليه"٢. قول أحمد السنة "وهم الواسطية": أما أهل السنة الذين يمثلون نقطة التوازن بين الطرفين؛ فإنهم يأخذون بنصوص الوعد والوعيد، فيجمعون بين الخوف والرجاء، لم يفرطوا في نصوص الوعيد كالمرجئة الخالصة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، ولم يغلوا غلو الخوارج والمعتزلة في نصوص الوعيد. فكان قولهم في الوعيد أنه: "يجوز أن يعفو الله عن المذنب، وأنه يخرج أهل الكبائر من النار فلا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد"٣. وتقدم ذكر قولهم في حكم أصحاب الكبائر في المبحث السابق، وخلاصة قولهم أن كل من مات غير مشرك بالله فهو داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. وأنه إن عذبه لا يخلده في النار كالكفار٤. وقالوا في الوعد: إن الله لا يخلف وعده، وإنه لا بد أن يثيب أهل الإيمان به وأهل طاعته بحكم وعده لهم بذلك، لا بحكم استحقاقهم عليه فإن العبد لا يستحق بنفسه على الله شيئًا"٥. يقول شيخ الإسلام ابن تيمة: "وأما الاستحقاق؛ فهم يقولون: إن العبد

стр. 360

لا يستحق بنفسه على الله شيئًا، وليس له أن يوجب على ربه شيئًا لا لنفسه ولا لغيره، ويقولون: إنه لا بد أن يثيب المطيعين كما وعد؛ فإنه صادق في وعده ولا يخلف الميعاد"١. وقال في موضع آخر: "واتفقوا على أن الله تعالى إذ وعد عباده بشيء كان وقوعه واجبًا بحكم وعده؛ فإنه الصادق في خبره الذي لا يخلف الميعاد"٢.

стр. 361

الفصل الثالث: وسطية أهل السنة في باب القدر المبحث الأول: في معنى القدر وحكمه أولًا: معنى القدر القدر في اللغة؛ بفتح الدال وإسكانها؛ لغتان بمعنى: مبلغ الشيء وكنهه. قال صاحب مجمل اللغة: "القدر: مبلغ الشيء وكذلك القدر١"، وقال في "معجم مقاييس اللغة": "القاف والدال الراء: أصل صحيح يدل على مبلغ في "معجم مقاييس اللغة": "القاف والدال والراء: أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته؛ فالقدر: مبلغ كل شيء، يقال: قدره كذا؛ أي: مبلغه، وكذلك القدر..: قال والقدر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو: القدر أيضًا"٢. وقال الجوهري: "قدر الشيء مبلغه ... والقدر، والقدر أيضًا ما يقدره الله من القضاء"٣. وقدر كل شيء ومقداره: مبلغه٤. وقال اللحياني: القدر: الاسم، والقدرِ: المصدر٥.

стр. 362

القدر في الشرع: يراد به: أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها . قاله الإمام النووي١. وقال الحافظ ابن حجر: "والمراد؛ أي: بالقدر- أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته، وإرادته، -قال- هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية؛ وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة"٢.

стр. 363

ثانيًا: حكمة ومنزلته من الدين الإيمان بالقدر، أصل من أصول الإيمان، وركن من أركانه الستة التي نص عليها النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور؛ حيث قال في الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونؤمن بالقدر خيره وشره" ١ فجعل ﷺ الإيمان بالقدر ركنا من أركان الإيمان، فمن لم يؤمن به فليس بمؤمن. وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على إثباته لله ، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ ٢ وقوله : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٣ ومنها قوله ﷺ : "كل شيء بقدر، حتى

стр. 364

العجز والكيس١، أو الكيس والعجز"٢. قال طاووس: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون "كل شيء بقدر"٣. وعند اللالكائي عنه قال: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر"٤، وذكر اللالكائي ممن يقول بذلك عددًا من أئمة التابعين وفقهاء الأمصار٥. وقال الحافظ ابن حجر: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى"٦. حقيقة القدر الذي يجب الإيمان به: أعلم أنه لا يعد المرء مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بمراتبه الأربع التي هي بمثابة الأركان منه، من أخل بإحداها؛ فليس هو بمؤمن بالقدر حقيقة. الأولى: علم الله سبحانه بالأشياء قبل كونها؛ فيجب الإيمان "بأن الله لم يزل عالمًا بالخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم، ولا يزال عالمًا بهم، ولم يزدد في علمه بكينونة الخلق خردلة واحدة"٧. ومن الأدلة على تقدم عللمه ، قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْم

стр. 365

السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١، وقوله سبحانه ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢، ومن السنة، قوله ﷺ في أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ٣. المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة؛ أي: أن الله قد كتب كل ما هو كائن قبل أن يكون، كما قاله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ ٤. قال الحافظ ابن كثير: "وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله"٥، وقال في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ ؛ أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله ؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون"٦. ومما يدل لذلك قوله ﷺ : "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" ٧. والنصوص في ذلك متكاثرة، متظافرة.

стр. 366

المرتبة الثالثة: مشيئته سبحانه للأشياء قبل كونها، وأنه لا يقع شيء في الكون إلا بمشيئته، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة. منها قوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ١، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وغير ذلك من الآيات. قال الإمام ابن القيم: "قد دل على ذلك إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان وليس فيا لوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن"٤. المرتبة الرابعة: خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها. قال ابن القيم: "وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر والعقول. وخالف في ذلك مجوس الأمة"٥. وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه هو خالق الخلق وأفعالهم كقوله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٦

стр. 367

وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ ١، وقوله : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ ٢؛ فأخبر نه هو الذي يجعل السرابيل: وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا بعد أن تحليها صنعة الآدميين وعملهم؛ فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيأتها٣. ومن أدلة ذلك من السنة قوله ﷺ : "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" ٤. قال الإمام البخاري ﵀: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة"٥. وعبد: فهذه هي المراتب، إن شئت فقل الأركان التي يدور عليها رحى الإيمان بالقدر ذكرها الإمام ابن القيم، وأفاض في الكلام عليها والاستدلال لها فأفاد وأجاد رحمه الله٦.

стр. 368

المبحث الثاني: في نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه الحديث عن القدر والنزاع والمخاصمة فيه، والاحتجاج به، من الأمور التي صاحبت الإسلام منذ نشأته؛ بل أنا لا نعدوا لحقيقة إذا قلنا إن جذور الكلام والخوض فيه تمتد إلى ما قبل الإسلام. يؤكد ذلك نصوص من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ . فقد جاء فيهما ما يدل على أن كفار قريش، خاصموا رسول الله ﷺ في القدر ونازعوه فيه، واحتجوا به. يقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١، ٢. قال الإمام ابن القيم في هذه الآية: "والمخاصمون في القدر نوعان: أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كالذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا. والثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق؛ والطائفتان خصماء الله"٣. وأخبر في آية أخرى أن المشركين كانوا يحتجون بالقدر ويتعللون بمشيئة الله وينسبون ما وقع منهم من كفر وشرك وعصيان إلى إرادة الله ذلك ومشيئته إياه، منكرين إرادتهم واختيارهم؛ وذلك تنصلًا من مسؤولية ما اقترفوا من شرك وإثم. يقول في ذلك: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا

стр. 369

أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ١، ثم أخبر سبحانه عن تحقق وقوع ذلك منهم، وقولهم له، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ ٢. وقال أيضًا: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٣. ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لما فعلنا؛ لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكنا منه٤. ولو أراد لحال بيننا وبين عبادة الأصنام؛ فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه٥. وهل هذا القول منهم إلا احتجاج بالقدر، وقول بالجبر؟! وقول في آية "الأنعام": ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ، وفي آية "النحل": ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يشير إلى أن جذور هذا القول ضاربة في أعماق الأمم المشركة، ويدل دلالة واضحة وصريحة على أن من شأن المشركين والكافرين من بني الإنسان، التعلل بالقدر والميل إلى الجبر لتبرير شركهم وكفرهم، أو على الأقل للتنصل من جريرة ذلك ومسؤليته. وفي آية أخرى من كتاب الله ، نجد أن المنافقين في عهد رسول

стр. 370

الله ﷺ بدر منهم ما يدل على عدم يقينهم بأن كل شيء يقدر، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ١. ذكر الإمام ابن جرير أن الذين قالوا ذلك جماعة من المنافقين٢. خوض الصحابة في القدر: وفي عهد الرسول ﷺ ، خاض بعض الصحابة الكرام في القدر فنهاهم الرسول ﷺ عن ذلك، فانتهوا ولم يعودوا لمثل ذلك أبدًا. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلفتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، بهذا هلكت الأمم قبلكم"٣، ولم ينقل عن الصحابة ﵃ أنهم تكلموا في ذلك إلا عندما ظهرت بدعة القدرية فتكلم من عناصر ذلك منهم بالرد والإنكار عليهم كما سيأتي ذلك. ظهور بدعتي نفي القدر والقول بالجبر: في أواخر عصر الصحابة رضوان الله عنهم، كانت البداية الحقيقة لنشأة الاختلاف والكلام في القدر. إذ نبغ في وقتهم معبد الجهني٤ الذي قال بنفي القدر، كما روى الإمام

стр. 371

مسلم عن يحيى بن يعمر١ قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. ثم ذكر يحيى أنه لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون٢ العلم. وإنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف٣، فقال ابن عمر منكرًا عليهم ذلك: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر"٤. ومعبد إنما تلقى هذه المقالة عن رجل نصراني، كان قد أسلم ثم تنصر مرة أخرى؛ فكان معبد أول من نشر ذلك ونادى به وأظهره، ولا سيما بالبصرة كما تقدم. قال الإمام الأوزاعي ﵀: "أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن٥، وكان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان٦ عن معبد"٧.

стр. 372

وقال ابن عون١: "أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقير، يقال له: سنسويه البقال، قال فكان أول من تكلم في القدر"٢. فهؤلاء هم أقطاب القدرية الأوائل، وكان مذهبهم في القدر يدور على أمرين: أحدهما: نفي علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها. والثاني: نفي خلقه لأفعال العباد، وأنها ليست واقعة بقدره. وهؤلاء هم غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم، والمتأخرون منهم يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها وينفن خلقه لأفعال العباد. قال القرطبي "٦٧١ هـ" وغيره: قد انقرض هذا المذهب -أي: مذهب غلاة القدرية- ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين. قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها؛ وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العابد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من الأول"٣. وهذا المذهب هو الذي تبنته المعتزلة وجعلته أصلًا من أصولها التي قام عليها كيان الاعتزال، وبسبب قولهم به عرفوا بالقدرية، لنفيهم القدر. وفي مقابل القول بنفي القدر، ظهر قول مضاد ومعاكس له، وهو القول بالجبر، ومضمونه: أن الإنسان مجبور على أفعاله وأنه لا يقدر منها على شيء؛ فهو كالريشة في مهب الريح، وأول من عرف عنه القول بذلك في الإسلام هو:

стр. 373

الجهم بن صفوان١ الذي كان من مقالته: "وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده، وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة ودار الفلك، وزالت الشمس؛ وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله -سبحانه-"٢. ومن خلال مقالتي الطائفتين، يتبين لنا أن القدرة النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله قدرته، وقولهم: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم. كما يتضح لنا مدى غلو الجهمية الجبرية في إثبات القدر حتى سلبوا الإنسان مشيئته وإرادته وعدوه بمنزلة الجماد، وأنه لا فعل له في الحقيقة، وأنه مجبور على أفعاله غير مختار فيها. وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار، والطريف المستقيم القصد. فكل منهما قد أخطأ وضل في هذا الباب، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون مع كل منهما بعض الحق والصواب؛ لكن الحق المحض والصواب المحض ليس هو في قول واحد منهما؛ وإنما هو قول خارج عن قولهما جمع ما عند كل من الفريقين من حق وصواب، وخلا مما وقع فيه الفريقان من خطأ وضلال. ذلك هو قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، الذي هو حق بين الباطلين، وهدى بين الضلالتين، به كانوا وسطًا بين إفراط وتفريط الفريقين في هذا الباب، كما سنوضح ذلك في المبحث التالي بعون الله.

стр. 374

المبحث الثالث: في بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب مدخل ... المبحث الثالث: في بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب في المبحث السابق أشرنا إجمالًا إلى كون كل من فريقي القدرية، والجبرية، قد زال عن الصراط السوي؛ إما إلى تفريط، وإما إلى إفراط، وأن أهل السنة والجماعة هدوا إلى سواء الصراط في هذا الباب كغيره من الأبواب. وفي هذا المبحث سأحاول إبراز جوانب وسطية أهل السنة في ذلك، من خلال مقابلة ومقارنة قولهم بأقوال كل من الطائفتين؛ وذلك في بعض أمهات مسائل هذا الباب. وقيل ذلك أذكر نفسي وإياك بما سبق من الحديث عن أركان القدر أو مراتبه الأربع، التي لا يعد المرء بالقدر حقًا؛ إلا إذا حقق الأمان بها جميعًا وهي: ١- علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها. ٢- كتابته لها بعد علمه بها. ٣- مشيئته وإرادته لها أنها لا تقع إلا بمشيئته وإرادته. ٤- خلقه لجميع الأعمال وتكوينه وإيجاده لها، وأن كل ما سواه مخلوق. فأما العلم والكتابة؛ فلم ينازع فيهما إلا غلاة القدرية، الذين ذكرنا أنهم كانوا يقولون بنفي العلم، وأشرنا إلى انقراض هذا الصنف١. وأما القدرية الذين جاءوا بعدهم، وهم المعتزلة، فلم ينازعوا في العلم والكتابة، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: فغلاتهم أنكروا العلم والكتابة، ومقتصدتهم، أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته وهؤلاء هم

стр. 375

المعتزلة ومن وافقهم١. ويقول الخياط -وهو من مصنفي المعتزلة- عن إثبات المعتزلة لعلم الله بأفعال العباد: "إن المعتزلة لم ينكروا العلم الأزلي؛ فالله تعالى عندهم لم يزل عالمًا بكل ما يكون من أفعال خلقه، ولا تخفى عليه خافية، ولم يزل عالمًا من يؤمن ومن يكفر ومن يعصى"٢. وإنما حصل النزاع والتفرق والاختلاف والضلال، في مرتبتي، خلق أفعال العباد، وكونها تقع بمشيئته وإرادته، وفي ما تفرع عنهما، وتعلق بهما من مسائل. ولذلك سوف أقصر حديثي عن وسطية أهل السنة في هذا الباب، على هاتين المرتبتين لأهميتهما.

стр. 376

أولًا: وسطيتهم في خلق أفعال العباد هذه المسألة من أهم وأخطر مسائل القدر، ولقد زلت فيها أقدام، وحارت عقول وأفهام؛ فقد اختلف الناس هل الأفعال والأعمال الصادرة عن العباد مخلوقة لله مقدورة له، أم لا؟ وافترقوا في ذلك إلى طرفين وواسطة: الطرف الأول "الجبرية": سموا بذلك نسبة إلى الجبر لقولهم به في باب القدر.

стр. 377

والجبر هو: إسناد فعل العبد إلى الله١. وعرفه الشهرستاني بأنه: نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى٢. والجبرية صفنان: - جبرية متوسطة. - وجبرية خالصة. فأما الجبرية الخالصة: فلا تثبت للعبد قدرة على الفعل أصلًا٣، وهؤلاء هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي كان يقول: "إنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله -سبحانه"٤. ويرى جهم: "أن الإنسان لا يقدر على شيء. ولا يوصف بالاستطاعة؛ وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار؛ وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات"٥، وعنده أن الفاعل حقًا هو الله، ومن سواه ليس بفاعل على الحقيقة٦. فهذا قول الجبرية الخالصة، وهو صريح في نفي قدرة العبد على فعله وأن الفاعل هو الله وحده.

стр. 378

وأما الجبرية المتوسطة: فهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة١. وبعد الجرجاني، والإيجي: الأشعرية من هذا الصنف في قولهما: "الجبرية اثنتان: متوسطة تثبت لعبد كسبًا كالأشعرية، وخالصة لا تثبته كالجهمية"٢. وإذا رجعنا لمصادر الأشاعرة لتبين حقيقة قولهم في أفعال العباد، نجد أنهم يقولون: ١- إن أفعال العبد مخلوقة لله . ٢- إنها مع كونها خلق الله فهي كسب للعبد. وله عليها قدرة غير مؤثرة. يقول البغدادي: "واختلفوا في أكساب العباد وأعمال الحيوانات على ثلاثة مذاهب: أحدها: قول أهل السنة إن الله خالقها، كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروايح، لا خالق غيره؛ وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم"٣. ويشرح الجويني معنى كون العبد مكتسبًا لفعله فيقول: "العبد غير مجبر على أفعاله؛ بل هو قادر عليها مكتسب لها، والدليل على إثبات القدرة للعبد أن العاقل يفرق بين أن ترتعد يده، وبين أن يحركها قصدًا. ومعنى كونه مكتسبًا أنه قادر على فعله، وإن لم تكن قدرته مؤثرة في إيقاع المقدور"٤.

стр. 379

والبيجوري يقول في تعريف الكسب: وقد عرفوا الكسب بتعريفين: الأول: أنه ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به. الثاني: أنه ما يقع به المقدور في محل قدرته١. وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنهم فسروا الكسب بأنه ما يحصل في محل القدرة المحدثة مقرونًا بها، ثم عقب على ذلك بقوله: "وأكثر الناس طعنوا في هذا الكلام"٢. وعلى ضوء تفسير الأشاعرة للكسب، وأنه قدرة غير مؤثرة في وقوع الفعل ولكنها مصاحبة له، تبرز الصلة بين قولهم وقول الجبرية: فالجبرية -الجهم وأصحابه- عندهم أنه ليس للعبد قدرة البتة. والأشاعرة يقولون: ليس للعبد قدرة مؤثرة. والقدرة غير المؤثرة كعدمها. ومن هنا قال بعض أهل العلم: إن الأشاعرة وافقوا جهمًا وأصحابه في المعنى. وذلك كقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الأشعرية وبضع المثبتين للقدر وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًا أتوا بما لا يقعل. وبالغوا في مخالفة المعتزلة في مسائل القدر حتى نسبوا إلى الجبر"٣.

стр. 380

الطرف الثاني "القدرية": ذكرنا فيما سبق أن القدرية الغلاة الأوائل انقرضوا، وأن المعتزلة١ تبنت القول بنفي القدر، وجعلته أحد أصول مذهبها؛ فعرفوا لأجل ذلك بالقدرية. وهو اسم أطلقه عليهم أهل السنة وغيرهم، وهم يتمنعون منه، ولا يقرون به، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: "اعلم أن القدرية عندنا إنما هم المجبرة والمشبهة، وعندهم المعتزلة؛ فنحن نرميهم بهذا اللقب ويرموننا به"٢. وعلى أي حال فقد أصبح علمًا عليهم، كطرف مقابل للجبرية. وكان قولهم في أفعال العباد أنها غير مخلوقة لله ، وأنهم هم المحدثون لها من دونه. يقول القاضي عبد الجبار -وهو من أئمة القدرية: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم، وقيامهم وقعودهم، حادثة من جهتهم، وأن الله أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها، ولا محدث سواهم، وأن من قال: إن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه"٣. وعقد في كتاب "شرح الأصول الخمسة" فصلًا في "أفعال العباد" أشار فيه إلى أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها٤. وقال ابن المرتضى: "وأجمعوا؛ -أي: المعتزلة- أن فعل العبد غير

стр. 381

مخلوق فيه"١. فهذه النصوص من كتب المعتزلة كافية في تصوير مذهبهم، وإثبات قولهم في نفي خلق الله أفعال العباد. الواسطة بين الطرفين "وهم أهل السنة": وقولهم في أفعال العباد هو: - أنها مخلوقة لله على الحقيقة. - وهي فعل للعباد على الحقيقة. - وأنهم قادرون على أفعالهم بقدرة حقيقة مؤثرة في وقع الفعل منهم، والله هو الذي أقدرهم على ذلك. هذا مجمل قول أهل السنة في هذه المسألة، الذي عليه سلف الأمة وأئمته، كما يتضح ذلك من خلال النقول التالية عنهم: يقول الإمام الصابوني: "ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد إنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه"٢. وعقد الإمام اللالكائي بابًا في سياق ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالقين لهم من علماء الأمة "أن أفعال العباد مخلوقة لله وطاعاتها ومعاصيها"٣. وقال محرر مذهب أهل السنة وضابط أصوله وقواعده بحق، شيخ الإسلام

стр. 382

ابن تيمية ﵀ عليه وعلى سائر أمة سلفنا الصالحين: "وأما جمهور أهل السنة المتبعون للسلف والأئمة فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة؛ ولكنه مخلوق لله ومفعول لله، لا يقولون هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول"١. وقال في موضع آخر: "وأما سائر أهل السنة فيقولون: إن أفعال العباد فعل لهم حقيقة. ويقول جمهورهم الذين يفرقون بين الخلق والمخلوق: أنها مخلوقة لله ومفعولة له، ليست هي نفس فعله وخلقه الذي هو صفته القائمة به"٢. فيرون أن الفعل غير المفعول؛ فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو: فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سحبانه المقدر لهم على ذلك، القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم٣. ويقول شارح "الطحاوية" بعد أن ذكر قول الجبرية والقدرية في ذلك: "وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه"٤. وبعد: فمن خلال هذا العرض لأقوال الجبرية، والقدرية، وأهل السنة، نرى أن أهل السنة جمعوا ما في قول الطائفتين من حق فقالوا به، ولم يوافقوا أيًا

стр. 383

منهما فيما عندها من خطأ. فالجبرية: محقون في قولهم: إن الله خالق أفعال العباد، ومخطئون في قولهم: إن العبد ليس بفاعل لأفعاله في الحقيقة؛ وإنما الفاعل هو الله. والقدرية: محقون في: إثباتهم قدرة العبد على أفعاله، وفعله لها ومسئوليته عنها. ومخطئون في قولهم: إن العبد خالق أفعاله، وأن الله ليس بخالق لأفعال العبيد، فأثبتوا خالقين مع الله. وأهل السنة: قالوا بما مع الطائفتين من حق فقالوا: الله خالق أفعال العابد على الحقيقة؛ لأن العباد خلق له، وأفعال المخلوقين مخلوقة، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ ١، وقول النبي ﷺ : "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" ٢، وقالوا: العبد فاعل لفعله حقيقة، وقادر عليه بإقدار الله له عليه، والله أثبت للعبيد فعلًا فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٣، وقال: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون﴾ ٤ ونحو ذلك، وردوا ما مع الطائفتين من باطل.

стр. 384

فلم ينفوا فعل العبد أصلًا كما قالت الجبرية. ولم يجعلوا العباد خالقين لأفعالهم من دون الله عز ودل، كما قالت القدرية. فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وعملوا بجميع النصوص الواردة في الباب، ولم يضربوا بعضها ببعض؛ فإن الجبرية عملوا بالنصوص الدالة على أن الله خالق كل شيء، وأن كل شيء بقدر الله وقضائه ومشيئته، وأغفلوا ما دل منها على أن للعبد فعلًا وقدرة وإرادة. والقدرية أخذوا بالنصوص الدالة على أن العبد هو الفاعل لفعله على الحقيقة، وأن له قدرة وغرادة، ومشيئته، واختيارًا، وأهملوا ما دل منها على خلق الله لأفعال عبيده وعموم قدرته عليها، ومشيئته لها. والحق هو إعمال جميع النصوص كل فيما دل عليه، وهو ما هدى الله له أهل السنة؛ فليس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تضارب أو تناقض، والجمع بين ما في ظاهره شيء من ذلك ممكن عند أهل الحق والعلم. فكل دليل صحيح يقيمه الجبري؛ فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه شياء كان وما لم يشأ لم يكن. ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة، ولا مريد، ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش، وهبوب الرياح وحركات الأشجار. وكل دليل صحيح يقيمه القدري؛ فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته. فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى؛ فإنما يدل

стр. 385

على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال. وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم. وهذا ما فعله أهل السنة؛ فكانوا بذلك وسطًا بين الطائفتين، وجاء قولهم هدى بين الضلالتين، ضلالة الجبر المفضي إلى تعطيل الأمر والنهي، وإبطال الثواب والعقاب، وضلالة نفي القدر الذي حاصله وجود خالقين من دون الله وتجويز أن يكون في ملكه ما لا يقدر عليه ولا يريده.

стр. 386

ثانيًا: وسطيتهم في معنى إرادة الله ومشيئته ومحبته ورضاه تقدم أن مشيئة الله وإرادته، إحدى مراتب القدر الأربع، التي لا بد من الإيمان بها في باب القدر؛ فلا بد من الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن المعلوم بداهة أنه يقع في الكون ما هو طاعة وإيمان وخير، وبر وإحسان، كما يقع فيه ما هو معصية وكفر وشر؛ فهل كل ذلك وقع بمشيئة الله وإرادته؟ الخير من ذلك والشر؟ الإيمان، والكفر، الطاعة، والمعصية؟ وإذا قلنا: إن كل ذلك أراده الله وشاءه، وقضاه وقدره؛ فهل أحبه ورضيه، أم هو كره الكفر والمعصية والشر من ذلك؟ وإذا قلنا أنه أحبه ورضيه فكيف يؤاخذ عباده عليه، ويعذبهم لأجله؟ تجاه هذه الإيرادات والاستشكالات، تباينت مواقف الفرق، واختلفت أقوالها، فضل في ذلك طوائف، وهدى الله المعتصمين بكتابه، وسنة نبيه ﷺ لما اختلفوا فيه من الحق.

стр. 387

١- فقالت المعتزلة: كل ما أراده الله وشاءه فقد أحبه ورضيه، فسووا بين إرادته ومشيئته وبين محبته وجعلوهما بابًا واحدًا. ثم قالوا: الكفر والفسوق والعصيان لا يحبها ولا يرضاها؛ فلا يريدها ولا يشاؤها فأخرجوها من محيط إرادته وعموم مشيئته. يقول القاضي عبد الجبار في تقرير قولهم هذا: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي، هو أنه لو كان مريدًا لها لوجوب أن يكون محبًا لها وراضيًا بها؛ لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت وبين أن يقول أردت"١. وقال: "إنه تعالى لا يريد القبائح ولا يشاؤها، بل يكرهها ويسخطها"٢. وقال في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَاد﴾ ٣: "يدل على أنه -تعالى- لا يريد الفساد ولا يحبه، سواء كان من جهته أو من جهة غيره"٤. وواضح من هذه النصوص أن: المعتزلة لا يفرقون بين الإرادة والمشيئة، والمحبة والرضا، ومن ثم جعلوا الكفر والمعاصي والفساد ونحو ذلك، ليست مرادة لله ، ولا واقعة بقدره ومشيئته؛ لأنه لا يحبها ولا يرضاها، إذا معنى الإرادة هو معنى المحبة والرضى. ٢- وقالت الجبرية: الكون كله بقضاء الله وقدره والله هو الخالق الفاعل في الحقيقة؛ إذ

стр. 388

الإنسان مجبور على أفعاله لا قدرة له ولا إرادة، كما تقدم؛ فكل ما وقع في الكون يكون محبوبًا مرضيًا له١، سواء في ذلك الإيمان والكفر، والطاعات والمعاصي؛ إذ كل ذلك واقع بإراداته ومشيئته، فسووا بين الإرادة والمحبة والرضى٢. لذلك احتجوا بالقدر على المعاصي، وقال قائلهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٣. وإذا كان هذا قول الجبرية الخالصة؛ فماذا يقول الجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة؟ يرى الأشاعرة "أن كل حادث مراد لله تعالى حدوثه، ولا يختص تعلق مشيئة الباري بصنف من الحوادث دون صنف؛ بل هو تعالى مريد لوقوع جميع الحوادث، خيرها وشرها نفعها وضرها"٤؛ فكل الحوادث لا تخرج عن إرادته ، وهذا كلام لا غبار عليه؛ لكن هل يحب الكفر والمعاصي إذا أرادها؟ ماذا يقول الأشاعرة؟ ومن مذهبهم أن المحبة والرضى بمعنى: الإرادة، بذلك يؤولون محبة الله ورضاه؛ فهل يقولون: إن الله أحب ذلك ورضيه؟ لقد اضطربوا في ذلك اضطرابًا بينًا واختلف أئمتهم في ذلك. يحدثنا إمام الحرمين الجويني عن ذلك؛ فيقول: "ومما اختلف أهل الحق في إطلاقه، ومنع إطلاقه، المحبة والرضا؛ فإذا قال القائل: هل يحب الله تعالى كفر الكفار ويرضاه؟ فمن أئمتنا من لا يطلق ذلك ويأباه، ثم هؤلاء تحزبوا حزبين: -ثم ذكر قولهما- ثم قال: ومن حقق من أئمتنا لم يكع٥ عن تهويل المعتزلة، وقال: المحبة بمعنى:

стр. 389

الإرادة، وكذلك الرضا، والرب تعالى يحب الكفر، ويرضاه كفرًا معاقبًا عليه"١؛ فأثبت أن المحبة هي الإرادة. ٣- وقال أهل السنة: ليس معنى إرادة الله ومشيئته هو معنى محبته ورضاه؛ بل بينهما فرق لا بد من التنبه له. فإن الإرادة في كتاب الله نوعان: ١- إرادة شرعية أمرية دينية: وهي التي تتضمن معنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٣. ٢- إرادة قدرية كونية خلقية: وهي التي بمعنى المشيئة الشاملة لجميع الموجودات؛ وذلك مثل الإرادة في قوله : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ ٤، وقوله: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦.

стр. 390

وقالوا: إن الله وإن كان يريد المعاصي إرادة كونية قدرية؛ فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها؛ بل يبغضها ويسخطها، ويكرهها، وينهى عنها، هذا قول السلف والأئمة قاطبة. فيفرقون بين إرادته التي تتضمن محبته ورضاه، وبين إرادته ومشيئته الكونية القدرية التي لا يلزم منها المحبة والرضى. وبهذا التميز بين الإراداتين يمتاز قول أهل السنة عن قول كل من فريقي القدرية المعتزلة، والجبرية الخالصة والمتوسطة، الذين سووا بين الإرادة والمشئية وبين المحبة والرضى؛ فضل المعتزلة إذ ذهبوا إلى القول بأنه يقع في ملك الله ما لا يريد ولا يشاء، وهلك أهل الجبر بقولهم: إن الكفر والشرك والعصيان محبوبة لله مرضية عنده. ومنشأ ضلال الفريقين إنما هو تسويتهم بين الإرادة والمشيئة، وبين المحبة والرضى، وجعلهم معنى إرادته هو معنى محبته ورضاه. وهدى الله أهل السنة لأحسن القول. فميزوا وفرقوا بين الأمرين، وخلصوا بالحق من بين الضلالتين، وهذا عنوان وسطيتهم، وآية اعتدالهم واتزانهم.
следующие страницы →