← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7334

وسطية أهل السنة بين الفرق

محمد با كريم محمد با عبد الله

Полный текст (520 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ثانيًا: وسطيتهم في معنى إرادة الله ومشيئته ومحبته ورضاه تقدم أن مشيئة الله وإرادته، إحدى مراتب القدر الأربع، التي لا بد من الإيمان بها في باب القدر؛ فلا بد من الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن المعلوم بداهة أنه يقع في الكون ما هو طاعة وإيمان وخير، وبر وإحسان، كما يقع فيه ما هو معصية وكفر وشر؛ فهل كل ذلك وقع بمشيئة الله وإرادته؟ الخير من ذلك والشر؟ الإيمان، والكفر، الطاعة، والمعصية؟ وإذا قلنا: إن كل ذلك أراده الله وشاءه، وقضاه وقدره؛ فهل أحبه ورضيه، أم هو كره الكفر والمعصية والشر من ذلك؟ وإذا قلنا أنه أحبه ورضيه فكيف يؤاخذ عباده عليه، ويعذبهم لأجله؟ تجاه هذه الإيرادات والاستشكالات، تباينت مواقف الفرق، واختلفت أقوالها، فضل في ذلك طوائف، وهدى الله المعتصمين بكتابه، وسنة نبيه ﷺ لما اختلفوا فيه من الحق.

стр. 387

١- فقالت المعتزلة: كل ما أراده الله وشاءه فقد أحبه ورضيه، فسووا بين إرادته ومشيئته وبين محبته وجعلوهما بابًا واحدًا. ثم قالوا: الكفر والفسوق والعصيان لا يحبها ولا يرضاها؛ فلا يريدها ولا يشاؤها فأخرجوها من محيط إرادته وعموم مشيئته. يقول القاضي عبد الجبار في تقرير قولهم هذا: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي، هو أنه لو كان مريدًا لها لوجوب أن يكون محبًا لها وراضيًا بها؛ لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت وبين أن يقول أردت"١. وقال: "إنه تعالى لا يريد القبائح ولا يشاؤها، بل يكرهها ويسخطها"٢. وقال في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَاد﴾ ٣: "يدل على أنه -تعالى- لا يريد الفساد ولا يحبه، سواء كان من جهته أو من جهة غيره"٤. وواضح من هذه النصوص أن: المعتزلة لا يفرقون بين الإرادة والمشيئة، والمحبة والرضا، ومن ثم جعلوا الكفر والمعاصي والفساد ونحو ذلك، ليست مرادة لله ، ولا واقعة بقدره ومشيئته؛ لأنه لا يحبها ولا يرضاها، إذا معنى الإرادة هو معنى المحبة والرضى. ٢- وقالت الجبرية: الكون كله بقضاء الله وقدره والله هو الخالق الفاعل في الحقيقة؛ إذ

стр. 388

الإنسان مجبور على أفعاله لا قدرة له ولا إرادة، كما تقدم؛ فكل ما وقع في الكون يكون محبوبًا مرضيًا له١، سواء في ذلك الإيمان والكفر، والطاعات والمعاصي؛ إذ كل ذلك واقع بإراداته ومشيئته، فسووا بين الإرادة والمحبة والرضى٢. لذلك احتجوا بالقدر على المعاصي، وقال قائلهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٣. وإذا كان هذا قول الجبرية الخالصة؛ فماذا يقول الجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة؟ يرى الأشاعرة "أن كل حادث مراد لله تعالى حدوثه، ولا يختص تعلق مشيئة الباري بصنف من الحوادث دون صنف؛ بل هو تعالى مريد لوقوع جميع الحوادث، خيرها وشرها نفعها وضرها"٤؛ فكل الحوادث لا تخرج عن إرادته ، وهذا كلام لا غبار عليه؛ لكن هل يحب الكفر والمعاصي إذا أرادها؟ ماذا يقول الأشاعرة؟ ومن مذهبهم أن المحبة والرضى بمعنى: الإرادة، بذلك يؤولون محبة الله ورضاه؛ فهل يقولون: إن الله أحب ذلك ورضيه؟ لقد اضطربوا في ذلك اضطرابًا بينًا واختلف أئمتهم في ذلك. يحدثنا إمام الحرمين الجويني عن ذلك؛ فيقول: "ومما اختلف أهل الحق في إطلاقه، ومنع إطلاقه، المحبة والرضا؛ فإذا قال القائل: هل يحب الله تعالى كفر الكفار ويرضاه؟ فمن أئمتنا من لا يطلق ذلك ويأباه، ثم هؤلاء تحزبوا حزبين: -ثم ذكر قولهما- ثم قال: ومن حقق من أئمتنا لم يكع٥ عن تهويل المعتزلة، وقال: المحبة بمعنى:

стр. 389

الإرادة، وكذلك الرضا، والرب تعالى يحب الكفر، ويرضاه كفرًا معاقبًا عليه"١؛ فأثبت أن المحبة هي الإرادة. ٣- وقال أهل السنة: ليس معنى إرادة الله ومشيئته هو معنى محبته ورضاه؛ بل بينهما فرق لا بد من التنبه له. فإن الإرادة في كتاب الله نوعان: ١- إرادة شرعية أمرية دينية: وهي التي تتضمن معنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٣. ٢- إرادة قدرية كونية خلقية: وهي التي بمعنى المشيئة الشاملة لجميع الموجودات؛ وذلك مثل الإرادة في قوله : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ ٤، وقوله: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦.

стр. 390

وقالوا: إن الله وإن كان يريد المعاصي إرادة كونية قدرية؛ فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها؛ بل يبغضها ويسخطها، ويكرهها، وينهى عنها، هذا قول السلف والأئمة قاطبة. فيفرقون بين إرادته التي تتضمن محبته ورضاه، وبين إرادته ومشيئته الكونية القدرية التي لا يلزم منها المحبة والرضى. وبهذا التميز بين الإراداتين يمتاز قول أهل السنة عن قول كل من فريقي القدرية المعتزلة، والجبرية الخالصة والمتوسطة، الذين سووا بين الإرادة والمشئية وبين المحبة والرضى؛ فضل المعتزلة إذ ذهبوا إلى القول بأنه يقع في ملك الله ما لا يريد ولا يشاء، وهلك أهل الجبر بقولهم: إن الكفر والشرك والعصيان محبوبة لله مرضية عنده. ومنشأ ضلال الفريقين إنما هو تسويتهم بين الإرادة والمشيئة، وبين المحبة والرضى، وجعلهم معنى إرادته هو معنى محبته ورضاه. وهدى الله أهل السنة لأحسن القول. فميزوا وفرقوا بين الأمرين، وخلصوا بالحق من بين الضلالتين، وهذا عنوان وسطيتهم، وآية اعتدالهم واتزانهم.

стр. 391

الفصل الرابع: وسطيتهم في باب الصحابة تمهيد: قبل الحديث في مباحث هذا الفصل، أرى أن نعرض بشيء من الإيجاز لأمرين بحسن الإلهام بهما، ونحن نتحدث عن وسطية أهل السنة في أصحاب رسول الله ﷺ . الأول: التعريف بالصحابة من هم؟ من يدخل في مسمى الصحبة ومن لا يدخل؟ والثاني: بيان منزلة الصحابة من الكتاب والنسة؟ حتى إذا عرفنا ذلك؛ بينا بعد مواقف الناس وأقوالهم في أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضوان الله عنهم، ومن وافق منهم ما قاله الله ورسوله فيهم، ومن أفرط أو فرط، وزال عن المنهج الوسط، والصراط المستقيم، وأخذت به الجهالات، والأهواء ذات اليمين أو ذات الشمال فهلك بإتباعه غير سبيل المؤمنين. تعريف الصحابي: أجمع وأوفى ما قيل في تعريف الصحابي، ما ذكره ابن حجر ﵀ في مقدمة كتاب "الإصابة" "وهو: أن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام".

стр. 392

وبين ﵀ أنه أصح ما وقف عليه من التعاريف١؛ وذلك أنه جامع مانمع، فيدخل في قولنا: "من لقي النبي ﷺ ": من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى. ويخرج بقيد الإيمان في قولنا "مؤمنًا به": من لقيه مؤمنًا بغيره، من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، ولم يؤمن به. ويدخل في قولنا: "مؤمنًا به" كل مكلف من الجن والإنس. ويخرج بقولنا: "ومات على الإسلام": من لقيه مؤمنًا به، ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله. ويدخل فيه: من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا٢. قال ابن حجر ﵀: "وهذا تعريف بني على الأصح المختار عند المحققين، كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما، وراء ذلك أقوال أخرى شاذة"٣. منزلة الصحابة ومكانتهم في الكتاب والسنة: إن المتأمل في كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ليدرك دونما أدنى مواربة المنزلة السامية والمكانة الرفيعة التي يتبوؤها أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ذلك بأنهم آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله وآووا، ونصروا، فهم أصحاب رسول الله، وأصهاره، ووزراؤه وأنصاره وحملة رسالته.

стр. 393

ومبلغوا دعوته، بهم استقام الدين وعلى أيديهم انتشر الإسلام؛ فلهم في عنق كل مسلم منه، وعند كل مؤمن يد؛ فعن طريقهم وصل إليه الإسلام والهدى والنور. ولقد أثنى الله ورسوله عليهم خيرًا، ودلت نصوص الكتاب والسنة على فضلهم وعظم منزلتهم من وجوه متعددة. منها: التصريح بأنهم خير الخلق بعد الأنبياء: يدل على ذلك قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١، وقوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٢. وإن كان يدخل معهم غيرهم ممن جاء بعدهم واقتفى أثرهم؛ إلا أنهم بذلك أولى، إذا هم المشافهون والمخاطبون بهذه الآيات، ومن جاء بعدهم إنما ينال من ذلك ويصيب منه بقدر إتباعه لهم واقتدائه بهم. ومما يدل على أنهم خير هذه الأمة قوله ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٣. فالمراد بقوله ﷺ "قرني"؛ أي: أهل قرني٤، وهم الصحابة رضوان الله عنهم. ومنها: التصريح برضوان الله عنهم وإثباته إياهم. فقد أخبر برضاه عمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة؛ وذلك

стр. 394

في غزوة الحديبية١. فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢. فصرح سبحانه برضاه عن الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ في هذه الغزوة، وكان عددهم ألفًا وأربعمائة، وفي بعض الروايات أكثر من ذلك٣. وأخبر ﷺ بنجاتهم من النار؛ فقال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" ٤. كما أخبر عن رضاه عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن أتبعهم بإحسان، وهذا يعم جميع الصحابة؛ فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٥. فصرح سبحانه برضاه عنهم، ورضاهم عنه، وبما أعد لهم من الجنات والنعيم المقيم، وفي إخباره بخلودهم في الجنة دلالة على موتهم على الإيمان والرضوان بخلاف قول أهل الزيغ والطغيان.

стр. 395

قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم؛ أعني: الصديق الأكبر، والخليفة أبا بكر بن أبي قحافة ﵁"١. ومنها: ثناؤه عليهم ووعده لهم بالحسنى قال : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢. ففي هذه الآية الكريمة أثنى الحق ﵎ على الذين أنفقوا من قبل الفتح -أي: فتح مكة كما هو رأي الجمهور-٣ وبين أنهم أعظم درجة ممن أنفق وقاتل بعد ذلك؛ "ذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديد فلم يكن حينئذ إلا الصديقون، أما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا ودخل الناس في دين الله أفواجًا"٤. وممن أنفق قبل الفتح وقاتل أئمة الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضوان الله عليهم ممن أسلم قبل الفتح وجاهد بنفسه في سبيل الله؛ فهم أعظم درجة وأفضل من بعدهم ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ، وقال القرطبي: "أي: المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون

стр. 396

وعدهم الله جميعًا الجنة مع تفاوت الدرجات"١. ومنها: ثناؤه عليهم أيضًا ووصفه لهم بالشدة على أعداء الله، والرحمة للمؤمنين وكثرة وحسن عبادتهم، وإخلاصهم فيها لله . كما في قوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢. وقد دلت هذه الآية على عظم قدر أصحاب رسول الله ﷺ ، وعظم منزلتهم وفضلهم، وأن الكفار هم الذين يغيظهم ذلك، ويغصون به، ولذلك قال الإمام مالك ﵀: "من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية"٣، وذكره القرطبي ثم قال عقبه: "لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله؛ فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين"٤. وقالت عائشة ﵂ في قوله : ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ "أصحاب رسول الله ﷺ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم"٥.

стр. 397

ومنها: النهي عن سبهم أو النيل منهم: ومما جاء صريحًا في ذلك قوله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد١ أحدهم ولا نصيفه" ٢، ٣. وفيه إلى جانب النهي عن سبهم، بيان أن لا أحد يبلغ مبلغهم، وإن أنفق أكثر منهم: "ذلك أن جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه، أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم؛ وذلك لما في قلوبهم من صدق الإيمان وإخلاص وصفاء السريرة، وطهارة القلوب وزكاء النفوس"٤. وبعد فهذا عرض مقتضب لمنزلة الصحابة ﵃، ومكانتهم في الكتاب والسنة على وجه العموم، ولكل منهم فضائل ومناقب، ومآثر ومفاخر ليس من غرضنا هنا ذكرها؛ وإنما القصد تذكير القارئ الكريم بعظم حقهم ومنزلتهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ليعلم مبلغ جرم وظلم من أزرى بهم، وتطاول على مقامهم، ممن جاء بعدهم وسيأتي ذكرهم؛ فإن مع وضوح فضلهم وظهوره كما تقدم، فقد هلك فيهم أقوام، وضل بسبب الكلام الآخر وأفرط، والحق بين غلو الغالين وجفاء المقصرين أبلج عليه من الله نور وكتاب مبين، عشت عنه أبصار الزنادقة الهالكين، ولم تهتد إليه أفئدة الجالهين المارقين، وأبصره وتمسك به

стр. 398

من أراد الله به خيرًا من هذه الأمة، فعرف للصحابة الأجلاء فضلهم ومنزلتهم وسابقتهم في الإسلام، ولم يقصر أو يفرط في حقهم، ولم يبالغ أو يغلو فيهم أو في بعضهم فيزلهم فوق مكانتهم، ولم يعد بهم قدرهم ومنزلتهم التي هم عليها. وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة؛ فهم أهل توسط واعتدال في هذا الباب، كما هم كذلك في غيره من سائر أمور دينهم كما تقدم، فهم في أصحاب رسول الله ﷺ وسط بين الخوارج وبعض أئمة الاعتزال، وبين الشيعة والرافضة، فأولئك جفوا، وهؤلاء جمعوا بين السيئتين فغلوا في بعض الصحابة وأفراطوا في ذلك، وفرطوا وقصروا في حق البعض الآخر، وسنين في هذا الفصل أقوال كل منهما، ثم نبين عقيدة أهل السنة في هذا الباب وتوسطهم فيه بإذنه .

стр. 399

المبحث الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة أولا: ذكر قول الخوارج ... المبحث الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة أولًا: ذكر قول الخوراج لما كان الخوارج يرون التكفير بالذنوب ولا سيما بالكبائر منها كما تقدم لنا ذلك، واعتبروا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ مذنبًا بتحكيمه الحكمين بينه وبين معاوية ﵁، طالبوه بالتوبة من الذنب الذي ارتكب بزعمهم، وقالوا: "لا حكم إلا لله، تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك"١. ولما كان علي ﵁ لا يعد ذلك ذنبًا؛ وإنما هو عجز في الرأي هم سببه لم ير ما يوجب التوبة كما قال ﵁ لهم: "ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي، وضعف من الفعل، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه"٢. ثم صرحوا بكفره واستحلوا الخروج عليه وقتاله، وأجمعوا على كفره٣ وكفر الحكمين ومن رضي بالتحكيم وقبله، وفيهم عدد كبير من الصحابة رضوان الله عنهم. والقوم كما ذكر شيخ الإسلام وغيره؛ إنما أتوا من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا فمن لم يكن برًا تقيًا؛ فهو كافر وهو مخلد في النار. ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما

стр. 400

أنزل الله؛ فكانت بدعتهم لها مقدمتان: الواحدة: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر. والثانية: أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك١. ولأجل ذلك قالوا بكفرهم. وهذا جهل منهم بالقرآن ومعانيه، وإن كانوا من أكثر الناس قراءة له وتعبدًا، كما قال ﷺ : "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" ٢. وتكاد كتب الفرق والمقالات تجمع على قول الخوارج بتكفير علي وعثمان ﵄ ثم الحكمين ومن رضي بالتحكيم، وفيما يلي أورد جملًا من كلامهم في ذلك. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين" -الذي يعد من أجمع ما كتب في بابه: "أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب ﵁ أن حكم وهم مختلفون: هل كفره شرك أم لا؟ "٣. ويقول المقدسي "٣٥٥ هـ": "وأصل مذهبهم إكفار علي بن أبي طالب ﵁ والتبرؤ من عثمان بن عفان ﵁"٤. وقال الملطي "ت ٣٧٧ هـ": "ويتبرءون من عثمان وعلي، ويتولون أبا

стр. 401

بكر وعرم ﵃"١. وقال الشهرستاني "ت ٥٤٨ هـ": "ويجمعهم القول بالتبرئ من عثمان وعلي ﵄ ويقدمون ذلك على كل طاعة"٢. وقال الرازي "ت ٦٠٦ هـ": "سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب، وهم يكفرون عثمان وعليًا ﵁ وطلحة والزبير وعائشة، ويعظمون أبا بكر وعمر ﵄"٣. وقال السكسكي "ت ٦٨٣هـ": "وقد اجتمعوا على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي لله عنهما وعلى تكفير علي وعثمان ﵄، وتكفير كل فرقة سواهم"٤. بهذه النقول التي تبين موقف هؤلاء الخوارج من أصحاب رسول الله ﷺ ، ندرك مدى تفريط القوم، وجفائهم لطائفة من أصحاب رسول الله ﷺ ، بعضهم قد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وأكثرهم يدخل فيمن ﵁ ممن بايع تحت الشجرة؛ فأين غابت عقول هؤلاء، وكيف عميت أبصارهم حتى ضلوا هذا الضلال المبين؟! اللهم أجرنا من الخذلان، وثبت قلوبنا على دينك، ومحبة إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا لهم، ولا حقدًا على أحد منهم.

стр. 402

ثانيًا: ذكر قول المعتزلة وعقيدتهم في أصحاب رسول الله ﷺ : لم يتورع بعض أئمة المعتزلة وكبراؤهم عن الوقوع في بعض الصحابة رضوان الله عنهم، والنيل منهم والإزراء بهم؛ فلهم فيهم مذاهب باطلة، وأقوال شائنة نوجزها في الأسطر التالية: - تفسيقهم لطوائف منهم رضوان الله عنهم، ورد شهادتهم: من ذلك قول كبيرهم ومؤسس مذهبهم: واصل بن عطاء بفسق أحد الفريقين من أصحاب الجمل١، وصفين٢، وعثمان وقاتليه، وزعم أن فرقة من الفريقين فسقة لا بأعيانهم، وأنه لا يعرف الفسقة منهما؛ فلو شهد عنده رجل من هذا الفريق، ورجل من الفريق الآخر لم يقبل شهادتهما، قال: لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه، وجلعهما بمنزلة المتلاعنين، حتى ولو كان الشاهدان عليًا وعائشة، أو عليًا وطلحة؛ فهو يقول في ذلك: "ولو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم"٣. وتابع واصلًا على ذلك تلميذه عمرو بن عبيد، فقال: "لو أن عليًا وعثمان وطلحة والزبير شهدوا عندي على شراك نعل ما أجزته"٤، وفي رواية "والله؛ لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل ما أخذت بشهادتهم"٥.

стр. 403

وزاد عمرو على شيخه بأن قال بتفسيق الفريقين جميعًا؛ فلو شهد عنده رجلان من أحد الفريقيين لما حكم بشهادتهما بخلاف قول واصل١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان قدماء المعتزلة وأئمتهم، كعمرو ابن عبيد، وواصل بن عطاء وغيرهم متوقفين في عدالة علي فيقولون، أو من يقول منهم: قد فسقت إحدى الطائفتين؛ إما علي وإما طلحة والزبير لا بعينها"٢. قلته: هذا قول واصل، أما عمرو فكان يفسق الطائفتين ويرد شهادتهما كما ذكرت. تبرؤهم من بعض الصحابة: وذلك كقولهم بالتبرؤ من معاوية وعمرو بن العاص ﵄ ومن كان في شقهما. قال الخياط في رده على قول ابن الراوندي عن المعتزلة إنهم مجتمعون على البراءة من عمرو ومعاوية ومن كان في شقهما، قال: هذا قول لا تبرأ المعتزلة منه ولا تعتذر عن القول به"٣. ومعاوية وعمرو وكثير ممن كان معهما صحابة أجلاء. والبراءة إنما تكون من المشركين والكافرين، أما المؤمنون فبعضهم أولياء بعض. - طعنهم في بعض الصحابة وشتمهم واتهامهم إياهم بالكذب والجهل ونحو ذلك: نقل الذهبي عن ابن حبان عن عمرو بن عبيد وهو من أئمة الاعتزال كما

стр. 404

هو معلوم "كان يشتم الصحابة"١، وممل نقل عنه من ذلك: - سبه الصحابي الجليل سمرة بن جندب ﵁. روى عنه الخطيب البغدادي أنه قال فيه: "....ما أرجو بسمرة، فعل الله بسمرة"، وفي رواية أخرى: "ما نصنع بسمرة قبح الله سمرة"٢؛ وذلك لأنه روي حديثًا في السكتتين في الصلاة يخالف رأيه. - قوله في عثمان بن عفان ﵁: "إن عثمان لم يكن صاحب سنة"٣: وهذا النظام إبراهيم بن سيار زعم الفرقة "النظامية" من المعتزلة يوسع عددًا من أصحاب رسول الله ﷺ شتمًا وذمًا، ويتطاول عليهم منتقدًا بعض أقوالهم وفتاواهم واجتهاداتهم. فقد ذكر عنه ابن قتيبة ﵀ أنه: انتقد أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، ورمى عبد الله بن مسعود ﵁ بالحكم بالظن، والقضاء بالشبهة، والفحش في القول على الله كما رماه بالكذب لروايته حديث انشقاق القمر٤. وقال: "وهذا من الكذب الذي لا خفاء به"، وحديث: "الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه"٥؛ لأنه يخالف مذهبه في القدر وانتقد عثمان ﵁، وكان يقول فيه القول القبيح، وشتم زيد بن ثابت رضي الله عنه٦.

стр. 405

المبحث الثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء في أصحاب رسول الله ﷺ "وهم الشيعة " ... المبحث الثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء في أصحاب رسول الله صلى الله عليه ولم "وهم الشيعة" ١، ٢ يجمع الشيعة في أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، بين سيئتي الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء؛ فلهم في بعض الصحابة غلو وإفراط، أشنعه القول بالألوهية والنبوة، وأدناه تفضيل وتقديم من غلو فيه على من هو أفضل وأولى بالتقديم منه، كما لهم في البعض الآخر من الصحابة تقصير وتفريط وجفاء، أعظمه القول بتكفيرهم ولعنهم، وأدناه القول بتأخيرهم عن مرتبتهم والقعود بهم عن مكانتهم، ولهم بين هذا وذاك فيهم أقوال وآراء، تتردد بين الغلو

стр. 406

والإزراء، ليس لهم على شيء منها دليل، إلا اتباع الظنون والأهواء. وفي هذا المبحث سأبين أبرز مظاهر الغلو، والجفاء لديهم بإذن الله تعالى. فأما جفاؤهم لأصحاب رسول الله ﷺ فأمر معروف لدى العامة والخاصة؛ فلم تنل فرقة ولا طائفة من مقام أصحاب رسول الله ﷺ ما نال هؤلاء القوم فقد جفوهم وعادوهم واتخذوهم غرضًا، يرمونهم بكل نقيصة، ويكيلون لهم من ألوان السباب والشتائم ما لا يصح أن يوجه مثله لعامة الناس فضلًا عن سادتهم وقادتهم وحواريي رسول الله ﷺ وأصهاره وأنصاره وحماة دينه، ونقله شريعته، ومن مظاهر هذا الجفاء والتقصير: ١- قولهم بتفضيل علي بن أبي طالب رض.;ي الله عنه على سائر الصحابة وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ واستحقاقه للخلافة قبلهم، وأكيسهم أجاز خلافة الشيخين وتولاهما مع تفضيل علي، وهو قول الزيدية١ منهم، وهذا أدنى درجات الجفاء لدى القوم. ٢- سبهم وشتمهم أفاضل الصحابة ﵃: فلا يكاد يخلو مصنف من مصنفاتهم من ذلك٢؛ بل يعقدون لذلك أبوابًا وفصولًا خاصة٣ يذكرون تحتها ما تغيض به قلوبهم وتفوه به ألسنتهم من

стр. 407

الطعن في الصحابة والحط عليهم، ولعنهم ونسبة النقائص والقبائح غليهم. فمن ذلك: لعنهم أبا بكر وعمر ﵄ وتسميتهما بالجبت والطاغوت، وصنمي قريش ووضعوا في ذلك دعاء يعرف بذلك، وفيه: "اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما"١ يقصد أبا بكر وعمر وابنتيهما عائشة وحفصة ﵃ أجمعين. ومن ذلك رميهم بالجهل: يقول عبد الله بن شبر من مصنفيهم: "ومنها؛ -أي: من المطاعن- أنه؛ يعني: أبا بكر ﵁ كان جاهلًا بأكثر أحكام الدين...."٢. ومنها رمي عمر بن الخطاب ﵁ بالظلم و"أنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز"٣. وقال عن عثمان: "وأما مثالب عثمان فهي لا تحصى ولا تسقصى"٤، ثم ذكر هراء كثيرًا وزورًا من القول وهجرًا. ٣- التبرؤ من أفاضل منهم: من المسائل التي أجمع عليها الشيعة سوى الزيدية منهم: القول: بالتبرئ من أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة، يقول الشهرستاني: "ويجمعهم -أي: الشيعة- والقول بالتولي والتبرئ قولًا وفعلًا وعقدًا؛ إلا في حال

стр. 408

التقية"١. قلت: يخرج من ذلك "الزيدية" قال السكسكي: "وقالوا -أي: الرافضة: بتفضيل علي على سائر الصحابة، وأنه الإمام بعد رسول الله ﷺ وتبرؤوا من أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة ﵃ إلا فرقة الزيدية"٢. وفي كتبهم التصريح بالبراءة كقولهم: "واعتقادنا في البراءة انها من الأوثان الأربعة والإناث الأربع ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنهم شر خلق الله، ولا يتم الإقرار بالله ورسوله والأئمة إلا بالبراءة من أعدائهم"٣. ٤- تكفيرهم جل الصحابة رضوان الله عنهم: لم يكتف القوم بما تقدم من ألوان الجفاء والتقصير، ولم يزل حبل جفائهم ممدودًا، وعقد تقصيريهم وتفريطهم مفروطًا، حتى تقحموا دركات الهاوية، وقالوا بإكفار خيار الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأنهم ارتدوا بعد وفاته وكثير منهم نافق في حياته. ذلك قولهم بأفواههم، وما كتبت أيديهم؛ فهو أمر مسطور في طروسهم، مزبور في كتبهم ومصنفاتهم، التي سطرها منهم أئمة عندهم، وآيات لهم. من ذلك ما جاء في كتاب "الكافي" وهو أعظم كتبهم وأصحها لديهم وهو عندهم بمثابة "صحيح البخاري" عند أهل السنة، ذكر فيه عن "الرضا" أنه قال: "إن الله لم يقبض نبيه ﷺ حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا؛ فقال : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ وأنزل في حجة

стр. 409

الوادع وهي آخر عمره ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ١، وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض ﷺ حتى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق وأقام لهم عليًا علمًا وإمامًا وما ترك لهم شيئًا تحتاج إليه الأمة إلا بينه؛ فمن زعم أن الله لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله؛ فهو كافر به"٢. فجعل القول بإمامة على بعد الرسول ﷺ مباشرة من إكمال الدين، وجعل من أنكر ذلك في عدد الكافرين، ولا شك أن هدفه ومراده إكفار الصحابة فتأمل. وإن أبيت إلا التصريح الصريح؛ فاعلم أن القوم لم يبخلوا به فهو بعض ما في صدورهم وما تخفي صدورهم أكبر، ألا وهو اجتثاث دين الإسلام من جذوره بالطعن في خيره أهله ونقلته حتى لا يصح لدى الناس شرع ولا دين. فلقد نصوا صراحة على كفر الصحابة وارتدادهم بعد رسول الله ﷺ سوى نفر منهم عدوهم، كما جاء في "الكافي" أيضًا: "كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي"٣. وجاء في كتاب سليم بن قيس العامري: "أن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله غير أربعة"٤.

стр. 410

وقال المجلسي -أحد مصنفيهم: "هلك الناس كلهم بعد وفاة الرسول ﷺ إلا ثلاثة أبو ذر والمقداد وسلمان"١. وقال الطوسي -من علمائهم: "عندنا أن من حارب أمير المؤمنين؛ فهو كافر والدليل على ذلك إجماع الفرقة المحقة "بزعمه" الإمامة على ذلك"٢. ولعلك تحسن الظن بالقوم فتحسب أن هذا متقدميهم، وأن المعاصرين منهم ليسوا على ذلك، وكم هو محبب إلينا أن يكون كما تظن، أو تحسب وأن يكون متأخروا القوم أرشد من أسلافهم؛ ولكن الحقيقة لا تدع للظن مكانًا، وقد ورث المعاصرون تركه السالفين منهم وعضوا عليها بالنواجذ، فها هو زعيم العصر فيهم إمامهم وآيتهم العظمى "خميني" يصرح بكفر الصحابة؛ فيكفر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فيقول: "وقد جاء في "صحيح البخاري"، و"مسلم" و"مسند أحمد" أن ابن عباس كان يبكي ويقول: يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس؛ فقال النبي ﷺ : "ائتوني بورق ودواة لأكتب لكم شيئًا حتى لا تضلوا"، فقالوا: إن النبي يهذي. قال: وتشير كتب التاريخ أن هذا الكفر صدر عن عمر بن الخطاب، وأن البعض قد أيده في ذلك ولم يسمحوا للنبي بأن يكتب ما يريده"٣. وقال في موضع آخر في نفس الموضوع: "وأغمص -أي: الرسول ﷺ عينيه، وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية، والنابعة أعمال الكفر والزندقة"٤.

стр. 411

فكفر عمر بن الخطاب ﵁ ومن أيده من أعلام الصحابة. مظاهر الغلو والإفراط لديهم: إن الواقف على كتب القوم، ومقالاتهم في كتب الفرق والمقالات، يمتري في أن أبرز سمات فرق الشيعة الغلو في أمير المؤمنين علي ﵁ وبعض أهل بيته؛ بل لا يكون مغاليًا؛ إذ قال إن هذا الغلو هو أحد الركائز الأساسية التي قام عليها بنيان الكيان الشيعي الرافضي. فأول مظهر من مظاهر غلو الشيعة: ١- تفضيلهم علي بن أبي طالب على عثمان ﵄، ثم على سائر الصحابة ﵃، ثم أضافوا إلى ذلك القول بتقديمه في الإمامة على غيره من الخلفاء، وهذا المبدأ يمثل القاعدة العريضة لعقيدة الشيعة، وبه يتميز الشيعي من غيره؛ فمن لم يقل بتفضيل علي ﵁ وقتديمه على الإمامة؛ فليس بشيعي١، وقد تقدم٢ في تعريف الشيعة أنهم الذين شايعوا عليًا وقدموه على سائر الصحابة. ومن نصوصهم في تقديم علي ﵁ ما رواه الكليني في الكافي عن ذريح، قال: سألت أبا عبد الله عن الأئمة بعد النبي ﷺ فقال: "كان أمير المؤمنين ﵇ إمامًا، ثم كان الحسن إمامًا، ثم كان الحسين إمامًا، ثم كان علي بن الحسين إمامًا، ثم كان محمد بن علي إمامًا، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ﷺ " ٣.

стр. 412

فجعل الإمامة بعد رسول الله ﷺ في علي وبنيه، دون أبي بكر وعمر وعثمان ﵁ الجميع، وهذا معتقد الرافضة الإمامية، يقول صاحب كتاب وحق اليقين" في تقرير ذلك: "ذهبت الإمامة إلى أن الإمام بعد رسول الله ﷺ علي ابن أبي طالب ﵁ أمير المؤمنين، ومن بعده أولاده الظاهرون"١. ٢- ومن مظاهر غلوهم قولهم: بعصمة أئمتهم، وأولهم علي وابناه الحسن والحسين ﵃: يقول المجلسي -من أعيانهم: "اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة أنهم معصومون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"٢، وقال أيضًا: "اعلم أن الإمامة ﵃ على عصمة الأئمة. من الذنوب صغيرها وكبيرها؛ فلا يقع منهم ذنب أصلًا لا عمدًا ولا نسيانًا، ولا لخطأ في التأويل، ولا للإسهاء من الله . وذكر لبعضهم خلافًا في الإساء من الله"٣. وينسب الكليني إلى أمير المؤمنين ﵁ أنه قال: "إن الله ﵎ طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه وجلعنا مع القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا"٤. وزعم أن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 413

"أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون" ١. وهكذا نرى مبلغ علو القوم في أئمتهم؛ ولا سميا علي وبنيه ﵃. وكيف زعموا لهم العصمة وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهذا لعمري مقام الملائكة لا البشر، ولكنهم يرون أن الأئمة أفضل من الأنبياء، والملائكة كما سيأتي ذلك. ٣- ومن غلوهم زعمهم أن أئمتهم يعلمون الغيب: وقد أفرد الكليني لإثبات ذلك والاستدلال له بابًا في كتابه "الكافي" فقال: "باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء، صلوات٢ الله عليهم"٣. ثم ساق تحتته بعض الروايات عن أئمة آل البيت في ذلك؛ فروى عن عدة من أصحابهم أنهم سمعوا أبا عبد الله ﵇ يقول: "إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في

стр. 414

النار، وأعلم ما كان وما يكون"١، وروى أيضًا عن سيف التمار قال: "كنا مع أبي عبد الله ﵇ جماعة من الشيعة في الحجر فقال علينا عين٢، فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدًا فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية -ثلاث مرات- لو كنت بين موسى والخضر؛ لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأن موسى والخضر أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة"٣. ولا أدري كيف تستقيم لهم هذه الدعوة مع قوله عن رسول ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ٤. ٤- قولهم بتفضيل الأئمة على الأنبياء والملائكة: ذكر أبو الحسن الأشعري اختلاف الرافضة في ذلك وأن طوائف منهم ترى: أن الأئمة أفضل من الأنبياء والملائكة، وأنه لا يكون أحد أفضل من الأئمة قال: وهذا قول طوائف منهم"٥. ويحدثنا مصنف شيعي رافضي عن مذهب أهل نحلته في ذلك، وهل المشهور عندهم بـ"المفيد"٦، فيقول: "قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل

стр. 415

الأئمة من آل محمد ﷺ من تقدم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد ﷺ . وأوجب فريق منهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أولي العزم منهم ﵈، وأبى القولين منهم فريق آخر وقطعوا بفضل الأنبياء كلهم على سائر الأئمة. وهذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال، ولا على أحد الأقوال فيه إجماع، وقد جاءت آثار عن النبي ﷺ في أمر المؤمنين " ... " وذريته من الأئمة، والأخبار عن الأئمة الصادقين أيضًا من بعد، وفي القرآن مواضع تقوي العزم على ما قاله الفريق الأول في هذا المعنى وأنا ناظر فيه"١. فبعد عرضه الأقوال مال إلى اختيار القول بالتفضيل الذي هو القول الأول. وهذا أحد مصنفيهم المتأخرين يقرر عقيدة القوم في ذلك فيقول: "يجب الإيمان بأن نبينا ﷺ وآله المعصومين، أفضل من الأنبياء والمرسلين ومن الملائكة المقربين لتظافر الأخبار بذلك، وتواترها فيما هنالك"٢. ويظهر أن القول بالتفضيل هو الغالب على الشيعة الرافضة؛ بل الواجب عنده، وأن الخلاف المذكور إنما كان لدى بعض المتكايسين من متقدميهم. وأما المعاصرون من الشيعة الرافضة فعلى القول بالتفضيل، لا يتوارون من القول به، ولا يبرؤون منه أو يعتذرون عنه؛ بل يصرح به صاحب أكبر عمة

стр. 416

فيهم، مدونًا ذلك في أحدث مصنفاته فيقول: "فإن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل - إلى أن قال: وقد ورد عنهم " ... " أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء " ... "١. وهكذا يظهر مدى غلو القوم ومثابرتهم على ذلك. وأن متأخريهم ليسوا بأحسن حالًا من سابقيهم إن لم يكونوا أضل وأردى. ٥- ومن مظاهر غلوهم زعمهم أن الإمام محدث يوحى إليه ملك: عقد الكليني بابًا في كتابه "الكافي" بعنوان "باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث"٢، وأورد تحته عددًا من الروايات التي تدل على أن الإمام يسمع كلام الملك ولا يراه؛ بينما النبي والرسول يسمعه ويراه. فروى عن زرارة بن ميمون قال: "سألت أبا جعفر عن قول الله ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٣، ما الرسول؟ وما النبي؟ قال النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك. قلت: الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث٤، ٥.

стр. 417

وفي رواية أخرى قال: "كتب الحسن بن العباس العروفي إلى الرضا " ... " جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ قال: فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام، أن الرسول الذي ينزل عليه جبرئيلفيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي. وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ﵇، والنبي: ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام: هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص"١. ٦- لعل أعظم مظاهر غلو الشيعة وإفراطهم: هو قول بعضهم بألوهية علي بن أبي طالب ﵁ وهو قول يتنصل أكثر الشيعة منه؛ لكنه يظل قول المؤسس الأول للشيعة الرافضة الإمامية عبد الله بن سبأ، الذي وضع مبادئ التشيع والرفض التي لا تزال الشيعة الرافضة إلى اليوم تقول بأكثرها، كالقول بتفضيل علي على سائر الصحابة، والنص على إمامته بعد الرسول بلا فصل، والطعن على أصحاب رسول الله ﷺ ﵃، كما تقدم إثبات ذلك عنهم من كتبهم. قال الشهرستاني: عن عبد الله بن سبأ أنه قال لعلي ﵁: أنت أنت؛ يعني: أنت الإله، فنفاه إلى المدائن٢. ويقول المقدسي: إن السبأية، وهم أتباع عبد الله بن سبأ: "قالوا لعلي: أنت إله العالمين أنت خالقنا ورازقنا، وأنت محيينا ومميتنا، فاستعظم على ذلك من قولهم وأمر بهم فأحرقوا بالنار فدخلوا النار وهم يضحكون ويقولون الآن صح لنا أنك إله؛ إذ لا يعذب بالنار إلا رب النار"٣.

стр. 418

ويقول البغدادي: "السبئية: أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي ﵁، وزعم أنه كان نبيًا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا عن غواة الكوفة، ورفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين"١. وبعد فهذه نماذج من غلو الشيعة الرافضة، ذكرتها متدرجًا في القاعدة إلى القمة، وهي بعض ما عندهم؛ فالغلو أسس مذهبهم وسداه ولحمته، وما أشرت إليه من ذلك يكفي للدلالة على غلوهم.

стр. 419

المبحث الثالث: في ذكر قول أهل السنة والجماعة عرفنا فيما تقدم موقف الخوارج وأئمة الاعتزال والشيعة الروافض من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتبين لنا مبلغ ابتعاد القوم عن الاعتدال والتوازن في هذا الباب، وجنوحهم إلى طرفي الإفراط والتفريط. وفي هذا المبحث، سأورد قول أهل السنة واعتقادهم في أصحاب رسول الله ﷺ ، من خلال ما دونه بعض أئمة أهل السنة في أوقات وأزمان مختلفة متفاوتة، ومع ذلك فقولهم واحد لا تضارب فيه ولا اختلاف؛ لأنه ينبع من أصول ثابتة ينهل منها الجميع في كل عصر ومصر، كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع سلف الأمة. وسيظهر من خلال أقوالهم مدى توسطهم واعتدالهم واقتصادهم في ذلك، كما سأشير إلى مظاهر ذلك في آخر المبحث بإذن الله. عقيدة أهل السنة في الصحابة: دون كثير من الأئمة عقيدة أهل السنة في هذا الباب وغيره، وهذه نماذج مختصرة من أقوالهم. - يقول الإمام أحمد في بيان عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃: "ومن السنة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن الذي شجر بينهم؛ فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحدًا فهو مبتدع رافضي. حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآرائهم فضيلة. وخير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ : أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر،

стр. 420

وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي رضوان الله عليهم، خلفاء راشدون مهديون. ثم أصحاب محمد ﷺ بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحد منهم أن يذكر شيئًا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم؛ فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه؛ بل يعاقبه ثم يستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وجلده حتى يتوب ويراجع"١. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي "ت ٣٢٠هـ" في عقيدته المشهورة: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله ﷺ ، وقوله الحق وهم أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله ليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق"٢.

стр. 421

المهاجرين والأنصار. ويؤمنون بأن قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"١، وبأنه لا يدل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم٢؛ بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة. ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ . ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عه وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة. ويؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله. ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ ؛ حيث قال يوم غدير خم٣: "أذكركم الله في أهل بيتي" ٤.

стр. 422

ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين. ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب١ الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل. ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر؛ حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه؛ فإذا كان هذا في الذنوب المحققة؛ فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم، قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.

стр. 423

ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، ولا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله"١. وبعد فهذه عقيدة أهل السنة في أصحاب رسول الله ﷺ وهذه أقوالهم فيهم، دونها هؤلاء، الأئمة، كما دونها غيرهم، كلهم متفقون على معرفة حقهم وفضلهم، وتوقيرهم والترضي عنهم، ليس لأحد منهم خلاف في ذلك. ومن خلال هذه الأقوال تتجلى وسطية أهل السنة، ويبرز اعتدالهم واقتصادهم. فهم وسط: لأنهم لم يكفروا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ في حين أن كلًا من الخوارج والمعتزلة، والشيعة كفروا أو فسقوا طوائف منهم، كما تقدم ذكر ذلك. وهم وسط: في التولي والتبري: فكل من فريقي الغلاة والجفاة يتولى فريقًا من الصحابة ويتبرأ من أكثرهم أو كثير منهم كما سبق بيانه. وأهل السنة: يتولون جميع الصحابة ولا يتبرؤون من أحد منهم. وهم وسط: لأنهم يترضون عن جميع الصحابة، ويترحمون عليهم ويستغفرون لهم كما أمر الله، ولا يسبون أو يشتمون أحدًا منهم؛ بينما كل من الخوارج وبعض أئمة المعتزلة، والشيعة، لا يترضون عن الجميع، ولا يترحمون أو يستغفرون لطوائف من الصحابة، ولبعضهم فيهم سب وشتم ونسبة إلى الجهل والظلم والفسق كما تقدم إيضاحه عنهم. وهم وسط: لأنهم يشهدون ويعتقدون من أصحاب رسول الله ﷺ خير خلق الله بعد الأنبياء، وأن خيرهم: الخلفاء الأربعة الراشدون فيما يطعن كل

стр. 424

من الجفاة والغلاة في كثير منهم، ويعدون بعضهم شر هذه الأمة كما يعتقد الشيعة الرافضة. وهم وسط في علي بن أبي طالب ﵁؛ فلم يغلوا فيه غلو الشيعة الرافضة فلم يرفعوه إلى مقام النبوة أو الألوهية كما فعل كثير من الشيعة. ولم يكفروه، أو يفسقوه ويردوا شهادته كما يرى الخوارج وأئمة المعتزلة، كما تقدم. وهم وسط: لأنهم لا يعتقدون العصمة لأحد من الصحابة؛ بل يعتقدون أنهم بشر يقع منهم من الذنوب ما يقع من غيرهم، ومع ذلك لا يشنعون عليهم بذنب؛ بل يلتمسون لهم المخارج ويحملونهم على أجمل المحامل. وأهل البدعة: يعتقد بعضهم العصمة لعلي ﵁ وللأئمة من أهل بيته وأنه لا يقع منهم ذنب عمدًا ولا خطأ ولا سهوًا. ويعتقدون في بعض الصحابة وقوع الكفر والنفاق والردة منهم وارتكاب المظالم والكبائر وينسبونهم إلى الزندقة. هذه بعض مظاهر وسطية أهل السنة في هذا الباب؛ على أن قولهم واعتقادهم في أصحاب رسول الله ﷺ لا يخرج عن دائرة القصد والاعتدال بأي حال.

стр. 425

الفصل الخامس: وسطية أهل السنة في باب تعظيم النبى ﷺ والصالحين من أمته مدخل ... تمهيد: تقدم في الباب الأول الحديث عن كون هذه الأمة المحمدية وسطًا بين الأمم في أنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلة وأتم التسليم، وأنها لم تغل فيهم ولم تفرط، وأن اليهود والنصارى وقع منهم غلو وإفراط فيهم، كما وقع منهم أيضًا في جفاء لهم، وتفريط وتقصير في جنابهم صلوات الله وسلامه عليهم. ولما كان من الثابت أن فئات من هذه الأمة سيتبعون تلك الأمم قبلهم كما أخبرنا الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في قوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم" قال الراوي: قلنا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ "١. فإنه قد وقع من بعض هذه الأمة، شيء من الغلو أو التفريط في جناب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وذلك بسبب متابعتهم لتلك الأمم وتأثرهم بما نقل عنهم، ولا سيما بعد امتداد الإسلام وانتشاره، ودخول طوائف من أهل الكتاب في الإسلام، واختلاط المسلمين بكثير من أهل الذمة من أمتي اليهود والنصارى وغيرهم، كما تقدم لنا في أسباب افتراق هذه الأمة. وبسبب بعدهم عن كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ اللذين جاء
следующие страницы →