Полный текст (812 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الجمال
تعالى المبدع القدُسُ ... مثالٌ عنه مقتبَسُ
ومرآةٌ عليها نو ... رُ وجه اله ينعكس
فما أدري أظلُّ الل ... هـ أم من نوره قبس
بدا كالشمس لكن سرّ ... هـ في الفهم ملتبس
فقالوا إنه نِسَبٌ ... بها الألباب تختلس
وفوق حدودهم روح ... طليق ليس يحتبس
ضلال أن يحد بما ... رأوه منه أو لمسوا
يطلُّ عليَّ من عين ال ... حبيب ولحظهُ خلس
فينفي النوم عن عينيَّ ... وهو بعينها نعس
ويجري ماؤه في وج ... هها فيكاد ينبجس
ويذكو عرفه في ثغ ... رها مارُدّدَ النفس
ويزهو بين عطفيها ... هناك التيه يلتمس
شجاني أنه عرَض ... معالمه ستندرس
ونبتٌ أن يهج يوماً ... فغاية أمره اليبس
خليل مردم بك
стр. 107
آدابنا العربية
ناحية من نواحي نقدها
للأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي
من كتابنا المعاصرين طائفة حديثة النشأة اتخذوا لأنفسهم طريقة جديدة في الكتابة ترتكز علباً على الأدب الإفرنجي. وتحتذي مثاله في الأسلوب الإنشائي.
وأنا أرى أن هذا لا يضر آدابنا العربية بل هو اقتباس أو تطور طبيعي في لغات الأمم وآدابها فإن بعضها يقتبس من بعض أساليب كما يقتبس ألفاظاً.
لكن هؤلاء المجددين أفرطوا في انتحال أساليب الإفرنج وأكثروا الغض من أساليب كتابنا الأقدمين. إلى حد أن عطلوا - أو كادوا يعطلون قواعد اللغة العربي: فهم لا يبالون نحوها ولا صرفها ولا يتكلفون عناء مراعاة هذه القواعد في خطبهم وكتاباتهم. بل ذهبوا إلى أبعد من هذا: فزعموا أن كل كلمة عربية مجَّها ذوقهم وجب أن تموت ويخلفها من كلمات الأعاجم وتعابيرهم ما شاءوا وأحبوا.
وكنت منذ ربع قرن صنفت كتاباً سميته (الاشتقاق والتعريب) جوزت فيه ماجوزه أدباؤنا الأولون من استعمال الكلمات غير العربية في الكلام العربي وأثبت أنها لا تخل بفصاحته. ولا تنزله عن درجة بلاغته. ثم إني كدت أندم على هذا التأليف إذ بلغني أنه أصبح أداة بيد بعض المجدين فاتخذوه حجة لمذهبهم في اصطناع الكلمات الأعجمية بمقياس أوسع مما كنت قررته في كتابي المذكور.
ولا يخفى أن أدباءنا الذين كتبوا في فن البلاغة اختلفوا في بلاغة الكلام وفصاحته أمرجعها اللفظ أو المعنى؟ فبعضهم جعل استجماع شروط الحسن في اللفظ هو معظم الفصاحة وجمهورها. وقد راجت هذه الفكرة من بعد عهد الجاحظ. ونفق سوق الكلام الضروب على غرارها أيما رواج. ولاسيما في أواخر القرن الرابع للهجرة أي في عهد ابن العميد وتلميذه الصاحب بن عباد.
وبقيت طريقة هذه المدرسة اللفظية - أي التي يعنى فيها بتجويد اللفظ - سائدة في بلاد العرب وفي دواوين ملوكهم الأعاجم حتى كان خاتمة أئمتها القاضي الفاضل في أواخر القرن السادس.
стр. 108
ثم من بعد هذا العهد أفل نجم فن البلاغة وأظلم البيان العربي وأصبحت الكتابة فيه صناعة لفظية محضة، لا تعبر عن نفسية الكاتب ولا تميز شخصية أديب عن شخصية أديب آخر. وإنما أصبح كل من كتب تقريباً (فنوغرافاً) يحكي لنا صدى أفكار المتقدمين ويسرد علينا تعابيرهم بتغيير طفيف.
وهذا ما حمل أدباء الإفرنج على نقد آدابنا العربية بالجملة، والإزراء بكتاباتنا الأدبية من دون تفريق، حتى قالوا: أنها ألفاظ ترن وجعجعة من دون طحن مع إن بلغاء كتابنا الأقدمين إلى عهد الجاحظ ما كانوا يقيمون للألفاظ رزناً كما فعل من بعدهم: فكانوا يرون أن البلاغة هي المعاني الجميلة الخلابة التي تلبس من لبوس الألفاظ القدر الذي يناسبها، ولا يكون فضاضاً عليها. ولعل الجاحظ من أرباب هذا المذهب: فهو لا يبالي الألفاظ والتأنق فيها والتكلف بها. لك يرسلها كيفما اتفق من دون تعمل ولا تكلف. وكأن سجاحة الألفاظ في عبارة الجاحظ وخلوها من التأنق وتكلف الاستعارة والمجاز والكناية وأفانين الصناعة اللفظية أصبح أمره متعالماً مشهوراً حتى للمتقدمين من أدبائنا: فالبدي الهمذاني جعل في مقاماته هذه: أن عيسى بن هشام ورفاقه كانوا في بعض مجالس الأدب يفاضلون بين الكتاب ولاسيما الجاحظ وابن المقفع. وكان أبو الفتح السكندري (بطل مقامات البديع) مشغولاً بالتهام ما قدم إليه من الطعام حتى إذا اكتفى التفت إليهم وقال:
أين أنتم من الحديث الذي كنتم فيه؟ قال عيسى بن هشام. فأخذنا في وصف الجاحظ ولسنه. وحسن سننه في الفصاحة وسننه. فقال أبو الفتح ياقوم لكل
عمل رجال. ولك مقام مقال. ولكل دار أركان. ولكل زمان جاحظ
ولو انتقدتم لبطل ما اعتقدتم.
فكل كشر له عن ناب الأنظار. وأشم بأنف الإكبار. وضحكتُ له
لأجلب ما عنده. وقلت: أفدنا وزونا. فقال: إن الجاحظ في أحد شقي
البلاغة يقطف (١). وفي الآخر يقف والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره. ولم يزر
كلامه بشعره. فهل ترون للجاحظ شعراً رائقاً؟ قلنا لا. قال: فهلموا إلى نثره
فهو بعيد الإشارات. قليل الاستعارات. قريب العبارات. منقاد لعريان (٢)
الكلام يستعمله. نفور من بديعه يهمله فقل سمعتم له لفظة مصنوعة. وكلمة غير مسموعة
стр. 109
(٣)؟ قلنا لا.
ثم ختم أبو الفتح كلامه بأنه هو أفضل من الجاحظ.
ولا نسمح لأنفسنا أن نقول: أن حسن الألفاظ لا شأن لها في البلاغة والفصاحة وإنما نقول: إن الإفراط في التأنق ومراعاة الصناعة اللفظية يؤدي إلى التكلف والإحالة وأن الاهتمام بانتقاء الألفاظ والحرص على حشرها في الكلام يلهى السامع عن تعقل المعاني فيضطرب فهمه. وتنقطع سلسلة تفكيره. ويقد الكلام قوة تأثيره. وإذا ضاع التأثير ضاع كل شيء.
فالمعاني طيور. تحملها أجنحة الألفاظ إلى أوكار الأذهان. فإذا لم تكن
الأجنحة خفيفة مرهفة، بل كانت كثيفة مثقلة بضروب الزينة والجمال مصنوع ثقلت الأجنحة فوقع الطائر دون الغاية. فلنجتهد إذن في أن تكون أجنحة الفاظنا كأجنحة الطيور وإلا عجزنا عن إيصال المعاني إلى الأفكار. والطيور إلى الأوكار هذا ما عابوا به آدابنا العربية بوجه عام. ويمكننا ن نشير إلى بعض ما عابوها به بوجه خاص.
ذلك أن طائفة كبيرة من أدبائنا أولعوا باستعمال مجازات وكتابات وإشارات لها معان يقبح ذكرها. وتنفر النفس من تفسيرها. ففي أواخر القرن الماضي كتب بعض كتاب العرب في جريدة (الجوائب) التي كانت تصدر في الأستانة لمحررها العلامة (أحمد فارس الشدياق) مقالاً انتقد فيه الآداب الإفرنجية وقال: إن الإفرنج ليس له ذوق في الأدبيات. وكان حامل راية الأدب في ذلك العصر (نامق كمال) أديب الترك المشهور. فرد على الكاتب العربي قوله ولمز (الأدبيات العربية) فقال: نحن لا ننكر سعة اللغة العربية ولطافتها ولا مهارة أدباء العرب وفطانتهم حتى أن آثار العرب الأدبية ترجح على مؤلفات كل لغة.
ولكن القول بأن أدباء الإفرنج مجردون عن الذوق لا يمكن التسليم به. وإن قول أدباء العرب (يفتض إبكار المعاني) و (فلان أبو عذر هذا الأمر) و (قول امرئ القيس فمثلك حبلى إلى إذا ما بكى من خلفها الخ) وقول الحماسي: وفخذان بينهما نفنف الخ وقول ابن النبيه في وصف الخمرة (عذراء واتعها الغمام أما ترى - منديل عذرتها بكف سقاة) - وغير ذلك من التعابير الشائعة في منثور أدباء العرب كل ذلك لا يمكننا إلا أن نعده منافياً للذوق الأدبي السليم.
لكن (نامق كمال) عاد فاعتذر في المقال نفسه عن وقوع هذه الهنات في آدابنا العربية
стр. 110
أحسن اعتذار وأشده إيجازاً فقال:
(علي أنه إذا كان في هذه الهنات الأدبية خطأ فينبغي أن نلصقه بالآداب لا بالأدبيات) كأنه يريد أن يقول: يجب أن نلصقه بآداب الشاعر لا بأدبيات اللغة. فنقول مثلاً: إن العيب في امرئ القيس وأبي نواس وعبد الله بن حجاج: فهم المسئولون عن قبح قولهم وليس المسؤول عنه (الأدبيات) العربية فهي بريئة من العيب وليست مؤولة عن عيب غيرها. ثم قال (نامق كمال): (على أن هذه التعابير القبيحة إذا كانت منافية لحسن الذوق فليست منافية لحسن الصنعة) يعني أن النفوس الفاضلة والأذواق السليمة تمج به الأقوال من جهة قبح معانيها لكنا ترتاح إليها وتعجب بها من جهة ما فيها من جمال الصنعة وابتكار المعنى وانتهاز النكتة.
وهذا كالصور يصور لك صورة بشرية عارية فتستحيي منها. وتنال من مصورها عند أول وهلة ثم لا تلبث أن تعجب بها وتثني على صدق المصور ومقدرته على محاكاة الطبيعة. ثم ختم (نامق كمال) رده على الكاتب العربي الذي قال أن الإفرنج ليس له ذوق في (الأدبيات) - بقوله:
(إن انتقاد الأدب الإفرنجي ينبغي أن يكون بدراسة أقوال أدباء الإفرنج المشهرين وتقليب النظر في ما تركوه من الآثار البديعة - لا بقراءة ما تخطه أقلام محرري الصحف في جريدة الطان والتيمس ونحوهما)
المغربي
стр. 111
الكتابات العربية المنقوشة وفائدتها
للأستاذ المستشرق جان سوفاجه
تعريب كاظم الداغستاني
إن درس الكتابات العربية المنقَّشة هو علم حديث العهد. فلقد أ، شك القرن التاسع عشر أنن ينقضي والكتابات التي نقشت على المباني القديمة في البلاد الإسلامية لا تسترعي انتباه المستشرقين. فقد كان لديهم ما يحتم عليهم توجيه اهتمامهم لأشياء أخرى غير هذه ولذلك فلم ينشر من هذه الكتابات حتى ذلك العهد إلا بعض نصوص طبعت متفرقة مبعثرة بسائق الاستغراب وحب الإطلاع دون أن يقوم من يتصدى لجمعها وتصنيفها وشرحها تبعاً للأصول التي درست وجمعت معها الكتابات اللاتينية والإغريقية والسامية مما نقش على المباني القديمة. والمجد في درس الكتابات العربية المنقوشة يرججع للعالم السويسري (ماكس وان بيرشم) فهو أول من قدر الفائدة المتأتية عن جمع هذه المستندات القيمة. والمجموعة التي نشرها في سنة ١٨٩٤ عن الكتابات العربية المنقوشة في القاهرة هي أول مؤلف من نوعه وضع صاحبه فيه أسس هذا العلم الجديد وحدد أصوله وقاعه. ثم جاء بعد (بيرشم) من أكملوا عمله ونخص بالذكر من بينهم غاستون ويت في فرنسا وموريتز سوبرهايم في ألمانيا وخليل أدهم في تركيا ولقد كان من وراء سعي هؤلاء العلماء أنه لم يبق من يشك في فائدة درس الكتابات المنقوشة التي أصبت من أعظم وسائل التتبع لمن وقفوا أنفسهم وجهودهم على درس القرون الوسطى الشرقية. ولرب قائل يقول: ما هو نوع هذه الفائدة المتوخاة من وراء هذا العلم؟
لعلنا لا ندع مجالاً لاستغراب أحد أذا قلنا أن الفائدة اللغوية المنتظرة من وراء درس الكتابات العربية المنقوشة هي تقريباً مما لا شأن له يذكر، لأن أكثر هذه الكتابات يرجع إلى عهد ازدهرت فيه آداب اللغة وحددت قواعدها الصرفية والنحوية من قبل النحاة ومتفقهي اللغة فلم يبق هنالك ما يحتاج للتمحيص والتدقيق فالفائدة اللغوية في ذلك لا يمكن أن تعادل مثلاً الفائدة اللغوية في درس الكتابات السامية المنقوشة والتي هي بقايا فذة من لغة قديمة كاملة، كاللغة التدمرية مثلا. على أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بالفائدة التاريخية في درس الكتابات العربية المنقوشة. لقد ترك الأدب العربي قبل الأعصر الحديثة
стр. 112
من وفرة المصادر التاريخية ملا مثيل له في الآداب الأخرى هذا لا شك فيه ولكن من يتصدى لدرس تاريخ الشرق في القرون الوسطى كثيراً ما يزعجه أن لا يجد أمامه ما يمن معه أ، يتحقق صحة المصادر الأدبية بوثائق أدلة التأييد فيا مادية تثق بها النفس. وذلك لأن بلاد الإسلام لم تحتفظ، وهذا مما يؤسف له، بتلك السجلات المخطوطة التي تعد في أوربا أساسا كل درس من دروس التاريخ الغابر، وحينما يرجع الباحث إلى ما وراء العصرين الأخيرين يجد أن الوثائق الصحيحة قد ندرت فلم يبق إلا ما تركه بعض المؤرخين من مخطوطات نسخت عن غيرها وهي غاية ما يمكن الرجوع إليه في البحث عن رسائل السلاطين ومستندات الحسابات في الدوائر القيمة وعقود الأوقاف وحججها وإلى غير ما هنالك ولكن ما مبلغ صحة هذه المصادر الوحيدة التي يمكن الرجوع إليه في التحقيق والتتبع؟ لا شك أن في نسخها شيئاً كثيراً من الاهتمام والأمانة ولكن رغم هذا فإنه لا محيد عن الشك بأنها قد تكون حرفت مع الزمن من جراء سهو وقع في نقلها أو إهمال جرى في نسخها أو تأويل حصل في ضبطها يضاف على ذلك أن عد هذه الوثائق قلقل نادر لا يفي بالغرض، وفي مثل هذه الأحوال تظهر فائدة الكتابات المنقوشة جلية واضحة وعلى الأخص إذا كانت مما أمر بكتابته ونقشه السلطان أو أحد أعاظم الرجال في الدولة فأمثال هذه الكتابات لم تكن لتنقش على جدران المباني وأبابه إلا بعد أن تنشأ وتحرر في الدواوين الرسمية وتوشح بتوقيع السلطان وتصديقه وهذا ما يجعل لها في أعيننا قيمة ثمينة فتكون كوثيقة صحيحة رسمية جديرة بأن يعتمد عليها. وكذلك على ما أيدته من روايات أحد المؤرخين التي تتفق مع ما جاء فيها. فلق تقرأ مثلا في كتاب الروضتين أن أتابك نور الدين عهد إلى وزيره أن يحرر النص الذي يجب على الخطباء أن يتلوه في مساجد مملكته عند ما يدعوه له بعد قراءة الخطبة وهذا النص كما رواه المؤرخ هو كما يأتي:
اللهم أصلح عبدك بالفقير إلى رحمتك الخاضع لهيبتك المعتصم بقوتك المجاهد في سبيلك المرابط لأعداء دنك أبا القاسم محمود بن زنكي أق سنقر ناصر أمير المؤمنين.
على أن في المسجد الذي بناه في حماه نور الدين كتابة منقوشة هذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بعمله ابتغاء رضوان الله ورغبة في ثوابه العبد الفقير إلى رحمة الله الخاضع لهيبته المرابط لأعداء دينه أبو القاسم محمود بن زنكي بن أق سنقر
стр. 113
ناصر أمير المؤمنين ضاعف الله أجره وثوابه وأكرم منقلبه ومآبه في سنة تسع وخمسين وخمس مائة (١١٦٣م).
وبما أن ألقاب السلطان التي وردت في النص الأول هي تقريباً نفس الألقاب التي وردت في النص الثاني يحق لنا أن نستنتج من ذلك أن المؤرخ نقل بأمانة عبارة الدعاء التي كان يتلوها الخطباء على المنابر، وقد يقع في بعض الأحيان أن يكون النص الأب على تناقض مع الكتابات المنقوشة فإذ أخذنا مثلاً برواية المقريزي علمنا أن قلعة دمشق استولى عليها التتار في ٢٢ جمادى الأولى سنة ٦٥٨هـ (٥ مارس ١٢٦٠) لكننا إذا رجعنا إلى كتابة نقشت على إحدى شرفات هذه القلعة وجدنا أن في هذه الكتابة ما ينق على أن استيلاء الأعداء على القلعة كان بتاريخ ٢١ جمادى الآخرة (٣حزيران) ولما كانت هذه الكتابة نقشت بعد جلاء المهاجمين وفي الزمن الذي شرع بترميم القلعة وإصلاح مبانيها بأمر من السلطان وتحت إشراف موظفي الدولة الذين خبروا شؤون الحادث وعرفوا يوم وقوعه فإنه من الصعب أن لا نميل لتفضيلها والأخذ بها دون غيرها من الروايات التاريخية التي ق تكون قد حرفت حينما أخذ أحد النساخ بنقلها دون أن يعيرها الاهتمام اللازم: وأن في هذين المثالين اللذين أضربهما لدليلاً على الفوائد التي تؤديها الكتابات المنقوشة في تحقيق المصادر التاريخية مقام ما فقد وضاع من السجلات المخطوطة وأن المؤرخ الصالح الحريص على نقل الحقائق ودفع الأغلاط يحتاج دائماً للمقابلة بين النصوص الأدبية والكتابات المنقوشة التي تكون أكثر نفعاً من المخطوطات في هدايته إلى التواريخ الحقة وأسماء الأعلام الصحيحة. وإذا كانت الكتابات المنقوشة تفيد في تحقيق الملومات التي نستخلصها من دراسة الأدب ونوادره فهي كثيراً ما تقوم مقامها وتغني عنها فتكون المستند الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في تمحيص قضية معينة من قضايا التاريخ.
لقد ضاعت كما ذكرنا أكثر حجج الأوقاف الخيرية وفقدت قيودها القديمة وذلك بداعي ما وقع من الحوادث أو بسبب إهمال بعض موظفي الدولة الذين لم يراعوا الأمانة في حفظها فإذا حاولنا اليوم أن نعرف حقيقة الغاية التي رمى إلها الواقف والأسس التي قامت عليها إدارة أحد الأوقاف الخيرية لغز علينا الوصول لما يدلنا عليها سوى هذا النوع من الوثائق والكتابات المنقوشة على أحجار وجدران مباني الوقف وفي الحق أن الواقفين كثيراً ما
стр. 114
كانوا ينقشون على الأبنية التي يحبسونها لجهة من جهات الخير خلاصة عن حجة الوقف لتقوم هذه الكتابة المنقوشة مقام الحجة المخطوطة التي كثيراً ما يخشى تلفها أو ضياعها.
ولكي ندل على الفائدة التي تنشأ عن مثل هذه الوثائق التاريخية المتينة يكفي أن نورد هنا كتابة من تلك الكتابات نقشت على جدران مسجد ساكرا كيا في طرابلس شام وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم. وقف الجناب الكريم السيفي أقطرق الحجب هذا المكان المبارك مسجداً لله تعالى وتربة للدفن ووقف على مصالحه وعمارة أثاثه وتطاويقه جميع المزرعتين المتلاصقتين من عمل حصن الأكراد وهما مرج السلطان وقميره وجميع البستانين المتلاصقين بقرية دشعين من عمل طرابلس أحدهما يعرف بمسعود والأخر بابن الأفرحي وجميع الحوانيت الأربعة المتلاصقات بالصف الشرقي من سوق الحلاويين بطرابلس وجميع الدار الملاصقة للمسجد وجميع الآدر الثلاث المتلاصقات يخان المصريين بطرابلس وجميع الحصة الشائعة وقدرها النصف والربع من جميع الدار شمالي خان المهندس بالجسر العتيق وجميع الفرن المعروف بكر خولد للمسجد المذكور وقفاً شرعياً يبدأ من ربعة بعمارته وإصلاحه ويصرف منه في كل شهر أربعون درهماً لإمام بالمسجد المذكور وخمسون درهما إلى مؤذنين بالنوبة يؤذنان بمئذنة المسجد المذكور وثلاثون درهماً إلى قيم المسجد والتربة وخمسون درهماً إلى خمسة أنفار يقرؤون بالمكان المذكور حزباً كاملاً فرادى ومجتمعين وخمسة عشر درهماً في ثمن زيت وقناديل وآلة الكنس والاستسقاء ويرف في كل يوم الاثنين من كل أسبوع ثلاثة دراهم في ثمن كسوة من قميص ولباس رفيع وغير ذلك للأيتام والأرامل والفقراء المسلمين وما فضل بعد ذلك يصرف إلى من كان فقيراً محتاجاً من أولاد الواقف وأنساله ومن عتقائه بالسوية فإن لم يكن فيهم محتاج صرف إلى الفقراء المسلمين في باب التربة وشرط الواقف النظر لنفسه ثم للأرشد من أولاده وأنساله وإلى من كان أمير حاجب كبيراً بطرابلس وشرط الواقف أن لا يؤجر وقفه بأكثر من ثلاث سنين وليصرف هذا ولا تقدر عليه مظالم ولا مكوس حسبما تضمن ذلك كتاب الوقف المؤرخ بمنتصف القعدة الحرام سنة سبع وخمسين وسبعماية (٩تشرين ثاني ١٣٥٦م) الثابت المحكوم به بمجلس الحكم العزيز بطرابلس المحروسة ونقش ذلك في ربيع الأول سنة ستون (شباط ١٣٥٩م) وولاء لهذا المسجد من الماء بحق واجب نصف
стр. 115
وربع أصبع من قناة طرابلس
ومن الكتابات المنقوشة، المراسيم والقرارات التي لا يمكن العثور على ما يماثلها في الصحة بين النصوص الأدبية المخطوطة. فلقد كان من المعتاد أن يأمر السلاطين والحكام بنقض (ويمكن أن نقوم هنا بإعلان) ما يصدرونه من المراسيم والقرارات الهامة التي تتعلق بجميع أفراد الرعية وعلى الأخص ما كان ينص منها على إعفاء بعض الضرائب والإتاوات على جدران المساجد أو في أحد المعابد وذلك بعد إذاعتها على جميع أفراد الشعب بواسطة المنادين ولقد حفظت لنا الأيام من أمثال هذه المراسيم المنقوشة عدداً وافراً يعد من أصح الوثائق في التاريخ المالي والاقتصادي فهي تفيد في تحقيق وتمحيص كثير من الصكوك الإدارية التي لم يذكر عنها المؤرخون والرواة إلا أشياء تافهة أكتفوا بالإشارة إليها. وعلى سبيل المثال نورد ها نصاً لأحد هذه المقررات نقش في مسجد خالد بن الوليد في حمص وهو كمايلي:
بسم الله الرحمن الرحيم لما كان بتاريخ سنة أربع وأربعين وثمانمائة حضر جماعة من أهل حمص المحروسة شكوا للمقر السيفي بيغوت نائب السلطنة الشريفة بحمص المحروسة أعز الله أنصاره أنه قد أحدث عليهم وظالم وسألوا صدقاته لوجه الله تعالى سؤال الصدقات الشريفة في إبطال ذلك ففي الحال كتب سؤال الصدقات الشريفة في إبطال ذلك فعاد جواب وقرينه مربع شريف المرسوم العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري السيفي أعلاه الله تعالى وشرفه وأنفذ أن يبطل ما أحدث من ضحاف دلالة الحرير والصوف والتبن والخبز وشجرة الزيت بحمص المحروسة وإبطال الشهرة على الإطلاق وإن تكتب على باب السيد خالد ﵁ القصة المشمولة بالخط الشريف عن أهل حمص حسب المرسوم الشريف شرفه الله تعالى وعظمه وفي ظاهره الرسم الشريف جقمق نصره الله
هذا وإن الكتابات المنقوشة هي مصدر ذو قيمة كبرى وشأن عظيم في تحقيق الألقاب التي كان يحملها السلاطين وأعاظم الرجال في الدولة والي لا يخلو درسها من فائدة. ومن المعلوم أن هذه الألقاب لم يكن يختارها أصحابها لأنفسهم بل هنالك أصول متبعة تمنح بموجبها من قبل السلطان أو الخليفة وذلك تبعاً لمرسوم يصدره صاحب الشأن، ولما كان أكثر هذه المراسيم والوثائق قد فق فلم يبق لدينا اليوم من مستند نرجع إليه في تحقيق هذه
стр. 116
الألقاب وتصنيفه وأصول منحها ومراتب الذين تمنح إليهم وسلطة عمال الخليفة ومواقفهم منه، إلا هذه الكتابات المنقوشة التي تدلنا بصورة موجزة، ولكن وفية وصحيحة، على الحالة الروحية وبعض صورها الاجتماعية في ذلك العصر.
إن الكتابات المنقوشة في عهد الملك الظاهر بيبرس تشير إلى أن الألقاب التي كان يلقب بها الملك هي كما جاء في العبارات الآتية:
مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين سلطن الإسلام والمسلمين قاتل الكفرة والمشركين قاهر الخوارج والمتمردين محيي العدل في العالمين ملك البحرين صاحب القبلتين خادم الحرمين الشريفين وإرث الملك سلطان العرب والعجم والترك إسكندر الزمان صاحب القران بيبرس الصالحي قسيم أمير المؤمنين
وهذه الألقاب، لا تنص فقط على الوظائف التي كانت تعد إذ ذاك من واجبات الملك (الجهاد المقدس ضد الصليبيين والذب عن حياض الإسلام وإقامة العدل) بل تستمد أيضاً أسسها من ساسة السلطان الذي أراد، بعد أن بسط حمايته في القاهرة على الخليفة العباسي الذي هزمه التتار، أن يجعل من مصر مركزاً لجميع البلاد الإسلامية.
ونهاية القول أن أبسط فائدة يمكن أن نذكرها للكتابات المنقوشة هي أنها تبين لنا بالضبط والدقة تاريخ البناء الأثري الذي نقشت عليه. فعلماء الآثار في أوربا الذين يحاولون تحديد مراحل التطور في فن البناء في القرون الوسطى لا يجدون لديهم من الوثائق بهذا الصدد ما يؤيد لهم تاريخ إنشاء البناء سوى وثائق خطية نادرة مما كتبه المؤرخون في السجلات المخطوطة أو مما رواه الرواة في ذلك العصر وهذا ما يضطرهم لأن يجددوا تاريخ البناء الأثري الذي يجعلونه موضع درسهم على وجه من التقريب يتراوح بين ربع ونصف قرن. أما في الشرق فليس من بناء أثري تقريباً لا يحتوي (أو لم يحتو) على كتابة منقوشة ينص فيها على اسم بانيه وتاريخ بنائه.
وبفضل هذه النصوص فقد أصبح لعلم الآثار وتاريخ في الشرق عدد كبير من المصادر الأساسية وهي من الدقة بمكان يمكن معه تحديد مراحل التطور في فن البناء بكل ثقة واطمئنان. هذا ولا ندري إن كان في هذه العجالة التي أوجزنا في سطورها فوائد الكتابات العربية المنقوشة ما يكفي لأن يسترعي اهتمام بعض طبقات الناس فيذكرهم بما في
стр. 117
الاحتفاظ بآثار الماضي العزيزة من منافع جلَّى.
دمشق في ٢٥ آذار سنة ١٩٣٣
جان سوفاجه
стр. 118
فلسفة التصوف وتأثيرها في الثقافة العربية
للأستاذ عز الدين التنوخي
للفكر في نهضة الأمم الخصيبة حركة فلسفية خاصة تنطبع بها ثقافتها بطوابع خاصة. وهذا الفكر القومي بمظهره لا يكون غذاؤه قومياً بحتاً، فهو يستمد عناصر أغذيته وهوام قوته من أية أمة توفرت في تربتها تلك المواد الغذائية النافعة، وذلك كالتصوف في الإسلام مثلا، فإنه حركة أو نزعة فلسفية عربية صرفة في أصله، أعجمية في فروعها، مختلفة بخصائصها عن سائر النزعات النسكية في الأديان الأخرى وبعبارة أوضح: نبتة نمت من بذرة نبوية ف تربة عربية، ولبثت تستمد غذاءها من تلك التربة السامية زهاء قرنين بما اقتبسته من حياة النبي العربي إلى الله عليه وسلم وهي حياة مترعة بالتحنث والرياضة والمجاهدة ومما استمدته من روحانية القرآن ومن سيرة الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، وفي أواخر القرن الثاني للهجرة أخذ يتسرب إلى غذاء هذه العشبة النسكية ما سنشير إليه من بعض العناصر الأعجمية شأن أغتذاء الأحياء الآخذة في النشوء والارتقاء.
قلنا أن هذا التصوف هو حركة فلسفية بل هو فلسفة أدبية موضوعها النفس البشرية وغايتها تهذيب هذه النفس بنهيها عن الهوى، وتقويم ما أعوج والتوى منها بصدق المراقبة والمحاسبة والمجاهدة، ولا يتم ذلك للمزيد النشيط إلا إذا عرف غرائزها وطبائعها الموهوبة والمكسوبة، وإدراك الصحيح من المريض منها ليحسن تمريضها بإحسان ترويضها، فالصوفي الحقيقي على ذلك هو العالم النفساني - البسيكولوجي - الذي يبحث أبداً عن نفسه ويراقبها مراقبة الطبيب الناصح لمريضه ليقصيه عن كل ما يؤذيه، وليدنيه من كل ما يشفيه، وبفضل هذه المراقبة الدقيقة والمحاسبة العسيرة وقف علماء التصوف وأطباء الأرواح على أحوال القلوب وأهواء النفوس وطرائق معالجة أمراضها، وسجلوا في كتبهم تلك الأحوال النفسانية والأعراض المرضية والأدوية الطبية، فدونوا بذلك علم طب القلوب، وعينوا بالأسماء المخصصة التي اصطلحوا عليها تلك الأحوال تعيينا أصابوا في كثير منه، فزادوا بذلك من ثروة اللغة العلمية، ولو تفرغ بعض علمائنا لدرس التصوف درساً علمياً - كما فعل مثلاً من علماء الغرب ماسينيون، ومن علماء الترك أحمد نعيم - لوجدوا الشيء الكثير من مصطلحات علم النفس الحديث، ولعدم العثور عليها أو إيجاد ما
стр. 119
ينوب عنها تبلبلت السنة المؤلفين والمعلمين، وكثرت المجادلات والردود في الجرائد والمجلات، وكل يدافع عن مصطلحاته العلمية وبذلك أصبح للمسمى الواحد عدة أسماء كما حدث مثلاً لكلمتي ووقد اقتبس لهما أحمد نعيم في كتابه علم النفس لجورج غريو الذي نقله إلى التركية كلمتي انفسي وأفاقي من اصطلاحات الصوفية وعثر على كثير من مصطلحات المنطق والكلام، ومجامع اللغة العربية في المستقبل زعيمة بإزالة هذه البلبلة اللغوية التي هي عقبة من عقبات الثقافة والتعليم.
أما كون التصوف فلسفة أدبية آلهية تمتاز على كتب الأخلاق النظرية عندنا بوصفها وتشخيصها لأمراض النفس وتخصيصها للأدوية الناجعة وطرائق معالجتها التجريبية، فمن الدلائل عليه ما بأيدينا من كتب التصوف والإسلام، عن طب القلوب فقال ما نصه: وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب، إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت، فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة عللها وأسبابها، ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها، فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها، وإهمالها هو المراد بقوله: وقد خاب من دساها، ونحن نشير في هذا الكتاب إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في معالجتها. اهـ وفي كلام هذا الإمام العارف ما يشير إلى أن علم طب القلوب يرجع بأصوله إلى الكتاب والسنة، ومن الدلائل أيضاً على فلسفة التصوف الخلقية تعاريف شيوخ الصوفية وأركان بنيانه كالجنيد البغدادي سيد هذه الطائفة وهو الذي أجاب من سأله عن التصوف بقوله: الخروج من كل خلق ردي، والدخول في كل خلق سني، وقال لأبي حفص:
لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين وقال عبد الله بن المبارك: نحن إلى قليل من الأب أحوج منا إلى كثير من العلم وقال ذو النون المصري: إذا خرج المريد عن طلب الأدب فأنه يرجع من حيث جاء وقال الكتاني: التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف وقال العارف الهوروي في منازل السائرين: واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم أن التصوف هو الخلق، وإذا كانت الغاية من البعثة المحمدية تتميم مكارم الأخلاق، وتتميمها هو غاية علم التصوف التي لا تتحقق إلا بالمراقبة والمحاسبة، فالتصوف على ذلك هو روح الإسلام، والرسول هو الصوفي الأعظم، وهذا هو الأستاذ
стр. 120
الحكيم الشيخ محمد عبده الصوفي النشأة يقول ما معناه: لقد ضاع الإسلام بضياع التصوف الصحيح وقال مرة في التربية الصوفية لصاحب المنار: إذا يئست من أصلاح الأزهر فإنني أنتقي عشرة من طلبته وأجعل لهم مكانا عندي في عين شمس أربيهم تربية صوفية مع إكمال تعليمهم وكان أقترح مثل هذا على أستاذه الأفغاني الحكيم.
هذا ومن النقص في ثقافتنا القومية أن لا ندرس تراث أسلافنا درساً علمياً فتؤلف كتب تاريخ الأدب في لغتنا مثلا وليس فيها بحث عن تأثير التصوف في آدابنا وعلمائنا وأدبائنا في العصور السالفة تأثيراً كبيراً، والصوفية شعراء مسمويون هاموا بالمثل الأعلى في قصائدهم، واهتم كثير منهم بالصناعة البديعية كما فعل ابن الفارض أما شعراء الصوفية، فالأدب الصوفي خليق بدرس أدبائنا والبحث عنه في كتب تاريخ الأدب العربي، أوليس عجيباً أن يهتم بأدبنا الصوفي مثل المستشرق الإنكليزي براون في كتابه الأدب العربي، ونيكلسون في تاريخ العب الأدبي وهوار الفرنسي في كتابه الأدب العبي وغيرهم، ونحن لا ننتبه إلى ما تركه التصوف في آدابنا العربية من ذلك الأثر العميق!
إن هؤلاء المستشرقين قد عنا بالتصوف كل العناية فنشطوا للتنقيب عن أمهاته المخطوطة في مكاتب المشرق والمغرب وبعد تصحيحها وتنقيحها أحيوها بالنشر ثم عكفوا على درسها التحليلي عكوف الصوفي على مراقبة نفسه، ومنهم من قضى أكثر مراحل حياته وهو يبحث عن التصوف وأصله، أو يرحل لأخذه من أفواه أهله مثل ماسينيون الفرنسي وفون كريمر الألماني ونيكلسون الانكليزي وأضرابهم ممن تراهم، ولا شغل لهم إلا البحث عن أصوله العربية السامية وفروعه وزياداته الآرية من الفلسفة الأفلاطونية الجديدة والعقائد الفارسية والهندية وغيرها ويتتبعون آثار النحل الباطنية والمذاهب الكلامية في التصوف الذي أخذ منذ القرن الثالث يختلف عن التصوف السلفي اختلافاً بيناً بتباعده عن عصر السلف، ثم كثرت فيه المصطلحات حتى أمست وليس لكثير من أسمائها مسميات.
اشتقاق التصوف. - التصوف مصدر تصوف أي لبس الصوف كما يقال تقمص لبس القميص وتدرع لبس الدرع مثلاً، والصوفي منسوب إلى الصوف للبسه إياه، ولعله أقوى الأقوال في نسبة الصوفي وإليه ذهب كثير من الصوفية وإن لم يختصوا بلبسه، وأخذ به ابن خلدون في مقدمته وعليه أعتمد معظم المستشرقين، وقد نسب إلى صوفة نسبة صرفية
стр. 121
صحيحة، وصوفة هذا لقب الغوث بن طانجة ولقب أولاده وقد كانت له ولهم من بعده الإجازة بالحج للناس من عرفة، وسبب تسميته بصوفة ما رواه الكلبي أنه ما كان يعيش لأمه ولد فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة، ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت فقيل له: صوفة ولولده من بعده، وتعليق الصوفة في الرأس عادة جاهلية باقية في البادية إلى أيامنا هذه، ولكن النسبة إلى صوفة مما تستبعد إذ لم ينتسب إليها أحد من قراء الصحابة ونساكهم، ولا عرفت لذريته في الإسلام بقية اشتهرت بالزهادة والعبادة، فالأنساب إلى أمر أسلامي مشهور أقرب إلى الصحة منه إلى أمر جاهلي مغمور، وإما النسبة إلى صفة المسجد النبوي في المدينة فقياسها الصرفي صفي لا صوفي وكذلك النسبة إلى الصف الأول في الصلاة أو إلى الصوفانة وهي بقلة قصيرة صحراوية، قيل أنهم نسبوا إليها لاجتزائهم بنباتها طعاماً، ولو صحت لقيل صفى أو صوفاني، وأعب منها النسبة إلى صوفي الفعل المجهول من صافي، والظاهر أنه لقب شرف منحه الشاعر للصوفية بقوله:
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى صافى فصوفي لهذا سمي الصوفي
وعلى ذلك تكون هذه النسبة الشعرية خيالية لا حقيقية، وأما النسبة (١) إلى صوفيا بمعنى الحكمة أو ثيو صوفيا الإغريقية فغير صحيحة، قال نولدكه لأن العرب كانوا يعربون حرف سيغما من الأبجدية الإغريقية بحرف سين لا صاد فقالوا فيلسوف وسفاسطائي، فلو كانت النسبة إليها لقالوا تسوف لا تصوف بالسين لا بالصاد ولأنه ليس ثمة صلة أرامية بين صوفيا وصوفي تسهل النسبة إليها ومما يقوي النسبة إلى الصوف أن الزهاد لبسوه في صدر الإسلام، وانتشر لبوسه بين التابعين من القراء والقصاص والمتعبدين حتى غلب لبسه على المتصوفة في أواخر القرن الثاني وإن لم يختصوا به، وكاد يعمهم في القرن الثالث حتى صار الصوف لهم علماً به يعرفون وإليه ينتمون.
أما ما ورد في فضل لبسه من الأحاديث فمن الموضوعات (٢) التي لا يثبت منها شيء وإنما كان الرسول يلبسه في بعض الأوقات، ويتفقد من يلبسونه رياءً وسمعة، فقد روي عنه إنه قال: (إن الأرض لتعج إلى ربها ن الذين يلبسون الصوف رياء).
وكان يتعوذ من لبس المنافقين، وقد سئل الحسن عن لبسهم فقال: خشوع اللباس بغير خشوع القلب، وهو الذي أنكر على فرقد لبسه الصوف للشهرة بقوله: يا فرقد يا ابن أم
стр. 122
فريقد إن البرليس في هذا الكساء (من الصوف) وإنما البر ما وقر
في الصدر وصدقه العمل ثم أنكر أبو العالية على عبد الكريم أبي أمية ما عليه من ثياب الصوف قائلاً إنها ثياب الرهبان، كما أنكر على فرقد السيجي حماد بن أبي سليمان في البصرة قائلا: ضع عنك نصرانيتك هذه فالظاهر أن الاستمرار على لبوس الصوف وعدم تبديله مقتبس من الرهبانية النصرانية وقد حارب الإسلام في الكتاب والسنة هذه الرهبانية، مما حدا بنيكاسون وغيره إلى الاعتقاد أن النصرانية أثرت في التصوف تأثير الأفلاطونية الجديدة والزردشتية والبوذية وغيرها، فضلاً عن تأثيرات المتكلمين والباطنية، ولعلنا في الخلاصات التالية التي سننشرها في مجلة الثقافة الممتعة سنتحدث لقرائها الكرام عن بعض تلك الحقائق أو النظريات الصوفية وعن تلك العناصر الأجنبية التي استمدت منها غذائها واكتسبت نمائها.
دمشق
عز الدين التنوخي
стр. 123
الجناح المكسور
أرأيتها وقد طارت بجناحيها، آمنة عوادي الزمن
لقد شدت بين الرياض، وحامت حول الأزاهر، وتنقلت من غصن إلى فنن
لقد مضت والربيع، إلى ضفاف الغدير، تشرب في كؤوسالزهور، رحيق الشباب والهوى
ومشت يحدوها الهيام، على رمال البحار، وفي سفوح الجبال، ترتل أناشيد الصبي
وغرتها أماني الحياة، فظنت وعود الزمان حقيقة لا تُفترى
وهبت العاصفة. . . . فإذا الجناح ينكسر، إذا الآمال تنقضي، وإذا الهوة سحيقة المدى
لقد أضناها المسير، وأجهدها النحيب، فارتمت وقدفت في عضدها الأسى
يا للرجال الراحمين!!!!!
لقد رددت صخور الوادي صوت الأنين، فلا من مجيب سوى رجع الصدى.
كاظم الداغستاني
стр. 124
علم الاجتماع وعلم وصف الجماعات
من جان غولميه إلى كاظم الداغستاني
عن الفرنسية
قال دور كليم في نتيجة ما استخلصه من قواعده الشهيرة التي وضعها لعلم الاجتماع، وفي قوله شيء من السيطرة ما يأتي: نعتقد أنه قد آن لعلم الاجتماع أن يتصف بصفات العلم الحقيقية لا أن يقتصر على مالقيه من النجاح الذي يلقاه كل شيء جديد في هذا العصر وعلى أثر دور كليم سار رجال المذهب الاجتماعي الفرنسي فأرادوا أن يلبسوا أبحاثهم هذه الصبغة العلمية التي تمناها شيخهم وأضع هذا العلم. فهل وفقوا؟.
هذا ما يجب البحث فيه منذ الآن بع أن أصبح مذهب دور كليم في علم الاجتماع نوعاً من الفلسفة (الرسمية)
في فرنسا وأصبح تلمذة دور كليم وأشياعه ك (ليفي برول) و (بوكله) و (موص) و (دافي) و (وفو كونه) من أعاظم الأساتذة في الجامعات الكبرى.
لقد أيدت التجارب أن كل مذهب علمي يدرس في جامعة من الجامعات يصبح وقد أصابه من الجمود ما يفقده صفات الكائن الحي. نزيد على ذلك أن هذه القضية هي ذات بال في هذه البلاد حيث علم الاجتماع يستهوي عدداً كبيراً من الشبان فيعتبرونه وكأنه أحدث ما ظهر مما أنتجته القرائح العلمية في الغرب ويضعون في قواعده وأصوله، كما أتضح لنا، من الثقة ما تدعو الحيطة لأن نحذرهم منه وننبههم إليه.
يرى دور كليم أن علم الاجتماع هو علم الحاثات الاجتماعية ولذلك فهو يعتقد أن كيان هذا العلم يقوم على تعريف الحادث الاجتماعي ومراقبته ودرسه وتفسيره ثم إثباته ولهذا الأسلوب العلمي من القواعد والتعابير ما يجعل لعلم الاجتماع (سوسيوغرافيا) صورة عليمة ويخيل إلينا أنه ليس هنالك من العلم إلا صورته الظاهرية. ونستطيع القول أن دور كليم أسس مذهبه على معنى واحد لكلمة لها معان مختلفة فاتخذ العلم بمعنى المعرفة فقال علم الاجتماع هو علم الحادث الاجتماعي وذلك على مثال قولهم: علم ما وراء الطبيعة هو العلم الإلهي أي معرفة الله، ولقد عدا بعد ذلك هذا التعريف الذي وضعوه لعلم الاجتماع لاستنباط الفكرة العلمية من معرفة الحادث الاجتماعي وهذا أدى أيضاً إلى وضع أصول وقاعد
стр. 125
اجتماعية وتأسيس مذهب خاص في علم الاجتماع. ولكن أين العلم الصحيح من ذلك؟
إن مذهب دور كليم الاجتماعي يقوم على أسس مجردة من التصور والتصديق وأهمها العامل الاجتماعي الذي لا مندوحة عن الخضوع لمشيئته وغير ذلك من الأصول ذات النتائج الخطرة كالتدرج في الحياة من المتجانس إلى المتباين وقاعدة التحريم (تابو) ونظرية العقلية الولية لواضعها ليفي برول وغيرها من الأصول والنظريات التي لا نرى محلاً هنا لذكرها وتعداها. وقليل من التفكير العلمي يكفي لكي يتأكد الباحث أن ليس في ذلك كله إلا فرضيات، على أن للفرضيات العلمية أصولاً لا تجعلها أبداً في قواعد المذهب الاجتماعي الفرنسي (ولعل القارئ يستغرب الأمر إذ نبهناه إل الأصل اليهودي الذي يمت إليه دور كليم وليي بورل وموص فيجد معنا في هذا المذهب أثراً ظاهراً لفكرة قضاء ما وراء الطبيعة المحتم التي جرى عليها مفكرو بني إسرائيل فكانوا في تفكيرهم كهنة وأنبياء أكثر منهم فلاسفة) وكيفما كان المر فإن علم الاجتماع (سوسيولوجيا) جدير بأن يسمى: العلم الوليد الذي ليس فيه فرضيات علمية. وبعبارة أخرى قد تكن شديدة اللهجة: هو علم أسس على التصديق لا على الواقع وجريا على هذا الأسلوب في تصديق الأشياء دون البحث عن حقيقتها فق ألفت مؤلفات ضخمة لعلم الاجتماع ككتاب فوكونه عن التبعة وتاب دافي عن الحلف وكتب دور كليم في الانتحار وفي زواج المحارم ومع ذلك فإننا لا نريد أن نشك بأن النظريات قد سبقت هذه المؤلفات بل نميل إلى الظن بأن المؤلفين قد استنبطوا آراءهم مما وضعوه ودرسوه ولولا ذلك لما كان لهذه الكتب من الصفات ما يدعو الباحث المتتبع إلى الحذر منها والاشتباه بصحتها. . والخلاصة أنه ليس من الظلم في شيء إذا قلنا بأن دور كليم يمثل لنا في علمه إذا استعنا بتعبير أوغوست كونت - مرحلة ماوراء الطبيعة وقد مثل روسو من قبل المرحلة الدينية لا العلم وها نحن أولاً نصل اليوم إلى المرحلة الثالثة من تطور علم الاجتماع التي هي مرحلة العلم الصحيح.
إننا نفضل على تعبير علم الاجتماع الذي لا يخلو من إدعاء تعبير (سوسيو غرافيا) أي علم وصف الجماعات وهو علم له محسنات كثيرة من أهمها أنه واضح وذو أصول مستقلة في حدود معينة وهو لا يطمح إلى تعميم شامل يتطلب مواد كثيرة من الحادثات الاجتماعية تلك الحادثات التي لم يعرف حقيقة أكثرها بع ونقول ذلك إننا نعتقد أن أمثال هذه المؤلفات التي
стр. 126
ذكرناها لا تصح مستنداً لما يطمح إله علم الاجتماع من بسط الأحكام وتعميمها ونضرب على ذلك بعض الأمثلة: لقد نشر الأستاذ بوكله منذ عهد قريب كتاباً عن نظام الطبقات الاجتماعية في الهند ولقد يظن القارئ أن المؤلف قضى قبل أن يتعرض لها البحث بضع سنوات في بلاد الهند باحثاً متتبعاً فدرس اللغات الهندية واختلط بأبناء الهند فعرف عاداتهم وأخلاقهم وأختبر أفكارهم وآراءهم في الحياة. ولكن ليس هنالك شيء من هذا. وكذلك دور كليم فقد وضع مؤلفه الشهير عن أصول الطوطمية في أستراليا فأستمد جميع مواد بحثه من أشخاص آخرين شاهدوها بأنفسهم أو نقلوها هم أيضاً عن غيرهم وقد أعتمد في أكثر ما وصفه من الحادثات الاجتماعية على تقارير من جهلوا لغة وعادات البلاد التي مروا بها في طريقهم وعاداتهم أ، على ما كتبه المبشرون الذين يشوهون بقصد أو بدون قصد ما يلحظونه من ظاهر الفكر دون أن يتعمقوا في درسه وتفهمه. وهكذا أيضاً فإن ليفي برول ألف كتابه عن العقلية الأولية في القبائل الهمجية دون أن يرى هو نفسه في كل حياته واحداً من أفراد تلك القبائل يعيش في البيئة التي وصفها وتكلم عنها.
إن ذلك أشبه شيء بحكم يصدره أحد نقدة الفنون في تقدير صورة من عمل الرسام رفائيل مكتفياً بالنظر لرسم فوتوغرافي بسيط نقل عن الصورة الأصلية أو بحكم طبيب أستن ف تشخيص المرض على ما وصفه له أحد الجهلاء من حالة المريض الذي لم يعده قط. فإذا لم يقم عدد وافر من العلماء والباحثين ينصرفون لوصف دقائق الحادثات الاجتماعية في الجماعات ويدرسونها بأنفسهم فيصفونها كماهي لا كما يجب أن تكون فإن كل تعميم بهذا الشأن يكون عبثاً لا ترجى من ورائه فائدة علمية. وعلى وصف هذه النواحي المختلفة في الأوضاع الاجتماعية يجب أن تقوم دعائم (السوسيوغرافيا) علم وصف الجماعات على أن يترك التعميم بسط الأحكام لمن يجيء في الآتي من العلماء الذين يستفيدون مما تقدم بإضافته إلى ما وصفه الآخرون في الجماعات الأخرى التي درسوا وعرفوها بأنفسهم. فعلم الكيمياء لم يكن ليستحق لقب العلم قبل أن ينبذ نظرية الإحراق الموهومة التي كانت إحدى مراحل تطوره قبل ظهور العالم لافوازيه ولعل هذه المرحلة هي نفسها التي يجتازها اليوم علم الاجتماع بانتظار من يؤدي له الخدمات التي أداها لافوازيه إلى علم الكيمياء.
ومن الغرائب المدهشة أن أصحاب المذهب الاجتماعي الفرنسي استطاعوا أن يتركوا مجالاً
стр. 127
للبحث في الصلات القائمة بين علم الاجتماع والأخلاق بداعي أنه يمكن الاستعاضة عن الأخلاق بعلم الاجتماع وقد أرادوا بذلك أن يؤسسوا أخلاقا مستنبطة من العلم ولكن أليس في ذلك ما يؤيد أن علم الاجتماع في وضعه هو كالأخلاق على أن الأخلاق لا يمكن أن تتصف بصفة العلم بمعناها الوضعي المعروف يزاد على ذلك ما ينشأ من الخطر من جراء وصفها بهذه الصفة وسترها بها الستار العلمي الموهوم.
أما في علم وصف الجماعات فليس هنالك ما يدعو لهذا المحاذير ولهذا الخلط بين شيئين مختلفين فالباحثون يكتفون بوصف الأوضاع الاجتماعية من الوجهة الفكرية والمادية دون أن يحتاجوا للاستعانة بما يسميه دور كليم في قواعده الاجتماعية (التصرف تقديم الأدلة) وبذلك يصفون الحادثات الاجتماعية كما هي دون أن يجعلوا منها أدلة وحججاً ليسخروها في تأييد نظرية من النظريات الموضوعة. فعلى هذا الأساس الذي يأبى أن يستعجل الشيء قبل أوانه يجب أن يبنى العلم الاجتماعي وبهذه الشروط وحدها يمكنه أن يكون علماً خصباً يبحث في أوضاع الإنسان بحثاً دقيقاً تستطيع الإنسانية أن تستفيد منه في الآتي فوائد كبرى.
دمشق في ٢٨ آذار سنة ٩٣٣
جان غولميه
стр. 128
آراء في النقد واللغة
معنى النقد
بقلم الأستاذ محمد البزم
حاول كثير ممن تكلف الكتابة في النقد أن يثبت أن هناك فناً يجب أن يدعى فن النقد، فبذلوا ف ذلك كثيراً من الوقت في البحث والتنقيب عما يظفرهم بضالتهم وينتهي بهم إلى طلبتهم فعادوا وملء أيديهم الإخفاق واردانهم الخيبة: غير أنهم أبو إلا أن يضعوا في ذلك تآليف أرادوا بها حمل الناس على الاعتقاد بأنها كتب في النقد وليست هي في الواقع إلا أبحاثاً في شؤون مختلفة شاؤا أن يطلقوا عليها فن النقد. على أن من تتبع ما قاله العرب - ونحن إنما نتكلم عن النقد في لغة العرب - في لفظة النقد والانتقاد يعلم أن ليس من ضرورة لأن يكون بين العلوم ومستحدث الفنون علم أو فن يسمى فن النقد أو علمه إذ أ، هذه اللفظة قلما تستعمل غير مضافة إلى لفظة أخرى كقولك: نقد الشعر ونق الأدب ونقد اللغة وغير ذلك ما ق يعرض لمعانيه الخطأ فيه والنقص ببعض شؤونه والتقصير في جهة من جهاته فيبدو لبعض الناس خلله دون بعض ويتجلى مكان الضعف فيه لنفر دون آخرين، فليس يستطيع أن يتعرض لنقد شيء أياً كان إلا ما هو فيه حاذق بتفاصيله وجمله
وقد كان للأمة العربةي في النقد عناية كبيرة وحفاوة واهتمام لا تزيد عليها فيه أمة من الأمم. يدلنا على ذلك كثرة ما اسحدثته لها المعنى من الألفاظ المرادفة لكمة النقد. وإن كان لقائل أن يقول أن كثرة الكلمات الدالة على النقد في العربية ليست حتما أن تكون دليلاً على هذه العناية وتلك الحفاوة لأن العرب من خصائص لغتهم كثرة الترادف فقد وقفوا للمعنى الواحد من الأفعال والأسماء والحروف ما تضيق عن بعضه أد اللغات سعة وأكثرها عدد كلم، غير أن كثرة المترادف لمعنى النقد ليست مستندنا وحده بل هناك أدلة جمة تدل دلالة نيرة على أن النقد كان فطريا في العرب لما جبلوا عليه من قوة الطباع وسلامة الفطر وتوقد الخواطر وشدة الإلهام يعلم هذا ويروح منه على أشد من اليقين من كثر اختلافه إلى كتب أدب العرب وطال عهده بممارستها مع نفوذ بصر وصفاء بصيرة فأصبح وليس بالمتعذر عليه أن يجيء من الأدلة والبراهين بما لا يسع مكابراً أو منكراً ن يقوم له أو يثبت أمامه خلافاً لما اعتمده وقلد به بعض المتكلين في الأدب ول رو بذلك لأن السبب فيه
стр. 129
أنهم حديثو عهد بالأدب وأن للأدب العربي آفاقا لم يتح لهم الجولان في عامتها أو الانتهاء إلى غايتها والإشراف عليها جملة، وليس من شك بأن النقد في أي فن أو علم إنما هو نتيجة الثقافة فيه وإن من ينصب نفسه لانتقاد شيء تحتم عليه أن يكون ملماً به إلمام الإحاطة بكل منحى من مناحيه متغلغلاً كل التغلغل في مدابه وخوافيه فلا ينتقد في اللغة مثلاً إلا من قتلها خبرة وعلماً وقتلته ممارسة وعمراً ولا يأخذ على الشعراء شيئاً في شعرهم إلا من جرى الشعر في نفوسهم مجرى الدم في سمام أعراقهم فحذقوا من خفاياه ومداق شؤونه ما يحول بينهم وبين العسف فيه والجور والسفه على ذويه لما توفر عنده من عزة العلم وشمم المعرفة فيترفعون عن منح الألقاب هبات والنعوت فارغة أو ملأى على من لا يستحق إلا أن يسل لسان شيطانه من قفاه كيلا يجود عليه بما يبدو قرحة في وجه الشعر وخراجة في جسم الأدب.
قال ابن سلام الجمحي في مقدمة كتابهطبقات الشعراء:
وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهله كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه العين ومنها ما تثقفه الأذن ومنها ما تثقفه اليد ومن ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس ولا طراز ولا حس ولا صفة ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف بهرجها (١) وزائفها (٢) وستوقها (٣) ومفرغها (٤) ومنه البصر بغريب النخل والبصر بأنواع المتاع وضروبه واختلاف بلاده وتشابه لونه ومسه وذرعه حتى يضاف كل صنف منها إلى بلده الذي خرج منه وكذلك البصر بالرقيق فتوصف الجارية فيقال، ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهود، ظريفة اللسان، واردة الشعر، فتكون بهذه الصفة بمائة دينار وبمئتي دينار وتكون بأخرى بألف دينار وأكثر لا يجد واصفها مزيداً على هذه الصفة
وقد أبى الله لهذه العامة إلا أن يكون لها سبق إلى كثير من استعمال ألفاظ لا تتعدى فيها ما أرادته العرب من معان كثيراً ما تنحرف عنها الخاصة جهلاً أو ذهولاً فلا تأبه - أي الخاصة - ولا تفطن لجهلها أو ذهولها حتى يصدع بخطاها صادع أو بشهر أمرها مشهر وذلك كثير بحيث يتعذر علينا الإتيان عليه إلا في كلمة ضخمة عسانا نرسلها متسلسلة في
стр. 130
هذه المجلة حتى إذا تمت أخرجت للناس كتاباً قد يكون عوناً كبيراً لكل كاتب أو شاعر من أبناء الضاد. فمن هذه الألفاظ التي يستعملها العامة بالمعنى المقصود عند العرب ويجاريهم بذلك بعض الخاصة ممن أشتد بصره في اللغة كلمة النقد فهم لا يقولون نقد فلان فلاناً إلا إذا أخذ عليه أو عاب خلة أو اهتدى إلى موطن سبة.
وهاك ما دونه أرباب المعاجم عن أفواه العرب في كلمة النقد قالوا: النقد والتنقاد تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها. روى سيبويه لأحدهم يصف ناقة:
البهرج: الدرهم المضروب في غير دار الأمير
الزائف: الدرهم الرديء المردود لغش فيه. جمعه: (زيف) و (زيوف)
الستوق: على وزن تنور وقدوس: درهم زيف بهرج ملبس بالفضة وقيل هو أردأ من البهرج
المفرغ: المصبوب في قالب ليس بمضروب ضرباً.
تنفي يداها الحصي في كل هاجرة نفي الدراهم تنقاد الصياريف
وقالوا: ناقدت الرجل مناقدة إذا ناقشته في الأمر، ونقد الصبي الحوزة إن يضربها بإصبعه ونقد الرجل أرنبة انفه ضربها وفي حديث أبي الدر داء انه قال إن نقدت الناس نقدوك وان تركتهم تركوك. ويقال نقد بصره إلى الشيء ونقد بعينه الشيء ونقد بعينه الشيء إذا خالسه والنقد مخالسة النظر بحيث لايفطن له وما زال بصره ينقد إلى ذالك نقودا شبه بنظر الناقد إلى ما ينقده ومن ذالك النقد بفتحتين لنوع من الغنم قصير الأرجل ولسفلة الناس، إلى غير ذالك مما يجيء بمزيد هذه المادة
فأنت ترى في كل متقدم إن كلمة النقد أم تخرج عن العيب والإنكار إلا إلى ما يشبهه ويقاربه من إرادة الشر يبدو ذالك بينا ظاهرة لكل من رزق نصيبا من حسن النظر في هذه اللغة
هذا وان أمهرة ممن ألفوا في خصائص اللغة أدركوا هذا الذي ندعيه بلفظة النقد فلم يخلطوا المترادف منها بغيره من الألفاظ الاختبار والبحث كما فعل إبراهيم اليازجي في كتابه (نجعة الرائد) فانه فظلا عن مزجه باب النقد بالاختبار فقد أذبت كثيرا مما أورده في باب النقد في الذم، وعذره في هذا شدة التقارب بين البابين حتى انه لو جمع بينهما لكان أدنى
стр. 131
إلى الصواب من عمله الأول. وهذا عبد الرحمن الهمذاني يقول في كتابه (الألفاظ الكتابية) في باب المناقد:
تقصيت على الرجل وحاصصته على الأمر محاصة وناقشته وصارفته وناقدته وحاسبته. قال بعض الأدباء: محاسبة الصديق على الأمور دفاءة وترك الحقوق للضنين غباوة إلى أخر ما يرى أكثره في كتب الخصائص وجملته في كتابنا ((الجحيم) لاحتفالنا بالنقد هناك توسعا وإشباعا وسدا لنهم محبي الاطلاع على مال لعرب في النقد
وجري بنا وقد نقلنا شيئاً من مادة النقد وما يريد منها العرب في كلامهم إن الثقافة ج١ - م ١١
الثقافة
نورد ما يرادفه على تقارب في المعنى واختلاف قليل في مواطن الاستعمال وفرق لا يأبه إليه إلا الكيس اللبق من أهل اللغة والكتاب والشعراء، غير ما ذكر عن عبد الرحمن الهمذاني: قال الزمخشري في أساس البلاغة: ومن المجاز نقرته وناقرته، عبته وغبته ورميته بناقرة ونواقر وبينها مناقرة أي مراجعة كلام ونقرت عن الخبر ونقرة عن الخبر ونقرت عنه بحثت وعبت وسهم ناقر أي صائب قال الشاعر:
رميت بلانواقر الصياب ... أعداءكم فنالهم ذنابي
ومثل هذه رذل الشيء جعله رذيلا ضد انتقاه وارذله مثله. تقول: ارذل فلان من غنمي وأصحابي كذا عددا عابه ورده ونقاه ولم يرضه وعلى هذا فلا بد لنا من القول بأن اللغات والألفاظ كالأمم والفراد تعلو في زمن وتنحط في غيره وترتقي في إقليم وتهبط في آخر وتحالفها السعوج في قطر وتناكرها في سواه ولم يكن عصر من إعصار اللغة يخلو من أن تكون السيادة فيه لكوكبة من الألفاظ تلح على استعمالها الخاصة ويتهافت عليها السواد مجاراة وتقليداً. ومن هذه الألفاظ التي كان لها سيادة وذيوع، وترادف كلمة النقد على فرق قليل ولم تصل إليه أيدي أصحاب كتب الخصائص: التتبع.
قال في اللسان: التتبع أن تتبع في مهلة شيئاً بعد شيء وفلان يتتبع مساوئ فلان وأثره ويتتبع مداق أموره. وفي كتاب (البخلاء) للجاحظ في حديث سهل بن هارون رداً على أناس عابوا عليه قولاً لهوقد تتبعتموني في قولي كذا أي أخذتم وعبتم ولست أشك في أن
стр. 132
لفظة التتبع هذه كان لها من الحول والسلطان والذيوع على الألسنة، صدر الدولة العباسية حتى عجزها، ما لا يقل عن نفوذ كلمة النقد اليوم. وإن في لفظة التتبع مع جدتها وحداثة عهدنا بها من الجمال ما تطيق معها مزاحمة كلمة النقد بعد أن ألحفنا عليها ذلك الإلحاف الذي أغرى العالمة فلهجوا بها حتى أذهبوا من جدتها وأنضبوا من ماء بهائها، على أن من أعين بالصبر وأمد بسعة الجلد على طول التنقيب يجد في ثنايا اللغة مما يجري مجرى كلمة النقد والتتبع الشيء الكثير مما لم يعثر عليه مؤلفو الخصائص في اللغة.
محمد البزم
стр. 133
الأزمات وتعليلها في التاريخ
لماذا تحدث الحروب والفتن والمجاعات من وقت لآخر؟ ومن أين تنزل على البشرية تلك المصائب؟ وما هي الأسباب في توالي الأزمات التاريخية حيناً بعد حين؟
إننا إذا سألنا مؤرخا صادقاً، صريحاً - وما أقل أمثاله بين المؤرخين ويا للأسف! - إذا سألنا مؤرخا عن الأزمات في التاريخ فلا بد أن يجيبنا بأن جميع العصور والأمصار كانت دائماً مسرحاً لويلات الحروب وفظائع الفتن وفواجع المجاعات وإن أوقات السلم والهناء والاطمئنان لم تكن سوى فترات قصيرة جداً أو بالأحرى مراحل تستريح فيها البشرية قليلاً قبل أن تعود إلى عهدها السابق، عهد الملاحم والآلام والتزاحم. ويمكن القول أن عصور الفوضى والاضطراب هي الحال الطبيعية للبشر وأن سنوات الراحة والازدهار ليست إلا أدوار انتقال مؤقتة.
على أن الناس، حسب فطرهم، لا يستغربون سعادتهم ولا يتعجبون إذا وجدوا من الخبز ما يكفيهم فلا ينقص بدرجة تقضي على الكثيرين باحتمال الجوع ولا يزيد عن اللازم حتى يستطيع المزارعون بيع محصولهم مقابل حاجاتهم الأخرى. وهم كذلك لا يستغربون إذا رأوا أحياناً الأمم تعيش في وئام فلا تشن إحداها الغارة على الأخرى أو تسعى للقضاء عليها واستثمارها تدريجياً بعهود ثقيلة ترغمها عليها.
بل الناس يأخذهم العجب إذا صادف واختل نظام هذه العلاقات وانتهت بذلك فترة الهدوء واشتعلت نار الحروب والفتن من جديد وتعاقبت المجاعات والأوبئة فإنهم حينئذٍ يتساءلون عن هذه الأزمات ويريدون أن يعرفوا: من أين أتت؟
لأن رجال الدين لم يقدموا إلى الآلهة الظلام ما يكفي من ضحايا لإرضائهم بالرشوة.
هكذا تعلل الأقوام الابتدائية في الماضي والحاضر الأزمات التاريخية. وكانت الكتب المقدسة عند بني إسرائيل تدعي بأن الشعب قد استحق في كل مرة نقمة الإله لأعراضه عن سماع مواعظ أنبيائه وانغماسه في المنكرات. ذلك هو التعليل الدين للأزمات ومنه نرى أن الناس كانوا يرجعون السبب فيما يحيق بهم من مصائب إلى خبث آلهتهم أو نقمة الرب وعقابه أي إلى قوى فوق الطبيعة.
ثم لما فقد الناس العقيدة الدينية فإنهم كانوا، إذا رأوا الأعداء إنما تغزوا بلادهم عندما ينقصهم السلاح اللازم للدفاع أو أن أسعار البضائع إنما تهبط بصورة لا مثيل له بينما هم
стр. 134
لا يملكون شيئاً من النقود - كان الناس الملحدون يعزون مثل هذه الأمور إلى الصدف والظروف السيئة ومعاكسة الحظوظ.
وكثيرون من العلماء وكبار المفكرين كانوا لا ينظرون إلى الأزمات التاريخية إلا كعوارض استثنائية من كوارث الطبيعة نشأت عن نقص أو اختلال في نظام الكون.
ولم يحاول الناس إلا في العصور المتأخرة تعليل الأزمات تعليلً علمياً علا يعتبرونها من مجرد الصدفة السيئة بل يحاولون كشف أسرارها وإظهار أسبابها الطبيعية وتصويرها كنتيجة محتمة لا سبقها من الحوادث. ولعل أول من فكر في تعليل الأزمات التاريخية بصورة علمية هو ابن خلدون الذي نعده بحق مؤسس فلسفة التاريخ والاجتماع بالمعنى الحديث.
فإن المؤرخين قبله سواء اليونانيين أو الرومانيين أو العرب كانوا يقتصرون في مؤلفاتهم على مجرد سرد الحوادث التاريخية دون أن يتعرضوا للبحث في مجرى التاريخ العام وكشف العوامل المؤثرة فيه.
تقوم فلسفة ابن خلدون التاريخية على نظرية طبيعية لا تفرق بين حوادث الطبيعة الخارجية وبين وقائع التاريخ. فإن البشر في جميع أحوالهم لا يخرجون، على رأيه عن نظام الكون العام وهم خاضعون في تطورهم التاريخي أيضاً لنواميس الطبيعة الأبدية.
ويقول ابن خلون أن الهرم في الدولة مثلاً من الأمور الطبيعية وهو يحدث كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني ولا يمكن ارتفاعهلأن الأمور الطبيعية لا تتبدل.
(أنظر مقدمة ابن خلدون - فصل في أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع.)
ومما يدل على أن ابن خلدون لم يكن يتقيد بالنظرية الدينية في التاريخ سعيه لإخضاع الأنبياء أيضاً لقوانينه التاريخية فقال:
وهكذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء. لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة (راجع: فصل في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم)
ومعنى هذا أن التطور التاريخي يجري على وتيرة واحدة وحسب نظام ثابت لا يتغير أبداً.
أما العوامل الحقيقية المؤثرة في هذا التطور فإنما هي على رأي ابن خلدون، في الدرجة
стр. 135
الأولى شروط الحياة الاقتصادية. ولا شك في أن ابن خلدون من الذين سبقوا (كارك ماركس) إلى الفكرة الأساسية في نظرية (المادية التاريخية) التي تجعل للاقتصاد، أي للمادة المقام الأول في تكييف حياة البشر. وقد قال ابن خلون: أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش.
أي أن نطور الأوضاع الاجتماعية والتاريخية تابع لتبدل الشروط في الحياة الاقتصادية وهذه النظرية التاريخية تقصر كل همها على الأزمات الاقتصادية ولا ترى في الأزمات السياسة والاجتماعية والفكرية بل والدينية أيضاً سوى نتائج طبيعية للأزمة الاقتصادية.
فالأزمات التاريخية في نظر ابن خلدون ليست من آثار المصادفات أو من دلائل النقمة السماوية بل أنها خاضعة لقوانين طبيعية عامة ويمكن تعليلها كنتيجة محتمة وظاهرة لا مناص منها في مجرى التطور التاريخي.
يرى ابن خلدون أن أمم إذا دخلت في طور الحضارة الذي يعتبره آخر مراحل سيرها، فلا بد أن تجتاحها الأزمات المتعاقبة إلى أن تضمحل قواها الحيوية وتتدهور ف هاوية الهلاك.
وهو يعلل ذلك تعليلاً اقتصادياً بحتاً فيقول أن تفنن الأمصار في الحضارة يزيد في نفقات أهلها وارتفاع الأسعار في أسواقها ثم يزداد الغلاء بكثرة المكوس التي تضعها الحكومات في عهد استفحال الحضارة وهكذا تعظم نفقات أهل العمران وتخرج عن القصد إلى الإسراف ونتيجة ذلك، بطبيعة الحال، كساد الأسواق وفساد المدنية. (أنظر: فصل في أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره).
وفي فصل آخر من المقدمة يبين ابن خلدون بأن المجاعات والموتان تكثر في أواخر الدول وذلك لقبض الناس أيديهم عن الفلح بسبب ما يقع في آخر الدولة من العدوان في الأموال والجبايات أو الفتن الواقعة في انتقاص الرعايا وكثرة الخوارج لهرم الدولة (فصل في وفور العمران آخر الدولة وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات)
ولما كان العالم اليوم في أزمة اقتصادية عامة ظهر تأثيرها في جميع آثار الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية نرى من المفيد استعراض النظريات المختلفة التي حاول أصحابها، مثل ابن خلدون، تعليل الأزمات التاريخية تعليلاً اقتصادياً.
إن أول من بحث في الأزمات الاقتصادية بين علماء الاقتصاد والاجتماع الأوروبيين هم
стр. 136
أصحاب (المذهب الفيزيوقراطي) الذين ظهروا بفرنسا في عهد الثورة الكبرى. وكان هؤلاء يعتبرون الأرض كمنبع الثروة الوحيد ويعتقدون لذلك أن زيادة الإنتاج الزراعي تسبب الغلاء في نفقات الإنتاج الاقتصادي العام وإلى مدرسة (الفيزيوقراطيين) ترجع جميع النظريات المتأخرة التي تعلل الأزمات الاقتصادية بكثرة الإنتاج وزيادته عن الحد الطبيعي. وتقول هذه النظريات أن الأزمات الاقتصادية تتكرر بانتظام كل عشر سنوات وتتجلى فيها العوارض نفسها. فإنه في أول هذه المدة تزداد وسائل الإنتاج من آلات وأدوات ومواد ابتدائية ولا يمكن أن يباشر في استثمار هذه الوسائل الجديدة إلا بعد عشر سنوات. وحينئذٍ يغمر السوق بسيل دافق من المصنوعات والمنتوجات الجديدة التي تسبب سقوط الأسعار وحصول الأزمة.
وعلى نقيض هذه النظريات كان (كارل ماركس) وأشياعه من الاشتراكيين يريدون تعليل الأزمات الاقتصادية لا بكثرة الإنتاج بل بقلة الاستهلاك. فهو يقول أن الأرباح الناتجة عن الآلات والأدوات والمخترعات الحديثة لا يستفيد منها العمال بل تتسرب إلى خزائن الرأسماليين الذين يستخدمونها لإنشاء معامل جديدة وزيادة منتوجاتهم وتحسينها. هذا ف حين أن العمال الذين صنعت هذه المنتوجات لهم لم تزدد أجورهم فلا يستطيعون لذلك اشتراءها فتتكدس البضائع في الأسواق وتهبط الأسعار وتحدث الأزمة التي تتوقف فيها الأعمال وتكسد المتاجر ويدوم ذلك مدة يعقبها نشاط جديدة بسبب تراكم رؤوس الأموال في أيدٍ قليلة قوية تنظم الحياة الاقتصادية من جديد. وهكذا على التوالي إلى أن ينهار النظام الرأسمالي السائد وتستولي الحكومة، ممثلة الجمهور، على وسائل الإنتاج جميعها.
والمباحثات الجديدة في الأزمة الاقتصادية الحاضرة بصورة خاصة، مثل كتاب نهاية الرأسمالية الذي انتشر مؤخراً بالألمانية تحت الاسم المستعار (فرديناند فريد) ونقل إلى كثير من اللغات الأخرى، توجه كل اهتمامها إلى هذه الظاهرة الأساسية وهي: تمركز رؤوس الأموال وتأسيس نقابات وشركات كبيرة موحدة من طبيعتها أن تقضي على التزاحم والتنافس في الأسواق الحرة. ويرى (فرديناند فريد) أن النتيجة المنطقية والغاية الطبيعية لهذا التطور يجب أن تكون في انتقال هذه المؤسسات الاقتصادية التي اكتسبت صبغة اجتماعية، إلى ملك الدولة وتصرفها فتتألف بذلك مناطق اقت٢ادية كبرى مستقلة في
стр. 137
سياستها التجارية مثل منطقة أوروبا الوسطى أو منطقة الشرق الأدنى أو غيرهما. وكل واحدة من هذه المناطق تعيش ضمن نظام خاص بها لا يقتصر على حياتها الاقتصادية وحدها بل الاجتماعية والسياسية والروحية أيضاً وأختلف في أسسه عن الأوضاع السائدة اليوم وها نرى أن الباحثين المعاصرين لا يريدون الوقوف عند حد تعليل الأزمة بل يسعون كذلك وراء معرفة الوسائل الناجعة للخلاص منها. إلا أننا بذلك نخرج عن نطاق البحث العلمي المجرد وندخل في بحر النظريات التي لا تخلو من صبغة سياسية لأنها تحاول قلب الأوضاع الحاضرة وتبديلها بغيرها.
وهاك مباحث كثيرة في تعليل الأزمات السياسية والفكرية والأدبية في التاريخ لا تجعل للاقتصاد هذه المكانة الأساسية مثل النظريات الاقتصادية التي نوهنا بها سوف نسعى للتعرض إليها في فرصة أخرى. . . . .
كامل عياد
стр. 138
هنري برغسون والأخلاق
كنا ننتظر بعارغ الصبر ظهور كتاب (هنري برغسو) في الأخلاق. وكنا نشك، قبل ظهوره، في قيمة التطور المبدع وطريقة الحدس. إلا أن هنري برغسون بدد كل ما يحيط بمذهبه من الشك وأخرج لنا في هذا العام كتاب الأخلاق الذي سماه: منبعي الأخلاق والدين (١).
لسنا نستطيع أن نلخص بهذه الكلمة كل ما جاء في كتاب الأخلاق من الأفكار الصائبة والأحكام العميقة، لأن كل فقرة لا بل كل كلمة من هنري برغسون تحتاج إلى إيضاح دقيق وشرح طويل. ولا غر فهو فيلسوف العصر، ولم نجد فيلسوفاً بلغ منذ عهد (كانت) و (شوبنهاور) الدرجة التي بلغها مهنري برغسون من التفكير العميق والتجريد العجيب والبيان الساحر. إذا قرأته لا يستولي على عقلك فقط بل يأخذ بمجامع قلبك فتجد في كل كلمة من كلماته سحراً يدعوك إلى أن تكون من أصحابه وتلاميذه. قال (ويليم جيمس) في كتاب التجربة (ص - ٢٥٦) (٢):
أقرأ هنري برغسون، تجد في كل صفحة من صفحاته، لا بل في كل سطر من سطوره أفقاً جديداً. فكأنك تشعر بنسمات الصبح أو تسمع تغريد الطير، وكأن اللغة التي يكلمك بها هي لغة الحقيقة والوجود، لا لغة التعليم التي ينقل غبارها إليك طائفة من الأساتذة الذين تعودوا أن يغربلوا أفكار غيرهم
أجل إن اللغة التي يكتب بها هنري برغسون هي لغة الإلهام، وطريقته هي طريقة الحدس. أما أسلوبه فمعجزة من معجزات الفن وهوساحر عجيب.
وليس يختلف هذا الأسلوب في (كتاب الأخلاق) عنه في كتاب التطور المبدع بل تشعر في كل منهما بالدافع الذي يتكلم عنه برغسون نفسه، ويخيل إليك أن المؤلف لم يغلق لك أفقاً أدنى إلا ليفتح ل أفقاً أعلى. وفي الحق أن للأخلاق كما للدين آفاقاً عديدة. ولك أفق مرتبة في الكمال تختلف عن مرتبة الآخر. إلا أن فيلسوف الحدس أرجع هذه الآفاق المختلفة إلى أفقين، أحدهما محدود متناه، والآخر غير محدود. وهذا الأفق المحدود هو أفق البيئة الاجتماعية الضيقة التي يعيش فيها الإنسان مقيداً بالعادات والتقاليد. أما الأفق الثاني فهو أفق الإنسانية الذي يتجرد فيه الفر من نطاق الحياة الاجتماعية الضيقة ويرتقي إلى إدراك المثل العليا السامية والغايات المجردة. ولذلك كان الأفق الأول ضيقاً والثاني واسعاً، يخضع
стр. 139
الفرد في الأفق الأول لضرورة التقاليد والواجبات الاجتماعية كما تخضع الأجسام لضرورة النواميس الطبيعية، ويتجرد في الأفق الثاني من هذا التضييق الاجتماعي، ثم يرتقي بأحلامه إلى مناهضة العادات المحدودة والقواعد الضيقة. الحياة الأولى أشبه بحياة المقيمين في كهف مغلق الأبواب أما الثانية فهي حياة فضاء لا جدول نهاية له. أنظر إلى واجبات الأفراد التي لا حيلة لهم في اختياراها سواء كانت عائلية أو وطنية، فإنهم مرغمون على إتباعها بسائق الغريزة وحاكم العادة لأنها واجبات اتباعية وذات نطاق محدود، ثم أنظر إلى وحي الأنبياء وأحلا الفلاسفة ودعوة المصلحين تجد أنهم لا يرغمونك بسائق التقاليد وضرورة الاجتماع على إتباع القواعد المألوفة، داخل نطاق المجتمع الضيق، بل يكلمونك بلغة الإلهام والحدس وتجد في أقوالهم ما يدعوك إلى الخروج من الأفق الضيق ويحملك على إتباعهم. فهناك إذن منبعان للأخلاق والدين أولهما الحياة الاجتماعية الضيقة والثاني حياة الإنسانية الواسعة. المنبع الأول محدود والثاني غير محدود. وللانتقال من المتناهي إلى غير المتناهي رجات لا ب للمتحرك من المرور بها. والفرق بين هذين النوعين من الأخلاق كالفرق بين الإدراك والأحلام. لأن الإدراك مقيد ثابت، أما الأحلام فمتحركة ومتبدلة. وهذا ما ينقلنا من السكون إلى الحركة ويدخلنا في فلسفة التصوف التي استخرجها هنري برغسون من كتاب التطور المبدع. وهو كتاب الكون والتجديد والإبداع والحياة والحب.
ومما هو جدير بالذكر أن هنري برغسون لم يترك في كتاب الأخلاق فكرة من فكره الأولى بل تعصب لها ودافع عنها وحرك في أفكاره تلاميذه دافع الحياة وعالم الإبداع. لم يتراجع أما حملات المنتقدين واعتراض المعترضين بل زاد افتخاراً بتصوفه وروحانيته.
وقد فرق في كتابه بين ديانة الجماعات الضيقة وديانة الإنسانية الواسعة التي ليس لها وطن. . وفرق أيضاً بين التقاليد الدينية التي تضيق على الأفراد والعبادة المفعمة بالأحلام والحب. وقال أن الإيمان ليس خوفاً وخشية بل هو أمان من الخوف. إذن فالديانة المتحركة خير في مذهبه من الديانة الساكنة وهذه الديانة المتحركة هي طريقة التصوف، ولا خلاص لمدنية الصناعة من شقاء المادة إلا بإبداع جديد في أفق الحياة الأخلاقية والجينية وذلك بالأعراض شيئاً فشيئاً عن مظاهر الرفاه والرجوع إلى الحياة البسيطة، لأن ازدياد الرفاه
стр. 140
وتعدد الحاجات، وارتقاء الاختراعات الصناعية كل ذلك لم يحسن مصير الإنسان ولا خفف من شقائه. ولا تقع تبعة ذلك على العلم لأن العلم لا يبحث عن السعادة ولا عن الشقاء. فلا محيد إذن عن التقدم العلمي. ولئن كان في التقدم حياة فليس في السكون واتباع التقاليد كمال. ولذلك انتقد هنري برغسون فرائض الديانات الاتباعية كما انتقد صور المدنية المزيفة. لأن المثل الأعلى عنده هو الحب. والحب هو الإبداع. فمما قاله في ذلك: إن ذات الإله هي الحب، ولكن هل نحب للحب ذاته، أم نحب لشيء آخر غير الحب؟ إن العواطف السامية قائمة بذاته، وهذه الموسيقى تدل على الحب، كأن لكل موسيقى حباً، ولكل حب موسيقي. إلا أن هذا الحب ليس حب شخص من الأشخاص. إذا تغيرت الموسيقى تغير الحب كأن هناك فلكين لعاطفتين متلفتين أو عطرين متباينين. وفي كلا الحالين لا نعرف الحب بغايته بل نعرفه بذاته وهو هو لم يتغير. . . ولكن من ذا الذي يعشق للعشق نفسه من غير أن يكون له معشوق؟
ألا يقول المتصوفون أن الإله محتاج إلى الناس كما أن الناس محتاجون إليه؟ فالإله عاشق وهو بحاجة إلى معشوق؟ كما أن الإبداع هو خلق كائنات مبدعة جديرة بأن تعشق.
إلى مثل هذه النتائج الساحرة يوصلنا هنري برغسون بلغته الشعرية ولو ساعدنا المكان لنقلنا جميع آرائه في المدنية الحديثة. إلا أننا نقتصر عل بعضها: فمنها قوله أن الحرب ضرورة طبيعية ناشئة عن تزايد السكان وفقدان الأسواق التجارية ونقص المواد الأولية. وإنه لا يمكن منعها وإخماد نارها إلا بمعالجة أسبابه الطبيعة كمراقبة ازدياد السكان وتنظيم الإنتاج وغير ذلك وأنه لا نجاح لعصبة الأمم إلا إذا شاركت الدول في وضع شرائعها الداخلية فلا بد إذن من تنظيم الإنتاج وجعله متناسباً مع الاستهلاك. ولا بد من رادع عقلي يوقف الغريزة عند حدها. وقد أدرك اليونان ذلك من القدم فجمعوا في أساطيرهم بين (فينوس) آلهة الحب و (مارس) إله الحرب. ومعنى ذلك أن الأمر إذا وسد إلى (فينوس) فانتظر الساعة، لأن فينوس هي رمز الغريزة فيجب كبح جماحها وإيقافها عند حد العقل. ولعل الإصلاح لا يكون إلا بالرجوع إل الحياة البسيطة وتخفيف الرغائب والحاجات وهذا يقتضي العدول عن إتباع اللذة في سبيل اللذة.
ومن الآراء التي جاء بها هنري برغسون أن المرأة مساوية للرجل في المارك العقلية وإنها
стр. 141
دونه في العاطفة. ومنها انتقاده لمذهب الاجتماعيين لا التهيج السريع والاضطراب المؤقت. منها انتقاده لمذهب الاجتماعيين (لفي برول) و (دور كهايم) في العقلية الأولية وقوله أن الأساطير ضرورة لا محيد عنها وإنها ملازمة للعقل البشري وإن العقلية الأولية موجودة في دماغ الرجل المتمدن أيضاً، ولعلها موجودة في دماغ (لفي برول) أيضاً.
وهكذا فإن هنري برغسون يعتقد أن الطبيعة البشرية واحدة الجوهر وهو أقرب إلى الإيمان بالأخلاق من أصحاب المذهب الاجتماعي الفرنسي.
وقصارى القول أن مذهب هنري برغسون في منشأ الأخلاق لا يختلف عن مذهبه في منشأ العلم، وهو مذهب حيوي يجعل الأخلاق الحقيقة قائمة على الحياة والحب والإبداع لا على التفكير المقيد بأحكام المنطق الجامدة.
جميل صليبا
стр. 142
التين والزيتون
من مقال للكاتب الألماني الشهير توماس مان
تتكلم الأساطير الشرقية عن شجرتين في حديقة العالم لهما مكانة سامية في حوادث الكون يأتي ذكرهما كمثال لاختلاف والتضاد في كل شيء.
الأولى: شجرة الزيتون التي يدهن الملوك بزيارتها ليزدادوا طولاً في العمر. فهي شجرة الحياة وأخت الشمس المقدسة، رمز النور واحد نواميس العقل، أصل الرجولة والوضوح وكل ما ينبثق منها يتصف باللمعان والقوة ويدعو إلى الحزم والطمأنينة وهي التي تغدق على الأقوام السلوى والانشراح وتنقذها من الآلام والمخاوف.
والثانية: شجرة الموت تهدينا حقيقتها إلى معنى المعرفة والتمييز والشهوة. إنها أخت القمر تنتهي بنا مسالكها المتشعبة إلى سحر الليل والإنتاج وعمق الحواس وهي تمنح الألم والروح كثيراً مم لا يقدر عليه سخاء شجرة الزيتون الملوكية - المبهجة.
وهذا التضاد في حوادث الكون كما يتمثل لنا في أسطورة هاتين الشجرتين في حديقة العالم قد ظل مسيطراً في جميع الأزمنة على عقول البشرية ومشاعرها ومرافقاً لها في طموحها إلى الحقيقة وسعيها وراء الغايات السامية حتى أننا نستطيع أن نقصر تاريخ التطور الفكري على التصادم والجدال بين هذين المبدأين.
وقد جرت العادة أن نقول لبيان شدة الاختلاف بين شيئين أنهما متباينان كالليل والنهار. وهذا التعبير يرجع إلى الأساطير القديمة التي تنبئ بأن اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر مازال منذ القدم يشغل أفكار البشر ويؤثر في عقائدهم الدينية فيتجهون إلى البحث فيه بكثير من الحب والتقى والإيمان.
إن عالم النهار والشمس هو عالم التفكير والرجولة والإبداع. إنه عالم العلم والإرادة والحرية وتحديد القواعد الأخلاقية وتقرير المثل العليا عدم الخضوع للطبيعة والأقدار شأن العقول الجبارة. فهو إذن، عالم الحركة والعمل، عالم المستقبل والحياة الاجتماعية والسياسية. والأبطال والملوك الذين تدهن جباههم بزيت شجرة الزيتون يضحون بدمائهم وحياتهم في سبيل إنقاذ الأمم من البغضاء والأحقاد ويفادون بأنفسهم وهم يسيطرون، لتحقيق حياة سعيدة للأقوام أقرب إلى العقل وأولى بالبشر. وترى الناس يمجدونهم ولكن مع
стр. 143
شيء من البرودة ثم لا يتركون لهم مجالا لتنفيذ أفكارهم ف الإصلاح.
ولا غرابة في ذلك. فإن نصف القلوب البشرية على الأقل لا تربطها أي صلة بهذا العالم بل تعيش في العالم الآخر الذي يتهافت الشعراء للتغني به: عالم الليل وآلهة القمر التي تنعم علينا بثمرة التي العذبة، عالم تلك الليالي الساحرة الغارقة في أنوار القمر التي يشعر جميع الخياليين بانجذاب باطني نحوها.
إن هذا ليس عالم الفكر بل عالم الروح. ليس عالم الرجولة المولدة والمبدعة بل عالم الأمومة الحاملة، الحنونة، العميقة الإحساس. ليس عالم الوجود واليقظة والانتباه بل عالم النمو في حضن اللاشعور وحرارته الغريزية. وليس السيطرة هنا للحرية بل للتقيد، ليس للفكر بل للعاطفة، ليس للعظمة والجبروت بل للخضوع والتسليم، ليس للإرادة بل للانقياد والتضحية، تلك التضحية التي لا انفصام لها عن فكرة الماضي ومحبته فإن الماضي مقدس في نظر كل من يحب التقيد بينما رجال العلم لا يعبئون إلا بالمستقبل ولهذا فإن المهم في عالم الليل ليس هو إصدار الأحكام والتصميم الأخلاقي بل المشاهدة العميقة والشعور المتأثر المتألم والتسليم الديني لقوى الطبيعة البعيدة عن كل فكر وعن كل حكم أخلاقي.
ومنذ القدم انصرفت الأمم في عقائدها الدينية إل البحث في تفضيل أحد هذين العالمين وتقرير أيهما أكثر قدسية وأعلى رتبة هل مملكة الشمس أم مملكة القمر وحسب الجواب على هذا السؤال كانت الأمم تسير في نظرتها إلى العالم وتقرير طراز حياتها وطرق تفكيرها وقد علقوا على ذل تفسير فكرة الحياة نفسها ونسبوا إلى أحد العالمين، عالم الفكر أو عالم الروح، كل قدسية، وكل قيمة للحياة.
ولا شك في أن الغرب كان منذ أيام اليونانيين، عبداً للآله (زبوس) متعلقاً بمبدأ الشمس وعالم النور والإرادة والحرية والعمل بينما الشرق الآسيوي يتصف بتقديس مبدأ القمر وعالم الأمومة والروحية السلبية. .
تعريب: كامل عياد
стр. 144
نابغة بين شيبان يصف الجامع الأموي
عبد الله بن المخارف المعرف بنابغة بني شيبان شاعر بدوي من شعراء الدولة الأموية كان يفد على خلفاء بني أمية بدمشق ويمدحهم فيجزلون عطاءه، مدح عبد الملك بن مروان وأولاده من بعده وله في الولد بن عبد الملك مدائح كثيرة منها قصيدة ينوه فيها ببناء الوليد لمسجد بني أمية بدمشق بعد أن كان معبداً مشتركاً بين المسلمين والنصارى ويصفح وصفاً بديعاً يصور روائع الفن التي كانت ماثلة فيه وما بذله الوليد في سبيل تشييده. وللقصيدة قيمة تاريخية - عدا مالها من قيمة فنية - لأنها أول قصيدة قيلت في وصف الجامع الأموي وإليك الأبيات التي تناول فيها وصف الجامع:
تدعو النصارى لنا بالنصر ضاحية ... والله يعلم ما تخفي الشاسيف
قلعت بيعتهم عن جوف مسجدنا ... فصخرها عن جديد الأرض منسوف
كانت إذا قام أهل الدين فابتهلوا ... باتت تجاوبنا فيها الأساقيف
أصوات عجم إذا قاموا بقربتهم ... كما تصوت في الصبح الخطاطيف
فاليوم فيه صلاة الحق ظاهرة ... وصادق من كتاب الله معروف
فيه الزبرجد والياقوت مؤتلق ... والكلس والذهب العقيان مرصوف
ترى تهاويله من نحو قبلتنا ... يلوح فيها من الألوان تفويف
يكاد يعشي بصير القوم زبرجه ... حتى كأن سواد العين مطروف
وفضة تعجب الرائين بهجتها ... كريمها فوق أعلاهن معطوف
وقبة لا تكاد الطير تبلغها ... أعلى محاريبها بالساج مسقوف
لها مصابيح فيها الزيت من ذهب ... يضيء من نورها لبنان والسيف
فكل أقباله والله زينة ... مبطن برخام الشام محفوف
في سرة الأرض مسدود جوانبه ... وقد أحاط به الأنهار والريف
فيه المثاني وآيات مفصلة ... فيهن من ربنا وعد وتخويف
стр. 145
لا مرتين في سوريا
بمناسبة مرور مائة عام على مجيء لامرتين لسوريا
للدكتور أنور حاتم
استهوى حب الشرق جميع الناس في أوائل القرن التاسع عشر فسحرت أوروبا كلها بقراءة (دليل) شاتوبريانمنباريس - إلى القدس وبكى القرن بأسره موت الشاعر الإنكليزي (بيرون) شهيد استقلال اليونان ونال فيكتور هيجو شهرة كبيرة حينما نشر (الشرقيات)
لم يسافر لامرتين إلى الشرق كما زعم بعض الرواة لكي يعي نفسه بعد فشله في الانتخابات النيابية ولكن السفر إلى سوريا كان حلم حياته الدائم. سمع نداء الشرق صغيراً ورآه في أحلامه المدرسية حيث تجلى له بسحره ووحيه وشمسه الساطعة وقد قال في كتاب عام ١٨١٨: لو كنت أملك مائة دينار فقط لسافرت بها إلى اليونان والقدس وحرمت نفسي من جميع المآكل سوى الخبز.
غادر لامرتين فرنسا ومعه امرأته وأبنته وطبيبه الخاص وصديقان وستة خدم وبلغ بيروت في ٦ أيلول سنة ١٨٣٢ على ظهر (الأنسست) السفينة التي استأجرها من برونو روستان جد الشاعر الكبير أدموند روستان مؤلف سيرانو دي برجراك وغادر لامرتين سوريا من يافا قاصداً القسطنطينية في ٣٠ نيسان عام ١٨٣٣ وكانت رحلته إلى الشرق من أسباب اهتمامه بالمسائل السياسية والاجتماعية.
وقد خيبت زيارة بلاد اليونان آمال الشاعر ولم ير فيها غير صخور عادية مجدبة ولكن الساحل السوري أدهشه بعظمته وتنوع مناظره وقد ترك امرأته وابنته في بيروت وذهب على رأس قافلة فخمة مؤلفة من خمسة وعشرين حصاناً لزيارة فلسطين وبلاد الشام وعند عودته أصيب بموت ابنته الوحيدة جوليا التي توفيت في بيروت في ٦ كانون أول ومرض لامرتين نفسه وأشرف على الموت في قرية نائية في بلغاريا أثناء مروره بها راجعاً إلى بلدته (ماكون).
أحب لامرتين سورية وحياة السوريين وأخلاقهم وعاداتهم ولم تخف عليه الفوضى التي كانت قائمة في البلاد وتعدد الحكام والأمراء والديانات فتأسف على ذكاء ذلك الشعب الضائع وقال: كم من الأعمال العظيمة كان يستطيع أن يأتي بها رئيس حاذق من رجال
следующие страницы →