← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

دونه في العاطفة. ومنها انتقاده لمذهب الاجتماعيين لا التهيج السريع والاضطراب المؤقت. منها انتقاده لمذهب الاجتماعيين (لفي برول) و (دور كهايم) في العقلية الأولية وقوله أن الأساطير ضرورة لا محيد عنها وإنها ملازمة للعقل البشري وإن العقلية الأولية موجودة في دماغ الرجل المتمدن أيضاً، ولعلها موجودة في دماغ (لفي برول) أيضاً. وهكذا فإن هنري برغسون يعتقد أن الطبيعة البشرية واحدة الجوهر وهو أقرب إلى الإيمان بالأخلاق من أصحاب المذهب الاجتماعي الفرنسي. وقصارى القول أن مذهب هنري برغسون في منشأ الأخلاق لا يختلف عن مذهبه في منشأ العلم، وهو مذهب حيوي يجعل الأخلاق الحقيقة قائمة على الحياة والحب والإبداع لا على التفكير المقيد بأحكام المنطق الجامدة. جميل صليبا

стр. 142

التين والزيتون من مقال للكاتب الألماني الشهير توماس مان تتكلم الأساطير الشرقية عن شجرتين في حديقة العالم لهما مكانة سامية في حوادث الكون يأتي ذكرهما كمثال لاختلاف والتضاد في كل شيء. الأولى: شجرة الزيتون التي يدهن الملوك بزيارتها ليزدادوا طولاً في العمر. فهي شجرة الحياة وأخت الشمس المقدسة، رمز النور واحد نواميس العقل، أصل الرجولة والوضوح وكل ما ينبثق منها يتصف باللمعان والقوة ويدعو إلى الحزم والطمأنينة وهي التي تغدق على الأقوام السلوى والانشراح وتنقذها من الآلام والمخاوف. والثانية: شجرة الموت تهدينا حقيقتها إلى معنى المعرفة والتمييز والشهوة. إنها أخت القمر تنتهي بنا مسالكها المتشعبة إلى سحر الليل والإنتاج وعمق الحواس وهي تمنح الألم والروح كثيراً مم لا يقدر عليه سخاء شجرة الزيتون الملوكية - المبهجة. وهذا التضاد في حوادث الكون كما يتمثل لنا في أسطورة هاتين الشجرتين في حديقة العالم قد ظل مسيطراً في جميع الأزمنة على عقول البشرية ومشاعرها ومرافقاً لها في طموحها إلى الحقيقة وسعيها وراء الغايات السامية حتى أننا نستطيع أن نقصر تاريخ التطور الفكري على التصادم والجدال بين هذين المبدأين. وقد جرت العادة أن نقول لبيان شدة الاختلاف بين شيئين أنهما متباينان كالليل والنهار. وهذا التعبير يرجع إلى الأساطير القديمة التي تنبئ بأن اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر مازال منذ القدم يشغل أفكار البشر ويؤثر في عقائدهم الدينية فيتجهون إلى البحث فيه بكثير من الحب والتقى والإيمان. إن عالم النهار والشمس هو عالم التفكير والرجولة والإبداع. إنه عالم العلم والإرادة والحرية وتحديد القواعد الأخلاقية وتقرير المثل العليا عدم الخضوع للطبيعة والأقدار شأن العقول الجبارة. فهو إذن، عالم الحركة والعمل، عالم المستقبل والحياة الاجتماعية والسياسية. والأبطال والملوك الذين تدهن جباههم بزيت شجرة الزيتون يضحون بدمائهم وحياتهم في سبيل إنقاذ الأمم من البغضاء والأحقاد ويفادون بأنفسهم وهم يسيطرون، لتحقيق حياة سعيدة للأقوام أقرب إلى العقل وأولى بالبشر. وترى الناس يمجدونهم ولكن مع

стр. 143

شيء من البرودة ثم لا يتركون لهم مجالا لتنفيذ أفكارهم ف الإصلاح. ولا غرابة في ذلك. فإن نصف القلوب البشرية على الأقل لا تربطها أي صلة بهذا العالم بل تعيش في العالم الآخر الذي يتهافت الشعراء للتغني به: عالم الليل وآلهة القمر التي تنعم علينا بثمرة التي العذبة، عالم تلك الليالي الساحرة الغارقة في أنوار القمر التي يشعر جميع الخياليين بانجذاب باطني نحوها. إن هذا ليس عالم الفكر بل عالم الروح. ليس عالم الرجولة المولدة والمبدعة بل عالم الأمومة الحاملة، الحنونة، العميقة الإحساس. ليس عالم الوجود واليقظة والانتباه بل عالم النمو في حضن اللاشعور وحرارته الغريزية. وليس السيطرة هنا للحرية بل للتقيد، ليس للفكر بل للعاطفة، ليس للعظمة والجبروت بل للخضوع والتسليم، ليس للإرادة بل للانقياد والتضحية، تلك التضحية التي لا انفصام لها عن فكرة الماضي ومحبته فإن الماضي مقدس في نظر كل من يحب التقيد بينما رجال العلم لا يعبئون إلا بالمستقبل ولهذا فإن المهم في عالم الليل ليس هو إصدار الأحكام والتصميم الأخلاقي بل المشاهدة العميقة والشعور المتأثر المتألم والتسليم الديني لقوى الطبيعة البعيدة عن كل فكر وعن كل حكم أخلاقي. ومنذ القدم انصرفت الأمم في عقائدها الدينية إل البحث في تفضيل أحد هذين العالمين وتقرير أيهما أكثر قدسية وأعلى رتبة هل مملكة الشمس أم مملكة القمر وحسب الجواب على هذا السؤال كانت الأمم تسير في نظرتها إلى العالم وتقرير طراز حياتها وطرق تفكيرها وقد علقوا على ذل تفسير فكرة الحياة نفسها ونسبوا إلى أحد العالمين، عالم الفكر أو عالم الروح، كل قدسية، وكل قيمة للحياة. ولا شك في أن الغرب كان منذ أيام اليونانيين، عبداً للآله (زبوس) متعلقاً بمبدأ الشمس وعالم النور والإرادة والحرية والعمل بينما الشرق الآسيوي يتصف بتقديس مبدأ القمر وعالم الأمومة والروحية السلبية. . تعريب: كامل عياد

стр. 144

نابغة بين شيبان يصف الجامع الأموي عبد الله بن المخارف المعرف بنابغة بني شيبان شاعر بدوي من شعراء الدولة الأموية كان يفد على خلفاء بني أمية بدمشق ويمدحهم فيجزلون عطاءه، مدح عبد الملك بن مروان وأولاده من بعده وله في الولد بن عبد الملك مدائح كثيرة منها قصيدة ينوه فيها ببناء الوليد لمسجد بني أمية بدمشق بعد أن كان معبداً مشتركاً بين المسلمين والنصارى ويصفح وصفاً بديعاً يصور روائع الفن التي كانت ماثلة فيه وما بذله الوليد في سبيل تشييده. وللقصيدة قيمة تاريخية - عدا مالها من قيمة فنية - لأنها أول قصيدة قيلت في وصف الجامع الأموي وإليك الأبيات التي تناول فيها وصف الجامع: تدعو النصارى لنا بالنصر ضاحية ... والله يعلم ما تخفي الشاسيف قلعت بيعتهم عن جوف مسجدنا ... فصخرها عن جديد الأرض منسوف كانت إذا قام أهل الدين فابتهلوا ... باتت تجاوبنا فيها الأساقيف أصوات عجم إذا قاموا بقربتهم ... كما تصوت في الصبح الخطاطيف فاليوم فيه صلاة الحق ظاهرة ... وصادق من كتاب الله معروف فيه الزبرجد والياقوت مؤتلق ... والكلس والذهب العقيان مرصوف ترى تهاويله من نحو قبلتنا ... يلوح فيها من الألوان تفويف يكاد يعشي بصير القوم زبرجه ... حتى كأن سواد العين مطروف وفضة تعجب الرائين بهجتها ... كريمها فوق أعلاهن معطوف وقبة لا تكاد الطير تبلغها ... أعلى محاريبها بالساج مسقوف لها مصابيح فيها الزيت من ذهب ... يضيء من نورها لبنان والسيف فكل أقباله والله زينة ... مبطن برخام الشام محفوف في سرة الأرض مسدود جوانبه ... وقد أحاط به الأنهار والريف فيه المثاني وآيات مفصلة ... فيهن من ربنا وعد وتخويف

стр. 145

لا مرتين في سوريا بمناسبة مرور مائة عام على مجيء لامرتين لسوريا للدكتور أنور حاتم استهوى حب الشرق جميع الناس في أوائل القرن التاسع عشر فسحرت أوروبا كلها بقراءة (دليل) شاتوبريانمنباريس - إلى القدس وبكى القرن بأسره موت الشاعر الإنكليزي (بيرون) شهيد استقلال اليونان ونال فيكتور هيجو شهرة كبيرة حينما نشر (الشرقيات) لم يسافر لامرتين إلى الشرق كما زعم بعض الرواة لكي يعي نفسه بعد فشله في الانتخابات النيابية ولكن السفر إلى سوريا كان حلم حياته الدائم. سمع نداء الشرق صغيراً ورآه في أحلامه المدرسية حيث تجلى له بسحره ووحيه وشمسه الساطعة وقد قال في كتاب عام ١٨١٨: لو كنت أملك مائة دينار فقط لسافرت بها إلى اليونان والقدس وحرمت نفسي من جميع المآكل سوى الخبز. غادر لامرتين فرنسا ومعه امرأته وأبنته وطبيبه الخاص وصديقان وستة خدم وبلغ بيروت في ٦ أيلول سنة ١٨٣٢ على ظهر (الأنسست) السفينة التي استأجرها من برونو روستان جد الشاعر الكبير أدموند روستان مؤلف سيرانو دي برجراك وغادر لامرتين سوريا من يافا قاصداً القسطنطينية في ٣٠ نيسان عام ١٨٣٣ وكانت رحلته إلى الشرق من أسباب اهتمامه بالمسائل السياسية والاجتماعية. وقد خيبت زيارة بلاد اليونان آمال الشاعر ولم ير فيها غير صخور عادية مجدبة ولكن الساحل السوري أدهشه بعظمته وتنوع مناظره وقد ترك امرأته وابنته في بيروت وذهب على رأس قافلة فخمة مؤلفة من خمسة وعشرين حصاناً لزيارة فلسطين وبلاد الشام وعند عودته أصيب بموت ابنته الوحيدة جوليا التي توفيت في بيروت في ٦ كانون أول ومرض لامرتين نفسه وأشرف على الموت في قرية نائية في بلغاريا أثناء مروره بها راجعاً إلى بلدته (ماكون). أحب لامرتين سورية وحياة السوريين وأخلاقهم وعاداتهم ولم تخف عليه الفوضى التي كانت قائمة في البلاد وتعدد الحكام والأمراء والديانات فتأسف على ذكاء ذلك الشعب الضائع وقال: كم من الأعمال العظيمة كان يستطيع أن يأتي بها رئيس حاذق من رجال

стр. 146

كالسوريين، فلو ملكت ربع ما ملك أصحاب المصارف في باريس أو لوندرة في عشرة أعوام وجه سورية أتى لامرتين إلى سورية ليستمد الوحي والإلهام فوصل إليها وهو شاعر الغرام وغادرها وقد أصبح شاعر الإنسانية، كان قبل سفره يرجع بأنظاره إلى الماضي باكياً عليه فغدا الآن رسول الرقي والإخاء بين الشعوب وكان لزيارته إلى (ادي استيراستنهوب) أبلغ أثر في روحه وقد بحث المؤرخون طويلاً عن حقيقة هذه المرأة الإنكليزية السرية التي كانت منقطعة على قمة جبل منعزل يصعب الوصول إليه فروي عنها أنها وهبت النبوة وكشف لها ستار الغيب وروي عنها أنها انتخبت ملكة على تدمر تحكم البدو والعربان وترفع إليها الصلوات ولكن حقيقة أمرها أنها جاسوسة إنكليزية أشبه بالكولونيل لورنس أو بالحج سان جون عبد الله فلبي زار الشاعر قبر المسيح في القدس ولم يطلب منه الإيمان الذي أضاعه بل الوحي الذي يحقق أمانيه في الحياة وكان يشعر بنفسه أنه سيكون يوماً قائد شعب وسياسياً من أكبر ساسة أوروبا واحد دعائم الفكرة الجمهورية في فرنسا. ثم عمل لامرتين عند رجوعه إلى فرنسا لتحرير الأقطار العربية من النير العثماني وان يحب الإسلام وقد مدحه مراراً بشعره ونثره وعارض في بعض خطبه في المجلس النيابي فكرة الحروب الصليبية وعندما أرادت مدينة (أميان) أن ترفع الستار عن التمثال الذي شيدته لبطرس الناسك الذي كان أول من بشر بالحروب الصليبية رفض لامرتين حضور هذه الحفلة ونشر مقالاً في إحدى الجرائد روى فيها الأضرار التي سببها هذا الرجل. مال الشاعر إلى البلاد السورية لأنه رأى في جمالها شيئاً أشبه بجمال شعره وكان للميول والأهواء التي قامت في نفسه هناك صدى عميق أثر في وحيه. وغادر الشرق متأسفاً لأنه لم يولد على ضفاف نهر الأردن أو نهر الكلب وطاف في فلسطين لعله يسمع في ضميره رسالة نبي عصري أو وحياً جديداً يبلغه إلى الغرب فيدعوا الناس إلى المحبة والمساواة وقد كان يحلم مراراً أنه سيصبح يوماً محرر الأمم ومؤسس العدل في الدنيا وبينما كان في شهر آذار عام ١٨٣٣ يطوف داخل قلعة بعلبك تمثل له شيخ عربي وبشره أن مقاطعة (برك) في شمال فرنسا انتخبته نائباً وهناك تصور لأول مرة في حياته الأدوار التي سيلعبها عام ١٨٤٨

стр. 147

ترك لامرتين الشرق وأحلام الشق لم تتركه وق رجع إليه في ١٨٥٠ بدعوة من السلطان عبد المجيد الذي أهدى إليه أراضي واسعة بالقرب من أزمير لكي يزرعها ولكن لم يصل إلى سورية في هذه المرة بل رجع إلى فرنسا ليفتش عن رأس مال يستطيع بواسطته أن يستثمر أملاكه التركية وكان يلذ له أن يقول في شيخوخته أريد أن أقضي عمري زارعاً في لبنان. أنور حاتم

стр. 148

السنوسي ماذا يريد الأخوان السنوسيون؟ بموت السيد أحمد الشريف السنوسي في المدينة المنورة بعيداً ن وطنه طرابلس - برقة، طويت صفحة لامعة من صفحات تاريخ الإسلام الحديث ستبقى عبرة خالدة وذكرى مقدسة. قضى هذا البطل كل عمره في خدمة أبناء دينه والدفاع عن وطنه وإعلاء كلمة الإسلام في جميع العالم. إنها حياة كلها جهاد وتضحية وعبادة، حياة ملئت بالمفاخر والمكرمات وأعمال الخير والتقى ثم انقضت، كما هي الحال مع أكثر أبطال التاريخ، في البؤس واليأس والانزواء. كان السيد أحمد الشريف، لما أغار الطليان في ٥ تشرين الأول سنة ١٩١١ على طرابلس - برقة منهمكاً في إدارة الزوايا السنوسية التي كانت قائمة في معظم أنحاء أفريقيا الشمالية وأفريقيا الوسطى واليت ساعدت كثيراً على انتشار الدين الإسلامي بين الزنوج. وكانت سياسة السيد أحمد الشريف مثل سياسة سلفيه في الإمارة: عمه المهدي وجده محمد السنوسي الكبير، مبنية على مسالمة الحكومات المحيطة بمنطقة نفوذه سواء العثمانيين أو الانكليز أو الفرنسيين. ولما كانت ساحة الحرب الطرابلسية - بادئ الأمر عن الاشتراك بكل قواهم في محاربة الطليان إلى أن كانت الحرب العامة وأرسلت حكومة استانبول نوري باشا أخا أنور باشا للتحرش بالانكليز في مصر وتحريض السنوسيين على ذلك. وقد وفق نوري باشا بعد محاولات طويلة إلى أقناع السيد أمد الشريف بدخول الحرب ضد الانكليز والتجاوز على حدود مصر. ولكن انكسار جيوش نوري باشا أضجر السيد أحمد الشريف للانتقال إلى طرابلس الغرب فتولى إمارة السنوسيين في برقة ابن عمه السيد إدريس السنوسي الذي اعترف به الانكليز وتفاهم مع الطليان على توليته إدارة البلاد. ولم يكن في استطاعة السيد أحمد الشريف، الذي حصلت بينه وبين رمضان الشتيوي زعيم المجاهدين الطرابلسيين في مصراطة اختلافات شديدة، أن يبقى بعد ذلك في طرابلس الغرب فانتقل سنة ١٩١٥ إلى استانبول في أحدى الغواصات الألمانية عن طريف النمسا. فانتقل سنة ١٩١٥ إلى استانبول في إحدى الغواصات الألمانية عن طريق النمسا. وبعد انتهاء الحرب العظمى ظل السيد أحمد الشريف يعيش منزوياً في مدينة (بروسة)

стр. 149

بالأناضول تحت مراقبة حكومة السلطان وحيد الدين ودول الحلفاء لاتهامه بالاتصال مع مصطفى كمال باشا الذي قام إذ ذاك يجمع بقايا الجيش العثماني ويعمل لإنقاذ الأناضول من إغارة الأجانب. وفي الحقيقة فإن رئيس السنوسيين قد انضم إلى الكماليين وكان من أكبر العاملين على نشر الدعوة لهم وإثارة الحماسة في سكان الأناضول ودفعهم إلى الجهاد لصد غارات اليونانيين والدول الأوروبية من ورائهم. وقد أثبت مصطفى كمال باشا كثيراً من الدهاء السياسي في استثمار السيد أحمد الشريف والاستفادة من نفوذه الديني لنيل عطف العالم الإسلامي ومساعدته المادية والمعنوية. على أنه بعد انتصار الحركة الكمالية وظهور مقاصد الحقيقة في قطع علاقات الأتراك بالإسلام وإلغاء الخلافة والسلطنة العثمانية أصبح من المستحيل على السيد أحمد الشريف البقاء في البلاد التركية فحمل على الانتقال إلى الحجاز وظل منزوياً في المدينة المنورة إلى وفاته في شهر آذار الماضي ﵀. وبهذه المناسبة نرى من المفيد أن نذكر بعض المعلومات عن الطريقة السنوسية فنقول: أن مؤسس هذه الطريقة هو سيدي محمد بن السنوسي الذي نشأ حوالي سنة ١٨٠٠ بالقرب من مدينة (مستغانم) بالجزائر ودرس في فاس ثم رحل إلى مختلف البلاد الإسلامية يدقق أحوالها وأقام مدة بالحجاز واتصل بالوهابيين فاقتبس كثيراً من تعاليمهم وأنظمتهم. وقد عاد في سنة ١٨٤٣ إلى شمالي أفريقيا وأختار الإقامة في طرابلس - برقة فابتنى له (زاوية) على جبل بالقرب من مدينة (درنة) على شواطئ البحر الأبيض ولكن لما اجتمع الناس حوله وكثر أتباعه وازدد نفوذه ساءت العلاقات بينه وبين الحكومة العثمانية فاضطر لنقل مقامه إلى واحة (جغبوب) في جنوبي صحراء برقة قريباً من الحدود المصرية. كان سيدي محمد السنوسي من أعاظم رجال الإسلام أشتهر بالدهاء والعلم وحسن الإدارة وكرم الأخلاق فاستطاع ف مدة قصيرة أن يؤسس جماعة كبيرة منتظمة لها كثر من الأتباع ليس في شمالي أفريقيا وحدها بل في جزيرة العرب ومعظم الأقطار الإسلامية الأخرى أيضاً ويمكن أن نعتبر السنوسية التي لم ينقض بعد قرن واحد على تأسيسها من أكثر الطرق انتشاراً. وق أصبحت اليوم من أكبر العوامل في تيار الحركة الإسلامية. قامت جماعة الأخوان السنوسيين على فكرة الإصلاح الديني والتهذيب النفساني والخلقي

стр. 150

وهي جمعية ذات تشكيلات منتظمة أساسها الأخوة والتعاون وينقسم الأخوان إلى ثلاث طبقات العوام والخواص وخواص الخواص. ثم أن للأعضاء درجات مختلفة مثل الخليفة والنقيب والشيخ والمقدم. ولجماعة السنوسيين (زوايا) منتشرة في أكثر البلاد الإسلامية يقوم بإدارتها (مقدم) يجتمع الأخوان تحت رياسته ليلة الجمعة والاثنين عدا الليالي الخاصة وهذه الزوايا ليست أماكن للعبادة فقط بل أنها في نفس الوقت مدارس كبرى ونواد لدعاية والبحث. ورغم ما يظهر من عد تحرض السنوسيين بالحكومات المجاورة فإن الجمعية تسعى وراء غايات سياسية. وتقضي خطتها السرية بإكمال العدة من الوجهة الفكرية والاجتماعية أولاً قبل مباشرة العلم السياسي. والأخوان السنوسيون مقتنعون بأن تحرير الإسلام السياسي يجب أن يسبقه انتشار التجد الروحاني والدعوة الأخلاقية في المسلمين وتهذيب الرعية وتنشئتها على الفضائل الإسلامية العليا. ثم ينبغي أيضاً من الوجهة الاقتصادية تحسين أسبابا المعاش وتوفير وسائل الكسب، وتدل أعمال السنوسيين على اهتمام زائد بالزراعة والتجارة، وقد كثرت بدعايتهم فلاحة الواحات الخصبة وانتعشت الزراعة واحتفرت الآبار الحديثة في الصحراء كما انتشرت التجارة. ويمكن القول أن شيوخ السنوسيين يقومون عدا واجباتهم الدينية والسياسية بأعمال مفوضين تجاريين و (سماسرة) ماليين يديرون حركة البضائع ويراقبون تقلبات الأسواق ويقرضون المزارعين والتجار الأموال وهم يدفعون قسماً من أرباحهم إلى صندوق الجمعية. ومن أعمال جماعة السنوسيين التي لها أهمية عظمى في تطور المسلمين حضهم الناس على العمل وزيادة المكاسب. وهم يساعدون الفقراء ويعتنون بإطعامهم وإسكانهم. ثم أن من أكبر أغراض السنوسية التبشير بالدين الإسلامي وقد دخل بعونهم ملايين من الزنوج في الإسلام بإفريقيا الوسطى. ويعتني السنوسيون، لنشر دعوتهم، بتأسيس فروع لزواياهم في مختلف الأقطار الإسلامية يجعلون رؤساءها من أهل البلاد أنفسهم الذين يعرفون الناس. ومما يدل على الغاية السياسية التي تسعى إليها السنوسية تدريب جميع الأخوان على استعمال السلاح وهي تفرض على كل واحد التأهب، بجميع الوسائل، للحرب وتطلب منه

стр. 151

القيام بكافة الواجبات. بهذه الخطة تسعى جماعة الأخوان السنوسيين لتأسيس حركة سياسية منتظمة غايتها تحقيق الجامعة الإسلامية ليصبح العالم الإسلامي كله مملكة واحدة على رأسها خليفة واحد لا سيطرة للأجانب عليه. كامل عياد

стр. 152

صفحة من أدب الغرب سحر المدينة صورة لبرلين في الليل للكاتب الألماني وسكار ماريا غراف في محطة السكة الحديدية الكبرى المغمورة بالأنوار كانت ضوضاء مزعجة: آلاف من البشر يسرعن في خطواتهم وكلماتهم المتقطعة تتطاير وبائعو المرطبات والصحف ترن أصواتهم الحادة وتتجاوب مع صراخ الحمالين وتختلط بقعقعة أواني الطعام في غرف الانتظار وتضيع جميعها بين طنين الأجراس وصفير القطارات الذاهبة والقادمة وقرقعة عجلاتها التي ترتجف الأرض من اهتزازها. وكانت الروائح المنتشرة من أجسام المزدحمين والعطور المختلفة ودخان (السكاير) ورائحة الزيوت والأطعمة والصابون تمتزج بعضها مع بعض وتملأ الهواء الكثيف. والجموع المحتشدة من الركاب الذاهبين والقادمين تموج وتختلط. ووكلاء الفنادق يعرضون على الغرباء بأصوات مرتفعة غرفاً منخفضة الأسعار والسيارات على أبواب المحطة (تزمر) والمسافرون يهرفون ويضحكون ويسألون ويتنازعون ويسألون ويتنازعون مع الحمالين. إزاء هذه الضوضاء وبريق الأنوار المرتعشة في المدينة التي كان الظلام قد هجم عليها وبدأت الآن النجوم تبزغ في سمائها الفسيحة صاح أحد القادمين: - ما أجمل المدينة العظيمة في الليل! وفي بهو المحطة استقبل بعض الرأسماليين زملائهم من مساهمي إحدى الشركات الكبرى وامتطى الجميع متن السيارات الخاصة. - هيا بنا، إذن قال أحدهم وقد هبط على المقعد الوثير: إن الجلسة الإدارية سوف تكون حامية الوطيس. وفي الساحة أمام المحطة كانت حافلات الترام تنهب الأرض ولم يكد أحد القادمين يعرب لرفيقه عن إعجابه بهذه السرعة الزائدة حتى سمع صوتاً مخيفاً: (آخ!) ووقفت السيارات والحافلات فجأة وقفز الركاب يرتعشون رعباً وتراكض الناس من جميع الجهات وازدحموا على مكان الصراخ وظهرت بينهم خوا رجال الشرطة تلمع. . .

стр. 153

وكان بائعو الصحف يصيحون بملء أفواههم: (ليلة في حي الفقراء، الوزارة الجديدة، زلزال في اليابان، حادثة قتل في شارع لسينغ) - ناشدتك الله يا (قورت)، قف! لا تقترب من الجمع. لقد حدث شيء هناك يا للفجيعة! كانت هناك امرأة قصيرة كأنها كرة، تقول ذلك بتوجع وقد سترت عينيها. وكان إلى جانبها زوجها الذي لا يختلف عنها كثيراً في قصره وسمنه يتدحرج وفي يديه حقيبتان كبيرتان وهو يلهث والعرق يتصبب منه فوقف ودمدم بضع كلمات غير مفهومة. وكان الحمل الثقيل قد حنى ظهره فاستقامت الآن ركبتاه واتجهت عيناه البليدتان تنظران إلى الجمع المحتشد بامتعاض. وفي السيارة التي وقفت قال أحد الرأسماليين إلى جليسه: - إن العمال بدؤوا يتمرّدون. يا للملاعين! على أننا قد اتخذنا جميع التدابير اللازمة وسريعاً ما وصلت إحدى سيارات الإسعاف الصحي وفتحت لنفسها طريقاً بين الجموع المحتشدة وكان الشرطيون يصدرون الأوامر بأصوات حادة فتفرق الناس وعادت الحافلات والسيارات إلى سيرها. وفي المستشفى استلم الأطباء رجلاً متقدماً في السن ذكروا في السجل أنه دعس من قبل حافلة الترام. وبسبب الحادث وصلت السيدة (ماير) وزوجها متأخرين إلى دار التمثيل لأنهما كانا في هذه الحافلة ولم يستطيعا العثور على سيارة بالقرب. وكتب مفوض الشرطة ورقة ضبط مختصرة عن الحادث. وفي إحدى الدور الفقيرة في شمالي المدينة أخذت امرأة في العويل وبدأ أطفالها الصغار يصرخون ويبكون. وأسرع مخبر إحدى الصحف إلى أقرب هاتف ونقل إلى المحرر الحادث ليضعه حالاً في عمود (حوادث السير). ولما عقد الاجتماع في شركة (يوست) قام رئيس المهندسين وشرح للمساهمين ما يأتي: - أن تدارك المواد الابتدائية لا يصاف شيئاً من العثرات. وقد انتهى تحسين معاملنا وتنظيمها عل أسس اقتصادية سريعة حتى أصبح في الإمكان أتمام عجلة ذات محرك في ٨٨ ساعة فقط. وإذا ازدادت العناية في انتقاء العمال الصالحين فليس من الصعب إنقاص هذه المدة إلى ٨٢ ساعة. . وكانت أنغام الموسيقى في المقاهي المفعمة بالناس تنعكس إلى الشوارع ومعارض المحلات

стр. 154

التجارية الكبرى الغارقة في النور تسحر عيون المارة بما فيها من كنوز هذا العالم وغرائبه والإعلانات الكهربائية الملونة ترتعش في سماء الليل المظلم. ومرت جماعة من السكارى على الرصيف تغني وتزعج الناس فأسرع شرطي لتفريقهم بينما بنات الشوارع ترمي أنظاراً كلها إغواء وتسير في طريقها متبخترة عند رؤية الشرطي وبعض الأحداث يرشقونها بكلمات بذيئة. وكانت السيدة (ماير) تقرع زوجها وهي تأخذ مقعدها في الصف الخامس من الطابق الأول بدار التمثيل وتقول: إن الفصل الأول من الرواية قد ضاع كله لأن الخادم منعها من الدخول أثناء التمثيل وهي لو كانت وحدها لما رضيت بذلك ولكن زوجها يتحمل كل إهانة ثم أخذت تفتش وهي تلهث والعرق يتصبب منها على نظارتيها وعلى زجاجة (الكولونيا). أما زوجها فظل صامتاً ينظر إلى المسرح: - ثم! ثم أعود إليك مرة أخرى، يا عزيزتي الصغيرة، إذا كنت توافقين. كان الممثل الجميل الأنيق يقول ذلك وهو يرمي نظرات ذات معان إلى زميلته الرشيقة على المسرح. وفي إحدى غرف الحاضرات كان الأستاذ (نفينكر) يخطب قائلاً: - إننا، يا سيداتي وسادتي، تجاه نوعين من الأنظمة الاجتماعية: من جهة النظام الصناعي الأمريكي الذي بدأ ينتشر في أوروبا أيضاً ثم النظام الروسي الاشتراكي من جهة أخرى. وهنا وقف قليلاً ليتناول جرعة من الماء. - ما أشد جوعي! قال صانع شاب إلى رفيقه في مقهى صغير مشبوه. (ألا تريد، يا فرانتس، أن نذهب إلى مطعم رخيص) وكان أثناء ذلك يعد خلسة ما في جيبه من الدراهم خيفة أن لا تكفي لتسديد قيمة الطعام. وبينما كان الاثنان في طريقهما إلى المطعم خرج من فندق (كونتننتال) رجل متقدم ف السن كثير التأنق في لباسه ودخل أيضاً وراء الشابين إلى المطعم الفقير في هذه الأثناء ظهر من أحد الشوارع الفرعية جمهور من المتظاهرين وتجمعوا في الساحة وهم ينشدون: أيها الأقوام ... اسمعوا النداء وهيا قوموا ... إلى النضال فحقوق الإنسان ... وسعادة البشر

стр. 155

تدعوكم لجمع الكلمة ... وإلى العراك. . وسار الجمع، والأعلام الحمراء تخفق، إلى الأمام ولكنه وقف فجأة وسمعت خطوات الشرطة الخيالة مسرعة إلى الساحة فتفرق المتفرجون وارتفعت أصوات المتظاهرين بالمسبات والشتائم يتهددون ويتعدون وكان ضابط الشرطة يصدر الأوامر بصوت حاد وبعض المتحمسين يشجع الجمهور ويدعوه إلى الثبات والمقاومة ويصرخ: إلى الأمام إلى الأمام. وكانت الخيل في هياج وسيوف الشرطيين تلمع وسمعت أصوات الأنين والتظلم وكلمات الشتم والسب. وبعد برهة قصيرة عادت الساحة إلى ما كانت عليه قبلاً. وكان الشابان في المطعم طلبا شيئاً من القديد وأخذا يلتهمانه دو التفات إلى الرجل المتقدم في السن، الأنيق الملبس الذي جلس قريباً منهما. ولما أبدى أحدهما ملاحظته على مظاهرة الشيوعيين وحمد الله على أنه لم يكن في الشارع ولم يشترك فيها تداخل الرجل المتقدم في السن في الحديث مع الشابين قائلاً: - ماذا حدث؟ هل كان هؤلاء من الشيوعيين. حقاً إن هذه المظاهرات أصبحت من الأمور المعتادة. وقد ساقت الشرطة أربعة عشر من العمال المهشمين إلى سجن الشرطة وسلمت أثنين إلى المستشفى لأن جروحهما كانت خطرة وسأل الرجل المتقدم في السن الشابين: - كيف تجدان الطعام؟ ثم تقدم منهما قليلاً وهو يبتسم: هل أنتما من هذه المدينة؟ إنني غريب وأريد أن أتعرف قليلاً على الحياة الليلية هنا فهل تريدان مرافقتي؟ ولما أجاب الشابان بالقبول ازداد الرجل الأنيق المتقدم في السن بشاشة ولطفاً وأوصي لهما بقدحين من الجعة وخرج الناس من غرفة المحاضرات واخذوا يتناقشون بحماسة ويبحثون في آراء الأستاذ (نفينكر). فكنت تسمع البعض يقول: - شيء عظيم! أفكار جديدة بكل معنى الكلمة! استنتاجات مدهشة! ووقف طالب وصرخ في الجمع: - يا خنازير! لماذا، إذن تذهبون الآن في منتهى الهدوء إلى بيوتكم إذا كنتم اقتنعتم بأن

стр. 156

النجاة لن تكون بمحاربة الشيوعية والقضاء عليها. . . . على أن أكثر السامعين لم يعبأ بصراخ الشاب وأبتعد مسرعاً بعض أصدقاء الطالب وقال له: - لا تهرف، يا رجل، هيا بنا لنذهب! ولكنه أزداد حماسة وأخذ يعربد كالوحش حتى اضطر رفقاؤه للتخلي عنه وجاء شرطي وأوقفه لإخلاله بالراحة العامة وفي دار التمثيل كان إعجاب الحاضرين بالغاً أشده وأعترف الجميع بأن الممثلين أجادوا في أدوارهم وإن الرواية لا تخلو من فكاهة وروح واجتمعت السيدة (ماير) - أما زوجها فكأنه لم يكن موجوداً - بالتاجر الكبير (وينديكر) في بهو دار التمثيل وأخذت تقص عليه حادث المساء: - شيء فظيع! بينما نحن جالسون في حافلة الترام. . . الموقف أمام منزلنا تماماً ولذلك نفضله للوصول إلى هنا. . ومع الأسف فاتنا الفصل الأول كله. . فإنه عندما وصلنا إلى المحطة، نعم، تماماً عند المحطة. . مسكين الرجل! قطعت كلتا رجليه! منظر فظيع. . وعبثاً فتشنا أكثر من ربع ساعة على سيارة. . يالله الرجل المسكين، وإنني لا أتحمل رؤية منظر كهذا. . - ماذا فعلتم بالصانعة، هل بقيت عندكم؟. . - إنها حقاً رواية جميلة جداً والدور الذي قامت به الممثلة ولم تكن أحكام الحاضرين في البهو على الراية تختلف عن رأي السيد (ماير). - أعطيه حقنتين! قال الطبيب للممرضة في المستشفى وغاب في الممشى الطويل وكان الرجل الشيخ الذي قطعت رجلاه يصيح دون انقطاع من شدة الألم وكان صوته الفجيع يتردد في سكون لمستشفى المفعم بروائح (القلوروفورم). - والىن فإن القيادة لكما، تعالا، أيها البطلان! قال الرجل الأنيق المتقدم ف السن بعد أن خرج الثلاثة من المطعم. . - ولكن، يا رجل، يجب أن أرجع إلى البيت وإلا فإنهم يطردونني. . لا، لا، يا (ويلي) لا أستطيع. . كانت فتاة أسمها (فريدا) تظهر الامتناع لجليسها على مقعد في الحديقة العامة وقد أمسكت بأذيال ثوبها الذي يكاد يستر ركبتيها: (لا، لا، أرجوك، أنت تعرف. .) حينئذ قام الشاب الملح في طلبه فجأة وقال:

стр. 157

- إذن لا، ي بلهاء! وبعد مشادة طويلة تركها وذهب مسرعاً وكان التمثيل قد انتهى وكذلك الجلسة الإدارية في شركة (يوست) فانتقل بعض الأعضاء إلى حانة قريبة وجدوا فيها رهطاً من الطلاب السكارى يعربدون ويقلقون راحة الزبائن بأناشيدهم وصراخهم. وهدأ سير الترام قليلاً ونشطت حركة السيارات وبدأ الموسيقيون في المقاهي يصرون آلاتهم والخدم يضعون الكراسي بامتعاض على الموائد وخرجت الخادمات لتنظيف المحلات الخالية ونشطت بنات الشوارع لاصطياد المنفردين من المارة وكان الرجل الأنيق، المتقدم في السن قد غلب عليه السكر وأخذ يسأل الشاب الذي بقى معه: - أين هو فرانتس، رفيقك فرانتس الجميل. . وكان هذا قد استأذن ليقضي حاجة فلم يرجع. - يظهر أنه قد فرّ، إذن، تعال لنذهب وكان العمال الأربعة عشر جالسين في سجن الشرطة يتجادلون فقال أحدهم: - إن مثل هذه الأعمال لا تجدي نفعاً ما دمنا لم نستلم مقاليد الحكم - إنما ينقصنا الاتحاد فقط - ما معنى الاتحاد، يا هذا؟ الأفضل أن يكون عددنا قليلاً ولكن يجب الإخلاص والثبات والصدق. أما الخونة فلا يمكن العمل معهم. . وكانت السيدة (ماير) وزوجها في غرفة النوم ينزعان ثيابهما - هكذا أرى أسرة التاجر (وينديكر) تعود إلى البيت بالسيارة ونحن بالترام! أنت تبيع (سيكاراتك) بأغلى الأسعار ولكن عندما ينبغي أن تحافظ على مكانتك بين الناس تبدأ بالتوفير قالت السيدة (ماير) ذلك بغضب وصرخت في زوجها فجأة: - يا رجل، لا تجلس على قبعتي، هل أنت أعمى. ثم، إياك، وإياك أن ترافقني مرة أخرى إلى دار التمثيل. . وكان زوجها لا ينطق ببنت شفة وينظر حائراً إلى الأرض. وفجأة سكتت السيدة وأرهفت سمعها وخاطبت زوجها: - والآن ماذا تقول؟ إن الخادمة تعود إلى البيت في هذه الساعة. حقاً إن هـ١اشيء لا

стр. 158

يحتمل. ثم فتحت باب الغرفة وصرخت: - يا فريدا، الآن تأتين إلى البيت؟ دمدمت الفتات بضع كلمات غير مفهومة للاعتذار لم تلتفت إليها السيدة ماير التي استمرت قائلة: - إذا تكرر هذا منك مرة أخرى فلا يمكن أن أسكت عنه أبداً وأغلقت الباب بشدة وهي تقول: - إن الساعة قاربت الثانية. شيء جميل مع هذه الخادمة وفي المستشفى كانت الخدم تنقل سريراً من غرفة المرضى وأخبرت الممرضة الطبيب بأن الرجل الشيخ الذي قطعت رجلاه قد مات. فهز هذا كتفيه. . ولما ازداد إلحاح الرجل الأنيق المتقدم في السن هرب منه الشاب الآخر أيضاً وكان الفجر بدأ يتسرب نوره إلى الشوارع وهب نسيم نشيط من السماء. وانطفأت فجأة الأضواء في الطرقات وأخذت عجلات الحليب تدخل المدينة وارتفعت أصوات الكناسين. وكنت تسمع من النوافذ لمفتوحة أجراس الساعات ترن لإيقاظ النائمين. وبعد قليل كان العمال يتسربون من البيوت الخلفية مسرعين إلى أعمالهم. . . تعريب ك. ع.

стр. 159

الكتب والصحف رأي كاتب تركي في ترجمة القرآن قام في الأستانة مؤخراً عالم فهَّامة وأديب كبير له شهرته الواسعة في البلاد التركية (١) ووضع مؤلفاً يبحث فيه ع استحالة ترجمة القرآن الكريم إلى التركية، عاملاً على إثبات ذلك بأدلة علمية قوية حيث تفضل واطلعنا على بعضها لسابق صلة أدبية وطيدة تجمعنا به وترجع إلى عهد الدراسة في الأستانة ثم إلى عهد الزمالة في الصحافة فرأينا أن نلخص بعض آرائه القيمة في هذه العجالة الصغيرة قال لا فض فوه: ليست المصيبة في أننا نريد أن نترجم القرآن إلى اللغة التركية وحسب بل إننا نريد أن نرسم هذه الترجمة أيضاً بالحروف اللاتينية. فتصور بعد ذلك أن مصحفنا الشريف، أو كتابنا الديني نحن معاشر الأتراك سوف يُقضى بين عشية وضحاها على فصاحته اللاهوتية وينقلب إلى لغة أعجمية ذات أصداء ونبرات حادة سوف تكون على ما يقولون خالية من كل لفظ عربي يؤتى بها من أفواه الرعاة وقبائل التركمان الجبلية السارحة في بطاح آسيا. ثم يكتب بحروف قتلت برطانتها جمال اللهجة التركية القحة نفسه، وفوق هذا كله سوف نبعد بكتابنا هذا (القرآن) الجديد عن معاني القرآن الحقيقي كبعد الأناضول عن مكة. . وقال في مكان آخر: إنني أهب نصف ثروتي لمن يستطيع من بين علماء اللغة التركية الأفذاذ ممن يتقن اللغة العربية أيضاً (وهؤلاء ليس لهم أثر البتة في تركيا) أقول بأنني أهب نصف ثروتي لمن يستطيع من هؤلاء ترجمة قوله تعالى (لا يلاف قريش إيلافهم. .) أو قوله (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) أو قوله (والعصر. . . وكهيعسص وحمعسق و. . . . إلى ما هنالك من رموز ومعاني كلها إعجاز. فإذا قال لنا هؤلاء العلماء الأتراك أنه لا بد من ترك الكلمات التي تشير الرموز على ما هي عليه لبقينا نحن الأتراك على جهل من الغاية التي توخاها القرآن من ذلك وإن أرادوا معناها والعرب أنفسهم لم يستطيعوا ذلك (كذا) أنا أفهم أن تقوم الحكومة التركية وتعمل على ترجمة القرآن بحواشي توضع على الهوامش بجانب الآيات، فإذا أراد التركي أن يقرأها بالعربية تيسر له ذلك أو في التركية رجع إلى الحاشية أو الهامش بنفس الصحيفة ذاتها

стр. 160

وقال في موضع آخر: لا أدري إذا كنا نتوخى العلم من وراء ترجمة القرآن، أم النزول على النعرة الجنسية التي أخذت تبعدنا عن أقرب الأمم إلينا وهم إخواننا العرب. فإن كانت الغاية من هذه الترجمة علمية فهل من العلم ثمة في شيء يا ترى أن نرجع في ترجمة كتاب عظيم الشأن مثل القرآن يعجز عن أدراك معانيه فطاحل علماء العرب أنفسهم إلى مترجمين من الأتراك لا يعرفون من العربية إلا بقدر ما تعمنا نحن من اللغة الصينية؟ ألا نسعى على الأقل إلى إيجاد من يعرف لغتنا من علماء العرب ونكلفهم القيام بالاشتراك مع علماء الترك إلى وضع هذه الترجمة إن كان ثمة لا بد منها كما فعل علماء الانكليز على الأقل (وليست لهم بالقرآن صلة دينية مباشرة) حيث رجعوا إلى أكابر علماء اللغة العربية في وضع هذه الترجمة، ومع ذلك جاءت في النتيجة بتراء طمساء لا تعرب عن صحة آياته ومعانيه كما اتفق ذلك أكثر مستشرقي الإنكليز أنفسهم. وإن كانت الغاية ترمي من وراء هذه الترجمة إلى غرض قائم على روح التعصب الجنسي أو القومي، فنكون قد ارتكبنا إثم التضليل للعنصر التركي القوي الإيمان بدينه. لأنه خير للأتراك أن يقرؤوا القرآن العربي ولا يفهمون معانيه من أن يقرؤوا قرآناً نفهم منه غير ما أراد الله منزله، ومن ثم من يضمن لنا بأن لا تتسرب عوامل التشويه إلى هذا القرآن التركي في كل سنة أو كل عصر مثلاً فتدخل عليه الأساليب الإنشائية المنمقة بدعوى تحسين ألفاظه وتهذيب كلامه فتختلف المعاني ويختبط الآيات بعضها ببعض حتى إذا مرت أعقاب قليلة رأينا بين هذا القرآن المترجم وقرآننا العربي الأصلي هوات سحيقة من المعاني والأغراض الدينية التشريعية وسواها تدخلنا في مذهب ابتداعي جديد يبعدنا عن الإسلامية الحقة ونحن لا ندري!! طه المدور البطل الخالد والشاعر الخالد خطبتان في مجلدة لطيفة للأديب الكبير الأستاذ محمد أسعاف النشاشيبي الأولى خطبها في حيفا يوم ذكرى واقعة حطين التي ظهر بها السلطان صلاح الدين على الصليبيين والثانية تليت في بيت المقدس ونابلس وحيفا في ذكرى الأربعين التي عقدت لتأبين شاعر العصر أحمد شوقي أهداهما المؤلف إلى روح عمر بن الخطاب ﵁ وأبي الطيب

стр. 161

المتنبي. الأستاذ النشاشيبي من أفراد الأدباء الذين امتازوا بسعة الرواية وكثرة الاطلاع وجزالة الأسلوب وصحة اللغة والغيرة على العربية وأهلها أضف إلى ذلك خاصة هي أبلغ من كل ما تقدم أعني بها قوة الشخصية ووضوح أثرها في كل م يصدر عنه فالنشاشيبي ذو شخصية مستقلة في إنشائه وتأليفه وإلقائه وحديثه وإشاراته وخطه وبهذه المزية التي لا يشاركه بها أحد عرف بين الناس أكثر من سائر خصائصه ولأجل تلك الشخصية المستقلة يلذ الناس قراءة آثاره من معجب به ومخالف له فلا يكاد الإنسان يبدأ بقراءة رسالة من رسائله حتى يأتي على آخرها كأن كلامه يغري بعضه ببعض. وخطبتاه في صلاح الدين وأحمد شوقي فيهما علم كثير في الأدب والتاريخ وحب جم وإخلاص شديد وإعجاب بالنبوغ وحزن عميق واستنهاض للهمم وربما كانت خصائص المؤلف أشد ظهوراً فيهما لفرط إعجابه بالسلطان العظيم والشاعر العظيم كقوله في شوقي: عبقرية عربية، إسلامية، محمدية، وإن شاعراً ما خرج في الأمم العربية قاطبة في جميع أقاليمها كافة من بعد الأحمدين: المتنبي والشيخ (وشوقي في الشعر من الشيخ أشعر) - أستئن (الدالية) نح الدالية: غير مجد. . . مانبغ خطير يضاهيه ولاند - لعبقري، لعظيم. عصور تلتها عصور، وعصور طوتها عصور، وهناك دول عربية، وهناك أمم عربية، وهناك ملك وسلطان، وليس هناك متنبي ثان. (وإن كان هناك في المغرب محمد بن هاني) حتى جاء أحمد شوقي فملأ الدنيا (كدأب سميه) وشغل الناس (أحمد) عاد وعاد (البحتري) ورأى القوم (حبيباً) يبدع. رُبَّهُ قائلين يقولون: هو الود في الحياة، وهو الوفاء بعد الممات يتظاهران فيقولان، ويتبجحان في المديح: أهابك إجلالاً وما بك قدرة ... عليَّ ولكن ملء عين حبيبها كلاَّ، كلا. حلاّ حلا (إ، هـ لحق مثل ما إنكم تنطقون) إنه الحق، إنه الصدق، (إنه لقول فصل وما هو بالهزل) وحيَّ هلاً، حيَّ هلا إلى كلام كان يوم المهرجان قبل أن يكون ود، قبل أن يكون التصافي، وقبل حزن جاء، ومصاب نزل كلام أملاه عليَّ علمي، وأدبي، ومعرفتي، وإخلاصي في حب لغتي. ما كتبته يميني (إلا ابتغاء وجه الله) إلا ابتغاء وجه عربيتي.

стр. 162

خ. م. المباني التاريخية في دمشق عنوان كتاب أصدره في هذا الشهر الأستاذ المستشرق جان سوفاجه من أعضاء المعهد الفرنسي في دمشق. والأستاذ سوفاجه الذي يعرفه أبناء دمشق هو ممن يقبعون في هذه المدينة منذ أكثر من عشر سنوات قضاها في التتبع والدرس ضمن نطاق معين محدود من الموضوعات العلمية حتى أصبح ذا اطلاع واسع وخبرة عميقة في آثار سوري التاريخية ومبانيها القديمة وكتابه الجديد الذي يقع في ١٣٠ صفحة مزينة بالصورة والمخططات والنقوش يحتوي على وصف دقيق لجميع المباني الأثرية في دمشق ولمحة عن تاريخها وقد صدره بمقدمة عن مدينة دمشق القديمة قبل الفتح الإسلامي ورسم مصورها القديم وأبوابها التاريخية كالباب الشرقي والباب الصغير مع تخطيط شوارعها كما كانت عليه في عهد الرومان ومن كان قبلهم متتبعاً بذلك شواهد التاريخ وبقايا الماضي محكماً الروابط بين الغابر والحاضر ثم درس بعد ذلك مدينة دمشق بعد دخول الإسلام إلها فأتى على ذكر جميع المباني الأثرية التي أنشئت فيها مع تعيين مواقعها على خرائط هندسية أضافها على الكتاب مفرداً لكل منها فصلاً خاصاً مبتدئاً بوصف البناء ورسم ما يجب من جهاته متطرقاً لبيان الآراء المختلفة عن أصل بنائه وتواريخ أصلاحه مضيفاً على ذلك رأيه الخاص وقد بلغ عدد الأبنية التي درسها وصورها وأتى على وصفها مائة بناء يمتاز كل ما كتبه عنها بالجلاء والوضوح والدقة في التتبع والدرس حتى أن الكتاب بتبويبه على هذا الشكل وتقسيم مباحثه وتأييدها بالرسوم والمخططات والصور هو أشبه شيء بكتاب مدرسي تسهل مطالعته حتى على من لم يألف هذا النوع من المباحثات ذات الشأن الكبير في تاريخ المدن والأمم وبيان مجدها التالد. وعلى الجملة فإن كتاب الأستاذ سوفاجه الجديد هو من خيرة الكتب القيمة التي نشرت في دمشق ومن أفيد ما يمكن ترجمته إلى العربية مما أصدره المستشرقون في هذه السنوات الأخيرة الفكر والعالم تأليف إبراهيم المصري، مكتبة سابا ومطبعتها. القاهرة ١٩٣٣ مجموعة مقالات في الأدب والاجتماع مذيلة برواية تمثيلية اسمهانحو النور بقلم السيد

стр. 163

إبراهيم المصري المحرر في جريدة (البلاغ) أحد أدباء الشباب المجددين في مصر. ويظهر إلى أكثر هذه المقالات التي تبحث في الحضارة والآلات) وفي معنى الحضارة وعن الفنون والآداب في عصر الآلات واضطراب أوربا وعنمارسيل بروست القصصي الفرنسي العبقري وعن شارل بودلير الشاعر العبقري وعن (غرام ميشيل أنجلو) وعن كتاب أندريه موروا في الشاعر الإنكليزي (بيرون) - نقول يظهر على هذه الدراسات وكذلك على الرواية التمثيليةنحو النور في خاتمة الكتاب تأثير الأدب الغربي واضحاً حتى يخيَّل إليك أن بعضها مترجم عن اللغات الأجنبية أو مقتبس عنها على الأقل. إلا أننا نلمس في جميعها إطلاعاً واسعاً على الآداب الغربية ومعرفة جيدة بتطورات الفكر الحديثة. ويجب أن نعترف بأن أكثر أدباء العرب ما زالوا بعيدين عن الخوض في المسائل التي يتعرض إليها السيد إبراهيم المصري. وفي الكتاب نص محاضرة للمؤلف في المثل الأعلى للفرد والمجتمع في مصرتدل على روح طيبة، محبة للإصلاح، شديدة الإخلاص ولى فكر ثاقب ونظرة عميقة. ويعجبك في السيد إبراهيم المصري صراحته وجرأته في تسمية الأمور بأسمائها. فهو يقول: إن الرخاوة دبت فينا. وعدم الاكتراث قد سمنا والمصلحة العامة أبعد ما تكون عن تفكيرنا. وإننا نفترش بلادنا كما يفترش الفاسق جسم الغانية يروي منه شهوته ثم يلتقي بها متاعاً للآخرين ثم يتكلم عن المثل الأعلى قائلاً: إن المثل الأعلى لبلادنا منذ نصف قرن مضى هو أن تصبح قطعة حية من أوروبا وأن تحتفظ في نفس الوقت بجوهر ثقافتها الشرقية. فماذا فعلنا لبلوغ تلك الغاية في نصف قرن؟ لقد قبلنا الحل الوسط وجعلنا البلد مزيجاً غريباً من التقاليد الشرقية البالية والإصلاحات الغربية. نظمنا المدن وجعلناها متعة للأجانب وأصحاب رؤوس الأموال وتركنا الفلاح في الريف فريسة الاستبداد والمرض يسكن حظيرة تعاف سكناها الكلاب. أما العلم فقد القينا به بين براثن الشركات الأجنبية تستغل شبابه ورجولته ثم تلفظه عند مقدم الشيخوخة دون تعويض يكفل راحته. أردنا النهوض بالأسرة المصرية فأرسلنا بالمرأة إلى المدارس لتتعلم ثم أبقينا في الوقت

стр. 164

نفسه على تشريع عتيق يخول الرجل حق الزواج بنساء عد ولا يساوي بينه وبين امرأته في حق الطلاق. فنحن نريد تحرير المرأة بالقلم بينما نحن نستعبدها بالقانون. . ولأجل مثل هذه الأفكار الحرة يجدر بجميع الذين يهمهم التفكير في أحوال الشرق الاجتماعية ومستقبل حضارته عدا الاطلاع على كثير من أفكار الغربيين أن يطالعوا كتاب السيد إبراهيم المصري القيم. المراحل أصدر الأديب السوري المعروف ميخائيل نعيمة صاحب كتاب الغربال كتاباً جديداً في هذه السنة سماه المراحل وهو سياحات في ظواهر الحياة وبواطنها كما قال المؤلف، ولعل أول ما يسترعي انتباه المطلع على كتاب المراحل هو التحول الظاهر في نفسية كاتبه حتى ليخيل أن مؤلفه هو غير مؤلف الغربال ففي الغربال لا تكاد تجد إلا مقاييس وموازين ثابتة أستمدها صاحبها من درس الواقع ومنطق العصر والوسط الذي عاش فيهما وفي المراحل لا تقع إلا على صور وآراء لا أساس ترتكز عليه إلا الوحي النفسي والإلهام الشعري الذي لاتحصره قاعدة معينة أو مقياس ثابت. ففي الغربال كان نعيمه من عشر سنوات خلت عربياً مدققاً ورياضياً حيوياً أا في المراحل فلقد أضحى شرقياً متصوفاً يرى كل ما في الحياة وهماً طارئاً وعرضاً زائلاً فلا يكاد يسمع من الأحاديث إلا حديث حبات القمح وهي تتكلم في جوف الأرض ولا يتعظ إلا بالغراب حينما يسمعه ينعب (قاق. قاق. قاق.) ولا يرى في الوجوه كلها إلا وجوهاً شرقية ثلاثة: وجه بوذا شيخ الهند وفيلسوفها الأكبر ووجه لاوتسو مجذوب الصين وحكيمها القديم ووجه يسوع نابغة سورية الأوحد ومعلم التضحية والإخلاص. لقد أحب نعيمه هذه الوجوه وأفتتن بها فوصفا لنا في كتابه المراحل وصفاً لعله أبدع من جميع ما كتبه في حياته، وأتى على شرح فلسفة أصحابها بأسلوب أنيق لا أعرف بين كتاب العربية من سبقه إليه. أما بقية مقالاته في كتابه المراحل فهي لو عرضت على نعيمه صاحب كتاب الغربال، هو غير نعيمه صاحب كتاب المراحل، لا صلاها من نقده ناراً حامية رغم ما فيها مما يستلهي الفكر ويطرب النفس. الأمواج

стр. 165

لأحمد الصافي النجفي السيد الصافي شاعر انصرف في حياه إلى الشعر لا عمل له سواه وهو القائل: قد جاء النزل لي سائلاً ... يقول ما شغلك في ذي الحياة فحار عقلي في جوابي له ... حتى كأني غارق في سبات فقلت شغلي الشعر في نظمه ... أدفع عني جحفل النائبات نشر منذ نحو سنتين تعيب رباعيات الخيام فكانت ترجمته من أفضل الترجمات محافظة على الأصل ومقدرة في النظم وأخيراً نشر ديوان الأمواج وفيه طائفة صالحة من شعره السهل السائغ. يعجبك من الديوان موضوعاته الطريفة مثل قصيدة حياتي وسراجي وغرفة شاعر وأن والدجاج والشاعر والفار والشاعر والقط إلى غيرها من القصائد والمقطوعات التي تعبر بدقة عن نفس الشاعر وحياته ونظره إلى المجتمع بصراحة لا جمجمة فيها وبيان سهل لا تكلف فيه ولا صنعة وق يفرط في اعتماده على طبعه وإلقاء الكلام على عواهنه فيهمل التهذيب في كثير من أبياته وله في ذلك رأي نظمه بقوله: قال خلي هذب قريضك حتى ... لا ترى فيه غير بيت مليح قلت شعري مرآة روحي فإن كا ... ن قبيحاً فهل أغير روحي وكل من عرف روح الشاعر لا يقره على هذا الرأي وبعد فطريقة الصافي في الصراحة والاعتماد على النفس والاستقلال بالرأي ومجاراة الطبع والبعد عن المغالاة والصنعة والتزويق أشبه بطريقة الزهاوي شاعر العراق. خ. م. الصحائف الضاحكة يصدرها ويصورها: محمد الصالح الخماسي، تونس وهي اسم مجلة فكاهية جديدة في تونس وصلنا العدد الأول منها وهو في ٢٨ صفحة مصورة تصويراً متقناً يحتوي على قصة محلية تاريخية جيدة الأسلوب. وهذه المجلة تعد خطوة كبيرة في سبيل رقي الصحافة العربية في تونس التي أخذت تسابق أخواتها في الأقطار العربية الأخرى.

стр. 166

أخبار العلم والأدب لامرتين في دمشق أقيمت في دمشق وبيروت عدة حفلات بمناسبة مرور مائة عام على مجيء لامرتين إلى سوريا وقد التقى الموسيو تره س محاضرة في الجامعة السورية موضوعها لامرتين في دمشق بين فيها حالة دمشق يوم جاء الشاعر إليها عام ١٨٣٣ وكيف نزل ضيفاً عند الموسيو (بودن) واجتمع هناك بالقادمين من بغداد واطلع على حالة جزيرة العرب. فمما قاله الموسيو تره س أن لامرتين تجنب في وصفه لدمشق ذكر الأسماء الخاصة والأشياء المحسوسة وقال أيضاً أ، وصف لامرتين لدمشق وصف شاعر هام بما شعر به من العواطف لا بما شاهده من الأشياء وقد جاءت هذه المحاضرة وحيدة في بابها لأن الموسيو تره س قد اطلع على مستندات جديدة لم يتح لغيره الاطلاع عليها قبله. وقد ألقى الدكتور أنور حاتم محاضرة في المدرسة العلمانية الفرنسية ذكر فيها علاقة لامرتين بالفير وهي مدام شارل التي عشقها في صباه وبين أن حب لامرتين لها لم يكن خالياً من المنفعة في أول الأمر وأنه لم ينقلب إلى حب حقيقي إلا بعد موت حبيبته. العلم وإثبات الطوفان مازال العلم يميل إلى اعتبار كثير من الحوادث الطبيعية والتاريخية المذكورة في الكتب الدينية المقدسة كأساطير بعيدة عن الحقيقة. وهكذا كان الأمر مع الطوفان أيضاً. إلا أنه في السنين الأخيرة أخذ بعض علماء طبقات الأرض والجغرافيا الطبيعية يبحثون في حقيقة الطوفان الذي تتكلم التوراة عنه. وقد قامت بعثة أثرية إنكليزية في سنة ١٩٢٨ بحفريات لهذه الغاية في العراق فعثرت عي عمق ستة أمتار من سطع الأرض على طبقة من الوحل تمتد إلى مسافة بعيدة. ويمكن أن يستدل من وجود هذه الطبقة على إنها من آثار كارثة طبيعية نتج عنها فيضان المياه فوق سطح الأرض. ومنذ ذلك الوقت كثرت مثل هذه الحفريات في محلات أخرى أيضاً بالقرب من مدينة (أور) القديمة حيث عثرت البعثة الألمانية أخيراً على طبقة من الوحل تحت الأرض. ولذلك فإن العلماء يرجحون اليوم القول أن هذه الآثار ليست سوى نتيجة للكوارث الطبيعية المذكورة في الكتب المقدسة. ومما يؤكد هذا الرأي الأنقاض والآثار نفسها التي تكشف عنها الحفريات. فإن بقايا الأبنية

стр. 167

تحت طبقة الوحل تختلف كل الاختلاف عن الآثار الموجودة فوق هذه الطبقة. ومعنى ذلك أن الطوفان يفصل بين شعوب لا تربطها أية صلة بعضها مع بعض. فقد انقرضت بالطوفان أقوام خلفها غيرها فيما بعد. ويقدر العلماء بأن الطوفان قد حدث سنة (٣٠٠٠) قبل الميلاد. . البواخر وخطر الحريق كان الغرق قديماً من أهم الأخطار التي تتعرض لها البواخر وركابها على أن هذا الخطر أصبح اليوم تافهاً لا شأن له أمام أخطار الحريق ولقد أحصيت كبرى البواخر التجارية التي أبادها الحريق في السنوات العشر الأخيرة التي تنتهي في ١ كانون الثاني سنة ١٩٣٢ فكانت ٢٩٦ باخرة تجارة منها ١٦ فرنسية و٨ ألمانية و٨٨ أميركية و٧٣ انكليزية و ١٥ يابانية و ١٣ نرويجية ما عدا البواخر الصغيرة الأخرى. فقامت الشركات البحرية تدرس أسباب هذا الخطر وتفكر فيما يحول دونه ويظهر من مجمل ما كتب بهذا الصدد في المجالات الفرنسية أخيراً أن المهندسين الأخصائيين انقسموا إلى حزبين فمنهم من يرى الاقتصار على بناء البوار من المواد الحديدية والمعدنية ومنهم من يدافع عن استعمال الأخشاب ويبين المحاذير التي تنشأ عن الاكتفاء بغيرها ثم يدع للبحث الدقيق في طريقة أصلاح تمديد الخيوط الكهربائية التي نشأت أكثر الحرائق في البواخر عنها. وقد اقلق وضع هذه القضية على بساط البحث تجار الأخشاب فقاموا يذيعون وينشرون فوائد استعمال الأخشاب في البواخر ويؤيدون انه لا يمكن الوصول بسواها إلى أسباب الرفاه والراحة للمسافرين كما انه من الصعب جداً الاستغناء عنها. ويظهر لمن أمعن النظر في الحجج والأدلة التي يقدمها الفريقان إن كفة الذين يرون الاقتصار على المواد المعدنية في إنشاء البواخر وتزيينها هي الأرجح. وربما لا يمضي وقت طويل حتى نرى بواخر تجاريه كبيرة ليس فيها قطعة واحدة من الخشب وبذلك يأمن راكبوها على أنفسهم من خطر الحريق بين لجج المياه. . أعظم اجتماع للرقص في أول حزيران سنة ١٩٣٣ سيعقد في وارسو في اجتماع يحضره ثلاثة آلاف راقص وراقصة يشترك فيه نحو عشرين امة وسيكون أكثر الراقصين من بولاندا وفرنسا وانكلترا

стр. 168

والسويد وهنغاريا ورومانيا وروسيا. وسيشمل الراقصون من كل امة تطور الرقص القومي عندهم آينشتاين وسعادة العلم بمناسبة اضطهاد اليهود في ألمانيا من قبل الوطنيين الاشتراكيين (النازي) اهتم الناس لحادث العالم اليهودي الكبير الأستاذ (آينشتاين)، صاحب نظرية (النسبية) المشهورة الذي ترك الجنسية الألمانية احتجاجاً على أعمال هيتلر. والأستاذ (آينشتاين) من أعاظم الرجال في هذا العصر ذاع صيته في كل أنحاء العالم وأصبح من اكبر دعاة التفاهم بين الأمم وفي مقدمة أنصار السلم العام. وهو من الشخصيات الفذة ليس في سعة علمه وعمق نظرياته فقط بل في بساطة معيشته وطيبة قلبه ونبل عواطفه وسمو أفكاره أيضا. ولعله من المفيد أن نسمع من هذا النابغة رأيه في قيمة العلم وأهميته للناس ونفهم منه شيئاً عن اللذة التي يشعر بها رجال العلم. قال (آينشتاين): ليس للعلم أي تأثير في مقدرات الأمم وكذلك يجب ألا نبالغ في تقدير فوائد العلم المادية. فان العلماء لا يهمهم إذا كانت مباحثهم مفيدة في الحياة العملية أم لا. وقد تكلم الناس كثيراً عن قيمة العلم وذهب بعضهم إلى أن فيه سعادة البشر وقال آخرون انه شقاؤهم ولم يمكن الاتفاق على احد هذين الرأيين. والأمر الثابت هو إن الأمم تستطيع الحياة العلم كما يدلنا مثال اليابان التي عاشت مئات من السنين وتقدمت وهي منقطعة عن العلوم. ويشبه ولوع العالم بعلمه غرام العاشق وانقطاعه إلى حبيبته. فهل إذا افتتن احد بفتاة جذابة يجوز أن نسأله عن الفائدة من ذلك؟ وكذلك إذا استهوانا العلم واستحوذ على أفئدتنا. ولا يمكن أن نقول فيما إذا كان هذا الحب ينتهي بجميع العلماء إلى السعادة. أما أنا فإنني سعيد بالعلم. وليس معنى ذلك أنني لا التفت بتاتاً إلى مظاهر الحياة البشرية الأخرى مثل شؤون العائلة وغيرها ولكنني اعترف بان العلم قد استولى على جميع مشاعري وان أمور

стр. 169

العالم الأخرى لا تلعب إلا دورا ثانويا في حياتي ولا أتأخر عن تضحيتها في سبيل العلم. ولا أعتقد إن الرجل العالم اقرب إلى السعادة من الجاهل. فإن رجل العلم لا يسلم أبدا من عذاب الشكوك والشبهات التي تعتوره على الدوام والتي لا يعرف الجاهل شيئا عنها. . ويقول (آينشتاين): إن الحقيقة لا تحتاج إلى من يدافع عنها لأنها هي نفسها الحجة الدامغة. ولكن إذا لم نكن في حاجة للدفاع عن الحقيقة فانه من الواجب أن نبشر بها وندعو إليها ونظهرها للآخرين الذين يسعون وراءها ولا يستطيعون الوصول إليها. . المرأة والسياسة في نظر موسوليني نشر أخيرا الديكتاتورية الطلياني موسوليني مقاله عن الدور الذي تلعبه المرأة في حياة الشعوب جاء فيها: اعتقد إن المرأة تفوق الرجل في الصفات الباطنية مثل قوة الحدس والمؤالفة وطيبة القلب والكرم وحب العائلة والتضحية غير المتناهية. وبينما لا نجد منذ أول العالم امرأة نبغت في فن التلحين أو التصوير أو صناعة النحت أو البناء نصادف بين النساء كثيرات من مشاهير الكتاب والخطباء. وقد اثبت النساء العجز التام في التفكير الفلسفي فلم يظهر بين الفلاسفة امرأة واحدة. ومن هنا يتضح موقفي تجاه اشتراك المرأة في الحياة السياسية. فانا وان كنت اعترف بان الأصوات التي تعطيها المرأة المتوسطة في الانتخابات لا تختلف كثيرا عن أصوات الرجال المتوسطين إلا إنني أقول إن اشتراك النساء في الانتخابات النيابية على جانب عظيم من الخطورة لان الأكثرية في جانبهن. ومتى ازداد انقسام المسؤولية أنفسح المجال لضياعها وفسادها ولذلك فإنني من المعارضين لفكرة منح النساء حق الانتخابات رغم اعترافي للمرأة بالذكاء وبكثير من المزايا الأخلاقية. وإذا كنت لا اشك في وجود كثير من النساء النابغات إلا إنني لا اعتقد مقدرة المرأة على العمل في ميدان السياسة فان السياسة أسمى الصناعات مقاما وأكثرها صعوبة وهي تتطلب معرفة بالناس نفوذا إلى نفسية الجماهير وتحتاج إلى كثير من التجارب والاعتدال والجرأة والسيطرة على النفس والسيادة على الآخرين ورباطة الجأش واطلاع تام على التاريخ

стр. 170

وعلم دقيق بأهم المسائل الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية ولا يمكن النجاح في المسلك السياسي إلا بصرف جهود عظيمة لا قدرة للمرأة عليها. وقبل كل شيء فان مزاج المرأة السريع التأثر لا يساعد على انخراطها في السياسة أبدا. على أنني لست من الرجال القدماء الذين يجسرون على الادعاء بان المرأة يجب أن يقتصر اهتمامها على بيتها وأسرتها. لا شك في أن البيت هو مملكة المرأة وميولها تدفعها إلى العمل في هذه المملكة في الدرجة الأولى. في بيتها، صغيرا كان أو كبيرا، يجب أن تكون المرأة ملكة وليس ملكة خاملة متقاعسة، بل ملكة عاملة مدبرة. ولكن الحياة العصرية ويا للأسف قاسية تضطر الملايين من الفتيات اللواتي لا يجدن رجلا يعولهن، إلى الاشتراك في معترك الحياة. وهذه الملايين يجب أن تعمل لمعيشتها وها نحن نراها تقوم بذلك على أتم وجه محافظة على وقارها وشرفها ومكانتها. وما دامت المرأة مرغمة على مزاحمة الرجل في ميدان العمل فمن الضروري أن يفسح لها المجال واسعا لإظهار مقدرتها في جميع الساحات العملية والفكرية. . ماذا يجب أن نأكل إن مباحث العلماء عن المواد الغذائية وفوائدها قد أحدثت في السنين الأخيرة انقلابا كبيرا في طرق (التغذية). فقد ثبت الآن إن الغذاء الطبيعي للإنسان كما يتطلبه بنيانه (الفيزيولوجي) لا يمكن أن يقتصر على المواد الغذائية الأساسية بل يجب أن تضم إليها بعض المواد الإضافية الضرورية للحياة التي لا تتم التغذية إلا بها والتي لم نكن إلى وقت قريب نعرف شيئا عنها. ولا يشك اليوم احد في أن الغذاء الذي لا يحتوي إلا على المواد الغذائية الأساسية الثلاث: الزلال والسكر والشحم لا يمكن الاكتفاء به ولو تناولنا منه كميات كبيرة بل لابد أن يسبب ذلك اختلال حالتنا الصحية ويعرضنا لأمراض كثيرة. . ومن الحقائق الجديدة معرفتنا بأن الاستمرار على طعام كثير الزلال ليس له من الفائدة الغذائية والصحية بقدر ما كنا نظن قبلا. وقد كان من الخطأ أن نستنتج من كون الزلال أحد المواد الأساسية في بناء الجسم فنقول انه أحسن مادة غذائية أيضا ونعبره اهتماما زائدا

стр. 171

أكثر من غيره. فقد ثبت أن الجسم لا يستفيد من المواد الزلالية في الطعام إلا بقدر ما يستهلكه وان الكمية الزائدة عن ذلك إنما تتحلل وتتحول إلى مواد احتراقية مثل الشحم والسكر. ولذلك ليس صحيحا أن نتمسك اليوم بالفكرة القديمة التي تفضل المواد الغذائية الحيوانية مثل اللحم والبيض والحليب على غيرها وتقصير عليها لاحتوائها على مقدار كبير من الزلال. وإذا اكتفينا بكمية صغيرة من الزلال فيجب أن تكون من الأنواع الجيدة التي لها قيمة حيوية لان التجارب المتعددة قد اثبت أن الزلال الموجود في الأغذية المختلفة لا تتساوي قيمة وفائدته للجسم بل إن هنالك أنواعا أكثر قيمة وفائدة ينبغي تفضيلها على غيرها في تغذية الأطفال بعد دور الرضاعة لتأمين نموها الطبيعي. وهنا يأتي الحليب في المقدمة وكذلك اللحم والبيض يحتوي على مواد زلالية مفيدة. ولكن ليس معنى ذلك إنها متساوية أو متشابهة في قيمتها الغذائية ويمكن الاستغناء عن الآخر. ومثلها المواد الغذائية القريبة من الزلال التي تشتمل عليها النباتات فإنها يختلف بعضها عن بعض في فائدته لتغذية الجسم. على إن أهمية الأغذية النباتية إنما ترجع في الدرجة الأولى إلى احتوائها على كمية كبيرة من المواد الإضافية الضرورية للأفعال الحيوية في الجسم. وبينما كنا قبلا لا نعتني بالأغذية النباتية لكثرة الماء وقلة الزلال والشحم فيها أصبحنا اليوم نقدر قيمة الأغذية النباتية حق قدرها لما ظهر من أهميتها لاشتملها على كمية عظيمة من المواد الإضافية الضرورية مثل أنواع الفيتامين والأملاح المعدنية. وقد عرفنا إن تناول مقادير كافيه من مختلف الأغذية النباتية مثل (البندورة) والفجل واللفت و (الملفوف) والكرنب وأنواع الحبوب والفواكه بما فيها الليمون والبرتقان، مما يتوقف عليه نمو الجسم وحصول المناعة فيه ضد كثير من الأمراض. والرأي الذي اجمع عليه العلماء اليوم يقول بضرورة تنويع الغذاء وعدم الاقتصار على أنواع قليلة منه. فان كلا من الحبوب والخضر والفواكه وكذلك اللحوم والبيض والحليب يحتوي على عناصر ضرورية للجسم لا توجد في غيره أو لا توجد فيه بمقدار كاف. . الشعور بالتعب في الربيع

стр. 172

متى جاء الربيع نشعر برخاوة وتعب غريب في أجسامنا. ويرافق هذه الحالة ازدياد الجوع رغم كثرة الأكل ثم ألم مزعج في العضلات لا يشعر به الإ صحاح الجسم من البالغين. فما علاقة هذه الظواهر بالربيع؟ كثير ما يحار الأطباء في الجواب على مثل هذه الأسئلة البسيطة عن الأمور المعتادة ويرجع السبب في ذلك إلى إن هذه الأعراض المرضية تافهة لا تدعو الناس إلى مراجعة الطبيب وقد ظهر للأستاذ (براوئر) في ألمانيا بان هذه الأعراض تدل على مقدمات لمرض الحفر الذي كثر ذكره مؤخرا في البحث عن (الفيتامين). وهو مرض سار يسبب فساد الدم وينشأ عن فقدان بعض أنواع الفيتامين في الغذاء ويقول الأستاذ (براؤئر) إن التعب الذي نشعر به في الربيع إنما يرجع سببه إلى نقصان كمية الفيتامين في الأغذية التي نتناولها في أوائل هذا الفصل. فان الخضر والفواكه لا تزال حينئذ نادرة جدا ولا يعتني الناس كثيرا بأكلها. . برج بابل الجديد وضع المهندس الافرنسي (بير) مع غيره من المهندسين المساعدين له مشروعا لإنشاء برج جديد يبلغ ارتفاعه (٧٠٠) متر وحسب التصميم الذي أتمه المهندس (بير) فان الصعود إلى أعلى البرج لن يكون بالرافع (الاسانسور) كما هي الحال الآن في برج (إيفل) الذي لا يتجاوز ارتفاعه (٣٠٠) متر بل إن هناك طريقا حلزونية للسيارات تدور حول البرج طولها ستة كيلو مترات وعرضها سبعة أمتار تنتهي بنا إلى قمة البرج حيث يوجد مرآب يسع (٤٠٠) سيارة. والطريق الحلزونية العريضة تساعد على سير أربع سيارات في وقت واحد اثنتان صعودا واثنتان نزولا. وفي رأس البرج سيفتح مطعم كبير وفندق فيه (٢٠٠) غرفة. وهذا البرج سيكلف (٦٠) ميلونا من الفرنكات ولكن استثماره مدة سنة واحدة يكفي لتسديد جميع هذه النفقات. ولا فرق في أي مكان ينشأ هذا البرج ولكن يفضل أن يكون على إحدى الهضبات. الصناعة والاقتصاد كانت قيمة الإنتاج الصناعي الذي يقوم به العامل الواحد في الولايات الأمريكية المتحدة

стр. 173

سنة (١٩٠٠) ما يقارب (٦٠٠و١) دولار بينما ازداد هذا المقدار في سنة ١٩١٩ إلى (٥٠٠و٧) دولار. ورغم الفرق بين الدولار من الوجهة الاقتصادية في تلك الفاصلة الزمنية فان الزيادة في إنتاج عظيمة جدا. ولكن النسبة بين قيمة المنتوجات وبين رؤوس الأموال المستثمرة كانت في نقص مستمر مع مرور الأيام. فبينما كانت هذه النسبة في سنة ١٨٥٠ ما يقارب (٢) هبطت في سنة ١٩١٦ إلى ٩٣و١ فقط. ومعنى ذلك انه رغم نقصان عدد العمال الذين يستخدمون في استثمار الآلات المتكاملة فان نفقات الإنتاج قد ازدادت لان هذه الآلات الحديثة تكلف مبالغ كبيرة لما هي عليه من الدقة والإتقان.

стр. 174

العدد ٣ - بتاريخ: ٥ - ٦ - ١٩٣٣

стр. 175

بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني وكامل عياد - دمشق في ٥ حزيران ١٩٣٣ - ١١صفر ١٣٥٢ ركود الأدب في سورية لخليل مردم بك المتعلمون في سورية بالنسبة لعدد السكان أكثر من المتعلمين في الأقطار العربية كافة، ومع ذلك فالحركة الأدبية في سورية ممنوة بركود يستدعي الاستغراب. فالمطابع في قلة إنتاجها من آثار السلف أو مؤلفات المعاصرين تكاد تكون عقائم، والناس منصرفون عن الأدب انصرافا لا يتلاءم مع امة متحفزة للنهوض حتى كأن الأدب حاجة فضولية في حياتهم الاجتماعية، والأدباء قابعون في زواياهم لا يتعالى صوتهم في أجواء المجتمع أو هم منصرفون لما لم يخلقوا له. إذا سألت الأدباء عن سبب تخلفهم في مضمار الإنتاج أجابوك والأسف يملأ نفوسهم إن الأمة لا تعني بالأدب عنايتها حتى بالتافه من شؤون الحياة، فلماذا يوزعون أنفاسهم بين من لا يقدرونها حق قدرها، وأي كتاب عاد بغير التعب على مؤلفه أو ناشره ثم لم يكن حظه الحبس الطويل؟ اللهم إلا الكتب المدرسية التي تفرض على الطلاب فرضا، بل متى تحدث الناس عن كتاب جديد مهما بلغ من الجودة كما يتحدثون عن اقل الحوادث؟ وإذا بدا لك أن تستطع رأي الناس في إهمالهم شؤون الأدب أحالوا الذنب على عقم الأدباء أو سوء إنتاجهم، وإنهم لا يلذون ما تسيل به قرائح الأدباء في الفترة بعد الفترة وان القليل الذي ينشر من أثار السلف لا يتذوقون حلاوته. ودعوى الفريقين حق ومنهما كانت العلة التي رمت حركة الأدب بالشلل في هذه البلاد، فيحسن بذل العناية في البحث عن منشأ تلك العلة وتشخيصها وتفهم عناصرها وأعراضها. ربما كان من أعظم الدواعي في تفاقم تلك العلة اختلاف ثقافة المتعلمين في سورية، فمنهم من اشتغلوا بأنفسهم وانقطعوا للطلب والمطالعة ومصادرهم كتب الأدب العربية فثقافة هؤلاء عربية، ومنهم من تخرجوا بمدارس الأجانب فثقافتهم إما افرنسية أو انكليزية، فهذه البلبلة في مناهج التعليم باعدت ما بين الآراء والأذواق فالكتاب الذي يؤلفه ذو ثقافة أجنبية لا يستسيغه ذو ثقافة عربية، وهكذا يبقى الكتاب في حدود من القراء ضيقة، فضلا عن إن

стр. 176

النشء لم يتعودوا المطالعة منذ حداثتهم بإقبال ورغبة. وينشأ عن ذلك بالطبع فتور هوة الأدباء، فلا ينقطعون للأدب انقطاعا يشحذ قرائحهم ويبرز مكنونات نفوسهم وعقولهم فيضطرون لاتخاذه أداة للتسلية والترويح لا غاية للحياة. فلا غرابة بعد ذلك إذا ندرت المؤلفات الأدبية التي تحبب المطالعة للناس وتغريهم بها وتجعل القراءة حاجة من حاجات الحياة التي لا يصبر عنها الإنسان. على إن في أدبنا نقصا لم يمكن تلافيه إلى الآن ولعله من أعظم ما جعل الناس يزوون وجوههم عن تقدير الأدب والارتياح له وهو أن أدبنا مرآة غير صادقة لا تنعكس فيها حياتنا الحاضرة أو قل انه صورة لا تمثل الواقع كما هو. ولئن كان في الأدب القديم ما يمثل حياة أهله فانه لطبقة خاصة من المتأدبين لا لبقية الناس الذين يشق عليهم استحضاره صورة القديم في أذهانهم بل هم بحاجة لما يمثل شؤونهم الحاضرة ويحدثهم عنها. والقصص والروايات خير وسيلة لهذه الغاية وما عندنا منها أكثره مترجم لا صلة له بحياتنا، والموضوع قليل جدا لا يستدعي بعض الحاجة دع عنك الخلل والتقصير الماثلين فيه من حيث ضيق التصور والتواء الأسلوب وقلق اللباقة في التأدية والغفلة عما يحيط بنا ويحدث لنا. وهناك عقبة نرجو أن يذللها الزمان بازدياد سواد المتعلمين وهي بعد الشقة ما بين لغة الأدب واللغة المحكية، ومعالجة هذه المعضلة تستلزم فضل تدبر ورفق فشدة الكلف بالصنعة اللفظية تجعل الأدب كالمقامات تكلف مطالعها من العناء أضعاف ما تجلب له من اللذة، كما إن الدعوة إلى استعمال العامية عقوق للغة والأدب والقومية وتفريط في ميراث أدبي عظيم لا يقل عن اجل ما خلفته الأمم في الماضي. على أن الأديب اللبق قادر على أن يكون سهلا مفهوما من غير أن يخرج على قواعد اللغة وحدود البلاغة لاسيما فيما يكتبه للناس عامة. وتقاطع الأقطار العربية أو تقطعها جعل جمهور القراء ضئيلا مشتتا في العالم العربي لان الحجازي مثلا لا يعتبر دمشق أو القاهرة أو بغداد عاصمة له يشارك أهلها في مصالحهم وشعورهم ويهمه الاطلاع على ما يحدث فيها ويصدر من كتب وآثار أدبية، وهكذا السوري بالنسبة للأقطار الأخرى.

стр. 177

هذه أهم الأسباب التي نتج عنها ركود الحركة الأدبية في سورية وهي كما ترى متلازمة بعضها ينشأ عن بعض. ومعالجة كل سبب منها تحتاج تبصرا وسعيا، وليس إدراك الأمل بعيدا إذا صحت العزيمة على العمل. خليل مردم بك

стр. 178

كلية الطب للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي عفا ما بني المأمون للطب معهدا ... ببغداد إلا أن فيصل جددا ندي لدرس الطب ضخم بناؤه ... رأى فيصل تشييده فتشيدا مليك إلى الشورى صبا فوق عرشه ... فمدت له الشورى تصافحه يدا واني إذا ما شمت ومض عيونه ... أرى نصب عيني كوكبين توقدا وما زال ردء للعراق يحوطه ... ويخفره من أن يحيق به الردى أعاد به مجدا له كان ذاهبا ... وأصلح من قطريه ما الدهر افسدا تذرع بالأسباب حتى أقامه ... فأحرز يبني سؤددا ثم سؤددا رأي الحزم في إنهاضه من عثاره ... فقام به جلدا وما إن ترددا وما كل من قد رام علياء نالها ... ولا كل من قد سار يبتدر اهتدى أكلية الطب الحديث تخلدي ... كما كل ما أجدى الحياة تخلدا أحييك صداحا، أحييك هاتفا ... مع الجمع في الحفل الحفيل ومفردا فانك في جيد العراق قلادة ... وأحر بذاك الجيد إن يتقلدا وما الطب إلا منهل طاب مصدرا ... لوراده العطشى كما طاب موردا وما عاش إلا من أطاع وصاته ... ولا مات إلا من عليه تمردا وقبلك قد كان الوباء رزيئة ... وسهما إلى قلب العراق مسددا وقد كان صوت الطب في الغرب عاليا ... وما كان منه للعراق سوى الصدى ولولا اتقائي شر ناس تعصبوا ... على غير رشد لاتخذتك معبدا على إنني إما أتيت عبادتي ... عبدت جلال الله فيك موحدا إلى الطب في كل الأقاليم حاجة ... فما اقرب الجدوى وما ابعد المدى يبدل من عضو تحطم غيره ... ويحيي غريقا قد الم به الردى ورب مريض ما استطب فلم يعش ... ولم أر مثل الموت للجهل مشهدا ولم يعترف يوما ذووه بغيهم ... ولكنهم عدوا الضلال من الهدى ورب أذى يأتيك من ذي قرابة ... ورب صديق كان شرا من العدى

стр. 179

ستغفو عيون بعد ذا ملء جفنها ... فلا تجرأ الأمراض أن تتهددا وما الفضل إلا للأطباء إنهم ... لقد أوقعوا بالداء حتى تبددا خبيرين من أجسام من يفحصونه ... بما كان مخفيا وما كان قد بدا أولئك لاحوا للحضارة أنجما ... ففي كل جو أنت تبصر فرقدا تحاول أن تنكي الطبيعة جهدها ... كأن لها فيما تحاول مقصدا وكانت قديما تنفذ الحكم مطلقا ... ولكنما جاء الطبيب فقيدا فخفف ما يشكو المريض من الأذى ... وأخر آجالا قربن وبعدا وما زال يبلي الطب عند صدامه ... بجيش من المكروب مجر تحشدا وكم أسعفوا من سلة الداء ناشبا ... وكم أنقذوا من كاد يلحقه الردى وكم تعبوا يبغون تخفيف ما به ... فما ذهبت أتعابهم هذه سدى قد ابتسمت بغداد بعد عبوسها ... كما ابيض ليل بعد أن كان اسودا وهذا لعمر الحق صبح مكذب ... لمن ظن ليل الناس في الشرق سرمدا نزا بلبل يشدو فغنيت مثله ... وهل كنت ترجو أن يثورا وأجمدا ولا فرق بين العندليب وشاعر ... تفخر يشدو للسرور كما شدا كلانا نشأنا في خميلة روضة ... زهت وشربنا من أزاهيرها الندى لدى جنة أشجارها قد توا شجت ... كما خاصرت غيداء للرقص أغيدا ألست ترى روض الأماني مورقا ... يمد ظلالا بعد أن كان اجردا زرعنا فجاء الزرع ريان ناضرا ... وسوف تراه قد أجم فاحصدا تجدد هذا الدهر فانعم بخيره ... ومن حسنات الدهر أن يتجددا بغداد: جميل صدقي الزهاوي

стр. 180

نشوء التصوف للأستاذ عز الدين التنوخي اختلف كلمة الباحثين من الشرقيين والمستشرقين في منشأ التصوف وتكامل علمه فذهب أنصاره إلى كونه مقتبسا من نور الهدى النبوي وسيرة الصحابة والسلف الصالح، ومال خصوم التصوف البدعي لا الشرعي كشيخ الإسلام ابن تيمية وإتباع مدرسته السلفية إلى تأثره بالنصرانية ومناسك الرهبانية فقد جاء في رسالته الفرقان مانصه: إن الصوفية ونحوهم إلى النصارى اقرب فان النصارى عندهم عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة والإسلام بعيد عن الرهبانية وتعذيب البدن واتخاذ الأربطة الشبيه بانفراد الرهبان في الأديرة، والزهد الكلي الذي يخرج به المرء عن الملك الكلي والانقطاع عن الاستمتاع، وعن الزينة التي لم يحرمها الله، وفي الكتاب المبين: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وأي تعظيم لقدر المال اكبر من جعله قواما لمعيشة الإنسان، وقال النبي ﷺ لسعد: لان تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يثكففون الناس وقال: ما نفعني مال كمال أبي بكر وقال أيضا لعمرو بن العاص: نعم المال الصالح للرجل الصالح، وكان النبي العربي (ص) باتفاق المسلمين ازهد البشر وقد ادخر قوت سنة لعياله، كان علي بن أبي طالب والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعثمان من الزهاد على كثرة أموالهم، وأبو الفرج ابن الجوزي ممن حمل على جهلة المتصوفة في كتابه تلبيس إبليس ونقد مسالكهم وبدع مناسكهم، وأشار إلى أن بعض عاداتهم وآرائهم هو مقتبس من الرهبانية وبعضها ملتمس من العقائد الهندية، وكفر الاشاعرة شيخ الحلمانية أبا حلمان الفارسي الحلبي المعدود من شيوخ الصوفية وطريقته حلولية كالطريقة الحلاجية القائلة بحلول اللاهوت في الناسوت وقد كفر الحلاج لهذه المقالة كثير من الفقهاء والمتكلمين والحكماء والصوفية، وذهب ابن خلدون في مقدمته إلى إن الصوفية نظام الأقطاب من نظام النقباء عند الشيعة، وإلى أنهم خالطوا الإسماعيلية الرافضة فاخذوا عنهم الحلول، ولم تدخل دسائس الباطنية على المسلمين ومنهم هؤلاء الإسماعيلية، إلا من بابي التشيع والتصوف، والباطنية هم الذين جاؤا بالباطن والظاهر (ويغلب على الظن إن أخوان الصفا كانوا من الإسماعيلية وقد توفقوا برسائلهم المشهورة لدس كثير من الفلسفة الإغريقية والحكمة الهندية
следующие страницы →