← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

النشء لم يتعودوا المطالعة منذ حداثتهم بإقبال ورغبة. وينشأ عن ذلك بالطبع فتور هوة الأدباء، فلا ينقطعون للأدب انقطاعا يشحذ قرائحهم ويبرز مكنونات نفوسهم وعقولهم فيضطرون لاتخاذه أداة للتسلية والترويح لا غاية للحياة. فلا غرابة بعد ذلك إذا ندرت المؤلفات الأدبية التي تحبب المطالعة للناس وتغريهم بها وتجعل القراءة حاجة من حاجات الحياة التي لا يصبر عنها الإنسان. على إن في أدبنا نقصا لم يمكن تلافيه إلى الآن ولعله من أعظم ما جعل الناس يزوون وجوههم عن تقدير الأدب والارتياح له وهو أن أدبنا مرآة غير صادقة لا تنعكس فيها حياتنا الحاضرة أو قل انه صورة لا تمثل الواقع كما هو. ولئن كان في الأدب القديم ما يمثل حياة أهله فانه لطبقة خاصة من المتأدبين لا لبقية الناس الذين يشق عليهم استحضاره صورة القديم في أذهانهم بل هم بحاجة لما يمثل شؤونهم الحاضرة ويحدثهم عنها. والقصص والروايات خير وسيلة لهذه الغاية وما عندنا منها أكثره مترجم لا صلة له بحياتنا، والموضوع قليل جدا لا يستدعي بعض الحاجة دع عنك الخلل والتقصير الماثلين فيه من حيث ضيق التصور والتواء الأسلوب وقلق اللباقة في التأدية والغفلة عما يحيط بنا ويحدث لنا. وهناك عقبة نرجو أن يذللها الزمان بازدياد سواد المتعلمين وهي بعد الشقة ما بين لغة الأدب واللغة المحكية، ومعالجة هذه المعضلة تستلزم فضل تدبر ورفق فشدة الكلف بالصنعة اللفظية تجعل الأدب كالمقامات تكلف مطالعها من العناء أضعاف ما تجلب له من اللذة، كما إن الدعوة إلى استعمال العامية عقوق للغة والأدب والقومية وتفريط في ميراث أدبي عظيم لا يقل عن اجل ما خلفته الأمم في الماضي. على أن الأديب اللبق قادر على أن يكون سهلا مفهوما من غير أن يخرج على قواعد اللغة وحدود البلاغة لاسيما فيما يكتبه للناس عامة. وتقاطع الأقطار العربية أو تقطعها جعل جمهور القراء ضئيلا مشتتا في العالم العربي لان الحجازي مثلا لا يعتبر دمشق أو القاهرة أو بغداد عاصمة له يشارك أهلها في مصالحهم وشعورهم ويهمه الاطلاع على ما يحدث فيها ويصدر من كتب وآثار أدبية، وهكذا السوري بالنسبة للأقطار الأخرى.

стр. 177

هذه أهم الأسباب التي نتج عنها ركود الحركة الأدبية في سورية وهي كما ترى متلازمة بعضها ينشأ عن بعض. ومعالجة كل سبب منها تحتاج تبصرا وسعيا، وليس إدراك الأمل بعيدا إذا صحت العزيمة على العمل. خليل مردم بك

стр. 178

كلية الطب للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي عفا ما بني المأمون للطب معهدا ... ببغداد إلا أن فيصل جددا ندي لدرس الطب ضخم بناؤه ... رأى فيصل تشييده فتشيدا مليك إلى الشورى صبا فوق عرشه ... فمدت له الشورى تصافحه يدا واني إذا ما شمت ومض عيونه ... أرى نصب عيني كوكبين توقدا وما زال ردء للعراق يحوطه ... ويخفره من أن يحيق به الردى أعاد به مجدا له كان ذاهبا ... وأصلح من قطريه ما الدهر افسدا تذرع بالأسباب حتى أقامه ... فأحرز يبني سؤددا ثم سؤددا رأي الحزم في إنهاضه من عثاره ... فقام به جلدا وما إن ترددا وما كل من قد رام علياء نالها ... ولا كل من قد سار يبتدر اهتدى أكلية الطب الحديث تخلدي ... كما كل ما أجدى الحياة تخلدا أحييك صداحا، أحييك هاتفا ... مع الجمع في الحفل الحفيل ومفردا فانك في جيد العراق قلادة ... وأحر بذاك الجيد إن يتقلدا وما الطب إلا منهل طاب مصدرا ... لوراده العطشى كما طاب موردا وما عاش إلا من أطاع وصاته ... ولا مات إلا من عليه تمردا وقبلك قد كان الوباء رزيئة ... وسهما إلى قلب العراق مسددا وقد كان صوت الطب في الغرب عاليا ... وما كان منه للعراق سوى الصدى ولولا اتقائي شر ناس تعصبوا ... على غير رشد لاتخذتك معبدا على إنني إما أتيت عبادتي ... عبدت جلال الله فيك موحدا إلى الطب في كل الأقاليم حاجة ... فما اقرب الجدوى وما ابعد المدى يبدل من عضو تحطم غيره ... ويحيي غريقا قد الم به الردى ورب مريض ما استطب فلم يعش ... ولم أر مثل الموت للجهل مشهدا ولم يعترف يوما ذووه بغيهم ... ولكنهم عدوا الضلال من الهدى ورب أذى يأتيك من ذي قرابة ... ورب صديق كان شرا من العدى

стр. 179

ستغفو عيون بعد ذا ملء جفنها ... فلا تجرأ الأمراض أن تتهددا وما الفضل إلا للأطباء إنهم ... لقد أوقعوا بالداء حتى تبددا خبيرين من أجسام من يفحصونه ... بما كان مخفيا وما كان قد بدا أولئك لاحوا للحضارة أنجما ... ففي كل جو أنت تبصر فرقدا تحاول أن تنكي الطبيعة جهدها ... كأن لها فيما تحاول مقصدا وكانت قديما تنفذ الحكم مطلقا ... ولكنما جاء الطبيب فقيدا فخفف ما يشكو المريض من الأذى ... وأخر آجالا قربن وبعدا وما زال يبلي الطب عند صدامه ... بجيش من المكروب مجر تحشدا وكم أسعفوا من سلة الداء ناشبا ... وكم أنقذوا من كاد يلحقه الردى وكم تعبوا يبغون تخفيف ما به ... فما ذهبت أتعابهم هذه سدى قد ابتسمت بغداد بعد عبوسها ... كما ابيض ليل بعد أن كان اسودا وهذا لعمر الحق صبح مكذب ... لمن ظن ليل الناس في الشرق سرمدا نزا بلبل يشدو فغنيت مثله ... وهل كنت ترجو أن يثورا وأجمدا ولا فرق بين العندليب وشاعر ... تفخر يشدو للسرور كما شدا كلانا نشأنا في خميلة روضة ... زهت وشربنا من أزاهيرها الندى لدى جنة أشجارها قد توا شجت ... كما خاصرت غيداء للرقص أغيدا ألست ترى روض الأماني مورقا ... يمد ظلالا بعد أن كان اجردا زرعنا فجاء الزرع ريان ناضرا ... وسوف تراه قد أجم فاحصدا تجدد هذا الدهر فانعم بخيره ... ومن حسنات الدهر أن يتجددا بغداد: جميل صدقي الزهاوي

стр. 180

نشوء التصوف للأستاذ عز الدين التنوخي اختلف كلمة الباحثين من الشرقيين والمستشرقين في منشأ التصوف وتكامل علمه فذهب أنصاره إلى كونه مقتبسا من نور الهدى النبوي وسيرة الصحابة والسلف الصالح، ومال خصوم التصوف البدعي لا الشرعي كشيخ الإسلام ابن تيمية وإتباع مدرسته السلفية إلى تأثره بالنصرانية ومناسك الرهبانية فقد جاء في رسالته الفرقان مانصه: إن الصوفية ونحوهم إلى النصارى اقرب فان النصارى عندهم عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة والإسلام بعيد عن الرهبانية وتعذيب البدن واتخاذ الأربطة الشبيه بانفراد الرهبان في الأديرة، والزهد الكلي الذي يخرج به المرء عن الملك الكلي والانقطاع عن الاستمتاع، وعن الزينة التي لم يحرمها الله، وفي الكتاب المبين: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وأي تعظيم لقدر المال اكبر من جعله قواما لمعيشة الإنسان، وقال النبي ﷺ لسعد: لان تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يثكففون الناس وقال: ما نفعني مال كمال أبي بكر وقال أيضا لعمرو بن العاص: نعم المال الصالح للرجل الصالح، وكان النبي العربي (ص) باتفاق المسلمين ازهد البشر وقد ادخر قوت سنة لعياله، كان علي بن أبي طالب والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعثمان من الزهاد على كثرة أموالهم، وأبو الفرج ابن الجوزي ممن حمل على جهلة المتصوفة في كتابه تلبيس إبليس ونقد مسالكهم وبدع مناسكهم، وأشار إلى أن بعض عاداتهم وآرائهم هو مقتبس من الرهبانية وبعضها ملتمس من العقائد الهندية، وكفر الاشاعرة شيخ الحلمانية أبا حلمان الفارسي الحلبي المعدود من شيوخ الصوفية وطريقته حلولية كالطريقة الحلاجية القائلة بحلول اللاهوت في الناسوت وقد كفر الحلاج لهذه المقالة كثير من الفقهاء والمتكلمين والحكماء والصوفية، وذهب ابن خلدون في مقدمته إلى إن الصوفية نظام الأقطاب من نظام النقباء عند الشيعة، وإلى أنهم خالطوا الإسماعيلية الرافضة فاخذوا عنهم الحلول، ولم تدخل دسائس الباطنية على المسلمين ومنهم هؤلاء الإسماعيلية، إلا من بابي التشيع والتصوف، والباطنية هم الذين جاؤا بالباطن والظاهر (ويغلب على الظن إن أخوان الصفا كانوا من الإسماعيلية وقد توفقوا برسائلهم المشهورة لدس كثير من الفلسفة الإغريقية والحكمة الهندية

стр. 181

في الشريعة السمحة الإسلامية، وفسروا القرآن تفسيرا باطنيا. والشيخ محمد عبده، وهو من حكماء الصوفية المتأخرين، كان يقول إن التفسير الباطني المنسوب إلى ابن عربي والمطبوع في جلدين هو للشيخ الكاشاني الباطني، وفي بعض كتب الصوفية ذكر للبراهمة وتفريق بين كشفهم والكشف الصوفي بكون الهندية صوريا وظلمانيا، والإسلامية معنويا ونورانيا. هذا غيض من فيض مما في ثقافتنا الصوفية من إشارات لما خالطها من الدخائل التي عمرت صفوها، وباعدت بينها وبين تصوف السلف، وأما الباحثون من المستشرقين قهم كذلك مختلفون في تخصيص هذه العناصر الغربية، فالأستاذ بروان مثلا يذهب في كتابه النفيس تاريخ فارس الأدبي إلى أن ما ينزع من التصوف إلى حلول هو من أصل فارسي، وما يتعلق بالفلسفة فمقتبس معظمه من الأفلاطونية الجديدة - ومنهم فون كريمر الذي يرى أن نظريته الفناء في التصوف مثلا هي من التعاليم البوذية، وان الذي نقلها إلى العرب هو أبو يزيد البسطامي البلخي الذي أخذها عن مربيه أبي علي السندي، وقد بالغ كثيراً باعتقاده إن للمدرسة الفلسفية الهندية أعظم التأثير التصوف الإسلامي. وأما نيكلسون تلميذ بروان والذي نشر كثيرا من كتب السلف في التصوف وألف كثيرا فيه فقد خالف أستاذه على ذلك بملاحظة دقيقة وهي حياة كل نم إبراهيم بن ادهم وشقيق البلخي اللذين عاشا في بلخ على اتصال وثيق بالبوذية وليس مع ذلك في أقوالهما ما يدل على الفناء، فهو لذلك يرجح تأثر التصوف بالرهبنة النصرانية والفلسفة الأفلاطونية الجديد، واستشهد لذلك بأقوال ذي النون المصري ومعروف الكرخي اللذين عاشا في زمن الرشيد انتشرت فيه الثقافة الإغريقية النصرانية. هذا ولم يقتصر تأثير النصرانية وحدة فقد أثرت كذلك في زعم بعض المستشرقين على الكلام حتى ذهب منهم فون كريمر إلى أن فرقه المعتزلة نشأت من النصرانية لان آباء الكنائس كانوا يتجادلون في حرية الإرادة وبعبارة أخرى في مسألة القدر كما كانوا يتجادلون في صفات الله، وقد رد عليه الأستاذ احمد أمين في ضحى الإسلام (١) ذلك السفر الممتع مبينا له إن مسألة القدر مصدرها الكتاب والسنة واستشهد لذلك بكثير من الآيات وبورود أحاديث كثيرة تتعرض للقدر، كذلك رد على غولدزيهر نظرة تبجيل الفقر وإنها نصرانية

стр. 182

بحتة واستشهد على كونها إسلامية صرفة بما ورد في القرآن نفسه من الآيات التي تمجد الفقراء الصالحين، وبهدي الرسول الذي عف عن الغنى ولم يشأ أن يكون غنيا وكان ذلك في إمكانه، كذلك بين لغولدزيهر إن دخول أقوال من الإنجيل في الحديث قد ادخلها فيه مسلمة النصارى، ونحن لا ننكر إن الإسلام فيه روح من التعاليم الآلهية النصرانية فان الإسلام على رأي الحكم الأفغاني هو نصرانية وزيادة، وفيه كذلك روح من الموسوية الصحيحة. اشرنا في كلمة التصوف الأولى على إن أصوله كلها موجودة في الكتاب والسنة وفي هدي الصحابة والسلف الصالح، لان غاية التصوف تطهير النفوس وتهذيب الأخلاق، بيد إن هذه الأصول قد أخذت في التفرع منذ صدر الإسلام، والأصل الأول الذي ابتدأ التصوف منه هو الورع في العبادات والمعاملات، فان روحه ما زالت تنمو في القلوب الوجلة من الذنوب، وقوته ما برحت تهيمن على الأرواح المشفقة من غضب المحبوب حتى جمحت بكثير من أرباب الورع الصادق إلى الزهد، فالورع مقدمه والزهد نتيجة، وإلى هذه الحقيقة أشار أبو سليمان الداراني بقوله: الورع أول الزهد كما إن القناعة أول الرضا، وجاء في منازل السائرين للعارف الهروي إن الورع أول مقام للمريد. وهذا الزهد قد غلب إطلاقه على المعنى الذي عرفه ابن خفيف به إذ يقول: الزهد سلو القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي من الأملاك وهذا الزهد لم يكن بهذا المعنى متفشيا بين الصحابة الذين فهموا روح الإسلام، وفهموا معنى قوله تعالى: ولا تنسى نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك يدل على ذلك إن الرسول (ص) حث مرة على الصدقة فجاءه الفاروق بنصف ماله، فقال له الرسول وما أبقيت لأهلك فقال له: مثله أي أبقيت نصف مالي الآخر، قال ابن جرير الطبري وفي هذا الحديث دليل على بطلان ما يقوله جهلة المتصوفة إن ليس للإنسان ادخار شيء في يومه لغده، وان فاعل ذلك قد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله. وقال الحسن البصري: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وان تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها ارغب منك فيها لو لم تصبك ولعمري إن هذه الكلمة لمن جوامع الكلم في الزهد.

стр. 183

وكما إن الورع ينتهي بالسالك إلى الزهد، كذلك ينتهي به الزهد - إذا صدقت إرادته - إلى التصوف، فالزهد على ذلك أول التصوف كما إن الورع أو الزهد والقناعة أول الرضا، والتوكل أول التسليم. الفرق بين الزهد والتصوف. - إن للصوفية طريقتين في السلوك: فمنهم من يستحب الرجاء على الخوف، وهؤلاء قلما تجد في عباراتهم إلا ذكر الرجاء والمحبة، ومنهم من يفضل للسالك الخوف على الرجاء، والسهر وردي يميل في عوارفه إلى الطريقة الأولى، فجعل مبنى الزهد على الخوف، ومبنى التصوف على الحب والرخاء ومن أنصار الطريقة الثانية أبو سليمان الداراني القائل: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا كان الغالب عليه الرجاء فسد، وأبو سليمان هذا من صوفيه الشام وأركان التصوف، وأهل طريقته هذه يشبهون القلب في سيره إلى الله بطائر فالمحبة رأسه، والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى عدم الجناحان فهو عرضة صائد وكاسر. أما طريقة الرسول، وفيها الأسوة الحسنة، فمبنية على تغليب الخوف على الرجاء كيف وهو القائل: شيبتني هود وأخواتها سورة الواقعة، وإذا الشمس كورت، وعم يتساءلون، ومن اجله صحابته الزاهدين معاذ بن جبل القائل: إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه، ومما يدل على خوف الصوفي من النار ما حدث به ابن القارح في رسالته قال: حدثني من أثق به ولا اتهمه عن أبيه وكان زاهدا، قال: كنت مع أبي بكر الشبلي ببغداد في الجانب الشرقي بباب الطاق، فرأينا شاويا قد اخرج حملا من التنور، وإلى جانب قد عمل حلاوي فالوذجا، فوقف ينظر إليهما، وهو ساه مفكر، فقلت: يا مولاي، دعني آخذ من هذا وهذا ورقاقا وخبزا، ومنزلي قريب، تشرفني بان تجعل راحتك اليوم عندي فقال: يا هذا، أظننت إني قد اشتهيتهما؟ وإنما فكري في إن الحيوان كله، لا يدخل النار إلا بعد الموت، ونحن ندخلها أحياء: يا رب عفوك عن ذي شيبة وجل ... كأنه من حذار النار مجنون قد كان ذمم أفعالا مذممة ... أيام ليس له عقل ولا دين ويرى الأستاذ نيكلسون (١): إن الحب قوام التصوف، وانه قلما يلتئم لذلك مع روح المسلم

стр. 184

التقي المتأثر بغضب الله وانتقامه أكثر من تأثره برحمته وحنانه، ويزعم إن القرآن يمثل الله بوجه عام ربا عبوسا مخيفا غشوما لا يسأل عباده إلا الخضوع المطلق لإرادته العاتية، وهو مع ذلك لا يعبأ بما للبشر من عواطف ورغائب، ويظن إن مثل هذا المعبود لا يمكن أن يرضي الغريزة الدينية، وانه لذلك كان تاريخ التصوف باجمعه شبه احتجاج على جفاء غير فطري بين الرحمان والإنسان الذي تغمره هذه المعرفة، ثم ذكر نيكلسون هذا رأيه المعهود في تأثير النصرانية في الحقائق الصوفية التي قامت بها على الحب والرحمة، لا على الخوف والنقمة. إن التصوف الصحيح الذي هو روح الإسلام يخالف رأي هذا المستشرق المخالفة كلها، ذلك إن القرآن، وقوامه الترغيب والترهيب، قد اشتمل على آيات تصف الله بشدة العقاب والعزة والانتقام ترهيبا للعامة الذين ينجع الخوف والشدة في ردعهم وزجرهم أكثر مما يؤثر اللين والتسامح، واشتمل كذلك القرآن على آيات أكثر عددا، وهي تصف الله بالرحمن الرحيم، والبسملة في أوائل السور من الشواهد، وبأنه هو ارحم الراحمين، واللطيف الغفار، والرؤوف الستار، ومنها قوله: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، وهذه الآية يسميها الصوفية والسلف الصالح آية المحنة أي الاختبار، قال أبو سليمان الداراني: لما ادعت القلوب محبة الله انزلها محنة، وقال بعض السلف: ادعى قوم الله فانزل الله آية المحنة (قل إن كنتم الآية. . .) فالصوفية، وشواهد أقوالهم جمة، تعتقد على ذلك إن القرآن قد قام على المحبة وبالمحبة تعاليمه الروحية، فهم يتلون آية المحنة كثيرا، وهو يرتلون: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وكما يلهج المحب باسم حبيبه إذا ما نأى، وكما يشتاق إلى رؤية وجهه، وصف الله محبيه الصادقين في كتابه بقوله: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. وأما الحديث فشواهده أكثر من الآيات، من أشهرها، وهو مما اعتمد عليه التصوف في شرح حقائقه، وما لهج به العارفون كثيرا، وجاء في صحيح البخاري: ما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وان سألني لأعطيه، ولئن استعاذني لأعيذنه. . .

стр. 185

وفي الصحيحين: إذا أحب الله العبد دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض وفي جامع الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني (١) عن أبي الدرداء عن النبي (ص) انه قال: كان من دعاء داود: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد، ولو أردت استقراء آيات المحبة وأحاديثها وأقوال السلف الصالح من التابعين والصوفية العارفين لا تسع مجال المقال ولخشيت على نفس نيكلسون من السأم والملال. إن التصوف الشرعي الصحيح ليشمل على الخوف والرجاء والحب والصفا معا والرجاء حادي المحبة، وما كان الحب والخوف ضدين يوما، ذلك إن الحب مع الاشتياق يمازجه الخوف والإشفاق، وأي محب - عمرك الله - لم يخف هجران حبيبه أو تجنبه، وأي متيم لم يحذر مع الوصال من فرقته وتنائيه، وما أصدق الشاعر إذ يقول: وما في الأرض أشقى من محب ... وان وجد الهوى عذب المذاق تراه باكيا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي - إن نأوا - شوقاً إليهم ... ويبكي - إن دنوا - خوف الفراق! عز الدين التنوخي

стр. 186

شعر ابن زيدون لخليل مردم بك ابن زيدون احد أدباء الأندلس الذي جمعوا بين الشعر والنثر وجودوا فيهما كابن عبد ربه صاحب العقد الفريد ولسان الدين الخطيب. وتلك مزية كاد الأندلسيون ينفردون بها لأنك قل أن تجد بين أدباء المشرق من نبغ في الصناعتين معا وان كان شعراء المشرق على انفراد اكبر من شعراء المغرب وكذلك قل في الكتاب. على إن الكلام في هذا الفصل سيكون مقصورا على شعر ابن زيدون دون نثره. كان الأديب الأندلسي يأتم بأدباء المشارقة ويقلدهم ويطبع على غرارهم في أساليب الشعر والنثر ولا يرى الأدب الحق إلا ما روي عنهم فهذا كتاب العقد الفريد وصاحبه من أئمة الأدب في الأندلس مروي من أوله إلى آخره عن أهل الشرق ليس فيه من الأدب الأندلسي غير أرجوزة واحدة في خلفاء بني أمية بالأندلس لصاحب الكتاب مع قليل من شعره. قيل إن الصاحب ابن عباد حرص على إن يطلع على ذلك الكتاب فلما حصل عليه وتأمله قال: بضاعتنا ردت إلينا، ظننت إن هذا الكتاب يشتمل على شيء من أخبار بلادهم فإذا هو يشتمل على أخبار بلادنا لا حاجة لنا فيه ثم رده. وإذا نبغ بينهم شاعر أطلقوا عليه اسم شاعر من شعراء المشرق أو لقبه كابن هاني الأندلسي الملقب بمتنبي الغرب وابن زيدون المعروف ببحتري المغرب. على انه مهما بالغ الأندلسيون في اقتفاء اثر المشارقة فان لطبيعة الأندلس أثرا لم يخف في شعرهم، فاعتدال الجو وحسن المناظر في الأرض والسماء وكثرة الافياء والأنداد وامتداد الظلال والأنهار، رقق من طباعهم وهيأ نفوسهم لتقدير محاسن الطبيعة في تلك البقعة المباركة، فمالوا إلى الترقيق ووصف الطبيعة، كابن خفاجة الأندلسي الذي يحق له أن يسمى شاعر الطبيعة. فهم من هذه الجهة يشبهون شعراء الشام لتشابه طبيعة القطرين. ولعل ابن زيدون من طليعة أولئك الشعراء الذي تتبين في شعرهم طابع الأندلس السحري. لان ابن هانئ الذي كان قبله لا يتميز شعره بتلك السمة الخاصة. وهو بلا شك أوفرهم حظا من الشهرة حتى كأن اسم الأندلس مقرون بابن زيدون وكأن شهره ذكرى عذبة لذلك

стр. 187

الفردوس المفقود، ولا تكاد تجد شاعرا يجعلك تتصوره بلاده مثله حتى إن القصائد التي عارض بها الشعراء قصيدته التي مطلعها: أضحى التنائي بديلا من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا سميت بالأندلسيات. نشأ ابن زيدون في بيت معروف بالوجاهة والعلم بقرطبة عاصمة الدولة الأموية في الأندلس ولم يكد يبلغ الحادية عشرة من سنة حتى فقد أباه ويدلنا شعره ورسائله على ثقافة عالية ورواية للأدب واسعة. وكانت قرطبة إذ ذاك على اضطراب أمر الدولة فيها تضاهي بغداد في الحضارة ونعيم العيش وتوفر أسباب الترف واللهو. ومن أجدر من ابن زيدون الفتى النبيه بالأخذ بأوفر نصيب من حياة قرطبة في شتى مناحيها، فطلب العلم والأدب واختلف إلى مجالس الحسان ومقاصيرهن واشتغل بالحوادث السياسية التي انتهت بانقراض دولة بني أمية. ولكل ذلك اثر واضح في شعره. وقدر له وهو في عنفوان شبابه أن يقع في شرك ولادة بنت المستكفي الخليفة الأموي، وولادة أميرة برعت في الأدب والجمال كان مجلسها ناديا لأعيان قرطبة وذلك لفرط أدبها وجمالها وحسن محاضرتها وحلو عشرتها ولين حجابها وخفة روحها، كانت تجالس زوارها وعليها ثوب كتب بالذهب على طرفه الأيمن: إنا والله أصلح للمعالي ... وامشي مشيتي واتيه تيها وعلى طرفه الأيسر: أمكن عاشقي من لثم خدي ... وأعطي قبلتي من يشتهيها فكان الأعيان والأدباء يتبارون في ذلك الميدان ويتنافسون في محبتها. ولكن ابن زيدون الشاب الشاعر الجميل أحبها حبا شديدا وأحبته هي أيضا ففاز منها بما لم يفز به غيره. واسمه يحدثك عن علاقة ذلك الحب بينهما ويصف لك ليلة لقائهما قال: كنت في أيام الشباب وغمرة التصابي هائما بولادة فلما قدم اللقاء وساعد القضاء كتبت إلي: ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فاني رأيت الليل اكتم للسر وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا ... وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر فلما طوى النهار نوره، ونشر دنانيره، أقبلت بقد كالقضيب، وردف كالكثيب، وقد أطبقت

стр. 188

نرجس المقل، على ورد الخجل، فملنا إلى روض مدبج، وظل سجسج، قد قامت رايات أشجاره، وفاضت سلاسل أنهاره، ودر الطل منثور، وجيب الراح مزرور، فلما شببنا نارها، وأدركت منا ثأرها، صرح كل منا بحبه، وشكا ما بقلبه، وبتنا بليلة نجني أقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدر، وكانت عتبة قد غنتنا: أحبتنا إني بلغت مؤملي ... وساعدني دهري وواصلني حبي وجاء يهنيني البشير بقربه ... فأعطيته نفسي وزدت له قلبي فلما انفصلنا عنها صباحنا أنشدتها ارتياحا: ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما استودعك يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك يا أخا البدر سناء وسنا ... حفظ الله زمانا أطلعك إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك وكتب إليه ولادة مرة: ألا هل لنا من بعد هذا التفرق ... سبيل فيشكو كل صب بما لقي وقد كنت أوقات التزاور في الشتا ... أبيت على جمر من الشوق محرق فكيف وقد أمسيت في حال قطعه ... لقد جعل عجل المقدور ما كنت اتقي تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ... ولا الصبر من رق التشوق معتقي سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا ... بكل سكوب هاطل الوبل مغدق فأجابها: لحى الله يوما لست فيه بملتقي ... محياك من اجل النوى والتفرق وكيف يطيب العيش دون مسرة ... وأي سرور للكئيب المؤرق ونافسه في حب ولادة الوزير ابن عبدوس وكاد له من اجله عند أميره ابن جهور فكان من اكبر أسباب محنته وحبسه وكان اشق شيء عليه في السجن بعده عن ولادة فلما فر من السجن ورحل عن قرطبة كانت ذكرى ولادة شغله الشاغل فولادة هي التي اوحت إليه تلك الأغاني الشجية الساحرة وحبها كان اشد العوامل أثرا في حياته وشعره. فلا تحفل بعد ذلك من شعر ابن زيدون إلا بما كان في ولادة وذكراها. هذه قصيدته التي كتب بها من سجنه

стр. 189

إلى ابن جهور يستعطفه بها يقول في أولها متشوقا إلى ولادة: ما جال بعدك لظي في سنا القمر ... إلا ذكرتك ذكر العين بالأثر ولا استطعت ذماء الليل من أسف ... إلا على ليلة سرت مع القصر فليت ذاك السواد الجون متصل ... لو استعار سواد القلب والبصر فهمت معنى الهوى من وحي طرفك لي ... إن الحوار لمفهوم من الحور حسن أفانين أعيننا ... غاياته بأفانين من النظر فإذا انتهى من هذه الأنغام العلوية وبلغ ابن جهور يستعطغه انحط عن تلك المرتبة مع إن القصيدة نظمت برسم ابن جهور. يروقك من شعر ابن زيدون اثر الترف الماثل فيه وحب اللهو وتلك اللوعة الوثابة والشوق المبرح والحنين الشديد وكل ما يمت إلى الغرام وأهواء النفس بسبب ووصف مغاني الإنس ومعاهد الذكر فهو كشاعر غزلي اكبر منه في كل فن من فنون الشعر وما قاله في ولادة شعر حي يتغنى به منذ عهدهما إلى الآن. ابن زيدون وان أحب الصنعة واقبل عليها في شعره فهو مطبوع يتدفق ماء الطبع من أكثر شعره ولا شك في أن غرامه رقق ذلك الطبع وشحذه فظل باب الغزل في شعره أحسن من جميع الأبواب التي عالجها. صنعة ابن زيدون أشبه بصنعة البحتري لا تعارض الطبع بل تجاريه وتعتمد عليه فهناك حسن انتقاء للألفاظ العذبة في الذوق والسمع وبعد نظر في استعمالها وإنزالها منازلها مع تتبع برفق وبراعة لأنواع البيان والمحسنات بنوعيها معنوية ولفظية. قالوا أن ابن زيدون بحتري المغرب والحقيقة إن بين الشاعرين تشابها من حيث السلاسة والعذوبة والاهتمام بموسيقى اللفظ وحسن الرصف بما لا يعارض الطبع والتسلسل والتساوق ومخاطبة النفس والدقة في وصف المرئيات والهواجس وان كان البحتري أكثر فنونا وأوسع مضطربا في أغراض الشعر. ومهما يكن فقد كان ابن زيدون معجبا بالبحتري يجاريه فلا يقصر عنه في الغزل والحنين قال الصفدي إن قصيدة ابن زيدون: أضحى التنائي بديلا من تدانينا. . . . . . .

стр. 190

عارض بها البحتري في قوله: يكاد عاذلنا في الحب يغرينا ... فما لجاجك في عذل المحبينا نلحى على الوجد من ظلم فديدننا ... وجد نعانيه أو لاح يعنينا مذهب ابن زيدون في الشعر مذهب الوجدانيين الذين يعبرون عن هواجس النفس وخوالج الضمير بصورة فنية خلابة تستفز الطرب وتستثير الإعجاب وان لم يكن فيها ابتكار أو عمق في التفكير لذلك فلا تكاد تجد له معنى مخترعا أو رأيا يعتمد على المحاكة العقلية والتفكير العميق فإذا شئت أن تقف على براعته وسحره فالتمسهما في غزله ووجده وشوقه وحنينه كقوله: لا سكن الله قلبا عن ذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا لو شاء حملي نسيم الصبح حين سرى ... وافاكم بفتى أضناه ما لاقى كان التجاري بمحض الود مذ زمن ... ميدان انس جرينا فيه إطلاقا فالآن احمد ما كنا لعهدكم ... سلوتم وبقينا نحن عشاقا أما الوصف في شعره فجيد بالغ إذا تناول محاسن الطبيعة لاسيما إذا كانت مربعا للهواة أو باعثا لذكرياته كالقصيدة التي كتبها إلى ولادة يصف الزهراء في الربيع ويشكو إليها شوقه: إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ... والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنه رق لي فاعتل إشفاقا والروض عن مائه الفضي مبتسم ... كما شققت عن اللبان أطواقا يوم كأيام لذات لنا انصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر سراقا نلهو بما يستميل العين من زهر ... جال الندى فيه حتى مال أعناقا كأن أعينه إذ عاينت ارقي ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا ورد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين إشراقا سرى بنافجة نيلوفر عبق ... وسنان نبه منه الصبح إحداقا كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا ... إليك لم يعد عنها الصدر إن ضاقا وصور الطبيعة تتراءى في مواضع شتى من شعره على اختلاف الأغراض كقوله في الشكوى من السجن:

стр. 191

ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي ... ويطلب ثأري البرق منصلت النصل وهلا أقامت أنجم الليل مأتما ... لتندب في الآفاق ما ضاع من نثلي ولو أنصفتني وهي أشكال همتي ... لا لقت بأيدي الذل لما رأت ذلي ولا فترقت سبع الثريا وغاضها ... بمطلعها ما فرق الدهر من شملي وكقوله في قصيدة يمدح بها ابن جهور: إلى أن بدت في دهمة الأفق غرة ... ونفر من جنح الظلام غراب وقد كادت الجوزاء تهوي فخلتها ... ثناها من الشعرى العبور جناب كأن الثريا راية مشرع لها ... جبان يريد الطعن ثم يهاب كأن سهيلا في رباوة افقه ... مسيم نجوم حان منه إياب كأن السها فاني الحشاشة شفه ... ضنى فخفات مرة ومثاب كأن الصباح استقبس الشمس نارها ... فجاء له من مشتريه شهاب كأن إياه الشمس بشر ابن جهور ... إذا بذل الأموال وهي رغاب وما سوى ذلك من الأبواب التي عالجها كالمديح والرثاء والعتاب والتهاني لا يستدعي في جملته الإعجاب على ما فيه من أحكام في النسج وصنعه تدل على أدب جم ورواية واسعة وثقافة عالية لان اثر التصنيع ظاهر عليه ينبيك بأن الباعث على نظمه ضرورة أو مجاملة أو قضاء حق أو دفع مغرم أو جر مغنم كقصائده التي مدح الملوك بها في حبسه وبعد فراره من السجن أو التي هاجم بها حساده ومنافسيه فلا تكاد تجد بها معنى مبتكرا أو إبداعا في جملتها بل هي من المتعارف المعهود وبعضها من المردد المعاد الذي ألح عليه الشعراء حتى بلي. فالوزير ابن زيدون شاعر يجري طلقا ويأتي سابقا في ميدان صبابته وهواه فإذا تعدى حدود ذلك الميدان لم يكن من السابقين. فأناشيد غرامه وحدها هي التي تستحق الخلود ولأجلها قارن بعض المستشرقين بينه وبين طيبو لوس الشاعر اللاتيني وبيترارك الشاعر الايطالي. خليل مردم بك

стр. 192

خصم جديد كتب الأستاذ الموسيو جان غولميه الذي حبانا صداقته منذ سعدنا بلقائه على مقاعد التدريس في جامعة الصور بون مقالا في عدد الثقافة الماضي لعله لم يوجه إلينا إلا انه حمل فيه حملة شعراء على علم الاجتماع الحديث الذي يعرف إننا من مريديه ومن المعجبين به. وقد تعرض لتنفيذ ما يرتئيه أصحاب هذا العلم ودحض مذهبهم الاجتماعي هازئا بقواعد دور كايم ونظريات أشياعه من أمثال بوكله، وموص ودافي، وليفي برول، من أساتذة جامعة الصور بون ثم بين ما دعاه إلى ذلك بقوله إن هذه القضية هي ذات بال في البلاد السورية حيث علم الاجتماع يستهوي عددا كبيرا من الشبان فيعتبرونه كأنه احدث ما ظهر مما أنتجه القرائح العلمية في الغرب ويضعون، كما اتضح لنا، في قواعده وأصوله من الثقة ما تدعو الحيطة لان نحذرهم منه وننبهم إليه. نشكر صديقنا الأستاذ غولميه على ما أراد أن ينبه قراء الثقافة إليه، على أننا نرى من الواجب أن ننبههم بدورنا إلى ما ربما لم يخف على احد منهم وهو أن الأستاذ غولميه ليس هو أول متهجم على علم الاجتماع وأئمته هذا التهجم الشديد فلقد لقي دور كايم واضع هذا العلم الجديد بعد شيخه اوغست كونت من المصاعب والعقبات وتحامل الناس عليه، شأن كل مصلح يلامس ما تجمد في الأدمغة من عقائد وآراء قديمة، ما أوشك أن يثنيه عن الغاية التي رمى إليها، فلقد رموه بالإلحاد، واتهموه بالكفر والإباحية، ووصفوه بالمادي المتجمد والطائش الأبله، ولكن الرجل ظل مثابرا على عمله يدحض المزاعم بالأدلة العلمية وينفي الأوهام بشواهد الغابر والحاضر حتى وفق في أيامه الأخيرة لان يجمع حوله طائفة من الرجال الذين يعدون اليوم بما صنفوه وألفوه من أكابر رجال العلم ومن مفاخر الجامعات الافرنسية. ولا بدع أن يكون بين أخصام دور كايم وأعداء علم الاجتماع طائفة من الفلاسفة في هذا العصر، فالفلسفة أم العلوم والفلاسفة أصحابها هم أخصام كل ما خرج عن نطاق فلسفتهم، فليس من علم نشأ واستقل بنفسه عن الفلسفة إلا ونال من ظلمهم وعسفهم حينا من الدهر حتى كاد يقضي عليه وهو في المهد لولا ثبات أصحابه وجهادهم في سبيل تأييده وتصنيفه في عداد العلوم المستقلة الأخرى. وان ما يصيب علم الاجتماع اليوم هو نفس ما أصاب العلوم الأخرى في حين نشأتها وقبل أن تستقل استقلالا اعترف لها به العلماء والفلاسفة

стр. 193

أنفسهم. رأى دور كايم كما رأى الكثيرون من قبله إن حياة الجماعات هي غير حياة الأفراد وان الفرد الواحد يحس ويفكر ويعمل وهو مجتمع مالا يحسه ويعمله ويفكر به وهو منفرد وان الجماعات وان تألفت من أفراد فكيانها غير كيان الأفراد وأحكامها غير أحكامهم وان هذه الأفراد كالعناصر العضوية إذا هي اجتمعت كان لها من الخصائص مالا تملكه وهي مفترقة ولذلك فقد جعل هذه الجماعات الهدف الذي يرمي إليه في علمه كما إن علماء البسيكولوجيا جعلوا مشاعر الفرد وعواطفه وتصوراته وأهواءه هدف علمهم وموضوع بحثهم. ثم رأى دور كايم أن للهيآت الاجتماعية من المظاهر والقواعد والأصول ما يخضع له الفرد مضطرا لا اختيار له فيه فالمذهب الذي ننتحله واللغة التي نتكلمها والقواعد التي نجري عليها والنظم والتقاليد التي نخضع لحكمها والنزعة التي ننزعها ليست جميعها أثرا من آثار الفرد أو نتيجة من نتائج عمله بل هي حادثات اجتماعية أملتها علينا الجماعة التي نشأنا فيها ولدنا فتجمدت في أدمغتنا وتحكمت في عقولنا وسيرتنا تبعا لأهوائها حتى أصبحت وكأنها قطعة من نفوسنا نكاد لا نشعر بسيطرتها علينا وتحكمها فينا. وجد علماء الاجتماع وعلى رأسهم دور كايم وأصحابه إن لهذه الحادثات الاجتماعية في تطورها وتحولها وتأثيرها على النفوس قواعد وسننا يجب تسجيلها وتصنيفها فجعلوها موضوع علمهم وقالوا علم الاجتماع هو علم الحادثات الاجتماعية، وانبروا يبحثون وينقبون عن ذلك بفرضيات وضعوها ثم سعوا لتأييدها بوصف الواقع ووصف مظاهره تبعا للأصول العلمية التي جرى العلماء جميعا عليها في تأييد علومهم واكتشاف قوانينها ونظمها الثابتة وافترقوا بذلك عن أصحابها الفلاسفة الذين اعتادوا أن يعالج الموضوعات الاجتماعية كغيرها من المباحث الفلسفية بطريق التحليل اللفظي والجدل الفكري والتعميم الذي لا يستند إلا على النظريات الفلسفية التي كثيرا ما تناقض الواقع وتخالفه في كل مظاهره. ولقد راع بعض الناس أن يروا طائفة من العلماء يقدمون على درس الحادثات الاجتماعية التي لها مساس بالدين والعقائد والتقاليد وجميع مظاهر الفكر على هذا الشكل الذي تدرس به بقية العلوم كعلمي الكيمياء والفيزياء مما لم يعتادوه أو يألفوه شأنهم مع كل جديد لا يتفق مع ما تمركز في العقول من المبادئ والآراء القديمة وزاد في

стр. 194

روعتها القاعدة الأولى التي وضعها دور كايم لعام الاجتماع ومفادها انه من الواجب على الباحث الاجتماعي أن يعتبر الحادثات الاجتماعية كالأشياء وقصده بالأشياء كما أوضح ذلك لاخصامه في مواقف كثيرة الأشياء المنفصلة عنا والتي لها كيان قائم بذاته. وغايته التي رمى إليها في اعتبار الحادثات الاجتماعية كالأشياء هو أن يتجرد الباحث ما استطاع عند درس الحادث الاجتماعية عن كل عاطفة وهوى يقومان في النفس فلا يترك مجالا في الاستقصاء والتتبع والتحليل لسوى العقل السليم والمنطق الصحيح، فالعلم لا دين ولا وطن له والقواعد العلمية هي هي في كل زمان ومكان لا يصح أن تنال لقب العلم إلا بهذه الصفة العامة الثابتة. لم يشأ صديقنا الأستاذ جان غولميه أن يصرح في مقاله انه من أولئك الناقمين على هذا التجدد في المباحث العلمية بل حاول أن يثبت انه ليس لعلم الاجتماع بعد من الحادثات الاجتماعية التي درست في مختلف الأقطار ما يكفي لان نستخرج منه بطريق الاستقراء قوانين اجتماعية عامة لا تقل ثباتها وصحتها عن بقية القوانين العلمية وان ما جمع من هذه الحادثات الاجتماعية حتى اليوم أكثره مشكوك في صحته لا يمكن للعلم إن يتخذ حجة يعتد بها ولذلك فحري بعلم الاجتماع الذي يستعجل الشيء قبل أوانه أن يتلاشى ويخلي المكان لشيء آخر سموه (سوسيو غرافيا) أي وصف الجماعات الذي يكتفي بوصف الحادثات الاجتماعية في مختلف الأقطار دون أن يتعرض لشرحها وتفسيرها واستنباط سنن اجتماعية من مقايستها ومقابلة بعضها ببعض. والغريب في ذلك أن الأستاذ غولميه يقول هذا وهو يعرف حق المعرفة أن كل علم من العلوم يستحيل عليه أن يوفق، وعلى الأخص في بادئ عهده لجمع كل الحادثات والأشياء التي يمكن أن تكون مدار بحثه ومصدر قواعده. فإذا كان في علم الكيمياء مثلا أجسام كثيرة لم تعرف خصائصها بعد ولم يتوصل العلماء لاكتشاف صفاتها فليس معنى ذلك أن علم الكيمياء يجب أن يتلاشى ويخلي المكان لفرع من فروعه يقتصر على الوصف دون الاستنباط. ومن المعروف أيضا أن أسلوب وصف الجماعات هو فرع من فروع علم الاجتماع يساعد على جمع الحادثات الاجتماعية ووصفها وإعدادها. وأي شأن لهذا الأسلوب لو لم يبين علماء الاجتماع الفوائد العملية المتأتية عن وصف الحادثات والأوضاع الاجتماعية وتشخيصها

стр. 195

ومراقبتها في أماكنها وجمعها كمواد يدرسها علم الاجتماع ويقابل بعضها ببعض فيستخرج منها دساتير علمية ثابتة؟ ومن الغريب الذي نكاد نميل معه إلى الاعتقاد بتحامل الأستاذ غولميه هو انه لم يتطرق في مقاله كله إلى ذكر الاتنوغرافيا أي وصف الأقوام والشعوب الذي يعد اليوم احد أركان علم الاجتماع فيبين لنا الفرق بينه وبين وصف الجماعات الذي يشيد بفوائده وصحة أسلوبه ولعله لو فعل ذلك لعز عليه أن يؤيد ما ذكره من عدم صحة أكثر الحادثات الاجتماعية التي يجمعها العلماء وصعوبة الوصول إلى ما يمكن أن يعتد به العلم منها، لان علماء الانتوغرافيا قد توصلوا اليوم إلى تلافي كل ما من شأنه أن يدعو للشك بصحة وصف الأوضاع الاجتماعية وان للمعاهد والمجامع الانتوغرافية وعلى الأخص في انكلترا وأمريكا من الوسائل وإعداد الأخصائيين الذين انصرفوا إلى هذا العلم دون سواه مالا نظن انه يخفى على الأستاذ غولميه، فوصف الجماعات هو كوصف الشعوب والأقوام وكلا الأسلوبين هو مما يهيئ لعلم الاجتماع مواد صحيحة يجمعها تبعا لما تقتضيه قواعد هذا العلم الذي لولاه لما وجدت هذه الأصول ولما نشط العلماء لدرسها والتعمق في جميع فروعها. بضيق بنا المجال في هذه الرسالة أن نورد أكثر مما أوردناه في تفنيد بعض ما أدلى به الأستاذ غولميه من الشواهد على ما يدعيه من لزوم إحلال وصف الجماعات محل علم الاجتماع ولكن لا بد لنا من أن نشير إلى أمر هام أورده في مقاله دون أن يتعرض لبيان أسبابه. فلقد ذكر أن علم الاجتماع يستهوي الكثيرين من الشبان في بلادنا ولعلة لو بحث عن السر في ذلك لعرف أن هذا العلم لم يستهونا إلا لأننا رأينا فيه ضالتنا التي ننشدها، وشعرنا بأننا أحوج ما يكون لدرسه وتفهم قواعده، فأوضاعنا ونظمنا وأكثر مناحي حياتنا الاجتماعية بحاجة للإصلاح بعد أن جمدنا حينا من الدهر ثم نهضنا نسير الهوينا وإننا إذا انصرفنا إلى هذا العلم الجديد واهتمامنا بأمره فما ذلك إلا لأننا وجدنا فيه ما يعيننا على هذا الإصلاح ويرشدنا إلى الطريق التي يجب أن نسلكها في تجددنا وتطورنا ومجاراة غيرنا ممن سبقنا من الأمم، فهو ينبهنا إلى أن ماضينا لا يموت وان حاضرنا يحتاج إلى الاستقصاء والدرس وان مستقبلنا بأيدينا إذا علمنا ما يجب أن نهيئ له، ولعل هذه الحاجة

стр. 196

الماسة سوف تحدونا إلى الاختراع فلا نكتفي بالاستقصاء والدرس بل نطمح أيضا لان نساعد على إظهار ما لم يهتد إليه هذا العلم الجديد بعد فنؤيد قواعده بما استنبطناه بأنفسنا ونقدم الأدلة على أصول جديدة هدانا إليها ما اختبرناه من مراحل تطونا وما اكتشفنا من صلات بين حاضرنا وماضينا فنفيد علماء الغرب في هذا العصر كما استفدنا منهم ونجاريهم ونماثلهم فنكون وإياهم في العمل على حد سواء. كاظم الداغستاني

стр. 197

سحر الألفاظ جاء في كتب الأدب أن سعيد بن عثمان بن عفان قال لطويس المغني أينا أسن أنا أو أنت يا طويس. فقال بابي أنت وأمي، لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب، فانظر إلى حذقه وإلى معرفته بمخارج الكلام كيف لم يقل بزفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك، وهكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى (البيان والتبيين). وفي الحق أن للمعرفة بمخارج الكلام وساعات القول وانتقاء الألفاظ أعظم الأثر في نفوس السامعين لان لا تساق الألفاظ سحرا يضاهي تأثيره تأثير الألحان. والجمال غاية الألفاظ كما أن الحقيقة غاية المعاني ومثلها الأعلى. فللألفاظ وامتزاجها ولمخارج الحروف وتركيبها جمال لا يقل سحرا عن جمال النغمات الموسيقية والألوان المتسقة، وقد قيل أن من البيان لسحرا. لقد بحث أدباؤنا في تأثير اللفظ وسحره وحسن دلالته وأسهبوا في ذلك، حتى ملأوا كتب الأدب بالأحبار التي تدل على حسن انتقاء اللفظ وتأثيره في المعنى الوحشي البعيد وتقريبه للأذهان مما لا أجد الآن حاجة إلى ذكره والناس قد افتتنوا بالألفاظ منذ القديم فلم يقتصروا في بيان تأثيرها على نقل الأفكار من المتكلم إلى السامع بل اعتقدوا أن لها بعض الخواص السحرية. وأي سحر هو أعظم وأمتع من صوت تسمعه فتفهم معناه، وكيف تتألف الألفاظ من الحروف، لا بل كيف تفرق بين الأصوات، وكيف تكون دلالتها. أن في الألفاظ لسحرا. فلا غروا إذا افتتن الإنسان الأول بالألفاظ وعز إليها خاصة سحرية وظن انه يستطيع أن يؤثر بها في حوادث الطبيعة. كنا ونحن في المدرسة الثانوية نقصد منجمة من منجمات دمشق لاستماع حديثها العذب وألفاظها الساحرة. وكان كل من أصحابي يسألها عن طالعه وحاجات فؤاده، وكانت لا تحفل بهزئنا وضحكنا بل تتمتم وتدمدم وتقرأ لنا سجعا لا تزال نغماته ترن في أذني. ثم تعطي كلا منا تميمة (حجابا) وتطلب منا أن نحلها في الماء ونشرب محلول ألفاظها. لم اتبع يوما من الأيام علاج المنجمة ولكني اعرف كثيرين ممن شربوا محلول الألفاظ واستشفوا بسذاجة الاعتقاد. فألفاظ تشفي من بعض أمراض النفس ولعلها تشفي أيضا من بعض أمراض الجسد. وربما كان علاج بعض الأمراض بكيمياء الألفاظ لا يقل تأثيرا عن العلاج بالعقاقير، بل ربما كان

стр. 198

بعضهم أميل إلى التأثر بالكلام منه إلى التأثر بالمادة. إلا تقول العامة في بلادنا إن الكلمة الطيبة تخرج الحية من وكرها، إلا يسعى المشعوذون لإخراج الشياطين من صدور المجانين بالألفاظ التي يهمسون بها إليهم. وكم عليل تحسن حاله بالكلام، وكم هم بدده سحر البيان وقوة البلاغة. فكأن الألفاظ أدوية وكأن الخطباء أطباء. ومن تأثير الألفاظ عند الشعوب الأولية إنها كانت تحرس المال وتحفظ الملك كما كانت تشفي من الأمراض. فكان الإنسان لا يجسر أن يسرق أموال أخيه خوفا من الألفاظ، لان الذي سرقت أمواله ينادي بالويل والثبور ويشتم ثم يدعو إلى الله أن يصاب السارق بالمرض والجوع والغرق والحريق والهلاك. فإذا علم السارق بذلك ارجع ما سرقه إلى صاحبه خوفا من تأثير تلك الألفاظ وسحرها، وكان الناس يكتبون بعض الألفاظ على الواح من الحجر أو من الرصاص ويضعونها في المحل الذي يريدون أن يحرسوه أو في معبد الإله الذي يبتهلون إليه ولا يزال قسم كبير من هذه العادات موجودا اليوم عند قبائل (الداياك) من جزيرة بورنئو. وهذا ما يدعو إلى القول أن الألفاظ سلاح يستطيع الإنسان أن يدافع به عن ماله كما يستطيع أن يدافع به عن نفسه. نقل لي احدهم أن في بلاد الأفغان عادة تقضي أن يستأجر النساء المتخاصمات شتامات كنا نستأجر في بلادنا ندابات. كل شتامة تنازل أختها باللعنات والشتائم. فإذا غلبتها شعرت موكلتها بلذة الانتصار وشرف الغالب. فهناك إذن مبارزة تقتصر على اللفظ ولا تحتاج إلى الفعل وهي اقل خطرا من المبارزة بالسلاح. وكم مرة خلص الكلام صاحبه من القتل. من ذلك أن الحجاج ضرب مرة أعناق أسرى فلما قدموا إليه رجلا ليضرب عنقه قال: والله، لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو فقال الحجاج أف لهذه الجيف أما كان فيها احد مثل هذا وامسك عن القتل. فالمعاني المختلجة في النفوس والمتصلة بالخواطر لا تجدي نفعا إذا لم يظهرها اللفظ وتدل عليها الإشارة. وكما يصح أن نقول إن الألفاظ سلاح فكذلك يمكن القول إنها ثروة. فالخطيب والمحامي والأستاذ يتاجرون بالألفاظ ويبتاعون الرطب بالخطب. ولولا استثمارهم للألفاظ كما تستثمر رؤوس الأموال لما نجحوا في أعمالهم. ولعل تجارة الألفاظ أكثر إنتاجا في بعض الأحيان من تجارة البضائع ومبادلة الأموال، لان معينها لا ينضب ولا يجف بكثرة الاستعمال بل

стр. 199

يحسنها الصقل ويزيد قوتها الانتقال وهكذا فان الألفاظ واسطة من الوسائط التي استطاع الإنسان أن يتغلب بها على الطبيعة حتى لقد كان الملوك يستمطرون الرحمة من السماء بالألفاظ التي كانوا يبتهلون بها كأن لألفاظهم تأثيرا في حوادث الكون فكانت الأمطار تهطل بتأثير الألفاظ كما يزداد الخصب ويمتنع الجراد وتزول الأوبئة. جاء في كتاب (عمل بسيشه) لفريزر، إن الكارنيين من قبائل برمانيا يعتقدون أن للزنى مثلا تأثيرا في الطبيعة فإذا انقطع المطر وأجدبت الأرض اجتمع عقلاء القبيلة وابتهلوا إلى الله أن يعاقب الجاني. ثم إنهم يبتاعون خنزيرا ويذبحونه ويعطون كلا من الزاني والزانية رجلا من رجليه ثم يشقون في الأرض تلما ويملأونه من دم الخنزير ويرددون هذه الألفاظ: يا اله السماء والأرض ورب الجبال والآكام. لقد أيبست ثمار الأرض بعملي، فلا تؤاخذني، ولا تبغضني لأنني جدير برحمتك وعفوك. انظر إلي. ها أنا ذا أصلح الجبال واحيي الروابي والأنهار. رب رحماك لا تضع أتعاب الناس ولا تهلك أموالهم الخ. (ص - ٨٠) ويعتقدون إنهم يستطيعون بمثل هذه الألفاظ أن يؤثروا في حوادث الطبيعة ويعتبروا مجرى النواميس وهناك أمثلة عديدة مقتبسة من عادات الشعوب وأخلاقهم تدل على هذا السحر في الألفاظ. ولو لم يكن في الألفاظ إلا تأثيرها في نقل الأفكار وتفهم المعاني لكفى بذلك دليلا على سحرها. لولا الألفاظ لما اطلع الإنسان على فكر صاحبه ولا إدراك ما هو قائم في صدر أخيه. فبالألفاظ تحيي المعاني وعلى قدر وضوحها ودلالتها يكون البيان. والمعنى لا يظهر ولا ينقل من الضمير إلى الضمير ولا يمر من القوة إلى الفعل ولا يثبت إلا باللفظ. فلولا الألفاظ لما أمكن حصر القياس ولا حسن الاختصار ولا دقة المدخل في الكلام. ولولاها لما ثبت المعاني العلمية. ولا أغالي إذا قلت أن الاصطلاحات العلمية تعادل نصف العلم. فها أنت ترى أن للألفاظ شأنا عظيما في الشعور والتفكير والإرادة وحسن الدلالة فقد توحي إليك بالمعنى الذي لم يخطر على قلبك وقد تفسد المعنى اللطيف وترفع المعنى الوحشي. ولا غرو إذا عشق الناس الكلام والكلام أصل الوجود: في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله وقال فيكتور هوغو: اللفظ هو الكلمة والكلمة هو الله. فكأن اللفظ آلة للسحر وكأن الكلام إله معبود

стр. 200

ولو لم أقف من سحر الألفاظ إلا على هذه الأمثلة لوجدتها كافية، إلا أن هناك أمثلة عديدة تدل على سحر اللفظ وتدل في الوقت نفسه على مضرته. وأنا لم امتدح لك الألفاظ إلا لا حذرك من معاطبها. ثم أن الألفاظ تثبت المعاني وتعين الفكر، إلا أن تصور المعنى يسبق الدلالة باللفظ والإنسان لا يستطيع أن يوضح باللفظ عن كل ما في نفسه من المعاني المكنونة والأفكار الخفية حتى قال العلماء إن الألفاظ لا تدل على قسم مما يخالج النفس من المعاني، لأنها محصورة معدودة أما المعاني فعير محصلة غير محدودة وهذا ما يعبرون عنه بقولهم إن المعاني متصلة والألفاظ منفصلة. وقد يحمل الاهتمام بالألفاظ على إهمال المعاني فيفتتن الكاتب باللفظ دون المعنى ويشوه الفكر حبا بموسيقيه الألفاظ وينسى أن للأفكار جمالا بذاتها حتى لقد يبعثه هذا الغرام بالألفاظ على استعمال الكلام دون فهم معانيه فيحدثك عن شآبيب الرحمة وافواف الوشي وهو لا يفهم معنى ما يقول. ولكن أعجبه ما في العبارة من الوقع وما في نغمتها من الصدى فاستعملها وستر معناها بحجاب من الرضا والإغضاء. إن شدة الاعتناء بالألفاظ توقف نمو الفكر فيصبح آلة تكرر ما حفظت وتغربل ما نقل إليها من غير أن تبدع. وقد قيل أن إضاعة العمر بالوسائل مانعة من الوصول إلى المقاصد لقد ورثنا هذا الشغف بالألفاظ عن أجدادنا فتأخر الإبداع في آدابنا وازداد تقيدنا بالأوضاع المعروفة والتعابير المألوفة. وقد فتنتنا صناعة اللفظ حتى ذهلنا عن المعاني. وما أكثر أدباءنا الذين أضاعوا عمرهم في وزن السجع وصقل الألفاظ. أنهم يكتبون بلغة غير طبيعية ولهجة غير معتادة كأن بساطة التعبير حرمان من الأدب أو كأن وضوح العبارة نقص من العلم. قرأت في كتاب للموسيو (لودانتك) إن استعاذا من أساتذة الفلسفة كتب على إحدى مقالات تلاميذه ملاحظة قال فيها: إن عبارة المقالة واضحة جدا وان القارئ يفهمها بسهولة. وقد قال فولتير عن نفسه انه مثل الجداول الصغيرة فهي شفافة لأنها غير عميقة. . ولكن هل يجوز أن تكون اللغة العلمية غير واضحة. إن الذي يريد أن يكتب المواضيع العلمية بلغة الحريري أو بلغة الهمذاني أشبه بالمرأة الجميلة التي تفسد جمالها بالمساحيق. ولم يقتصر حب الألفاظ على الأدباء بل عم العلماء أيضا حتى نظموا العلوم شعرا فهناك أراجيز للنحو والمنطق والطب تدل كلها على هذا الميل المخالف للطبيعة. إن نظم الطب

стр. 201

شعرا يضر الطب والشعر معا. وكذلك نظم النحو فهو لا يكسب ملكة اللغة والإنشاء بل بكسب صناعة لفظية لا فائدة للعلم منها. قل لي بربك ما الفائدة من نظم كتاب إقليدس؟ إن القضايا الواضحة يجب التعبير عنها بألفاظ واضحة. غير أن الميل إلى المجاز واستعمال الكنايات والحرص على موسيقى الألفاظ فتن العلماء كما فتن الشعراء حتى نال بعضهم أن الفن والعلم إخوان لا يفترقان وان للحقيقة شعرا كما للشعر حقيقة. لا جرم إن في الكشف عن الحقيقة جمالا لا يقل روعة عن جمال الفن نفسه إلا انك إذا حاولت ستر الحقيقة بحجاب من الألفاظ شوهت الحقيقة. فالحقيقة يجب أن تبدو بثوبها الطبيعي لا بثوبها الصناعي، وإذا ظهرت بثوب غير ثوبها فقدت جمالها. ولعل السبب في هزء العلماء بالأدباء إنهم لا يتكلمون بلغة واحدة ولا يدل اللفظ عندهم على معنى واحد. فالعالم إذا أراد أن يبحث عن تأثير الريح في أمواج لا يقول: نسج الريح على الماء زرد بل يسمي الأشياء بأسمائها. ولو استمر العلماء على البحث في خواص المادة الخفية كما كانوا يفعلون في دور ما بعد الطبيعة لما تقدم العلم. إلا أنهم اقتصروا اليوم على البحث في الأعراض الظاهرة. فلفظ الرمان يدل عندهم على الرمان فقط وهم يبحثون عن لونه وتركيبه أما الأدباء فلا يزالون يبحثون عن معنى (الرمان) وصوره، ولعلهم إذا أكلوا الرمان تغدوا بحقيقة الرمان كما يتغذى اليوم بعضهم بسحر الفيتامين. ولعل السبب في عشقنا للألفاظ فساد طرق التربية في مدارسنا. فتربيتنا تربية لفظية. تملأ عقل التلميذ بالألفاظ دون المعنى، وتشحن ذاكرته بالكلام دون أن تحرك عقله بالأشياء والتجارب. فيحفظ الطفل الألفاظ ولا يرى الأشياء بل يبتعد عن التجربة ثم إذا خرج من المدرسة حافظ على احترام الألفاظ وعبادة الكلام فيكلمك وأنت تظنه يفكر وهو يردد أفكار غيره ويرن كما ترن الآلة، لأن الألفاظ لا تغذي العقول ولا تفتق الأذهان بل تخلق أشخاصا مقلدين ليس لهم قوة على الإبداع ولا ميل إلى التجديد. جميل صليبا

стр. 202

نهضة اليابان بين جيلين يروي أستاذ أوروبي عاش زمنا طويلا في اليابان أن احد كبار رجال السياسة اليابانيين تكلم مرة في مجلس جمع بعض ممثلي الدول الأجنبية وذلك سنة ١٩٠٧ بعد مدة قصيرة من انتصار اليابان على الروس فقال: إننا نحن اليابانيين من الجيل القديم كنا نقطع رؤوس أعدائنا بالسيوف ونعود بها ظافرين إلى بيوتنا. ثم خاطب السفير الانكليزي قائلا:. . وفخامتكم تعلمون إنني كنت بين الجنود الذين هجموا على سفارتكم في ٥ تموز ١٨٦١. إننا لم نستطع الدخول إلى السفارة لأن الحامية التي وضعتها الحكومة إذ ذاك كانت قوية. ولكنني تعديت شخصيا على اثنين من المحافظين فقطعت رأسيهما ورجعت بهما في يدي. وقد كنت مرتديا درعا ثقيلا فشعرت بتعب شديد من حمل الرأسين الكبيرين واضطررت لان ارمي بهما في عرض الطريق استولى على السفير الانكليزي جمود وذهول ظاهر عند سماعه هذا الحديث الغريب الذي لم يكن في استطاعة الحاضرين أن يعرفوا هل هو حقيقي أم لا. فقد كان في عيني السياسي الياباني بريق ممزوج بالسخرية جعل الشك يدب إلى نفوس سامعيه حتى اعتقدوا انه إنما يريد الهزؤ بهم. على انه ليس من المستعبد أن يكون حدث للرجل مثل هذا. فقد كانت اليابان في منتصف القرن التاسع لا تزال تعيش في التقاليد القديمة المتوارثة من آلاف السنين. والذي يدعو إلى الدهشة هو انتقال اليابان في عشرين سنة فقط من تلك الحالة إلى دولة حديثة لا تختلف في شيء عن الأمم الأوربية الراقية. لقد ولد هذا السياسة الياباني في القرون الوسطى ولكنه لما مات كان أولاده وأحفاده الناشئون يصنعون الطيارات والغواصات والدبابات والمحركات ويلهون بآلات الراديو ويفحصون صحة نظرية النسبية. . . اليابان القديمة كانت اليابان قديما مسكونة بقبائل من الشمال تسمى (آينو) مشهورة بغزارة الشعر في

стр. 203

أجسامها خلافا لليابانيين الحاليين الذين يرجع أصلهم إلى العرق المغولي. وهم يشبهون الهنود الأميركيين في تكوينهم الظاهري ولا يستبعد أن يكون اليابانيون قد اختلطوا بالعرق المالائي أو بالزنوج. ولكن مهما كان أصل اليابانيين فلا شك في أنهم قد اقتبسوا حضارتهم القديمة وكتابهم وتقاليدهم الأدبية والفنية من الصينيين. وهم قد خرجوا من دور الهمجية والفطرة في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد. وكان أول ظهورهم في ميادين الحروب والفتوح لما استولوا على شبه جزيرة (قوره آ) في عهد الملكة (جينغو) التي لعبت دورا هاما في تاريخ الحضارة اليابانية. وقد عاشوا مدة طويلة تحت نظام أقطاعي سادت فيه الفروسية وكثرت الحروب الأهلية والغارات المتوالية على الصين وبالأخص على (قوره آ) وهناك فرق عظيم بين اليابانيين الذين تشبه جزرهم في وضعها الجغرافي الجزر الانكليزية في أوربا وبين جيرانهم الصينيين الذين تجمعهم بهم وحدة العرق الأصفر فان اليابانيين جنود محاربون بطبيعتهم يمتازون بالشجاعة والبطولة والتضحية وحب الوطن. ثم أنهم قد اشتهروا بالذوق الفني وخفة الروح وسرعة النكتة والتفكير والتدبير والملاحظة وشدة الذكاء وسهولة المؤالفة والميل إلى الأمور العملية النافعة. إلى منتصف القرن التاسع عشر ظلت اليابان إمبراطورية إقطاعية يتولى عرشها (الميكادو) الذي يعتبر من سلالة الآلهة وله مقام مقدس ولكنه لا يتمتع بشيء من الحكم السياسي الحقيقي. بل أن الأمر كان في أيدي القائد العام ورئيس البلاط الملقب (شوغون) من جهة وفي أيدي الأمراء الأغنياء من الطبقة الارستوقراطية العسكرية (دايميو) من جهة أخرى. أما النبلاء الذين لا يملكون شيئا من المال فإنهم يندمجون في خدمة أمراء المقاطعات ويؤلفون الحرس والفرسان المحاربين ويسمون (ساموري). ولم تتغير أوضاع الحكم في اليابان إلا في أواخر القرن التاسع عشر بعد الاختلاط بالغربيين واقتباس أنظمتهم ومظاهر حضارتهم. . . اليابان والأجانب

стр. 204

ترجع معرفة الغربيين باليابانيين إلى القرن السادس عشر إذ وصل بعض البرتغاليين في سفينة إلى صينية إلى شواطئ اليابان سنة (١٥٤٢). ثم هاجر إلى هناك بعد سنوات (فرانسو كزاوية)، رفيق (لوايولا) مؤسس جمعية اليسوعيين للتبشير بالمسيحية بين السكان اليابان الذين أحسنوا في أول الأمر وفادة الأوربيين من مبشرين وتجار واظهروا رغبة صادقة في ربط العلاقات الطيبة ودخل الكثيرون منهم في الدين المسيحي بل إنهم عينوا رجلا انكليزي اسمه (وليم آدامس) مستشارا لدى الحكومة يعلمهم صنع السفن الكبيرة. ولكن بعد ازدياد عد المبشرين الذين كانوا من طوائف وأمم مختلفة احتدام النزاع بين الدومينكس الاسبانيين واليسوعيين البرتغاليين والبروتستانت الانكليز والهولانديين وأخذت كل طائفة تحذر اليابانيين من الطائفة الأخرى وتكشف لهم عن مطامعها السياسية وترشيدهم إلى مواضع النقد في عقائدها وأعمالها. ثم لم يتورع اليسوعيون خاصة عن إظهار ما عرفوا به من التعصب واخذوا يحتقرون البوذيين ويتعقبون فاقتنع حينئذ اليابانيون بان الأوربيين والمسيحية كلها معهم من الشرور والمصائب التي لا يمكن احتمالها وظهرت لهم المقاصد السياسية الخفية التي يرمي إليها المبشرون فقاموا يطردون جميع الأجانب من بلادهم ولم يسمحوا بعد سنة ١٦٣٨ بدخول احد من الأوربيين إلى اليابان ما عدا القائمين بالمعمل الهولاندي في الجزيرة الصغيرة بميناء (ناغازاكي). وهؤلاء أيضا لم يكن لهم الحق في الاختلاط بالشعب بل كانوا إنما يتفاوضون مع موظفي الحكومة اليابانية فقط. ومنذ ذلك الوقت عاشت اليابان في عزلة تامة عن العالم فقطعت كل صلة لها بالخارج ولم تكتف بمنع دخول الأجانب إليها بل حظرت على اليابانيين أنفسهم مغادرة البلاد بتاتا. وكان لا يسمح لليابانيين بإنشاء سفن كبيرة يستطيعون السفر بها في عرض البحار إلى البلاد الأجنبية. وبينما كانوا اليابانيين يعيشون مدة مائتي سنة تحت رحمة النظام الإقطاعي تفتك ببلادهم الحروب الأهلية والفتن الداخلية وتسيطر عليهم فئة صغيرة لا يتجاوز عددها (٥) في المائة من مجموع السكان هي طائفة (الساموري) إي الفرسان الذين كانوا يتجاوزون الحدود في ظلمهم وعسفهم - في هذه المدة كان العالم قد تقدم بخطوات واسعة في طريق الرقي والمعرفة وبدأ اليابانيون يلمحون في البحار سفنا كبيرة لا عهد لهم بها تمر قرب شواطئهم.

стр. 205

وفي تموز سنة ١٨٥٣ ظهر في ميناء (ايدو) أسطول حربي ترفرف عليه الأعلام الأميركية تحت قيادة الأميرال (بري) الذي قدم كتابا من رئيس الولايات المتحدة يطالب فيه (الشوغون) بعقد معاهدة صداقة بين أمريكا واليابان. وقد رأى الأمير كيونان السفن الحربية الأربع التي كانت تؤلف هذا الأسطول كافية لإملاء إرادتهم على شعب يبلغ (٣٠) مليونا. وفي الحقيقة فان اليابانيين لم يكونوا إذ ذاك ليستطيعوا مقاومة القوة الأميركية المعتزة بتفوقها الصناعي والحربي. ورغم هياج الشعب في طول البلاد وعرضها فقد اضطرت الحكومة اليابانية إلى قبول مطاليب الأميركيين ثم الروس من بعدهم. وتقول المصادر اليابانية إن المندوبين اليابانيين الذين أرسلوا لمفاوضة القائد الروسي كانوا راكبين سفينة حربية أنشئت قبل ٢٥٠ سنة. ثم أن خزينة الدولة كانت خالية خاوية وليس لدى الحكومة جنود منظمة ولا أسلحة صالحة عدا ما يهددها من الفتن والاضطراب الداخلية ولذلك خضعت لإرادة الأجانب ورضيت بفتح بلادها للتجارة الخارجية. النهضة هذه الصدمة كانت مبدأ النهضة اليابانية. ويظهر إن الأمم لا تفكر في خيرها وكيانها إلا إذا كانت نزلت بها الولايات وذاقت طعم الذل والخضوع. وقد كان لإرغام اليابان على فتح بلادها للغربيين صدى بعيد في جميع طبقات الشعب ورد فعل شديد في هذه الأمة القوية الإرادة البعيدة الطموح فقامت فجأة وبعد أن ثبت لديها أن لا حياة لها إلا باقتباس الاختراعات الحديثة في تنظيم الجيوش قبل كل شيء اندفعت في هذه السبيل جميع العقبات مهما عظمت. بدأت النهضة بثورة على الأوضاع السياسية القديمة في إدارة البلاد فتأسس حزبان بين الأمراء والنبلاء احدهما يريد القضاء على سلطة (الشوغون) - القائد العام ورئيس البلاط - وتوطيد حكم الميكادو بينما الحزب الآخر ظل متمسكا (بالشوغون) وإنما اخذ يطالب بتوسيع العلاقات مع الجانب لاقتباس صنع الأسلحة والسفن منهم. وبعد اعتلاء الميكادو الجديد (موتسو هيتو) على العرش أرغم (الشوغون) على اعتزال الحكم ونقل العاصمة من (كيوتو) إلى (ايدو) التي سميت

стр. 206

(توكيو) أي عاصمة الشرق (سنة ١٨٦٨) في هذه السنة يبدأ العهد الجديد في اليابان، عهد النهضة والتقدم (مه ئي جين) وكانت الحكومة هي التي قامت بالإصلاحات الجديدة. وكانت طبقة الارستوقراطيين العسكريين هي المتعلمة وقد نشأ على فكرة التضحية التي كانت تظهرها قديما في الفروسية والحروب الأهلية فاندفعت الآن بهذه الروح إلى اقتباس الأنظمة العسكرية والإرادية والسياسية والعلوم والصنائع الأوربية. وتقدمت الجهود في هذه السبيل بسرعة خارقة فألغي النظام الإقطاعي وأعلنت مساواة جميع اليابانيين تجاه القانون واستدعيت البعثات العلمية والعسكرية والفنية من انكلترا وفرنسا والمنايا وأرسل آلاف من الطلاب إلى الجامعات الغربية وأسست المدارس الحديثة وأصدرت القوانين المدنية العصرية. ومنذ ١٨٧٠ بوشر في إنشاء السكك الحديدية والأسلاك البرقية والأساطيل الحربية والتجارية وأعلنت الخدمة العسكرية الإجبارية ونظم الجيش على أسس حديثة وزاد عدده حتى بلغ في مدة قصيرة ما يقارب ٤٠٠. ٠٠٠. واصدر الميكادو في سنة ١٨٨٩ دستورا يحتفظ فيه بالقوة التنفيذية لنفسه ولكنه يجعل القوة التشريعية في أيدي مجلس الشيوخ ومجلس النواب. ولما نشبت الحرب الروسية - اليابانية سنة ١٩٠٥ وانتصر اليابانيون ذلك الانتصار الباهر عرف العالم اجمع مبلغ التقدم الذي وصلت إليه اليابان في مدة قصيرة. ومنذ ذلك الوقت ازدادت اليابان سرعة في تقدمها حتى أصبحت اليوم في مقدمة الدول العظمى يبلغ عدد سكانها مع ممتلكاتها ٩٠ مليونا. وتزاحم تجارتها جميع الأمم الأوربية العريقة في الحضارة والصناعة. وأنظار الأمم الشرقية متجهة اليوم إلى اليابان تعترف لها بالزعامة والقيادة في النضال العنيف القائم بين الشرق والغرب. . . كامل عياد

стр. 207

المصدرات بـ تن للأب انستاس ماري الكرملي استفدت كثيرا من النبذة المعنوية ب (تن) المنشورة في مجلة المجمع العلمي (٥٧: ١٣) وفي أثناء وقوفي عليها بدت لي بعض نظرات أودعها هنا لعلها تقدح شررا يساعد على الاستزادة من الحقيقة. ١. التن - الطن وأول شيء يتبين لي من خلال الاجتهاد، أن لـ (تن) مقابلا في العربية عرف منذ القديم هو (الطن). قال في التاج: الطن بالضم، القامة. وقال ابن الأعرابي: ومنه قولهم: فلان لا يقوم بطن نفسه فكيف بغيره؟ وقال ابن دريد: هو قول العامة، ولا احسبها عربية صحيحة آه - قلنا: ليس ذلك من كلام العامة في شيء، بل من الألفاظ التي وردت في عدة لغات معا، أي من متفق اللغات فهو بالفارسية (تن) وبالزندية (تنو) وبالهندية القديمة (تن) وبالارمية (طان) وبالتركية القديمة (تن). ومن الطن قالت العرب: الطني أي الرجل الجسيم، ولم ينكر فصاحتها وصحتها ابن دريد نفسه. فأنت ترى من كل هذا أن المادة شائعة في جميع اللغات. ثم إن العرب زادت في أوله الباء فقالت: البطن، وهو القسم الأعظم من الإنسان والباء الأول تدل على المائية أو على سائل. فقولك (البطن) كقولك العضو الأعظم في الإنسان الذي فيه تجري السوائل وهو منبعها كالمرة والصفراء والدم ومقر الأطعمة والاشربة إلى نحوها. ثم أرادوا أن يتوسعوا في المعنى ويطلقوا لفظا على مجموع الأعضاء كلها، فغيروا شيئا في لفظه (البطن) حرفا وشكلا فقالوا (البدن)، فجاءت بمعنى الجسم كله ولهذا لا يحق لنا أن نقول أن (البطن) من كلام العامة، ولا نقول إنها من الفارسية إذ هي أيضا في سائر اللغات كما رأيت. ومما يدل على أن (الطن) قديم في لغتنا أن الناطقين بها ادخلوه في تراكيب ألفاظهم ومنه: (طنثر) الرجل: أكل الدسم حتى تثقل جسمه وقد (تطنثر) وقلبوا طنثر فقالوا (نطثر) ومنه (النطثرة) وهي أكل الدسم حتى يثقل على القلب أو حتى يثقل جسمه. ولا جرم أن الكلمة منحوتة من (الطن) بمعنى الجسم و (الثر) الذي هو

стр. 208

الغزارة والكثرة. وقالوا طنحت الإبل طنحا أي بشمت وسمنت. وقيل: طنحت بالحاء سمنت. وطنخت بالخاء المعجمة: بشمت. حكى ذلك الأزهري عن الأصمعي. وقال غيره بجعلها واحدا. (عن التاج بتصريف قليل) وهي مشتقة من الطن مذيلا بالحاء للدلالة على السعة والامتلاء على ما هو معهود في هذا الحرف إذا وقع ذيلا. ومن (الطن) و (الفساد)، نحت السلف (الطنفس) كزبرج، وهو الرديء السمح القبيح، كأن ليس فيه سوى الجسد وليس فيه شيء من محاسن النفس هذا ولو أردنا أن نذكر كل ما جاء من تراكيب الطن لا وغلنا في البحث بعيدا على غير جدوى، إذ النتيجة واحدة في كل ما يرى في مركباتها ومنحوتاتها. ٢. التنبل ذكر السيد أدي شيران أن (التنبل) مخفف (تن برور). قال الشيخ الأستاذ: وهما كلمتان (تن) بمعنى جسد، بدن و (برور) بمعنى مربي (كذا. لعلها مرب)، مغذي (كذا. لعلها مغذ) فالبليد الكسلان تراه مشغولا براحة بدنه، مكثرا لتغذيته بألوان الطعام، فيسمن ويضخم ويصبح غير قادر على السعي، ولا نشيط الحركة في العمل أهل قلنا: إن التنبل عند الفرس غير ال (تن برو)، فالأول يعني الكسلان والثاني يعني المتأنق في أكله وشربه أو كما نقول (المتفق) وقد يتأنق المرء في معاشه ويكون مع ذلك نشيطا، كما قد يكون الكسلان نحيفا فهذه الصفات الجسدية ليست من اللازمة للصفات النفسية. وإذا كان لابد من القول بنحت التنبل فهو من (تن) و (بل) وهو الجاهل البليد والثقيل. وقد ذكر صاحب التاج بمعنى التنبل: (الطنبل) كجعفر، والمعنى واحد لأنه قال في تفسيره إياه: هو البليد الأحمق الوخم الثقيل. ولم يعزه إلى قائله. ولعله له وهو منقول عن الفارسية. فقد قال في مستدرك مادة ت ن ب ل: والتنبل كجعفر: البليد الثقيل الوخم. لغة عامية اهـ. وكان عليه أن يقول في كليهما: معرب عن الفارسية. ٣. التجفاف هذه الكلمة لا صلة لها بالفارسية فهي عربية محضة. وقول بعضهم أن أصله

стр. 209

(تنبناه) أي حارس البدن، هو من الأقوال الوهمية إذ ليس في الفارسية (تنبناه) بمعنى التجفاف. وحق للأستاذ المغربي الكبير أن يقول: لا أراني مرتاحا إلى ما قالوه (لعلها: لما قالوه، إذ يقول الفصحاء الحذاق: ارتاح له لا إليه) من تعريب التجفاف، فانه بالكلمات العربية أشبه والى صيغتها ومعانيها اقرب اهـ. - على إننا لا نرى رأي الأستاذ المغربي في أن التجفاف بالكسر، مأخوذة من التجفاف بالفتح بمعنى التيبيس كالتجفيف، وان قال بذلك صاحب المصباح، إذ يرى أن سبب تسمية تجفاف الفرس بهذا الاسم هو ما فيه من الصلابة والنبوسة - قلنا: وليست الصلابة واليبوسة في التجفاف فقط، بل في الركاب أيضا واللجام والحكمة والشكيمة إلى غيرها. فهذا تعليل واه لا يقبله ذو منطق صادق. والذي عندنا أن التجفاف لغة في التكفاف، مصدر كف للكثرة. يقال: كفه عن الشر والضرر، فكف هو، أي دفعة عنه وصرفه ومنعه، فاندفع وانصرف وامتنع. ومصدر كف تكفافا مقيس عند جماعة عظيمة من أئمة النحاة واللغة. وجعل الكاف جيما أو بالعكس أكثر من أن يحصى راجع المزهر طبعة بولاق ١٠٩: ١ و٢٢٤ وكانت لغة بعضهم: إما تغيير صيغة المصدر إلى اسم المصدر، فذلك لا بد منه ذهابا إلى معنى جديد، وصرفا للأذهان من معنى المصدر إلى معنى الآله. بقى علينا أن بعض الآلات سميت بالمصدر، فهذا أيضا مبذول عندهم ف (التمتان) بالكسر، و (التمتن) خيوط الخيام، و (التمثال) بالفتح مصدر مثل تمثيلا و (التمثال) بالكسر: الصورة المصورة. - والتسبيغة. بيضة من حلق تلبس على الرأس. - والسرد: مصدر سرد واسم جامع للدروع وسائر الحلق. - والشرك خروق الحلق، إلى غيرها مما هو مستفيض في دواوينهم. ٤. التبان هو صحيح الاشتقاق من تن وبان أي حافظ الجسم واستعمله الفرس والترك والعرب لما يستر العورة المغلطة من الثياب. ٥. المنتان الذهاب إلى انه من منثن العربية هو من قبيل خرافات العجائز. واشتياقه من نيمثن

стр. 210

وانه وقع فيه القلب أمر معقول ومألوف ومأنوس وكثير النظائر في العربية. وقد جاء بعدة معان وان كان الغالب في شكله انتصاف الجسد من فوق إلا أن شكل قطعة وتفصيله اختلف عند قوم دون قوم، وفي عصر دون عصر. فـ المنتان ورد بمعنى ما يسميه الترك والفرس أر خالق وهو نوع من القباء ينزل إلى دوين الركبتين. - وجاء بمعنى الزبون وزان دخول وهو قباء يلبس تحت الثوب لكنه قصير الردنين ولعل الإفرنج اخذوا منه والزبون معروف عند البغداديين منذ العهد القديم إلى يومنا هذا؟ ويريدون به البقاء الضيق الردنين. وقد عرف الزبون السيد مرتضى فذكره في تاج عروسه إذ قال: الزبن بالتحريك: ثوب على تقطيع البيت كالحجلة. ومنه الزبون الذي يقطع على قدر الجسد ويلبس آه - وجاء المنتان بمعنى السنلخ كجعفر، وهو قباء مفتوح من الأمام، وله ردنان قصيران وهو الذي سمي قبل نحو مائتي عام بـ الكاتبي، لان الكتاب العثماني والإيرانيين كانوا يتخذونه في أثناء القيام بوظائفهم. - وجاء أيضا بمعنى الترلك كزبرج وهو كالسنلخ إلا انه افخر منه وأثخن مجسا وادفأ للجسم. وقد تلاعبوا بلفظه فقالوا أيضا ترليك ودرلك ودرليك. وكان يلبس معه حذاء يتصل به ران فيبلغ الركبتين. وكثيرا ما يكون الترلك مغضنا. وقد رأيت من يلبسه في بغداد بين سنة ١٨٧٦ و ١٨٨٥ واغلب لا بسيه كانوا من العلماء والفقهاء، وكان الخف اصفر اللون، وكذلك عنقه أي الران. ولم ينقطع لبسه عند الفرس إلا قبيل الحرب العامة. ومن غريب ما حل بهذا اللفظ (الترلك) أن هذا الاسم منسي اليوم بهذا المعنى. وأطلق بعد ذلك على ما يلبس في الرجل ويصل إلى الركبتين. فصار الترلك ملبوس الرجل بعد أن كان ملبوس أعلى البدن. وهذا من باب المجاورة. فكأنهم أرادوا أن يقولوا الحذاء المجاور للترلك، ثم استغنوا عن هذه الكلمات الثلاث بكلمة واحدة فصار الترلك - كما قال صاحب محيط المحيط - الخف أو ما يلبس في الرجل في البيت من جلد أو قماش ويعرف بالقلشين. وكلاهما عامي عربي - قلنا: وهو تركي فارسي كما رأيت. - ومثل هذا التحول في معنى اللفظة الواحدة وقع في العربية نفسها من باب المجاورة، أي لقرب الشيء الواحد

стр. 211

من الشيء الآخر قال في التاج: الرواية: المزادة فيها الماء. ويسمى البعير والبغل والحمار الذي يستقي عليه: رواية، على تسمية الشيء باسم غيره لقربه منه. هذا نص ابن سيده، إلا انه اقتصر على البعير الذي يستقى عليه. . . اهـ كلام التاج. ٦. التنور والتنورة القول بان (التنورة) مركبة من تن بمعنى بدن. ونورة التي لا يعرف معناها، ناشئ من مشابهة هجائها الأول للثن، ولأنها ملبوس. وإلا فالتنورة مأخوذة من (التنور) مع هاء التخصيص لا غير. والتنور مخبز مستدير طويل له من أعلاه فتحة كبيرة مستديرة ليدخل فيها ما يخبز. وفتحة صغيرة من الأسفل لإخراج الرماد الزائد منه. والتنورة مصنوعة على هيئة تنور. والتنور هي كذلك في الارمية بزيادة ألف في الآخر. وهي كذلك في الزندية أي (تنورا) بلا تشديد، وبالفهلوية (تنور) وكذلك بالفارسية الحديثة والتركية فهي إذا مشتركة في جميع اللغات. وعندنا إنها غير منحوتة من (تن) و (نورة) المجهولة المعنى، بل مشتقة من مادة (ن ور) الدالة على النور والنار. فالتاء في الأول زائدة لا أصلية، بخلاف ما يظنه جمهور اللغويين الغربيين والشرقيين. فتنور وزنه تفعول، بفتح التاء، ولو كانت أصلية لقيل تنور بضمها. قال الزبيدي في ديوانه في مادة (ذ ن ب): وتذنوب بالفتح، وتاؤه زائدة. وفي اللسان العرب: التذنوب: البسر الذي قد بدأ فيه الارطاب من قبل ذنبه، ويضم. وهذه نقلها الصاغاني عن الفراء (وهي لغة بني أسد على ما قال في اللسان ونقله صاحب التاج)، وحينئذ يحتمل دعوى أصالتها اهـ كلام الزبيدي. قلنا: وإنما قالوا التاء أصيلة في تذنوب لتحمل على فعلول، لا على تفعول. وفعلول في جميع موزوناته مضموم الأول، ماخلا بعض الشواذ. وأما تفعول، فالغالب عليه فتح التاء، لأنها زائدة، بل هي الإشارة إلى زيادتها. وعليه قالوا: تعضوض وترنوق وتنوم بالفتح فيها. وجاء (التنور) في الأرمية والفارسية بمعنى النثرة وهي الدرع السلسة الملبس أو الواسعة. - وبمعنى الحوف أو الرهط وهو جلد يشق كهيئة الإزار تلبسه الجواري والصبيان. -

стр. 212

وبمعنى الوتر وهو ثوب كالسراويل لا ساقي له. - وبمعنى النقبة وهي ثوب كالإزار تجعل له حجزة مطيفة من غير نيفق ويشد كما يشد السراويل وهي المسماة الآن عند بعضهم بالتنورة. - وبمعنى الجديلة وهي شبه انب من ادم تتزر به النساء والصبيان. وبمعنى كل ثوب ينزل من الخصر إلى القدمين، كائنا ما كان، من ادم أو نسيج أو زرد أو حلق. - فالتنورة على الحقيقة غير علمية. - بل مقيسة قياسا عربيا لا أمت فيه ولا عوج. وهو من باب المشابهة والكلمة مختومة بتاء التخصيص وهو أمر أشهر من أن يذكر. ٧. التنباك الذهاب إلى أن (التنباك) مأخوذة من (تن) و (باك) من الخرافات التي يستغنى عن ذكرها في مجلة أدبية، فضلا عن مجلة علمية. و (التنباك) و (التبغ) من أصل واحد هو تباكو اسم جزيرة من جزر الانتيل. ولا يلتفت إلى ما يثرثر به بعض الخرافيين ٨. التن ومما يدخل في باب هذا الموضوع (التن) بكسر التاء وتشيد النون. وله عدة معان، من جملتها: الشخص والمثال (عن أبي زيد ذكره ابن مكرم). وهو بهذا المعنى ينظر إلى (تن) الفارسية والزندية والفهلوية وغيرها. وهي في هذه اللغات بفتح فسكون. هذا ما مر بخاطرنا حين مطالعة نبذة الأستاذ شيخا المغربي العلامة اللغوي الكبير وفقنا الله جميعا لخدمة اللغة والوطن. بغداد الأب انستاس ماري الكرملي

стр. 213

صفحة من أدب الغرب أنشودة الحرب للشاعر آرنت على اثر حروب نابوليون قامت في الأدب الألماني نزعة وطنية شديدة شبت في الألمان روح الحماس والحمية، فقويت بها فكرة الوحدة القومية وقامت حركة تحرير ألمانية. واليوم ننشر ترجمة قصيدة عنوانها أنشوة الحرب للشاعر آرنت (١٧٦٩ - ١٨٦٠) المعدود من اكبر شعراء الحرب في العلم، وذلك بمناسبة النزعة الوطنية المحتدمة في أيامنا هذه بألمانية ورجوع الشبيبة الألمانية إلى إنشاد هذه القصيدة وأمثالها. الله لما انبت الحديدا قد شاء أن يحرر العبيدا فوضع السيف بكف البطل صاعقة تمحق ظلم الدول وأودع الجرأة في القلوب والصوت في الأفواه للحروب والبأس في الوجوه والاقداما يهزأ بالموت ولو زؤاما إن الذي يريده نريد ... مطمحنا وعنه لا نحيد فلنطرد الأجانب الظلاما ... وسفلة غدوا لهم خداما ولنذق الراغب في الدنايا ... لقومه ودينه المنايا أبائع الشعب ببخس الثمن ... أهل لأن يلمس ارض الوطن؟ بلغت يا أرض العلى الامانيا بوركت من ارض أيا جرمانيا! أي صريخ روع القلوبا منك صريخ من غدا مكروبا

стр. 214

كلا، فقم وحطم الاغلالا سبر تقوس، واجمع الابطالا نحن بنو الحرب لأرمنيوس فلعلي نار الوغى الضروس! وارتفعي، قدستن نار الحرب بلهب النصر وحر الضرب لواؤنا تنشرة الحرية ... وعزة في نفسنا الأبية توجهوا لله بالضراعة ... ثم اهجموا عليهم، الشجاعة! وأقسموا باوكد الإيمان لأرق بعد اليوم للجرمان! يا بوق صح، يا طبل دردب غضبا ورن يا سلاح وارقص عجبا جميلة نراك ذا النهارا ... سيوفنا أن تزدهي احمرارا حمرا ولكن من دم الجلاد ... منتقمات منه للبلاد إلا اخرجي من هذه الغمود إلى نهار الأمل المنشود! هيا اخفقي بالنصر والهناء أعلامنا في خافق الهوا وليصح الشهيد في الميدان: رصوا الصفوف واحملوا إخواني! يهوى اللواء اليوم أن يعتزا والسيف مسلولا بان يهتزا طيروا، فإما النصر أو فالقبر وليمت الشجاع وهو حر! المعرب

стр. 215

عز الدين التنوخي
следующие страницы →