← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من الشيء الآخر قال في التاج: الرواية: المزادة فيها الماء. ويسمى البعير والبغل والحمار الذي يستقي عليه: رواية، على تسمية الشيء باسم غيره لقربه منه. هذا نص ابن سيده، إلا انه اقتصر على البعير الذي يستقى عليه. . . اهـ كلام التاج. ٦. التنور والتنورة القول بان (التنورة) مركبة من تن بمعنى بدن. ونورة التي لا يعرف معناها، ناشئ من مشابهة هجائها الأول للثن، ولأنها ملبوس. وإلا فالتنورة مأخوذة من (التنور) مع هاء التخصيص لا غير. والتنور مخبز مستدير طويل له من أعلاه فتحة كبيرة مستديرة ليدخل فيها ما يخبز. وفتحة صغيرة من الأسفل لإخراج الرماد الزائد منه. والتنورة مصنوعة على هيئة تنور. والتنور هي كذلك في الارمية بزيادة ألف في الآخر. وهي كذلك في الزندية أي (تنورا) بلا تشديد، وبالفهلوية (تنور) وكذلك بالفارسية الحديثة والتركية فهي إذا مشتركة في جميع اللغات. وعندنا إنها غير منحوتة من (تن) و (نورة) المجهولة المعنى، بل مشتقة من مادة (ن ور) الدالة على النور والنار. فالتاء في الأول زائدة لا أصلية، بخلاف ما يظنه جمهور اللغويين الغربيين والشرقيين. فتنور وزنه تفعول، بفتح التاء، ولو كانت أصلية لقيل تنور بضمها. قال الزبيدي في ديوانه في مادة (ذ ن ب): وتذنوب بالفتح، وتاؤه زائدة. وفي اللسان العرب: التذنوب: البسر الذي قد بدأ فيه الارطاب من قبل ذنبه، ويضم. وهذه نقلها الصاغاني عن الفراء (وهي لغة بني أسد على ما قال في اللسان ونقله صاحب التاج)، وحينئذ يحتمل دعوى أصالتها اهـ كلام الزبيدي. قلنا: وإنما قالوا التاء أصيلة في تذنوب لتحمل على فعلول، لا على تفعول. وفعلول في جميع موزوناته مضموم الأول، ماخلا بعض الشواذ. وأما تفعول، فالغالب عليه فتح التاء، لأنها زائدة، بل هي الإشارة إلى زيادتها. وعليه قالوا: تعضوض وترنوق وتنوم بالفتح فيها. وجاء (التنور) في الأرمية والفارسية بمعنى النثرة وهي الدرع السلسة الملبس أو الواسعة. - وبمعنى الحوف أو الرهط وهو جلد يشق كهيئة الإزار تلبسه الجواري والصبيان. -

стр. 212

وبمعنى الوتر وهو ثوب كالسراويل لا ساقي له. - وبمعنى النقبة وهي ثوب كالإزار تجعل له حجزة مطيفة من غير نيفق ويشد كما يشد السراويل وهي المسماة الآن عند بعضهم بالتنورة. - وبمعنى الجديلة وهي شبه انب من ادم تتزر به النساء والصبيان. وبمعنى كل ثوب ينزل من الخصر إلى القدمين، كائنا ما كان، من ادم أو نسيج أو زرد أو حلق. - فالتنورة على الحقيقة غير علمية. - بل مقيسة قياسا عربيا لا أمت فيه ولا عوج. وهو من باب المشابهة والكلمة مختومة بتاء التخصيص وهو أمر أشهر من أن يذكر. ٧. التنباك الذهاب إلى أن (التنباك) مأخوذة من (تن) و (باك) من الخرافات التي يستغنى عن ذكرها في مجلة أدبية، فضلا عن مجلة علمية. و (التنباك) و (التبغ) من أصل واحد هو تباكو اسم جزيرة من جزر الانتيل. ولا يلتفت إلى ما يثرثر به بعض الخرافيين ٨. التن ومما يدخل في باب هذا الموضوع (التن) بكسر التاء وتشيد النون. وله عدة معان، من جملتها: الشخص والمثال (عن أبي زيد ذكره ابن مكرم). وهو بهذا المعنى ينظر إلى (تن) الفارسية والزندية والفهلوية وغيرها. وهي في هذه اللغات بفتح فسكون. هذا ما مر بخاطرنا حين مطالعة نبذة الأستاذ شيخا المغربي العلامة اللغوي الكبير وفقنا الله جميعا لخدمة اللغة والوطن. بغداد الأب انستاس ماري الكرملي

стр. 213

صفحة من أدب الغرب أنشودة الحرب للشاعر آرنت على اثر حروب نابوليون قامت في الأدب الألماني نزعة وطنية شديدة شبت في الألمان روح الحماس والحمية، فقويت بها فكرة الوحدة القومية وقامت حركة تحرير ألمانية. واليوم ننشر ترجمة قصيدة عنوانها أنشوة الحرب للشاعر آرنت (١٧٦٩ - ١٨٦٠) المعدود من اكبر شعراء الحرب في العلم، وذلك بمناسبة النزعة الوطنية المحتدمة في أيامنا هذه بألمانية ورجوع الشبيبة الألمانية إلى إنشاد هذه القصيدة وأمثالها. الله لما انبت الحديدا قد شاء أن يحرر العبيدا فوضع السيف بكف البطل صاعقة تمحق ظلم الدول وأودع الجرأة في القلوب والصوت في الأفواه للحروب والبأس في الوجوه والاقداما يهزأ بالموت ولو زؤاما إن الذي يريده نريد ... مطمحنا وعنه لا نحيد فلنطرد الأجانب الظلاما ... وسفلة غدوا لهم خداما ولنذق الراغب في الدنايا ... لقومه ودينه المنايا أبائع الشعب ببخس الثمن ... أهل لأن يلمس ارض الوطن؟ بلغت يا أرض العلى الامانيا بوركت من ارض أيا جرمانيا! أي صريخ روع القلوبا منك صريخ من غدا مكروبا

стр. 214

كلا، فقم وحطم الاغلالا سبر تقوس، واجمع الابطالا نحن بنو الحرب لأرمنيوس فلعلي نار الوغى الضروس! وارتفعي، قدستن نار الحرب بلهب النصر وحر الضرب لواؤنا تنشرة الحرية ... وعزة في نفسنا الأبية توجهوا لله بالضراعة ... ثم اهجموا عليهم، الشجاعة! وأقسموا باوكد الإيمان لأرق بعد اليوم للجرمان! يا بوق صح، يا طبل دردب غضبا ورن يا سلاح وارقص عجبا جميلة نراك ذا النهارا ... سيوفنا أن تزدهي احمرارا حمرا ولكن من دم الجلاد ... منتقمات منه للبلاد إلا اخرجي من هذه الغمود إلى نهار الأمل المنشود! هيا اخفقي بالنصر والهناء أعلامنا في خافق الهوا وليصح الشهيد في الميدان: رصوا الصفوف واحملوا إخواني! يهوى اللواء اليوم أن يعتزا والسيف مسلولا بان يهتزا طيروا، فإما النصر أو فالقبر وليمت الشجاع وهو حر! المعرب

стр. 215

عز الدين التنوخي

стр. 216

اللذة للأستاذ ميشيل فرح لا أرى ما يحوجني أن أقول لكم: عليكم أن تتفاهموا على تباين لغاتكم واختلاف عناصركم وتعدد نزعاتكم بلغة الألم، لأنها لغة الضعفاء وهي اللغة الوحيدة التي تتفاهمون بها اليوم ولكني أرى انه حقيق بي أن ادعوكم لتتفاهموا بلغة اللذة لأنها لغة الأقوياء والجبارة، لغة الألم هي لغة كل مريض وسجين وخائف وطريد، هي لغة كل امة غلب عليها. ولكنكم متى وصلتم الألم باللذة من طرفيه كما يتصل ليلكم بنهاركم من طرفيه أصبحتم تحلمون بللذة كما يحلم الساري بطلوع الفجر، وليس الحلم باللذة سوى اللذة نفسها. المريض الذي يحلم بالصحة صحيح في مرضه والخائف الذي يحلم بالأمن آمن في خوفه والطريد الذي يحلم بالأوبة آيب في طروده والأمة المغلوب عليها أمة غالبة إذا حلمت بالغلبة، أن أحلامكم مبعث إيمانكم وليس إيمانكم بغلبتكم سوى غلبتكم نفسها ولذتكم بهذه الغلبة نفسها. سمع الكثيرون يتشدقون حتى من أعلى المنابر بقولهم: يجب علينا نحن الشرقيين أن نحمد الظلم الذي جمعنا تحت لواء المشرقية وجعلنا إخوانا نتألم للحقوق الواحدة التي اغتصبناها. وأنا أقول أن الأحرى بنا أن نجتمع تحت لواء التحرر من هذا الظلم. وان نحمد التحرر وحدة ونلتذه، أما إذا كنا نلتذ الظلم لأنه آخانا وجمعنا تحت كنفه فلسنا غلا كالمسجونين الذين اعتادوا الشقاء والذل وأصبحت أيديهم وأرجلهم لا تنوء بأعباء قيودهم ولا أظنني مبالغا إذا قلت: إنهم قد يسمعون برنين قيودهم نغمات موسيقى مطربة لا تحسبو إنني لست من البشر الذين لهم دم يجري في عروقهم وجسوم ينال منها الحر والبرد وأعصاب حساسة في أناملهم تشعر بالخشن والناعم بل اعلموا أنني صحيح الجسم صادق الحسن ولكنني أيضا صحيح الإرادة فكما إن الدم الذي يجري في عروقي يجب أن احتفظ بقوة اندفاعه الواحدة لكي اثبت صحة جسمي كذلك يجب أن احتفظ بملمس واحد للأشياء فلا المس الخشن منها إلا من وراء طبقة صفيقة تحول دون تخديش أناملي وكذلك يجب أن البس الثقيل من اللباس فلا يؤثر في البرد إذا خشيت شره. وتلك الطبقة الصفيقة التي البسها أناملي وذاك اللباس الثقيل الذي ارتديه قد لا أفتش عنهما طويلا

стр. 217

وقد لا أفتش عنهما بعيدا لأني أجدهما متى أردت وهما موفوران لي، معسرا كنت أم موسرا أجدهما في نفسي، نفسي الجبارة التي تجعل الأشياء باكسيرها متشابهة بل واحدة أنا لا أريد أن لا تميزوا بين الصباح والمساء، بين الشروق والغرب بين الظلمة والنور بل أريد أن تنير نفوسكم إذا أظلمت الدنيا وان تشرق شمس نفوسكم إذا غربت شمس سمائكم أرأيتم في احد الأيام بل في كثير من الأيام في طريقكم إلى جامعكم أو كنيستكم فقيرا بائسا فتت منظره أكبادكم ولآلم نفوسكم ولكنكم لو أردتم، وقلما أردتم، لحولتم فقره إلى غنى ونعمة بل على الأقل إلى عدم فقر وبؤس، مدوا أيديكم إلى جيوبكم فلا يعود يؤلم منظره نفوسكم ويفتت أكبادكم، وقد تستطيعون إذا كانت جيوبكم فلا يعود يؤلم منظره نفوسكم ويفتت أكبادكم، وقد تستطيعون إذا كانت جيوبكم فارغة أن تصلوا من اجله ليقيل الله عثرته بل على الأقل أيضا قد تستطيعون أن تصلوا من اجل نفوسكم ومن اجل أن تكونوا صما وعميا فلا تعودون تسمعون صوت تألمه الذي استنكرتموه. ولا تعودون ترون منظره الذي فتت أكبادكم ولكن تعلمون لماذا لا تعملون شيئا من هذا وذاك؟. . لأنكم لا تريدون أن تعملوا بل بالأحرى لأنكم تريدون أن لا تعملوا وفي ما أرى إن ليس بين عدم إرادة الشيء وارادة عدم الشيء فرق يذكر. ليس بين عدم إرادتكم تهوين بؤس البائس وإرادتكم عدم تهوين بؤسه فرق يذكر. إذا كنتم لا تريدون أن تكفكفوا دمعة شقي فأنتم تريدون أن لا تكفكف دموعه بل تريدون أن يبكي وحينئذ تكونون مصرا ألمكم بل مصدر شقائكم. تباينت آراء الأدباء والشعراء حتى الفلاسفة في حد اللذة، فلستم ولا شك تنتظرون مني أن أحدهم لكم بما يرضيكم كما إني لست أجرؤ أن آتيكم بحد هو القول الفصل ولعل كل الحدود التي حدها بها الناس صادقة، لعلها كألوان الأطعمة التي يستسيغ الواحد منها ما لا يستسيغ الآخر، لعلها كأنواع الألبسة التي نرتديها والتي لأذواقنا المتباينة أعظم الخطر في اختيارها. ولكن مهما كنتم مخيرين في انتقاء ألبستكم وأطعمتكم فللبرودة شأن وللدفء شأن في أنواع ألبستكم كما أن للمعدة شؤونا في تناول ألوان الأطعمة متناسبة مع حالاتها وإذا لم تراعوا هذه الشؤون فأنكم مرضى تحتاجون إلى غير أدوية الفيلسوف والأديب وكما انه لا يضركم اللون الواحد من الطعام بل اللونان حتى الألوان العدة ولا يضركم النوع الواحد من الألبسة أو النوعان أو الأنواع

стр. 218

العدة، كذلك ربما لم تجدوا في الحد الواحد للذة ما يسبر غور نفوسكم فاطلبوها في الحدين والعشرة بل بكل ما حد به الفلاسفة في تحديد اللذة فقد لا تتناقض، وإذا تناقضت فلا يدل ذلك على أن اللذة حلم نائم لا يقبض المستيقظ منه على شيء، أو أن اللذة ليست من أحلام أهل الأرض. إن حاسة اللذة والألم موجودة في الناس وهي حاسة واحدة ولولاها لما ميزنا بين الفرح والترح والحق والباطل والفضيلة والرذيلة والأمن والخوف. قلت أن حاسة اللذة والألم واحدة كما أن الحاسة التي نشعر فيها بلذة الطعام ورديئة واحدة وكما أن الحاسة التي نشعر فيها بالروائح الطيبة والروائح الخبيثة واحدة وكما أن الحاسة التي نسمع بها أصوات الغناء وأصوات الندب واحدة. في العالم اللذيذ والرديء من الأطعمة والطيب والخبيث من الروائح، في العالم لذة وألم مرتبطان بتكيف الطبائع بالإرادة الحرة الخاصة. في وسعكم أن تجعلوا حواسكم لا تشعر إلا من صفحتها الواحدة الصالحة التي تريدون أن تشعر بها. وفي وسعكم أيضا بقناعتكم وصبركم وقوتكم أن تريدون كل ما هو كائن وكل ما يكون وفي وسعكم حينئذ أن تلتذوا كل شيء ميشل فرح

стр. 219

كانا من صنع كفيه لا تخف نقمه رب ... الأرض جبار السماء فهو ادري بمكان ... الضعف من طين وماء كلنا من صنع كفيه ... جدير بنداه أترى يفتن في ... تعذيب ما صاغت يداه؟! وطن النفس على ... الموت ولا تحذر عقابا إن للموت يدا ... تصطاد في الجو العقابا ذل من يصحب هذا ... الدهر مذعور الجنان بين خوف من لظى ... النار وتأميل الجنان محمد البرم

стр. 220

الكونتس دي نوايل للدكتور أنور حاتم فقدت فرنسا بموت (الكونتس دي نوايل) اكبر شاعرة من شواعرها. كانت حياة هذه الشاعرة وأعمالها وأفكارها تحوم دائما حول أنشودة الموت. ولقد انتهت هذه الأنشودة اليوم إلى غايتها. ولدت الكونتس من أب روماني وأم يونانية ونشأت في باريس وتغذت بالثقافة الافرنسية فكانت باقة شعر مجردة عن قيود التعابير واللغات. أنشدت الشعر وهي لم تبلغ التاسعة من عمرها وقد استقبل أعاظم الأدباء مثل ميسترال وأناتول فرانس الأبيات الأولى التي نشرتها في مجلة باريس بكثير من الإعجاب والدهش ورحب كبار النقدة في شخصها بشاعرة كبيرة يختلج في فؤادها جميع ما يهز النفس الإنسانية من وحي وألم وأنين. قضيت عمرها منعزلة عن الناس كأن الحياة كانت منفى لها وظلت يهزها الحنين إلى أوطان أبدعها خيالها فكانت رغم ما يحيط بها من نعيم وعز ومال لا تشعر بلذة في هذا الوجود بل تطمح دوما إلى الخلود ولم تكشف لها الأيام إلا عن معنى الفناء فكان الموت بتمثيل لها في كل ساعة من أفراحها ويرافقها شبحه في أسفارها وهي التي نطقت بهذا البيت الخالد: اعتبرني قد مت ... لأنني سأموت تغنت بالموت كما يتغنى غيرها بالربيع أو بالشباب وكان الموت يحوم حولها ليزيدها حبا بالعيش ومقتا له وحقا فان عاطفة الموت أعظم ما خلده الأدب الافرنسي من (فيلون) شاعر القرون الوسطى إلى (باريس) و (بييرلوتي). كانت الكونتس (دي نوايل) مصورة وموسيقية فشعرها تصوير وموسيقى معا. وتعتقد أن الفنون الجميلة كلها واحدة متلازمة يزداد احدها بالآخر قوة ونموا فكل موسيقى كبير مصور وكل مصور كبير شاعر. وليس الشاعر وهو ينظم إلا كالنقاش الذي يفرغ أحلامه في الرخام لتخلد فتعيش وتقاوم طوارئ الأيام. ولا نعرف بين الشعراء من فهم روح الموسيقين العظام كالكونتس دي نوايل التي

стр. 221

أحيت ذكرى هؤلاء الموسيقين في اضاميم من ارق الأشعار. عبثا حاول بعض الأدباء توجيه النقد إلى لغة الكونتس دي نوايل التي يبدو عليها أحيانا شيء من الضعف في التعبير. وحقا كانت تنظم أشعارها كما يرتل البلبل أناشيده، إنها كانت تقول الشعر مندفعة إليه من طبيعتها فلا تهتم بما قيل وما يقال ولا تحفل بما فرضه المتعصبون من قواعد ركيكة يريدون بها خنق لغة اشتهرت بسذاجتها وسهولة تعبيرها. إن شعر الكونتس (دي نوايل) يشبه البركان الهائج أو السيل المتدفق يجرف كل ما في طريقه. أحبت (دي نوايل) الطبيعة حتى امتزجت روحها بالرياض والرياح والأنهار والجبال والصخور فأصبح شعرها أنشودة حية لجمال الكون. سمعت حفيف الأشجار في الغابات فذهبت تعرب عن الأنين الذي يتخلل هذه الأصوات ونظرت إلى الرياحين في الرياض فغدت لا ترى في العالم كله سوى ريحانة بديعة وكانت ترغب في أن تعانق الطبيعة كما تعانق طفلا تقبله وتستنشق عبيره وتتلذذ بلمسه وتتمتع بالتهام محاسنه فان نظراته كلها غرام وقد هتفت يوما: لقد أثرت الغابات والغدران والسهول الخصبة في مقلتي أكثر من لحاظ البشر فلجأت إلى جمال الكون ولست أريج الفصول بيدي ودت لو تعيش سائحة حول الأرض وقد زارت صقيلة ورومية والبندقية نتغنت بمحاسن تلك البلاد كأنها صديقة لهن فرق بينهن وبكت البلاد التي لم يساعدها الحظ على زيارتها وأرادت أن تبعث جمالها حيا في الخيال وهكذا أعربت في أبيات خالدة عن حسرتها لأنها لم تشاهد دمشق فحيت مياهها العذبة المتدفقة وسماؤها الساحرة وجنانها الفتانة وتغزلت بورد اصبهان وجوامع القسطنطينية وقصور بغداد (التي شيدتها أحلامها) ورددت تقول إنها إنما خلقت لتعيش الشرق. كانت في حياتها شعلة من الحب فنثرت حبات قلبها التي لا تحصى فوق الأحياء والأشياء فهي أسيرة كل كائن تحبه - وما أكثر الكائنات التي تحبها -. بكت مع الأطفال وجرحى الحرب ومع الخريف والسحاب وتبسمت مع الزهر والنور والشباب فتدفق شعرها كأنه ينبوع عطف يشمل جميع المخلوقات وتمنت أن تتلاشى في الطبيعة وتتحول إلى شجرة تتقاذفها الأعاصير.

стр. 222

لم تكن الكونتس دي نوايل مقيدة بدين من الأديان المنزلة فهي وثنية المذهب وقد قالت أن قلبي يشبه غابة تزورها الآلهة، وكنت تعتقد أن كل شيء على الأرض من نبات وجماد وحيوان هو اله فالله وهو الكل والكل واحد، وهو الله. أما هي فليست الاجزء صغيرا من ذلك الهيكل العظيم ستفنى فيه كقطرة ماء في ثبج البحر. وليست صاحبة كتاب ظل الأيام أول من دان بهذه العقيدة التي هي من أقدم المذاهب الفلسفية ولكنها جددتها واستخرجت من تلك الأوتار المشوشة ألحانا علوية فيها شيء من تلك الحسرة السائدة على قلوب شباب العصر. ورثت عن أمها حب اليونان، كعبة الفن والاعتدال والجمال وكثيرا ما حاولت عبثا زيارة تلك البلاد ونظمت فيها قصائد تفيض حنانا تناجي الآلهة وتوسلت إلى تلك الروح التي نفختها الآلهة اليونانية أن تهب إليها سلوى لم تجدها في بقية الأديان. وكانت تقضي أيامها كئيبة لا تعرف سببا لبؤسها فقضت شبابها متلهفة خائفة من اليوم الذي يذهب فيه الشباب وقضت كهولتها باكية على شبابها وماتت قبل أن تدرك الشيخوخة. كان اثر (الكونتس دي نوايل) في الأدب الافرنسي عظيما فهي آخر شاعرة من شعراء الرومانتيك (الإبداعيين) الذين بدأت نهضتهم في فرانسا عام ١٨٢٠ والذين اشتهر منهم هوغو ولا مرتين وموسه ودوفيني وجورج ساند واسكندردوماس وميشلة. وكما يمثل بول فاليري الشعر المحض كذلك تمثل الكونتس دي نوايل الإلهام المجرد فقد جعلت أبياتها آلة تعبر عما في قلبها من آلام وأحلام فهي بعيدة عن كل تطرف وتحفظ في عواطفها، صريحة في فنها كما هي صريحة في حياتها. فكانت تنتمي إلى أحزاب الشمال معجبة بسياسة اريستيد بريان وقد قاومت مرارا تعصب أولئك الذين جعلوا العقيدة الوطنية الضيقة حائلا دون الرحمة والشفقة والحنان على الإنسانية المتألمة. بيد أن هذا لم يمنعها من أن تكون أشهر من نظم بفرنسا في رثاء أبطال الحرب الذين ذهبوا ضحية الواجب. وكانت لها صلات ود مع اكبر رجال السياسة في فرنسا حتى مع الملكيين وبينهم ليون دوده وشال موراس وقد مدحتهما مرارا وصرحت بإعجابها بهما وقد استقبلت في دارها بشارع (شيفر) عظماء الرجال في أوروبا وباتت شاعرة الجمهورية الرسمية في فرنسا.

стр. 223

عاشت آخر سني عمرها متألمة، صابرة على مصائب الدهر، رابطة الجأش. لقد افقدها الموت اعز أحبائها ونزل بها ذلك الداء الذي أودي بها بعد أن نشرت في عام ١٩٢٠ أبدع مؤلفاتها الشعرية اعني (القوى الأبدية) كما نشرت في العام الماضي مذكراتها التي سمتها (كتاب حياتي) وكأنها أرادت قبل موتها أن تخلد أجمل ما مر من الحوادث بها. فجأها الموت في آخر يوم من شهر نيسان المنصرم. ولعل نزعها كان اهدأ يوم في حياتها. فلقد كانت منذ يفعت متأهبة للرحيل وفراق ما الفت من ضروب العيش عساها تجد في العالم الآخر تلك الراحة التي طالما حنت لها وهي في الحياة الدنيا، حيث خلدت اسمها مع الخالدين. . . أنور حاتم

стр. 224

ستة عشر أديبا يفتشون عن امرأة المستقبل في أيام الدراسة بجامعة برلين كنت أنا وصديق إيراني نجلس في درس اللغة اللاتينية إلى جانب فتاة ألمانية لا نلتقي بها إلا و (راحة) التنيس معها. وقد كانت في مظهرها مثال المرأة المغربة بالرياضة البدنية: لها جسم قوي مفتول العضلات ووجه أحمر يطفح نشاطا ترتدي لباسا في غاية البساطة رغم غناها. وكنا كلما سألناها إلى أين هي ذاهبة بعد الدرس أجابتنا: إلى ملعب التنيس أو إلى البحيرات في ضواحي برلين للسباحة أو التجذيف. ليس من الغريب انهمال هذه الفتاة في الرياضة البدنية فان كل الشعب الألماني وفي مقدمته النساء قد جعل للرياضة المقام الأول في حياته ويكاد الناظر يعتقد أن ألمانيا كلها قد أصبحت ملعبا كبيرا يتبارى فيه الجميع في سبيل القوة والجمال. ولكن الأمر المهم الذي يستحق التفكير هو تأثير الرياضة ليس في الصحة العامة والجمال فقط في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والأخلاقية والنفسية والفكرية أيضا. فان الحياة الرياضة الطلقة قد حررت أفرادها هذا الشعب من القيود البالية ونفخت فيه روحا جديدة اقرب إلى الطبيعة. وقد صرحت لنا هذه الفتاة في احد الأيام، لما انتقل بنا الحديث إلى العلاقات بين الرجل والمرأة، انه أخذها العجب منا نحن الطالبين الشرقيين اللذين تسيطر علينا التقاليد القديمة، البعيدة عن الفطرة ولا تزال نعيش في الخيالات والأوهام الشعرية. وقالت: يجب أن تسود الصراحة والبساطة في علاقات الجنسين ولا يجوز إن يضيع الناس في هذا العصر أوقاتهم في الأحلام والعواطف. وبينما الجمهور في ألمانيا وغيرها من البلاد الغربية أصبح لا يؤمن إلا بهذه العقيدة التي قلبت العلاقة الجنسية نرى أصوات بعض المفكرين من الأدباء ترتفع بانتقاد التطرف والغلو في هذه السبيل التي أوشكت أن تنتهي إلى الإباحة والمادية. وقد كثرت في السنيين الأخيرة المباحث حول موضوع المرأة وعلاقتها بالرجل ونريد هنا تلخيص كتاب جديد انتشر في ألمانيا يشرح فيه ستة عشر أديبا من ابرز الكتاب الألمان

стр. 225

والنمساويين الحديثين آراءهم في امرأة المستقبل. . . يقول أميل لوقا، الكاتب المعروف بمباحثه الفنية وتحليله للحب: إن المثل الأعلى لعلاقة الجنسين ظل في أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر يتمسك بمبدأ التضاد والتقابل أي أن المرأة والرجل كان ينظر إليهما كقطبين متناظرين يجذب احدهما الآخر لما فيهما من اختلاف في الطبيعة ولان كل واحد منهما يتمم ما في الآخر من نقص. ومنذ أول القرن العشرين تزعزع هذا المثل الأعلى واخذ يقوم مكانه مثل أعلى أخر معارض له مبني على فكرة التوازي والاتساق بين الجنسين. أن هذا المثل الأعلى الجديد يبغض كل اختلاف وتضاد وتطرف ويتطلب في الجنسين الصفات المتشابهة، المشتركة المتقاربة: انه لا يحفل بغرائز الأنوثة أو الرجولة البارزة بل يميل إلى الصفات البشرية العامة الجامعة بين الرجل والمرأة وهذه الفكرة قد انتشرت بين الأمم الشمالية ولا تزال بعيدة عن البلاد الأوربية الجنوبية. ومن مظاهر هذه الفكرة انتشار الحب الجنسي. . لقد تقارب الجنسان في مظهرهما الخارجي ولكن المثل الأعلى ليس هو أن تصبح المرأة مشابهة للرجل ومساوية له بل أن تقرب من الغلمان والشبان سواء في ظاهرها أو في شعورها الباطني. إن رغبة الرجل والمثل الأعلى الذي ينشده في صميمه ولو لم يصرح به هو إلا تكون المرأة مثله تماما بل أن تكون كمخلوق بين الشاب والغلام، بين الفتى والصبي أو بالأحرى كالأخ الأصغر: أكثر منه نضارة ورشاقة ونعومة ورقة ولطفا. . . على أن هذا المثل الأعلى قد اخذ منذ الآن في التضاؤل والاضمحلال وبدأت حركة رد الفعل. وتدل الظواهر على أننا في أوائل عهد جديد يجمع بين الفكرتين المختلفتين ويبدع منهما فكرة جديدة أكثر سموا. فان المرأة الراقية ترفض اليوم أن تكون مشابهة ومساوية للرجل وهي لا تريد أن تصبح بشرا مطلقا لا جنس لها بل تريد أن تكون قبل كل شيء امرأة بكل معنى الكلمة. امرأة تتصف بالأنوثة، ذلك هو المثل الأعلى الذي يتكلم عنه أميل لوقا ويطالب به جميع زملائه الكتاب الستة عشر.

стр. 226

وهذا (لئوماتياس) الذي اشتهر بكتاب عن رحلته في الشرق قد نشر رسالة يخاطب فيها ابنته قائلا: إياك ومحاولة التساوي مع الرجل! فإن المرأة أيضا لها قيمتها ولكن هذه القيمة عن قيمة الرجل. ويجب أن تنصرف همة النساء إلى نيل امتيازاتهن الخاصة كما ينبغي أن تصبح لهن قواعد أخلاقية خاصة. ويبحث الأديب الروائي (آلفونس باكة) عن الخطر في إخضاع قوة الحب والشهوة الجنسية لسلطان العقل وسيطرة المنطق. أما الكاتب الفيلسوف (اوتو فلاكه) فيقول أن تحكم العقل والمنطق مما ينتهي بالحب إلى الحقارة والتفاهة. وامرأة المستقبل لا مهمة لها في الحياة غير المهمة التي تقوم بها امرأة اليوم وقامت بها امرأة الأمس وهي: العناية بالحب والسمو به عن الانحطاط والابتذال. ويدعي (روبرت موزيل) الكاتب الروائي أن المرأة قد سئمت أن تبقى دائما موضوعا لمثل الرجل العليا. وعدا عن أن الرجل لم يعد من القوة بمكانة يستطيع معها إبداع المثل العليا الجديدة وتصورها فان المرأة بدورها قد أخذت اليوم على نفسها مهمة التفكير في أمانيها ورغباتها الخاصة في المستقبل. ويتعرض (آكسل اككه بريخت) إلى الجمود واليأس الذي استولى على العالم الأوربي الغربي في أمور الحياة الجنسية ومسائل الحب ثم يثبت أن الناس أمسوا لا يعتبرون الحب والعلاقات الجنسية إلا كحادث شخصي تافه لا وزن له في حياتهم ومن هنا ينشأ التردد والتذبذب الذي لا يطاق في موقف الرجل تجاه المرأة ويقول (اككه بريخت): أن معضلة الحب ناجمة عن فقدان الحب. وغاية ما نرغب فيه هو أن نقدر على الرغبة. وكذلك (هاينريخ ادوارد ياقوت) ينشد المرأة التي يجب أن تبتعد عن عالم الرجل وان تثير فيه الشوق غير المتناهي وان تعبن بأفكاره المنطقية التي تجلب إليه الشؤم والاضطراب بوضوحها وجلائها. ويحاول (والترفون هوللاندر) إن يصور لنا المثل الأعلى للمرأة فيقول: إن الأنوثة شيء قائم بذاته ولذاته، إنها في صورتها النقية الخالصة عنصر ضروري وركن لا يستغنى عنه في بناء الحياة والعالم. ثم ينتقل إلى التطور الحديث

стр. 227

ويطالب المرأة بان تتغلب على الشعور بالنقص في نفسها الذي يلازمها والذي يجعلها تعتقد إنها لا قيمة لها في ذاتها وإنها لا تعتبر شيئا مذكورا إلا إذا كانت إلى جانب الرجل والولد. يجب أن تتحرر المرأة من قيود الدائرة الضيقة التي تدور حول الرجل والزواج والولد والتي تمنى فيها كل يوم بخيبة الأمل وانكسار الخيال فتعود على نفسها وتصبه امرأة مستقلة في ذاتها وفي أنوثتها أيضا بعداد لت تم لها ذلك من الوجهة الحقوقية والاجتماعية قبلا. جميع هؤلاء الكتاب يعتقدون أن الحياة الزوجية، كما كانت قبل اليوم قد انقض عهدها وأصبحت لا تصلح للأجيال المقبلة. فليس هناك احد ينكر على المرأة الحق في أن تشارك الرجل في حياة العمل وان تتمتع بالمساواة الحقوقية والاجتماعية. ولكن المعضلة التي تشغل الأفكار هي معرفة التطور في علاقات الجنسين وحل هذا اللغز المسمى بالمرأة لان حياة الرجل لن تستقر ويسود فيها الاطمئنان والسعادة والإبداع إلا إذا أصبحت المرأة جزءا متمما له تنفحه القوة والنشاط وتغذي شعوره وتفكيره كما تتلقى منه ما ينقصها في حياتها الخاصة من عواطف ومبادئ. . . كامل عياد

стр. 228

السينما الناطقة للمهندس الكيماوي مخائيل كزما إن أول من فكر في السينما الناطقة هوتوماس اديسن المخترع الأميركي المعروف ومما هو جدير بالذكر أن أهم الأسباب التي حركت هذا المخترع الكبير لابتكار الصور المتحركة هو رغبة في جعل صوت الفونوغراف الذي كان قد اخترعه حديثا مصحوبا بصور الأشياء التي أحدثت الصوت. إلا أنه لم يوفق المخترعون إلى نتيجة عملية في هذا المضمار إلا بعد مضي عشرات من السنين وذلك بفضل اختراعين هامين الأول الجهاز الكهربائي للصوت تجهيزا يزيد قوته ألوف ومئات المرات. والثاني البطارية الفوتو كهربائية وقد اتجهت أبحاث العلماء الساعين إلى تحقيق السينما الناطقة في طريقتين مختلفتين. الأولى مقارنة الفونوغراف والصور المتحركة. وذلك بوصل قرص (اسطوانة) الفونوغراف بفانوس السينما وصلا كهربائيا بحيث تخرج الصور والأصوات بوقت واحد. وثم تكبير الصوت بوصل إبرة الفونوغراف بالتيار الكهربائي فيحدث اهتزاز الإبرة السائرة في ثلم القرص الفونوغراف تغيرات في شدت التيار الكهربائي ومماثلة للاهتزازات الصوتية المسجلة على قرص الفونوغراف وهذا التيار الكهربائي المتغير يغذي المجهر الكهربائي الذي يحوله إلى صوت مكبر ألوف المرات. وقد جرب هذا الجهاز لأول مرة سنة ١٩٢٦ وأعطى نتائج حسنة. أما الطريقة الثانية وهي الأكثر شيوعا الآن فتستند إلى مبدأ البطارية الفوتو كهربائية أي تلك البطارية التي تحول النور إلى تيار كهربائي. ولا بد لنا قبل الخوض في موضوع السينما الناطقة من الإتيان على شرح موجز لمبدأ هذه البطارية. من المعلوم إن النور حسب النظرية المسلم بها الآن مسبب عن اهتزاز الجسم المضيء اهتزازا سريعا يحدث في الأثير - ذلك الكائن الافتراضي المرن الذي يملا الفضاء الفاصل بين الأجرام السماوية وكافة الفراغات والأجسام الشفافة - تموجات تنتقل من الجسم المضيء إلى كل الجهات. وعندما تقع هذه التموجات على شبكة العين ومنها تنتقل بواسطة العصب البصري إلى الدماغ تتحول إلى شعور بالنور.

стр. 229

ويفسر اختلاف شدة النور باختلاف شدة هذه الموجات الأثيرية. كما انه قد ثبت أن لون النور ناشئ عن عدد الاهتزازات في الثانية وبالتالي عن عدد التموجات في الثانية وهي ما يعبر عنها بكلمة تردد. فتردد موجات النور البنفسجي أعظم من تردد النور الأزرق وهكذا يتناقص التردد إلى الأحمر الذي هو أقل الألوان ترددا. ولما كانت سرعة انتشار النور واحدة في الفراغ والهواء لكل الألوان كان طول الموجات متناسبا عكسيا لترددها فتكون موجة النور البنفسجي اقصر الموجات المنظورة وموجة النور الأحمر أطولها. ويمكننا مقاربة هذه الظاهرة مع ظاهرة الصوت. فانه أيضا ناشئ عن اهتزاز الجسم المصوت الذي يحدث في الهواء وغيره في الأجسام المجاورة تموجات تنتقل من مصدر الصوت إلى إذن السامع بواسطة الهواء أو غيره من الأجسام الناقلة للصوت بسرعة هي اقل بكثير من سرعة انتقال الأمواج الأثيرية. وكما رأينا في التموجات الأثيرية تعلل شدة الصوت بشدة هذه التموجات، كذلك علو الصوت يعلل بتردد تموجاته. ولنرجع إلى التموجات الأثيرية. فان المنظورة منها وهي التي تكون النور ليست إلا جزاء صغيرا جدا من مجموع التموجات الأثيرية. فان أكثرها لا يؤثر في العين البشرية. لكن يوجد أجهزة دقيقة تشعر وتقيس أطوال موجاتها بالضبط. ومن هذه التموجات غير المنظورة ما تفوق موجاتها أطول الموجات المنظورة. وأهمها الأشعة التحت الحمراء والاهتزازات الكهربائية المستعملة الإشارات اللاسلكية ومنها التي طول موجاتها اقصر من اقصر الموجات المنظورة ولعلها الأشعة الفوق البنفسجية وأشعة رونتجن وأشعة (غما) المنبعثة من الراديوم. ثم أن هنالك نظرية علمية في منتهى الأهمية لابد من شرحها ولو باختصار ليتم لنا فهم مبدأ البطارية الفوتو كهربائية وهي نظرية تركيب الجوهر الفرد أو الذرة. من المعلوم إن العناصر التي تتألف منها الأجسام كالمعادن والأكسجين والازوت يمكن تجزئتها إلى أقسام متناهية في الصغر هي الذرات لها أوزان وخواص معينة هي خواص العنصر المؤلف منها. وما قطعة الحديد مثلا إلا مجموعة كمية كبيرة جدا من

стр. 230

الذرات المتماثلة. وعندما يتفاعل الحديد مع الأكسجين مثلا تتحد ذرة من الحديد بذرة من الأكسجين وتكون جزيئا من أكسيد الحديد أو صدأ الحديد. ويمكن تفكيك عرى هذا الجزيء بواسطة القوى الكيماوية فيعود الأكسجين والحديد كما كانا قبل اتحادهما. وقد بقي الاعتقاد سائدا إلى بضع عشرة سنين خلت أن الذرة لا يمكن تجزئتها مهما سلط عليها من القوى. إلا أن اكتشاف الراديوم وغيره من العناصر المشعة اثبت أن الذرة تتهدم إلى أجزاء اصغر. وهاك نتيجة ما وصل إليه العلماء عن تركيب الذرة مقتصرين على القسم الذي يهمنا لتفهم مبدأ البطارية الفوتو كهربائية: تشكل الذرة نظاما محكم التركيب كالنظام الشمسي. فهي مؤلفة من نواة مادية مشحونة بكهربائية ايجابية يدور حولها عدد من الأجزاء الكهربائية السلبية تسمى الكترونات يختلف عددها حسب طبيعة العنصر. وبما أن قيمة الكهربائية الايجابية لنواة درة ما تعادل تمتما قيمة الكهربائية السلبية لمجموع الكترونات تلك الذرة كانت الذرة متعادلة الكهربائية. ويمكننا أن نستنج بسهولة انه إذا توصلنا بإحدى الطرق إلى أن نطرد من الذرة بضعة الكترونات تغلبت كهربة النواة الايجابية وأصبحت الذرة مكهربة ايجابيا بينما تشكل هذه الالكترونات المطرودة تيارا كهربائيا سلبيا. وبالعكس يمكن جعل الذرة تكهرب سلبيا بإضافة الكترونات إليها. ويوجد الآن لدى العلم عدة وسائل لاقتلاع الالكترونات من ذرات العناصر منها أشعة النور وغيرها من التموجات الأثيرية كأشعة رنتجن والأشعة الفوق البنفسجية وهذه الظاهرة هي المبدأ الذي يرتكز عليه عمل البطارية الفوتو كهربائية وهي تتألف بأبسط معانيها من (بلون) زجاجي كالمستعمل في المصابيح الكهربائية مفرغ من الهواء ومطلي من الداخل بطبقة رقيقة من المعدن. وهذه الطبقة متصلة كهربائيا بأحد قطبي الجهاز. والقطب الآخر متصل بسلك معدني دقيق مثبت في وسط (البلون) وملحوم في الزجاج. وقد تركت في أحد جوانب المصباح بقعة خالية من الطلاء المعدني لأجل دخول النور. لنفرض شعاعا من النور الاعتيادي داخلا إلى المصباح من البقعة الشفافة المذكورة آنفا فعند وقوع هذا النور على الطلاء المعدني تقتلع قوة اهتزاز الأثير عددا من الكترونات هذا

стр. 231

المعدن فتصبح ذراته مكهربة ايجابيا بينما الالكترونات المنطلقة منه تحمل كهربائية سلبية إلى السلك المعدني الكائن في وسط المصباح ومنه إلى قطب الجهاز المتصل به. فإذا وصلنا هذا القطب بالقطب الآخر المتصل بالطلاء المعدني بواسطة سلك خارجي يجري في هذا الأخير تيار كهربائي يمكن قياسه بواسطة المقاييس الكهربائية العادية. ومن البديهي انه إذا ازداد تألق النور الواقع على المصباح ازدادت قوة اهتزاز الأثير فيزداد عدد الالكترونات المنطلقة من الطلاء المعدني فتشتد قوة التيار الكهربائي الجاري في السلك الخارجي. والعكس بالعكس. فإذا وقع على هذا المصباح شعاع من النور متغير التألق نتج عنه تيار كهربائي متغير الشدة. هذا هو مبدأ عمل البطارية الفوتو كهربائية التي تشكل الجزيء الرئيسي من الآلة التي تعرض الصور الناطقة. وسوف نعود إلى شرح عملها بالنسبة للسينما بعد أن نشرح الآلة الآخذة للمناظر الناطقة تؤخذ مناظر السينما بواسطة آلة فوتوغرافية لا تختلف بمبدئها عن آلة التصوير العادية سوى أن الغشاء الحساس المكون من شريط (فيلم) طويل يتحرك على دولاب بسرعة منتظمة. فيرتسم عليه المنظر المتحرك في أوضاع مختلفة بالتتابع. وعند عرض هذا الشريط في الفانوس يدار بنفس السرعة التي أخذت بها المناظر. فترتسم صورها على الشاشة البيضاء ويخيل للناظر أنها متحركة متواصلة مع أنها بالحقيقة صور منقطعة لنفس الشيء في أوضاع مختلفة. وتعليل ذلك أن الشبح الذي يقع على شبكة العين يبقى مرتسما عليها برهة من الزمن بعد زوال الشيء المسبب للشبح. وفي احد جانبي الشريط يترك حقل لا يتجاوز عرضه ثلاثة مليمترات لأجل تسجيل الصوت وذلك على الكيفية الآتية. إذا أحدث صوت أمام سماعة التلفون اهتزت طبلتها اهتزازا مماثلا لاهتزازات الجسم المصوت. وإذا وضعت السماعة في دائرة كهربائية حدث في شدة التيار تغيرات مماثلة لتغيرات الصوت. فإذا استعمل هذا التيار لإنارة مصباح كهربائي عادي لضاء هذا

стр. 232

المصباح بنور متغير التألق حسب تفاوت شدة التيار الكهربائي وبالتالي حسب تفاوت الصوت المحدث أمام السماعة. لنضع الآن جهازا كهذا أمام المناظر المراد اخذ صوتها وصورها. فبينما الآلة الفوتوغرافية تأخذ الصور على الجزء الأكبر من الفلم لنجعل المصباح المتغير التألق يضيء شقا ضيقا يكون طوله بقدر عرض الحقل المخصص للصوت في الفلم وليكن الشق ملاصقا تقريبا للفلم. فترتسم على الحقل الضيق من الشريط صور الشق المذكور وتكون كثافة تألقها متفاوتة تفاوتا يطابق كل المطابقة تفاوت شدة الصوت. فيكون لدينا فلم مسجلة فيه الصور والأصوات في نفس الوقت. لنرجع الآن إلى الآلة العارضة للمناظر. لندع نور الفانوس يقع على الفلم المتحرك ولنفرض شعاعا من النور واقعا على بطارية فوتو كهربائية بعد مروره بالحقل الضيق من الفلم الذي سجلت عليه الصور والأصوات كما مر آنفا. فيكون للواقع على البطارية متغير التألق تغيرا مماثلا لتغير الصوت الأصلي. فينشأ في البطارية الفوتو كهربائية تيار كهربائي متغير الشدة. ولنفرض أن هذا التيار المتغير يغذي آلة تلفونية آخذة ومجهرة للصوت. فتهتز طبلتها وتحدث في الهواء المجاور أصواتا مماثلة للأصوات الأصلية وموافقة للصور مرافقة تامة. ميخائيل كزما مهندس كيماوي

стр. 233

سعادة الإيمان للكاتب الافرنسي أندره موروا تعريب جميل صليبا - قلت للسيد الشرقاوي وأنا انظر إلى الخنجر الأعوج الموضوع في غمده البسيط كم ثمن هذا الخنجر؟ فوقف وتمتم بضع كلمات بالعربية. ثم انحنى البائع أمامه وقبل يده البضة التي كانت أجمل من يد الغندورة الحسناء. وقال -. . . فابتسم الشرقاوي في لحيته وقال لي: - انه يطلب خمسين فرنكا. ولكن يكفي أن تعطيه ثلاثين. كنا في أسواق مراكش. وكان العبيد الراكبون على ظهور الحمر الصغيرة ينادون بالك، بالك. ثم يشقون الطريق غير مبالين بالازدحام. وكان الناس يفتحون لهم الطريق بأعجوبة. وكانت النساء وراء الخمار الأبيض جميلة ساحرة. وكان الرجال جالسين أمام الدكات الخشبية فيقفون عند مرورنا بالقرب منهم ويسلمون علينا يرفعون أيديهم إلى جباههم وينزلونها إلى صدورهم. فقال لي الشرقاوي: - ليس هؤلاء الباعة كتجاركم في أوروبا. لأنهم لا يحسبون دخلهم ولا خرجهم ولا يعرفون ما عندهم من البضائع بل يشترون ويبيعون ويعيشون غير مكترثين بالأرباح، فإذا بقي لديهم شيء من المال في آخر السنة اشتروا به بضائع جديدة أو ابتاعوا أرضا وبيوتا. أما العقلاء منهم فيشترون به نساء وسجادا. - أليس لهم حساب في الصارف؟ وكنا ذاك قد وصلنا إلى سوق الدباغين حيث تلمع مراجل النحاس في الظل الوارف. وكان الهواء مفعما برائحة الصوف المحروق ورائحة النيلج وكان بعض أولاد العرب يعقلون كبب الخيوط البنفسجية والحمراء على أبواب المخازن الخشبية. فقال السيد الشرقاوي: - ليس للمسلم حساب في المصارف لان ديننا قد منع الربى وأمرنا أن نستثمر أموالنا في

стр. 234

التجارة، أما استثمار المال بالمال فلا يريده الله. فقلت - ولكن أنت يا سيدي الست موظفا كبيرا؟ إن راتبك ضخم وليس لك تجارة تستثمر بها ما يزيد عنك. فماذا تصنع بهذه الزيادة. إلا تشتري بها أسهما مالية؟ فقال الشرقاوي، وكنا نجتاز سوق الحدادين بين نغمات المطارق: - معاذ الله، كيف استطيع أن املك الأسهم المالية وأحافظ على ديني؟ لقد اضطرتني الظروف في بعض الأحيان أن أودع أموالي في بعض المصارف، ولكنني كنت في كل مرة ارفض الفائدة. فقلت - ولكن يا سيدي يجب على المسلم أن يفكر في مستقبله! فماذا تصنع إذا طعنت في السن، بل ماذا يصنع هؤلاء الباعة؟ قال - إن حاجات الإنسان تصبح في الشيخوخة قليلة جدا. ومن السهل عليه تأمين حاجاته ببيع احد عقاراته التي اكتسبها في صيف حياته. الشيخ لا يحتاج إلى عدد كبير من النساء ولا إلى كمية كبيرة من الغذاء، بل يكفيه من ذلك كله شيء قليل. ويمكنه أن يقتصر على حديقة صغيرة في بيته يخصصها لنزهاته القصيرة. قلت - ولكن يا سيدي يجب توقع كل شيء، ماذا يصنع الشيخ إذا عاش أكثر مما كان ينتظر، فباع كل عقاراته ولم يبق له شيء أليس من العقل أن يبتاع أسهما مالية أو سندات تجارية يعيش من فائدتها حتى الموت؟. قال - انه يجد عند ذلك في أولاده عونا على الدهر. قلت - وإذا لم يكن له أولاد فماذا يصنع -؟ قال - انه يكل أمره عند ذلك إلى الله، والله لا يترك أحدا. . وكنا نسير إذ ذاك في سحاب من الطيب، وكانت أوراق الورد وأزهار البرتقال تتساقط من سلات القصب. وكان الحمارون يصرخون بالك، بالك، والنساء يبتعن الأزهار والشيوخ يقولون لنا السلام عليكم، وكانت أشعة الشمس محرقة بينما رفيقي الشرقاوي يمشي بقدم ثابتة لا تقوى على حمل حذائه الثقيل. فرددت في نفسي عبارة الشرقاوي: إن الله لا يترك أحدا. ثم قلت له:

стр. 235

- هل تظن إن الله يهتم بما يجري في هذه الدنيا وهي حفرة من الوحل فيلهو بمصير كل واحد منا ويحول دون موت الفقراء جوعا ويحرس أموال الناس؟ قال وهو ينظر إلي بدهش - وهل تشك في ذلك يا سيدي؟ - قلت - أود لو اصدق ذلك، ولكنني لا أخفي عليك إنني إذا نظرت إلى ما يحيط بي من الأشياء لا أجد أثرا لهذه الحكمة الربانية والعناية الإلهية، والدنيا لا توالي إلا الأشرار ولا تكافئ إلا الطماعين، ولا تؤيد إلا المغتصبين. أما الفاضل في الطول شقوته! الأمراض تفترسه والجوع يضنيه. إلا ترى كيف يعشق الرجال المرأة اللعوب ويعرضون عن المرأة الفاضلة!؟ قال - انك كثير الاهتمام بالحاضر، ولولا ذلك لما زعمت أن الأشرار سعداء. كنت وأنا في ريعان الحداثة ألوم الزمان مثلك، وأتظلم من تغلب عدوي علي بالرياء والكذب والافتراء، فكنت اغضب من ذلك، وأريد أن أنازل خصمي وافضح فعله. ال أنني أدركت الآن معنى رواية الحياة، وعلمت أن الدهر دولاب، يوم لك ويوم عليك، وسينقلب الزمان على عدوي شر منقلب من غير أن أزعج نفسي واقاسي مضض الانتقام - قلت - وكيف ذلك، هل تريد أن تقول أن كل شرير ينال عقابه في هذه الحياة، الم تر كيف يموتون وهو راتعون في بحبوبة العيش، رافلون في حلل السعادة؟ - لعل بلدكم مراكش يختلف عن البلدان التي شاهدتها في أوربا وأميركا! فقال لي، وقد أوقفه احد البائعين ليسمح رداءه بشيء من الطيب. - عفوا يا سيدي، لم اقل أن كل شرير ينال جزاءه قبل الموت بل شاهدته أنا أيضا بعض الأشرار يموتون قبل أن ينالهم العقاب. ولكنني اعرف أن الله سيعاقب أولادهم وأحفادهم حتى الجيل العاشر. ومهما تحاول تبديل الأشياء فلن تفلح أبدا. لأنه لا مرد لحكم الله وكل شيء مقدر مكتوب وكنت لا تسمع إلا قول الحمارين بالك. بالك، ولا ترى في مدخل الأسواق عند ساحة (جامع الفنا) إلا زمرا من الفقراء، بينهم خمسة عبيد عميان يطلبون الصدقة. وكان مقدمهم ينشد بعض الأذكار بنغمات محزنة ثم يتبعه الأربعة قائلين آمين. ثم يعود المقدم إلى الإنشاد على نمط واحد بينما المارة يقفون وينظرون ويتصدقون

стр. 236

لقد ودعني السيد الشرقاوي بين أولئك الرجال المتربعين أمام جدران الأسواق كأنهم قد طردوا من نفوسهم كل فكرة أو كأنهم صمموا أن يعيشوا نائمين لا حراك لأجسامهم المسندة ولا حركة في أعينهم الشاخصة. وبينما كان القاص العربي يتكلم في المقهى وقد أحاط به السامعون كأنهم هالة من الصوف الأبيض قلت في نفسي: إن الله لا يترك أحدا. إن الناس لا يبدلون ما هو مقدر مكتوب. ما اشد اعتقاد الشرقاوي وما أقوى إيمانه بهذا المذهب! إن حياته مطمئنة هادئة. أما نحن الأوروبيين والأميركيين فلا نستطيع احتمال هذا الركود فنتكهن ونتنبأ ونحسب وندبر ونبدل ما هو مقدر ولا نرضى بالعدالة الإلهية ولا نرتاح لهذا العالم الذي أبدعه الخالق. نعم، إننا نتنبأ، ولكننا نتنبأ ونخطئ، ثم نعمل ونبني، ونهدم ما بنيناه، وننتج، ويولد الإنتاج قسوة الفقر وشقوة الفاقة في حياتنا. فهل نحن أكثر حكمة وأحسن حالا من هؤلاء الباعة الذين يشترون النساء والسجاد ويتمتعون بقوة أجسادهم ونضارة شبابهم؟. وكانت وجوه بعض الراقصين تشبه وجوه الأولين بلونها النحاسي وعيونها الواسعة الجاحظة، فقلت في نفسي: إن الإنسان لا يبدل ما هو مقدر مكتوب لا أذكر الآن ممن سمعت هذه العبارة قبل هذه المرة: ليس في الإمكان أبدع مما كان. كل ما أذكره إنني كنت في بلاد النور مانديا واقفا إلى جانب احد الأبواب انظر عن كثب إلى الوادي المحصور بين الآكام. وكانت الخيل تعدو بين أشجار التفاح الباسقة. وكان السكون عميقا لا تقاس قوته إلا بضجة المحرك البعيدة. هناك قال لي المالي لا يجوز أن نبدل شيئا. هناك قال لي المالي يجب أن ندع المقادير تجري في أعنتها، لنترك قليل الفطنة يهلك في معترك الحياة. هناك سمعت الاقتصادي يقول لي وهو يقطف الأزهار، أن كل مداخلة وكل تجربة تمنع النواميس الاقتصادية من أن تجري مجراها. فالمالي يقول أطلق لنواميس الطبيعة العنان ولا تقيدها والشرقاوي يقول أن الإنسان لا يبدل

стр. 237

ما هو مقدر مكتوب. . وكان الطبل يزيد الراقصين احتداما. وكان البقر يدور ببطء حول الحواجز البيضاء فقلت. إن حكمة الحضارة وحكمة البداوة تلتقيان في الشقاء، فالأزمات الاقتصادية قد جعلت الغربي يستحسن الكون الذي أبدعه الله ويرضى بحكم الطبيعة ويجد علاج للازمات الاقتصادية في الاستسلام للمقادير. فكأنه لا مرد لحكم الله وكأنه ليس في إلا مكان أبدع مما كان. هنا شعب أنهكه العراك وأضناه الإنتاج، وهناك في الغبار شعب متربع على الأرض ينتظر مصيره ساكنا من غير أن يفكر يوما في تغيير قضاء الله.

стр. 238

الكتب والصحف مجموعة المباحث الشرقية ظهر في هذا الشهر المجلد الثاني من مجموعة المباحث الشرقية التي يصدرها في كل عالم المعهد الافرنسي في دمشق. وهذا المجلد لا يقل عن مجلد العام الغابر بما فيه من مقالات قيمة وأبحاث علمية دقيقة عالجها أعضاء المعهد وغيرهم من الأساتذة الأخصائيين معالجة هي مثال لما وصل إليه الاستقصاء الحديث والتتبع العلمي. وأول ما يلفت النظر في هذه المجموعة طبعها المتقن وورقها الصقيل وما فيها من النقوش التاريخية والرسوم العلمية التي كثيرا ما تزيد في لذة القارئ وتغريبه بالمطالعة والدرس. وفي هذا المجلد الذي يقع في ١٢٥ صفحة من القطع الكبير مقالات كثيرة من أهمها مقالة المستشرق الأستاذ جان سوفاجه عن مراسم المماليك المنقوشة في سورية ومقالة الأستاذ مونتانيه عن سكان الجزيرة العليا ومقالة الأستاذ جان غولميه عن بعض مناظرات أدبية بين أهالي حمص حماه. . ولقد درس الأستاذ سوفاجه في مقاله بعض نقوش عربية لم تنشر بعد جمعها من المباني التاريخية في دمشق وحلب وغيرها من المدن السورية مقتصرا في درسه هذا على النصوص التي نقشت بصورة مراسيم أصدرها المماليك في سورية وكان لها شأن تاريخي عظيم في بيان أثار الحضارة في بلادنا ولقد اثبت نصها العربي وشرح ما غمض من ترجمتها شرحا هو نموذج لما يأتي به التتبع العلمي من الفوائد العلمية في درس آثار الأمم وعوالم مجدها الغابر. ومما يزيد في فائدته مقالة انه نقل أكثر تلك المنقوشات العربية مع رسومها الفوتوغرافية إلى لوحات أضافها على بحثه الذي استوعب خمسين صفحة من صفحات المجموعة. ودرس الأستاذ مونتانيه في مقاله قسما من سكان الجزيرة العليا في شمال سورية من أعراب رحل ومتحضرين ونصف متحضرين وكذلك سكان القرى والمدن مبينا تأثير الإقليم والتربة والعوامل الاقتصادية والاجتماعية في طراز معاش هؤلاء الجماعات وما بينها من الفوارق وما يخشاه الموظفون السوريون من أن ينشأ هنالك أقليات تتكلم بلغة غير لغة الوطن العربي وتدين بدين غير دينه. ولعا فائدة المقال العلمية كانت أكثر قيمة لولا بعض نظرات ونتائج يشتم منها رائحة السياسة.

стр. 239

وبحث الأستاذ جان غولميه في الخصومة المعروف بين الحمصيين والحمويين كحادث اجتماعي وبين كثيرا من أسبابها التاريخية والطبيعة وما نشا عن هذه المناظرة القديمة من الأدب القديمة من الأدب اللغوي والأدب الشعبي وأورد لذلك كثيرا من الأمثال والشواهد والأشعار التي ترجمتها وشرحها بدقة ومهارة مستندا بذلك إلى كثير من الحادثات التاريخية في هاتين المدينتين القديمتين. والأستاذ غولميه ما برح يعالج وصف الجماعات الحموية منذ سنوات حتى أصبح خبيرا بشؤونها عارفا بكثير من الدقائق التي تفوت سكان مدينة أبي الفداء أنفسهم ولعل بحثه هذا هو احد فصول الكتاب القيم الذي ما برح يعمل في إعداده وتحريره منذ خمس سنوات. وفي مجموعة المعهد الافرنسي الجديدة، غير ما ذكرناه من المقالات والأبحاث الشرقية، فصول كثيرة ممتعة يجدر بالشرقيين عامة والسوريين خاصة وكذلك بكل من يهتم بشؤون سورية والشرق من الغربين الاطلاع عليه ودرسها درسا وافيا. . بوم شوقي بفاس لست أدري هل من المناسب أو اللياقة أن تقتصر حفلات التأبين على أن يكيل الخطباء المدح للمؤبن وتنهمر دموعهم على وفاته، أم إن واجبهم يحفزهم على أن يجاهروا بالحقيقة مهما كانت قاسية لا تتفق ورهبة الموت في نظر السذج، لست ادري ذلك وإنما الذي أراه أن اغلب المؤبنين يتخذون جلال الموت ذريعة لتناسي النقائص والإشادة بالفضائل. على أن المجتمع الأدبي العربي اليوم بدأ يتوفق لنبذ المبالغات (الاتباعية) التي كانت تزف إلى كل ميت فأصبحت خطب التأبين شبه تحليل لمحاسن المتوفى. فلقد توفى الله حافظا فلم تكسف الشمس ولم تزلزل الأرض في خطب تأبينه، وتوفي أمير الشعراء (شوقي) فرن الأسى في جميع البلدان الناطقة بالضاد دون أن تنقلب العوالم أو يتوقف سير المجموعة الشمسية في تلك المراثي التي نظمها شعراء العرب، بل لقد عبر الشاعر عن حزن خامره وخامر أمته لفقد شخصية كانت تغذي عاطفة العربي وهو يكافح عوادي الطبيعة ومظالم أخيه الإنسان التي شملت جل مظاهر الحياة. إن في تلك المظاهرات الأدبية التي أقيمت لتأبين شوقي في كل البلاد العربية مغزى جميلا طالما رمى إليه شاعرنا في قصائده، وبلاد مراكش ساهمت في تلك الحقيقة الكبرى الدالة

стр. 240

على ارتباط الأمم العربية الفكري واتحادها في مثلها الأدبية فيبدي اليوم مجموعة تتضمن قصائد وخطبا ألقيت في حفلة تأبين شاعرنا شوقي (بفاس) (بجامعة القرويين) فلقد اجتمع يوم الأربعين لوفاة شوقي نخبة من أدباء مراكش وتباروا في استعراض ما امتاز به شعر الفقيد من محاسن، بل ربما مادت الأرض ووقعت السماء في كلام بعض الخطباء. . . لست بصدد نقد هذه المجموعة وإنما حسبي أن أشير إلى ذلك المغزى حيث أوضحت تلك النخبة من أدباء مراكش أن الشعر أو بالأحرى الأدب يربط بلادهم النائية بهذا الوسط الأدبي العربي وإنهم يتذوقون ما تخرجه عقول المفكرين في الشرق العربي بل إنهم لا يقوون أن ينقدوه ويحللوه في غير حرج. فلقد استعرض شاعرنا الشباب المغربي في قصيدته بهذه المجموعة مجمل مبادئ شوقي وأوضح في مقدمه المجموعة سبب شهرة الفقيد بينما غيره من الشعراء كحافظ المرحوم وغيره الذين لا ينقصون شاعرية عن المحتفى بتأبينه لا تتعدى شهرتهم الجمرة الأدبية إلى تغني أفراد العامة بشعرهم. وقام خطيب آخر فتكلم عن حياة شوقي ومنزلته الأدبية وعبقريته الخالدة مما ينير طريق تفهم روح شوقي الذي ليس لهم به كبير اتصال وهكذا جل الخطباء. فلينقد أدباء العربية هذه المجموعة فيكون نقدهم باعثا ومشجعا لا بناء المغرب الأقصى على الحرص في تمكين اتصالهم أبناء العروبة والارتواء من فيض الأدب العربي لمجموع الناطقين بالضاد. دمشق: (مراكش) دائرة المعارف الإسلامية منذ أكثر من عشرين سنة عزمت طائفة من كبار المستشرقين على تأليف دائرة معرف إسلامية تبحث في جغرافية بلاد الإسلام وأصول شعوبها وتراجم مشاهير الأمة الإسلامية وتاريخ دولها وحضارتها وعمرانها وعلومها وفرقها ومذاهبها وما إلى ذلك من الموضوعات التي تتناولها دوائر المعارف عادة. ورأوا أن تكتب بثلاث لغات الافرنسية والانكليزية والألمانية لكل لغة نسخة لا تختلف عن البقية من حيث المادة في شيء. فصدر المجلد

стр. 241

الأول سنة ١٩١٣ في ١٠٨٥ صفحة يبدأ بحرف وينتهي بحرف كما تصدر المجلات أجزاء متتالية. وصدر المجلد الثاني سنة ١٩٢٧ في ١١٧٥ صفحة يبدأ بحرف وينتهي بحرف أما المجلد الثالث يبدأ بحرف والمجلد الرابع يبدأ بحرف فما زالت أجزاؤهما تصدر متواترة معا. وآخر ما صدر من المجلد الثالث جزء رقم أولى صفحاته ٦٤١ وآخرها ٧٠٤ وأهم ما ورد فيه من المواد: (محمد ﷺ ومحمد بن طفج الإخشيد مؤسس الأسرة الإخشيدية في مصر ومحمد عبده ومحمد علي باشا رأس الأسرة المالكة في مصر) وآخر ما صدر من المجلد الرابع جزء رقم أولى صفحاته ١٠٧٣ وآخرها ١١٣٦ وأهم ما ورد فيه من المواد: (وبار ووهابية ووحي ووقف وواصل بن عطاء). ويتولى رئاسة تحرير هذه الدائرة الآن الأساتذة المستشرقون: هو تسماووينسينك وجيب وهيفنتيك وليفي بروفينسال. ويكتب بها عدد غير قليل من عمدة المستشرقين وبعض علماء الشرق وتكون كل مادة مذيلة باسم كاتبها. فيا حبذا لو ترجمت هذه الدائرة إلى العربية فإنها اجل عمل قام بع الغرب نحو الشرق الإسلامي خ. م الشعار الإسلامي الغربيون، واخص بالذكر منهم الانكليز، محبون للعمل المجهد الذي يتطلب درسا طويلا وتدقيقا زائدا فلا يقفون عند حد دراستهم لآدابهم وعلومهم وما يتعلق بهم بل يسعون بكل واسطة للوقوف على آثار جميع الشعوب. فالعنوان الذي تقرأ موضوع كتاب للمؤلف الانكليزي المؤرخ الدكتور (ل. ماير) الموجود في فلسطين دار الآثار والمحاضر في الكلية العبرية في القدس والعضو المراسل لنادي الآثار في ألمانيا. قرأت هذا الكتاب حبا بالاطلاع على مقدار ما وصل إليه الكتبة الانكليز من دراستهم لآثارنا منتظرا من المؤلف أن يحذو حذو بعض الكتاب الغربين في تفهم الأشياء الشرقية على غير وجهتها، فلم يكن لي في هذه المرة ما توهمت إذ أن الكاتب كان متيقظا متوخيا الحقائق، مطلعا على ما يهم القارئ في هذا الموضوع الهام، فجاء بحثه نزيها وافيا.

стр. 242

ليس بين المؤرخين العرب سوى مؤلف واحد بحث مفصلا في هذا الموضوع الهام هو القلقشندي في كتابه صبح الأعشى وقد رجع إليه المؤرخ في كثير من الحقائق واستشهد بأقواله كما رجع إلى المؤرخين الذين مروا عرضا على هذا الموضوع في مؤلفاتهم. لا يخفى أن لكل دولة من الدول الإسلامية شعارا اتخذته دون غيره لسبب أو لغير سبب ولكل مليك أو خليفة شارة خاصة يهبها للأمراء والأنصار الذين جاهدوا في ظل ملكه أو خلافته تقديرا منه لجهودهم المخلصة في سبيله وهذه الشارات بقسمها المؤلف من حيث شكلها إلى أربعة أقسام: (أولا) الشارة البسيطة وهي التي يكون منقوشا عليها رمز واحد إما رسم حيوان وفي أكثر الأحيان النسر أو رسم نوع من السلاح وفي كثير من الأحيان السيف. (ثانيا) الشارة المركبة وتقسم إلى نوعين نوع مركب من رسم متكرر لرمز واحد ونوع مركب من رسوم مختلفة لرموز مختلفة. (ثالثا) الشارة المختلطة وهي التي ترمز إلى مهنة حاملها وفي أكثر الأحيان تكون مع هذه الرموز صورة النسر. (رابعا) الشارة التي تحمل أثرا تاريخيا يدل عليها وكانت مركبة من رسوم أشياء لا من رسوم حيوانات وفي أكثرها لكأس محاط بألوان مختلفة. يمتاز هذا الكتاب بمزايا ثلاث: (أولا) سعى مؤلفه وراء الحقيقة المجردة مع الإتيان بشواهد تاريخية من مراجعها الأصلية مرفقة بالرسوم والآثار وأماكن وجودها وتاريخها وأسماء حامليها. (ثانيا) نقده الصريح للمؤلفين الغربيين الذين كتبوا في الموضوع نفسه مع البراهين القيمة التي تدل على صدق لهجته وسعة اطلاعه. (ثالثا) ما بذل للوصول إلى هذه الحقائق التاريخية المبعثرة هنا وهناك والتي لم يفكر بها عربي قبله في عصرنا هذا كل هذا إذا أضيف إلى جمال تنسيق المواضيع وسهولة اللغة واستعمال الاصطلاحات الصحيحة وتفسيرها تاما يضع الكتاب في مصاف الكتب ذات القيمة التاريخية العظيمة ويجعلنا نقدر المؤلف قدره على هذه التحفة الثمينة التي أهداها إلى قرائه فأحسن انتقاء

стр. 243

الهدية. معروف صعب صناعة تقنيك تأليف حسني يوسف، مصر: القاهرة (١٩٣٣) وهو كتاب يبحث في مختلف الصناعات والفنون بطريقة عملية سهلة يمكن لكل احد الاستفادة منها فيتعلم كيفية الطلاء الكهربائي لأنواع المعادن أو تقطير النباتات العطرية أو تركيب الصبغات والروائح العطرية أو فن التصوير الشمسي أو صناعة الزبدة والجبن والجعة أو تربية النحل ودودة القز وغير ذلك من الأعمال الصناعية المفيدة. وحبذا لو تكثر لدينا مثل هذه الكتب النافعة وينصرف إليها الشبان فيتقنون بعض الصناعات الحديثة التي تدر كثيرا من الأموال والتي نرى الأجانب قد استأثروا بها دوننا. والأزمة الاقتصادية الحاضرة تضطرنا للتفكير في جميع الوسائل لنشر الصناعات العملية والاستفادة من العلوم والاختراعات الحديثة كما نرى في كتاب السيد حسني يوسف صاحب جريدة لسان الشعب. وثمن الكتاب ٢٥ قرشا وهو يطلب من صاحبه، المبيضة بالجمالية رقم ٨ بمصر. البيت السوري تأليف (ر، تومان) مؤلف هذه الرسالة هو (ر. تومان) صاحب كتاب تاريخ سوريا وصف فيه البيت السوري في مناطق حوران والغوطة والقلمون مع بعض الرسوم التي تدل على اختلاف طراز البناء باختلاف الناحية الجغرافية. وفي الحق أن البيت كما قال الأستاذ (جان بروهن) أشبه بالنبات وهو يختلف باختلاف الإقليم ويدل على الحالة الاجتماعية. فإذا كانت البلاد آمنة مطمئنة تفرقت المساكن وتباعدت وإذا كانت قليلة الأمن تجمع الناس حول مركز واحد وبنوا مساكنهم فيه ليدفعوا عن أنفسهم عند الحاجة.

стр. 244

وقد وصف الموسيو (تومان) الإقليم السوري وما فيه من مواد البناء وقسم البيوت بحسب مواد بنائها إلى بيوت من تراب وبيوت من حجارة كلسية وبيوت من حجارة بركانية ثم اتبع ذلك كله بوصف موجز لمخطط البيت السوري وأشكاله واختلافها بحسب ثروة العائلات وختم الكتاب بزينة البيوت وبين كيف يستعمل الفلاحون التراب في زينة البيوت الداخلية. وقد جاءت الرسالة في ٢٩ صفحة من القطع الكبير يضاف اليها٣٥ صفحة من الصور الجميلة التي تزيد قفي قيمة الرسالة وتحبب مطالعتها للقراء. وكنا نود لو أسهب المؤلف قليلا في وصف مخطط البيت السوري ونشأته مع بيان آثار القدماء فيه كتأثير الفرس والرومانيين والبيزنطيين والعرب. وكنا نود أيضا لو احتوت الرسالة على بعض المراجع - ولعل المؤلف لم يشأ أن يبحث في البيت السوري بحثا تاريخيا بل اكتفى ببحث جغرافي ذكر فيه حالة البيت السوري الحاضرة وتركيب مواده وأشكاله وتأثير الإقليم فيه. ج. ص

стр. 245

أخبار العلم والأدب شهداء الطب من التجارب القديمة المعروفة أن كثيرا من السموم، إذا اخذ منها كميات صغيرة، تصبح دواء شافيا. وقد حاول الأطباء منذ العصور الأولى التحقق من ذلك بتجربة السموم على أنفسهم. وإذ كان الملوك قديما يخافون دائما من خطر التسمم فقد كانوا يطلبون من الأطباء في قصورهم أن يخترعوا سموما مضادة يجربونها بأنفسهم فيتناولون كمية لا يستهان بها من السموم ليبرهنوا على إمكان حصول المناعة. وقد كان الملك (ميتريداتيس) يأمر بإجراء مثل هذه التجارب الخطرة على غيره ليتوصل إلى معرفة أنواع الترياق التي يصون بها نفسه. وهذا الترياق المعروف باسم (ميتريدات) ظل حتى القرن الثامن عشر يستخدم ضد سموم الأفاعي ويقال إنه يحتوي على دم إوز جربن فيها السموم واكتسبت المناعة وبما أن بعض السموم لا يمكن فحصها إلا في الإنسان فقد كانوا يستخدمون الأسرى والمجرمين والمحكوم عليهم بالإعدام ليقوموا غير مختارين، بمهمة (شهداء الطب). وكثيرا ما كانوا في مثل هذه الحالات الخطرة يجربون سموما شديدة الفعل ودون اتخاذ شيء من التدابير الاحتياطية ولذلك فان عاقبة هؤلاء المساكين كانت دائما الموت بالسم عوضا عن المشنقة أو السيف وكذلك كانوا يستخدمون المجرمين للقيام بالتجاريب الجراحية الخطرة، فانه في سنة ١٧٣١ قاموا بعملية إزالة الغشاء الطبلي من أذن احد المحكوم عليهم بالإعدام لمعرفة فيما إذا كانت ذلك يسبب الصم أم لا. وبهذه التجربة، التي كان خطرها محدودا بالنسبة، تخلص هذا المجرم من الموت. ولم يرض لويس الرابع عشر، الذي كان يشكو من مرض في أمعائه، أن يقوم الأطباء بعملية جراحية له إلا بعد تجربة هذه العملية نفسها في عدة مجرمين ونجاحها فيهم نجاحا تاما. وفي العصور المتأخرة التي لا تسمح بمثل هذا التعدي على أرواح البشر قد اضطر الأطباء للقيام بكثير من التجارب على أنفسهم رغم علمهم بأن العاقبة ستكون وخيمة عليهم في

стр. 246

معظم الحالات. فان العالم الكبير في التشريح (فزاليوس) ثم (ميخائيل سروت) الذي كان أول من عرف دوران الدم بين الرئتين والقلب قد ذهبا ضحية لظلم محاكم التفتيش التي كانت تعتبر دراسة الجسم الإنساني من بدع الكفار. على أن شهداء الطب بالمعنى الصحيح ليسوا هم الذين علقوا على المشانق أو حرقوا بالنيران بسبب جهل الحكام وتعصبهم بل الذين تقدموا إلى الموت في سبيل مكافحة الأمراض السارية في العصور الحديثة. فان الأطباء الذين يعالجون المصابين بالوباء أو الكوليرا أو المالاريا أو التيفوس إنما يخاطرون بأنفسهم مختارين لأجل كشف أسرار هذه الأمراض ومعرفة أسبابها المجهولة. وفي أواخر القرن الماضي، لما قام الطبيب (نوت ناغل) بمخبره في (فينا) بفحص الوباء أصيب اثنان من المستخدمين بهذا المرض فلم يمنع ذلك معاونه الدكتور (هرمان موللر) من زيارتهما في حجرتهما حيث أصيب هو أيضا بالوباء ومات على الأثر. والباحثون ذوو الإقدام من الأطباء مثل (نوت ناغل) أو (بيتنقوفر) كانوا لا يجدون في طريقهم إلا العراقيل التي تدفعهم إلى الموت دفعا. ومن هؤلاء الأطباء (جينر) الانكليزي الذي اخترع طعم الجدري والذي يعد من اكبر خدام الإنسانية فانه طول حياته عرضة للاضطهاد ولما اخترعت أشعة (رونتكن) التي كشفت لنا القناع عن كثير من الأمراض - عدا الاستفادة منها هي نفسها كدواء - ذهب عدد كبير من الباحثين ضحية في سبيل معرفة خواصها وأسرارها. فان فحص هذه الأشعة كان في أول الأمر محفوفا بالأخطار وقد أصيب الكثيرون من الذين اشتغلوا بها بمختلف الأمراض والعاهات. وكذلك فان عددا كبيرا من الأطباء الذين قاموا بتجربة الوسائل المختلفة على أنفسهم لمعرفة أنواع (التبنيج) الصالحة قد ماتوا شهداء في سبيل علم الطب. . . الأدب والأخلاق تعرض الكاتب الطلياني (آدريانوا تيلغر) في احد مباحثه الأخيرة للبحث في علاقة الأدب بالأخلاق فقال: إن العامل الأخلاقي هو العامل الوحيد الذي يقوم عليه نظام الحياة البشرية.

стр. 247

وهذه الحياة تبقى فوضى إذا لم تكن هناك مقاييس أخلاقية تبين لنا إن هذه العاطفة شريفة وذاك الشعور ساقط وذلك الإحساس حسن وهذا قبيح. وبذلك يتم ترتيب الكون ونظامه. ورجال الفن والأدب يجب إلا تغرب عنهم هذه الحقيقة. ولكن ليس معنى ذلك إن هؤلاء أن يصفوا الأشخاص الذين يتكلمون عنهم بالحسن أو القبح. بل إنما يتحتم عليهم أن يظهروا في آثارهم ما يسيطر على أرواح هؤلاء الأشخاص من عوامل الخبر أو الشر ثم ما ينتج عن هذه العوامل من أفعال تقابلها وتلازمها. وكل أثر أدبي لو فني لا صلة للعوامل الأخلاقية به لا يمكن أن يبدع عالما كاملا مستقلا ولو اشتمل من جهة أخرى على مظاهر الحياة وأجاد في وصفها. فان هذه الحياة تبقى دائما مشوشة تعتروها الفوضى إذا خلت من الأسس الأخلاقية. وقيمة رجل الأدب والفن تظهر في مقدرته على إبداع عالم كامل يقوم على نظام وترتيب. وبقدر ما يكون هذا العالم بارزا، واضحا تزداد عظمة الآثار الفنية والأدبية التي يجب أن تمثل لنا النظام في الكون وتتعرض إلى المعضلات البشرية الكبرى ولو من الوجهة السلبية فقط. إذن، فان مطالبة رجال الأدب والفن بالاهتمام بالأخلاق ليس معناه محاولة تقييدهم بقانون لم يسن لأجلهم بل إنما يقصد منه تذكير بان الإبداع الفني والأدبي لا يمكن أن يبلغ الكمال إلا إذا استطاعوا التعبير عن تأثير العوامل والمقاييس الأخلاقية في آثارهم. . . الفن والسياسة ألمانيا الدامية يحاول أنصار هيتلر في ألمانيا أن يستفيدوا من السينما أيضا في سبيل الدعاية الوطنية. وقد عرض الآن في برلين (فيلم) يرمي إلى الدفاع عن الحكم الجديد. واسم هذا الشريط ألمانيا الدامية وهو عبارة عن صور تاريخية تمثل الحالة في ألمانيا قبل الحرب وفي أثناء الحرب ثم بعدها. وفي الصور الأولى يظهر عهد غيلوم الثاني قبل الحرب كأنه من العصور الزاهرة السعيدة، ويسعى الفيلم بعد ذلك لتصوير انتصارات الجيوش الألمانية أثناء الحرب ثم توقفها فجأة بسبب خيانة الثوار الاشتراكيين الذين رضوا في معاهدة (فرسايل) بالتنازل عن البلاد إلى الحلفاء.

стр. 248

ويرى الناظرون على الشريط المتحرك خارطة ألمانيا قبل الحرب وبعدها وكيف إن الأيدي امتدت إليها من كل جانب للاغتصاب والنهب وتقطيع أوصالها: ففي (سيليزيا العليا) نرى البولونيين المسلحين يطردون السكان الألمان العزل من بيوتهم. وفي حوضة (الرور) ترابط الجنود السنغالية مع الدبابات الافرنسية. وتقابل إحدى الصور بين الجيش الألماني الصغير وبين جيوش الأمم الأخرى العظيمة. وأخيرا يمثل (الفيلم) حركة هيتلر كيف نشأت في بادئ الأمر واستطاعت تأليف كتائب منتظمة تقوم بالتمارين الحربية والاستعراضات العسكرية وهي تنشد الأناشيد الوطنية الحماسية. وتختم هذه الصور باستيلاء هيتلر على الحكم ونجاح حزبه في انتخابات ٥ آذار ١٩٣٣ ذلك النجاح الباهر. . . النجوم السيارة الصغيرة في النشرة التي يصدرها معهد الرصد الألماني يبلغ عدد النجوم السيارة الصغيرة التي أحصيت حتى سنة ١٩٣٣ وتحقق العلم من وجودها نهائيا (١. ٢٢٣) أي بزيادة (٤٠) عن السنة الماضية. وقد ذكر النجم السيار الذي اكتشفه (دلبورت) قبل سنة، والذي يبعد عن الأرض بما يقارب (١٠) ملايين ميلا تحت رقم (١. ٢٢٣). أدنى درجة للبرودة بينما نستطيع اليوم في المخابر الحصول على برودة صناعية تنزل إلى (٢٧٢٠) درجة سانتيغراد تحت الصفر نرى أن أدنى درجة للبرودة أمكن ملاحظتها في الهواء الطبيعي من سطح الأرض لا تبلغ أكثر من (١٠٠) درجة بمقياس (فارنهايت) وكذلك على جبال (ماك كينلاي) في شبه جزيرة (آلاسكا). شجرة تدر حليبا أكتشف العالم الأميركي (ج. ريقورد) في بلاد (غواتيمالا) بأمريكا الوسطى نوعا جديدا من الشجر الذي يدر حليبا. وقد كانت المصادفة هي التي ساقت هذا العالم إلى التقرب من هذه الشجرة فرأى مائعا يسيل منها شبيها بالحليب ولم يستطع منع نفسه من تناول شيء قليل منه لمعرفة مذاقه فوجده حلو الطعم لطيفا.

стр. 249

وسكان البلاد الأصليين يعرفون هذه الشجرة من القديم ويسمونها (شجرة الحليب). وهم يستعملون هذا الحليب كدواء يشفي من أمراض المعدة. التعليم الثانوي في فرانسا صادق مجلس النواب الافرنسي أخيرا على قانون جديد ينص على جعل التعليم في المدارس الثانوية مجانيا بصورة مطلقة. إن معظم المعارف في الجمهورية الثالثة في فرنسة هو (جول فري) وقد جعل التعليم بالاتفاق مع مساعدة المربي (فردينان بويسون) مجانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر فصارت المعارف خاضعة بذلك إلى ثلاثة مبادئ ١ - المبدأ الأول هو أن التعليم إجباري ٢ - والمبدأ الثاني هو مجانية التعليم. ٣ - والمبدأ الثالث هو المبدأ العلماني وهذه المبادئ الثلاثة متلازمة لا يستغنى احدها عن الآخر فإذا جعلت التعليم إجباريا اضطررت إلى جعله مجانيا لأنه قد يوجد في الوالدين من لا يستطيع أن يعلم أولاده على نفقته، وإذا جعلته إجباريا ومجانيا وجب عليك أن تجعله أيضا علمانيا لان مدرسة الأمة هي مدرسة جميع الأديان لا مدرسة طائفة دون غيرها. وقد كان التعليم في فرانسا مجانيا في المدارس الابتدائية فقط ولم تتمكن حكومة من الحكومات من جعله مجانيا في المدارس الثانوية قبل هذه الأيام الأخيرة فقد حاول الموسيو هريو أثناء وزارته الأولى في سنة ١٩٢٤ أن يجعل التعليم مجانيا في المدارس الثانوية أيضا إلا انه لم يوفق إلى ذلك ولم تزل هذه الفكرة تنمو في رجال الحزب الراديكالي حتى توصلت الحكومة في الحادي عشر من شهر نيسان المنصرم إلى حمل مجلس النواب على تصديق المادة السادسة والعشرين من القانون المالي وهي تجعل التحصيل الثانوي في جميع الصفوف مجانيا. إصلاح التعليم في روسيا أعادت حكومة السوفيت النظر في قرار كان صدر سنة ١٩١٨ يقضي بإلغاء تعليم اللغات القديمة في جميع المدارس الثانوية. وقد رأت الحكومة الآن أن فهم الاصطلاحات العلمية يتوقف على معرفة هذه اللغات فقررت إعادة تدريس اللغتين اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية ولكن ضمن نطاق محصور فلا يتعدى المبادئ الأولية ولا تزيد الدروس

стр. 250

عن ساعات محدودة في السنة. معلمة أفرنسية جديدة كانت الحكومة الافرنسية قررت قبل أشهر إصدار (معلمة) انسكلوبيدا للقرن العشرين أسوة بايطاليا وروسيا اللتين سبقتا غيرها من الأمم في هذا المضمار. وقد عهدت حكومة باريس إلى لجنة كبار العلماء للقيام بهذه المهمة الجليلة. وبين أعضاء اللجنة كثير من المشاهير مثل: لانجوين وجاك هادامون، وليفي برول، وبول بانليفة واتيهن رابو وغيرهم. وسيصدر أول جزء من المعلمة الجديدة في سنة ١٩٣٤ القادمة. حيوان ذو قلبين توصل الموسيو (اتيه ن فولف) لإيجاد طريقة يمكن بها تقسيم قلب بعض الطيور إلى قسمين وذلك بحرق السطح الخارجي من الرشيم بالكهرباء بين الساعة الخامسة عشرة والساعة العشرين من زمن التفريخ إذ تكون التشكيلات العضوية لا تزال ظاهرة على سطح الحجيرة فيفصل القلب على هذه الصورة إلى نصفين مستقلين كل منهما قائم بذاته أي متسق الضربات مع الآخر ولا شك في انه سيكون لنتائج هذه التجربة شأن عظيم في عالم الفيسيولوجياء والطب. دارسونفال احتفلت جامعة باريز في السابع والعشرين من هذا الشهر بمرور ثلاثة وثمانين عاما على ولادة العالم الكبير الأستاذ (دارسونفال) ولد العالم (دارسونفال) في (بوري) من مقاطعة (فينا) العالية من أعمال فرانسه سنة ١٨٥١ ثم تتلمذ لكلوردبرنارد وصار مساعدا له وحصل على شهادة الدو كتواراه في الطب سنة ١٨٧٦. ثم عين مدبرا لمختبر الحكمة الحيوية في كلية فرنسة بباريز سنة ١٨٧٨ وهو عضو المجمع الطبي الفرنسي منذ ١٨٨٨ وعضو المجمع العلمي منذ ١٨٩٤. ولهذا العالم الفذ اكتشافات عديدة منها الغالفانومترو والتلفون المستند إلى المغنطيس والكهرباء وبعض مباحث في الحرارة الحيوانية وهو الذي برهن على أن الجسد آلة كهربائية وله مباحث في المعادل الميكانيكية للحرارة والتيار الكهربائي وغير
следующие страницы →