Полный текст (812 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
معظم الحالات. فان العالم الكبير في التشريح (فزاليوس) ثم (ميخائيل سروت) الذي كان أول من عرف دوران الدم بين الرئتين والقلب قد ذهبا ضحية لظلم محاكم التفتيش التي كانت تعتبر دراسة الجسم الإنساني من بدع الكفار.
على أن شهداء الطب بالمعنى الصحيح ليسوا هم الذين علقوا على المشانق أو حرقوا بالنيران بسبب جهل الحكام وتعصبهم بل
الذين تقدموا إلى الموت في سبيل مكافحة الأمراض السارية في العصور الحديثة. فان الأطباء الذين يعالجون المصابين بالوباء أو الكوليرا أو المالاريا أو التيفوس إنما يخاطرون بأنفسهم مختارين لأجل كشف أسرار هذه الأمراض ومعرفة أسبابها المجهولة.
وفي أواخر القرن الماضي، لما قام الطبيب (نوت ناغل) بمخبره في (فينا) بفحص الوباء أصيب اثنان من المستخدمين بهذا المرض فلم يمنع ذلك معاونه الدكتور (هرمان موللر) من زيارتهما في حجرتهما حيث أصيب هو أيضا بالوباء ومات على الأثر.
والباحثون ذوو الإقدام من الأطباء مثل (نوت ناغل) أو (بيتنقوفر) كانوا لا يجدون في طريقهم إلا العراقيل التي تدفعهم إلى الموت دفعا. ومن هؤلاء الأطباء (جينر) الانكليزي الذي اخترع طعم الجدري والذي يعد من اكبر خدام الإنسانية فانه طول حياته عرضة للاضطهاد
ولما اخترعت أشعة (رونتكن) التي كشفت لنا القناع عن كثير من الأمراض - عدا الاستفادة منها هي نفسها كدواء - ذهب عدد كبير من الباحثين ضحية في سبيل معرفة خواصها وأسرارها. فان فحص هذه الأشعة كان في أول الأمر محفوفا بالأخطار وقد أصيب الكثيرون من الذين اشتغلوا بها بمختلف الأمراض والعاهات.
وكذلك فان عددا كبيرا من الأطباء الذين قاموا بتجربة الوسائل المختلفة على أنفسهم لمعرفة أنواع (التبنيج) الصالحة قد ماتوا شهداء في سبيل علم الطب. . .
الأدب والأخلاق
تعرض الكاتب الطلياني (آدريانوا تيلغر) في احد مباحثه الأخيرة للبحث في علاقة الأدب بالأخلاق فقال:
إن العامل الأخلاقي هو العامل الوحيد الذي يقوم عليه نظام الحياة البشرية.
стр. 247
وهذه الحياة تبقى فوضى إذا لم تكن هناك مقاييس أخلاقية تبين لنا إن هذه العاطفة شريفة وذاك الشعور ساقط وذلك الإحساس حسن وهذا قبيح. وبذلك يتم ترتيب الكون ونظامه.
ورجال الفن والأدب يجب إلا تغرب عنهم هذه الحقيقة. ولكن ليس معنى ذلك إن هؤلاء أن يصفوا الأشخاص الذين يتكلمون عنهم بالحسن أو القبح. بل إنما يتحتم عليهم أن يظهروا في آثارهم ما يسيطر على أرواح هؤلاء الأشخاص من عوامل الخبر أو الشر ثم ما ينتج عن هذه العوامل من أفعال تقابلها وتلازمها.
وكل أثر أدبي لو فني لا صلة للعوامل الأخلاقية به لا يمكن أن يبدع عالما كاملا مستقلا ولو اشتمل من جهة أخرى على مظاهر الحياة وأجاد في وصفها. فان هذه الحياة تبقى دائما مشوشة تعتروها الفوضى إذا خلت من الأسس الأخلاقية. وقيمة رجل الأدب والفن تظهر في مقدرته على إبداع عالم كامل يقوم على نظام وترتيب. وبقدر ما يكون هذا العالم بارزا، واضحا تزداد عظمة الآثار الفنية والأدبية التي يجب أن تمثل لنا النظام في الكون وتتعرض إلى المعضلات البشرية الكبرى ولو من الوجهة السلبية فقط. إذن، فان مطالبة رجال الأدب والفن بالاهتمام بالأخلاق ليس معناه محاولة تقييدهم بقانون لم يسن لأجلهم بل إنما يقصد منه تذكير بان الإبداع الفني والأدبي لا يمكن أن يبلغ الكمال إلا إذا استطاعوا التعبير عن تأثير العوامل والمقاييس الأخلاقية في آثارهم. . .
الفن والسياسة
ألمانيا الدامية
يحاول أنصار هيتلر في ألمانيا أن يستفيدوا من السينما أيضا في سبيل الدعاية الوطنية.
وقد عرض الآن في برلين (فيلم) يرمي إلى الدفاع عن الحكم الجديد. واسم هذا الشريط ألمانيا الدامية وهو عبارة عن صور تاريخية تمثل الحالة في ألمانيا قبل الحرب وفي أثناء الحرب ثم بعدها.
وفي الصور الأولى يظهر عهد غيلوم الثاني قبل الحرب كأنه من العصور الزاهرة السعيدة، ويسعى الفيلم بعد ذلك لتصوير انتصارات الجيوش الألمانية أثناء الحرب ثم توقفها فجأة بسبب خيانة الثوار الاشتراكيين الذين رضوا في معاهدة
(فرسايل) بالتنازل عن البلاد إلى الحلفاء.
стр. 248
ويرى الناظرون على الشريط المتحرك خارطة ألمانيا قبل الحرب وبعدها وكيف إن الأيدي امتدت إليها من كل جانب للاغتصاب والنهب وتقطيع أوصالها:
ففي (سيليزيا العليا) نرى البولونيين المسلحين يطردون السكان الألمان العزل من بيوتهم.
وفي حوضة (الرور) ترابط الجنود السنغالية مع الدبابات الافرنسية.
وتقابل إحدى الصور بين الجيش الألماني الصغير وبين جيوش الأمم الأخرى العظيمة.
وأخيرا يمثل (الفيلم) حركة هيتلر كيف نشأت في بادئ الأمر واستطاعت تأليف كتائب منتظمة تقوم بالتمارين الحربية والاستعراضات العسكرية وهي تنشد الأناشيد الوطنية الحماسية. وتختم هذه الصور باستيلاء هيتلر على الحكم
ونجاح حزبه في انتخابات ٥ آذار ١٩٣٣ ذلك النجاح الباهر. . .
النجوم السيارة الصغيرة
في النشرة التي يصدرها معهد الرصد الألماني يبلغ عدد النجوم السيارة الصغيرة التي أحصيت حتى سنة ١٩٣٣ وتحقق العلم من وجودها نهائيا (١. ٢٢٣) أي بزيادة (٤٠) عن السنة الماضية.
وقد ذكر النجم السيار الذي اكتشفه (دلبورت) قبل سنة، والذي يبعد عن الأرض بما يقارب (١٠) ملايين ميلا تحت رقم (١. ٢٢٣).
أدنى درجة للبرودة
بينما نستطيع اليوم في المخابر الحصول على برودة صناعية تنزل إلى (٢٧٢٠)
درجة سانتيغراد تحت الصفر نرى أن أدنى درجة للبرودة أمكن ملاحظتها في الهواء الطبيعي من سطح الأرض لا تبلغ أكثر من (١٠٠) درجة بمقياس
(فارنهايت) وكذلك على جبال (ماك كينلاي) في شبه جزيرة (آلاسكا).
شجرة تدر حليبا
أكتشف العالم الأميركي (ج. ريقورد) في بلاد (غواتيمالا) بأمريكا الوسطى نوعا جديدا من الشجر الذي يدر حليبا. وقد كانت المصادفة هي التي ساقت هذا العالم إلى التقرب من هذه الشجرة فرأى مائعا يسيل منها شبيها بالحليب ولم يستطع منع نفسه من تناول شيء قليل منه لمعرفة مذاقه فوجده حلو الطعم لطيفا.
стр. 249
وسكان البلاد الأصليين يعرفون هذه الشجرة من القديم ويسمونها (شجرة
الحليب). وهم يستعملون هذا الحليب كدواء يشفي من أمراض المعدة.
التعليم الثانوي في فرانسا
صادق مجلس النواب الافرنسي أخيرا على قانون جديد ينص على جعل التعليم
في المدارس الثانوية مجانيا بصورة مطلقة.
إن معظم المعارف في الجمهورية الثالثة في فرنسة هو (جول فري) وقد جعل
التعليم بالاتفاق مع مساعدة المربي (فردينان بويسون) مجانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر فصارت المعارف خاضعة بذلك إلى ثلاثة مبادئ ١ - المبدأ الأول هو أن التعليم إجباري ٢ - والمبدأ الثاني هو مجانية التعليم. ٣ - والمبدأ الثالث هو المبدأ العلماني وهذه المبادئ الثلاثة متلازمة لا يستغنى احدها عن الآخر فإذا جعلت التعليم إجباريا اضطررت إلى جعله مجانيا لأنه قد يوجد في الوالدين من لا يستطيع أن يعلم أولاده على نفقته، وإذا جعلته إجباريا ومجانيا وجب عليك أن تجعله أيضا علمانيا لان مدرسة الأمة هي مدرسة جميع الأديان لا مدرسة طائفة دون غيرها.
وقد كان التعليم في فرانسا مجانيا في المدارس الابتدائية فقط ولم تتمكن حكومة من الحكومات من جعله مجانيا في المدارس الثانوية قبل هذه الأيام الأخيرة فقد حاول الموسيو هريو أثناء وزارته الأولى في سنة ١٩٢٤ أن يجعل التعليم مجانيا في المدارس الثانوية أيضا إلا انه لم يوفق إلى ذلك ولم تزل هذه الفكرة تنمو في رجال الحزب الراديكالي حتى توصلت الحكومة في الحادي عشر من شهر نيسان المنصرم إلى حمل مجلس النواب على تصديق المادة السادسة والعشرين من القانون المالي وهي تجعل التحصيل الثانوي في جميع الصفوف مجانيا.
إصلاح التعليم في روسيا
أعادت حكومة السوفيت النظر في قرار كان صدر سنة ١٩١٨ يقضي بإلغاء تعليم اللغات القديمة في جميع المدارس الثانوية. وقد رأت الحكومة الآن أن فهم الاصطلاحات العلمية يتوقف على معرفة هذه اللغات فقررت إعادة تدريس اللغتين اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية ولكن ضمن نطاق محصور فلا يتعدى المبادئ الأولية ولا تزيد الدروس
стр. 250
عن ساعات محدودة في السنة.
معلمة أفرنسية جديدة
كانت الحكومة الافرنسية قررت قبل أشهر إصدار (معلمة) انسكلوبيدا للقرن العشرين أسوة بايطاليا وروسيا اللتين سبقتا غيرها من الأمم في هذا المضمار.
وقد عهدت حكومة باريس إلى لجنة كبار العلماء للقيام بهذه المهمة الجليلة. وبين أعضاء اللجنة كثير من المشاهير مثل: لانجوين وجاك هادامون، وليفي برول، وبول بانليفة واتيهن رابو وغيرهم.
وسيصدر أول جزء من المعلمة الجديدة في سنة ١٩٣٤ القادمة.
حيوان ذو قلبين
توصل الموسيو (اتيه ن فولف) لإيجاد طريقة يمكن بها تقسيم قلب بعض الطيور إلى قسمين وذلك بحرق السطح الخارجي من الرشيم بالكهرباء بين الساعة الخامسة عشرة والساعة العشرين من زمن التفريخ إذ تكون التشكيلات العضوية لا تزال ظاهرة على سطح الحجيرة فيفصل القلب على هذه الصورة إلى نصفين مستقلين كل منهما قائم بذاته أي متسق الضربات مع الآخر ولا شك في انه سيكون لنتائج هذه التجربة شأن عظيم في عالم الفيسيولوجياء والطب.
دارسونفال
احتفلت جامعة باريز في السابع والعشرين من هذا الشهر بمرور ثلاثة وثمانين عاما على ولادة العالم الكبير الأستاذ (دارسونفال) ولد العالم (دارسونفال) في (بوري) من مقاطعة (فينا) العالية من أعمال فرانسه سنة ١٨٥١ ثم تتلمذ لكلوردبرنارد وصار مساعدا له وحصل على شهادة الدو كتواراه في الطب سنة
١٨٧٦. ثم عين مدبرا لمختبر الحكمة الحيوية في كلية فرنسة بباريز سنة ١٨٧٨ وهو عضو المجمع الطبي الفرنسي منذ ١٨٨٨ وعضو المجمع العلمي منذ ١٨٩٤. ولهذا العالم الفذ اكتشافات عديدة منها الغالفانومترو والتلفون المستند
إلى المغنطيس والكهرباء وبعض مباحث في الحرارة الحيوانية وهو الذي برهن على أن الجسد آلة كهربائية وله مباحث في المعادل الميكانيكية للحرارة والتيار الكهربائي وغير
стр. 251
ذلك من المواضيع التي لا يمكن ذكرها هنا. وقد نشر أكثر آثاره واكتشافاته في مجلة المجمع العلمي الافرنسي. فالصوربون تكرم فيه برئاسة رئيس جمهورية فرنسة عالما ضحى حياته كلها في سبيل العلم والإنسانية.
موت شاعرين كبيرين
أضاعت اسبانيا في الشهر الماضي شاعرين من أعاظم شعرائها: احدهما
(سالفادور رويدا) والثاني (جون بوفيل ماتس).
فقد ولد الشاعر (سالفادور رويدا) في مدينة (بناك) سنة ١٨٥٧ ونشأ قلقا فقيرا مضطرب الحياة حتى جرب كسب معاشه بوجود مختلفة فحاول أن يكون حراثا وخبازا ثم طرق باب الصحافة واخذ ينظم أشعاره الرقيقة حتى ارتفع شيئا فشيئا إلى صف الشعراء الخالدين، جمع لشعره في ديوانه المسمى أميركا الجنوبية.
أما الشاعر (جون بوفيل ماتس) فقد كان يوقع أشعاره باسمه المستعار (كنرو) وديوانه يقع في ستة مجلدات لم تعرف اسبانيا من فبل شاعرا رقيق المعاني ساحر
اللفظ مثله.
السينما
يظهر إن الأفلام الناطقة الافرنسية في حالة يرثى لها من الانحطاط وقلة الإنتاج ولو كان إنتاج هذه الصناعة جيدا من حيث الكيفية لكانت خسارة المسارح بقلة الروايات الفرنسية لا تعوض. إلا إن الأفلام الافرنسية تتأخر كل يوم فبينما تجد أميركا تنتج لنا روايات مثل رواية
ورواية تجد فرانسة لا تصدر إلا صورا من (الفودفيل) التي ليس فيها شيء من القوة والإبداع. نعم أن رواية
تضاهي أعظم أفلام العالم جمالا ألا أن الروايات الأخيرة مثل رواية أودعك زوجتي ورواية رجلا السيدة، تافهة جدا
من حيث غاياتها ومواضيعها وقيمتها الأدبية. وهكذا فقد صار الأدباء الافرنسيون يخشون أن ينحط الأدب الافرنسي عن طريق الفلم الناطق وقد أعرب كثيرون منهم عن آرائهم في المجلات والجرائد قائلين يجب أن يكون الفلم الافرنسي ساميا في مواضعه وغاياته كالأدب
стр. 252
الافرنسي. ولست تجد في أكثر الأفلام الناطقة الافرنسية سعيا لغاية وطنية فبينا الألمان يضعون كالروسيين روايات للدعاية الهتلرية أو الشيوعية قلما تجد في الأفلام الافرنسية غاية غير اللذة وأضاعت الوقت.
الصحافة في الصين
نشرت مجلة الأمة في بونس ايرس مقالا للكاتب (اشابار) عن صحافة الصين جاء فيه أن الصحافة في بلاد الصين قديمة جدا يرجع أصلها إلى عهد اختراع الطباعة بالصين. وأول جريدة ظهرت في بلاد الصين هي جريدة (تسينغ باو)
ومعناها أخبار العاصمة. وقد جاء ذكر هذه الجريدة في احد كتب التاريخ القديمة التي يرجع عهدها إلى القرن الثامن قبل المسيح. إذن فالصحافة في الصين قديمة جدا، ولكن بالرغم من قدمها فإنها لم ترتق إلا بعد سنة ١٨٣٣ حينما اخذ الصينيون يتصلون بالأوروبيين وقد تقدمت الصحافة في الصين بعد سنة ١٨٩٥ بمناسبة حرب اليابان وازداد عدد الجرائد من ٧ إلى ١٩.
والجرائد الصينية لا تختلف عن غيرها من جرائد العالم من حيث تشويه الحقيقة
وتبديل الحوادث ولعلها أكثر جرائد العالم كذبا.
فكانت تخبر مثلا أن عدد الأسرى من اليابان بلغ ١٢ مليونا في حين أن الجيش الياباني كله لم يتجاوز ١٠٠ ألف محارب.
ولا تقتصر الجرائد الصينية على هذه المبالغة في رواية الإخبار بل تتعرض للأشخاص وتنال من أعراضهم وتشتمهم ولذلك كثيرا ما يعتمد الحكام إلى تعطيل
الصحف وتأديب الصحافيين. فقد اصدر الإمبراطور في سنة ١٨٨٨ مرسوما جاء فيه: لما كانت الجرائد لا تهتم إلا بتهيج الرأي العام وتشويش النظام وكان أصحابها من المنتسبين للأدب فقد أمرنا بتعطيل كل الجرائد في جميع أنحاء الإمبراطورية - ولكن هذا التعطيل لم يستمر زمنا طويلا بل عادت الجرائد إلى
الظهور بعد ثورة ١٩١١ وازداد عدد الجرائد بصورة عجيبة جدا. وتكون الجرائد الصينية في الغالب مؤلفة من أربع صفحات وقد تبلغ ثماني صفحات بصورة استثنائية.
ولعل قلة صفحات الجرائد الصينية ناشئة عن صعوبة الطباعة. فالصينيون يستعملون
стр. 253
الإشارات في لغتهم للدلالة على الأفكار فكل إشارة تدل على معنى لا على حرف وهذا ما يجعل عدد الإشارات المستعملة في المطابع محدودة. وكلما ارتقت مرتبة الجريدة ازداد عدد الإشارات المستعملة فيها لأنها متناسبة مع المعاني، حتى أن الكتاب لا يستطيعون أن ينشروا مقالاتهم في جميع الجرائد لفقدان الإشارات اللازمة لتصوير معانيهم فيضطرون إلى الاقتصار على عدد معين من الألفاظ أو تخصيص مقالهم بجريدة دون أخرى.
وبالرغم من أن الحكومة الجمهورية قد أعادت للجرائد حريتها فانك تجد حكام المقاطعات لا يزالون يستبدون بالصحافيين فيعطلون الصحف ويزجون بأصحابها في أعماق السجون. فقد كانت معاملة المارشال (تشانغ - تسه - لينغ) للصحف
قاسية جدا. وجرى ولده (شانغ همسوه لينغ) على منواله. وليس الرؤساء الأحرار اقل قسوة على الجرائد من الحكام المستبدين.
قال المسيو (اشابار) صاحب هذا المقال بينما كنت في بكين منذ خمس سنوات مديرا لإحدى الجرائد الصينية جاء رسول الجنرال (فنغ - بو - هسبانغ)
حاكم بكين وطلب من صاحب المطبعة أن يقال الجنرال الحاكم فذهب معه ولم يمض ساعة حتى أعيد إلى إدارة الجريدة مقتولا وقد قطعت أعضاؤه ووضعت في تابوت صغير. نعم أن القوانين تحمي الأجانب من الوقوع في براثن الحكام إلا انه لم تخلص صديقي ورئيس المسيو (سيمسون) من القتل. فقد قتله ثلاثة من الصينيين في بيته ولم يكشف القضاء عنهم حتى الآن.
نسبة عدد الذكور إلى الإناث
تدل مباحث العلماء على إن نسبة عدد الذكور إلى الإناث ليست ناشئة عن المصادفة والاتفاق بل هي خاضعة لقانون طبيعي فقد أثبتت الاحصاآت أن عدد الذكور في البلاد المتمدنة يزداد بصورة تدريجية فيقابل كل ١٠٠ فتاة ١٠٦ صبيان إلا أن هذه النسبة لا تنطبق على فرانسة لان عدد الذكور فيها أميل إلى التناقص منه إلى الزيادة. ولا شك أن نسبة المواليد تابعة أيضا للشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في صحة الوالدين ومن اغرب ما دلت عليه الاحصاآت أيضا أن عدد الصبيان قد ازداد أثناء الحرب العامة في الممالك المتحاربة وقد ازداد أثناء الحروب السابقة، حتى زعم (ف. سارفونيان) إن
стр. 254
زيادة عدد المواليد في الذكور ناشئة عن غياب الأزواج الطويل، كأن الطبيعة تريد أن تبلغ غايتها فإذا مات الذكور في الحرب صارت مواليد الصبيان أكثر من مواليد البنات.
تثبيت حركات القلب والرئتين على الشريط السينمائي
اخترع العالم الفيزيائي الألماني المشهور (مانفريد) بالاتفاق مع الدكتور
(بره نينه) آلة غربية يمكن بواسطتها تسجيل جميع حركات القلب والرئتين بكل دقة.
وذلك بتحويل الأصوات الناجمة عن حركات هذه الأعضاء إلى أشعة تثبت على الشريط سينمائي. وهذا الشريط الذي تظهر عليه أقل التقلبات في نظام حركات القلب والرئتين يساعد الأطباء مساعدة كبرى في فحوصهم وتشخيصهم الأمراض ومعرفة الأحوال غير الطبيعية.
شارل اندلر
مات في باريس في السابعة والستين من العمر الكاتب والمؤرخ الافرنسي المشهور شارل آندلر بعد مرض طويل. وقد نال (آندلر) شهرة واسعة في عالم الأدب بكتابه القيم عن الفيلسوف الألماني الكبير (نيتشه).
وكذلك مباحثه كلها تدور حول الحياة الألمانية التي سعى لتحليلها وشرحها لأبناء أمته حتى أصبح يعتبر من اكبر الأخصائيين في المسائل الجرمانية بفرنسا سواء من الوجهة اللغوية أو الفلسفية أو الأدبية وله من الآثار المعروفة مجموعة دراسات قيمة عن التطور ألمانيا السياسي تبحث في أصول الاشتراكية الحكومية في ألمانيا والبيان الشيوعي (لكارل ماركس) ورفيقة (انكلس) وفي بسمارك ثم كتاب عن ضعف الاشتراكية السياسية في ألمانيا وأخيرا أربع مجلدات عن فكرة الجامعة الجرمانية.
وقد كان (آندلر) بدأ حياته في سلك التعليم وعين فيما بعد أستاذا في كلية فرنسا
(كوليج دوفرانس).
اللحم المطبوخ واللحم النيئ
تعرض العالم الفرنسي الكبير (شارل ريشة) في إحدى مقالاته الطبية إلى أهمية (الفيتامين) في المواد الغذائية. ثم تكلم (ريشة) عن تجارب متكررة قام بها بنفسه وتأكد من صحتها وهي أن الكلاب التي يقتصر في إطعامها على اللحوم المطبوخة الناضجة وحدها تموت بعد
стр. 255
شهر ونصف أو ثلاثة أشهر على الأكثر.
ويظهر على الكلاب في أول الأمر إنها لا ترغب في هذه اللحوم الناضجة إلا إنها تعتادها بالاستمرار.
وأما الكلاب التي تطعم اللحوم النيئة في حالتها الطبيعية فتتحسن حالتها الصحية تحسنا ظاهرا فتسمن ويزداد شعرها لمعانا وتنشط للحركة والنضال واللعب.
ومن هذه التجارب يتبين بصورة محققة أن اللحم النيئ يفضل على اللحم الناضج في التغذية. وقد ثبتت فائدة اللحم غير الناضج في مداواة السل وغيره من الأمراض.
السياسة السرية
اخرج المسيو روبرت غراف كتابا غزير المادة، حاويا مثيرا من الأسرار التي تدور حول حياة الكولونيل لورانس. وقد انشأ بهذه المناسبة مسيو (بيير
دومينيك) مقالا في جريدة الأخبار الأدبية تحدث فيه عن السياسة السرية التي تبني وتهدم الممالك، وعن الأشخاص الذين يقومون بالأعمال العظيمة دون أن يدري بها الناس. ومن جملة ما قال: إن الكثيرين من الناس وهم يطالعون صحفهم كل يوم يحسبون أنهم يعرفون كل شيء وكذلك معظم رجال السياسية والوزراء والصحافيين والكتاب، والحق إنهم لا يعرفون من الأمور سوى ظاهرها
إن المملكة الانكليزية من صنيع طائفة من المخاطرين المغرمين بالإسفار الذين ليسوا على شيء من الثقافة ومع ذلك فقد كانوا ولا يزالون جادين وراء الغابات البعيدة فلا يفارقون الحياة إلا وقد وضعوا حجرا أساسيا في بناء مملكتهم
وكذلك كانت حكومات فرنسا واسبانيا وهولندا والبرتغال، فجميعها يرجع الفضل فيما بلغت إليه من السلطان إلى جماعة من المخاطرين أسدل النسيان ستاره على كثير منهم ومع ذلك فقد كانوا من أحسن رجال السياسة. مثل (ارماك) الذي ضم سبيريا إلى روسيا.
وهناك أيضا بعض أشخاص أمثال بونابرت في مصر، ودوبلكس في الهند، وسسيل في افريقية الجنوبية - فهؤلاء أيضا مخاطرون ولكن مخاطرتهم ممزوجة بالعبقرية ولذلك كانوا يتعلقون بأهداب غابة فلا ينفكون عنها.
وهناك أيضا من كانوا على الضد، تجد حياتهم متسربلة بنوع من الإلهام طالما رفعهم للقيام
стр. 256
بمخاطرات كأنها خيالية أو فلسفته. ولذا كانوا لا يخطبون ود الشهرة
ويضحون، لا يهتمون إلا بإشباع سرورهم في النجاح. ومن هؤلاء (الأب جوزيف) و (اييون). أما الرجل الذي لم نسمع بمثله فيما مضى فهو الكولونيل لورانس. هذا الرجل الذي يظهر انه اخفق في أول عمل قام به وهو السعي لتأسيس مملكة عربية تسهل لانكلتره أن تصل بين مصر والهند. ورغم أن هذه
الفكرة لم يتحقق إلا نصفها فان لورانس قد تمكن من إيجاد ثورة أفغانستان وتحطم عرش أمان الله، وهو لا يزال اليوم يسعى في ظلام الليل وراء غايات عديدة سيكشف لنا الزمان عنها.
стр. 257
العدد ٤ - بتاريخ: ٥ - ٧ - ١٩٣٣
стр. 258
عمل الجماعات في سورية
لقد أصبح من المعروف حتى بين عامة الناس في سورية أن كل عمل تقوم به جماعة أو شركة أو رهط من السوريين مصيره في الغالب إلى الفشل ومن المعروف أيضا أن اكبر أعمال وأعظم المشاريع في الغرب قل أن يقوم بها إلا جماعة اشتراك أفرادها في العمل واتحدوا عليه سواء كانت تلك الأعمال صناعية أو تجارية أو سياسية. ويتساءل الناس كثيرا عن السر في عدم نجاح عمل الجماعات في سورية تساؤلا جدليا قل من ينصرف فيه إلى التحليل والدرس على الطريق الاستقراء والاستنتاج. ولتحليل الحادثات الاجتماعية
وتفهمها أصول لا يصح معها تفسير الظاهرة الاجتماعية بعلة واحدة والاعتماد بالبحث عن أسبابها على عامل واحد فقد تتضافر العوامل والعلل فتخلق وضعا اجتماعيا واحدا وقد تكون هذه العوامل والعلل فردية يرجع فيها إلى التحليل النفسي أو اجتماعية أصولها إلى روح الجماعات ومزاياها الخاصة وما احتفظت به من تقاليد الماضي وعرفه وأوهامه. على أن بين هذه العوامل والعلل ما هو رئيسي يعمل أضعاف أضعاف ما تعمله العوامل الأخرى في تكيف الوضع الاجتماعي وتطوره وهذه العوامل الأساسية في عدم نجاح عمل الجماعات في سورية هو ما سنتعرض لبسطه وتعليله في هذه العجالة.
يتوقف نجاح العمل في الجماعات على شروط أساسية كثيرة غير وحده الغاية والمبدأ من أهمها الثقة المتبادلة بين أفرادها الجماعة والمفاداة بكثير مما تمليه الأثرة وحب الذات، وأهمها اعتقاد الفرد بإخلاص شركائه في العمل وحسن ظنه بهم وتناسبه جزءا من ذاتيته وتنازله عن شيء كثير مما يعتقده من حقوقه لإنهاض المشروع الذي ترمي إليه الجماعة قبل سعيه لتأمين ما يرمي إليه هو نفسه وتفضيله الغاية العامة على الغاية الخاصة متى تعارضت الغايتان وغير هذه من الشروط التي تتطلب في كل فرد من أفراد الجماعة شيئا من التضحية والإخلاص وسلامة القلب وشرف النفس وسمو الروح وهي صفات لا تتفق بشيء مع ما نسميه الأنانية على أن الأنانية من الوجهة العامة تكاد تكون ابرز ظاهرة من ظواهر نفسية الرجل السوري يؤيد ذلك ما يمكن الرجوع إليه من التحليل النفسي بطريقة درس ظواهر
الأعمال ونتائجها. والأنانية لا تنافي الذكاء بل تؤيده وتدل عليه فالرجل السورية حديد الذكاء سريع الخاطر لكن في ذكائه شيء كثير من الخبث والدهاء وسوء الظن وعدم الثقة
стр. 259
بغيره وهذا ما يدعو لنجاحه منفردا بعيدا عن جماعته ويسلبه أكثر الصفات التي يقوم عليها نجاح العمل في الجماعة.
وليست هذه المساوئ ناشئة عن مزاج الرجل السوري أو عن طبيعة الخاصة
فهو كغيره من الرجال الأذكياء غير أن هنالك أسبابا اجتماعية عملت عملها في روحه منذ الصغر فأورثت نفسه ما أورثتها وسلبت منها ما سلبت منها ما سلبت حتى صار إلى ما هو عليه اليوم، قويا ناجحا ما دام منفردا، وضعيفا فاشلا إذا انضم إلى جماعة.
نحن من المؤمنين أن أهم هذه الأسباب وأعظمها أثرا في تكييف نفسيه الرجل السوري هو النظام العائلي الذي تربينا عليه وترعرعنا في حماه وان تجارب سنوات طويلة قضيناها في درس العائلة (الزوجية) في سورية وتفهم أوضاعها أيدت لنا ذلك وجعلتنا نكاد أن نأبى الجدل فيه.
تجرد عن العاطفة وحكم العقل والمنطق وأقدم على درس العائلة السورية كأنك غريب عنها. انك لا تكاد تجد من أوضاعها غير ما يورث الأنانية وحب الذات
في نفس من نشأ فيها.
في هذه الجماعة الصغيرة الأولى التي تقوم على دعائمها الأمة بأسرها بتلون الذكاء بلون الخشية وسوء الظن ويصير هدؤ الضمير إلى قلق وحذر فتنقلت لذة التضحية إلى حب الذات وتتلطخ طهارة النفس بادر أن الأنانية وأوساخها.
من الصعب علينا أن نبسط في مقال واحد أوضاع هذه الجماعة السورية الأولى التي فيها سر كل ما نعانيه وعليها مدار إصلاحنا الاجتماعية والاقتصادي والسياسي فنبين أثرها وعواملها في تربية النفوس وتطورها لان ذلك يحتاج إلى إقامة الحجج والإدلاء بالبراهين وضرب الأمثلة الصريحة المقنعة. على إننا لا نجد مندوحة عن الإشارة هنا منذ الآن إلى أن جميع تلك الأوضاع تنشأ عن مبدأ واحد هو تحكم الرجل في شؤون المرأة والعائلة تحكما نشأ عن تقاليد قديمة فلم يعد يتفق مع ما تطلبه التربية في هذا العصر لإعداد رجال أشداء لإنجاح لهم إلا في عملهم مجتمعين وهذا ما سنفرد لبيانه وتفصيله بابا خاصا في اعدد الثقافة الآتية.
كاظم الداغستاني
стр. 260
الشاعر
مخلوق خالق، وروح خالدة، يصور من خفقات قلبه، وخلجات ضميره، وإبداع فكره، أشباحا ينفخ فيها من روحه فإذا هي من الخالدين ملك أو جني، هبطت روحه من عالم الغيب فتمثلت بشرا سويا، فهو مع بني الإنسان ولكنه غريب عنهم فما يزال يصيخ إلى هيمنة الملائكة في السماء، أو عزيف الجن في الصحراء ويستشف من وراء الأفق عالما نورانيا، ويتبين في الجو مسارح انسه الأولى، ومعاهد هواه القديم:
لابنه الجني في الجو طلل
فهو يقظان حالم، أنكر الناس أمره، وحاروا في شأنه، وقالوا شاعر أو مجنون.
يأنس بالوحدة لأنه من نفسه في عالم، ويؤثر السكون ليسمع جلجلة الوحي وأصداء الأرواح، ويسكن إلى الظلام ليشاهد الرؤى والأشباح، ويغمض عينيه ليرى ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
وارحمتا له! القطرة على الزهرة دمعة على خد، والغصن حيال الغصن وقد يهفو إلى قد، والظلال أشباح والنسائم أرواح، وفي العبير عبقة من ريح أحبابه، وفي الزهر بشاشتهم، وفي البرق أشواق تشب، بل في كل ما يرى ويسمع ويتخيل معان حية يخفق لعا الشعر في قلبه، ويجيش في صدره، ويثير في نفسه هزة ترتعش لها يداه، ويقشعر جسمه فيطل الشعر من عينه دمعا، ويجري على لسانه سحرا.
ما قرأ الناس من شعره إلا ما تقمص اللفظ، لان ديوانه أوسع من أن يحاط به، فمن قصائده ما يخفق في قلبه، ومنها ما يحيك في صدره، ومنها ما يتمثل في مخيلته، ومنها ما يشع في بصره، ومنها ما يفيض من عينه.
لا يعرب الاعتدال في شيء، لأنه واسع الخيال، حاد الحس، سليم القلب، فإذا عبد تبتل، وإذا صبا هوى، وإذا تعفف تقشف، وإذا تنعم أسرف، يهيم في كل واد، ويسمو بأحلامه إلى السبع الشداد.
نبأ من الملا الأعلى أنكره أهل الحياة الدنيا وقالوا شاعرنا أو مجنون
خليل مردم بك
стр. 261
مائة نقلة
من كتاب نقل الأديب
وهو ألف نقله مقتطفة من ألف كتاب
مؤلفه محمد إسعاف النشاشيبي
حق الطبع والنشر ونقل شيء من هذا النقل محفوظ
هدي مائة النقلة هذه إلى مجلة (الثقافة)
اهدي إلينا الأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي لمناسبة زيارته مجلة الثقافة مائة نقله من كتابه نقل الأديب واتبعها بطائفة من آثاره المعروفة وهي: كلمة في اللغة العربية وشاعرها الأكبر احمد شوقي، قلب عربي وعقل أوروبي، كلمة موجزة في سير العلم وسيرتنا معه، البطل الخالد صلاح الدين والشاعر الخالد احمد شوقي. فالثقافة تحيي الأديب العربي الكبير وتشكره على هديته الثمينة.
١ - هذه أنفاس ريا جلقا
قال ابن الكتبي: قال بعضهم: مررت يوما ببعض شوارع القاهرة وقد ظهرت جمال، حمولها تفاح فتحي من الشام، فعبقت روائح تلك الحمول، فأكثرت التلفت لها، وكان أمامي امرأة سائرة ففطنت لما دخلني بتلك الرائحة فأومأت إلي وقالت:
هذه أنفاس ريا جلقا!!!
٢ - يا نسيما هب مسكا عبقا
قال السلمي الدمشقي المعروف بالبديع وقد اشتهرت هذه الأبيات،
وغنى بها المغنون:
يا نسيما هب مسكا عبقا ... هذه أنفاس ريا جلقا
كف عني، والهوى، ما زادني ... برد أنفاسك إلا حرقا
ليت شعري نقضوا أحبابنا ... يا حبيب النفس ذاك الموثقا
يا رياح الشوق سوقي نحوهم ... عارضا من سجد عيني غدقا
وانثري عقد دموع طالما ... كان منظما بأيام اللقا
٣ - زمزم الحادي وسار المثل
стр. 262
قال أبو الوليد بن الجنان: محمد بن الشرف من شعراء الملك (الناصر)
صاحب الشام:
أنا من سكر هواهم ثمل ... لا ابلي هجروا أم وصلوا
فبشعري، وحديثي فيهم ... زمزم الحادي وسار المثل
إن عشاق الحمى تعرفني ... والحمى يعرفني والطلل
رحلوا عن ربع عيني فلذا ... أدمعي عن مقلتي ترتحل
ما لها قد فارقت أوطانها ... وهي ليست لحماهم تصل؟
لا تظنوا إنني أسلو، فما ... مذهبي عن حبكم ينتقل
٤ - ياعين صار الدمع عندك عادة
قالت اسما العامرية:
جاء الكتاب من الحبيب بأنه ... سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السرور علي حتى انه ... من عظم فرط مسرتي أبكاني
يا عين صار الدمع عندك عادة ... تبكين في فرح وفي أحزان
فستقبلي بالبشر يوم لقائه ... ودعي الدموع لليلة الهجران
٥ - وكلهم لصروف الدهر أقران
قال حميد بن مالك:
ما بعد جلق للمرتد منزلة ... ولا كسكانها في الأرض سكان
فكلهم بمجل منتزه ... وكلهم لصروف الدهر أقران
وهم - وان بعدوا عني بنسبتهم ... إذا بلوتهم بالود - إخوان
٦ - لم يقدر
قال ابن فائد البحراني:
برزت دمشق لزائري أوطانها ... من كل ناحية بوجه أزهر
لو أن إنسانا تعهد أن يرى ... مغنى، خلا من نزهة، لم يقدر
٧ - تغني الغريب عن الأهل
قال عبد الرحيم البيساني القاضي الفاضل:
стр. 263
يقولون لي ماذا رأيت بشامهم ... فقلت لهم كل المكارم والفضل
فبلدتهم خير البلاد وأهلها ... بإحسانهم تغنى الغريب عن الأهل
٨ - هذا بلاغ للناس
سئل علي بن عيسى الرماني فقيل له: لكل كتاب ترجمة، فما ترجمة كتاب الله؟
فقال: هذا بلاغ للناس ولينذروا به
٩ - نزلنا عن الاكوار نمشي كرامة
قال يونس بن محمد المفتي: أخبرنا أبو عبد الله بن منظور قال: لما سرنا إلى الزيارة وانتهينا إلى باب الخشبة - وهو الباب الذي يفضي إلى القبر - نزل رجل عن راحلته وانشد:
نزلنا عن الاكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
فلما سمعه الناس نزلوا عن رواحلهم، ومشوا إلى القبر
وتمثل هذا الرجل بهذا البيت أحسن من مدح أبي الطيب المتنبي من مدح به، وقال فيه.
١٠ - صدقت
قال أبو الفوارس بن إسرائيل الدمشقي: كنت يوما عند السلطان صلاح الدين بن أيوب فحضر رسول صاحب المدينة ومعه قود وهدايا. فلما جلس اخرج من كمه مروحة بيضاء عليها سطران بالسعف الأحمر وقال: الشريف يخدم مولانا السلطان ويقول: هذه المروحة ما رأى السلطان ولا احد من بني أيوب مثلها
فاستشاط السلطان صلاح الدين غضبا. فقال الرسول: يا مولانا السلطان، لا تعجل قبل تأملها. وكان السلطان صلاح الدين ملكا حليما فتأملها، فإذا عليها مكتوب:
أنا من نخلة تجاور قبرا ... ساد من فيه سائر (الخلق) طرا
شملتني عناية القبر حتى ... صرت في راحة ابن أيوب أقرا
فإذا هي من خوص النخل الذي في مسجد الرسول. فقلبها السلطان صلاح الدين، ووضعها على رأسه، وقال لرسول صاحب المدنية النبوية صدقت فيما قلت من تعظيم هذه المروحة!!!
١١ - عيب
стр. 264
قيل لصوفي: لم تقول: الله، الله ولا تقول: لا اله إلا اله؟.
فقال: نفي العيب حيث يستحيل العيب - عيب.
١٢ - في هذا مرة، وفي هذا مرة
وقال أبو بكرة: كنت عند النبي، وعنده إعرابي ينشده الشعر
فقلت: يا رسول الله، اشعرا أم قرآنا؟؟
فقال: في هذا مرة، وفي هذا مرة. . .
١٣ - وما سواه كلام
قال الثعالبي: عليك بالقصار من الأحاديث، والغرر من النكت، مقتديا بابن المعتز القائل:
بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر، وما سواه كلام
١٤ - ثم ساروا ولست أعلم أينا!
قال الفتح بن خاقان - صاحب القلائد والمطمح -: قال الوزير أبو الحزم جهور بن محمد - وقد وقف على قصور الأمويين، وقد تقوصت أبنيتها، وعوضت من انيسها (بالوحوش) أفنيتها -:
قلت يوما لدار قوم تفانوا ... أين سكانك العزاز علينا؟؟!
فأجابت: هنا أقاموا قليلا ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا!!!
١٥ - ولكني رأيت الأمر ضاعا
قال أبو عطاء السندي:
أليس الله يعلم أن قلبي ... يحب بني أمية ما استطاعا.
وما بي أن يكونوا أهل عدل ... ولكني رأيت الأمر ضاعا.
١٦ - فاقسم أنا والبرابر أخوة
قال عبيدة بن قيس العقيلي:
إلا أيها الساعي لفرقة بيننا ... توقف، - هداك الله سبيل الأطايب
فاقسم أنا والبرابر أخوة ... تناولنا جد كريم المناسب
فنحن وهم ركن منيع وأخوة ... على رغم أعداء لئام النقائب
١٨ - فمن لها بزياد أو بحجاج
стр. 265
قال الابيوردي، الأموي:
دهرا تذأب من أبنائه نقد ... وأوطئت عرب أعقاب أعلاج
وأينع الهام لكن نام قاطفها ... فمن لها بزياد أو بحجاج
وكم أهبنا إليها في الملوك فلم ... نظفر بأروع، للغماء فراج
١٩ - أنا لا اسمع لو ما في حبيب
قال ابن حجة: كان صلاح الدين الصفدي، مذهبه تقديم أبي الطيب المتنبي على أبي تمام حبيب الطائي. فاتق أن صلاح الدين اجتمع بابن نباته بالديار المصرية وذاكره في أبي الطيب وأبي تمام فوجد على مذهبه واجتمع بعد ذلك بالشيخ أثير الدين بن حيان وذاكره في ذلك. فقدم أبا تمام، فلاماه على ذلك.
فقال: أنا لا اسمع لوما في حبيب. . .
٢٠ - وسماع الشعر المطبوع
قال أبو عمر بن سالم المالقي: كنت جالسا بمنزلي بمقالة، فهاجت نفسي أن اخرج إلى الجبانة، وكان يوما شديد الحر. فراودتها على القعود، فلم تمكني من القعود،
فمشيت حتى انتهيت إلى مسجد يعرف برابطة الغبار وعنده الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي، فقال لي: إني كنت أدعو الله أن يأتيني بك وقد فعل، فالحمد لله، فأخبرته بما كان مني، ثم جلست عنده، فقال: أنشدني، فأنشدته:
غصبوا الصباح فقسموه خدودا ... واستوعبوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم ... فتقلدوا شهب النجوم عقودا
لم يكفهم حد الأسنة والظبي ... حتى استعاروا أعينا وخدودا
وتضافروا بضفائر ابدوا لنا ... ضوء النهار بليلها معقودا
صاغوا الثغور من الأقاحي، بينهما ... ماء الحياة، لو اغتدى مورودا
فصاح الشيخ، وأغمي عليه، وتصبب عرقا، ثم أفاق بعد ساعة وقال يا بني، اعذرني، فشيئان يقهراني: النظر إلى الوجه الحسن، وسماع الشعر المطبوع
٢١ - لأجل هذا البيت الواحد
وفد أبو الفضل بن شرف بن برجة على المعتصم (صاحب المزية) يشكو عاملا ناقشه في
стр. 266
قرية يحرث فيها، وانشده الرائية التي مطلعها:
قامت تجر ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخصر والميثاق والنظر
إلى أن بلغ إلى قوله:
لم يبق للجور في أيامها أثر ... غير الذي في عيون الغد من حور
فقال له: كم في القرية التي تحرث فيها؟
قال: فيها نحو خمسين بيتا.
قال: أنا أسوغك جميعها لأجل هذا البيت الواحد، ثم وقع له بها وعزل عنها نظر كل وال.
٢٢ - حتى أتى الله بالفرج
قال عبد الله بن مسلم بن جندب:
تعالوا أعينوني على الليل انه ... على كل عين لا تنام طويل
قال عبد الله: فطرقني عيس بن طلحة فقال لي: سمعت قولك فجئت أعينك. . .
فقلت: يرحمك الله، أغفلت الإجابة حتى أتى الله بالفرج.
٢٣ - دنت مسافة بين العجم والعرب
كتب البحتري إلى صديقه ابن خرداذبة الأديب المشهور:
إن كنت من فارس في بيت سؤددها ... وكنت من محتدي بالبيت والنسب
فلم يضرنا تنائي المنصبين وقد ... رحنا نسيبين في علم وفي أدب
إذا تقاربت الآداب والتأمت ... دنت مسافة بين العجم والعرب
محمد إسعاف النشاشيبي
стр. 267
جورج برنارد شو
اجمع نقدة الأدب الانكليزي ومؤرخوه على أن برنارد شو أعظم كاتب روائي بين الانكليز في العصر الحاضر، وان الشعوب الغربية تعجب به أكثر من كل كاتب معاصر ولاسيما الأمير كان والألمان الذين مثلوا رواياته قبل أن يمثلها الانكليز. أما برنارد شو نفسه فلا يأبه لما يقول عنه بل يذهب بنفسه ابعد من ذلك فيدعي انه أعظم من شكسبير بل يزعم انه أفضل رجل في العالم، وقد يتنادر على شكسبير فيشبه به احد خدمة الفنادق الذين مرنوا على مسايرة الناس وتزويق الكلام وكثرة الهز، ويسمى دانتي اكبر شعراء الطلياني وملتون اكبر شعراء الانكليز بعد شكسبير اغبي رجلين عاشا في ايطاليا وانكلترا.
سمعته ذات ليلة من ليالي تشرين الثاني سنة ١٩٢٨ يلقي محاضرة على جمهور عظيم من الناس في لندن موضوعها مستقبل المدنية الغربية، فقدمته إلى الحاضرين سيدة وبالغت في تقريظه، فقام على الأثر وقال: شكرا للسيدة الفاضلة التي لم تكن مخطئة في إشادتها بفضائلي لأنني الفت كثيرا من الروايات المنقطعة النظير في الجودة بل منها ما لا يقدر على الإتيان بمثله احد. فهتف له الناس طويلا، فقال: أن من يهتف لنفسه غني عمن يهتف له، أنا لا أعرف التواضع.
ولد هذا (المتأله) في دبلين (ايرلندا) في ٢٦ تموز سنة ١٨٥٦ فهو ايرلندي لا انكليزي وكان أبوه يعمل في الحكومة ثم اشتغل في التجارة فلم يفلح، وكانت أمه معروفة بحسن الصوت، فكان اظهر ما ورثه من أمه الشذوذ وحب الفن ولاسيما الموسيقى. أما تعليمه في حداثته فقدوه كل إلى احد أقاربه من رجال الدين، ثم ذهب إلى كلية ويسلي في دبلين حيث مكث بها حتى بلغ الرابعة عشرة من سنه وكان يغلب عليه الكسل وعدم الاهتمام بما يجب على التلاميذ حتى ريع لذلك أهله فنقلوه إلى عدة مدارس أخر لم يحصل منها على أكثر من النتيجة التي حصل عليها في كلية ويسلي، ثم استخدم في بعض المحلات باجرة قليلة، فلما بلغ العشرين ترك ايرلندا وذهب إلى لندن فقضى فيها تسع سنوات في ضيق شديد ولقي كثيرا من المصاعب في سبيل عمل يقوم بمعيشته، فكان يكتب مقالات في نقد الموسيقى يتقاضى عليها أجرة زهيدة، وشرع يؤلف بعض القصص فأنجز حتى سنة ١٨٨٣ تأليف خمس قصص ولمن لم يجد من يطبعها له بعد أن عرضها على الناشرين، كما انه كتب كثيرا في النقد الروائي. ثم بدا له أن يتحول عن كتابة القصص إلى الروايات التمثيلية
стр. 268
فطبع سنة ١٨٩٢ رواية بيت الأرامل وفي سنة ١٨٩٤ رواية السلاح والرجل ومن تلك السنة بدأ نجمة بالصعود فلم يطلع فجر القرن العشرين حتى بلغ من الشهرة مبلغا عظيما، واستمر على التأليف بهمة لا تعرف الكلل ولا يزال حتى الآن، فكان عدد رواياته تسعا وثلاثين عدا القصص والنقد الروائي والموسيقي. ولقد نال جائزة نوبل الأدبية لسنة ١٩٢٦ البالغة أكثر من سبعة آلاف ليرة انكليزية فلم يبرد منها في كفه شيء بل دفعها إلى المعهد الانكليزي الاسوجي لتصرف في سبيل ترقية الآداب الاسوجية في البلاد التي تتكلم باللغة الانكليزية.
ويلاحظ أن جملة رواياته ألفها بعد أن بلغ الأربعين من عمره وان نصفها ألفه بعد أن كان في العقد السادس على أن الروايات الثلاث المعدودة خير آثاره وهي بيت كسر القلب والعودة إلى متوشالح وجان دارك ألفها وهو في العقد السابع من عمره
اظهر خصائص برنارد شو الشذوذ واعتبار الأشياء بخلاف ما يعتبرها الناس ولقد قال عن نفسه: أنا لا أشارك الناس في ذوقهم في الفنون ولا في حرمتهم للآداب المألوفة ولا في عقيدتهم في الدين ولا في إعجابهم بالبطولة. ومع أني ايرلندي فلا ادعي الوطنية لايرلندة ولا للمملكة التي خربتها. وكرجل إنساني امقت القسوة سواء أكانت في الحرب أم في الألعاب الرياضية أم في مجازر القصابين. نعم أنا رجل اشتراكي ولكن ابغض تكالب الاشتراكيين على المال.
ويعلل شذوذه بقوله: لي صديق طبيب مختص بأمراض العيون فحص ذات ليلة بصري وقال لي: إن بصرك طبيعي يرى الأشياء كما هي تماما ولكن تسعين بالمائة من الناس لا يتمتعون ببصر طبيعي. فما شككت أن بصر عقلي كبصر عيني يرى الأشياء كما هي ولكن لا كما يراها الناس.
إذا تقرر لديك ذلك فلا تعجب لما ستراه من آراء برنارد شو في الدين والعلم والسياسة والاجتماع والأدب فهو يرى - وذلك الرأي شائع في جميع رواياته - أن الله تعالى أو قوة الحياة كما يسميه، كائن يتكامل ويستعمل في سبيل غايته كل وسيلة، فإذا أضحت تلك الوسيلة غير صالحة أو أمكن أن يستبدل بها غيرها نسخ الأولى. وقوة الحياة عنده تتمثل في المرأة التي تقتاد الرجل ليكون أبا لأولادها.
стр. 269
وهو لا يحفل كثيرا بالمدنية الحاضرة ولا بالعلم بل يرى أن الإنسان الحاضر لم يرتق كثيرا من حيث المدنية والعلم على الإنسان قبل آلاف من السنين، ولكنه ارتقى بالتدمير وعمل الشر، فبناء البيوت لا يتغير في ألف قرن بمقدار ما يتغير شكل قبعة المرأة في عشرين أسبوعا، ولكن آلات الحرب التي لا تبقي ولا تذر لا يمكن أن تقاس بالقسي والسهام التي كان يستعملها القدماء. ومع ذلك فهو عظيم الأمل بالمستقبل يرى أن الإنسان سيتمكن من أن يعيش مئات من السنين حتى يكاد يكون خالدا وانه سيغير شخصيته وخلقه كما يريد. وقد عالج هذا الموضوع في روايته العودة إلى متوشالح فأتى على تاريخ البشر منذ آدم وحواء إلى الزمن الحاضر ثم صور المستقبل البعيد على أقصى ما يتخيله الفكر.
ويرى أن البشر سيأتي عليه زمان يدين بدين واحد ويتكلم بلغة واحدة أما ذاك الدين فهو الإسلام المجدد وأما اللغة فالانكليزية.
ولقد حمل حملة منكرة على رجال العلم والدين والسياسة وندد بالأطباء والمحامين وهزئ بعلمهم وقواعدهم، فالعلماء عنده بله والجامعات معاهد للغباوة، والأطباء جزارون يتقاضون على بتر أعضاء الناس وإزهاق أرواحهم أجرا قال: العالم كسول يقتل الوقت بالبحث فاحذر علمه
الكاذب واعلم انه اشد ضررا من الجهل وقال: عقل الغبي يحول الفلسفة إلى سخافة والعلم إلى خرافة والفن إلى حذلقة كما هو الشأن في تعليم الجامعات وقال: القادر على عمل يعمل والعاجز يعلم وقال: العمل وحده هو الطريق إلى المعرفة
وآداب المسيحية عنده لا تصلح للحياة العملية حتى ولا الأخلاقية وله في مخالفتها آراء منها قوله: لا تعامل الناس بما تحب أن يعاملك الناس به لان الأذواق قد تختلف ومنها: إياك ومقاومة الأهواء ولكن امتحن كل شيء ثم استمسك بالصالح ومنها: احذر ممن لا يرد لك لطمتك فانه لا يعفو عنك ولا يأذن لك أن تسامح نفسك وعنده أن من اعتاد أن يضحي بنفسه لا يحجم عن التضحية بغيره، ومن بدا بتضحية نفسه في سبيل من يحب انتهى ببغضه، وان نكران الذات ليس من الفضيلة في شيء ولكنه أثر الحنكة في الخداع. ورجال الحكومات عنده دعاة للوثنية يدعون الناس لعبادة أصنام من اللحم والدم فيعودون بهم القهقرى إلى مستوى المتوحشين الذين يعبدون أصناما من الخشب والحجر والفرق بين
стр. 270
المعبودين أن الأول يضر ولا ينفع والثاني لا يضر ولا ينفع.
والبشر في رأيه يؤلهون العبقرية ويعبدونه لأنهم لا يفهمون فإذا فهموه صلبوه، وهكذا فهم يعبدونه ويجهلونه ولا يعملون بإرادته.
والشعب الانكليزي عنده شعب غبي مغرور غاشم يتمسك بالمزعجات في جميع أحواله ويدعوها رسوما وآدابا، فعادات الانكليز في ملبسهم ومأكلهم ومشربهم ومجتمعاتهم ومراسمهم سلسلة من المزعجات، وهم مع ذلك يحسبون أنهم من اعرق الأمم في الحضارة بل يزعمون إنهم بناة المدنية الغربية، وقد تأصل في نفوسهم حب التسلط على غيرهم فاستعملوا كل وسيلة لبلوغ غايتهم، فلا معنى للعدل عندهم إذا اصطدم بمصالحهم السياسية، والقتل السياسي في عرفهم ضرورة أو رخصة مباحة. وهو يرى أن العبودية لا تستأصل شأفتها من العالم حتى يأتي اليوم الذي ينشد فيه الناس لن تسود بريطانيا كما يقول، وهكذا فهو يحمل الانكليز وحدهم تبعة استعباد الشعوب المستضعفة في العالم. ولقد أبرزهم حمقى أغبياء في معارض شتى من رواياته حتى ادخل على بعضهم الشك في نفوسهم، فلقد سمعت أستاذا من أساتذة جامعة لندن يقول: لابد من أن نكون نحن الانكليز أغبياء لان برنارد شو يصفنا بالغباوة وهو نابغة ذكي.
لذلك فهو لا يؤمن بالعلم الحديث ولا بالأساليب السياسية ولا بالقوانين والأنظمة الحاضرة ولا بالأوضاع والآداب الاجتماعية، ويكره ألوان النفاق التي يسميها الناس تهذيبا ولياقة، كما يكره الإقبال على الألعاب الرياضية وترويض الأجسام على المشاق، ولا يرى استخف ممن يقول أن العقل السليم في الجسم السليم لأنه لو صح ذلك لكان الفيل أعقل المخلوقات، ولكنه يرى أن العقل السليم يبني الجسم السليم. والناس عنده ينظرون إلى الأشياء بنظر معكوس ويقيسونها بمقاييس ملتوية.
بمثل هذا التفكير وبصراحة جريئة ألف برنارد شو تسعا وثلاثين رواية عالج فيها معضلات الحياة باذلا جهده في القضايا الاجتماعية أكثر من القضايا العلمية مواجها الحقائق بالتفكير لا بالعاطفة. لذلك فأدبه واقعي لا عاطفي، وسلسلة حديث الأشخاص في كل رواياته على ما في بعضها من الاسترسال طلي عذب فكه يستهوي القارئ والسامع بما فيه من سحر وبراعة ورشاقة، وتمتاز رواياته بعمق التفكير وحدة الذكاء وحلاوة النكتة، تستثير
стр. 271
الإعجاب والضحك معا وتدع القارئ يفكر مسرورا بما فيها من إخراج الجد في معرض الهزل. فهو من هذه الجهة يشابه الجاحظ كما انه يتفق معه في أن الإنسان لا يتمكن من إتقان لغتين فبرنارد شو يقو: ليس هناك رجل أتقن لغته بحق وتمكن من إتقان لغة أخرى والجاحظ يقول: ومتى وجدناه قد تكلم بلسانين علمنا انه قد ادخل الضيم عليهما لان كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها وتعترض عليها وهو يعتقد أن الشعر أسهل من النثر ولو أراد أن يضع رواياته شعرا كروايات شكسبير لكان عددها الآن أكثر. وله شعر قليل يشهد الأدباء بجودته.
وكما شاعت النكتة في رواياته فقد شاعت أيضا في أجوبته، قيل أن إحدى الحسان قالت له لو اقترنت عبقريتك بجمالي لتولد منهما نسل هو المثل الأعلى في النبوغ والجمال. فقال لها: وما قولك لو جاء ذلك النسل بنبوغك وجمالي؟
وقال في محاضرته عن مستقبل المدنية الغربية: أن الإنسان في المستقبل سيتمكن من تغيير شخصيته كما يريد فلما انتهى من المحاضرة قال له احد الحاضرين: من ذلك الإنسان الذي سيتمكن من تغيير شخصيته؟ فأجابه برنارد شو: نسيت أن أعطيك عنوانه.
ولرواياته مقدمات طويلة جدا يربو بعضها على مائة صفحة يشرح فيها آراءه التي يبني عليها الرواية حتى كأنه يكتب الرواية لأجل المقدمة. وهو يعتبر فنه وسيلة لتأدية رسالته ويهزأ بمن يقول: الفن لأجل الفن.
خليل مردم بك
стр. 272
جمال الدين الأفغاني وشكيب ارسلان
كتب الأمير شكيب ارسلان منذ ست وثلاثين سنة هذا الفصل وقد بلغه الخبر باشتداد المرض على صديقه السيد جمال الدين الأفغاني، وقد أرسله إلينا لنشره في الثقافة كذكرى.
إن كانت الحكماء مصابيح الأرض، وكانت الدنيا توحش حقيقة لفقدهم، فأجدر أقسام الدنيا بذلك استيحاشا، وله وجوما، بلاد تأذن الله بذهاب حكمائها، وانتقاص الأنوار في أرجائها، وفتر عليها في توزيع الرجولية، وسمح بزيادة مناظرتها في أنفال المدنية.
ألا وعلى مقدار حاجة الوقت، يغلو الفضل، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر، وليس في هذا الشطر المشرقي ذو عقل إلا وهو يدرك أن من الكواكب اللامعة في أفق المشرق المباهي بها أمثالها في آفاق المغرب، عدة هذا الوطن في الفخار، إذا تجمعت الأحساب، والحجة الباهرة إذا أدلى كل قوم بحجة فضل، في معرض، حساب الفيلسوف الكبير السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني عافاه الله، وأمتع به
فما زال هذا الحكم منذ طلع في الشرق، علما منيرا تعشو العلوم إلى نوره، وشهابا ثاقبا يستنير به الوقت في مشتد ديجوره، وملاذا يستضاء بالأصيل من رأيه، ويستعان بالأصيل من رأيه، ويستعان بالمستفيض من دربته ورشده، شعلة ذكاء متوقدة، ولجة علم متدفقه، وكعبة فضائل محجوجة، ونفسا هذ بها السلوك وأخلصها التجريد، وسبكت أفلاذها الحكمة، وصفى جوهرها
التأمل في عالم الغيب، إلى نزاهة مشرب شمخ مارنها، وعفة روح تزكت شواهدها، وتمحض في حب الوطن وخدمة الملة وانصراف إلى هذا الوجه الأسنى دون الوجوه كلها، ووقف حياة على هذا المقصد الأشرف دون المقاصد جميعها، زاهدا في الدنيا، طارحا زخرفها، محتقرا متاعها، آخذا من الفلسفة بمصاصها، مؤثراً للقسم العملي منها، رائداً وراء إصلاح الجماعة، قاصراً مطلبه الشخصي على حرية القول، عامل بمبدأ اقراطيس الفيلسوف اليوناني، الذي كان يحث مريديه على الفرار من حظوظ الدنيا، قائلا: (لا يليق بالفيلسوف من الأوصاف إلا الحرية).
هذا إلى فضل تتقطع بمنافسته أنفاس النظراء، ومعارف تموت حسرة عليها الحكماء، مما يندر أن يجتمع في دماغ، ويعز تكرر المنة به في كل آن
وقد بلغنا الآن وحق للخواطر أن تجم، وللقلوب أن تجب، أن داء الحكم المشار إليه قد
стр. 273
أعضل، وأن نفسه النفسية على خطر، فنسأل الله أن لا يرزأ الملة بإحدى بواصر عيونها، ولا يفجع الحكمة المشرقية بأمتن أساطينها، وأن يحفظ حياته ذخرا في هذه الأيام، ويقرب شفاءه برا بالوطن والإسلام!، آمين
حرية الرأي
في الشرق العربي
إن صح ما أقرَّه علماء الاجتماع المعاصرون من أن للجماعات في تطورها كما للأفراد في حياتها مراحل لا بد من قطعها ومناطق لا مندوحة عن اجتيازها في الانتقال من حال إلى حال فأبناء القطر السوري وكثير غيره من أقطار الشرق العربي يجتازون اليوم في بعض وجوه تفكيرهم وإبداء آرائهم وكثير من أوضاعهم الاجتماعية , مراحل قطعها أبناء الغرب في أواخر القرون الوسطى التي انقضت منذ خمسمائة عام تقريباً. وهي حقيقة يحتاج التصريح بها لشيء من الجرأة وعلى الأخص إذا كان قائلها من أولئك الذين درسوا في جامعات الغرب لأن أكثر هؤلاء قد اتهموا في جميع أقطار الشرق العربي بتهمة حبك الشيء يعمي ويصم لا لأنهم أحبوا ما رأوه في الغرب فأعماهم ذلك عن الحقائق بل لأن أخصامهم من ذوي الأفكار المتجمدة وجدوا في العداء السياسي القائم بين الشرق والغرب ثلمة انحدروا منها للوصول إلى أغراضهم في تصغير شأن أخصامهم والنيل منهم فكان لهم ما أرادوا في شعب لم تزل العاطفة الهوجاء لا تقيم فيه على الغالب للعقل حساباً أو وزناً. وليس من المحتم على من تعرض لمثل هذه المقابلة الخطرة بين ما كانت عليه أفكار الناس في أواخر القرون الوسطى في الغرب وما هي عليه أكثر الآراء والعقائد في سورية وكثير من أقطار الشرق العربي اليوم أن يثبت الشبه في جميع الوجوه والمناحي حتى يقنع الناس أن لا فرق هنالك قط بين العصرين في جميع صورهما ومظاهرهما فمراحل التطور الاجتماعي تقطعها الجماعات على وتيرة واحدة وتبعاً لنظام واحد ولكن أشكال هذه المراحل تختلف باختلاف الشعوب وتتباين بتباين العناصر والأديان واللغات عدا ما هنالك من عوامل مفاجئة ومؤثرات طارئة فإذا كان مثلاً في عقائدنا وعرفنا وتقاليدنا الشرقية في عصر الكهرباء والسرعة بعض الوجوه التي تختلف عما كانت عليه الآراء في الغرب منذ
стр. 274
مئات السنين فليس في ذلك دليل على أننا نقطع اليوم المرحلة نفسها أو نستغني عن اجتياز الطريق ذاتها بل أن هنالك عوامل اجتماعية فعلت فعلتها وحالات شرقية اختلفت في ماضيها عما يقابلها في حالات غربية فغيرت اليوم كثيراً من وجوه الشبه بين الدورين اللذين نقابل ونقايس بينهما. وهذا الاختلاف الواقع الذي كثيراً ما يحتج به مناهضو هذا الرأي هو استثناء يؤيد القاعدة العامة في سير تطور الجماعات وتحولها البطيء على وتيرة واحدة وفي ظواهر مختلفة.
ولعل أصح صور الشبه وأبرزها في المقابلة بين ما كان عليه الغرب في أواخر القرون الوسطى وما نحن عليه اليوم هي حرية الرأي ومظاهرها في كلا الزمنين وهي ظاهرة صادقة ومقياس صحيح تقاس به نهضة الجماعات وما بلغته في طريق تحولها وتبدلها فحرية الرأي والجرأة في إبداء ما يهتدي إليه التفكير هما أصح ما يعتمد عليه في قياس الحضارات. وتاريخ الفلسفة في العالم هو تاريخ ما تجرأ الناس على إبدائه من آرائهم وهذا التاريخ هو أعظم ما يرجع إليه في تقدير الشعوب وقرها ومعرفة حقيقة ما عملته ورمت إليه وليس من داع لأن نأتي في هذه المقابلة على ذكر طائفة من مظاهر حرية الرأي وما كانت إليه في أواخر القرون الوسطى في الغرب من ضعف وانكماش وما أصاب أصحابها من اضطهاد وعسف وما ذهب في سبيلها من ضحايا فكل ذلك بتصور القارئ ويتمثله بعد أن عرف عنه ما عرف وسمع من غرائب شأنه ما سمع وحسبنا أن نتصدى لتذكيره بالرجوع إلى التذكير تفكيرا صريحا مستمدا من منطق العقل الصحيح فيما نحن عليه في هذا القطر السوري وغيره من أقطار بلاد العرب ومقابلته بما تمثله ووعاه من مظاهر إخفاء الرأي وعدم الجرأة في إبداء الفكر في تلك الصور. إنه لو غاب نفسه على ذلك وتجرد قليلا عما أملته عليه الجماعة التي عاش فيها وغرسته في نفسه دون اختياره ورضاه من عقائد وتقاليد ونزعات لعرف أن الشبه صحيح من أكثر الوجوه وأن ماشذ عنه استثناء يؤيد القاعدة التي أشرنا إليها في نظام التطور المحتم. وليس مطلبنا هذا منه بالأمر السهل فتحكيم العقل دون الهوى والتجرد عن العاطفة في التحليل والمقابلة عقبة كؤود ما برحت تعترض علماء الاجتماع في إقناع الناس بصحة ما استنبطوا من نظم وسنن اجتماعية تجردوا في استنباطها عن أهوائهم الشخصية وعواطفهم القومية والدينية فأحكموا
стр. 275
في استقرائها واستنتاجها عقولهم فحسب.
يعتقد الكثيرون ممن لم يفرقوا بعد بين الحق والواقع في أقطار الشرق العربي إن الناس أحرار في إبداء آرائهم وبسط ما يجول في خواطرهم للناس ويستدلون على ذلك بما جاء مثلا في المادة السادسة عشر من الدستور السوري وما ورد في غيره من المواد في دساتير الأقطار العربية الأخرى التي تنص كلها على أن حرية الفكر مكفولة وأن كل شخص مكفولة إن لكل شخص حق الإعراب عن رأيه وهي نصوص يكتفي الباحث بقليل من التحليل والاستقصاء حتى يعرف أنها تخالف الواقع ولا تتفق معه فهي رماد يذر في أعين البسطاء من الناس ليخفي عنهم تأثير العرف القديم والتقاليد البالية التي ما برحت الحاكم المطلق في أقدار الكتاب والأدباء والمفكرين والمسيطر الأول على إبداء وإعلان ما يهجس في نفوسهم ويجول في خواطرهم من آراء عقائد.
استعرض إن شئت في ذهنك جميع من عرفتهم من كبار المفكرين ورجال الأدب المعاصرين في سورية وغيرها من بلاد العرب وارجع إلى ما يكتبونه وينشرونه في هذا العصر وابحث عن أرائهم الخاصة التي يتحدثون بها إلى أصدقائهم في مجالسهم وعن أفكاره التي ينشرونها ويذيعونها على الناس في الصحف والكتب والمجلات وانظر فيما تكنه نفوسهم وما يعلنونه. إنك لو فعلت لوجت أن منهم من رأى الجماعة التي هو منها واعتقد بعقيدتها ودان بعرفها وتقاليدها فكان قي كل ما يكتبه كرجع الصدى فهو لا ينشد إصلاحاً ولا يطلب تجدداً بل يرضى بالحالة التي وجد آباءه عليها وهو أشبه شيء بمفكري القرون الوسطى ممن رضية عنهم الكنيسة ورأت فيهم رسل السلام والحق فخضعوا لحكمها عن رضاء وعملوا بمشيئتها فأراحوا واستراحوا.
ومنهم من كانت السياسة هدفهم الأول فطمحوا للزعامة وصرفوا كل جهودهم للوصول إليها وهم مثقفون لم تخف حقائق الكون وسنن التطور عنهم لكن الوصول إلى الزعامة يقضي أن لا تجابه الجماعة بما لم تألفه فهم يعنون عير ما تكنه نفوسهم ويحاربون حتى الجماعة في أرائهم وعرفهم وتقاليدهم ليحرزوا ثقتهم وينالوا عطفهم آملين أن يتحكموا في أقدارهم ويسيروا في طليعتهم فيقودونهم إلى حيث يريدون واجدين في غاياتهم السامية ما يبرر السبل التي يسلكونها.
стр. 276
ومنهم من اعتقدوا غير ما تعتقده الجماعة واستنارت أذهانهم بنور الحقائق فثارت نفوسهم ضد العرف وضد التقاليد وعرفوا ضرورة التجدد في الحياة لكنهم جبنوا فلم يجرؤوا على مجابهة الناس بما يخالف وتقاليدهم وعقائدهم وأعوزتهم حرية الرأي في جماعة قديمة جامدة فانبروا يحتالون على الأبحاث التي يعالجونها احتيالاً ويخدعون القراء بظاهر ما يبتغونه خداعاً يحتاج لكثير من المهارة والجهد ويدسون أفكارهم الجديدة دساً من حيث لا يجد فيها أخصامهم من المتعصبين سبيلاً لإثارة غضب الجماعة ونقمتها عليهم.
ومنهم من عرفوا الحقائق واعتقدوها ولكن نفوسهم كانت أصغر من أن تذيعها وتؤيدها وضمائرهم أضعف من أن تدعوهم للمفاداة من أجلها فأذاعوا على الناس غير ما اعتقدوه ودعوهم لما تأكدوا من فساده متخذين من أدبهم وعلمهم وقوة أقلامهم طريقاً يصلون منه لما يدفع عنه عادية المتربة أو يسد جشعهم وأطماعهم.
أما أولئك الذين اعتقدوا بما لا يتفق مع عقيدة سواد الجماعة وعرفها وتقاليدها واستطلعوا أن يجابهوا القوم بما اعتقدوا صحته مجابهة دون خداع أو احتيال أو تردد وتقلب فأنك لا تكاد تجد منهم من تهتدي إليه في هذا العصر لتذكره على سبيل المثال في سورية وسائر أقطار الشرق العربي. وحرية الرأي لا تكون صحيحة إلا متى أتيح لهؤلاء الآخرين أن يذيعوا آرائهم ويبثوا أفكاره دون أن يكون لهم من نقمة الجماعة وغضبها عليهم ما يخشون معه على نفوسهم وأرواحهم. إذاً فحرية الرأي التي تؤيدها حقوقنا ونظمنا ليس في الواقع ما يدل على وجودها وإذاً فمشيئة الفرد ما برحت خاضعة بكل مناحيها لهوى الجماعات وهوى سوادها وعامتها وفي جملة ما نشأ عن ذلك أن أدبنا أصبح لا يمثل نفوسنا بشيء ولا يتفق مع تفكيرنا فقد حظرت الجماعة عندنا على العقل والشعور والعواطف أن تظهر كما هي وقضى العرف والمحافظة والتحرج على الأدباء والمفكرين والكتاب أن يكتموا الناس ما في نفوسهم وأن يذيعوا عليهم غير ما يجب أن يعلنوه فكانت أكثر آدابنا وكتاباتنا وتأليفنا حتى قصائدنا وأشعارنا ومظاهر فنوننا مشوهة بالكذب والرياء والخديعة والدس والممالأة والجبن والتردد وغير ذالك من مظاهر ضعف الأفراد ووجلهم أمام قوة الجماعات وبطشها.
وهذه كلها صور لما كانت عليه حرية الرأي وجرأة التفكير في الغرب حوالي القرون الوسطى وأواخرها.
стр. 277
ولا ينتج عن هذه المقابلة أننا نحتاج لمئات من السنين بعد لتصل إلى ما وصل إليه الغرب اليوم في إبداء الرأي وبيان نتائج التفكير فسرعة التطور وقطع المراحل الاجتماعية تختلف باختلاف وسائط العصر على أن الانتقال من طور إلى طور في الجماعات أعراضاً لا مندوحة عن ظهورها وأهم الأعراض والدلائل التي تنبئ باجتيازنا المرحلة التي نحن فيها اليوم واتصالنا بالطريق المؤدية إلى حرية الرأي الصحيحة هو ما يجب أن يظهر بيننا مما ظهر في الجماعات الأخرى من أولئك المفكرين الذين تستهويهم آراؤهم وأفكارهم وعقائدهم فيذيعونها على الناس ويعلنونها فلا يثنيهم عن عزيمتهم خشية السلطان ولا يردعهم عن عليتهم غضب الجماعات ولا يبرحون عند أرائهم هذه حتى يسقطوا مضرجين بدمائهم من دونها وهم ينادون بها ويهتفون لها.
стр. 278
حضارة مدينة دمشق الفيحاء
وآثارها وكتاباتها
للأستاذ عيسى اسكندر المعلوف
تمهد
إنّ مدينة دمشق من أقدم المدن ذكرت التوراة فيها اسم اليعازر الدمشقي خادم إبراهيم الخليل الذي مرّ بها عندما جاء من أور الكلدانيين إلى أرض كنعان وجرت لإبراهيم حوادث أخرى مع كدر لاعومر ملك عيلام ومحالفيه وذلك في تضايف القرن الثالث والعشرين قبل ميلاد المسيح. وورد ذكر دمشق في كتابات تل العمارنة وهيكل الكرنك في القطر المصري وعلى مسلة كنيسة اللأتران في مدينة رومية بالكتابات القديمة المصرية والمسمارية. وفي غيرها من الآثار باسم تمشكو بمعنى المثمرة وسميت بأسماء أخرى كثيرة تفيد مثل هذه المعاني إشارة إلى غوطتها الفيحاء إحدى متنزهات الدنيا الأربعة ولاسيما اسم (جلَّق) الفارسي بمعنى (ألف زهرة). وقد عنيت بوضع تاريخ لدمشق بعنوان (حضارة دمشق وآثارها). وهو في مجلّد كبير لا يزال مخطوطاً في خزانتي بمدينة زحلة وأنا في بيروت فاقتصر على ذكر لمعة مما يحضرني منه على دمشق وكتاباتها بمناسبة مطالعتي لمقالة المستشرق الأستاذ (جان سوفاجه) المنشورة في الجزء الثاني من مجلة الثقافة الغراء والصفحة ١٢٥ من كتابه الافرنسي (المباني التاريخية في دمشق) الذي وصف في ذلك الجزء أيضاً.
مباني دمشق القديمة والحديثة
ليس هنا محل الإفاضة في أبنية دمشق وهي كلها القديمة وكتاباتها اليونانية والرومانية والعبرانية وغيرها ولا في؟ أبنية العرب فيها ولا كتاباتهم وآثارهم ولكنني أقتصر على لمعة من ذلك من (تاريخي المذكور آنفاً) فأقول:
منذ بضع وثلاثين سنة كنت أتردد إلى دمشق معجباً بآثارها مستقرياً لتاريخها ناقلاً بعض كتبها القديمة من عربية وأجنبية واصفاً ما وقفت عليه من آثارها وأبنيتها.
فكنت أطوف في أنحاء مدينة دمشق مع بعض زملائي أو لا ثم انفردت وحدي في تفقد الآثار القديمة والأبنية والكتابات ونقل ما يجب نقله عنها وتصوير بغضها إلى أن اجتمع
стр. 279
لدي كتاب ليس بقليل رأيت أن أضعه تاريخاً لدمشق وحضارتها وآثارها نقلت فيه الكتابات الأجنبية وترجماتها وبعضها مما لم يعثر عليه ودنكثون الانكليزي وغيره لأنه ضمن البيوت أو ظهر عند هدمها أو عند الحفر في المدينة ونحن ذلك ثم استقريت الكتابات العربية القديمة والجديدة ولاسيما على أبوابها ومدارسها وجامعاتها وتكياتها وكنائسها ودياراتها من خرب ومعمور ونقلتها بحروفها ثم عمدت إلى المخطوطات العربية والرحلات العربية والأجنبية وطالعتها وأخذت عنها ما وصفه المؤرخون والرحالة وما دونه مما كتب على جدرانها أو أبوابها من عامر ودارس وعارضت ذلك بما اجتمع لي منها ونقلت كثيراً من رسوم الكتابات والنقوش والمباني والمخططات ونحو ذلك مما يجب أن يزدان به الكتاب ليكون عصرياً مفيداً على أسلوب علمي نقدي يعرف (بفلسفة التاريخ).
مع ذكر أسانيده ومصادره فجاء كل ذلك في مجلد ضخم ضمنته هذه المباحث وما يتعلق بها من الإضافات والاستدراكات والانتقادات.
وفي ذلك كله مباحث مهمة وفوائد عديدة مقتبسة من مخطوطات نادرة ورحلات عديدة وتواريخ كثيرة عربية وأجنبية فاقتصر الآن على انتخاب ما يحضرني من كتاباتها العربية في أبنيتها مقدماً عليها عامة والله الهادي إلى الصواب:
لم أقف على تقويم قديم بمباني دمشق وعددها ولكنني عرفت أنها كانت سنة ١٨٧١م تعد١٤٦٩٦داراًفصارت سنة ١٩٠١م ١٨ألف دار عامة.
وكان عدد بساتين دمشق في القرن الثامن للهجرة والرابع عشر للميلاد مائة وأحد عشر بستان. غازداد عددها بعد ذلك إلى يومنا.
أما مدارسها فهي كما ذكرها أبو المفاخر محيي الدين النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧هـ (١٥٢٠م) ومختصره العلموي المتوفى سنة ٩٨١هـ (١٥٧٣م). في كتاب (تنبه الطلاب وإرشاد الدارس إلى ما في دمشق من المدارس). المخطوط في خزانتي هكذا مدارس القرآن الشريف عدد٧والحديث عدد١٨ والشافعية عدد٥٧والحنفية عدد٥١والحنابلة عدد١٠ والمالكية عدد٤.
والمدارس الطبية ٣ الدخوارية أسست سنة ٦٢١هـ (١٢٢٤م) والبودية سنة ٦٦٤هـ (١٢٦٥م) والصالحية٦٧٠هـ (١٢٧١م).
стр. 280
والمستشفيات هي مستشفى الجزام أنشأ منذ الفتح الإسلامي وغرزه الوليدين عبد الملك (وهو المسمى الآن الأعاطلة والقاطلة في محلة الباب الشرقي). والمشفى النوري الذي أسسه السلطان نوري الدين الشهيد وكانا مستشفيين أحدهما النوري الكبير والثاني النوري الصغير في باب البريد. والقيمري في الصالحية نسبةً إلى الأمير أبي الحسن القيمري.
وكان فيها صيدلية منطمة والربيعية غربي البيمارستان النوري وبمارستانات أخر إلى غير ذلك مما تغني الإشارة فيه عن التفصيل الآن.
وأنشأت بعد ذلك مدارس كثيرة منها المرادية والنقشندية والسليمانية والعبدلية والإسماعيلية وهذه الثلاث الأخيرة أسسها الأمراء سليمان وعبد الله وإسماعيل من آل العظم وأما المدرس العصرية فجددت بزمن مدحت باشا ومنة جاء بعده في القرن التاسع عشر للميلاد (الماضي).
وكان بدمشق في ذلك العهد القديم ٢٦خانقاها (أي دور الفقهاء) و٣٢رباطاً (أي مسكن الدراويش) و٢٦زاوية (للدراويش) وكانت على جبل قاسيون (فوق الصالحية) قبة لرصد الكواكب وكذلك دار للقديس يوحنا الدمشقي قرب باب توما وأسس نور الدين الشهيد السلطان العظيم دار العدل (محل المشيربة الآن) وهي للنظر في مظالم الرعية من العمال. ومن الأبنية قصر الأبلق والظاهرية والعادلية وبنيت دور أخرى لا محال لتفصيلها ووصفها في هذه الحالة وذكر ما كتب على جدرانها وأبوابها مما لايسعه المقام الآن.
أمثلة عن كتابات دمشق القديمة والحديثة
لما كان الشيء بالشيء يذكر أصف الآن بعض الكتابات التي جمعتها في (تاريخي المذكور) مقتصراً على أمثلة قليلة منها وهي الكتابات العربية لا الأجنبية.
وبعض تلك الكتابات فقد وبعضها باقٍ ومنها ماهو مشوش ومنها ماهو جلي فإليك شيئاً منها مما هو موجود الآن من تلك الكتابات القديمة وما وافقت عليه فقراته في بلاطه فوق باب (المدرسة الجوهرية) القديمة وهذا نصه
بسم الله الرحمن الرحيم إنشاء هذه المدرسة المباركة العبد الفقير إلى الله تعالى أبو المكارم محمد نجم الدين ابن أبي الطاهر عباس بن أبي المكارم التميمي الجوهري على مذهب الإمام أبي حنيفة عليه الرحمة وكان الفراغ من عمارتها والتدريس بها سنة ستة وسبعين
стр. 281
وستمائة
وقرأت هذه الكتابة فوق مدخل (المدرسة الريحانة) في سبعة أسطربسم الله الرحمن الرحيم. وقف هذه المدرسة المباركة الأمير جمال الدين ريحان ابن عبد الله على المتفقهة بها على مذهب الإمام الأعظم سراج الأمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت ﵁. ووقف عليها جميع البستان الحراجي المعروف بأرض الحواري والأرض المعروفة بدف العناب والغرماوي بأرض القطايع والجورتين البرّانية والجوانية بأرض (كذا) الخامس والنصف والثلث من الريحانية والاصطبل المعروف بعمارته ببستان بقر الوحش وذلك معروف مشهور فمنة بدله بعد ما سمعه فإنما لله. . . . إنّ الله سميع عليم. وذلك في شعبان سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وعلى باب مقام الشيخ رسلان كتابة كوفية ثم تحتها هذه الكتابة بالخط النسخي: جدد عمارة هذا المسجد المبارك مسجد خالد بن الوليد (رضه) الفقير إلى رحمة رب العالمين أبي علي. . . الشيخ رسلان ﵁. لاإلاه إلا الله في أيام الملك الناصر صلاح الدينا والدين ووقف عليه الساحة التي. . .
وقرأت على باب (المدرسة السليمانية قرب سوق الحميدية هذا التاريخ لبنائها سنة ١١٣٠هـ (١٧١٧م) وهو:
للخير والعلم والطلاب مدرسة ... قد شادها أوحد الدنيا سليمان
أعني الوزير أمير الحج سيدنا ... من كل أفعاله بر وإحسان
بالقرب من داره الزهراء أوقفها ... وشيد منها على الإخلاص بنيان
أثابه الله في الدارين صالحة ... كذا له السعد والتوفيق أعون
وهاتف البشر والإخلاص أرخها ... أس القبول على الإشراق عنوان
وقرأت في ذيل (الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة) للنجم الغزي الدمشقي المخطوط وصف أبنية مراد باشا الوزير المشهور في دمشق وهي كثيرة منها الوكالة التي عمارتها له الشيخ أحمد المغربي متولي الجامع الأموي مع عمارة السوق الأول والقهوة (والوكالة أسم الخان كما هو المعروف في عرف المصريين وأهل دمشق يسمونه قيسارية) وأرخ بناء الوكالة الشيخ أبو الطيب بقوله:
стр. 282
هاك تاريخاً سما له ... بدر هالات الغز اله
جملة الملك بهاء ... وسخاءٌ وبساله
صح في أخر شطر ... ضمن القول مقاله
ولي الشام مراد ... فبنى خير وكاله
ومما فقد من تلك الكتابات حجر كان بجانب قوس النصر في مدخل الهيكل الغربي الذي شيد محله الجامع الأموي الشهير قد نقش عليه بيتا شعر يتناقلهما الدمشقيون خلفاً عن سلف وهما:
عرج ركابك عن دمشق فأنها ... بلد تذل لها الأسود وتخضع
ما بين جابيها وباب بريدها ... قمر يغيب وألف بدر يطلع
وفقد حجر آخر كان قرب برج القلعة في الزاوية بين الشمال والشرق رأيته قديماً ثم عدت إليه ثانية فلم أجده: ولكنني نقلت عنه ما نقش عليه أول مرة وهو بالحرف الواحد:
بسم الله الرحمن الرحيم - أمر بعمارة هذا البرج المبارك مولانا السلطان الملك الغازي سيف الدنية والدين سلطان جيوش المسلمين حامي الحرمين الشريفين أبو بكر بن أيوب بتولية العبد الفقير إبراهيم بن موسى وذلك سنة ست وستُمائة
الختام
هذه كلمتي الآن في آثار دمشق وكتاباتها العربية من تاريخها المخطوط الذي ألفته بعد مراجعات ما كتبه المؤرخون والرحالة من إفرنج وعرب راجياً من الأدباء والعلماء أن يسبلوا ذيل المعذرة على ما وقع لي من الوهم وما العصمة إلا لله وما الحقيقة إلا بنت البحث. ولعلي أعود إى التفصيل في فرصة ثانية.
بيروت (مؤقتاً) ٢٠ أيار ١٩٣٣
عيسى اسكندر المعلوف
стр. 283
تاريخ السل
يجدر بنا والسل متفش تفشياً راعباً في سورية والأفكار قلقة لشره المستفحل أن نكتب تاريخ هذا الداء مبينين تطور الأفكار فيه منذ أن عرفه الطب حتى يومنا.
في سورية ولبنان اليوم نهضة مباركة لمكافحة هذا الداء وصد هجماته وهي أشد في لبنان منها في سورية مع إن السل أشد فتكاً وأكثر انتشارً هنا منه هناك:
غير أن جمعية مقاومة السل في دمشق قد أخذت على عاتقها بناء مصح تتوفر قيه جميع الشروط لإيواء من غضهم هذا الداء بنابه. وهي دائبة على العمل وربما أوفدت أحد الاختصاصيين إلى بلاد الغرب لدرس المصحات فيها وستباشر البناء قي القريب العاجل لأن المال قد توفر لها
كما أن الآنسة دوكره هذه المرأة التي لا تثني المصاعب عزيمتها قد شمرت عن ساعد الجد بعد أن هالها مار أته في عيادات المستشفى الوطني من جيش المسلولين فجمعت مبلغاً كافياً من المال من سورية وفرنسة لإنشاء مستوصف يعاين فيه المرضى فيعالج منه من لا يحتاج إلى استشفاء ويبعث بالآخرين إلى المصحة. وقد افتتحت هذا المستوصف في السادس عشر من حزيران المنصرم في إحدى دور الجامعة والهمة مبذولة لإتقان هذين المشروعين اللذين يخففان من وطأة هذا الداء العقام ويقيان مئات الأطفال منه بعد أن يعم التلقيح بلقاح ع. ك. غ.
فداءٌ كهذا يمرح بيننا ويذبل ألوفاً من زهرات أبنائنا وبناتنا في السنة الواحدة يليق بنا أن نكتب تاريخه ليطلع عليه قراء هذه المجلة الزاهرة ولعلنا نخصص مقالاً آخر للبحث في طرق اتقائه:
لن نجد للسل ذكراً إلا في السنة ١٨٠٠ ق. م. عند الهنود الأقدمين الذين كانوا يعدون المسلول كالمجذوم خطراً على من يساكنه ويجاوره وكانوا يتجنبونه تجنب الأفعى وقد منع البراهمة في ذلك العهد التزوج بالفتيات المتحدرات من سلالة فيها بعض المسلولين مهما كان ثراؤهن ونبل محتدهن. غير أننا لم نقف على وصف مسهب للسل ذكرت به أعراضه وبعض عراقيله إلى في زمن اليونانيين منذ ٥٠٠ سنة ق. م. فقد ورد أن أوريفونوس الكنيدي كانا يعالج المسلولين بلبن النساء والكي وكان يظن كالمصريين القدماء أن الأمراض مسببة من الإفراط في الغذاء ولعل أوريفونوس هذا مؤلف كتاب (الحكم الكنيدية
стр. 284
والحمية النافعة في الأمراض الباطنة) الذي ورد ذكره في قانون أبقراط ولم يعثر على نسخة منه حتى الآن على ما أعلم.
وكان السل مرضاً شائعاً فتاكاً في عهد أبقراط أبي الطب الذي ولدفي جزيرة كوس من جزر بحر إيجه سنة ٤٦٠ ق. م. ومات في مدينة لريسه اليونانية وله من العمر تسعون سنة. فكان يقال في أسبابه أنه ينجم من النزلة التي تنحدر إلى الصدر ومن انبثاق الأوردة ومن الخراجات الكائنة في الصدر ومن الجناب المتقيح الذي انفتح في الرئة ولم يذكر أبقراط شيئاً عن العدوى ولعل السبب في إهماله لهذا الأمر شيوع الاعتقاد بعدواه غير أننا متى عرفنا أنا لطب الهنود أثراً في الطب اليوناني وان الهنود كانوا يتجنبون المسلول كالمجذوم فهمنا أن العدوى كانت أمراً مسلماً به عند اليونانيين.
أما الوراثة فقد جاء ذكرها جلياً فقد ورد ما نصه (المسلول يولد من المسلول) وأن هذا الداء يختار البلغميين البيض وأنه كثير الشيوع بين السنوات الرابعة عشرة والخامسة والثلاثين من العمر وأنه يبدأ بنوافض خفية وسعال جاف وناخس في الصدر والظهر وأن السعال يشتد بعدئذٍ وتبدأ التفلات وتزداد.
وكان يطن أبقراط أن نفث الدم وقياءه سبب المرض وليس عرضاً له. ثم إن المرض يستفحل والجسم جميعه يهزل، أما الساقان فتتورمان وهذا دليل واضح على أن اليونانيين عرفوا الدنف السلي ووصفوه أما أظفار القدمين واليدين فنقف ثم إن الهزال يزداد في ناحية العنق والكتفين ويعود التنفس صغيراً كما لو نفخ في أنبوب ينطفئ الصوت ويشتد الوهن بتناثر الشعر ويبدو الإسهال ويقف التقشع ويموت المريض إنذار السل بحسب أبقراط وخيم جداً غير أنه إذا عولج في بدايته يشفي وقد ذكر في قانون أبقراط السلام العظمي والفصلي ولاسيما ما نسميه اليوم داء بوت فقد جاء فيه ذكر خراجات في الورك والعانة مرافقة لحدبات الطهرية وورد فيه أيضاً ذكر داء بوت العنقيفي المرضى المصابة رئاتهم بعقيدات قاسية صلبةوذكر فيه أيضاً خلع الفصل الحر قفي الفخذي من خراجات ونوا سير. لا عجب فأننا لا نزال نرى حتى اليوم في هذا القرن العشرين الذي بلغ فيه لطب أسمى درجاته، بعض المرضى بالورك وقد أهملت معالجتهم فأفضى مرضهم إلى الخلع المرضى فلا غرابة إذا ذكر أبقراط في عصره ذلك الخلع المنوسر.
стр. 285
وجاء بعد أبقراط أرسطو طاليس (٣٨٢ - ٣٣٢ق. م.) وكان فيلسوفاً وطبيباً في آن واحد فلم يضف إلى ما عرفه أبقراط غير شيء واحد هو قوله أن السل والطاعون ينقلان بالهواء وهذا القول الذي نطق به أحد علماء اليونان منذ ثلاثة وعشرين قرناً صحيح لا غبار عليه لأن السل والطاعون الرئويين ينتقلان بالهواء كما يسبب الطب الحاضر. ولم يمضى غير القليل على موت أرسطو حتى ظهر في السنة ٣٣٠ق. م. ديوكلس فجاءنا بشيء مستحدث لم يذكره من تقدمه وهو مكافحته لنفث الدم لصمغ الثيران أو ما نسميه اليوم الهلام أو الجلاتين.
إن ديوكلس قد أملى هذه الأمثولة على القرون التي تعاقبت بعده ونحن لا نزال نستعمل اله لام شرباً ونلجأ إلى المصل الهلامي حقناً تحت الجلد في مكافحة النزوف ناسيين ذلك العبقري الذي طوته ألوف السنين وهذه الهدية الثمينة التي نفح بها الطب وبنائه ونذكر من أطباء اليونان ساليوس أورليانوس الذي قال عن السل أنه قرحة رئوية مع قيح لا ينضب وكان يصف له الترياق والنوم في أرجوحة والسفر بحراً والقراءة بصوت عالٍ وكان يغذي المسلول بأفضل الأطعمة وأجودها كالبيض والأرز والنشا والخمر واللحوم.
لعمري أن في كلام الطبيب اليوناني لمنتهى الحكمة لأننا إذا استثنينا أمراً واحداً مضراً وقد ورد في كلامه وهو القراءة بصوتٍ عالٍ حكمنا أن مانطق به يعد أساساً لمعالجة السل في زمننا. فإن هواء الشواطئ جزيل الفائدة للمسلولين وأشد فائدة منه هواء عرض البحار الخالي من ذرات الغبار حتى من الجراثيم أيضاً.
فضلاً عن أن تغذية المسلول والاعتناء بأمر طعامه جديد في ذلك العهد الذي كان يظن به أن الطعام مجلبة الداء وأن المسلول كسواه من المرضى محظور عليه الإكثار منه. ويجيء بعد ساليوس ذلك النابغة الكبير والعبقري العظيم الذي لم تنجب القرون السالفة أوسع منه علماً ولا أغزر منه معرفةً أعني به جالينوس (١٣٠ - ٢٠٠بعد المسيح) الذي كان له في تاريخ الطب العربي أكبر أثر لأن الأطباء العرب استرشدوا بما تركه هذا النابغة فنقلوا العلوم عن مؤلفاته وأضافوا إليها ونقضوا ما يحتاج إلى نقض وثبتوا ما هو خليق بإثبات غير أن جالينوس الذي كان له التشريح القدح المعلي حتى أن مؤلفاته بقي معمولا بها زهاء ١٢٠٠سنة،
следующие страницы →