← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وستمائة وقرأت هذه الكتابة فوق مدخل (المدرسة الريحانة) في سبعة أسطربسم الله الرحمن الرحيم. وقف هذه المدرسة المباركة الأمير جمال الدين ريحان ابن عبد الله على المتفقهة بها على مذهب الإمام الأعظم سراج الأمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت ﵁. ووقف عليها جميع البستان الحراجي المعروف بأرض الحواري والأرض المعروفة بدف العناب والغرماوي بأرض القطايع والجورتين البرّانية والجوانية بأرض (كذا) الخامس والنصف والثلث من الريحانية والاصطبل المعروف بعمارته ببستان بقر الوحش وذلك معروف مشهور فمنة بدله بعد ما سمعه فإنما لله. . . . إنّ الله سميع عليم. وذلك في شعبان سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وعلى باب مقام الشيخ رسلان كتابة كوفية ثم تحتها هذه الكتابة بالخط النسخي: جدد عمارة هذا المسجد المبارك مسجد خالد بن الوليد (رضه) الفقير إلى رحمة رب العالمين أبي علي. . . الشيخ رسلان ﵁. لاإلاه إلا الله في أيام الملك الناصر صلاح الدينا والدين ووقف عليه الساحة التي. . . وقرأت على باب (المدرسة السليمانية قرب سوق الحميدية هذا التاريخ لبنائها سنة ١١٣٠هـ (١٧١٧م) وهو: للخير والعلم والطلاب مدرسة ... قد شادها أوحد الدنيا سليمان أعني الوزير أمير الحج سيدنا ... من كل أفعاله بر وإحسان بالقرب من داره الزهراء أوقفها ... وشيد منها على الإخلاص بنيان أثابه الله في الدارين صالحة ... كذا له السعد والتوفيق أعون وهاتف البشر والإخلاص أرخها ... أس القبول على الإشراق عنوان وقرأت في ذيل (الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة) للنجم الغزي الدمشقي المخطوط وصف أبنية مراد باشا الوزير المشهور في دمشق وهي كثيرة منها الوكالة التي عمارتها له الشيخ أحمد المغربي متولي الجامع الأموي مع عمارة السوق الأول والقهوة (والوكالة أسم الخان كما هو المعروف في عرف المصريين وأهل دمشق يسمونه قيسارية) وأرخ بناء الوكالة الشيخ أبو الطيب بقوله:

стр. 282

هاك تاريخاً سما له ... بدر هالات الغز اله جملة الملك بهاء ... وسخاءٌ وبساله صح في أخر شطر ... ضمن القول مقاله ولي الشام مراد ... فبنى خير وكاله ومما فقد من تلك الكتابات حجر كان بجانب قوس النصر في مدخل الهيكل الغربي الذي شيد محله الجامع الأموي الشهير قد نقش عليه بيتا شعر يتناقلهما الدمشقيون خلفاً عن سلف وهما: عرج ركابك عن دمشق فأنها ... بلد تذل لها الأسود وتخضع ما بين جابيها وباب بريدها ... قمر يغيب وألف بدر يطلع وفقد حجر آخر كان قرب برج القلعة في الزاوية بين الشمال والشرق رأيته قديماً ثم عدت إليه ثانية فلم أجده: ولكنني نقلت عنه ما نقش عليه أول مرة وهو بالحرف الواحد: بسم الله الرحمن الرحيم - أمر بعمارة هذا البرج المبارك مولانا السلطان الملك الغازي سيف الدنية والدين سلطان جيوش المسلمين حامي الحرمين الشريفين أبو بكر بن أيوب بتولية العبد الفقير إبراهيم بن موسى وذلك سنة ست وستُمائة الختام هذه كلمتي الآن في آثار دمشق وكتاباتها العربية من تاريخها المخطوط الذي ألفته بعد مراجعات ما كتبه المؤرخون والرحالة من إفرنج وعرب راجياً من الأدباء والعلماء أن يسبلوا ذيل المعذرة على ما وقع لي من الوهم وما العصمة إلا لله وما الحقيقة إلا بنت البحث. ولعلي أعود إى التفصيل في فرصة ثانية. بيروت (مؤقتاً) ٢٠ أيار ١٩٣٣ عيسى اسكندر المعلوف

стр. 283

تاريخ السل يجدر بنا والسل متفش تفشياً راعباً في سورية والأفكار قلقة لشره المستفحل أن نكتب تاريخ هذا الداء مبينين تطور الأفكار فيه منذ أن عرفه الطب حتى يومنا. في سورية ولبنان اليوم نهضة مباركة لمكافحة هذا الداء وصد هجماته وهي أشد في لبنان منها في سورية مع إن السل أشد فتكاً وأكثر انتشارً هنا منه هناك: غير أن جمعية مقاومة السل في دمشق قد أخذت على عاتقها بناء مصح تتوفر قيه جميع الشروط لإيواء من غضهم هذا الداء بنابه. وهي دائبة على العمل وربما أوفدت أحد الاختصاصيين إلى بلاد الغرب لدرس المصحات فيها وستباشر البناء قي القريب العاجل لأن المال قد توفر لها كما أن الآنسة دوكره هذه المرأة التي لا تثني المصاعب عزيمتها قد شمرت عن ساعد الجد بعد أن هالها مار أته في عيادات المستشفى الوطني من جيش المسلولين فجمعت مبلغاً كافياً من المال من سورية وفرنسة لإنشاء مستوصف يعاين فيه المرضى فيعالج منه من لا يحتاج إلى استشفاء ويبعث بالآخرين إلى المصحة. وقد افتتحت هذا المستوصف في السادس عشر من حزيران المنصرم في إحدى دور الجامعة والهمة مبذولة لإتقان هذين المشروعين اللذين يخففان من وطأة هذا الداء العقام ويقيان مئات الأطفال منه بعد أن يعم التلقيح بلقاح ع. ك. غ. فداءٌ كهذا يمرح بيننا ويذبل ألوفاً من زهرات أبنائنا وبناتنا في السنة الواحدة يليق بنا أن نكتب تاريخه ليطلع عليه قراء هذه المجلة الزاهرة ولعلنا نخصص مقالاً آخر للبحث في طرق اتقائه: لن نجد للسل ذكراً إلا في السنة ١٨٠٠ ق. م. عند الهنود الأقدمين الذين كانوا يعدون المسلول كالمجذوم خطراً على من يساكنه ويجاوره وكانوا يتجنبونه تجنب الأفعى وقد منع البراهمة في ذلك العهد التزوج بالفتيات المتحدرات من سلالة فيها بعض المسلولين مهما كان ثراؤهن ونبل محتدهن. غير أننا لم نقف على وصف مسهب للسل ذكرت به أعراضه وبعض عراقيله إلى في زمن اليونانيين منذ ٥٠٠ سنة ق. م. فقد ورد أن أوريفونوس الكنيدي كانا يعالج المسلولين بلبن النساء والكي وكان يظن كالمصريين القدماء أن الأمراض مسببة من الإفراط في الغذاء ولعل أوريفونوس هذا مؤلف كتاب (الحكم الكنيدية

стр. 284

والحمية النافعة في الأمراض الباطنة) الذي ورد ذكره في قانون أبقراط ولم يعثر على نسخة منه حتى الآن على ما أعلم. وكان السل مرضاً شائعاً فتاكاً في عهد أبقراط أبي الطب الذي ولدفي جزيرة كوس من جزر بحر إيجه سنة ٤٦٠ ق. م. ومات في مدينة لريسه اليونانية وله من العمر تسعون سنة. فكان يقال في أسبابه أنه ينجم من النزلة التي تنحدر إلى الصدر ومن انبثاق الأوردة ومن الخراجات الكائنة في الصدر ومن الجناب المتقيح الذي انفتح في الرئة ولم يذكر أبقراط شيئاً عن العدوى ولعل السبب في إهماله لهذا الأمر شيوع الاعتقاد بعدواه غير أننا متى عرفنا أنا لطب الهنود أثراً في الطب اليوناني وان الهنود كانوا يتجنبون المسلول كالمجذوم فهمنا أن العدوى كانت أمراً مسلماً به عند اليونانيين. أما الوراثة فقد جاء ذكرها جلياً فقد ورد ما نصه (المسلول يولد من المسلول) وأن هذا الداء يختار البلغميين البيض وأنه كثير الشيوع بين السنوات الرابعة عشرة والخامسة والثلاثين من العمر وأنه يبدأ بنوافض خفية وسعال جاف وناخس في الصدر والظهر وأن السعال يشتد بعدئذٍ وتبدأ التفلات وتزداد. وكان يطن أبقراط أن نفث الدم وقياءه سبب المرض وليس عرضاً له. ثم إن المرض يستفحل والجسم جميعه يهزل، أما الساقان فتتورمان وهذا دليل واضح على أن اليونانيين عرفوا الدنف السلي ووصفوه أما أظفار القدمين واليدين فنقف ثم إن الهزال يزداد في ناحية العنق والكتفين ويعود التنفس صغيراً كما لو نفخ في أنبوب ينطفئ الصوت ويشتد الوهن بتناثر الشعر ويبدو الإسهال ويقف التقشع ويموت المريض إنذار السل بحسب أبقراط وخيم جداً غير أنه إذا عولج في بدايته يشفي وقد ذكر في قانون أبقراط السلام العظمي والفصلي ولاسيما ما نسميه اليوم داء بوت فقد جاء فيه ذكر خراجات في الورك والعانة مرافقة لحدبات الطهرية وورد فيه أيضاً ذكر داء بوت العنقيفي المرضى المصابة رئاتهم بعقيدات قاسية صلبةوذكر فيه أيضاً خلع الفصل الحر قفي الفخذي من خراجات ونوا سير. لا عجب فأننا لا نزال نرى حتى اليوم في هذا القرن العشرين الذي بلغ فيه لطب أسمى درجاته، بعض المرضى بالورك وقد أهملت معالجتهم فأفضى مرضهم إلى الخلع المرضى فلا غرابة إذا ذكر أبقراط في عصره ذلك الخلع المنوسر.

стр. 285

وجاء بعد أبقراط أرسطو طاليس (٣٨٢ - ٣٣٢ق. م.) وكان فيلسوفاً وطبيباً في آن واحد فلم يضف إلى ما عرفه أبقراط غير شيء واحد هو قوله أن السل والطاعون ينقلان بالهواء وهذا القول الذي نطق به أحد علماء اليونان منذ ثلاثة وعشرين قرناً صحيح لا غبار عليه لأن السل والطاعون الرئويين ينتقلان بالهواء كما يسبب الطب الحاضر. ولم يمضى غير القليل على موت أرسطو حتى ظهر في السنة ٣٣٠ق. م. ديوكلس فجاءنا بشيء مستحدث لم يذكره من تقدمه وهو مكافحته لنفث الدم لصمغ الثيران أو ما نسميه اليوم الهلام أو الجلاتين. إن ديوكلس قد أملى هذه الأمثولة على القرون التي تعاقبت بعده ونحن لا نزال نستعمل اله لام شرباً ونلجأ إلى المصل الهلامي حقناً تحت الجلد في مكافحة النزوف ناسيين ذلك العبقري الذي طوته ألوف السنين وهذه الهدية الثمينة التي نفح بها الطب وبنائه ونذكر من أطباء اليونان ساليوس أورليانوس الذي قال عن السل أنه قرحة رئوية مع قيح لا ينضب وكان يصف له الترياق والنوم في أرجوحة والسفر بحراً والقراءة بصوت عالٍ وكان يغذي المسلول بأفضل الأطعمة وأجودها كالبيض والأرز والنشا والخمر واللحوم. لعمري أن في كلام الطبيب اليوناني لمنتهى الحكمة لأننا إذا استثنينا أمراً واحداً مضراً وقد ورد في كلامه وهو القراءة بصوتٍ عالٍ حكمنا أن مانطق به يعد أساساً لمعالجة السل في زمننا. فإن هواء الشواطئ جزيل الفائدة للمسلولين وأشد فائدة منه هواء عرض البحار الخالي من ذرات الغبار حتى من الجراثيم أيضاً. فضلاً عن أن تغذية المسلول والاعتناء بأمر طعامه جديد في ذلك العهد الذي كان يظن به أن الطعام مجلبة الداء وأن المسلول كسواه من المرضى محظور عليه الإكثار منه. ويجيء بعد ساليوس ذلك النابغة الكبير والعبقري العظيم الذي لم تنجب القرون السالفة أوسع منه علماً ولا أغزر منه معرفةً أعني به جالينوس (١٣٠ - ٢٠٠بعد المسيح) الذي كان له في تاريخ الطب العربي أكبر أثر لأن الأطباء العرب استرشدوا بما تركه هذا النابغة فنقلوا العلوم عن مؤلفاته وأضافوا إليها ونقضوا ما يحتاج إلى نقض وثبتوا ما هو خليق بإثبات غير أن جالينوس الذي كان له التشريح القدح المعلي حتى أن مؤلفاته بقي معمولا بها زهاء ١٢٠٠سنة،

стр. 286

جالينوس الذي عني قبل كل أحد بعلم الغريزة (الفسيولوجيا) ووضع أسسه الأولى، جالينوس الذي كان للفلسفة من نبوغه القسط الوافر لم يترك شيئاً جديداً عن السل بل اكتفى بان يدقق في ماتركه السلف ويثبت ماوجده حسناً ويمهل مارآه بعيدا عن الصواب ولهذا إذا ذكر اسمه مقرونا بالإجلال ومحفوفاً بالوقار كلما ذكر التشريح أو الغريزة أو الفلسفة فهو قلما يذكر إذا بحث في تاريخ السل. نصل الآن إلى عهد جدودنا القدماء. إلى أطباء العرب الذين بنوا لنا ذلك المجد الزاهر الذي لا يمحوه كرور الأعوام. إنهم قد برزوا في كثير من فروع الطب والجراحة وكانوا معلمي العالم ما لا يقل عن ستة قرون فإذا كان لنا ما أتفاخر به فيهم وإذا حق لنا أن نرفع الرأس عالياً متى ذكرت العلوم والفنون فبفضلهم وتفوقهم. كثيرون هم النابغون بين أطبائنا القدماء الذين يطول بنا المقام إذا أتينا على ذكرهم وأخاف أن ينسب إلي التعصب الجنسي إذا ذكرت منهم من تركوا شيئاً عن السل أو لم يتركوا إلا الشيء القليل ولهذا أمر بها رون وبختشوع وحنين والرازي الكبير الذي يعود إليه الفضل في وصف الجدري والحصبة وابن زهر وأبي القاسم وابن القف وكثيرين سواهم. وأفق عند الإمام ابن سينا (٩٨٠ - ١٠٧٦) الذي جاء في قانونه عن السل بكثير من الأمور الجديدة. فقد ذكر فيه أن نفث الدم ربما لا يتأخر بل يقع فيه الابتداء إذا كان السل من الجنس الرديء وهذا الأمر قد أثبته الطب الحاضر فقد يكون نفث الدم العرض الأول الذي يبدونه السل الرئوي قبل أي عرض آخر. وقال أيضاًوأما قروح الرئة فقد اختلفت الأطباء في أنها تبرأ أو لا تبرأ البتة لأن الالتحام يفتقر إلى السكون هناك. لعمري إن هذه الصفحة لخالدة في تاريخ السل أعني بها حاجة السل إلى السكون وامتناع السل الرئوي عن الشفاء لتحرك الرئة حركة مستمرة ألا نرى أن المفصل متى سل يثبت ويحكم عليه بالجمود والقسط؟ ألم نلاحظ أن أفكار الاختصاصيين بالسل قد اتجهت في جميع أقطار العالم إلى إيجاد طريقة يثبتون بها الرئة ليقربوا منها الشفاء وأن الربح الصدرية أو طريقة فورلانيني ليست غايتها إلا منع الرئة موقتاً عن الحركة كما أن قطع عصب الحجاب يرمي إلى هذه الغاية أيضاً فهل أقررنا لذلك النابغة العربي الذي جاءنا منذ

стр. 287

عشرة قرون بالشريعة التي لم يبدلها العلم بل لم يزل جاداً وراء تحقيقها؟ وجاء أيضاً في قانونه ما حرفهوقد يعرض للمسلول أن يمتد به السل ممهلا إياه برهة من الزمن وكذلك ربما امتدا من الشباب إلى الكهولة وقد رأيت امرأة عاشت في السل قريبا من ثلاث وعشرين سنة أو أكثر قليلا والبرهة لغة الوقت الطويل لاكما يظن البعض أنها الوقت القصير فيكون أمامنا قد ذكر الشكل المزمن من السل الأمر الذي لم يصرح به أحد من قبله. وقد عرف ابن سينا السوس والزرنيخ والقطران والأقيون المستخرج من الخشخاش والكافور في معالجة السل وقال أن امرأة مسلولة بلغ من أمرها أن علتها طالت وأضنتها واستدعيت من تهيئ لها جهاز الموت فقام أخ على رأسها عالجها بأقراص الكافور مدة طويلة فعاشت وعوفيت فهو يشير باستعمال الكافور ويصف منه الجرعات الكبيرة ونحن نرى أن أطباء القرن العشرين وجراحيه قد عادوا إلى استعمال الكميات الكبيرة من الكافور وقرروا ما كان ذكره النابغة في بدء القرن الحادي عشر وقد أشار ابن سينا في معالجة السل بلبن الأتن النيئ وبين فائدته ولم يكن يعلم حينئذ أن في ذالك اللبن النيئ المواد التي لقبها الطب الحاضر بالحيوين أو الفيتامين ونسب إليها تلك الخواص الناجعة. واتبع الأوربيون بعد أن انتقل الطب إليهم من العرب خطة ابن سينا في معالجة المسلولين بمضارة الحليب فأنشئت في النمسا وسو يسرة مراكز عديدة لهذه الغاية كان يؤمها المسلولون من جميع أقطار أوربة لتناول هذه المضارة فيها تناولاً منتظماً وكان يأتي المصل بفوائد جليلة يقر بها المسلولون. غير أنه أيحق لنا أن ننسب تلك الفوائد إلى مصل الحليب أم إلى السكن في تلك البلاد الجبلية المطلقة الهواء المعرضة لنور الشمس؟ ووضع ابن سينا شروطاً لتناول اللبن فقال ما نصه: لو أمكن أن يمص اللبن من المرضع (وهو يعني ضرع لاتان) لكان أولىوقال أيضاًيختار من الأتن ما وضعت منذ أربعة أو خمسة أشهر وقالتغسل العلبة بالماء الحار ولاسيما إذا كان قد حلب فيها من قبل فتنقع فيه حتى يتحلل ما كان فيهاوفي هذا القول منتهى الحكمة لأنه لوحظ أن الحليب يختمر ويتبدل تركيبه ويعود مضراً وأن العلبة التي كان يحلب اللبن فيها قبل أن تغسل جيداً أداة ضرر شديد إذا ما جمع الحليب فيها فأشار بغسلها بالماء الحار

стр. 288

ولم يقل بالماء البارد لأنه عرف أن الماء الحار أفضل في تنظيف ما علق بتلك العلبة من فضلات الحليب. ولا يجوز لنا أن ننسب كلام ابن سينا في ذلك العصر مهما جاشت في قلوبنا النزعة العربية إلى أنه كان يرمي باستعماله الماء الحار للتعقيم والتطهير فما كان التعقيم ليخطر له ببال ووصف ابن سينا طريقة إعطاء اللبن وكميته ونصح للمسلول بالإكثار من اللحوم على أنواعها. مرشد خاطر

стр. 289

دمشق لأمير الشعراء أحمد شوقي أما دمشق فمقر الملك ... ومعقد التاج ونظم السلك بل شامة والشام وجنة الثرى ... ترفُّ فردوسها وتجري كوثرا مهد معالي ملكهم وأسها ... لا يعجب أن يرفعوها للسها ظلت على أيامهم تزيد ... تعمرها يد وتكسوها يد وتزلف الدنيا لها وتجي ... وتثني بها الزمان عجبا حتى جلتها دولة الوليد ... في أزين الطريف والتليد وكملت محاسن العروس ... وعوَّذت بالجامع المهروس تأنقت يد الوليد فيها ... واستبقت أكف مترفيها فأصبحت حديقة الفنون ... وهيكلا من مرمر مسنون تفيض من عجائب العمارة ... وحجر الصلاة والإمارة ثم هوى أقمارها وأبعدوا ... فخلفت بعدهم ولا تسعد

стр. 290

تطور القضية النسائية في سورية من دواعي الغبطة والسرور أن القضية النسائية في الأمصار العربية ارتقت درجات ولئن كانت متفاوتة إلا أنها حسنة على وجه عام ومطردة السير إلى الأمام بفضل جهود نسائنا وبتأثير روح العصر والعدوى الاجتماعية، ومما يستدعي الإعجاب بهذه النهضة وعقد الآمال عليها أنها تجاري تطور الزمن وتتمشى مع حاجة الوطن. فقد ألفت المرأة الجمعيات الخيرية والأدبية وقامت هذه الجمعيات النشيطة بما يتطلب منها مساعدة الإنسانية والدعوة إلى العلم والثقافة والتربية وتخطها إلى التعاون لرفع مستوى المرأة وحفظ كرامتها. ومع ذلك فلطالما تعرض المنتقدون والمنتقدات إلى المرأة وأظهروا استخفافاً بما قامت به من أعمال يساعدهم على ذلك ما يرونه من استمرار جهود الجمعيات ضمن منطقة حتى كأن حركتها تدور حول نفسها. ولو أن أنصف هؤلاء المنتقدون لما حكموا على الحركة النسائية بالعقم لما غشيتها من جمود في الآونة الأخيرة بل إنهم لو أنصفوا لاستعرضوا أعمال المرأة السورية اللبنانية منذ فجر النهضة حتى الآن وراقبوا الخطوات الواسعة التي خطتها في برهة قصيرة والخدمات الجلي التي بذلتها في سبيل الحياة الاجتماعية، وعلى أنّ الجمود الذي حدث أخيراً في ما أتي المرأة لم يكن عن ضعف في نشاطها ولا عن تأخر بحركتها وإنما ظهر هذا الجمود على أثر التطور الاجتماعي في البلاد، فإنّ الانقلاب الذي حدث في العالم عن تأثير الحالة الاقتصادية، وعما صار للمال من النفوذ في تكييف مناهج الأمم المعاصرة وأخلاقها شمل هذا الوطن العزيز فاستدعى أن يحصل فيه تطور بالحركة النسائية يلائم ذلك الانقلاب. وهذا ما استرعى انتباه سيدات هذه المدينة الزاهرة وعملن على مداركته فقد راقب بعض بعض فضلياتنا الأثر الذي أحدثه هذا التطور الجديد ولاسيما من حيث نزول المرأة إلى ميدان الكسب، وما حصل عنه من توفر صاحبات المهن الحرة بين الطوائف كافة، من محاميات وطبيبات وكيماويات وقابلات وقانونيات وممرضات، فضلاً عن الصحفيات، والمعلمات، وعدا التاجرات، والكاسبات، فرأين أن الحاجة أصبحت ماسة للقيام بسعي يقصد منه اتحاد النساء العاملات الكاسبات لخدمة والوطن ومساعدة المحتاجات للكسب على إيجاد أعمال لهن تناسب استعدادهن وبيآتهن، فأسسن نقابة المرأة العاملة، وتوخين فيها أيضاً العمل والتعاون على ترويج المصنوعات والمنتوجات الوطنية وهكذا تداوي هذه النقابة الأزمة الاقتصادية وتوفير الكسب لصاحبات الصنعة العاطلات من

стр. 291

جهة وبالسعي لرواج مصنوعاتهم الوطنية وسائر منتجات الوطن من جهة أخرى، ثم أنها تستفيد في الوقت نفسه من القوة النسائية التي تحصل عن اتحاد العاملات وتستخدم هذه القوة لنيل المرأة حقوقها كاملة. وبهذه الواسطة تخطو المرأة في بلادنا خطوة جديدة، فتنتقل من دور الأقوال إلى دور الأعمال. على أنه إذا صح وجود عقم في أعمال المرأة التي قامت بها حتى الآن فسببه بقاؤها تحت وصاية الرجل واستمرار حرمانها من الحقوق التي تتمتع بها شقيقتها في البلاد الراقية ومن البديهي أن تأتي آثار القاصرات قاصرة. فإذا أردنا أن نطالب المرأة بما يترتب عليها من واجبات الهيئة الاجتماعية كان علينا أن نطالب أنفسنا قبل ذلك بالتخلي عن حقوقها كاملةً لأن إشراك المرأة في هذه الواجبات ومحاسبتها عليها من شأنهما أن يشحذا مواهبها، ويثقفا مداركها تثقيفاً تعجز دور العلم عن إدراكه، تثقيفاً يؤهلها لخدمة قومها وخدمة الإنسانية في شؤون كثيرة يقصر الرجل عن مجاراتها فيما وإنّ شريعة البلاد كما أن تاريخنا القومي يساعدنا أشد مساعدة على تمتع نسائنا بالحقوق المنشودة. فكما إن الشريعة الإسلامية جعلت المرأة صنو الرجل فأجازت لها الاستقلال في أموالها وأملاكها، وسمحت لها بتعاطي الأعمال الاقتصادية من تجارة وصناعة وزراعة، وخولها الحق بتولي الأعمال العامة كالقضاء وغيره، فأن تاريخنا العربي أرانا أمثلة كثيرة على الأدوار الاجتماعية والسياسية التي لعبتها المرأة: فقد اشتركت في الأحزاب السياسية وفي الحروب والثورات، وزاحمت الرجل على تولي الزعامة الحركة الفكرية، كما زاحمته في الأسواق التجارية. ولقد استبشرنا خيراً كثيراً للخطوة الجديدة التي سلكتها المرأة في هذه البلاد لما هو معلوم من ارتباط كرامة النساء بالاستقلال المالي وبتنا نترقب نجاح هذه الخطوة نجاحا للمطالبات بالحقوق. ولكن بلوغ هذه الأماني لا يزال يتوقف على اتجاه جديد آخر ننتظره من نسائنا العناية به وقبل الإشارة إليه اسمحوا لي يا سادة أن اطرح عليكم سؤالا بهذه المناسبة طالما ساءلت نفسي به، وهوان المرأة السورية، ولاسيما في لبنان، أصبحت تتمتع بخط كبير من التربة والثقافة، وصار في عدادها جمهور غير قليل من صاحبات الشهادات العليا والتخصصات كما رأينا رأي العين في الاجتماعات التي توالت لتأليف نقابة المرأة العاملة. ومع ذلك فانا نرى عجباً إذا ما عمدنا إلى المقابلة بين ما بلغة نساؤنا من الحقوق وبين ما استحوذت عليه من ذلك

стр. 292

نساء أمم شرقية وغربية، نسبة المتعلمات بينهن دون نسبة المثقفات لدينا، اجل نرى عجباً إذ نجد نساء تركيا والهند والبلقان وبعض الممالك ألاتينية والسلافية وكذا نساء الصين يتمتعن بالحقوق الاجتماعية والمدنية والسياسية، على أن نساءنا بقين محرومات من معظم هذه الحقوق. هذا سؤالي وإذا سمحتم بان أكفيكم مؤنه الجواب عليه فأقول: ليس السر في ذلك أن نساء لأمم الأخرى اللاتي تمتعن يتلك الحقوق بلغن ما بلغته بفضل رقي المرأة وإلحاحها بالمطالبة بحقوقها فحسب، كلا فأن المرأة الغربية جاهدت مدة جيل في سبيل الحصول على المساواة مع الرجل ولكنها لم تحظ بهذه الأمنية في معظم الدول الكبرى إلا فجأة بعد أن كان صوتها قد خفت وكانت قد انصرفت عن الافتكار بهذه المساواة. ذلك لان الرجل الذي كان ينكر على المرأة حقها قبل الحرب العامة لم يلبث أن استسلم لشقيقته بعد انتهاء هذه الحرب وساعدها على بلوغ حقوقها كرة واحدة ولم يكن هذا التساهل يأتيه الرجل عن انقلاب علمي في عقيدتهم، كلا، بل حدث عن براهين حسية قدمتها المرأة أثناء الحرب ساكنة صامتة بما بذلته من خدمات جلى لأوطانها، براهين لم يسع الرجل المعترف بجميل المرأة إلا إن يقنع من بعد بصواب مطالبيها وصحتها وكذلك كان شأن المرأة التركية فان ما بذلته في الثورة الكمالية من المظاهرة لها وتأييد مباديها أوصلها إلى حقوق مدنية وسياسية ما كانت لتنالها في نصف جيل لو اقتصرت على المطالبة المجردة. ويقال مثل ذلك عن المرأة الهندية التي ساوت الرجل مساواة كاملة في الحقوق العامة. فان مظاهرتها للرجل قي الجهاد الوطني كانت أعظم مساعد لها على التمتع بهذه المساواة. ولقد ذكرتني بطولة المرأة الهندية ببطولة المرأة العربية في صدر الإسلام فأن عجوزاً هندية مسلمة فجعت أخيراً في ثورة غندي بوحيد لها فازرفت دمعات حارة على وجنتيها الجعديين. ولما حاول صحبها أن يطيبوا خاطرها قالت ولست احزن على فقد وإنما اذرف الدمع آذ لم يبق لي ولد آخر يستمر بعده على خدمة الوطن ثم يبذل نفسه فداء للوطن سيداتي - تلك هي السبل التي سلكتها المرأة في الأقطار الأخرى فبلغت بها حقوقها كاملة، وتلك هي السبيل التي يجدر بسيداتنا أن يسلكنها لنيل ما نالته نساء العالم من الحقوق: فأن مظاهرة وطنية واحدة تظاهر المرأة فيها الرجل تجعله يتأهب للتخلي عن حقوقها أشد من ألف خطاب يصفق له بيديه مجاملة، ويغلق فؤاده دونه استنكاراً. وأني إذا خصصت

стр. 293

الوطنية بالذكر والعناية بالوطنية فلا أقصد بذلك دعوة سيداتي للتخلي عن واجباتهن الأخرى وإنما أخصها بالذكر لأن المرأة غافلة عنها حتى كأني بها تحسبها من واجبات الرجل وحده. على حين أن اهتمام المرأة بالوطنية يؤمن مصلحتها ومصلحة الوطن أيضا سياسياً واقتصادياً. مثلا فان مصدر خراب هذه البلاد أاكتساح المصنوعات والمحصولات الأجنبية أسواقنا بينما نحن عزل عن أسباب الدفاع، وما العدة للدفاع في هذا الميدان الاقتصادي إلا النعرة الوطنية فلو أن التعصب الوطني متأصل في نفوس نسائنا تأصله في نساء فرنسة وألمانيا لكان يتاح لنا أن ندفع عن أسواقنا الجارف الأجنبي بما للمرأة في الأوساط الاجتماعية والعائلية من تأثير عظيم، فكم جرّبنا يا سادة أن نقاطع البضائع الأجنبية وكم جربنا أن نعمل على ترويج المحصولات الوطنية وكنا مع ذلك نفشل على الدوام وعبثا ننجح في الآتي إذا لم تشعر المرأة قبل الرجل شعوراً عميقاً بوجوب هذه المقاطعة فتشعر الأمة بأسرها من ورائها. وفضلا عن كل ذلك فانا لنرتجى من عناية المرأة في الوطنية فائدة جلى من حيث تأليف رأي عام. فأن بلاداً كبلادنا تعددت فيها الطوائف وتنازعت فيها الأهواء جعلت حكم الرجل في الشؤون العامة يأتي على الأغلب مطبوعاً بطابع المصلحة، وإما كان نساؤنا لايزلن مترفات عن المصالح الشخصية والطائفية فمن المنتظر أن تكون أحكامهن وأفكارهن أشد تقارباً وأكثر إنصافاً، وتكون من ثم أقوى على تأليف رأي عام. محمد جميل بيهم

стр. 294

صفحة من أدب الشرق دار الحبيب قطعة من المثنوي لمولانا حلال الدين الرومي قال حبيب لمحب عان كم جبت بالأسفار من بلدان فلي هاتيك البلاد أحسن قال التي فيها الحبيب يسكن أي حمى حل ملكي مربعه وأن يكن سمَّ الخياط، ذو سعة ويوسفي الحسن حيثما بدا ولو بقر الجب يغدو خلدا النار كالجنة إن كنت معي والسجن لي معك كروض ممرع إن كنت في النار، جنان مزهره أو لم تكن في الروض، نار مسعره إني متى كنت معي، في بشر وأن أكن في ظلمات القبر خير من الدنيا ودار الآخره دار أراها في هواك عامره تعريب أحمد الصافي النجفي

стр. 295

صفحة من أدب الغرب الولد الأعمى يناجي أباه للشاعر الانكليزي كولي سيبر ماذا الذي تدعوه نوراً ... أنا ما سمعت به بصيراً بل كيف ينعم مبصر ... هل تخبر الولد الضريرا يا طالما حدثتني ... عما تراه وتشهد فزعمت أن الشمس ... تشرق جذوةً تتوقد أنا لست أجهل وهجها ... لكنَّما لا أعلم أنَّى يكون بها نهار ثم ليلٌ مظلمُ الصبح عندي والمساء إذا لعبت وحين أكرى لو لم أنم لجعلت أيامي نهاراً مستمرا كم ذا سمعتك ترسل الزفرات محزونا عليا هي نعمة لم أعطها فبقدرها لم أرز شيئاً حزني على ما لا سبيل إليه يحزمني السرورا أنا كالمليك إذا شدت أن أكن أعمى صغيرا تعريب خليل مردم بك

стр. 296

ما سبب انصراف الفتيات عن الأدب العربي وكيف تلافي ذلك جواب السيدة وداد سكاكيني على استفتاء الثقافة شاءت الثقافة الغراء أن تنظمني في عدد الأديبات اللواتي وجهت إليهن هذا السؤال ما سبب انصراف الفتيات عن الأدب العربي وكيف تلافي ذلكمعتقدة - وشكراً لحسن اعتقادها بي - إنها ستقع على خبيرة وافرة الاطلاع كثيرة البحث والاستقصاء للخواطر والآراء التي يطلبها سؤالهم القيم، ولست أنكر أن شيئاً من الذهول تولاني عند ما أخذت سؤال الثقافة فقد وجدتني أمام معضلة قومية - إن صحت التسمية - لا يجوز لنا إهمال شأنها وترك الأمور التي تتفرع عنها تسير في غير طريقها المستقيم وذلك رغبةً منا في تدارك هذا النقص البارز في أدبنا النسائي فيكون عملنا هذا ترويجاً للأدب العربي بين حاملات رسالة الأدب السنوي فيقبلن عليه بلذة وشغف إقبالاً يؤدي حتماً إلى رفع قيمته في نظر الأدباء والمتأدبين. تولتني هذه الفكرة فعكفت على السؤال أدرسه بقدر ما تسمح معرفتي وطاقتي متلمسة في ذلك وجه الصواب، وها أنا أبسط لقراء الثقافة وقارءاتها ما وصلت إليه بإيجاز راجية أن يجدوا فيه ما ينقع اللغة ويروي الآوام ولا فحسبي إني حاولت معالجة الموضوع ورائدي الإخلاص وليس من ملام على المجتهد الذي له من إخلاصه ما يشفع به إن أخطأ سهمه الهدف، والتوى عليه القصد ألقيت على نفسي السؤال ورحت أناقشها فيه فألفيتني أنتهي دون قصد إلى صوغه على وجه آخر وهوماسبب انصراف الفتيان عن الأدب العربيوما كنت أخبز لنفسي أداخل هذا التعديل على سؤال الثقافة المحترمة لولا أنَّ التفكير قد ساقني إلى ملاحظة ذلك التأثير الذي يتركه أو يحدثه الأدب الرجالي، في الأدب النسائي ولست أجيء بشيء جديد إذا لحظت أن نهضة الرجال الأدبية قد سبقت نهضة المرأة فكان طبيعياً والحالة هذه إن تتأثر نهضتها بنهضته وإن تحمل في تضاعيف أدبها وثناياها بعض الخصائص الموجودة في أدبه دون أن يشغلنا ذلك عن ملاحظة الفارق بين عناصر الأدبين. وهي هذه لعناصر لتي تنبثق عن بيئة كل منهما وتطبع أدبه عليه لست أعني بذلك أدباء العرب في أيامنا لا يعنون بأدبهم نثراً وشعراً عناية تستحق الإعجاب ولا كني أريد أن أقرر أمراً لا سبيل إلى إغفاله ولا

стр. 297

مندوحة لنا عن تقرير قيمته وخطره، وهو هل كان الأدباء في فجر نهضتهم الحديثة يدرسون الأدب العربي ويسيغون فنونه ويذيقون ما فيه من روعة وجلال كما هو شأنهم اليوم على رغم ما يجدون من عنت وعناء وجهد في بحوثهم ودراساتهم في الكتب الأدبية الباقية في أيدينا من تراث أسلافنا وهي كما لا يخفى على الباحث كثيرة البلبلة والتشويش والتشتيت، تحتاج إلى استثمارها واقتناه أسرارها لتجار لغة عصرنا ومنهجه وروحه ومصطلحا ته. إن الرجل الأديب لم يزج بنفسه تحت أعباء هذا العمل المرهق إلا أسلافهم ولا ريب في أن محاولته الأولى كانت شاقة ومدنية لأنه لم ينشأ نشأة فيها شيء من الاستعدادات لذلك فالبعث الأدبي التي تقوم عليه نهضتنا الحديثة تشوبه روح أجنبية وتعليم غير عربية بثهما فيه رجال غير عرب حريصون على ترويج ثقافتهم وطبع المتعلمين عليها فهل نعجب والحالة هذه إن وجدنا المرأة مقصرة عن الرجل في هذه الحلبة لاسيما وهي لا تزال في فجر نهضتها يطلب منها كأديبة ناشئة أن تلم إلماماً صحيحاً بأحوال عصرها وتلاحظ ما يتعاوره من لمظاهر المتأخرة وتدرس ما قد يقع تحت حسها وعقلها من قضايا الحياة لتفهم بواعثه وأسبابه وتفقه أعراضه وآثاره وتدرك مراميه ونتائجه؟ وبعد فإني أسأل بحق هل أخذت المرأة من كل ذلك بنصيب يذكر حتى نريدها أن تعكف على الأدب العربي فتدرسه دراسة صحيحة فيها لذة ومسرة ومنفعة، وقد رأينا عناء الرجل فيه ثم تحدثنا عنه في لهجة المتفهم له لا ريب عندي أن انصراف الفتيات عن الأدب العربي يتأثر إلى حد بعيد بالعوامل التي ذكرناها آنفاً باقتضاب، وتقع فيما أرى تبعة ذلك على عاتق الرجل الذي هو قدوة المرأة في كل لون من ألوان الحياة، تجاريه في خطاه باعتباره أرسخ منها قدماً في ممارسة هذه الأمور فلو أحسن أعمال الترويج للأدب العربي ودرسه كما يدرس آداب الأمم التي تثقف في معاهدها واستمد من مواردها متداركاً ما يعتروه من بلبلة وتشويش تستبهم بهما معالم جماله ورونقه - لما وجدت الفتيات بعد أن يذقن ما فيه من روعة وبهاء - سبيلاً إلى الإعراض عن دراسته ولما يكن يفضلن عليه أدباً مهما يكن له من قيمة في نظرهن، وعلى ذلك فالجهل بقيمة الأدب العربي عامل آخر يصدر الفتيات عن تذوقه وترشفه بلذة وشوق والإنسان كما قيل

стр. 298

في الأمثال عدو لما جهل. خلاصة القول: إن الأسباب التي أدت إلى انصراف الفتيات عن الأدب العربي ترجع إلى عدة عوامل نقتصر على ذكر أهمها وهي: أولاً - أننا أمة شديدة الافتقار إلى مدارس وطنية للفتيات تعنى بالثقافات العالية ولا عبرة في المعاهد الأجنبية المنتشرة في الحواضر والعواصم فهي إن كانت تعنى بشيء من ذلك فهو طبعا لا يعدو حدود الترويج لآداب قومها وبث تعاليم أمتها في نفوس ناشئتها لأنها إنما وجدت للعمل على تحقيق هذه الغاية مهما كلفها الأمر من عناء وتضحية فتأتى عن ذلك هذا الضعف الظاهر في ميل الناشئة إلى الأدب العربي وكان حتما على الفتاة التي مابرحت في دور التكوين العقلي أن يكون لها نصبي في ذلك ثانياً - إن المرأة عندنا لا تزال في فجر نهضتها التي لا نستطيع إلا أن نسمها بالضعف والاضطراب لما بعثورها من عقبات كأداء تقتضي ردحاً من الزمن حتى تذلل وتكون سنة التطور قد فعلت فعله في تكوينها وتنظيمها كما ذلك من قبل في نهضة الرجل حتى أصبحت كما نراها اليوم دانية القطوف. ثالثاً - عدم توفر أسباب الدعوة والترويج والتنشيط للأدب العربي، والتعاون قولاً وفعلاً على إحياء معالمه وآثاره من قبل الحكومة والشعب. وهناك عوامل غيرها تأتي في الدرجة الثانية، كاندفاع ناشئتنا شباباً وشابات مع تيار التقليد، والتسامح المريب في الشؤون الوطنية والقومية وتسرب الأفكار المتطرفة والمبادئ الملتوية والأدب الماجن والفاسق إلى مختلف بيئاتنا. إلى غير ذلك مما تسهل مطالعته في الكتب والصحف والنشرات غير العربية. أما كيف نتلافى ذلك الجفاء الذي يجده الأدب العربي من الفتيات فأجمله بعبارة واحدة، وذلك أن نتعاون حكومة وشعباً على مكافحة هذه العوامل كلها في غير هوادة ولا رفق، وبديهي أن إزالة المسبب تؤدي حتماً إلى زوال السبب هذا رأيي في الموضوع أبسطه بإيجاز راجية أن أكون قد أحسنت تشخيص الداء ووقفت إلى وصف الدواء. وداد سكاكيني

стр. 299

الهندسة والزندقة نادرة من أظرف النوادر لأبي حيان التوحيدي سمعت أحمد الطيب يقول: إن صديقاً لابن الكاتب أبي العباس يكنى أبا عبيدة قال له ذات يوم: إنك بحمد الله وأدبه ذو أدب وفصاحة وبراعة فلو أطلت فضائلك بأن تضيف إليها معرفة البرهان القياسي، وعلم الأشكال الهندسية الدالة على حقائق الأشياء، وقرأت إقليدس وتدبره؟ فقال له ابن ثوابة: وماكان إقليدس ومن هو؟ قال: رجل من علماء الروم يسمى بهذا الاسم، وضع كتاباًَ فيه أشكال كثيرة مختلفة تدل على حقائق الأشياء المعلومة والمغيبة، ويشحذ الذهن، ويدقق الفهم، ويلطف المعرفة، ويصفي الحاسة ويثبت الروية، ومنه ومنه افتتح الخط وعرفت مقادير حروف المعجم. قال له أبو العباس بن ثوابة: كيف ذلك؟ قال: لا تعلم كيف هو حتى تشاهد الأشكال وتعاين البرهان فقال: فافعل ما بدا لك. فأتاه برجل يقال له قويري مشهور، ولم يعد إليه بعد ذلك. قال أحمد بن الطيب: فاستظرفت ذلك وعجبت منه فكتبت إلى ابن ثوابة رقعة نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم. اتصل بي - جعلت فداك - أن رجلاً من إخوانك أشار عليك بتكميل فضائلك وتقويتها بشيء من معرفة القياس البر هاني وطمأنينتك إله، إنك أصغيت إلى قوله وأذنت له فأحضرك رجلاً كان غاية في سوء الأدب معدناً من معادن الفكر، وإماماً من أئمة الشرك، لاستغرارك واستغوائك، يخادعك عن عقلك الرصين، وينازعك في ثقافة فهمك المبين، فأبى الله العزيز إلا جميل عوائده الحسنة قبلك، ومننه السوابق لديك، وفضله الدائم عندك، بأن تأتي على قواعد برهانه من ذروته، وتحط عوالي أركانه من أقصى معاقد أسه، فأحببت استعلامي ذلك على كنهه من جهتك ليكون شكري لك على ما كان منك، حسب لومي لصاحبك على ما كان منه، ولأتلافى الفارط في ذلك بتدبير المشيئة إن شاء الله

стр. 300

تعالى. قال: فأجابني ابن ثوابة برقعة نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم. وصلت رقعتك أعزك الله وفهمت فحواها وتدبرت متضمنها، والخبر كما اتصل بك والأمر كما بلغك، وقد لخصته وبينته حتى كأنك معنا وشاهدنا، وأول ما أقول: الحمد لله مولى النعم، والمتوحد بالقسم، يرد علم الساعة وإليه المصير وأنا أسأله أيذاع الشكر على ذلك، وعلى ما منحنا من ودك، وإتمامه بيننا بمنه. ومما أحببت أعلامك وتعريفك بما تأدى إليك، أن أبا عبيدة لعنه الله تعالى بنحسه ودسه وحدسه، اغتالني ليكلم ديني من حيث لا أعلم، وينقلني - عما اعتقده وأراه وأضمره من الإيمان بالله ، وبرسوله ﷺ موطداً - إلى الزندقة بسوء نيته إلى الهندسة، وأنه يأتيني برجل يفيدني علماً شريفاًََ تكمل به فضائلي، فيما يزعم. فقلت: عسى أفيد براعة في صناعة، أو كمالاً في مروءة، أو فخاراً عند الأكفاء، فأجبته أن هلم؟ فأتاني بشيخ ديراني شاخص النظر، منتشر عصب البصر طويل مشذب محزوم الوسط، متزمل في مسكه، فاستعذت بالرحمن إذ نزغني الشيطان ومجلسي غاص بالإشراف من كل الأطراف، وكلهم يرمقه ويتشوف إلى رفعتي ومجلسي غاص بالإشراف من كل الأطراف، وكلهم يرمقه ويتشوف إلى رفعتي مجلسه وإدنائه وتقريبه، ويعظمونه ويحبونه، والله محيط بالكافرين. فأخذ مجلسه ولوى أشداقه، وفتح أو ساقه، فتبنيت في مشاهدته النفاق، وفي ألفاظه الشقاق. فقلت: بلغني أنَّ عندك معرفة من الهندسة، وعلماً واصلاً إلى فضل يفيد الناظر منه حكمة وتقدماً في كل صناعة، فهلم أبدنا شيئاً منها أن يكون عوناً لنا على دين أو دنيا، في مروءة ومفاخرة لدى الأكفاء، أو مفيداً زهداً ونسكاً، فذلك هو الفوز العظيم، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فازوما ذلك على الله بعزيز. قال: فأحضرني دواةً وقرطاساً، فأحضرتهما إليه، فأخذ القلم ونكت نكتة، نقط منها نقطة تخيلها بصري وتوهمها طرفي كأصغر من حبة الذرة، فزمزم عليها من وساوسه، وتلا عليها من حكم أسفار أباطيله، ثم أعلن عليها جاهراً بفكه وأقبل علي وقال: أيها الرجل، إن هذه النقطة شيء لا جزء له. فقلت: أضللتني ورب الكعبة، وما الشيء الذي لا جزء له؟

стр. 301

فقال: كالبسيط. فأذهلني وحيرني وكاد يأتي على عقلي، لولا أن هداني ربي، لأنه أتاني بلغة ما سمعتها من عربي ولا عجمي، وقد أحطت علماً بلغات العرب وقمت بها واستبرتها جاهدا واختبرتها عامدا وصرت فيها إلى مالا أجد أحداً يتقدمني إلى المعرفة به، ولا يسبقني إلى دقيقة وجليلة. فقلت أنا: وما الشيء البسيط؟ فقال: كلله والنفس. فقلت له: أنك من الملحدين! أتضرب لله الأمثال والله يقولفلا تضربوا لله الأمثال أن الله يعلم وأنتم لا تعلمون؟ لعن الله مرشداً أرشدني إليك ودالاّ دلني عليك، فما ساقك إلي إلا قضاء سوء، ولا كسعيك نحوي إلا الحين، وأعوذ بالله من الحين، وأبرأ إليه منكم ومما تلحدون، والله ولي المؤمنين، إني بريء مما تشركون، لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. فلما سمع مقالتي كره استعاذتي، فاستخفه الغضب فأقبل علي مستبسلاً وقال: إني أرى فصاحة لسانك سبباً لعجمة فهمك، وتذرعك بقولك آفة من آفات عقلك فلولا من حضر والله المجلس وإصغائهم إليه مستصوبين أباطيله، ومستحسنين أكاذيبه، وما رأيت من استهوائه إياهم بخدعه، وما تبنيت من تواز رهم، ولامرت بسل لسان التلكع الألكن، وأمرت بإخراجه إلى نار الله وسعيره، وغضبه ولعنته، ونظرت إلى إمارات الغضب في وجوه الحاضرين فقلت: ما غضبكم لنصراني يشرك بالله، ويتخذ من دونه الأنداد، ويعلن بالإلحاد؟ لولا مكانكم لنهكته عقوبة؟ فقال لي رجل منهم: إنسان حكيم! فغاظني قوله فقلت: لعن الله حكمة مشوبة بالكفر. فقال لي آخر: إن عندي مسلماً يتقدم أهل العلم! ورجوت بذكر الإسلام خيراً. فقلت آتيني به. فأتاني برجل قصير دحداح آدم مجدور الوجه، أخفش العينيين، أجلح، أفطس، سيء المنظر، قبيح الزي، فسلّم فرددت ﵇، فقلت مااسمك؟ فقال: أعرف بكنية غلبت علي. فقلت: أبو من؟ فقال أبو يحيى. فتفاءلت بملك الموت ﵇، وقلت اللهم إني أعوذ بك من الهندسة، اللهم فاكفني شرها فإنه لا ينصرف السوء إلا أنت. إلا أنت الحمد لله والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقلت أن صديقاً لي جاءني بنصراني يتخذ الأنداد ويدعي أن لله الأولاد، ليغويني فهلم أفدنا شيئاً من هندستك، واقتبسنا من ظرائف حكمت، ما يكون لي سبباً إلى رحمة الله ووسيلة إلى غفرانه، فإنها أربح تجارة وأعود بضاعة؟ فقال: أحضرني دواة وقرطاساً. فقلت: أتدعو بالدواة والقرطاس وقد بليت منهما ببلية لم تندمل عن سويداء قلبي؟ فقالت: وكيف كان

стр. 302

ذالك؟ فقلت: أن النصر أني نقط نقطة كأصغر من سم الخياط وقال لي أنها معقولة كربك الأعلى، فوا لله ماعدا فرعون وكفره وافكة فقال: إني أعفيك من النقطة، لعن الله قويري وما كان يصنع بالنقطة؟ وهل بلغت أن تعرف النقطة؟ فقلت: ستجهلن ورب الكعبة وقد أخذت بأزمة الكتابة ونهضت بأعبائها واستقللت بثقلها يقول لي لأتعرف فحوى النقطة؟ فنازعتني نفسي في معالجته بغليظ العقوبة ثم استعطفني الحلم إلى الأخذ بالفضل. ودعا بغلامه وقال له: ائتني بالتخت. فوا لله ما رأيت مخلوقاً بأسرع إحضاراً لهمن ذلك الغلام. فاتاه به فتخيلته هيئة منكرة ولم ادر ما هو، فجعلت أصوب الفكر فيه واصعده، وأجيل الرأي ملياً، واطرق طويلا لأعلم أي شيء هو؟ فإذا ليس بصندوق: أتخت هو؟ فإذا ليس بتخت، فتخيلته كتابوت فقلت: لحد لملحد يلحد به الناس عن الحق ثم اخرج من كمه ميلا عظيما فظننته متطبباّ وانه لمن شرار المتطببين. فقلت له: إن أمرك لعجب كله ولم أر أميال المتطببين كميلك اتفقا به العين؟ قال: لست بمطبب، ولكن أخط به الهندسة على التخت. فقلت له: انك وان كنت مبايناّ للنصراني قي دينه، أمؤازر له في كفره، أتخط على تحت بميل لتعدل به عن وضح الفجر إلى غسق الليل؟ وتميل بي إلى الكذب باللوح المحفوظ وكتبيه الكرام؟ إياي تستهوي؟ أم حسبتني كمن يهتز لمكايدكم؟ فقال: لست اذكر لوحا محفوظاً ولا مضيعاً، ولا كاتباً كريماً ولا لئيما، ولكني اخط فيه الهندسة، وأقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة. قلت له: اخطط. فاخذ يخط وقلبي مروع يجب وجيباً وقال لي غير متعظم: إن هذا الخط طول بلا عرض. فتذكرت صراط ربي المستقيم، وقلت له: قاتلك الله أتدري ما تقول؟ تعالى صراط ربي المستقيم عن تخطيطك وتشبيهك وتحريفك وتضليلك، انه لصراط مستقيم، وانه لأحد من السيف الباتر، وارق من الشعر وأطول مما تمسحن وابعد مما تذرعون ومداه بعيد، وهو له شديد، أتطمع أن تزحزحني عن صراط ربي، وحسبتني غراً غبياً لا أعلم ما في باطن ألفاظك ومكنون معانيك والله ما خططت الخط وأخبرت أنه طول بلا عرض الأمثلة بالصراط المستقيم لتزل قدمي عنه وأن تردبني في جهنم أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة وما تدل عليه وترشد إليه أني بريء من الهندسة ومما تعلنون وبئسما سولت لك نفسك إن تكون من خزنتها بل من وقودها وابعد لك فيها لأنكأ لا وسلاسل ولأغلالا وطعنا ذا غصة. فأخذ يتكلم فقلت: سدوا فاه مخافة إن يبدر من

стр. 303

فيه مثل مابدر من الضلل الأول، وأمرت بسحبه فحسب إلى اليم عذاب الله، ونار وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرونثم أخذت قرطاساً وكتبت بيدي يمينا آليت فيها بكل عهد مؤكد وعهد مردد ويمين ليست لها كفارة، إني لا أنتظر في الهندسة أبداً ولا أطلبها ولا أتعلمها من أحد سرا ولا جهرا ولا على وجه من الوجوه، ولا على سبب من الأسباب وأكدت بمثل ذلك على عقبي وعقب أعقابهم لا تنظروا فيها ولا تتعلموها مادامت السموات والأرض إلى تقوم الساعة لميقات يوم معلوم. وهذا بيان ما سألت أعزك الله فيما دفعت إليه وامتحنت به، ولتعلم ما كان مني ولولا وعكة أنا في عقابيلها لحضرتك مشافها وأخذت المتمني بك والاستراحة إليك. تمهيد على ذلك عذري فانك غير مباين لفكري، والسلام

стр. 304

رباعيات جديدة للشاعر الفيلسوف الزهاوي كذلك المنافق لقد رفعت كل التعالي تهانياً ... إلى الذئب إذ أمسى وصياً على الشاة كذلك في الأحياء كل منافق ... يكون مع الأيام في جانب العاتي إذا حاججته كل أمريء فله عقول جمة ... ولكل عقل فيه منها منطق الأرض عطشى إن السماء لتبغي ... ضحية من جديد وتحتها الأرض عطشى ... إلى دم من شهيد يبكي ويضحك أحبث الناس صديق ... عن نفاق يتحرك فمع المظلوم يبكي ... ومع الظالم يضحك بغداد جميل صدقي الزهاوي

стр. 305

ابكي عليه لما رأيتك لا تدوم لصاحب ... ورأيت ودك كالخيال الزائل أزمعت عنك تجافياً وتباعدا ... ونفضت كفى من غرور باطل قد يخدع الحر اللبيب كغيره ... فيرى الفضيلة عند غير الفاضل في كل يوم لي صديق راحل ... واحر قلبي للصديق الراحل ابكي عليه بعبرة مسفوحة=ونصاله مغروزة بمقاتلي حلب بدر الدين النعساني

стр. 306

الكرسي قوم بخلق للكرسي ضجتهم ... لولاه لم يحدثوا ذا الهتف والشغبا ما الهوا الخشب المصنوع منه هوى ... بحسن صنعته بل الهوا الذهبا لحكمة جعل الكرسي خالقه ... يعلو السماوات والأفلاك والشهبا حتى استقل عليه الله منفرداً ... لو كان كرسيه في الأرض لاغتصبا عز الدين التنوخي

стр. 307

من غبر عنوان يامهبط الوحي ناج القوم إعلانا ... وجدد الوحي إنجيلاً وقرآنا قد اعرض الناس عن آي نزلت بها ... من معجز القول إبداعاً آمنت الله كم في الناس من شيع ... لايقبلون بغير السيف برهانا سبحان من جعل الإرهاب سنته=وألهم الخلق هذا النهج سبحانا أنا نرى الحق جهرا ثم ننكره=فالعقل يلهمنا والطبع ينهانا قادوا الحتوف وخاضوا الهول مصطلماً ... وأضرموا الكون باسم الله نيرانا حسب الأضاحي إذا الجزار ... جردها=أن لاتكون لغير الله قربانا قد يخفق المرء في أمر يحاوله ... وهو اللبيب فهات الزق ملانا ياساقي الشرب هات الكأس مترعة ... فالليل ولى ووجه الصبح قدبانا في نشوة الخمر شيء لست تدركه ... فطفف الكأس واحبسها إذا لانا واخفض صدى العودان الفجر يسمعه ... وأجمل القول فالميعاد قد حانا تاول الناس أمري، والظنون إذا ... تلاحقت تجعل الإيمان كفرانا قد كنت قبل اختبار القوم في سنة ... فصرت بعد اختبار القوم يقظانا عجبت للمرء يدعو الله مبتهلاً ... والصدر محتدم ينقد أضغانا كأنما الله شرطي يخادعه ... بظاهر القول تمويها وكتمانا أعوذ بالله من تلبيس نابتة ... تصور الملك العلوي شيطانا تغض منك لتخفي من فضائحها ... ما يجعل المنهل السلسال قطرانا صلى الإله على إبليس تكرمة=إن كان ما فعل الغوغاء إحسانا إربد الدكتور توفيق الحناوي

стр. 308

تحفة الأدبا وسلوة الغربا عثر المحدث الكبير السيد عبد الحي الكتاني الإدريسي على كراريس من الرحلة الموسومة بتحفة الأدبا وسلوة الغربا للرحالة الأديب المحدث الخطيب بالمسجد النوري البرهان إبراهيم بن الشيخ أمين عبد الرحمن الخياري المغربي الشافعي المتوفى عام١٠٨٣هـ. والرحلة هذه موجودة بكاملها في خزانة كتب شيخ الإسلام عارف حكمة بالمدينة ورآها السيد الكتاني فيها. والذي يهمنا نحن الدماشقة من هذه الرحلة هو وصف صاحبها لدمشق التي عرج عليها في طريقه إلى القسطنطينية وصفاً دقيقاً رقيقاً، تدل على أنه كان ﵀ جيد الملكة في الأدب، مستملح السجع مليح النكتة، بليغ العبارة وبديع الاستعارة، وإليك نمطاً من إنشاءه العذب وسجعه الذي يجري مع طبعه، قال ما نصه في وصف رحلتهفإنها تحفة كل أديب رقَّ طبعه وخيمة، وكل لبيب أشرب بماء اللطافة والظرافة أديمه وأسرته الخدود والألحاظ واستعبدته الثغور الدرية بمنظومها ومنثور الألفاظ. وصار طعين قدود الجآذر والغيد رهين الخصور أثقلتها الروادف عن أن تمديد، وقد مادت تحت هاتيك الغلائل البدائع، مأمورة من السن المناطق بعد أن دارت على قلبها الضائع إلى أن يقول في تعليل تسمية رحلته: وإنما وسمتها بسلوة الغربة لأنني تعرضت فيها لكل منزل مررت عليه وأنزلته في ميسري الذي سرته، ومسلكي الذي سلكته، ذاكراً ما حواه من اللطائف، وما اشتمل عليه من الظرائف بأحسن عبارة وألطف إشارة ومن أوصافه الحسان ما يشنف ويقرط المسامع والآذانثم ينتقل إلى ذكر طريقة الراحلين في كتابة الرحلات بقوله: وقد توارد الفضلاء وتعاهد النبلاء على أن يجمع الواحد منهم رحلته إذا سافر إلى غايات وآماد وتعاهد البلاد، ثم اختلفوا فمن مخصد في رحلته ذكر الرجال الذين لقيهم، وآخر ذكر البلاد، وكلام الغرضين أمر مروم وقصد مأموم، فأحببت أنا أن أضم في جمعي هذين الأمرين وأنظم في سلكي العقدين، لما تقرر أن خير من العلم الواحد العلمين، وقد وقع لبعض شيوخنا (هو شهاب الدين الخفاجي) إنه لما ذكر من سماهم في رحلته لم يخص من لقيهم ولحظهم بعين البصر، بل زاد من لم يراه لتقدم عصره أو لبعد شقته، وأنا بخاري المذهب في مسلك التحديث فلذلك جريت فيمن أثبت اسمه على شرطه لعزته في القديم والحديث، فلم أذكر إلا من أثبت لي لقاؤه وتحلى سمعي بجواهره، كما تشنفت بلآليء كلماتي أذناه ولم أذكر من الرجال غير ذلك الإلهام إلا ممن يكون قد جرته القافية أو انجر

стр. 309

بالجوار أو كان من الأنبياء والصحابة والصلعاء الذين لهم في الطريق آثار اقتضى المرور على ذكرهم وشيخاً المشار إليه جاوز شرط البخاري ولم يقف ما شرط مسلم من اشتراط المعاصرة دون اللقاء ما معناه: إنّ فأتني الاجتماع بهم في الأندية والرحاب فلا يفوتني أن اجتماع أنا وإياهم في كتاب، وقال أن سماع الأوصاف إحدى الرؤيتين، وإنه يكتفي بالأثر لفوات العين. . . ولأصحاب الرحلة شعر رقيق منه ما قاله حينما نزل بمنزل يسمى القاع في طريقه إلى دمشق: بالله عزب هواً بالقاع قابلنا ... آثار كامل لوعاتي وأشجاني فقلت ريح دمشق فاح من كثب ... يا عين قوي فهذا وصلها دان وحينما بلغ أبواب دمشق قال: واستبشرنا برؤية أعلام دمشق، وانتشقنا من عرفها العقب أطيب نشق، فلم نزل نسير والشوق يتجدد والتوق يتأكد فمررنا بمحل يقال له القبة، به قبة حسنة الأوضاع، عجيبة الإبداع حتى انتهينا إلى محل يقال له باب الله (بوابة دمشق) فوجدناه مفتوحاً وقد ثبت أن الشام جنة فتذكرت قوله تعالى: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها، فقلت قاصد الكريم يدخل من بابه ويتعلق بمعظم أسبابه، فدخلناها فرحين مستبشرين ولسان الحال يقول: طبتم فادخلوها بسلام آمنين. وفي أثناء مرورنا نمر وأهل الشام قد انتشروا بالطريق جناحين، فكم أوقفوا من لحظ وكم أقروا من عين، فبعد الدخول من سورها، والنظر إلى ولدانها وحورها، فإذا مرأى يدهش الأبصار ويستوقف الأنظار، ويحار فيه الواصف ويضحى وجواد قلمه في ميدان (يشير لحي الميدان) الطرص واقف، إلى أن يقول في أهلها: وبالجملة فأهلها ينسون الغريب أهله، ويخصبون بلطافة أخلاقهم محله، فلقد قابلنا أجلائها وأعيانها بالتكري والتعظيم وعاملونا بما طبعوا عليه من شريف الخيم معاملة الصديق الحميم، فشكر الله له الأحسن إبقاءهم ما اختلف الملوان، فمن تشرفنا بمرآه من أعيانها وتيمنا باجتلاء محياه من عظماء سكانها - وهنا نذكر للتاريخ من اجتمع بهم في دمشق تباعاً مع حذف عبارات المدح والتعظيم -: السيد محمد الحسيني الحنفي (من آل حمزة) نقيب السادة الأشراف ونجله السيد عبد الرحمن، وكلاهما شاعر ساجل صاحب الرحلة في أبيات المدح، ومنهم مولانا أفندي المفتي بالشام الشريف فلقد سمعنا له بعض

стр. 310

مباحث في التفسير أجرى بها جياد ذهنه فكانت حسنة الموارد، وجلاها بتحقيقه وتدقيقه فقرب من أمدها كل متباعد، ومنهم الخطيب الأوحد من أن وعظ ألان القلوب لقاسية بزوا جر وعظه وأبان الأجياد حالية بجواهر لفظه وحلى الطروس بآثار قلمه مولانا الأمجد إسماعيل المحاسني الخطيب بالجامع الأموي، ومنهم المحقق المتين في سائر العلوم، حضرت مجلس درسه بالجامع الأموي للتشريف والاستفادة فرأيته بحر علم وهو الشيخ إبراهيم الدمشقي الفتال الحنفي، ومنهم قاضي الشام الحبر الأمجد السري القاضي أحمد البكري ومنهم المجدد للخلف ما أندرس من معاهد السلف الشيخ عبد القادر الصوفي الشافعي، ومنهم الأمير منحك باشا بن الأمير محمد المتهى نسبة إلى الجر اكس، اسمعني من لفظه العذب كثيراً من قصائده ومنهم الشيخ عبد الغني النابلسي ثم الدمشقي ذو التآليف. التي ضربت من الإصابة بسهم أنشني من فصيح لفظه أول ما لقيني للسلام علي، وقد عد ذلك كثير منهم خصوصية لنا، فإنه يمضي عليه العامان ولا يبرز من بيته ولا يجتمع به فيه من قصيدة، أبياتا منها: فأنت ووالدك يعد جد ... خيار من خيار من خياري وإجابة صاحب الرحلة بأبيات من البحر والقافية، ومنهم القاضي حسين العدوي الشافعي الصالحي وله شعر رقيق منه مانظمه في الخياري صاحب الرحلة: وما عاقني عن لثم أذيال مضلكم ... سوى أن عيني منذ فارقتكم رمدا فعاتبتها حتى كأني حبيبها ... فأبدت كلاما كان قلبي له غمدا وقد لغد كحلت طرفي بظرفه=فافتحها سهواً وأغمضها عمدا فأجابه بأبيات منها: أيا فاضلا أبدى لنا من نظامه ... لطيف اعتذار سكن الشوق والو جدا لئن كحلت بالظرف قد أسكرت بما ... إدارته من مقلوب أحداقها الشهدا ومنهم ذو المقام المنيف مولانا خليل بن الظريف ولقد قيل الألقاب تنزل من السماء، وصديقه هذا شاعر أديب أهدى إليه حلة بيضاء من أنفس ما يصنع بالشام مع أبيات منها: يا أيها المولى الذي بعلومه ... بين الورى تتفاخر العلماء أيقنت انك سوف تصعد منبراً ... شرفت بمنزلها به الخطباء

стр. 311

فبعثت نحوك حلة بيضاء قد ... رقمت فضول ذيولها الجوزاء كي ترتقيه بها فتصبح في الورى ... وعليه منك الراية البيضاء فأجابه بأبيات منها: يا سيدا مازال رائق وصفه ... يحلو لنا فكأنها الصهباء أحسنت فيما قد بعثت وحبذا ... ثوب به تتحمل الخطباء وافى إلي وقد بقيت على شفا ... فأتى الشفاء وزال عني الداء فكأنه ثوب ليوسف إذ أتى ... وكأنني يعقوب وهو شفاء زمنهم الشيخ زين الدين بن احمد البصروي (نسبة إلى بصرى) قال عنه انه جامع شتات اللطائف والعلوم، فمما شنف إسماعي من أبياته الغر ما بعثه لي في صدر كتاب وهو قوله: يا نسيما من ربوة الشام ساري ... عج على طيبة اجل الديار إلى أن يقول في صاحبنا الخياري: زره تبصر لديه كل جليل=من علوم ورائق الإشعار وحديث ألذ من نظرة المع ... شوق وافى قي غفلة السمار وسجايا كنكهة المسك والند ... وورد الرياض غب القطار قال وأهدى لي علبة مملوءة من قلب العشق وكتب عليها: لما تركت القلب عندكم ... وغدوت مشغوفا بكم صبا وخشيت أن تخفى مكانته ... صيرت ما يهدى لكم قلبا فأهديت له تمراً مدنياً وكتبت معه قولي: مذ صار قلبكم المكرم عندنا ... أنزلته بحشاشتي دون السوى وخشيت أن ينوي المرور تشريفا ... فبعثت حلواً سائراً مر النوى ومنهم الشيخ عبد الحليم ولم يذكر بسبته، اجتمع به في زيارة الشيخ الأكبر قال عنه وذاكرنا لطائف من العلوم وجارانا في ميادين المنطوق والمفهوم من المنثور، والمظلم، ثم سألته عن شيء بلغني عنه وهو انه ألف كتاباً ذكر فيه المشاهير من الناس بتراجمهم من الهجرة النبوية. فاخضر لي من ذاك الجزء الثاني فرأيته كامل المحاسن فائق الألفاظ بليغ المعاني

стр. 312

جامعاً لما تقدم من التواريخ، ثم أطلعني منه على الترجمة الخاصة بالشيخ محي الدين التي رقمتها في تفصيل أحواله فقرأتها بلفظي وهو يسمعها والحاضرون من أولها إلى آخرها ولقد أحسن فيها وأجاد، قال ثم عدنا من محله بعد زيارته لمحلنا النازلين به وهو منتزه سرت به منا القلوب وقرت النواظر وطابت النفوس وانشرحت الخواطر فأن الصالحية الذكورة جمعت محاسن دمشق: فيها قصور شامخات ومجالس عاليات وشهرتها تعني عن تفصيل أحوالها والمحال المشار إليه المسمى بالباسطية وهو من قديم عماراتها ونظم جواهرها وتبسم حياتها، يشتمل على إيوان جامع للمحاسن وعلى بحرة ماء تذكر سبيل الجنان، فلذلك ماؤها غير آنس، وقد حققت عند حصول البسط بها أن لكل شيء من أسمه نصبياً والى هذا يشير قول بعضهم: وكلما أبصرت عيناك ذا لقب ... ألا ومعناه إن فكرت في لقبه ولاحت مني التفاتة إلى بعض جهات الإيوان فرأيت مرقوماً على ذلك الجدار أبياتا كبيرة من الشعر منها ما هو منسوب للسيد محمد الحسيني القاضي بدمشق لما قال بالمحل الذكور سنة ١٠١٨ ما لفظه: ولله يوم البسط إذ تم انسنا ... بأحبابنا في باسطية شام بسطنا بساط الأنس من وصل مية ... وأسكرنا في بدون مدام فكتب تحتها الشيخ حسن البور يني شارح الدبوان الفارضي سالكا ذلك المنهاج: أنفحة مسك في الصباح عرفتها ... بعرف معان في رياض كلام وردت به في صالحية جلق ... موارد أنس فيه كل مرام لأدارك بسط الباسطة إنها ... لموطن إكرام وروض كرام ورأى تحت هذه الأبيات قطعة من البحر والقافية للمولى عبد اللطيف المنقاري ومثلها للعلامة مصطفى بن محب الدين ولم يذكر لنا نسبته، وقد ذكرنا شيئاً من شعر الرحلة بيانا لطبقة الشعر في ذلك العصر وفيه صنعة وركة كثيرة ومتانة ورقة قليلة، ولو ظفرنا بالرحلة كاملة لاخترنا منها مايهم التاريخ والأدب والدماشقه الغرب منها.

стр. 313

من أدب الغرب الجندي شوايك في طريقه إلى السماء مقتبسة عن قصة للكاتب التشيوسلواكي هاتشيك (الجندي (شوايك) يصعد وحده إلى السماء ثم ينضم إليه (ماريك)، كلاهما باجنهة. على أبواب السماء كان ملك يقوم بالحراسة. وبعد برهة جاء جنديان انكليزيان.) الملك الحارس: - من هناك؟ فق. الجندي الأول (بالانكليزية): - وقعت في حرب (غاليبولي). الجندي الثاني: - قضيت من الجوع في سورية. جندي أفرنسي (ظهر فجاءه وقال بالا فرنسية): - تطايرت أعضائي في الهوء عند (فردون) (وأشار إلى رجله المقطوعة) الملك الحارس: - انتظروا قفوا بالترتيب فان الزحام شديد اليوم والجنود داخل المحل مكدسة بعضها إلى بعض (كالسردين). جندي آلماني: - غريق في غواصة. جندي طلياني (في هياج): - طار رأسي في (ايزونزو) جندي روسي: - أصيبت يدي ورئتي في (غاليسيا) الملك الحارس: - انتظروا جميعاً الألماني (مخاطباً الروسي): - يظهر أنه كان لك رئة حسنة، قوية أيها الرفيق. الإنكليزي: - رئة تصلح للرياضة البدنية الأفرنسي (مخاطباً الطلياني): - أسفاً على رأسك الروماني الجميل. الألماني (إلى الأفرنسي): سفاً على رجلك القوية الأفرنسي: - حقا لقد كنا جميعاً في رجلك القوية الملك: - أسكتوا لا تشاغبوا هنا (بين الجنود الكثيرين الذين يصلون زرافات ويتزاحمون على أبواب الجنة وأكثرهم بدون رأس كان يرى (شوايك) (وماريك) أيضاً. ومن بعيد كان لايزال يسمع صوت المدفع)

стр. 314

شواك: - أين نحن؟ لقد طال الوقت كثيراً. يظهر أن الأقدار رمت بنا مرة أخرى في سحن أو مكان رسمي لآخر في إدارة الحكومة الإمبراطورية - الملكية النمساوية - المجرية ماريك: - ولكن هناك بعض الفروق شوايك: - المحل الرسمي يبقى محلا رسمياً. انه دائماً نفس الشيء. من الإمام ترى الناس الذين يدخلون يدعو مظهرهم جميعاً إلى الاحترام ولكن من خلف تجدهم كلهم من الأنذال الساقطين. أنني أعرف جيداً هذه الدوائر الرسمية التي يقف على بابها حرس. ماريك: - ولكن أنظر يا شوايك إلى هذا الحارس، أن له أجنحة حقاً ونحن أنفسناً أيضاً. (ويأخذ كلاهما في لمس جسمه). شوايك: - صحيح مثل الإوز ولكن ماذا يضر ذلك. ويظهر أن السبب إنما هو لأننا أصبحنا من الأموات. ماريك (بغضب): أنهم قد لحقوا بنا، إذن، هؤلاء الأنذال. وأنا كنت أعتقد بأننا وفقنا للفرار. شواك: - لا تشغل فكرك، يا ماريك بما نالك من موتة الأبطال، فأنه لو لم نكن نحن لكان غيرنا من الكثيرين. ولا مندوخة من أن يسقط كل يوم بضعة آلاف في ساحة القتال. لأنه بدون ذلك لا تسمى هذه الحرب حرباً حقاً ولا يمكن أن يبقى لها ذكر في التاريخ إلا بهذه الصورة. هكذا يجب أن يكون. ماريك: - إنني أحتقر الحرب. شوايك: - ولكن لاحق لك في الهياج والغضب بسبب هذا القليل من موتة الأبطال ماذا يلحقك من ذلك؟ لاشيء. (بينما الجنود يتزاحمون وصلت سيارة وفيها قائد في زي غريب مع سائقه) السائق: - نحن على أبواب السماء يا حضرة القائد. ومن الصعب أن نجتاز الزحام. وكل هؤلاء من الجنود. القائد: - هؤلاء الخنازير، يرون القائد ولا يفسحون الطريق ولا يقومون بالثحية العسكرية؟ السائق: - ذلك صعب عليهم لأن أكثرهم قد فقد رأسه. القائد: - لا تتأخر عن دهس أحدهم، فأنهم حينئذ لابد أن يحيوا عن الطريق. مالى الإمام دمن أكتراث. (تقدمت السيارة بين جمهور العساكر وفتحت في طريقها الأبواب. شوايك يقبض على يد ماريك ويقول له: - تعال معي ولا فأننا ننتظر إلى يوم القيامة وتعلق الاثنان بالسيارة) (في الساحة وراء أبواب السماء)

стр. 315

ضابط الملائكة: - لتمر السيارة ولكن كيف جاء هذان الجنديان إلى هنا. عريف الملائكة: - الأمر أعرف حقاً، كيف؟ شوايك: - أرجوكم يا حضرة الرئيس الملك لا تزعجوا نفسكم بالسؤال. إنني قد تعلقت بالسيارة لأننا ما كنا نريد الانتظار. والبقاء ساعات طويلة في قبر مزدحم بالأموات ليس مما يدعو إلى السرور يا حضرة الملك. وكان يجب أن تجربوا ذلك مرة بنفسكم قبل أن تخاطبونا بهذه اللهجة القاسية. حقاً أنه لم يحدث شيء ذو بال ولقد كنا في حاجة إلى هذا القليل من البعث بعد الموت الذي كان واعظ الجيش (كاتس) يتقن وصفه لنا في أحسن الصور. والجندي (ماريك) لا ذنب له في الأمر فقد أخذته أنا معي. الضابط الملك: - يا عريف، خذ الاثنين إلى المحكمة العليا سنريكم البعث آيها النذلان. (السير في السماء) ماريك: - صه ذلك مالا يمكن معرفته كنهه. شوايك: - لقد تعلمنا ذلك منذ أيام المدرسة، يا ماريك اعدم معرفتك هذا. إن أوامر السماء وأعمالها لا يجوز البحث في كنهها. وهذا مثل أمر النظامفي العسكرية فانه إذا لم يعرف أحد لماذا أمر بعمل ما، قيل له هذا هو النظام الذي لا يجوز البحث فيه. وكذلك كل شيء في السماء. العريف) وقد مر على زمرة من الجنود الملائكة. فصاح في وجه أحدهم وأخذ يضربه ويقول له:) ياثور أفتح فمك جيداً وأصرح (هاله لويا) هل في فمك حجرة أي ثور أدخلك إلى الجنة، يا حمار، يا بليد أصرخ مرة أخرى. الجندي الملك يصرخ) هلا له هلويا. العريف: - يقولون ها له لويا يادب لماذا تجعر هكذا، يابغل مرة أخرى الجميع سوية. ماريك: - حقاً أنها نفس الحالة المؤسفة مثل عندنا. شوايك: - أن هذا يعجبني جداً يجب أن يكون الأمر هكذا في غاية الانتظام. (يخاطب العريف (إلى أين نذهب الآن العريف: - إلى القائد الأعلى. (غرفة يظهر فيها مثال القائد العام على حائط بكامله. رعد وبرق.) القائد الأعلى) بتكلم بآلة تصغير الصوت) الجندي جوزيف شوايك من الشاة رقم ٩١. والجندي ماريك. أيها الجندي شوايك، كيف تأتي إلى الحكمة العليا في اللباس العسكري الروسي وأنت جندي

стр. 316

نمساوي؟ بماذا تدافع عن نفسك؟ ماريك (متسائلا): - غريب جداً، كنت اعتقد دائماً أنه لا قيمة للزى الرسمي في السماء وأنه لا يوجد هنا إلا بشر لا تفريق بين قوميتهم. شوايك (مخاطباً ماريك): - ذلك لأنك من المتعلمين البهاء. (يخاطب القائد الأعلى) معذرة، يا حضرة القائد الأعلى، أن الرجل سمع محاضرات من الماسونيين قد أفسدت عليه فكره. (يخاطب ماريك) هل تتظاهر بالبلادة أم حقاً لأتعرف أن أحيانا تلك تتال الحظوة في السماء؟ ولذلك فقد كان الجميع من إنكلترا إلى اليابان يتسابقون في العبادة والدعاء بانتصار جيوشهم. أو لم تفهم لماذا يعتنون وتدريب هذه الجيوش من الملائكة في السماء، كما رأيتها قبل حين في الساحة؟ القائد الأعلى: - (وقد ظهر عليه بعض التردد) دعنا من هذا. أنك لأتفهمه. شوايك: - أفهم جيداً، يا حضرة القائد العام، أن ذلك مما لا يجوز البحث في كنهه وكفى القائد الأعلى: - قلت يجب عليك أن لا تتكلم في ذلك، يا شوايك. وألا فضل أن ننظر الآن في ورقة الضبط. (يتقدم أحد الضباط بالورقة ويقرأ عنوانها) مغامرات الجندي الصالح شوايك - أنك، إذن، قد سجنت في بلدية الحرب العامة لتفوهك بآراء تستشم منها الخيانة الوطنية. ولكن ظهر من بعد أن في الأمر التباساً وسوء تفاهم ثم دخلت في الجيش كرجل غير صحيح البنية وصرخت في طرقات (براغ): هيا إلى بلغراد مما كان السبب في اشمئزاز الجميع. على أنك في الحقيقة لم تقصد مخالفة الرأي العام بل كنت ترمي إلى غاية وطنية. ثم سرقت كلباً - ولكن حباً في قائدك. ومرة شددت على آلة الخطر - وإنما سهواً منك. وأخيراً فتشت على كتيبتك ولكنك لم تجدها. أليس كذلك؟ شوايك - إن ذلك صحيح. فأنني لم أستطع، مع كل ما أعطيته من شجاعة أن أتقدم إلى جبهة الحرب. القائد الأعلى: - أنت تعترف، أذن بكل شيء ولا تمتنع عن التوقيع على ورقة الضبط. شوايك: - أمراً سيدي إذا أردتم جلالتكم فأنني أوقع بكل سرور. ولكنكم إذا قلتم: يا شوايك، لا توقع على الورقة وتمسك بالأفكار فأنني أصر، حينئذ، على النكران ولا أرجع عن رأيي ولو رأيت الشيطان. أنني أعمل كل ما يطلب مني. القائد الأعلى: - يأبني شوايك، قل أنك جندي صالح ورغم ذلك فقد حدثت لك كل هذه

стр. 317

المصائب. إنك دوماً كنت تعمل غير ما تريده، فكيف ذلك؟ شوايك: - يا حضرة القائد، ذلك يؤلمني ويحزنني جداً ولكنني منذ الصغر كنت قليل الحظ. كنت دائماً أقصد الخير ولكن النتيجة كانت تأتي على العكس على أن هذا يحدث مع الجميع. وأرجوك، يا حضرة القائد أن تقول لي بشرفك أليس الأمر معك أنت أيضاً كذلك؟ ماريك: - مرحى لك، يا شوايك، لقد أحسنت وعرفت كيف تفحمه. أنه قد حدث معه ذلك في خلق هذا العالم وإدارته. شوايك: - أسكت، أيها الفوضوي الساقط إنني لا أقصد ذلك أبداً. القائد الأعلى: - الآن أيضاً أرك تقصد إلى غير ما تقوله. يجب أن تحسن التعبير عن التفكير بوضوح. أنه لا تقبل منك هنا معاذير وأهمية. ومن السهل أن أصبح شديداً، مخيفاً للغاية. أنك لا تعرفني وسوف تعلم عني شيئاً كثيرا، يا شوايك. ماريك: - أنه يتكلم مثل الضابط (بيكر) تماماً. شوابك: - (يصفعه على وجهه) كيف تجسر على ذلك. حقاً إن هذا لعجيب. (يخاطب القائد الأعلى) يا للفضيحة انه لا يؤمن بكم، يا حضرة الأميرال. وهو لن يتأخر عن إنكار كل السماء لو أستطاع إلى ذلك سبيلا. وأنا كنت دائماً أقل له: لماذا أنت لست مؤمناً مثلي ألا ترى أن أوعظ الجيش يحق له أن يحبسك كأنه ضابط. وهذا يكفي ليثبت لك أنه يجب أن يكون هناك دين. وإذا سجنت ثلاثة أسابيع لتغيبك عن الصلاة فأنه يمكنك حينئذ، وقد أقصر طعامك على الماء والخبز أن تفكر في الدين. ثم لماذا يأتي البشر إلى العالم ويقضون نحبهم في البؤس والفقر يفتك بهم السرطان والسل وغيرهما من الأمراض الجميلة ولماذا تقوم الحروب وتع الكوارث الطبيعية الأخرى من الزلازل والمجاعات والإنفجارات لو لم السماء لمجازاتنا. أنه يجب فرض العقوبات علينا ولهذا وجدت السماء. أليس كذلك أيها القائد الأعلى؟ إنني لا أتزحزح عن عقيدتي وإيماني ولا أتأخر عن تقطيع جسمي أرباً في سبيل الله والإمبراطور. ومهما جرى فأنني لا أحيد عن القول، رغم ما تكتبه الصحف بأنه ليس جميلاً أن نرى بعض الناس منغمسين في الترف يلتهمون كل شيء دون أن يقوموا بأي عمل بينما يشتغل ويكد الآخرون حتى تنهكهم الأمراض من كثرة الشغل دون أن يتمتعوا

стр. 318

بشيء من ملذات الحياة ويقتصر نصيبهم على قليل من السل إنني لا أفتأ بوجود عدالة سماوية. القائد الأعلى (وقد تزعزع موقفه): - يا شويك، كيف تخاطبني؟ شوايك: - كإنسان بسيط. القائد الأعلى: - لو كنت في مكاني، أتراك تدير العالم أحسن مني؟ ماذا كنت تعمل ياشوايك؟. (استراحة. رعد.) شوايك: - إن ذلك بسيط جداً، أيها القائد الأعلى. وقد تذكرت الآن قصة الحداد (دوبراقا) الذي سعى لانتخابه رئيساً للبلدية في (بوموستى) ثم لم يعرف ماذا يعمل وأخذ الموظفون من سكان المدينة وكاد الرجل يفقد عقله وأخذ يشعر بأن العجلات في دماغه تدور كأنها محركات طيارة فإنه طلب مشورتي ونصيحتي وسألني ماذا كنت أفعل لو كنت في مكانه؟ لقد أجبته قائلاً: إنني لو كنت مكانك لما زاحمت أحداً على الوصول إلى هذه الوظيفة. ماريك:= (بإعجاب)، نعم، هكذا هو الأمر. إنني لا أعترف بالعدالة السماوية بل أنكر السماء كلها وأنكر نظام العالم. وأنكر كل شيء. شوايك: - هذا ما يليق بك يا حمار! لماذا النكران؟ إنه لا يسبب لنا إلا وجع الرأس ومشاكل كثيرة. إن النظام لا بد منه ولا أرى ما يمنعني من السعي لأتمتع في السماء بالراحة كما فعل القائد نفسه. فإذا تم كل شيء حسب المراد فيها. وإذا فسد كل شيء فإنه يقول في نفسه: ماذا يهمني أمركم؟ القائد الأعلى) وقد صغر مظهره) إن ماريك رجل ملحد ولكنه شريف وصالح. يسمح له بالبقاء هنا. أما شوايك فيجب أن يخرج. أرجعوه إلى الأرض يجب أن يظل حياً، يعيش إلى الأبد ولا يسمح له بالدخول إلي فإنه ربما يفسد علي نظام السماء أيضاً. تعريب كامل عياد

стр. 319

ابتسامة واحدة - إذاً فعائلة حميد بك تقضي هذا الصيف في المريجات لا في بلودان كما في العام الماضي. قال ذلك علي بك الشاب المتأنق لصديقه حسن أفندي بينما كانت السيارة التي تقلها من دمشق إلى صوفر تطوي المراحل الأخيرة من سهول البقاع ومروجه وقد أوشكت شمس العصر أن تتوارى وراء هضاب لبنان الخضراء الموشاة بما انتثر على قممها وفي أطرافها من تلك الدور البيضاء ذوات التيجان الحمر. والتفت حسن أفندي إلى رفيقه الذي يحاوره فقال: نعم ولقد وجدت ابن عمك الذي قضى بضعة أيام من هذا الشهر في المريجات كثير الإعجاب بجمال شهيرة ابنة حميد بك بسفور ابنة حميد بك فقد وفق لأن يراها ويتحدث إليها. قال علي بك إني لا أعرف كيف يرضى حميد بك بسفور ابنته كأنما لم يتصل به بعد ماتردده الناس من الأحاديث عنها وعن تفرنجها، فهي لا تحجم كما سمعت عن التحدث إلى كثير من الشبان ومعاشرتهم ويقولون أيضاً إنها لا تتأخر عن شرب قدح من الشمبانيا إذا دعيت إلى ذلك ويقولون أيضاً أفظع من هذا. . ثم توقف عن الجري في حديثه كمن يود أن لا ينقل ما سمعه من أخبار السوء فقال حسن أفندي لا تصدق كل ما يقولون فأنت تعرف أن الناس عندنا يبالغون في النيل من كل فتاة خالفت شيئاً من التقاليد القديمة ولقد آن لنا أن ننصرف عن معاكسة سنن التطور فنترك لهؤلاء الفتيات المتعلمات في العصر العشرين عصر المدينة والنور شيئاً من الحرية في انتخاب أزواجهن لا أن نحسبهن في البيوت حتى نبيعهن بيع السلع كما كان يفعل أجدادنا من قبل. قال علي بك دعني من هذه الفلسفة العمياء التي لا أعرف شيئاً أضرَّ بنا منها فإذا كانت نتيجة تعليم الفتيات أن يصرن إلى ماصارت إليه شهيرة هذه من حرية وسفور وفرنجة فأنا أفضل أن يبقين جاهلات. شهيرة هذه من من حرية وسفور وفرنجة فأنا أفضل أن يبقين جاهلات. وإن كانت نهضتها لا تأتينا إلا عن هذا الطريق كما يزعم الكثيرون فأنا أفضل أن نبقى حيث نحن فلا نتقدم خطوة واحدة. فتنحنح حسن أفندي في مجلسه من السيارة وقال لرفيقه ضاحكا: يخيل لي أن في نفسك على شهيرة شيئاً من الحقد والموجدة، فأنت تبالغ كثيراً في نقل ما تذكر أنك سمعته من الناس عنها فهل وقع لك معها من الحوادث ما دعاك إلى ذلك؟ ورأى علائم الغضب تبدو على وجه صديقه فأخذ بيده واستمر في حديثه دون أن ينتظر جواب سؤاً له وقال: أما أنا فقد رأيتها مع الكثيرات من رفيقاتها في الصيف الماضي في

стр. 320

منتزهات الزبداني وبلودان حيث كانت تسير سافرة الوجه فلم أجد في سلوكها وفي أوضاعها ما يدل على كل ما سمعته أنت عنها. قال علي بك وقد تكلف الهدوء والتؤدة: أي موجدة تريد أن أحمل في نفسي على فتاة لم أرها قط؟ فتفرنجها لا يهمني بشيء لولا أني أغار على سمعة العائلة التي تنتسب إليها، ثم أخشى أن تكون شهيرة هذه مثالاً لبقية فتياتنا من بنات العائلات في سوء تصرفها بهذه الحرية التي منحها إياها ذووها. . فأنا إذا اندفعت في القول فما ذلك إلا حرصاً على روابط العائلة وحباً بالمصلحة العامة. ورأى حسن أفندي أنه قد آن لهما أن ينصرفا عن الحديث إلى غيره فنظر إلى ساعته وهو يقول: هاهي الساعة السادسة ولعلنا نصل صوفر أبكر مما حسبنا. قال علي بك، مجارياً رفيقه فيما أراده: مابرحت على أن نعود إلى دمشق في الصباح الغد فتكتفي بقضاء الليلة في صوفر؟ قال لقد اتفقنا على هذا وليس بوسعنا أن نتأخر عن عملنا غداً في ديوان الوزارة ويخيل لي أن السهرة في الفندق الكبير ستكون مطربة تنسينا أعباء السفر. خرج الصديقان من قاعة العشاء في الفندق الكبير في صوفر متأخرين، وهما أشد ما يكون تأنقاً في ملبسهما وزينتهما وبعد أن تجولا في البهو والحديقة وتحدثا إلى الكثيرين من معارفهما دخلا إلى ساحة الفندق حيث انتشر جمهور من الناس والرجال حول مناضد متفرقة يصغون لنغمات الجوقة الموسيقية الجديدة التي شاء صاحب الفندق أن يتحف بها زواره في تلك الليلة. ولم يكد القادمان يأخذان مجلسهما حول المنضدة التي أسرع الخادم بإعدادها لهما حتى التفت حسن أفندي إلى رفيقه وكأنما فوجئ بما لم يكن يحسبه وقال له: هاهي شهيرة ابنة حميد بك. انظر إليها فهي بالقرب منا وهاهي تنظر إلينا. وتكلف علي بك الرصانة وقال لرفيقه دون أن يلتفت وهل هي وحدها، قال لابل معها سيدتان مسلمتان وأخرى مسيحية ولعلهن جئن من المريجات ليقضين السهرة هنا. والتفت بعد قليل علي بك إلى الجهة التي أومأ صديقه إليها ولم يكد يمر ببصره على السيدات الجالسات هنالك حتى عرف شهيرة وكانت أبرز الجالسات مظهراً وأكثرهن جمالاً ونضارة. ورأته يطيل النظر إليها فانصرفت إلى إحدى رفيقاتها تسألها عنه وقد ذكرت أنها كثيراً مار أته من وراء نقابها في شوارع دمشق وعرفت الكثيرات من قريباته، ولعلها عمت عنه ما زاد اهتمامها به فألقت عليه نظرة فاحصة مترددة، ورأى منها ذلك وهو جريء ما اعتاد أن يحجم في مثل
следующие страницы →