← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

نمساوي؟ بماذا تدافع عن نفسك؟ ماريك (متسائلا): - غريب جداً، كنت اعتقد دائماً أنه لا قيمة للزى الرسمي في السماء وأنه لا يوجد هنا إلا بشر لا تفريق بين قوميتهم. شوايك (مخاطباً ماريك): - ذلك لأنك من المتعلمين البهاء. (يخاطب القائد الأعلى) معذرة، يا حضرة القائد الأعلى، أن الرجل سمع محاضرات من الماسونيين قد أفسدت عليه فكره. (يخاطب ماريك) هل تتظاهر بالبلادة أم حقاً لأتعرف أن أحيانا تلك تتال الحظوة في السماء؟ ولذلك فقد كان الجميع من إنكلترا إلى اليابان يتسابقون في العبادة والدعاء بانتصار جيوشهم. أو لم تفهم لماذا يعتنون وتدريب هذه الجيوش من الملائكة في السماء، كما رأيتها قبل حين في الساحة؟ القائد الأعلى: - (وقد ظهر عليه بعض التردد) دعنا من هذا. أنك لأتفهمه. شوايك: - أفهم جيداً، يا حضرة القائد العام، أن ذلك مما لا يجوز البحث في كنهه وكفى القائد الأعلى: - قلت يجب عليك أن لا تتكلم في ذلك، يا شوايك. وألا فضل أن ننظر الآن في ورقة الضبط. (يتقدم أحد الضباط بالورقة ويقرأ عنوانها) مغامرات الجندي الصالح شوايك - أنك، إذن، قد سجنت في بلدية الحرب العامة لتفوهك بآراء تستشم منها الخيانة الوطنية. ولكن ظهر من بعد أن في الأمر التباساً وسوء تفاهم ثم دخلت في الجيش كرجل غير صحيح البنية وصرخت في طرقات (براغ): هيا إلى بلغراد مما كان السبب في اشمئزاز الجميع. على أنك في الحقيقة لم تقصد مخالفة الرأي العام بل كنت ترمي إلى غاية وطنية. ثم سرقت كلباً - ولكن حباً في قائدك. ومرة شددت على آلة الخطر - وإنما سهواً منك. وأخيراً فتشت على كتيبتك ولكنك لم تجدها. أليس كذلك؟ شوايك - إن ذلك صحيح. فأنني لم أستطع، مع كل ما أعطيته من شجاعة أن أتقدم إلى جبهة الحرب. القائد الأعلى: - أنت تعترف، أذن بكل شيء ولا تمتنع عن التوقيع على ورقة الضبط. شوايك: - أمراً سيدي إذا أردتم جلالتكم فأنني أوقع بكل سرور. ولكنكم إذا قلتم: يا شوايك، لا توقع على الورقة وتمسك بالأفكار فأنني أصر، حينئذ، على النكران ولا أرجع عن رأيي ولو رأيت الشيطان. أنني أعمل كل ما يطلب مني. القائد الأعلى: - يأبني شوايك، قل أنك جندي صالح ورغم ذلك فقد حدثت لك كل هذه

стр. 317

المصائب. إنك دوماً كنت تعمل غير ما تريده، فكيف ذلك؟ شوايك: - يا حضرة القائد، ذلك يؤلمني ويحزنني جداً ولكنني منذ الصغر كنت قليل الحظ. كنت دائماً أقصد الخير ولكن النتيجة كانت تأتي على العكس على أن هذا يحدث مع الجميع. وأرجوك، يا حضرة القائد أن تقول لي بشرفك أليس الأمر معك أنت أيضاً كذلك؟ ماريك: - مرحى لك، يا شوايك، لقد أحسنت وعرفت كيف تفحمه. أنه قد حدث معه ذلك في خلق هذا العالم وإدارته. شوايك: - أسكت، أيها الفوضوي الساقط إنني لا أقصد ذلك أبداً. القائد الأعلى: - الآن أيضاً أرك تقصد إلى غير ما تقوله. يجب أن تحسن التعبير عن التفكير بوضوح. أنه لا تقبل منك هنا معاذير وأهمية. ومن السهل أن أصبح شديداً، مخيفاً للغاية. أنك لا تعرفني وسوف تعلم عني شيئاً كثيرا، يا شوايك. ماريك: - أنه يتكلم مثل الضابط (بيكر) تماماً. شوابك: - (يصفعه على وجهه) كيف تجسر على ذلك. حقاً إن هذا لعجيب. (يخاطب القائد الأعلى) يا للفضيحة انه لا يؤمن بكم، يا حضرة الأميرال. وهو لن يتأخر عن إنكار كل السماء لو أستطاع إلى ذلك سبيلا. وأنا كنت دائماً أقل له: لماذا أنت لست مؤمناً مثلي ألا ترى أن أوعظ الجيش يحق له أن يحبسك كأنه ضابط. وهذا يكفي ليثبت لك أنه يجب أن يكون هناك دين. وإذا سجنت ثلاثة أسابيع لتغيبك عن الصلاة فأنه يمكنك حينئذ، وقد أقصر طعامك على الماء والخبز أن تفكر في الدين. ثم لماذا يأتي البشر إلى العالم ويقضون نحبهم في البؤس والفقر يفتك بهم السرطان والسل وغيرهما من الأمراض الجميلة ولماذا تقوم الحروب وتع الكوارث الطبيعية الأخرى من الزلازل والمجاعات والإنفجارات لو لم السماء لمجازاتنا. أنه يجب فرض العقوبات علينا ولهذا وجدت السماء. أليس كذلك أيها القائد الأعلى؟ إنني لا أتزحزح عن عقيدتي وإيماني ولا أتأخر عن تقطيع جسمي أرباً في سبيل الله والإمبراطور. ومهما جرى فأنني لا أحيد عن القول، رغم ما تكتبه الصحف بأنه ليس جميلاً أن نرى بعض الناس منغمسين في الترف يلتهمون كل شيء دون أن يقوموا بأي عمل بينما يشتغل ويكد الآخرون حتى تنهكهم الأمراض من كثرة الشغل دون أن يتمتعوا

стр. 318

بشيء من ملذات الحياة ويقتصر نصيبهم على قليل من السل إنني لا أفتأ بوجود عدالة سماوية. القائد الأعلى (وقد تزعزع موقفه): - يا شويك، كيف تخاطبني؟ شوايك: - كإنسان بسيط. القائد الأعلى: - لو كنت في مكاني، أتراك تدير العالم أحسن مني؟ ماذا كنت تعمل ياشوايك؟. (استراحة. رعد.) شوايك: - إن ذلك بسيط جداً، أيها القائد الأعلى. وقد تذكرت الآن قصة الحداد (دوبراقا) الذي سعى لانتخابه رئيساً للبلدية في (بوموستى) ثم لم يعرف ماذا يعمل وأخذ الموظفون من سكان المدينة وكاد الرجل يفقد عقله وأخذ يشعر بأن العجلات في دماغه تدور كأنها محركات طيارة فإنه طلب مشورتي ونصيحتي وسألني ماذا كنت أفعل لو كنت في مكانه؟ لقد أجبته قائلاً: إنني لو كنت مكانك لما زاحمت أحداً على الوصول إلى هذه الوظيفة. ماريك:= (بإعجاب)، نعم، هكذا هو الأمر. إنني لا أعترف بالعدالة السماوية بل أنكر السماء كلها وأنكر نظام العالم. وأنكر كل شيء. شوايك: - هذا ما يليق بك يا حمار! لماذا النكران؟ إنه لا يسبب لنا إلا وجع الرأس ومشاكل كثيرة. إن النظام لا بد منه ولا أرى ما يمنعني من السعي لأتمتع في السماء بالراحة كما فعل القائد نفسه. فإذا تم كل شيء حسب المراد فيها. وإذا فسد كل شيء فإنه يقول في نفسه: ماذا يهمني أمركم؟ القائد الأعلى) وقد صغر مظهره) إن ماريك رجل ملحد ولكنه شريف وصالح. يسمح له بالبقاء هنا. أما شوايك فيجب أن يخرج. أرجعوه إلى الأرض يجب أن يظل حياً، يعيش إلى الأبد ولا يسمح له بالدخول إلي فإنه ربما يفسد علي نظام السماء أيضاً. تعريب كامل عياد

стр. 319

ابتسامة واحدة - إذاً فعائلة حميد بك تقضي هذا الصيف في المريجات لا في بلودان كما في العام الماضي. قال ذلك علي بك الشاب المتأنق لصديقه حسن أفندي بينما كانت السيارة التي تقلها من دمشق إلى صوفر تطوي المراحل الأخيرة من سهول البقاع ومروجه وقد أوشكت شمس العصر أن تتوارى وراء هضاب لبنان الخضراء الموشاة بما انتثر على قممها وفي أطرافها من تلك الدور البيضاء ذوات التيجان الحمر. والتفت حسن أفندي إلى رفيقه الذي يحاوره فقال: نعم ولقد وجدت ابن عمك الذي قضى بضعة أيام من هذا الشهر في المريجات كثير الإعجاب بجمال شهيرة ابنة حميد بك بسفور ابنة حميد بك فقد وفق لأن يراها ويتحدث إليها. قال علي بك إني لا أعرف كيف يرضى حميد بك بسفور ابنته كأنما لم يتصل به بعد ماتردده الناس من الأحاديث عنها وعن تفرنجها، فهي لا تحجم كما سمعت عن التحدث إلى كثير من الشبان ومعاشرتهم ويقولون أيضاً إنها لا تتأخر عن شرب قدح من الشمبانيا إذا دعيت إلى ذلك ويقولون أيضاً أفظع من هذا. . ثم توقف عن الجري في حديثه كمن يود أن لا ينقل ما سمعه من أخبار السوء فقال حسن أفندي لا تصدق كل ما يقولون فأنت تعرف أن الناس عندنا يبالغون في النيل من كل فتاة خالفت شيئاً من التقاليد القديمة ولقد آن لنا أن ننصرف عن معاكسة سنن التطور فنترك لهؤلاء الفتيات المتعلمات في العصر العشرين عصر المدينة والنور شيئاً من الحرية في انتخاب أزواجهن لا أن نحسبهن في البيوت حتى نبيعهن بيع السلع كما كان يفعل أجدادنا من قبل. قال علي بك دعني من هذه الفلسفة العمياء التي لا أعرف شيئاً أضرَّ بنا منها فإذا كانت نتيجة تعليم الفتيات أن يصرن إلى ماصارت إليه شهيرة هذه من حرية وسفور وفرنجة فأنا أفضل أن يبقين جاهلات. شهيرة هذه من من حرية وسفور وفرنجة فأنا أفضل أن يبقين جاهلات. وإن كانت نهضتها لا تأتينا إلا عن هذا الطريق كما يزعم الكثيرون فأنا أفضل أن نبقى حيث نحن فلا نتقدم خطوة واحدة. فتنحنح حسن أفندي في مجلسه من السيارة وقال لرفيقه ضاحكا: يخيل لي أن في نفسك على شهيرة شيئاً من الحقد والموجدة، فأنت تبالغ كثيراً في نقل ما تذكر أنك سمعته من الناس عنها فهل وقع لك معها من الحوادث ما دعاك إلى ذلك؟ ورأى علائم الغضب تبدو على وجه صديقه فأخذ بيده واستمر في حديثه دون أن ينتظر جواب سؤاً له وقال: أما أنا فقد رأيتها مع الكثيرات من رفيقاتها في الصيف الماضي في

стр. 320

منتزهات الزبداني وبلودان حيث كانت تسير سافرة الوجه فلم أجد في سلوكها وفي أوضاعها ما يدل على كل ما سمعته أنت عنها. قال علي بك وقد تكلف الهدوء والتؤدة: أي موجدة تريد أن أحمل في نفسي على فتاة لم أرها قط؟ فتفرنجها لا يهمني بشيء لولا أني أغار على سمعة العائلة التي تنتسب إليها، ثم أخشى أن تكون شهيرة هذه مثالاً لبقية فتياتنا من بنات العائلات في سوء تصرفها بهذه الحرية التي منحها إياها ذووها. . فأنا إذا اندفعت في القول فما ذلك إلا حرصاً على روابط العائلة وحباً بالمصلحة العامة. ورأى حسن أفندي أنه قد آن لهما أن ينصرفا عن الحديث إلى غيره فنظر إلى ساعته وهو يقول: هاهي الساعة السادسة ولعلنا نصل صوفر أبكر مما حسبنا. قال علي بك، مجارياً رفيقه فيما أراده: مابرحت على أن نعود إلى دمشق في الصباح الغد فتكتفي بقضاء الليلة في صوفر؟ قال لقد اتفقنا على هذا وليس بوسعنا أن نتأخر عن عملنا غداً في ديوان الوزارة ويخيل لي أن السهرة في الفندق الكبير ستكون مطربة تنسينا أعباء السفر. خرج الصديقان من قاعة العشاء في الفندق الكبير في صوفر متأخرين، وهما أشد ما يكون تأنقاً في ملبسهما وزينتهما وبعد أن تجولا في البهو والحديقة وتحدثا إلى الكثيرين من معارفهما دخلا إلى ساحة الفندق حيث انتشر جمهور من الناس والرجال حول مناضد متفرقة يصغون لنغمات الجوقة الموسيقية الجديدة التي شاء صاحب الفندق أن يتحف بها زواره في تلك الليلة. ولم يكد القادمان يأخذان مجلسهما حول المنضدة التي أسرع الخادم بإعدادها لهما حتى التفت حسن أفندي إلى رفيقه وكأنما فوجئ بما لم يكن يحسبه وقال له: هاهي شهيرة ابنة حميد بك. انظر إليها فهي بالقرب منا وهاهي تنظر إلينا. وتكلف علي بك الرصانة وقال لرفيقه دون أن يلتفت وهل هي وحدها، قال لابل معها سيدتان مسلمتان وأخرى مسيحية ولعلهن جئن من المريجات ليقضين السهرة هنا. والتفت بعد قليل علي بك إلى الجهة التي أومأ صديقه إليها ولم يكد يمر ببصره على السيدات الجالسات هنالك حتى عرف شهيرة وكانت أبرز الجالسات مظهراً وأكثرهن جمالاً ونضارة. ورأته يطيل النظر إليها فانصرفت إلى إحدى رفيقاتها تسألها عنه وقد ذكرت أنها كثيراً مار أته من وراء نقابها في شوارع دمشق وعرفت الكثيرات من قريباته، ولعلها عمت عنه ما زاد اهتمامها به فألقت عليه نظرة فاحصة مترددة، ورأى منها ذلك وهو جريء ما اعتاد أن يحجم في مثل

стр. 321

هذا الموقف فنظر إليها نظرة إعجاب وهو يبتسم، فلم تتمالك هي بدورها من أن تبتسم له وقد أوشك الحياء أن يورد وجنتيها، ورأى حسن أفندي ما كان بينهما فأراد أن يصيبه ما أصاب رفيقه لكن راعه حينما رآها لا تأبه لشأنه فتنصرف بنظرها عنه إلى علي بك ثم تعود إلى حديثها مع رفيقاتها ضاحكة طروبة. كانت الشمس قد ارتفعت عن مشرقها حينما أخذت السارة التي تعود بالصديقين إلى دمشق تنساب في وادي بردى فتنقل لراكبيها نسمات عطرة تثير ما كمن في النفوس من وجد وذكرى. وأهوى علي بك بيده على عضد رفيقه وهو يقول له: أنها أجمل وأرق بكثير مما كنت أظن. قال حسن أفندي وقد تجاهل ما رمى إليه صديقه: ومن هي هذه التي رأيتها أجمل مما كنت تظن؟ أجاب شهيرة. وهل رأيت بالأمس أجمل وجهاً وأرشق قامة وأسمى قدراً منها بين جميع من كان حولنا من النساء؟ ثم ولا أخفي عنك فقد أعجبتني كثيراً هذه الرصانة البادية على محياها وتلك الدعة في نظراتها الفاتنة التي تدل على ما انطوت عليه نفسها من شرف الخصال وكرم الخلق وحسن التربية. فبلغ حسن أفندي ريقه وتكلف عدم الاكتراث بما يسمع ثم قال: لا أكتمك إنه لم يرق لي كثيراً أن أجدها سافرة في مثل هذه الأماكن وليس معها إلا رفيقات لا أعلم من أين جاءت بهن. معاذ الله أن أكون من المحافظين المتعصبين ولكن يؤلمني جداً أن يتقول الناس عنها أقاويل شتى وهي تنتسب لعائلة شريفة أغار عليها وعلى سمعتها. ثم لا أعلم إلى أين ستفضي بنا وبنسائنا هذه الحرية التي بدأ الآباء يمنحونها بدون وزن ولا حساب لبناتهن المتعلمات علماً ناقصاً. وكأن هذه الكلمات أثارت حماسة علي بك فاندفع يقول وفي لهجته شيء من الحدة: أما أنا فلم أجد في موقف شهيرة بالأمس ما يمس بسمعتها أو بسمعة عائلتها كما تدعي ولقد آن لنا أن نخرج من هذه الظلمة التي نحن فيها فنعدُّ للمستقبل أمهات عارفات بشؤون الحياة لا غريبات عن العيش الذي نعيشه. ثم ماذا يمنع نساءنا أن يسفرن ويحضرن معنا الحفلات ويستفدن من مل ما نستفيده نحن. وإني لأفضل زوجة كشهيرة متعلمة راقية عارفة بحوادث الأيام وتصاريفها على فتاة غبية لم تر في حياتها إلا جدران منزل أبيها ولا تصلح إلا لما اعتدنا أن نراه من خصائصها. ثم إن الأمر لا يتعلق بشخص شهيرة الذي لا يهمني بل إن هنالك مصلحة عامة هي التي أعنيها في حديثي فلا نهضة لنا ترجى ولا خير يؤمل منا إذا

стр. 322

لم نعلم فتياتنا ونترك لهن حريتهن أسوة بغيرهن من نساء الأمم القوية الحية. فقهقه حسن أفندي وكأن ضحكته هدأت ماثار في نفس رفيقه الذي أردف يقول وهولا يستطيع إخفاء ما تبدى من تقلبه: وماذا يضحك؟ قال أرى أن ابتسامة الأمس قد غيرت مبادئك وآراءك في حرية المرأة وفي المصلحة العامة. أجاب وأنت؟ أليست ابتسامة الأمس نفسها هي التي غيرت مبادئك أيضاً؟ وأخذ الرفيقان بأيدي بعضهما واستمرا يقهقهان في ضحكهما. . ومضت السيارة في طريقها على ضفاف بردى متجهة إلى مدينة دمشق ذات الأنهار السبعة والظلال الوارفة حيث كثير من المبادئ العظيمة تغيرها ابتسامة واحدة.

стр. 323

الكتب والصحف سلسلة الكشاف الأدبية أبو نواس اطلعنا على القسم الثاني من المختارات شعر أبي نواس لمؤلف هذه السلسة الأدبية الأستاذ الأديب البارع عمر فروخ، فرقنا ما فيها من حسن لاختيار والتعليق على ما في المختارات من ألفاظ غريبة والإشارة في رؤوس المقطوعات إلى أسباب قولها وما يعين على فهمها، دع عنك الطبع الجميع على الورق الثقيل، فهو مما حليت به هذه السلسلة، ولولا هفوات في ضبط بعض الأبيات لبلغت هذه السلسلة الكمال بين إخواتها، ومن تلك الهفوات الصغيرة نذكر على سبيل المثال: في الصفحة ٥: ٤٨ (دجلةٌ همي وفكرتي وبها)، والصواب حذف التنوين من دجلة ليستقيم الوزن. أو لعل الأصح و (فكري) بدل وفكرتي التي لم تكن مستعملة مأنوسة في عهد أبي نواس. وفي الصفحة ٧: ٦٠ (ولونٌ من الماءُ كالعَصفر)، والصواب جر الماء والعصفر، وزان قنفذ لاعنتر. وفي الصفحة ٧: ٦٥ (كيف النزع عن الصهباء والكاس: قس ذا لنا يا عادلي بقياس) والصواب الذي يمرج البحرين فيلتقيان: كيف النزع عن الصهباء والكاس لأن الصدر من بحر والعجز من بحر، وليس في السهو من غضاضة على الإنسان ولا لون. عز الدين التنوخي الرثاء عند أبي تمام والبحتري وأبي الطيب للسيدة أديبة فارس بحثت رسالة السيدة أديبة فارس عن الرثاء في شعر أبي تمام والبحتري والمتنبي. يقول الأصمعي لأحد الأعراب: ما بال الرثاء أشرف أشعاركم فأجابه لأننا نقوله وقلوبنا مجروحة. إن جرح القلب في حوادث الأحزان يتفاوت ويجب أن ننظر في تفاوت هذا الجرح في قلوب هؤلاء الشعراء ليطيعنا الرأي الحق في الحكم على أيهم أشعر في الرثاء في قصيدة.

стр. 324

أبو تمام يرثي ولده فكان رثاؤه من هذه الجهة جرحاً من جروح القلب والبحتري يرثي المتوكل وقد عاش في رفه نعمته. إنه يرثي خليفة قد انحدر منذ موته تاج العروبة عن هاماتها فكان رثاؤه كذلك جرحاً. والمتنبي يرثي جدته وقد تركها لطلب الرزق لها ولخفق في الدنيا والتجول في كسب الجاه فأخفق وعاد لرؤيتها فماتت قبل أن تراه فقال: طلبت لها حظاً ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما فأتى في قصيدته برثائها على خواطر من الحزن والفجائع ما كانت لرفيقيه أبي تمام والبحتري. فإذا قرأ الناس رثاء حبيب لولده لم يتأثروا كلهم إذ ليس لكل الناس أولاد. ولن تفعل قصيدة أبي عبادة فعلتها في كل امرئ لأن فيهم من ليس له نزعة العروبة ومحبة الملوك وأما من قرأ مرثية المتنبي أياً كان أثرت فيه أي تأثير لأن كل امرئ له أم وجدة. من هذا النحو في المقارنة كان ينبغي لصديقتي أديبة فارس أن تتكلم وأن تفضل مرثية أبي الطيب على مرثيتي رفيقيه. ومع ذاك فأنها أحسنت غاية الصنع في دراستها لمراثي هؤلاء الشعراء ومن رأيها أن البحتري يتأخر عن رفيقيه في البراعة بهذا الباب وأما الفوز في حلبته فإنما يتنازعه الشاعران الآخران أبو تمام والمتنبي. المحامي زكي المحاسني ابن خلدون أصدر الأستاذان الدكتور جميل صليبا والدكتور عياد كتاباً جمعا فيه منتخبات من مقدمة ابن خلدون رتباها وفقاً لبرنامج شعبة الفلسفة في المدارس التجهيزية. والكتاب يقع في ١١٢ صفحة. ولا يمكن أن يقال أنه جيد الطبع وعلى الأخص طبعة النصوص المنتخبة فهي لا تغري بالقراءة كثيراً. وقد صدَّر المؤلفان هذه المنتخبات بمقدمة مطولة أجملا فيها حياة ابن خلدون وفلسفته ونظرياته التاريخية والاجتماعية وقد استمدا أكثر ما أورداه في هذه المقدمة من نفس النصوص التي انتخباها حتى أنه يمكن لمن قرأ هذه المقدمة القيمة أن يستغني عن النصوص. وقد اشتركا في كتابة المقدمة اشتراكاً أفقدها وحدة الأسلوب والإنشاء وكنا نود لو انصرف كل منهما لكتابة قسم منها، وقد قابلا ما انتخباه من النصوص بنسخ عديدة فصححا وشرحا كثيراً من كلماتها وعباراتها وكان كل ما انتخباه من أهم ما يحتاج الطلاب لطالعته. وعلى الجملة فإن كتاب الصديقين كتاب جزيل الفائدة والنفع لا يفي بحاجة التلامذة

стр. 325

فحسب بل تلذ مطالعته لجميع من يريدون أن يصلوا من أسهل الطرق وأقصرها إلى فكرة عامة صحيحة عن حياة ابن خلدون وفلسفته وآرائه التي يجب على كل عربي مثقف أن لا تفوته معرفتها. المسائل الرياضية وضع الأستاذ السيد أحمد جودت الهاشمي والسيد محمد رشدي بركات كتاباً في المسائل الرياضية اللازمة لتلاميذ الصف الثاني من المدارس التجهيزية ولطلاب البكالوريا الأولى والثانية وهو يحتوي على ٤١٠ مسائل من أسئلة البكلوريا وغيرها مع الحل. يجد التلميذ فيه جميع المسائل التي أعطيت في السنين الأخيرة في البكلوريا السورية. ويحتوي على أسئلة في الجبر والهندسة والميكانيك والمثلثات والحساب وهو من خيرة الكتب التي ألفت في اللغة العربية لهذه الغاية لأنه يمرن الطلاب ويكسبه ملكة في حل المسائل الرياضية مهما اختلف نوعها. الهدى صحيفة عربية أسبوعية تصدر في سنغابورة (جاوة) وهي أكبر الصحف العربية في ماليزيا وابلغها تأثيراً، ينشئها السيد عبد الواحد الجيلاني العلوي، العامل على نشر لغة العروبة في تلك الأقاليم النائية عن جزيرة العرب، وهذا ما أثلج صدورنا وابتهجنا له الابتهاج كله. عز الدين التنوخي ملاحم الصليبين تأليف الدكتور أنور حاتم ألف الدكتور أنور حاتم أستاذ الآداب الفرنسية في مدرستي التجهيز والمعلمين هذا الكتاب للحصول على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس وهو من أحسن الكتب التي ألفها الشبان السوريين في عاصمة الفرنسيين لأنه يدل على جهود عظيمة بذلها المؤلف في إتباع الطريقة التاريخية حتى توصل إلى ما لم يتوصل إليه أحد قبله من البحث عن حقيقة الملاحم الصليبية وذكر مؤلفيها وتحليلها وبيان أصولها. يبدأ الكتاب ببيان نشوء الحروب

стр. 326

الصليبية والجهاد المقدس ثم يرجع إلى البحث في الحركة الأدبية في ممتلكات الصليبيين بسوريا. وقد حلل الدكتور حاتم ثلاث ملاحم مشهورة وهي ملحمة أنطاكية، وملحمة اوروشليم، وملحمةالضغاء (والضغاء هم الأسرى المسيحيون الذين وقعوا في يد المسلمين) ولم يقتصر في درس هذه الملاحم الثلاث على طبعتها القديمة بل اعتمد على مخطوطاتها المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريز وغيرها من خزائن الكتب فجاء كتابه مثالاً للتحقيق العلمي والتنقيب التاريخي. كانت هذه الملاحم الصليبية قبل ظهور كتاب الدكتور حاتم مزيجاً من الحقيقة والوهم فلا يعرف قارئها أبن ينتهي التاريخ وأين يبتدئ الخيال فبين لنا المؤلف قيمة كل ملحمة من الوجهة التاريخية وخصوصاً ملحمة أنطاكية لأنها أقرب إلى الحقيقة التاريخية من ملحمة أوروشليم وملحمة الضغاء ولعل أول نص تاريخي لملحمة أنطاكية هو من نظم (ريشارد لو به له رن) أي ريشارد الحاج وهو من الحجاج الذين رافقوا الحملات الصليبية الأولى إلا أن هذا النص الأول قد تغير وأضيف إليه أناشيد عديدة. ومن أحسن ما جاء في نشيد أنطاكية وصف حصار الصليبيين لها وموتهم جوعاً وأكلهم لحوم الحيوانات ولحوم البشر ثم انتصارهم على المسلمين ودخولهم أنطاكية ثم حصار المسلمين لهم ووصف الشجاعة والإخلاص والتضحية واحتقار الموت في سبيل الخلود، كل ذلك بروح شعرية تدل على أثر الشرق في نفوس أولئك الشعراء الذين جاؤوا مع الصليبيين إلى سوريا المقدسة. قال الدكتور حاتم: لقد جاء على أثر الحروب الصليبية كثير من العائلات الفرنسية إلى سوري. ولا نشك في أن الأناشيد التي نبحث عنها الآن ربما كانت من أحسن الشواهد الدالة على حياة تلك العائلات ومغامراتها. . . عاش هؤلاء الفرنجة بين المسامين وأخذوا بعاداتهم وتقاليدهم وتعلموا لغتهم وتأثروا بروح المدينة الشرقية التي أعجبوا بها. وهذا ما يجعل للبحث في هذه الملاحم قيمة تاريخية خاصة لأنها تدل على الحركة الأدبية التي كانت منتشرة في سوريا. وقصارى القول إن كتاب الدكتور حاتم يبين لنا بوضوح أن الملاحم الثلاث تولدت في جو سوري من وحي فرنسي وأنها من أهم الوثائق التاريخية التي تبين لنا كيف اتصل الغرب بالشرق وكيف تأثر بحضارته وكيف انصرف الأوربيون بعد هذا الاتصال إلى نقل حضارة العرب إلى بلادهم ونسجوا على منوالها في علومهم

стр. 327

وفلسفتهم وآدابهم حتى عصر النهضة. مجلة المغرب في بلاد المغرب العربية نهضة أدبية جديدة تبشر بمستقبل زاهر. ولا تقتصر هذه النهضة اليوم على الاهتمام بالعلوم والآداب والسعي لاقتباسها بل قد تعدتها إلى الإنتاج الأدبي الناضج حتى بدأنا منذ سنوات نرى المؤلفات القيمة والصحف الراقية تظهر وتنتشر بكثرة. ومن الأسف أننا فسوريا لا نعرف إلا النزر واليسير من هذه الحركة الفكرية في البلاد الشقيقة. ولذلك لابد أن يأخذ منا الإعجاب كل مأخذ إذا اطلعنا على بعض المؤلفات أو الصحف التي تصدر في إفريقيا الشمالية. وهذه (مجلة المغرب) مثلاً التي وصلنا العدد التاسع من سنتها الثانية قد بهرنا إتقان طبعها وحسن تبويبها وجمال صورها وغزارة مواضيعها وتنوع مباحثها الجيدة، الدقيقة. وهي تصدر في الشهر مرة بالرباط من أعمال مراكش، رئيس تحريرها: الأستاذ محمد الصالح ميسة.

стр. 328

أخبار العلم والأدب النظام الاجتماعي بين الحق والقوة ألقى الدكتور كاظم الداغستاني في أواسط الشهر السابق، بناء على دعوة جمعية يقظة المرأة الشامية، محاضرة في بهو مدرسة دوحة الأدب موضوعها النظام الاجتماعي بين الحق والقوة وحضرها جمهور من السيدات المتعلمات في دمشق. وقد بدأ المحاضر بتعريف النظام الاجتماعي فبين الفوارق بين صفات الفرد وصفات الجماعة وشرح ما للحياة الاجتماعية من تأثير على الفرد في العقائد التي يعتقدها واللغة التي يتكلمها والتقاليد والعرف والعادات التي يجري عليها متطرقاً من ذلك إلى الصعوبة التي يلقاها علماء الاجتماع بسبب هذا التأثير في وضع نظم اجتماعية ثابتة يمكن أن تقوم مقام النظم الاجتماعية الحالية التي كثيراً ما تتحول وتتبدل بالنسبة لعاطفة الجماعة وأحوالها وأغراض الأفراد ومصالحهم الشخصية ثم ذكراهم العوامل التي تعمل في تحول النظام الاجتماعي مبيناً كيف أن عوامل القوة كثيراً ما تتغلب على عامل الحق ممثلاً على ذلك بقضية الرجل والمرأة في سوريا وفي سائر أقطار الشرق العربي وقد شرح بالأمثلة كيف أن عوامل القوة المسيطرة على الحق تخلق للرجال أعذاراً يبررون بها أنانيتهم واحتفاظهم بما تركته لهم التقاليد والعادات القديمة من سلطات يسترونها بسائق غرائزهم تحت ظواهر مختلفة ينسبونها إلى الشرف تارةً وإلى الدين مع أن الشرف والدين هما بريئان مما يريدون أن يلصقوه بهما. ثم أورد أمثلة كثيرة ذكرها علماء الروح والكتاب والفلاسفة عن انخداع المرء بكثير من عواطفه والشعور بها على غير حقيقتها قبل تحليلها وتفهمها على أنه لا يكفي للرجل أن يعرف الحق حتى يعترف به وقد أوضح المحاضر بأن تاريخ تطور القضية النسائية في الغرب وفي جميع أقطار الشرق يؤيد بأن الرجال لم يعطوا شيئاً للنساء من حقوقهن ولكن النساء هن اللواتي أخذن هذه الحقوق بما بذلته من المفاداة والتضحية. ثم تطرق المحاضر من ذلك إلى بيان القوة التي أمكن أن يتذرع بها النساء للوصول إلى ما هو من حقوقهن التي لا تنافي الشرف والدين مبيناً أن القوة قوتان مادية ومعنوية. المادية في جسم الإنسان وعضله والمعنوية في عقله وفكره وعلمه وعواطفه. والقوة المعنوية هي أعظم القوى وكثيراً ما تسير القوة المادية وتخضعها لإرادتها وهي تنشأ في الناس من

стр. 329

إيمانهم بأنهم مهضومو الحقوق وأنهم على حق فيما يطالبون به داعياً السيدات في النتيجة لأن يعتقدان أن نظامنا الاجتماعي فيما يتعلق بحقوق المرأة مابرح يتراوح بين الحق والقوة فتغلب فيه القوة الحق على أمره وأنه نظام كيفته وفسرته إرادة الرجال ومصالحهم الشخصية كما شاءت فتحكمت القوة الغاشمة فيه وهضمت الحق الصراح منه ذاكراً ما للمرأة السورية من الذكاء وحدة الفكر وقوة العقل إذا قيست بالنساء الغربيات وعلى الأخص بشقيقاتها شرقيات البلاد العربية، شارحاً كيف أنه على نهضة النساء لتوقف أكثر دعائم نهضتها الاجتماعية وكيف أن التربية القومية تعلو وتنحط بالنسبة لرقي نساء الجماعة وتقدمها وكيف أن نساء الجماعة هنّ دائماً مرآتها تنعكس عليها مبلغ حضارتها وما قطعته من مراحل في سبيل نطورها وتقدمها لكن الأنانية وحب الذات كثيراً ما يمنعان الرجال أن يعطوا ما لم يجهروا على إعطائه وقد ختم المحاضر كلامه بقوله: لا تنتظرن منا يا سيداتي شيئاً إلا متى غلبت قواً كن المعنوية نظامنا الاجتماعي وما بأيدينا من سلطات، نظن أنها حق من حقوقنا. فالحرية التي تطلبها الحقوق التي تطالبن بها هي كبقية الحقوق والحريات في هذه الحياة الدنيا وكلها لا تعطى إعطاء بل تؤخذ أخذاً. كيف يجب التدخين كتب الطبيب الألماني الشهير (فريدريك فون موللر) رئيس أحد المستشفيات في جامعة (ميونخ) مقالاً طويلاً عن التبغ ومضرات (النكوتين) الذي يحتوي عليه وبحث في أحسن الطرق لاتقاء هذه الأشرار. يقول (فول موللر) أنه قد ثبت بأن ليس هناك أية علاقة بين لون التبغ وبين مقدار ما يحتويه من النكوتين. فقد يوجد بعض أوراق التبغ القاتمة اللون التي يقل فيها مقدار النيكوتين وعلى العكس من ذلك في بعض الأنواع الناصعة. وقد تحقق بأن لذة التبغ إنما هي ناشئة عن وجود مادة (النيكوتين). فإذا أزيلت هذه المادة أو لم يترك منها في التبغ إلا كمية صغيرة جداً تنقص عن الواحدة في الألف لم يبق لتدخين التبغ من لذة. وكذلك النكهة تفقد بإزالة (النيكوتين). وهكذا فإن المدمنين على التدخين لا يمكنهم أن يرضوا عن التبغ الطبيعي بديلاً. إذن ما هي الوسيلة لاتقاء مضرات التدخين؟ لقد ثبت أن كمية النيكوتين الموجودة في التبغ لا تنتقل كلها مع الدخان بل إن قسماً كبيراً منها يضيع بالاحتراق. ودليل ذلك أنه إذا أكل إنسان (سيكاراً) كبيراً واحداً فإن النيكوتين

стр. 330

الموجود فيه يكفي لخنقه بينما لا ينجم عن تدخين هذا (السيكار) ضرر محسوس. وقد أظهرت التجارب أن مقدار النيكوتين الذي ينتقل مع الدخان لا يبلغ (٢٠) في المائة من مجموع السيكارة. ثم تبين من جهة أخرى أن النيكوتين يكون قليلاً جداً في أول التدخين ويزداد في آخر السيكارة لأنه يتراكم أثناء التدخين في القسم الأخير من السيكارة. ومن الحقائق المهمة التي كشفت عنها التجارب أن كمية النيكوتين تزداد بمقدار سرعة التدخين. ولذلك فإن ضرر التبغ يقل كثيراً إذا نحن التزمنا التأني والتمهل في التدخين. وينصح الأستاذ (فون موللير) جميع المدخنين الذين يريدون العناية بأمر صحتهم أن يحاذروا السرعة والعجلة في التدخين فإنه كلما كان التدخين بطيئاً كان ضرره قليلاً. عمر الوالدين وصحة الأولاد مازالت المباحث تدور منذ القدم حول معرفة العلاقة بين عمر الوالدين وبين حالة الأولاد الجسمية والروحية. وقد اختلفت آراء العلماء في هذه المسألة التي لها أهمية كبرى سواء من الوجهة الصحية أو الوجهة الاجتماعية. وقد قام أخيراً الطبيب (بنهولد - تومسن) في (مونيخ) بمباحث دقيقة لمعرفة إذا كان لتقدم الوالدين أو أحدهما في السن من تأثير في حالة الأولاد الصحية والروحية. ظل (بنهولد - تومسن) مدة عشر سنوات تقريباًمن١٩٢٠ - ١٩٢٩مننقطعاً إلى درس هذا الموضوع فكان عدد الأطفال الذين استطاع فحصهم في مستشفى جامعة (مونيخ) ١٣٥١٦وقد قسم مباحثه إلى عدة مواضيع فرعية مثل (١) تأثير تقدم الوالدة في السن، (٢) تأثير تقدم الوالد في العمر، (٣) تقدم الوالدين سوية في العمر، (٤) تأثير الفرق الكبير بين عمر الوالدين، (٥) درجة الطفل في الولادة أي هل هو أول ولد أم الثاني أم الثالث وتأثير ذلك، (٦) فرق المدة بين مولود وآخر. وإذا بحثنا في كل واحدة من هذه المسائل نرى آراء العلماء لا تزال في اختلاف شديد فيما يتعلق بتأثير عمر الوالدة في الطفل. وبينما يقول البعض أن (٣٠) سنة تعتبر متأخرة لولادة النساء يدعى غيرهم أنه حتى سن الأربعين أيضاً لا ينشأ عنها أضرار للمولود وقد

стр. 331

كان بين الأطفال الذين فحصهم الأستاذ (بنهولد - تومسن) ٣٨٢طفلاًمصابين بمختلف الأمراض التي يبلغ عددها (٩٨) أما عمر الوالد، فإن بعض علماء الإحصاء يدعى أن الذين يبلغون٤٠ - ٥٠سنة من العمر لا يخلفون إلا أولاداً ضعفاء غير صالحين للحياة. ويظهر هؤلاء العلماء كثيراً من الشك في تصديق نسبة بعض الأطفال الصالحين للحياة إلى آباء تزيد أعمارهم عن الستين. على أن بعض الباحثين يقول أن السبب في ضعف أولاد الرجال المتقدمين في السن لا يرجع إلى التقدم في العمر بل إلى سهولة تعرض هؤلاء الرجال إلى مختلف الأمراض أكثر من الشبان فتنتقل أمراضهم إلى أولادهم وتضعف مقاومتهم لصدمات الحياة. وفي النتيجة يقرر (بنهولد - تومسن) أن أحسن وقت للتوليد هو عندما لا يزيد مجموع عمر الوالدين سوية عن (٤٥) سنة وذلك يكون الرجل بين٢٠=٢٨. والمرأة بين١٨=٢٥، إنما يجب القول أن تقدم الوالد في السن لا يسبب أضراراً بقدر تقدم الأم في العمر. الأخوان مونغولفيه بمناسبة مرور١٥٠عاماً على اختراع المنطاد الناري أقيمت في فرنسا في ٥حزيران احتفالات كبيرة لتكريم ذكرى الأخوين مونغولفيه، صاحبي هذا الاختراع ولد الأخوان جوزيف واتيه في بلدة أنوناي بفرنسا حيث كان والدهما يشتغل بتجارة الورق. وكانت تظهر على الطفلين منذ الصغر آثار العبقرية وحب الاكتشاف والاختراع. وقد أنهى الأخ الأكبر (اتيه ن) دراسته في باريز وكان تلميذاً للبناء الشهير (سوفو) الذي وضع تصميم معهد الحقوق في باريز. ثم عاد إلى بلدته حيث توصل إلى اكتشاف سر الورق الصقيل الذي كان مجهولاً في فرنسا يستجلب إليها من الخارج. أما جوزيف فقد كانت له نزعات غبر معتادة تراه منقطعاً إلى الاطلاع على مختلف العلوم والبحث فيها وكان قد اكتشف لنفسه دساتير فكرية خاصة يستعين بها على حل الحسابات المستعصية. وهو قد فر من المدرسة منذ الثالثة عشرة من عمره وعاش متشرداً في الشوارع يبيع (الأزرق البروسياني) الذي كان يصنعه بنفسه. ثم انتقل إلى باريس حيث انصرف إلى العلوم يدرس منها ما يتفق مع ميوله وأهوائه وبعد أن عاد إلى بلدته اخترع بالاشتراك مع أخيه الأكبر المنطاد الأول. وقد تم لهما هذا الاختراع بصورة غريبة وذلك أن الأخوين كانا يفكران في إيجاد غيوم

стр. 332

اصطناعية يجمعانها ضمن كرة من الورق. فأحرقا لذلك تبناً رطباً وصوفاً مندوفاً؟ وبعد عدة تجارب لم تتحقق غايتهما من إيجاد الغيوم الاصطناعية ولكن كرة الورق طارت إلى ارتفاع بضعة أمتار وأوحت إليهما بفكرة اختراع المنطاد. . . وقد علل الأخوان ارتفاع المنطاد بالقلوية أو السيالة الكهربائية الناشئة عن الاحتراق ولكن العالم (سوسور) أثبت بالبراهين العلمية أن سبب الطيران خفة الهواء الساخن بالنسبة إلى الهواء البارد. الفيتامين في التمر ظهر من مبحث العالم (راؤول لوقوق) أن تمر النخيل، الغني بالمواد السكرية، يفوق في قيمته الغذائية أنواع السكر المعتادة وذلك لاحتوائه على مختلف أنواع الفيتامين (أ) و (ب) و (د). هل اكتشف جرثوم السرطان أذاع الطبيبان (غلوفر) و (نكل) من المعهد الصحي الوطني في الولايات الأمريكية المتحدة أنهما قد وفقا إلى تلقيح السرطان في نوع من الفيران بحقنة مزروع جرثومي أخذ من مريض مصاب بالسرطان. وهذا الحادث يدحض رأي العلماء الذين يدعون أن السرطان ليس من الأمراض الجرثومية. لون النجوم جاء في تقرير قدمه العالمان (دوفاي) و (سوبين ليو) إلى المجمع العلمي الفرنسي أن النجوم المتشابهة كلما ازدادت بعداً عن عالمنا الأرضي ازداد لونها احمراراً

стр. 333

العدد ٥ - بتاريخ: ٥ - ٨ - ١٩٣٣

стр. 334

العبقرية والثقافة قد نشعر عند النظر في آثار الشعراء والموسيقيين والمصورين والعلماء والفلاسفة بشيء من الاستحسان والإعجاب البسيط دون أن ندهش أو نتحير، وقد تعورنا عند النظر في بعض آثار الفن والعلم هزة نفسية عميقة فلا ندري كيف تم لصاحبها هذا السحر وكيف تأتى له هذا التركيب حتى خرج عن المعتاد. فإن كان الأثر الفني بسيطاً وضعناه في جنس الأشياء المألوفة ولم نحفل به، وإن كان عظيماً لم نجد له جنساً ندخله فيه بل تحيرنا ودهشنا بصفاته التي لا يمكن إرجاعها إلى أي نوع من الأنواع المعروفة. والمبدع الذي يبدع آثار الفن، وعجائب الصناعة، وحقائق العلم، ومذاهب الفلسفة نسميه عبقرياً. ونسمي صفته هذه بالعبقرية. إذن فالعبقرية هي القدرة على إبداع الآثار العجيبة في الفن والعلم والفلسفة. كأن الناس لا يعترفون بالعبقرية إلا للرجل الذي لا يقيم معهم في كهف الحياة الضيق ولا يمشي معهم في طريق الحياة العملية، بل يعلو إلى أفق غير أفقهم ويكون من طور غير طورهم. فلا يحرك الشعر نفوسهم إلا إذا احتوى على موسيقى جديدة وروح حديثة لا عهد للشعراء بها من قبل. ولا يفتنون بصورة من بدائع التصوير إلا إذا بعثت هذه الصورة في نفوسهم نسمات اللانهاية. فكأن في الأثر الفني الجديد شيئاً لا يدركه الخيال ولا تكشف عنه الذاكرة، وكأن تحقيقه يحتاج إلى جهود لا طاقة لنا بها. نعم إن بين العبقري وعامة الناس صلة إعجاب، ولولا هذه الصلة لما أدركوا وحيه، ولا فهموا لغته ولكن المسافة التي بينهما لا تقاس بمقياس معروف. ولذلك كانت صلة الناس بالعبقري لا تقتصر على الإعجاب فحسب بل تنقلب إلى احترام وحب والرجال كما قال (شامفور) أشبه بحجارة ألماس، كلما عظم حجمها واشتد لمعانها، ازدادت قيمتها وقد يزداد حجمها فيبلغ درجة لا مجال فيها إلى تقدير الثمن، إذ هي باهظة لا يستطيع أحد أن يدفع ثمنها وهذا معنى قةل ابن سينا عن نفسه: لما عظمت فليس مصر واسعي ... لما غلا ثمني عدمت المشتري وكثيراً ما يبتعد المعجبون بآثار الفن عن العالم المحسوس فيصيبهم غيبة من شدة التأمل والتلذذ بالجمال. لأن حياة العبقري لم تتألف مما هو متبدل محسوس بل نسجت من أحلام الناس ونزوعهم إلى الخلود وتطلعهم إلى المثل العليا. لا أريد الآن أن أبحث في صفات العبقرية وأطوارها وأنواعها بل أريد أن أذكر شيئاً من

стр. 335

العناصر التي تبني عليها. لاشك في أن البحث عن عناصر العبقرية يحتاج إلى نطاق أوسع من النطاق الذي حددت به هذا الموضوع. ولذلك تراني مضطراً إلى حصر البحث في عنصرين أساسيين وجدت بينهما وبين حياتنا علاقة حقيقة. وهذان العنصران هما الغريزة والثقافة. فما هي الغريزة؟ الغريزة هي ميل فطري للقيام بأعمال مشتركة بين أفراد النوع تبلغ درجة كمالها منذ تولدها ومن غير أن يتعلمها الفرد. وهي ذات تعلق بالشروط المحيطة به إلا أنها ثابتة لأن الفرد يقوم بها على نمط واحد وهي فاعلية عمياء لا تدل على أن الفرد شاعر بالغاية التي يسعى وراءها. فالنحلة تنسج أقراص العسل بالغريزة لا بالعقل والطير تبني أوكارها بهذا السائق الطبيعي لا بحكم التأمل العقلي. فهل يهتدي العبقري إلى صور الفن كما تنسج النحلة أقراص العسل، وهل يبني المهندس بناءه كما تجمع الطير عيدان القش وأوراق الشجر وترتبها موافقاً للغاية التي تقصدها أو بعبارة أخرى هل العبقرية فاعلية عفوية لا أثر للجهود العقلية والعمل الإرادي والكسب في تكوينها؟ قال (لامارتين): ياصاحبي! لم يكن غنائي إلا كتنفس الطفل وتغريد الطير وهبوب الريح وخرير الماء الجاري ومعنى ذلك أن الإبداع إنما يكون بالطبع أي بالملكة الأولى التي لا أثر للكسب فيها. مثال ذلك أن كثيراً من الشعراء لا يعرفون من أين يأتيهم الوحي ولا يدركون كون كيف يتوصلون إلى الإبداع فكأنهم يتكلمون بلغة الملأ الأعلى وكأنه لا إرادة لهم فيما يفعلون. وقد قال (شوبنهاور) إن أول الصفات الدالة على العبقرية هي قوة الحدس في الكشف عن حقائق الأشياء، فبينما يحتاج الإنسان الاعتيادي إلى المحاكمة والبرهان تجد العبقري يدرك بالحدس ما يحتاج غيره في إدراكه إلى زمان فكأن العبقرية خارجة عن نطاق الزمان في وصولها إلى الحقيقة. وكأن الإبداع نتيجة عفوية لما في طبيعة الإنسان ومزاجه واستعداده من العوامل، ومن الصعب أن نرجع هذا الحدس وهذا الاستعداد الطبيعي إلى عمل غريزي، لأن الغريزة فاعلية عمياء، لا تجديد فيها بحسب الظاهر ولا إبداع بل هي على نمط واحد. انظر إلى النحلة إنها لم تغير نسج أقراص العسل منذ آلاف السنين، وإذا كان في الغريزة شيء من التغير فهو خفيف جداً لا قيمة له إذا نسب إلى إبداع العقل وإشراق

стр. 336

الحدس. وكثيراً ما بحث الفلاسفة في مزاج العبقري واستعداده الطبيعي واستدلوا على عبقريته بصفاته الجسدية كحجم الدماغ وشكل بطونه ونسيجه ونسبته إلى الجسد وتأثير الغدد الداخلية وغير ذلك من الظواهر الدالة على صحة البنية وتعلق الأحوال النفسية بها. أنا لا أنكر أن للمزاج والدم والاستعداد الطبيعي وتركيب الجسد وصحته تأثيراً قوياً في تكوين العبقرية. وربما كنت أميل إلى الاعتقاد أن تأثير الفطرة في الفرد لا يقل عن تأثير الكسب إلا أن هذا الكسب لا يتم إلا تحت تأثير المبادئ العقلية. ومن الصعب أن نضع المبادئ العقلية في موضع الغريزة. والفطرة لا قيمة لها إلا إذا صقلت وحسن استعمالها وهل يكون إنتاج الأرض التي لم تحرث معادلاً لإنتاج الأرض التي عني صاحبها بحرثها وفقاً لطرائق الفن الحديثة. وليس سر النجاح في حسن استعمالها. ولو سمح لي القارئ باستعمال الاصطلاحات المدرسية لقلت أن هذه الاستعدادات الطبيعية هي الشر الضروري لا الشرط الكافي لوجود العبقرية وهي لا تنحل إلى غرائز عمياء أما العبقرية الحقيقية فلا تنبثق إلا تحت تأثير الثقافة. وفي الحق أنك إذا استعرضت حياة بعض العبقريين وجدتها مثالاً للدرس المنتظم والعمل الإرادي والجهد الشعوري وأدركت أن الإبداع لا يكون من العدم وأن الغريزة والاستعدادات الطبيعية والإلهام والاتفاق والمصادفة لا تكفي لتعليل ما ينتجونه من بدائع الفن وحقائق العلم. نعم إن المخترع كثيراً ما يكتشف عن الحقيقة بدافع عفوي فلا يدري كيف أشرق عليه النور ويظن نفسه في بحر عميق حتى لقد قال غوته: كتبت آلام فرتر وأنا مستغرق في سبات عميق غير شاعر بما كنت أفعل ولشد ما كان عجبي عظيماً حين قرأت ما كتبتوظاهر القول يدل على أن انبجاس الوحي لم يكن بتأمل وإرادة إلا أنك إذا عرفت العمل الإرادي قد سبق الإشراق العفوي، وإن الحياة اللاشعورية لا تنتج بنفسها شيئاً بل تخمر العناصر التي أودعتها الحياة الشاعرة فيها، وأن هناك تأملاً إرادياً وتفكيراً منتظماً، وصبراً وجهداً مؤلماً، مثال ذلك أن كبلر لم يكتشف إهليلجية الأفلاك إلا بعد أن جرب تسع عشرة فرضية وأن باستور شاهد بنفسه أو بواسطة مساعديه (٥٠٠٠٠) دودة من دود الحرير فدرس أحوالها ودقق فيها قبل أن يكتشف أسباب أمراضها. كل ذلك يقتضي أن يكون العالم حسن الانتباه الإرادي قوي التأمل والإمعان. وقد قيل كلما كان العالم أوسع

стр. 337

معرفة وأحسن ثقافة كانت مشاهدته أكثر ضبطاً وأصح نتيجة. ولو أن التفكير كان مجرداً عن الثقافة التي يكتسبها الإنسان من بيئته الاجتماعية ولغته وزمانه وما انتقل إليه من طرائق البحث وصناعة الفن لقلنا أن هذا الإبداع إنما حصل بسائق طبيعي مجرد عن الكسب ولكنك إذا رجعت إلى العبقريين وجدتهم يستفيدون من بيئتهم وزمانهم ومصطلحات فنهم. وأكثرهم نبوغاً أقواهم إرادة وأدومهم سعياً وراء الغاية التي أوحى بها القلب وصورها الخيال. وقد فطن نيتشه إلى هذا الجهد الإرادي الذي يجب على الرجل السامي أن يبذله حتى يتغلب على الغريزة فذكر في كتابه (زرادشت) المراتب التي يجب على المعتزل أن يمر بها حتى يصبح إنساناً كاملاً وكلها تدل على تغلب الإرادة على الإلهام العفوي والوحي الباطني. ولعل السبب في احتقار نيتشه لروسو استسلام هذا الأخير سواء أكان في كتاب الاعتراف أم في كتاب (هلويز الجديدة) أم في حياته إلى تقلبات الطبيعة وأهواء النفس ولم يعجب (ستندال) بنابليون لإتباعه غريزته والهامة بل لقوة إرادته وسعيه وانتظامه. ولعل الذين يستسلمون كلامرتين وروسو وجورج ساند لشياطين الوحي يتبعون في سرهم طريقة منتظمة لا تدل عليها حياتهم المشتتة. فكأن وراء الكسل الظاهر عملاً باطنياً منتظماً وراء التشويش سعياً دائماً. من هذا يتبين لنا أن العبقرية إنما تنسج بآثار البيئة وأحلام الجماعة ومصطلحات الزمان سواء أكان ذلك في العلم أم في الفن فالعرب مثلاً لم يتجردوا عن الثقافة الإسلامية عندما أخذوا بفلسفة اليونان بل اقتبسوا تلك الفلسفة الأجنبية وأنضجوها وألبسوها حلة عربية وسعوا للتوفيق بينها وبين الدين وهذا أبو نواس وأبو الطيب وأبو العلاء هل تجردوا عن ثقافة البيئة التي نشئوا بها. لاشك أن إعجاب المتنبي بأبي تمام أثر في شعره تأثيراً حسناً وقد كان تأثير ابن سينا والفارابي في ثقافة الغزالي عظيماً جداً. ثم هل تجرد فغنر وبيتهوفن عن مصطلحات الموسيقى أم هل أهمل شكسبير وهوغو ما تقتضيه صناعة الشعر من الممارسة. وهل توصل ديكارت وباسكال وليبنز إلى ما وصلوا إليه دون أن يقتبسوا من الثقافة زمانهم. لكل عبقري أستاذ ينحو نحوه ومثال يقلده وهذا التقليد ضروري له إلى أن ينتقل من أفق التقليد إلى أفق الإبداع. على أن هذه الثقافة لا يجوز أن تبقى خارجية سطحية بل يجب لأن تمازج اللحم والدم وتصبح ذاتية. إذ هي مشتركة بين الجميع

стр. 338

وإذا اقتصر الفرد على اكتساب ما ينقله إليه المحيط دون تمثيله كان مثقفاً بالعرض لا بالذات وهذا مخالف لشروط العبقرية لأن العبقرية يجب أن تكون ذاتية فردية وهذه الصفة الذاتية تدل دلالة واضحة على أن المسافة بين العبقرية والغريزة شاسعة جداً لأن الغريزة صفة مشتركة بين جميع أفراد النوع أما العبقرية فهي صفة ممتازة لا يشارك صاحبها فيها أحد فالغريزة والفطرة والمزاج والاستعداد والإلهام كل ذلك ضروري للنبوغ أما العبقرية فلا تنمو إلا بتأثير الثقافة. لقد حلني على البحث في العبقرية من هذه الوجهة ما وجدته عند بعض كتابنا وعلمائنا من إهمال الثقافة عامة كانت أو خاصة. إذ يظن بعضهم أن الاستسلام للحدس وإطلاق العنان للخيال وحرية الإلهام كل ذلك كافٍ للإبداع ويظنون أن ما جاءوا به إنما هو وحي جديد وإلهام خاص بهم في حين أنه كثيراً ما يكون تكراراً لما قاله غيرهم قبلهم. ولو اطلعوا على ما جاء قبلهم لأعانهم هذا الاطلاع على الإتيان بأشياء جديدة إلا أنهم يستصغرون الذي ينقب في بطون الكتب ويكثر من الاستشهاد وذكر المصادر وقد خفي عنهم أن لكل زمان ثقافة وأن لكل فن صناعة وأن من واجب كل زمان أن يطلع على ثقافة الأزمنة السابقة ويزيد عليها. وقد تجد في العلماء من يجهل آداب ما يجري في العلم والفن في البلاد الأجنبية كل ذلك يدل على نقص في الثقافة. ولعل هذا النقص من أهم الأسباب الداعية إلى تأخر الإبداع في آدابنا وعلومنا، ولكننا لا نزال مغرمين باستعدادنا الطبيعي فندرس بدون طريقة وننتج بدون غاية. ولو استسلم الناس لهداية الطبيعة لكانت حياتهم في الغالب عبارة عن تكرار دائم لأحوال ثابتة ولامتنع التقدم والتطور ولبقي الإنسان حيث كان من ظلمات الغريزة وشبهات المادة. جميل صليبا

стр. 339

صفحة من شعر سقى الله. . . يامن يعيد ليالينا التي سلفت ... بما شاء من الأعوام من أجلي إذا خلونا جعلنا شرط ليلتنا ... من نام، نبّهه اليقظان بالقبل فكنت أنوم من فهدٍ بيقظتها ... كيما تقبلني علاَّ على نهل فإن غفت أو بدت في عينيها سنة ... أهويت ألثمها - والشرط أملك - لي فيا لها ليلةً معسولةً ضمنت ... أن لا تزال من التقبيل في شغل كلهم شعراء أصبح القوم كلهم شعراء ... من نساء وصبية ورجال لا أغالي بما أقول إذا هم ... قنعوا من حياتهم بالخيال اللغة الجديدة تغير مدلول الكلام فعاذر ... إذا نحن لم ندركه حين يردد فكل بذيء ناقد ذو بصيرة ... وكل سخيف من مقال تجدد. . . خليل مردم بك

стр. 340

مائة نقلة من كتاب نقل الأديب وهي ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب مؤلفة محمد إسعاف النشا شيبي الشاكر والصابر في الجنة نظرت امرأة عمر بن الخطاب يوماً في المرآة، وكانت من أجمل النساء، فأعجبها حسنها، ونظرت إلى عمران وكان قبيحاً فقالت: أبا شهاب، هلم فانظر في المرآة. فجاْ فنظر إلى نفسه وهو إلى جانبها كأنه قنفذ، ورأى وجهاً قبيحاً فقال: هذا أردت؟ فقالت: أني لأرجو أن أدخل الجنة أنا وأنت. قال: بم؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت. الشاكر والصابر في الجنة. كتاب أمير المؤمنين لا يكون ملحونا. قال ابن الخطيب البغدادي: كتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن العنبري (وهو قاضي البصرة) كتاباً فقرأه عبيد الله فرده فحمل عبيد الله إلى المهدي فعاتبه فكان فيما عاتبه به أن فال له: رددت كتابي. فقال عبيد الله: يا أمير المؤمنين أني لم أرد كتابك، ولكنه كان ملحوناً، وكتاب أمير المؤمنين لا يكون ملحوناً. فصدق المهدي مقاتله، وأجازه، ورده إلى عمله. حتى لا تقول حلقة، حلقة؟ قال ابن عساكر: كان زريع على عسس بلال فقال له يوماً: يا بني، إن أهل الأهواء يجتمعون في المسجد ويتنازعون، فاذهب فتعرف ذلك. فذهب ثم رجع إلي، فقال: ما وجدت فيه إلا أهل العربية حلقة حلقة فقال: إلا جلست إليهم حتى لا تقول: حلقة، حلقة؟ أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة؟ قال ياقوت الحموي: سأل بعض الأكابر من بني طاهر أبا العباس ثعلباً أن يكتب له مصفحاً على مذهب أهل التحقيق فكت (والضحى) بالياء. ومذهب الكوفيين أنه أذا كانت كلمة من هذا النحو، أو الهاضمة أو كسرة كتبت بالياء - وإن كانت من ذوات الواو - والبصريون يكتبون بالألف. المبرّد في ذلك المصحف. فقال: ينبغي أن يكتب (والضحى) بألا لف لأنه

стр. 341

من ذوات الواو. فجمع ابن طاهر بينهما. فقال المبرد لثعلب: لم كتب (والضحى) بالياء؟ قال: لضمة أوله. قال: ولم إذا ضم أوله - وهو من ذوات الواو - تكتبه بالياء؟ قال: لأن الضمة تشبه الواو. وما أوله واو يكون آخره ياء، فتوهموا أن وله واو. فقال المبرد: أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة؟ مهداً، ثلثداً، أسطوط قال ابن حزم: إن الذي، وقفنا عليه، وعلمناه يقيناً، أن السريانية والعبرانية، والعربية التي هي لغة مضر وربيعة - لا لغة حمير - واحدة، تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام لغة الأندلس ومن الخراساني إذا رام نغمتهما. ونحن نجد من سمع لغة أهل (فحص البلوط) وهي على ليلة واحدة من قرطبة كاد أن يقول: إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير في البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلاً لا يخفى على من تأمله. ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلاً. وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى، ولا فرق. فتجدهم يقولون في العنب: (العينب) وفي السوط (أسطوط) وفي ثلاثة دنانير: (ثلثداً) وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال (السجرة) وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاءً فيقول: (مهمدا) إذا أراد أن يقول: محمدا ومثل هذا كثير فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية يقن أن اختلافها من نحو ما ذكرناه من تبديل الفظ الناس على طول الأزمان. واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل. إن لم تكف عن هذا الكلام بارت قريتك قال السبكي: ذكر الزبير بن بكار أن بعض التعقرين كتب إلى وكيل له بناحية البصرة: أحمل إلينا من الخوزج والكنعد الممقوريين والإوز الممهوج، ولحم مها البيد ما يصلح للتشرير والقديدفكتب إليه وكيله: إن لم تكف عن هذا الكلام بارت قريتك فأن الفلاحين ينسبون من ينطق بهذه الألفاظ إلى الجنون. التخصص بمعرفة التلصص

стр. 342

قال الثعالبي: سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: أنشدني الصاحب نتفه له، منها هذا البيت: فأن هو لم يكفف عقاب صدعه ... فقولوا له: يسمح بترياق ريقه فاستحسنه جداً حتى حممت من حسدي عليه، وودت لو أنه لي بألف بيت من شعري. قال الثعالبي: فأنشدت الأمير أبا الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي هذا البيت، وحكيت هذه الحكاية في المذاكرة فقال لي: أتعرف من أين سرق الصاحب هذا لبيت؟ فقلت لا والله. قال: إنما سرقه من قول القائل، ونقل ذكر العين إلى ذكر الصدغ: لدغت عينك قلبي ... إنما عينك عقرب لكن المصة من ريقك ... ترياق مجرب فقلت: لله در مولانا الأمير، فقد أوتي حظا كثيراً من التخصص بمعرفة التخصص. على أنه قيل في الوقت. قال أبو المستهل: دخلت يوماً على سلم الخاسر، وإذا بين يديه قراطيس فيها أشعار يرثي ببعضها أم جعفر، وببعضها جارية غير مسماة، أقواماً لم يموتوا. وأم جعفر، يومئذ باقية فقلت له. ويحك! ما هذا؟ فقال: تحدث الحوادث فيطالبونا بأن نقول فيها ويستعجلونا، ولا يخمل بنا أن نقول غير الجيد فنعد لهم هذا قبل كونه، فمتى حدث حادث أظهرنا ما قلناه فيه على أنه قيل في الوقت. ذاك لمن لا يسخف إلى بيت الزراجين. قال عامر بن هشام القرطبي: قالوا: الكفاف مقيم. قلت: ذاك لمن ... لا يسخف إلى بيت الزراجين ولا يبلبله هب الصبا سحراً ... ولا بلطفه عرف الرياحين ولا يهيم بتفاح الخدود، ورمان ... الصدور وترجيع التلاحين تستعين به على صيانة جمالها، ورونق بجتها قالت سلمى بنت القراطيسي من أهل بغداد وكانت مشهورة بالجمال: عيون مها الصر يم فداء عيني ... وإيجاد فداء جياب أزين بالعقود، وأن نحري ... لأزين للعقود من العقود

стр. 343

ولا أشكو من الأوصاب ثقلا ... وتشكو قامتي ثقل النهود وبلغت هذه الأبيات المقتفي أمير المؤمنين فقال: أسألوا هل تصدق صفتها قولها؟ فقالوا: ما يكون أجمل منها. فقال: أسئلوا عن عفافها؟ فقالوا: هي أعف الناس. فأرسل إليها ملا جزيلا وقال: تستعين به على صيانة حمالها ورونق بهجتها. ألا نسيم الصبا والقوم أغصان. حضر الشاعر ابن القيسر أني مرة في سماع، وكان المغني حسن الغناء، فلما طربت الجماعة، وتواجدوا، قال: ولله لو أنصف العشاق أنفسهم ... فدوك منها بما عزوا وما هانوا ما أنت حين تغني في مجالسهم ... ألا نسيم الصبا، والقوم أغصان إسعاف النشاشي

стр. 344

الصف الفني لعز الدين التنوخي الوصف لغة ذكر الشيء بحيلته ونعته، فالوصف والنعت لدى علماء اللغة مترادفان، وعند علماء الكلام متباينان، وبلغة المجاز يدل الوصف على الكشف والبيان. ومنه حديث عمر، رضي الله تعالى عنه، في الثواب الرقيق تلبسه الغانية وإن لا يشفّ، فأنه يصف إي أن ثوبها يصف برقته جسمها فيظهر منه حجم الأعضاء فشبه ذلك بالصفة كما يصف التاجر سلعته، والزارع غلته، والخاطب مخطوبته، والمفارق محبوبته. والوصف الأدبي قديماً لا يختلف عن الوصف اللغوي كثيراً، فكان في النثر يجتزأ بذكر الموصوف ببعض حلاه ونعوته، وكان في الشعر يقتصر - كما سنورده على التشبيه غالباً، وإن كان هذا لم يمنع بعض أئمة الأدب من أشباه الجاحظ من الاهتداء أو المقاربة مما ينبغي أن يكون عليه الوصف، وهذا أبو هلال العسكري يقول في الصناعتين: أن أجود الوصف ما يستوعب معاني الموصوف حتى كأنه يصور الموصوف لك فتراه نصب عينيك. ولكن السواد الأعظم من أدبائنا وشعرائنا لم يهتدوا لأصول الوصف، ومن ترك الأصول، حرم الوصول، ولذلك كان ما يستهوي القلب ويمتع العين من آثارنا القديمة قليلاً لا يروي غليلاً، ولو نضج فن الوصف على عهد استبحار حضارتنا، نضجه في الأدب الغربي اليوم، لعرفنا من تلك الحضارة السامية الفخمة ما لم نعرف ولرأينا من الصور الفتانة والمشاهد ما لم نشاهد، لأن الوصف الصادق من عوامل التبيين، لا من وسائل التزيين. أجل كان الوصف في الشعر والنثر من وسائل التزيين، وكان قوامه التشبيه ولو كان المشبه أوضح من المشبه به حين لا تدعو حاجة إلى محاكاة وتمثيل، ولم ينجم في عصرنا هذا من الوصافين البارعين نظير الأديب الكبير عبد العزيز البشري إلا باطلاعهم على أدب الغرب وآيات النابغين الناهبين فيه، ولو لم يطلع أديبنا البشري على أوصاف لابرويار فيسجاياهلما كتب له التوفيق بإتقان ووصفه البالغ فيمراياه. ولولا بعض من أجاد الوصف من رجال الصحافة لضاعت على تاريخنا القومي والوطني حقائق جمة، ولخفيت صور مشاهد خطيرة ومع ذلك فنحن مقصرون كل التقصير في

стр. 345

وصف كثير من مشاهد التاريخ في دمشقنا المحبوبة، ومنبض فؤاد العروبة فمن ذا الذي وصف لنا نثراً خرائب حمام القاضي والميدان، وصفاً صادقاً يثير كوامن الأسى والأشجان، ومن الذي صورنا نحن الدماشقة في مرابع لهونا من الفوطتين، ومجامع أنسنا في النيربين، أو في مقاصف مصائفنا من الفيجة والزبداني ومضايا وبقين وبلودان؟ وأية لوحة وصفية خالدة لنا تصور جامع أمية قديماً، أو قصر أمية أخيراً أو تصور لنا هذه المدرسة العادلية الكبرى التي تضم ضلوعها على الملك العادل على المجمع العلمي وردهة محاضراته، وعلى دار الآثار وروائع طرفها. إن الوصف في لغتنا العربية لا يزال معظمها بعيداً عن التخصيص والتمييز فهو لا يصور لك الموصوف تصويراً يميزه عن سائر أشباهه ونظائره فتراه كما يقول صاحب الصناعتين نصب عينيك، ما بين يديك، فماذا سمعت شاعراً يصف لك دمشق مثلاً، ولم يذكر لك اسمها، تحار في الموصوف فتحسبه يصف لك القاهرة أو بغداد أو طهران، لجواز اتصاف المعزية، أو مدينة السلام أو طهران العجمية، بأوصاف دمشق العربية، كذلك إذا سمعت من ضروب الوصف مديحا أو رثاء أو هجاء ولم يذكر لك الممدوح أو المجروح، لم تعرفه مهما حذقت الكهانة، لأنه لم يوصف بالأوصاف الخاصة، والفوارق المميزة، التي تخرجه من زمرة أشكاله وأمثاله وهلم جراً من الموصوفات في لغتنا التي لا يخصصها ما اختصت به من سمات، ولا يميزها عن أشباهها ما امتازت به من صفات، وإنك لترى الشاعر أو الناثر إذا أكثر من الأوصاف المزوقة لا المحققة جمح به الوصف إلى الغلو والإحالة، مما يذهب ببهجة القول، ويطفأ نور الحق، ويبطل سحر البيان، خذلك مثلاً على ذلك قول الطغرائي يصف محمد بن ملكشاه السلجوقي، وقد عثرت على هذا القول اتفاقاً: لجلال قدرك تخضع الأقدار ... وبيمن جدك يحكم المقدار ولك البسيطة حيث مدَّ غطاءه ... ليلٌ وما كشف الغطاء نهار . . . . . إلى أن يقول: عم البرية والبسيطة عدله ... فالخلق شخص والبسيطة دار شكراً فقد أتاك ما لم يؤته ... أحد سواك الواحد القهار أصحيح ذلك؟ وهل يقول الحق إذ يقول:

стр. 346

تعظي وتمنع من تشاء بإذنه ... فبكفك الأرزاق والأعمار تتفاوت الأقدار ما بين الورى ... فإذا ذكرت تساوت الأقدار وأسوت جرح الحادثات وطالما ... كنا وجرح الحادثات جبار فهل صدق ليت شعري الطغرائي بهذه الصفات التي من جملتها أسو جرح الحادثات أم أن أعذاب الشعر أكذبه، وأعجبه أغربه؟ وإذا خطر لكاتب أن يصف بلدة قال مثلاً: بلدة ترابها عبير وحصباؤها عقيق وهواؤها نسيم وماؤها رحيق، كوكبها يقظان، وجوها عريان، يومها غداة وليلها سحر، وما أشبه ذلك من التفاهة والهذر، وتراه في وصف الحصن يقول: حصن كأنه على مرقب النجم، ومجير من القدر الحتم، يحسر دونه الناظر، ويقصر عنه العقاب الكاسر، يكاد من علوه يغرف من حوض الغمام، انتطق بالجوزاء وناجت يرجوه أبراج السماء، ونحو ذلك من الخرطوالهراء، هذا والحصن طبقة أو طبقتان من البناء، فكيف وماذا ليت شعري نقول لو أردنا أن نصف نواطح السحاب من الأبنية الأمر بكية وهي طبق، وقد تبلغ أو تتجاوز حد الأربعين من الطبقات فتنطح بالفعل الغيوم، وتكاد تصعد لتتحلى بالنجوم! ثم إذاهم بوصف دار سرية لم يستعمل من التعابير إلا ما لا معنى له مما يخصص دارا، ولا يصور منها شرفه ولا جدارا ولا يذكرها حيا ولا جوارا، كقوله مثلا: دار تخجل منها الدور، وتتقاصر لها القصور، هي دائرة الميامن ودارة المحاسن قد أخذت أداة الخنان وضحكت عن العبقري الحسان، يخدمها الدهر، وياويها البدر، ويكتفها النصر وهلم جرا. وإذا أخذ في وصف روضة صورت فيها يد المطر أبهج الصور قال: روضة كالعقود المنظمة، على البرود المنمنمة، نشرت طرائف مطارفها، ولطائف زخارفها، فطوي لها الديباج الخسرواني، ونفي معها الوشي الأسكندراني كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد: كلام طلي مزخرف معسل، ولكنه لا يبلغنا من الوصف المأمول! هذه هي تعابير الوصف قديماً في النثر، وأما في الشعر فاسمع مثلاً ما يقول أبو الحسن اللامي تلبية لطلب عضد الدولة بن بويه في وصف شعب بوان، وانظر كيف ينطبق قوله هذا على غوطتنا الفيحاء وأشجارها وأطيارها وأنهارها: أمرر على الشعب وأنزل روضة الانفا ... قد زاد في حسنه فازدد به شغفا

стр. 347

إذ ألبس الهيف من أغصانه حللا ... ولقن العجم من أطياره نتفا وانظر إليه ترَ الأغصان مثمرة ... من نازع قرطا أو لابس شنفا والماد يثني على أعطافها أزراً ... والريح تعقد في أطرافها شرفا ويقول شاعر آخر في شيراز ما ينطبق على دمشق وبغداد، وبرلين ولينينغراد: إن شيراز بلدة لا يكاد ال ... طرف يأتي - وان تناهى - عليها ليس تدري سكانها أسرور ال ... نفس يأتي من خلفها أم يديها لو رآها امرؤ وأدخل عدنا=سأل الله أن يرد إليها وبما أن في دمشق ودمشقنا هذه الفيحاء مهوى أفئدة الشعراء، وفيهم من يقول فيها: الشام شامة وجنة الدنيا كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلق وبما أن المتقدمين كانوا يعدون نزه الدنيا وجناتها أربعا وهي: غوطة دمشق ونهر الأبلة وصغد سمرقند وشعب بوان، ويضربون بكل منها المثل في الحسن والطيب وجمال المنظر، ويقول أبو بكر الخوارزمي: قد رأيتها كلها، فكانت غوطة دمشق أطيبها وأحسنها، ولم أميز بين رياضها المزخرفة بالأنوار والأزهار وغدرانها المغمورة بطيور الماء التي هي أحسن من الدراريج والطواويس، لذلك كله وبعد أن سمعنا ما قيل في وصف شعب بوان، المعدود من نزه الدنيا الأربع، وما سمعناه في مدينة شيراز المجاورة تغزل شعرائنا بالفيحاء، كقول ابن حمدان التغلبي فيها، ولولا ذكر أسمها في آخر مدينة ذات أشجار تجري من الأنهار: جمعت مآرب كل ذي أرب ... فيها ونخبة كل منتخب فهواؤها تحيا النفوس به ... وترابها كالمسك في الترب تجري بها الأمواه فوق حصى ... كرضاب ثغر بارد شنب من كل عين كالمرأة صفا ... أو جدول كمهند القضب يشتق أخضر كالمساء له ... زهر كمثل الأنجم الشهب هذا ومن شجر تعطفه ... يحكي الغطاف الجرد العرب في فتية فطنوا لدهرهم ... فتناولوا اللذات عن كثب ماشئت من جود ومن كرم ... فيهم ومن ظرف ومن أدب

стр. 348

متواصلين على مناسبة ... بالفضل تغنيهم عن النسب فالوصف على ذلك عندنا لا يقصد من أكثره على الغالب إلا الثناء والإطراء أو الإزراء والهجاء، لا تخصيص الأشياء وتميزها عن أشباهها تمييزاً يزيل كل لبس، ويرد الراحة إلى النفس، على أن لكثير من نوابغنا من الوصف الدقيق الروائع ما يكاد يستوفي شرائطه فيمثل الموصوف لعين القارئ فيصدق عليه انه أحدى الرؤيتين، وسنأتي من مثل هذا الوصف بأروع الوصف العربي معززة بروائع الصف الغربي من فرنسي وايطالي وإنكليزي وألماني وأمريكي، فان في المقابلة بين نماذج الوصف الفني في الأدبين العربي والغربي، وفي أنعام النظر في خصائص كل منها، ما يجلو لنا الفرق بينهما إي جلاء، وبضدها تتميز الأشياء. عز الدين التنوخي

стр. 349

تاريخ السل للدكتور مرشد خاطر قد أطلت الكلام عن ابن سينا وأسهبت في تعليل بعض المستحدثات التي جاء بها عن السل ومن أحق منا بإظهار ما أوجد جدودنا القدماء وبإبداء فضائلهم ورفع الستار عن علومهم التي استنار بها الغرب حين كان يتسكع في دياجير الجهل فإذا نحن طمسنا فضلهم فمن تراه ينطق به. إن الواجب يقضي علينا بأن نرفع راية الجدود وألا نكتفي بالفخ بهم بل أن نتخذهم مثالا حياً لنا نتبعه في نهضتنا العلمية فنبني بعلومنا أسس استقلالنا المنشود. أما الآن وقد ختم ذلك العصر المجيد عصر العرب فلنر التطور الذي تطوره السل بعد أن أنتقل الطب إلى الغرب. لم تجل عدوى السل جيداً ولم يكتب عنها في التاريخ الطبي شيء صريح إلا في القرن السادس عشر إذ جاء فرا كستور من فارونا في إيطالية وألف ثلاثة كتب أسماها: العدوى والأمراض المعدية ومعالجتها سنة ١٥٤٦وهي مؤلفات جزيلة الفائدة حددت بها العدوى وأعلن فيها مبدأ جديد عن أسباب الأمراض السارية قال فراكستور في ذلك العهدالحميات تنجم من بذور لا تستطيع حواسنا إدراكها وهي لا تحدث هذه الأمراض فحسب بل تنقلها أيضاً إلى الآخرين فالعدوى هي انتقال هذه البذور أو العفونة من المريض إلى السليم وإحداثها في السليم مرضاً شبيهاً بالمرض الذي كان مصدراً لها وتنتقل هذه البذور باللمس أو المساكنة أو عن بعد أياً كانت واسطة انتقالهاوقال أيضاًلكل من الجدري والحصبة والطاعون والجرب والرمد الصديدي والكلب والإفرنجي والسل بذور خاصة به تنقلها إلى الآخرينوهو أول من قال عن السلإنه ينتقل بمساكنة المسلول ولبس أثوابهوقد ذكر في مؤلفهإن أثواب مسلول كانت السبب في نقل السل إلى سليم ارتداها بعد موت صاحبها بسنتينلعمري لابد من الإقرار بفضل هذا المفكر الكبير فكم في كلامه من حكم وكم في نظراته من حقيقة لأننا لو بدلنا كلمة بذور بكلمة جراثيم لكانت لنا الحقيقة الناصعة التي جاء بها باستور بعده بثلاثة قرون فهو قد نظر بعين بصيرته الثاقبة قبل أن تكون له تلك المجاهر المكبرة إلى تلك الخلائق المتناهية في الصغر فقال عنها بذور وإن حواسنا لا تستطيع إدراكها وعرفها قبل أن يراها ولم يكتف بهذا بل عرف أن لكل مرض بذرة خاصة

стр. 350

وإن البذرة الواحدة لا تسبب أمراضاً عديدة فهو قد أوجد فكرة الجراثيم ووضع فكرة الاستقلال الجرثومي. وبعد أن لفظ فراكستور مبدأه هذا عن عدوى السل بقيت هذه الفكرة منغرسة في إيطالية فقد تكلم عنها بولس زكياس في مؤلفه المسمىالأسئلة الطبية الشرعية وقد تساءل فيه عما إذا كان يحق للمرأة السليمة أن تهجر زوجها المسلول. وفي آخر القرن السادس عشر جاء مار كوليالي فعدل بعض التعديل فكرة فراكستور وأقر بعدوى السل وانتقال الأمراض حسبما ذكر فراكستور غير أنه خالفه في أمر تلك البذور وقال أنها نوع شبيه فعله بفعل السموم. وفي نظر هذا العالم الإيطالي كثير من السداد فهو لم يقنعه أن بذوراً تدخل وتحدث ما تحدثه الأمراض الفتاكة بل لأن هناك أمراً أعظم من هذا، أن هناك شيئاً من السموم يلقى ويسمم البنية وكأنه يقول أن تلك البذور أو الجراثيم اليوم لا تؤثر بدخولها للبنية فقط بل تفعل أيضاً بمفرزاتها أو زيغاناتها (تو كسينها) فيا له من نظر ثاقب بعيد المرمى. واشتهر في القرن السابع عشر بين الأطباء الذين عنوا عناية خاصة بالسل ريشار مورتون الانكليزي (١٦٩٨) وكان اكليريكيا في بدء حياته ومن أسرة شريفة غير أنه ترك الثوب إلى تعلم الطب فقد نسب سل الرئة إلى عقيدات تلتهب وتتقيح وكان يظن أنها تنجم من دمٍ متخثر وكان يعتقد أيضاً بعدوى السل فقد قال عنهأنه يعدي الأصحاء الذين ينامون والمسلول في فراش واحد كما تعدي الحمى الخبيثةولكنه كان يعتقد بالوراثة خاصة وقد قسم السل ثلاث درجات: الابتدائية والوسطى والانتهائية وهي درجة اليأس. والثانية تناسب تكون العقيدات والثالثة التهاب الرئة وتقيحها. وقد روي حادثة سل استمرت خمسين سنة: حادثة اللورد هارت وحادثة أبيه مورتون الطبيب الشهير الذي قضى حياته كلها وهو يسعل ومات سنة ١٦٥٨. وقد عني مورتون بالسل خاصة لأنه كان ابن طبيب مسلول وكان يخشى الوراثة وانتقال هذا المرض بها إليه، وقد اهتم اهتماماً جزيلاً بكثرة التغذية والأمور الصحية. فمورتون جاءنا بأمرين جديدين: الدر نيات الرئوية التي لم يذكرها أحد قبله وقد أثبت الطب الحاضر تكونها في الرئة ودرجات السل الثلاث التي لا نزال نذكرها. وفي القرن نفسه قام لازار ريفيار (١٥٨٩ - ١٦٥٥) في فرنسا ووضع مؤلفاً سماه الممارسة الطبية لا يخلو من الفائدة ذكر فيه بضع مئات من المشاهدات بينها العدد الوافر عن عدوى السل ومنها مشاهدة غريبة في

стр. 351

بابها وهي أن أحد المرضى بعد أن سل كان يستطب برضع ثدي امرأة فسلت بدورها وماتت بعد أن نقلت العدوى إلى أختها التي غالبت المرض فغلبته وشفيت غير أن المريض المنكود الحظ الذي كان السبب في تفشي الداء وموت تلك المرأة البائسة لم تجده المعالجة نفعاً فقضى ضحية دائه الوبيل. وفي آخر القرن السابع عشر وبدء الثامن عشر جاء باليني الإيطالي (٠١٦٤٣ - ١٧٠٤) فكان أول من ذكر التوسط الجراحي في سل الرئة. وقد برز في القرن الثامن عشر فون سوتين (١٧٠٠ - ١٧٧٢) الهولندي المولد النمساوي الإقامة. اضطهد هذا الطبيب الشهير في بلده لأنه كان كاثوليكياً فرحل إلى انكلترة ومنها إلى فينة حيث نال شهرة سريعة. ولم يكتب عن السل شيئاًَ جديداً سوى أنه أشار باستعمال خزام العنق في السل الرئوي وبخزع الرغامى في الحالات الخطرة. وفي العصر نفسه قام في إيطالية مورغاني (١٦٨٢ - ١٧٧١) الشهير وكان يخشى السل خشيته للأفعى حتى أنه لم يكن يجسر على تشريح جثة المسلول خوفاً من انتقال العدوى إليه فأيد فكرة فراكستور بعدوى السل ولم يكتف بهذا بل أنه وصف قبل كل أحد التهاب السحايا السلي وأورد عنه مشاهدة جزيلة الفائدة: ابنة في الثانية عشرة متوقدة ذكاء فقدت أختها وأخاها بالسل وأصابها هي نفسها بعد سنة من فقدهما التهاب في الرئة اليسرى ثم اعتراها صداع فوق الوقب ولم يمر عليها يوم واحد على ظهور هذا المرض حتى أخذها الهذيان وثبتت عيناها واعتراها الإقياء وحركات تشنجية عقبها نوع من السبات كانت تتخلله آونة بعد أخرى نوب تشنج شديدة وزلة (ضيق نفس) ثم قضت وبعد أن فتحت جثتها بدا في قاعدة الدماغ مهل (أي مصل صديدي) نسب إليه المرض. وظل الشعب في إيطالية يخاف السل خوفاً شديداً ويرتعد متى ذكر اسمه لما زرعه الأطباء في قلوب العامة عن سرعة عدواه فقد كتب رولن (١٧٠٨ - ١٧٨٤) ما حرفه: متى ثبت إصابة شخص بالسل كان يرقن فراشه وأغطيته وأثوابه وأدوات طعامه وشابه وجميع ما يستعمله ومتى مات يحرق هذا الأثاث ويتلف وقلما كان يسمح باستعماله بعد تبخيره. أما الغرفة فنقشر جدرانها وتطلى بطلاء جديد وتغسل أرضها وتفتح نوافذها وأبوابها وتبقى معرضة للشمس والهواء سنة كاملة قبل أن يسمح بسكنهاوقد استولى الرعب على قلوب الإيطاليين استيلاءً غريباً وبلغ منهم الخوف من السل مبلغاً بعيداً فإن شيريلو وكوتونيو

стр. 352

بعد أن استرشدا بإرشادات اسكوبار (١٧٧٦) وهو أول من أشار بتعقيم تفلات المسلولين وقعاً في نابولي على ذلك القرار التاريخي الشهير في٢٠أيلول سنة ١٧٨٢وأذيع على الملأ بأمر الملك فرديند في الشوارع بعد النفخ في الأبواق تنبيهاً للشعب وخلاصتهأن يعزل المسلول بعد أن يتحقق مرضه وأن كل طبيب يعاين مسلولاً ولا يعلن أمره يغرم في المرة الأولى غرامة كبيرة وإذا عاد إلى اقتراف هذا الجرم ينفى عشر سنوات وقد تغلبت فكرة بوسكيون في فرنا وبعض أجزاء أوربة حتى الربع الأخر من القرن التاسع عشر إذ كشفت عصيات كوخ لأن اختبارات فيلمن عن التلقيح بالسل لم تثبت في البدء عدوى هذا الداء. ومن الوجوه الساطعة في القرن الثامن عشر برسيفال بوت (١٧١٣ - ١٧٨٨) الذي وصف سل الأجسام الفقرية فسمي باسمه داء بوت وكان يعالجه بكي الأقسام الناتئة من العظام المصابة وقد وصف أيضاً الشلل المرافق له ونسبه إلى تخرب النخاع الشوكي فقد قال تتنخر أجسام الفقار ويخرب القسم الغضروفي بينها فيضغط النخاع الشوكي ويصاب بالتبدل وشل المريضونسب هذا المرض إلى الداء الخنازيري ونفى علاقته بالمرض وقد كتب عنه ما حرفهإن المرض الذي يحدث هذه الأحوال في النخاع الشوكي والأقسام المجاورة له هو الداء الخنازيري أعني به المرض نفسه الذي يكتنف الشفة العليا ويضخم عقد العنق وتحت الذقن ويحدث سعالاً جافاً متعباً وضخامة وتنخراً في العظام الأخرى فإذا كان أبقراط قد وصف سلي المفاصل والعنق ولم يعلم سببهم بل وصفه لهما ذلك الوصف الجميل كان ينطبق على ما نشاهده اليوم من أعراضهما فإن برسيفال بوت قد بين علاقة تنخر الفقار بالسل أو بالداء الخنازيري فلا أحق منه بأن يسمى هذا الداء يبقى اسمه خالداً تردده من بعده السنة الأطباء أيد الدهر. نصل الآن إلى القرن التاسع عشر وهو القرن الذي كشف به النقاب عن السل فبدا أمره جلياً. نرى في بدء هذا القرن غسبار لورن بايل (١٧٧٤ - ١٨١٦) الذي درس السل الرئوي درساً دقيقاً وبين أن الدرنية الرئوية تتلين وذكر أنه كان يرى في جثث المسلولين درنيات عديدة مشابهة للدر نيات الرئوية في الأعضاء الأخرى الكبد والكلية والماساريق وغيرها غير أنه لم ير منها في الدماغ وقد نسب جميع هذه الدر نيات إلى سبب واحد حتى

стр. 353

أنه لفظ هذه الكلمة التأهب السلي. يتبين لنا من هذا أن الأفكار بدأت تتجه منذ بدء القرن التاسع عشر إلى توحيد المظاهر المختلفة التي يظهر بها السل وإن أطباء ذلك العصر بعد أن رأوا في العقد البلغمية والأحشاء والرئة درنيات متشابهة كل التشابه خالجهم الشك في أن هذه المظاهر جميعها ناتجة من سبب واحد. وجاء في الربع الأول من القرن التاسع عشر ذلك النابغة الكبير لنياك (١٧٨١ - ١٨٢٦) الذي فاق معلمه كورفيزار وسلح الأطباء بسلاح ماض في تشخيص أمراض الرئة والقلب وقد عني لنياك خاصة بالسل وأثبت وحدته بقولهأياً كان الشكل الذي تظهر به المادة السلية فهي في بدئها مادة سنجابية شفافة بعض الشفوف ولا تلبث أن تعود صفراء ظليلة قاسية جداً ثم أنها تلين وتميع ميعاً متجانساً شبيهاً بقوام الصديد فتتفرع في العقبان تاركة تجاويف تسمى قبلا قروح الرئة أما نحن فنسميها كهوف الرئة فهل أجلى من هذا التصريح عن وحدة السل في ذلك الزمن الذي لم يبد فيه المجهر لعالم الوجود اكتشافاته العجيبة وأننا فقد ورد في كتابه ما نصه: لا يخيل ألي أن الأثواب الصوفية وفرش المسلولين التي يحرقونها في بعض البلدان ولا يكادون يغسلونها في فرنسة قد نقلت السل إلى أحد. مع أن من قلب تلك المؤلفات الطبية العديدة التي نشرت فبل عهد لنياك وقد استقينا منها الكثير من شواهدنا التاريخية يرى فيها المشاهدات المثبتة لعدوى السل وأظن أن الشك كان يخالج ليناك في صحتها وأنه كان ينتظر مشاهدة العدوى بعينه ليقر بها فلم يتح له ذلك لأن السل نفسه حصد بمنجله هذه الغرسة النضيرة. وقد أقر لنياك بالتلقيح إذ قال متسائلاً أيحدث التلقيح سلاً أو على الأقل سلاً موضعياً وأجاب عن هذا السؤال بقوله: ليس لي سوى حادثة واحدة أقدمها برهاناً على صحة التلقيح بالسل وهي وإن تكن مفردة جديرة بالذكر. وقد كنا نتمنى لو أن تلك الحادثة لم تقع إذن لكانت طالت حياة هذا العالم ولكانت البشرية استفادت من علمه الجم وقد عني لنياك بتلك الحادثة المفردة نفسه لأنه وهو ينشر فقار مسلول سنة ١٨٠٦جرح سبابته اليسرى وقضى نحبه في١٣ آب سنة ١٨٢٦. مات هذا العلامة ضحية الواجب فعرف العالم قدره وهبت بلاده الفرنسية منذ سبع سنوات فاحتفلت

стр. 354

بذكرى مرور مائة عام على موته وكثيرون هم الذين يموتون هذه الميتة الشريفة فتبلى أجسادهم وأعمالهم معاً لأن الأمة التي ينتسبون إليها لا تكرم علماؤها. وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى بدا إلى الوجود ذلك العلامة الألماني الكبير الذي كشف النقاب عن سبب السل فسكتت الألسنة وحسم الجدال وكان لاكتشافه الضجة الكبيرة في أقطار البسطة أعني به كوخ (١٨٤٣ - ١٩١٠) الذي لم تمر على موته أكثر من اثنتي وعشرين سنة. توصل هذا العلامة سنة ١٨٨٢ إلى كشف عصية السل فأثبت وحدة السل ونوعيته وعدواه. وكان كشفه أكبر برهان على صحة الفكرة التي جاء بها لنياك أو سداد الفكرة الفرنسية وانصع دليل على فساد الفكرة الألمانية المنافية لها وهي فكرة فيرخوف وريندهارت القائلة بعدم وحدة السل ورأي أمبيس الذي كان يعد السل الدخني مرضاً خاصاً لاعلاقة له بالسل. ولم يعد مجال للشك في عدوى السل هذه العدوى التي قالت بها الأجيال السالفة حتى إلى لنياك فنفاها وكان نفيه لها كما ذكرنا خروجاً على الحقيقة. إنني أقف عند هذا الحد بعد أن استعرضت الأجيال جيلاً جيلاً منذ الهنود إلى القرن الماضي وبعد أن أوضحت تطور السل فيها وما أدخله كل قرن منها من الأمور الجديدة. أما تطور السل في القرن العشرين ولاسيما بما هو عائد إلى معالجته فإنني أضرب صفحاً عنه لأنه حديث العهد وقليلون هم الذين تفوتهم هذه الأمور الحديثة. مرشد خاطر

стр. 355

باقة أفكار الخير والشر والصلاح والفساد والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمَة ولو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم وهما يتقاومان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة والخير الشر. ثم يتخلص الخير إلى عالمه والشر ينحط إلى عالمه. زرادشت. الإنسان مقياس الأشياء بروتاغوراس إياك أن تكون تكيسك وتبرزك عن العامة هو أن تنبريء منكراً لكل شيء فذلك طيش وعجز، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك ما لم تقم بين يديك بينة، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وإن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك فالصوب أن تسرح أمثال ذالك إلى بقعة الإمكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان واعلم أن في الطبيعة عجائب وللقوى العالية الفعالة والقوى السافلة المنفعلة اجتماعات على غرائب - ابن سينا (الإرشادات). الفضيلة هي محبة الناس - قونفوشيوس - الرياء دليل على احترام الرذيلة للفضيلة. - لاروشفو كولد (الحكم) لماذا نغضب من صاحب المنطق الفاسد ولا نغضب من الرجل الأعرج؟ ذلك لأن الأعرج يعرف أنك تمشي مستقيماً، أما صاحب الفكر الأعرج فيزعم أننا جميعنا عرج ولولا ذلك لأشفقنا عليه ولم نغضب منه. - باسكال (الأفكار)
следующие страницы →