← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بابها وهي أن أحد المرضى بعد أن سل كان يستطب برضع ثدي امرأة فسلت بدورها وماتت بعد أن نقلت العدوى إلى أختها التي غالبت المرض فغلبته وشفيت غير أن المريض المنكود الحظ الذي كان السبب في تفشي الداء وموت تلك المرأة البائسة لم تجده المعالجة نفعاً فقضى ضحية دائه الوبيل. وفي آخر القرن السابع عشر وبدء الثامن عشر جاء باليني الإيطالي (٠١٦٤٣ - ١٧٠٤) فكان أول من ذكر التوسط الجراحي في سل الرئة. وقد برز في القرن الثامن عشر فون سوتين (١٧٠٠ - ١٧٧٢) الهولندي المولد النمساوي الإقامة. اضطهد هذا الطبيب الشهير في بلده لأنه كان كاثوليكياً فرحل إلى انكلترة ومنها إلى فينة حيث نال شهرة سريعة. ولم يكتب عن السل شيئاًَ جديداً سوى أنه أشار باستعمال خزام العنق في السل الرئوي وبخزع الرغامى في الحالات الخطرة. وفي العصر نفسه قام في إيطالية مورغاني (١٦٨٢ - ١٧٧١) الشهير وكان يخشى السل خشيته للأفعى حتى أنه لم يكن يجسر على تشريح جثة المسلول خوفاً من انتقال العدوى إليه فأيد فكرة فراكستور بعدوى السل ولم يكتف بهذا بل أنه وصف قبل كل أحد التهاب السحايا السلي وأورد عنه مشاهدة جزيلة الفائدة: ابنة في الثانية عشرة متوقدة ذكاء فقدت أختها وأخاها بالسل وأصابها هي نفسها بعد سنة من فقدهما التهاب في الرئة اليسرى ثم اعتراها صداع فوق الوقب ولم يمر عليها يوم واحد على ظهور هذا المرض حتى أخذها الهذيان وثبتت عيناها واعتراها الإقياء وحركات تشنجية عقبها نوع من السبات كانت تتخلله آونة بعد أخرى نوب تشنج شديدة وزلة (ضيق نفس) ثم قضت وبعد أن فتحت جثتها بدا في قاعدة الدماغ مهل (أي مصل صديدي) نسب إليه المرض. وظل الشعب في إيطالية يخاف السل خوفاً شديداً ويرتعد متى ذكر اسمه لما زرعه الأطباء في قلوب العامة عن سرعة عدواه فقد كتب رولن (١٧٠٨ - ١٧٨٤) ما حرفه: متى ثبت إصابة شخص بالسل كان يرقن فراشه وأغطيته وأثوابه وأدوات طعامه وشابه وجميع ما يستعمله ومتى مات يحرق هذا الأثاث ويتلف وقلما كان يسمح باستعماله بعد تبخيره. أما الغرفة فنقشر جدرانها وتطلى بطلاء جديد وتغسل أرضها وتفتح نوافذها وأبوابها وتبقى معرضة للشمس والهواء سنة كاملة قبل أن يسمح بسكنهاوقد استولى الرعب على قلوب الإيطاليين استيلاءً غريباً وبلغ منهم الخوف من السل مبلغاً بعيداً فإن شيريلو وكوتونيو

стр. 352

بعد أن استرشدا بإرشادات اسكوبار (١٧٧٦) وهو أول من أشار بتعقيم تفلات المسلولين وقعاً في نابولي على ذلك القرار التاريخي الشهير في٢٠أيلول سنة ١٧٨٢وأذيع على الملأ بأمر الملك فرديند في الشوارع بعد النفخ في الأبواق تنبيهاً للشعب وخلاصتهأن يعزل المسلول بعد أن يتحقق مرضه وأن كل طبيب يعاين مسلولاً ولا يعلن أمره يغرم في المرة الأولى غرامة كبيرة وإذا عاد إلى اقتراف هذا الجرم ينفى عشر سنوات وقد تغلبت فكرة بوسكيون في فرنا وبعض أجزاء أوربة حتى الربع الأخر من القرن التاسع عشر إذ كشفت عصيات كوخ لأن اختبارات فيلمن عن التلقيح بالسل لم تثبت في البدء عدوى هذا الداء. ومن الوجوه الساطعة في القرن الثامن عشر برسيفال بوت (١٧١٣ - ١٧٨٨) الذي وصف سل الأجسام الفقرية فسمي باسمه داء بوت وكان يعالجه بكي الأقسام الناتئة من العظام المصابة وقد وصف أيضاً الشلل المرافق له ونسبه إلى تخرب النخاع الشوكي فقد قال تتنخر أجسام الفقار ويخرب القسم الغضروفي بينها فيضغط النخاع الشوكي ويصاب بالتبدل وشل المريضونسب هذا المرض إلى الداء الخنازيري ونفى علاقته بالمرض وقد كتب عنه ما حرفهإن المرض الذي يحدث هذه الأحوال في النخاع الشوكي والأقسام المجاورة له هو الداء الخنازيري أعني به المرض نفسه الذي يكتنف الشفة العليا ويضخم عقد العنق وتحت الذقن ويحدث سعالاً جافاً متعباً وضخامة وتنخراً في العظام الأخرى فإذا كان أبقراط قد وصف سلي المفاصل والعنق ولم يعلم سببهم بل وصفه لهما ذلك الوصف الجميل كان ينطبق على ما نشاهده اليوم من أعراضهما فإن برسيفال بوت قد بين علاقة تنخر الفقار بالسل أو بالداء الخنازيري فلا أحق منه بأن يسمى هذا الداء يبقى اسمه خالداً تردده من بعده السنة الأطباء أيد الدهر. نصل الآن إلى القرن التاسع عشر وهو القرن الذي كشف به النقاب عن السل فبدا أمره جلياً. نرى في بدء هذا القرن غسبار لورن بايل (١٧٧٤ - ١٨١٦) الذي درس السل الرئوي درساً دقيقاً وبين أن الدرنية الرئوية تتلين وذكر أنه كان يرى في جثث المسلولين درنيات عديدة مشابهة للدر نيات الرئوية في الأعضاء الأخرى الكبد والكلية والماساريق وغيرها غير أنه لم ير منها في الدماغ وقد نسب جميع هذه الدر نيات إلى سبب واحد حتى

стр. 353

أنه لفظ هذه الكلمة التأهب السلي. يتبين لنا من هذا أن الأفكار بدأت تتجه منذ بدء القرن التاسع عشر إلى توحيد المظاهر المختلفة التي يظهر بها السل وإن أطباء ذلك العصر بعد أن رأوا في العقد البلغمية والأحشاء والرئة درنيات متشابهة كل التشابه خالجهم الشك في أن هذه المظاهر جميعها ناتجة من سبب واحد. وجاء في الربع الأول من القرن التاسع عشر ذلك النابغة الكبير لنياك (١٧٨١ - ١٨٢٦) الذي فاق معلمه كورفيزار وسلح الأطباء بسلاح ماض في تشخيص أمراض الرئة والقلب وقد عني لنياك خاصة بالسل وأثبت وحدته بقولهأياً كان الشكل الذي تظهر به المادة السلية فهي في بدئها مادة سنجابية شفافة بعض الشفوف ولا تلبث أن تعود صفراء ظليلة قاسية جداً ثم أنها تلين وتميع ميعاً متجانساً شبيهاً بقوام الصديد فتتفرع في العقبان تاركة تجاويف تسمى قبلا قروح الرئة أما نحن فنسميها كهوف الرئة فهل أجلى من هذا التصريح عن وحدة السل في ذلك الزمن الذي لم يبد فيه المجهر لعالم الوجود اكتشافاته العجيبة وأننا فقد ورد في كتابه ما نصه: لا يخيل ألي أن الأثواب الصوفية وفرش المسلولين التي يحرقونها في بعض البلدان ولا يكادون يغسلونها في فرنسة قد نقلت السل إلى أحد. مع أن من قلب تلك المؤلفات الطبية العديدة التي نشرت فبل عهد لنياك وقد استقينا منها الكثير من شواهدنا التاريخية يرى فيها المشاهدات المثبتة لعدوى السل وأظن أن الشك كان يخالج ليناك في صحتها وأنه كان ينتظر مشاهدة العدوى بعينه ليقر بها فلم يتح له ذلك لأن السل نفسه حصد بمنجله هذه الغرسة النضيرة. وقد أقر لنياك بالتلقيح إذ قال متسائلاً أيحدث التلقيح سلاً أو على الأقل سلاً موضعياً وأجاب عن هذا السؤال بقوله: ليس لي سوى حادثة واحدة أقدمها برهاناً على صحة التلقيح بالسل وهي وإن تكن مفردة جديرة بالذكر. وقد كنا نتمنى لو أن تلك الحادثة لم تقع إذن لكانت طالت حياة هذا العالم ولكانت البشرية استفادت من علمه الجم وقد عني لنياك بتلك الحادثة المفردة نفسه لأنه وهو ينشر فقار مسلول سنة ١٨٠٦جرح سبابته اليسرى وقضى نحبه في١٣ آب سنة ١٨٢٦. مات هذا العلامة ضحية الواجب فعرف العالم قدره وهبت بلاده الفرنسية منذ سبع سنوات فاحتفلت

стр. 354

بذكرى مرور مائة عام على موته وكثيرون هم الذين يموتون هذه الميتة الشريفة فتبلى أجسادهم وأعمالهم معاً لأن الأمة التي ينتسبون إليها لا تكرم علماؤها. وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى بدا إلى الوجود ذلك العلامة الألماني الكبير الذي كشف النقاب عن سبب السل فسكتت الألسنة وحسم الجدال وكان لاكتشافه الضجة الكبيرة في أقطار البسطة أعني به كوخ (١٨٤٣ - ١٩١٠) الذي لم تمر على موته أكثر من اثنتي وعشرين سنة. توصل هذا العلامة سنة ١٨٨٢ إلى كشف عصية السل فأثبت وحدة السل ونوعيته وعدواه. وكان كشفه أكبر برهان على صحة الفكرة التي جاء بها لنياك أو سداد الفكرة الفرنسية وانصع دليل على فساد الفكرة الألمانية المنافية لها وهي فكرة فيرخوف وريندهارت القائلة بعدم وحدة السل ورأي أمبيس الذي كان يعد السل الدخني مرضاً خاصاً لاعلاقة له بالسل. ولم يعد مجال للشك في عدوى السل هذه العدوى التي قالت بها الأجيال السالفة حتى إلى لنياك فنفاها وكان نفيه لها كما ذكرنا خروجاً على الحقيقة. إنني أقف عند هذا الحد بعد أن استعرضت الأجيال جيلاً جيلاً منذ الهنود إلى القرن الماضي وبعد أن أوضحت تطور السل فيها وما أدخله كل قرن منها من الأمور الجديدة. أما تطور السل في القرن العشرين ولاسيما بما هو عائد إلى معالجته فإنني أضرب صفحاً عنه لأنه حديث العهد وقليلون هم الذين تفوتهم هذه الأمور الحديثة. مرشد خاطر

стр. 355

باقة أفكار الخير والشر والصلاح والفساد والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمَة ولو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم وهما يتقاومان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة والخير الشر. ثم يتخلص الخير إلى عالمه والشر ينحط إلى عالمه. زرادشت. الإنسان مقياس الأشياء بروتاغوراس إياك أن تكون تكيسك وتبرزك عن العامة هو أن تنبريء منكراً لكل شيء فذلك طيش وعجز، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك ما لم تقم بين يديك بينة، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وإن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك فالصوب أن تسرح أمثال ذالك إلى بقعة الإمكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان واعلم أن في الطبيعة عجائب وللقوى العالية الفعالة والقوى السافلة المنفعلة اجتماعات على غرائب - ابن سينا (الإرشادات). الفضيلة هي محبة الناس - قونفوشيوس - الرياء دليل على احترام الرذيلة للفضيلة. - لاروشفو كولد (الحكم) لماذا نغضب من صاحب المنطق الفاسد ولا نغضب من الرجل الأعرج؟ ذلك لأن الأعرج يعرف أنك تمشي مستقيماً، أما صاحب الفكر الأعرج فيزعم أننا جميعنا عرج ولولا ذلك لأشفقنا عليه ولم نغضب منه. - باسكال (الأفكار)

стр. 356

كيف ينظر إلينا الغربيون للأستاذ نافذ الغنام اعتدنا نحن الشرقيين أن نسيء الظن بالغربيين وننظر إلى جميع أعمالهم نظر الحذر والارتياب. لا أريد أن ابحث في هذا المقال عما إذا كنا محقين في ارتيابنا المطلق من الغربيين أو إذا كنا مخطئين. فلربما كنا محقين ولربما كنا مخطئين. إنما أريد أن أتناول ناحية أخرى من البحث وهي: هل ينظر إلينا الغربيون كما نتوهم نحن؟ وهل نحن بهذا التوهم مصيبون؟ فلأجل اصطياد الحقيقة التي نتوخاها لا بد لنا من تقسيم الغربيين الذين يحتكون بنا، حسب ماهيتهم ومآربهم، إلى عدة أقسام. ١ - أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية هذا القسم من الغربيين مقيد في نظره إلينا بمصالحه، فهو معذور إذا صورنا كما تشاء له مصالحه. على أن ذلك لا يعني أنه يجهل حقيقتنا. فلربما كان أعرف منا بمزايانا ونقائصنا، وأكثر إطلاعاً على مواطن الضعف القوة من نفوسنا ومن أوضاعنا. غير أن مهمته تقضي عليه بنهج الطريق المؤدية إلى تحقيق أمانيه، أكان ذلك بإنكار ملا يسعه أنكران أم كانً بإثبات ما ليس له وجه من الصحة. فانا أستغرب من بعض الشرقيين كيف يطلبون إلى هذه الفئة من الغربيين أن تخالف مبادئها وتسير على عكس الخطة التي خطتها لها سياستها. فإذا كان لنا ما ندعيه فعلينا نحن - لا عليهم - إثبات ذلك وبرهانه. ولا أعتقد أن الحيلة تعوز الفتى أن نجيب أو الشعب المنظم. ٢ - العلماء والمدققون هذه الفئة من الغربيين أقرب من الأولى إلى معالجة الحقائق الراهنة. غير أن نظرها إلينا يختلف أيضاً باختلاف غايتها. فإذا كانت غايتها سياسية فهي أقدر العناصر الغربية على تسخير العلم لخدمتها. ون عادتها أن تقول كلمتها بصراحة غربية وجرأة تقشعر ها الأبدان. وأما إذا لم تكن غايتها سياسية لكانت خالصة لوجه العلم والحقيقة رمقتنا عندئذٍ بعين الصدق والإنصاف. فإذا شكت كانت شكايتها صادقة وإذا نقدت كان نقيضها، على مرارته صحيحاً وإذا هفت أو أخطأت فإنها أحسن ما تكون إصغاء إلى النقد والاعتراض وأسرع ما تكون مبادرة إلى

стр. 357

تصحيح خطأها مع الاعتذار. هؤلاء ينبغي علينا أن نحيطهم بالتجلة والاحترام، وأن نزوده بكل ما نستطيع من المعلومات الصادقة دون زيادة أو نقصان لا كما تشاء مبالغتنا للأمور. إلا إذا كانت غايتنا الدعاية على شرط أن تكون هذه مرتبة أحسن ترتيب. هذا النفر من العلماء والمدققين يتخذون من المعلومات التي نزودهم بها أثناء مكوثهم أو مرورهم ببلادنا أساساً يبنون عليه آرائهم وأفكارهم. فإذا كان ثمة شيء من النقد الجارح فأغلب ما يعود ذنبه علينا من جراء المبالغة وتشويهنا الحقائق. أتى قبل مدة إلى دمشق بحاثة غربي درس أحوال المدينة من أكثر وجوهها ثم أراد أن يختم درسه ببحثه عن منازل دمشق. فاعتمد في تنفيذ خطته هذه على بعض الدمشقيين الذين طافوا به على أجمل وأعظم منازل المدينة فحسب. ثم طلب بعد مدة من أحد سكان الصالحية مساعدته على زيارة بعض منازلها فأراه هذا نماذج من بيوت الفقراء ومتوسطي الحال والأغنياء. فسر الرجل لذلك وقال لصاحبنا: أشكرك على أمانتك وسلامة طويتك. لقد أردت أن تعطيني صورة صادقة عن أحوال بلادك ولكن أتدري ما الذي فهمت من زيارتي منازل دمشق؟ - لا - فهمت أنه لا يوجد في دمشق فقراء. لأن جميع المنازل التي زرتها كانت على جانب من الأبهة والزينة، يعيش سكانها في بحبوحة زائدة. أراد البحاثة أن يشير بهذه الكلمة الأخيرة إلى أن الشبان الذين قادوه إلى زيارة منازل دمشق خدعوه مع أن مثل هذه الخديعة لا تنطلي على أبسط الناس. تلك هي إحدى النقائص المستحكمة في نفوسنا. نخدع في غالب الأحيان أنفسنا من حيث نحاول خدع الآخرين. والأغرب من ذلك أننا نكابر بالمحسوس ونعتقد أن هذه المكابرة التي شفت أنفسنا ستشفي نفوس الغربيين وتستدل الستار على ما نتصف به من الجهل والضعف. إننا لا نحتمل أن يقال لنا: أنكم جاهلون متأخرون. يغيظنا ذلك فننشط في الحال لنفي هذه التهمة بأسلوب خاص بنا ومنطق غريب فنقول: لا فرق عظيم بيننا وبين أرقى الأمم الأوربية ولكن شاء الحظ أن نكون محكومين. هذه جامعتنا تخرج لنا في كل سنة عدداً من خيرة الأطباء والمحامين والأدباء. وهذا مجمعنا العلمي يضم بين أعضائه أكبر أدمغة العالم العربي. وه نحن أصبحنا لا نختلف بأزيائنا وملابسنا عن الغربيين. ونضيف على ذلك: إن السوري أذكى من الغربي حتماً فقد شهد

стр. 358

بذلك أكبر العلماء ويعجب بنبوغنا الأميركيون. بعد وصوله بمدة قليلة إلى أمريكا يبز السوري أقرانه من سائر الأمم الأوربية حتى الأميركيون أنفسهم إلى ما هنالك من الأقوال التي يقولها السواد الأعظم من المتعلمين. لقد اعتدنا أن ننحي باللائمة على هذه الزمرة من علماء الغرب ونتهمهم بالتعصب لأننا ننفر من النقد ولا نحب مجابهة الحقيقة. يكفينا أن نرى في أحد الكتب الباحثة عن سورية صورة جمل شد إلى الصمد مع بقرة هزيلة حتى نقول: أن صاحب هذا الكتاب يريد إهانتنا وتشهيرنا في بلاده. ألم ير في كل سورية صمداً كدن عليه زوج من البقر المعلوف؟. لا أرى في هذه الصورة قصداً للحط من كرامتنا إنما أراد صاحب الكتاب أن يشير إلى درجة فقر الفلاح السوري الذي لا يقوى في أغلب الأحيان على شراء زوج من البقر. إن أمثال هؤلاء الغربيون لا ينظرون إلينا في بعض الأحيان كما نريد ولكن ينظرون إلينا في غالب الأحيان أحسن مما نريد. إن السوري لا يزال أعجز من أن يدرك حقيقة نفسه. ٣ - الأدباء والفنانون هؤلاء الغربيون ولاسيما المصورون منهم والرسامون الموسيقيون والأثريون والفلاسفة والمؤرخون والاجتماعيون ودققوا خصائص البلاد ومزاياها هم حملت الروح الجميلة والنفوس البسامة والقلوب النقية هؤلاء هم القوم الذين لا يحق لنا أن نسيء بهم الظن بوجه من الوجوه. بل ينبغي لنا أن نبادر إلى خدمتهم ونتقرب منهم لاقتطاف أعظم الفوائد الممكنة. إنهم أشبه شيء بأشعة الشمس الوضاءة لا يهمها إلى كساء البدائع المستترة ثوباً من البهجة والألوان القزحية والأنغام. نعم قد يسوؤنا أن يضمن أحد الأدباء الحياديين كتابه شيئا من النكات أو الصور الجميلة التي لا ظل لها من الحقيقة في بلادنا أو التي لا تنطبق على الواقع. ولكن هل الذنب ذنبه إذا كانت جمعيتنا موصدة الأبواب وإذا كانت أجمل صفحات حياتنا محتجبة وراء أسوار بيوتنا العالية، وكانت أسرار حياتنا المنزلية الساخطة على العالم الخارجي تخشى أن يلامسها شعاع من أشعة البحث والتدقيق. أما المصورون والرسامون وسائر الفنانين فسأل السوريين أن لا يظنوا بهم إلا أجمل الظنون. يرى هؤلاء الفنانون في بلادنا من الجمال ما لا نستطيع أن نراه. فقد تكامل ذوقهم إلى درجة لا يستطيع أن يدركها المجتمع السوري. فهم أشبه شيء بمن قال:

стр. 359

من كل معنى جميل اجتلى قدحاً وكل ناطقة في الحي تطربني لا تسيؤوا الظن برسام جالس على كرسيه الوطيء في زاوية من زوايا الأزقة المظلمة يرسم على صحيفة النسيج قوساً متهدماً مهشماً أو داراً بالية من دور أحيائنا القديمة. فالرسام الغربي لا يريد تزييفنا ولا يريد أن يشير بهذه الصورة إلى درجة تأخرنا في الحضارة ولكته ينشد البديع الغريب الذي يحسن تصويره، من شأن هذه الحضارة العصرية أن تسوي بين جميع الأشكال من بناء وملبس ومنظر. فهي بهذه الصورة تقودنا إلى وحد النسق التي تزهق أرواحنا باطراد ألوانها وتشابه أشكالها. فأعذروا الرسام الغربي الذي يلجأ إلى هذه المغاني التي يرفرف فوقها ورح البلى ممزوجاً بمعاني الشعر والخيال. ولا تستريبوا من مصور غربي يصور بآلته السائلين، يتجولون في الطرق بثيابهم الممزقة والفلاحين، والفلاحات، بملابسهن التي تظنونها غير مدنية. فهم لا يريدون أن يشهروها ف بلادهم للتنديد بنا والإشارة إلى تأخرنا، ولكن ليثبتوا على الشريط صوراً حيةً يبتهج لرؤيا ها أرباب الذوق الغربي. ولربما كانت مدعاةً لزيارة كثير من ثراة الغرب بلادنا وإنفاقهم أموالاً طائلة على التجول في أنحائها الغنية بالآثار. وهؤلاء الفنانون يتكبدون عناء عظيماً في بلادهم للعثور على المناظر الغيبة والأماكن التي أعفت رسومها يد البلى وجار عليها الزمان وألبستها الفاقة ثوباً من التواضع والخشوع والهجران. وهل نستطيع أن ننكر فضل هذه الفئة علينا، وأثرها في تطور ذوقنا الفني. منذ عهد قريب بدأ السوريون في أكثر مدن سورية الداخلية والساحلية يبنون أبنيتهم على أحدث الأطرزة الغربية التي تلاءم شرائط بلادنا الطبيعية، أو على الطراز العربي - لاسيما الفاطمي ولمملوكي منه - بعدما أدخلوا عليه شيئاً من التعديل الموافق لشرائط الذوق والترتيب العصريين. ناهيك عن اهتمامنا في الوقت الحاضر بالأثاث والتحف والأدوات الشرقية التي كنا نجهل قيمة ودقة صنعها لولا أن مسح عليها هؤلاء الغربيون بآية من شعاع عبقريتهم ودقة التفكير. أخذت أكثر هذه الصناعات الشرقية وأخص منها الشامية تعود إلى الحياة بأشكال مأنوسة ووجوه باسمة يألفها الذوق العربي ويتعشقها الغربي. نافذ الغنام

стр. 360

نظرات في الشعر الرمزي للدكتور منير العجلاني . . في آخر حدود الإنسانية، في وادٍ كثير الأرائك، تحيط به الجبال من كل جانب ولا تنفذ إليه أشعة الشمس إلا من بين أوراق الشجر، كان يعيش الشاعر الأمريكي (أدغاربو) مع بنت عنته أيليونور. ولدا في الوادي وترعرعا فيه، لا يعرفان من البشر غير نفسهما، ولا من الطبيعة غير الوادي، وكان يجد كل واحد منهما في رفيقه سلوى لروحه وأمنا. ولكن أيليونور، التي بدأ أبن عمثها يفهمها ويحبها، أصيبت بمرض شديد لو أصيب به غيرها لتمنى الموت وناداه: ياموت، خذ ماأبقيت الأيام والساعات مني بيني وبينك خطوة إن تخطها فرجت عني! وأما أيليونور، فلم تشأ إن تموت، لا حباً بالحياة الوجيعة، المحمومة، ولكن لأمر لم تبح به لأبن عمتها إلا في اللحظة الأخيرة من العمر، فالفكرة التي كانت تخافها هي أن خالتها الوادي بعد موتها ويعشق فتاة غيرها من السواد! قالت ذلك للشاعر، فركع عند قدميها، ووعدها أن يبقى محباً لها إلى الأبد أميناً على ذكراها حتى النفس الأخير، فالتمعت عينا أيليونور بنشوة الظفر وتنفست الصعداء كأنما أزيح عن صدرها غم جاثم، ورجفت، وذرفت دمعاً لاهباً، ثم أطمأنت في سريرها، وقالت للشاعر وهي تموت: إنها تقديراً لما صنعه في تلطيف مرضها، وتهوين آلام الموت عليها، سنسهر عليه، وهي روح في السماء وتزوره في الليالي، وإذا أبى الله عليها أن تزوره بشخصها، فستمثل له في زهرة يأخذه جمالها وتتنهد قرابه كلما بزغ الفجر وتطيب النسمات التي ينشقها بعطر تستعيره من مباخر الملائكة! فالت هذا وصعدت آخر أنفاسها أما (أدغاربو)، فعاد يتصور إن في الزهرة والنسيم والماء والعشب في كل ذرة من هذه العناصر شيئاً من بنت عمته، وغرامها ولهوها، وبالجملة مظاهر مختلفة لبنت عمته: على هذه الأوهام شيدت مدرسة الشعر الرمزي. فشاعر الرمز يغوص إلى أعماق الأشياء ويتخل لكل جمالشخصيةولكل جمال روح انه لا يشغف بهذه التشابيه - وأكثرها سمج أو مبتذل - التي شغفت بها طائفة كبرى من شعرائنا، فراحت تشبه العيون بالسيوف، والحواجب بريش الغراب، والقامة

стр. 361

بالخيزران، أنه لا يحفل بالتشبيه لأنه مقارنة بين صورتين (خارجيتين) ولكنه يعنى بالروح، يعنى بالرمز، وهو في الفلسفة، صلة بين لحظة من ديمومة الذات ولحظة من ديمومة الأشياء. يقول (البارناسيون) أن وظيفة الشعر هي أن يشبه ويصف. فالشعر عندهم (رسم ناطق)! وأما الرمزيون فيتخذون الشعر وسيلة لنقل القارئ إلى مثل العالم الذي عاشوا فيه لما نظموا قصيدتهم ولذالك يعنون كثيراً بالعنصر الموسيقي، ولكنهم لا يسمون الأشياء بأسمائهاحتى لا يفقد القارئ لذة الحزرولا يحللونها لأن التحليل يهدم الجمال، ولا يصفونها ولكنهم يصفون أثرها في نفوسهم. ومن ها هنا نشأ غموض الشعر الرمزي، لأن شاعر الرمز يخلع روحه على الأشياء، ويجب عليك أنت، لتذوق شعره، إن تتفهمه من خلال روحه، من خلال عبقريته، من خلال شاعريته التي لا تشبه شاعرية الآخرين. يقول (أريسطوفان): إن الرجل والمرأة كانا في بدء الكون مخلوقاً واحداً، ولكن آبولون قسمهما ذات صباح. فالحب هو سعي كل جزء من هذا الجسم إلى الجزء الذي يتممه، فلا يتوهمن أحدهما إن الرجل يبحث عن (الجمال المطلق) ويحبه، كلا، إنه يبحث عن جمال خاص يتمم به جماله، فيا رب امرأة تبدو لك لطيفة ويكرهها غيرك: ذلك لأن الجمال ليس له مقياس مطلق، فأنت تحب جمال امرأة معينة، لأنها تظهر مزاياك وتمم نقائصك وبكلمة أخرى أوجز لأنك تعتقد أن بها يكملنظامك. وهكذا شعر الرمز، يهوى الشاعر جمالاً خاصاً، فلكي يشركك في هواه يملأ قلبك بمثل مشاعره ويهدهدك بمثل الأنغام التي طرب لها، وهو لو وصف لك امرأة مثلاً بأسلوب الطبيعيين، أو وضع تمثالها بين يديك، ربما كنت لا تبالي بها!. الرمز والمدارس القديمة لا تفيد هذه التوطئة إلا إذا ذكر أن مدرسة الرمز مذهب حديث من مذاهب الخيال، فهي إذاً تخالف جميع المدارس التي تقدمها، وأكابر شعراء فرنسا اليوم رمزيون ومن ليس منهم رمزياً فهو متأثر بالرمزية إلى حد بعيد. تخالف مدرسة الرمز ١ - النظمية من السخر أن نسميها مدرسة! - أن النظامين يعرفون الشعر كما عرفه بعض قدماء العرب بأنهكلام مقفى موزونوهذا تعريف أضاع قيمته، فما كل كلام منظوم يسمى

стр. 362

شعراً، ولا كل شعر يجب أن يكون كلاماً مقفى موزوناً. يفخر أبو الهلال العسكري في صناعيته بالشعر العربيلأننا لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقايعها إلا من جملة شعرها، فالشعر عنده كما ترى هي عناصر النثر وهذا خطأ فاحش نبه إليه (أريسطو) في كلامه على (التراجيديا) إذ جعل الشعر يأخذ مادته من الفلسفة، بمعناها الواسع. أما التاريخ والعلوم فيأخذان مادتها من تفاصيل الحياة! لما يدرس نقادنا الشعر تنصرف أذهانهم إلى اكتشاف ما فيه من بلاغة ولكنهم لا يفكون في الصورة الشعرية وقديماً قال (فيرلين): (خذ البلاغة وقط عنقها) فما شيء أقتل للشعر من هذه البلاغة التي يهيمون بها! ٢ - ثم هي تخالف المدرسةالبر ناسيةالتي ألممنا بها، لأن هذه المدرسة كادت تحشر الشعر بين فنون النحت والتصوير وتقتصر وظيفته على الوصف، حتى أنك إذا سمعت بعض قصائدها استطعت أن تأخذ ريشة وترمم بأوصافها صورة حقيقية! نعم نحن لا نقول مع مهدمي هذه المدرسة أن أنصارها يشبهون القردة لا عمل لهم إلا التقليد، فهذا إسراف، لأن الفن يزين الصورة الطبيعية وينبهك إلى نواح منها كان يمكن أن تجهلها، حتى أنه يروى عن مادام ده ستال أنها قلت: أحب الرسم ولكن من فم لشعراء. ذلك لأن الشعراء يصفون الأشياء على شكل يثير اللذة لما يذيبون فيها من روحهم شاؤوا أم أبوا. على أن مأخذنا على هذه المدرسة هو ضيق آفاقها ومحاربتها الخيال ثم تقييدها نفسها بقواعد الشعر القديمة، تقييداً شديداً خانقاً. ٣ - وهي تخالف المدرسة الإبداعية رومانتيك لأن شعراء هذه المدرسة الذين يقول خصومهم في شيء غير قليل من الحق، أن نصف قصائدهم إشارات تعجب واستفهام ونقط. . يسرفون في استغلال العاطفة، ويكثرون من المبالغات السخيفة، ومن زعماء هذه المدرسة (لامارتين) الذي أضاع كثيراً من سلطانه في وقتنا الحاضر لأن البارنسيين لا يجدنه يعنى بالجمال كما يعنون، ولأن الرمزيين لا يجدون في شعره ما يحبون بل يعتقدون أنه بكاء، مبتذل المعاني. الشعر والرواية والمدرسة وظاهر بعد، أننا إذ نأخذ على المدارس القديمة ضعفها إنما ننظر إليها بأعين المجددين فما زال في أوربا (بشر) كثير لا يفهمون شيئاً عن مدرسة الرمز ويتغنون دائماً بالشعر القديم

стр. 363

الذي أفرغه معلموهم في صدورهم وهم على مقاعد الدرس، ثم عاشوا لا يعرفون شعراً غير هذا الشعر ولا يتذوقون سواه! ومن الصعب جداً إن تغير ذوق المدارس التي تبقى في مؤخرة الحركات الأدبية، لأن المعلمين درسوا القدماء ولا يجدون من الرأي إن يقذفوا بكتبهم القديمة إلى النار ويأخذوا في دراسة الأساليب الحديثة. ولذلك قال (ره مي دوغورمون): إن المدارس مصانع شهرة، تغمر الأسواق ببضائع قديمة دائماً! طوبى إذاً للشاعر الذي دخل أسمه في مناهج المدارس، مهما يكن سخيفاً، لأن ألف ناقد لن يستطيعوا إن يخرجوه منها بعد أن درسه المعلمون وفهموا وألفت فيه الكتب المدرسية! ولكنك قد تقول: إن السر في تقهقر. . وإن تيس من الحكمة في شيء إن يتخالف الشعراء ويتفرقوا شيعاً وأحزاباً. فيدال منهم للناثرين. ما في كلامك هذا شك. بل وأنني أعرف حادثاً نادراً يؤيده: كان (أوغوست دورشان) مؤلففن العروضشاعراً عتيقاً ولكنه قليل الحظ من السهرة وكان يكره الرمزيين والمجددين ويفضل عزيف الجن على سماع قطعة من الشعر الجديد. خرج ذات صباح يهيم على وجهه، في شوارع باريس، ينزه عن نفسه، فمرت به سيارة مستعجلة فخلفته على الأرض صريعاً فاقداً كل حس وتجمع الناس حوله فعرفوه، ثم تبينوا السائق الذي دهسه بسيارته فإذا هو القصصي الفرنسي المشهور (جان تارو)! فما ملك أحد المتجمهرين نفسه عن أن يصبح: حكمة أليمة: القصة قتلت الشعر!. . وفي الواقع، إن المطابع تخرج لنا كل يوم عدداً لا يحصى من الروايات، وكثير من الروايات يعاد طبعها أكثر من خمس مئة مرة في خلال أعوام قلائل. . بيننا كتب الشعر يغلفها الغبار بغلاف يحفظها من لمس الأيدي! ولكن الشعر الذي ضاع هو الشعر المنظوم، وأما الشعر، بالمعنى الواسع، فلم يضع ولكنه ذاب في قالب جديد هو الرواية! على أن هذا التقهقر الذي مني به الشعر لم يكن من شأنه أن يضعف قوة الرمزيين، لأنهم لا يكتبون للشهرة ولكن للذة أنفسهم وللخلود الذي يطمعون به لما يتفهم الناس جمال شعرهم العميق. طائفة من مزايا المدرسة الرمزية ليس أحفل من الرمزيين بالموسيقى، وقيمة الحروف الغنائية، حتى أنّ بعضهم إذا أراد أن يصف وثبة أسد على حيوان وديع ليفترسه، جاء البيت الأول من قصيدته فخماً ضخم

стр. 364

مخارج الألفاظ والبيت الذي يصف به الحيوان الوديع من أرق الشعر، فكأن البيت الأول يفترس الثاني! بل أن من شعراء الرمز من يعتقد أن للحروف ألوانا، فلا يصح أن توصف الألوان إلا بحروفها. وعلماء الرمز يقولون أن القصيدة (قطعة موسيقية)، ويدرسونها كذلك وكل ما يخشونه من المغنى هو أن يكون مبتذلا أو رديئاً بحيث يهدم ما في القطعة مناختلاف منسجم. متى عرفت ذلك هان عليك أن تفهم لماذا لا يلزم الرمزيون أنفسهم بالبحور والقوافي فليس صحيحاً أن بحراً معيناً لا يصلح إلا لأنواع من الشعر معينة، ليس ذلك في فن الموسيقي، وهو ركن الشعر الرمزي. الرمزيون هم الذين بشروا بعد (بالشعر الحر) فخدموا الشعر بذلك كثيراً، ولم يكتفوا بالتمرد على البحر والقافية من حيث اصطناعهما في أغراض مختلفة من الشعر، ولكنهم تمردوا كذلك على التقاطعوالمواقف، حتى إن منهم من يعتقد أن البيت يقف حيث يقف نفس الشاعر! وإن التقاطيع جد خادعة، فقيمة قراط طراق مثلاً تساوي قيمةريمي - لتهما مؤلفان من تقطيعين سيلاب - والفرق بينهما، في الواقع، يلمس باليد! ومن طبيعة هذه المدرسة الغموض، لأن الشاعر لا يعطيك إلا طرفاً من الشيء ويترك لك أن تكتشف بقيته، هذا إلى أنه يبدع عالماً جديداً، فيجب عليك أن تقضي وقتا في تفهمه وربما اكتشفت فيه بعد كل قراءة ناحية خافية فزاد إعجابك بتنوع مناحيه. ويذكر النقاد الأوربيون مستشهدينبسانت بوفإن العبقرية في نظر الرمزيين تشبه الجنون، فكما أن المجنون الذي يقبض في يده على قذى يخيل إليه أنه ممسك بشعاع من نور، كذلك الشاغر الرمزي يستطيع إن يقول مع المجنون: في يدي شعاع من النور. . . مسمياً الشيء لا باسمه، ولكن بالخيال الذي أثاره في نفسه. وهنا يحسن أن تقول أن الرموز غير الكناية، فالكناية نوع من الأعيب الكلام ووصف الشيء ببعض مظاهره وأما الرمز فهم الرمز إلى الشيء بصورة نفسية والشاعر على كل حال لا يستنفذ الرمز بكلمة أو بيت كما يستنفذ الكناية فالرمز لا يتم في الراجح إلا مع القصيدة لأنه وصف عالم كامل مستقل، عاش فيه الشاغر زمناً ما وكذلك يختلف الرمز عن التشبيه، فإنك تستطيع أن تقول مثلاً: هذا الشيخ يشبه القبر. تريد بذلك أنه متهدم الجسم مثل قبر عتيق. فهذا تشبيه صورة خارجية بصورة خارجية ولكنك

стр. 365

إذا سمعت (بودلير) يقول: أنا قبر. . أو (فيرلين) يقول: أنا باخرة إلخ. . عرفت أنهما يشبهان حالة نفسية بصورة خارجية، فبودلير إنما أراد أن يقول أنه لما انحنى على نفسه، كما يقول الغربيون، وطاف في أعماقها، وجد أنه قبر يزخر بالموتى. و (فيرلين) رأى نفسه في لحظة ما باخرة يسيرها الريح على ما يشتهي! هذه أمثلة ما كان يصح لنا أن نسلخها من صورها وننتزعها من (إطاراتها) ولكننا أقدمنا على ذلك لنقرب الرمز من فهم القارئ العربي الذي لم يدرس الحركة الجديدة في أدب الغرب، ولنمهد بهذا لبحوث قابلة ندرس فيها طائفة من القصائد الرمزية ونستعين بها علىتنويرعالم الرمز، هذا العالم الثائر علىالتحليل. . مثل ثورة الفتاة التي يقول فيها (بودلير) يجيب الشيطان الذي سأله عن أحب شيء فيها إلى قلبه: ما دامت كلها كنعنعة الماء فلست أفضل بعضها على بعضإنها تسحر كالفجر وتسلي كالليل. . نفسها يخلق الموسيقى وصوتها يبعث العطروالحق أن سحر الشاعر الرمزي أقرب إلى سحر الموسيقى منه إلى سحر القول، والشاعر يتخذ العالم وسيلة لإنماء أنانيته الطيبة المباركة ودرسها ليس غير، فهو في ذلك يشبه نبع أوسكار وايلد ولكن في غير صلف. . . . أتعرف قصة النبع؟ لما ماتت النرجسة، حزنت عليها أزهار الحقل كثيراً، وراحت إلى النبع تسأله قطرات من الماء تبكيها بها. فقال النبع: لو كانت قطرات مائي كلها دمعاً، لما كفتني وحدي، لأنني كنت أعشقها. فأجابت الأزهار: نفهم يانبع أن تحبها، بل ما كانت لك مندوحة عن حبها لأن النرجسة كانت بارعة الجمال. قال النبع: وهل كانت جميلة حقاً؟ فأجابت الأزهار: ومن يعرف ذلك أكثر منك وأنت الذي كانت تنحني على موجك ويتراءى جمالها كل يوم في مائك الرقراق؟ قال النبع: أنا إذا أحببتها فذلك لأنني كنت أرى في عينيها وهي تنحني علي صورة جمالي! هكذا شاعر الرمز. يرى في الأشياء صورة نفسه وحياة قلبه. . وقيمة الأشياء بما أودع فيها الشاعر من سره وهذا السر هو ما يجب أن نراه!. . . وحده! منير العجلاني

стр. 366

الخطر الأبيض يقول المؤرخ الألماني الشهيرأوسوالد شبنكلرفي كتابهتدهور الغربالذي أحدث ضجة عظيمة في العالم حين صدورهإن الفضل في توحيد حضارة الشرق يرجع إلى انتصار الإسلام الذي خضع له المسيحيون واليهود والعجم دون اختيارهم فتطوعوا في خدمتهوبتأثير الإسلام تطورت الحضارة العربية التي عندما كانت في أوج كمالها الفكري كان برابرة الغرب مدة فترة قصيرة يشنون الغارات وينهالون في قطعان لا تحصى على القدس فكيف كان العرب ينظرون إلى هذه الغارات الهمجية؟ لا شك في أن رجال السياسة العربية لم يكونوا يبحثون في أحوال بلاد الفرنج إلا بكل ازدراء واحتقار. وظل الأمر كذلك في القرن السابع عشر. فإنه في أيام حرب الثلاثين سنة التي كانت من وجهة نظر الشرق محتدمة في مجاهلالغرب البعيدعندما حاول السفير الإنكليزي في استانبول تحريض المسلمين العثمانيين على آل هابسبورغ لاشك في أن جميع العالم الإسلامي كان يعتقد أن الخلافات بين هذه الدول الهمجية الصغيرة التي يغزو بعضها بعضاً دون انقطاع في أقاصي حدود المملكة الإسلامية لا تستحق شيئاً من الاهتمام في سياسة الإسلام من مراكش إلى الهند. بل من المحقق أن الكثيرين كانوا لا يزالون بعيدين عن التنبؤ بالمستقبل القريب حتى بعد قدوم نابليون إلى مصر. . . حقاً لم يكن من السهل قبل عصر واحد فقط معرفة مدى التطور الصناعي الذي ساعد الأوروبيين في القرن التاسع عشر على اجتياح كل العالم والاستيلاء على معظم البلاد الإفريقية والآسيوية. ولايمكن المؤرخ المدقق أن يشبه هذه الغارة السريعة الواسعة إلا بفتوحات المغول والتتر في القرنين الثالث عشر والرابع عشر إنما تتضارب الآراء في تقدير نتائج هاتين الغارتين هل تكون الثانية كالأولى أي مقتصرة على زمن محدود يتغير بعده مجرى التطور التاريخي أم أن هناك فروقاً في تأثير كل واحدة منهما في حضارة البشر المستقبلة. فإن الأوروبيون ما برحوا يحاولون تصوير الوضع التاريخي الحاضر كأنه النظام الأبدي للكرة الأرضية ويكاد جميع الناس يعتقدون بأن الغربيين هم الذين وقع عليهم الاصطفاء ليسودوا العالم إلى الأبد دون منازع وهذا ما دفع إليه البشرية وإنه لا حياة لهم إلا بالاندماج في هذه الحضارة والخضوع لنواميسها. ولكن في الشرق اليوم حركة جديدة أخذت تشعر بما يهدد كيان الحضارات الشرقية من

стр. 367

أخطار إذا هي تجردت عن مقوماتها واندحرت أمام هجمات الدول الغربية ويرى رجال هذه الحركة أن سيادة الغرب الحاضرة وسيطرته على جميع العالم في العصور المتأخرة لا ينبغي أن تكون أكثر من فترة تاريخية تنقضي بعد أجل محدود ربما كان ليس بعيداً. ولا يستبعد هؤلاء انتقال القيادة في خدمة الحضارة البشرية إلى الشرقيين من جديد كما كانت لهم قبلاً مدة عصور طويلة، ثم هنالك كثير من الغربيين والشرقيين يقولون متفقين، أنه ليس في خير البشرية أن تزول الحضارات المختلفة وتقوم مكانها حضارة واحدة وعلى الأخص حضارة مثل الحضارة الغربية التي تتسكع في طريق الرأسمالية القذرة وتتخبط في ظلمات المادية الدنسة والتي لا ينكر حتى أشد أنصارها تعصباً أنه يشوبها كثير من النقائص وأنها تلازمها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية منذ ولادتها إلى يومنا هذا الذي انتشرت فيه الفوضى وساد الاضطراب وعم البؤس بسبب فساد هذه الحضارة. وأخيراً فإن التطور التاريخي منذ أول القرن التاسع عشر قد زاد في شقة الخلاف بين الشرق والغرب ويمكن أن ندعي أن الأوروبيين هم الذين اختلقوا هذه الفروق بينهم وبين الأمم الأخرى في آسيا وأفريقيا بعد أن عمدوا إلى جميع الوسائل للقضاء على كيان هذه الأمم ومحو آثار حضارتها القديمة فكان من الطبيعي أن يظن بهم الشرقيون أسوأ الظنون ويروا سيطرة الغرب مداهماً يهدد الشرق. . . . لنستعرض قليلاً أقوال بعض الرجال البارزين في أوروبا عن علاقة الشرق بالغرب. فهذا الشاعر الانكليزي الشهير (رديارد كيبلنغ) يقول في أبيات مشهورة إن الشرق والغرب عالمان متباينان لا يمكن أن يلتقيان. وهذا اللورد (كرومر) ثم حاول إثبات الاختلاف بين الشرق والغرب بذكر بضع نكات وفكاهات تافهة. فأدعى مثلاً الشرطة الهندية، إذا رأى في الطريق قطعة من الورق ربما يلتقطها ولكن بأصابع رجليه بينما زميله الإنكليزي يقبض عليها بيده وإن الشرقيين يسترون آذانهم قبل كل شيء إذا أشتد البرد بينما يسعى الأوربيون لإخفاء أنوفهم الحمراء. ربما كان في هذين المثالين شيء من الفكاهة تختلف الأذواق في تقديره ولكن الذي يصعب على أكثر العقول معرفة هو كيف يمكن الاستبدال من هذين المثالين وما شابههما على تباين الشرق والغرب في الحضارة. وهناك كاتب آخر يستشهد به اللورد (كرومر) وهو

стр. 368

السير (قورنوال لويس) فقد جمع قائمة من السخافات يعتقد أنها لإثبات وجود هوة سحيقة يستحيل اجتيازها إلى أبد الآبدين بين الغرب المتمدن الكامل والشرق المتوحش المتأخر. إن الإنسان يكاد لا يصدق صدور مثل هذه الأقوال السمجة عن رجال معروفين في الحياة الأوربية العامة فإن (لويس) يدعي أن الشرق يختص بالحكم الاستبدادي المطلق وتعدد الزوجات والرقيق والعقوبات القاسية والثياب الفضفاضة والشعر والتصوف وأما الغرب فيمتاز بالحكومة الحرة والزوجية الواحدة والحرية والفردية والعقوبات الخفيفة والثياب المنطبقة على الجسم وكتابة النثر التوصيفي إن مثل هذا الخليط من السخافات لا يمكن البحث فيه بحثاً جدياً ولا بد أن يتساءل المرء عند قراءة مثل هذه الأفكار الأوربية أليس أقرب إلى الحكمة منها تلك الكلمة الصينية المأثورة التي تقول أن دين البشر واحد في كل محل وإنما شكل العبادة الظاهري يتبدل حسب الظروف والأمكنة. إن الإنسان في حقيقته واحد دائماً وليس من تباين بين أعمق الأفكار والآمال والأماني البشرية سواء في الشرق أو الغرب أما مظاهر الحياة فإنها يجب أن تتبدل حسب تأثير الشروط الخارجية ولكن رغم تبدلها لا يصعب أن نتبين من ورائها عمل الإنسان الذي يبقى دوماً هو نفسه. كثيراً ما نعثر لدى بعض الكتاب على كلمةروح الشرقدون أن نعرف ماذا يقصد منها تماماً فكأنه في استطاعتنا أن نقسم الشعوب إلى طائفتين مختلفتين وأن نميز الشرق عن الغرب في حين أن الخلاف بين الياباني والهندي مثلاً أعظم بكثير منه بين الياباني والفرنسي. وهذا اللورد كرزم الذي عاش مدة طويلة في الشرق يقول أن الاختلاف بين الشعوب الآسيوية نفسها ابلغ منه في أية قارة أخرى فأن التركي مثلاً يختلف عن الألماني والياباني عن الفارسي أكثر من اختلاف البروسي عن الأسباني والهولندي عن اليوناني ونقدر أن ندعي أن الطبيعة البشرية لا يمكن أن تصطبغ بلون القارات بل إن تنوع مظاهرها تابع لظروف كثيرة في كل قارة. ويمكن أن تتفق الشروط والظروف في بقعتين من قارتين مختلفتين فتتشابه الأحوال البشرية فيهما ولذلك لا يجوز أن نستعمل جزافاً اصطلاحات مثل روح الشرق أو الفكرة الآسيوية لأن في ذلك من التعميم والإطلاق السريع ما لا يتفق مع الواقع. ولكن يظهر أن بعض الكتاب السياسيين يروق لهم لغايات معروفة زيادة شقة الخلاف بين الشرق والغرب ولهذا تراهم لا ينفكون يتكلمون عن تباين الأقوام. ماذا يريد هؤلاء الكتاب

стр. 369

من تأكيد الاختلاف بين ما يسمونهروح الغربوروح الشرق؟ ولماذا لا يلتفون إلى مثل ما كتبه طالب صيني في أحدى المجلات الإنكليزية إذ قال، مخاطباً الغربيين: تذكروا إننا نحن الشرقيين أيضا بشر وإن الفرق بين الشرق والغرب إنما هو فرق في درجة التطور لا في أصل الطبيعة أو الخليقة. ونحن من أهل الشرق لا نفهم لماذا يستحيل علينا أن نقوم بالأعمال التي يقوم بها الأوربيونويكفي أن نذكر اليابان لنتيقن من صدق هذا القول. فإن هذه الأمة الشرقية قد أصبحت في برهة قصيرة جداً في عداد العالم العظمى تزاحم الغربيين ليس في ساحات الحرب والسياسة فقط بل في ميادين الاقتصاد والعلم والفن أيضاً. على أنه مما يدعو إلى التأمل أن يقوم بعض رجال السياسة الغربيون، على أثر انتصار اليابان على الروس وطرد الصينيين لبعض الفضوليين من جماعة المبشرين فيخترعون كلمةالخطر الأصفرلأجل التهويل وتحريض الجماهير. لقد خاف هؤلاء الساسة من بزوغ نهضة شرقية تقضي على مطامعهم في السيطرة على العالم وإخضاع جميع الأمم لسيادتهم فأخذوا يدعون أن توحيد صفوف الدول الغربية للقضاء على آثار الحياة والنشاط التي بدأت تظهر في مختلف أنحاء الشرق وردد كثير من الكتاب كلمةالخطر الأصفر وكان إمبراطور ألمانيا ويلهلم الثاني لا يترك فرصة دون أن يذكر الأوربيين بهذا الخطر العظيم الذي يهدد العالم وهو لا يقصد من وراء ذلك إلا نيل مساعدة الدول في إبقاء (كياتشاو) لألمانيا. حينئذ تنبه الشرقيون، على اختلاف بلادهم، إلى مقاصد الساسة الغربيين الحقيقية وعرفوا أن هذا اللغط المستمر بذكر التباين بين الشرق والغرب لا يقصد منه سوى إثبات فضل الأمم الغربية على غيرها وتفوق حضارتها كما أيقنوا أن ترديد كلمة الخطر الصفرإنما يراد منه تحذير الدول الغربية من نهضة الشعوب الشرقية وتشكيل جبهة واحدة لمناوئة هذه النهضة. لم يكنالخطر الأصفرفي الحقيقة إلا وهماً وهما اختلقته رجال السياسة. ولكن التمسك به هو الذي دعا بعض المفكرين في الشق إلى المقابلة بالمثل فقاموا يذكرون الجماهير بالأخطار التي تهدد حضارات الشرق من سيطرة الغربيين. ولما أخذ الشرقيون يبحثون في المسألة من وجهة نظرهم ظهر لهم أنهم ما زالوا منذ منتصف القرن التاسع تجاه خطر عظيم يهدد كيان حضاراتهم ويكاد اليوم يقضي عليها وهذا الخطر هو ما يمكن أن نسميهبالخطر الأبيضجرياً على اصطلاح الغربيين أنفسهم الذين يحشرون الأمم الأخرى جميعاً تحت

стр. 370

اسمالأقوام الملونة. وهذا الخطر حقيقي لم تنتبه إليه الأمم الشرقية في حينه ولم تقم بالوسائل اللازمة لاتقاء شره قبل أن يستفحل أمره فوقعت الآن بين براثينه وأصبحت مهددة بالموت والاضمحلال. إن هذا الخطر مما يقلق راحة جميع الآسيويين إليه كغول مرعب يهدد الشعوب الشرقية في أعز الأشياء لديها: في استقلال بلاد أجدادها وفي عاداتها الموروثة وفي عقائدها وتقاليدها وفي آدابها وفنونها وجميع مظاهر حضاراتها الخاصة. ولاتقاء هذا الخطر قامت حركة الجامعة الآسيوية الجديدة التي يقول عنها الكاتب اليابانيأوتوسوكه وأكاميا) أنها ترمي إلى الوقوف في وجه النفوذ الأمريكي والأوروبي وجعل آسيا للأسيويين فإن الأسيويين يطالبون باستقلال الحضارات الأسيوية وتنميتها لتستطيع الانتصار على الحضارة الغربية التي جميع الظواهر على إفلاسها وتدهورها. وفي برنامج جمعية آسيا جاءت هذه الكلمات: أن آسيا تفوق جميع القارات الأخرى في اتساع مساحتها وكثرة عدد سكانها وغزارة منابع الثروة الطبيعية فيها. ولذلك فإن جميع الحضارات الراقية قد نشأت في آسيا كما أن جميع الحكماء العظام قد ولودوا في هذا القسم من الكرة الأرضية. ويمتاز الآسيويون بالعادات النبيلة والتقاليد الشريفة وسمو العقيدة، إنه في خير البشرية وحضارة العالم أن ينهض الآسيويون ويعلموا يداً واحدة لهذه الغاية. . .

стр. 371

منتخبات من مفكرة المرحوم أحمد شاكر الكرمي في سنة ١٩٢٥ طبقات كتابنا ينقسم كتابنا اليوم إلى ثلاث طبقات قدماء ومجددون وسوقيون. فالقدماء هم الذين درسوا الأدب القديم واقتصروا عليه والمجددون هم الذين درسوا مع الأدب القديم أدب لغة من اللغات الحية. أما السوقيون فهم الذين لم يدرسوا فنون الأدب العربي درساً قانونياً بل اقتبسوا من مطالعة الصحف والمجلات مادة ضعيفة نزرة هي كل رأس ما لهم الأدبي. ويمتاز رجال الطبقة الأولى بألفاظهم المنتقاة ومعانيهم الضئيلة. ويمتاز رجال الطبقة الثانية بمعانيهم الرفيعة وأساليبهم الرائعة. أما رجال الطبقة الثالثة فيمتازون بكل شيء سخيف. الدعوة إلى القديم في المدينة اليوم دعوة ترمي إلى الرجوع للقديم ونبذ كل البدع العصرية في المأكل والملبس وفي التعليم والسلوك. يقول أهل هذه الدعوة للناس: صلوا صلواتكم الخمس جماعة. وارجعوا إلى السنة في ملبسكم وافعلوا الخير واتركوا الشر ثم أهملوا كل ماعدا ذلك. وهذه الأمور سهلة يستطيع كل إنسان أن يقوم بها. ولكن هل تكفي هذه الأمور في عصر كعصرنا وفي أحوال كأحوالنا المعروفة؟ إن الانصراف الأمة إلى العبادة وحدها في مثل هذه الأيام أمر لا يقبله ولا يرضى به مخلص فإذا كان رجال تلك الدعوة مخلصين حقاً فإنهم ولا شك بسطاء يريدون إن يقودوا الأمة إلى الموت من حيث لا يشعرون، وكثيراً ما كان الإخلاص وحده جالباً لأكثر الأخطار وأعظم الشرور. اللهم نجنا من شر كل إخلاص لا يصاحبه علم وخبرة ومعرفة بتصاريف الدهر وأحوال الحياة. ببركة غلاظتهم كانت العامة - ولا تزال - تعتقد أن الصراع ينشأ من فعل الجن والشياطين ويقولون عمن يصابون به قدركبه الشيطانوقد اتفق أن رجلاً أصيب بذلك الداء ففزع أهله إلى شيخ من الشيوخ وطلبوا منه أن يداوي ابنهم بعزائمه وتعاويذه فجاء سيدنا الشيخ، وجلس فوق رأس الصريع وأخذ يتلو عزيمة استهلها بكلمةياومط هذه الكلمة مطاً استغرق نهاراً كاملاً، فلما

стр. 372

انتهى النهار ولم تنته كلمة الشيخ تحرك الشيطان وقال يخاطب الشيخ: أنا ذاهب ياسيدنا، ولكن ببركة غلاظتك لا بفضل قداستك! ونحن نخشى إذا استمر الحشو يون في دمشق على إصدار منشوراتهم السخيفة، وتصويرهم الدين فيها على غير حقيقته أن يخرج الناس من دينهم، وأن يقولوا لساداتنا المحترمين ما قاله ذلك الشيطان لزميلهم ببركة غلاظتكم. . . العبقرية كان كارلايل الكاتب الانكليزي الحكيم يقول: إن العبقرية هي استعداد غير محدود لاحتمال الآلام. ولا يريد بهذا أن ذلك الاستعداد هو كل مايلزم للعبقري فلو كان الأمر كذلك لكانت كل حيوانات البر والبحر وخصوصاً الحمير المشهورة بالصبر من طبقة ساداتنا العبقريين ولكنه يريد أن يقول أن الاستعداد لاحتمال الآلام والاتصاف بالصبر العظيم هو أهم ركن من أركان العبقرية فليس في الدنيا عمل لا يستطيع صاحب الصبر إنجازه - كما يقول رابلي - فالصبر أساس كل علم، ومحال أن يكون الإنسان عالماً عظيماً أو فلكياً شهيراً أو كاتباً مبدعاً أو شاعراً نابغة أو سياسياً محتكاً إلا إذا كان له استعدا غير محدود لاحتمال آلام الدرس. الكاتب والجمهور يكتب الكاتب لنفسه أو لصديق من أصفيائه فلا يبالي بتطرفه في الرأيأو خروجه على عقيدة موروثة أو مجاوزة من الحدود التي فرض المجتمع على الناس الوقوف عندها ولكنه لا يستطيع أن يسلك هذا السبيل فيما يكتبه للجمهور. إن الجمهور عدو في ثياب صديق، فهو يطرب لما يكتبه الكاتب، ويظهر له الحب والإعجاب وقد يتولع به وبعبده أيضاً ولكنه لا يتسامح معه البتة بل تراه على استعداد دائم للانقلاب عليه وإسقاطه عندما يشتم منه رائحة الخروج على عقائده أو عاداته فهو يحاسبه على أتفه الأمور ويحكم عليه أحكاماً قاسية لا تقل الهفوات، والأنكى من هذا أنه لا يقبل في أحكامه استئنافاً ولا تمييزاً. إن أغبى الكتاب وأشدهم عمى وحماقة، هو الذي يخدعه رضى ذلك المولى الأحمق الذي يسمونه (الجمهور)

стр. 373

الفلاح وحبات القمح هل نظرت على الفلاح، عند غروب الشمس، كيف يرفع يده إلى السماء وهو يبذر حبات القمح؟ إن يده لترسل إلى الأفق الأعلى ظلال الأمل، وتطبع على هام الأفلاك صورة العمل. أنظر إليه أنه يطأ بقدميه تراب الأرض، ويغير بأحلامه مجرى الأرض، ويغير بأحلامه مجرى النجوم. لم يدفن حبات القمح في بطن الأرض إلا ليحييها. فكأن الأرض قبر تنبعث منه الحياة وكأن الفلاح حاكم تخضع العناصر لأمره. أنظر إلى الشمس كيف هبطت إلى الأفق. إنها تكاد تغيب من وراء الجبال. ها إن ظل الفلاح صار عظيماً. أنه أعظم من الأرض، لأنه قد ستر السماء. كلما قربت الشمس من الجبل عظمت ظلال الأشياء، وتغيرت ألوانها، وتقرب الناس من نهاية العمل. لقد غمرت الشمس سطح الأرض بموج من الذهب فأصبح الفلاح غنياً، لأن معوله وآلته وكيسه وثيابه قد انقلبت إلى إبريز خالص. ألم تر كيف رفع رأسه وشمخ بأنفه ونظر بعينيه المطمئنتين إلى الأفق؟ أنه شاعر بقيمة العمل الذي أنجزه. إنه عالم أن حياة الملايين من الناس متوقفة على نتيجة جهوده ونجاح أعماله. لم أجد في صورة المساء أجمل من الفلاح، لأنه أجمل من الشمس، أجمل من سنابل الذهب، لا بل أجمل من السماء المظلة والأرض الساكنة ليس الفلاح ابن الطبيعة، بل الطبيعة بنت الفلاح، لأنه قد قلب الأرض، وغير صورة الأشياء. نعم إن الإنسان لم يبدع العناصر ولم يرتب الإكوان ولكنه أثر في تركيبها وتبديها ونقلها من طور إلى آخر حتى كاد كل ما في الطبيعة يحمل أثراً من عمله واختراعه. فكم أرض فقراء قلبها إلى جنة غناء، وكم رابية حولها إلى سهل فحفر فيها الأنفاق والترع، ثم غرس فيها الأشجار فأتت كلها ولم يحفل بالراسيات من الجبل، بل تسنم الأطواد والأعلام وجعلها سهلة المرتقى، فأنشأ فيها المسالك والمجاري وبنى الحصون والمعاقل ثم سخر اليم كما سخر الأرض والجو وتغلب على الطبيعة. وهذه الأكوام الذهبية من القمح، إلا تدل على قوة الإنسان وسلطانه، ألا تدل على الجهود التي بذلها الفلاح في تسخير الطبيعة؟ تقول الأساطير أن الناس تعلموا زراعة القمح من (أوزير يس) إله المصريين ومن (سيرس) ابنة زحل، لأن هذه الآلهة الشقراء تسهر على حصاد القمح كل أيام السنة. ولو بحثت عن تاريخ القمح لما تبينت له في ظلمات الزمان ابتداءً. فهل زرعته (سيرس) في حقول (الأنا) في سيسيليا، أم هل أنبته (أوزير يس) على

стр. 374

ضفاف النيل لأول مرة. لم ينبت القمح بقوة أوزير يس ولا بعناية سيريس بل نبت بقوة الفلاح. ولست تجد على وجه الأرض قمحاً ينبت بنفسه على الحالة الطبيعية، بل كل حقل من حقول القمح يحتاج إلى جهد إنساني عظيم. ولا تتحسن زراعته إلا إذا كان العمل دائماً. ولعله أحسن النباتات دليلاً على ضرورة استمرار الجهود وسرعة الإنتاج. فمن فلاحة الأرض إلى بذر القمح إلى حصاده ودرسه كل ذلك يقتضي عملاً سريعاً دائماً. ثم إن الفلاح يرسل القمح على أجنحة البخار السريعة، إلى أقصى مناطق الأرض. فيملا به المخازن والمعامل. إن اختلاف الأقاليم، وتنوع صناعات البشر وحاجة بعض البلدان إلى القمح قربت المناطق بعضها من بعض فتولد من ذلك كله تجارة دولية ومصالح مشتركة عديدة. وربما كانت هذه المصالح أساس السلام العالمي لأنها وحدت عواطف الأمم. إلا أن القواد لا يزالون يتطاحنون في سبيل الأسواق التجارية ويحولون أكوام الذهب إلى رماد، والفلاح غير عالم بمصير القمح الذهبي الذي باعه لعملائه. ولو بعث اليوم أهل العصر الزراعي لتحيروا مما وصل إليه الفلاح في عصر الصناعة الكبرى من الرفاه والراحة. لماذا هجر الفلاح حقله واستبدل به المعمل؟ لم يأت إلى المدينة باحثاً عن مصير حبات القمح، بل جاء يطلب الرفاه هارباً من الجوع والفقر والألم. ولو وجد الرفاه في القرية بالقرب من أكوام الذهب لما ترك الحقل. فإذا أردت أن يبقى الفلاح في حقله فاقلب قريته إلى مدينة، وابنِ في حقله معملاً وجهزه بكل وسائل الرفاه، واستبدل جمال الطبيعة الساذج بجمال الفن الساحر. إن الفلاح الذي يسير الآلة أعظم من الفلاح الذي يبذر القمح بيده. والقمح في المعمل لا يقل جمالاَ عنه في الحقل لأن الجمال الحقيقي هو جمال الإنسان لا جمال الطبيعة. أن الجنة لا تدخل بطن الأرض ألا بقوة الإنسان وإيمانه. ولم تكس أكوام القمح بهذا اللون الذهبي إلا لانتقال آثار الحضارة من جيل إلى جيل. كل حبة من حبات القمح تدل على عمل الإنسان وجهوده وإيمانه بالحياة والقوة والتقدم. فهو يثق بصناعته ويؤمن بنفسه وبالمستقبل ويعتقد أن الأرض التي قلب ترابها ستخضع للقيود التي قيدها بها. فالقمح لا ينبت بقوة الطبيعة، بل ينبت بقوة الفلاح. والفلاح لا يستفيد من قوة الأرض، بل من قوة الصناعة الإنسانية التي خبأتها الأجيال في التراب فكأن المخترع الذي أخترع المحراث لات يزال اليوم إلى جانب الفلاح يحرث الأرض معه. وكأن المدينة كلها موجودة

стр. 375

في كل حبة من حبات القمح. جميل صليبا

стр. 376

مديح القمح نموذج من الأدب التركي. ترجم لنا الأستاذ نافذ الغنام هذا المقال بعد أن كتبنا المقال السابق فأحبنا أن نثبته إلى جانبه في أواخر القرن التاسع عشر بدأت نهضة حديثة في آداب اللغة التركية أدت إلى نشوب حرب جديلة بين هواة الأدب القديم واتباع الأدب الحديث. انتهت هذه المعركة بفوز المجددين على المحافظين، وأخذت الآداب التركية، من ثم، تتقدم بخطى سريعة نحو الكمال العصري، تجاري آداب الأمم الغربية في كل مضمار. ظهر من هذه الفئة المجددة كتاب أداء وشعراء نابغوا الذكر كعبد الحق حامد، وتوفيق فكرت، وجناب شهاب الدين، وسليمان نظيف، وأحمد جودت، وعاكف، وأحمد هاشم، ورجائي أكرم، وعلي أكرم، وحسين جاهد، ورفيق خالد، وجلال نوري، وخالدة أديب وكثير غيرهم من فطاحل الأدب التركي. وألفوا في الرواية والقصة والتمثيل والوصف والبحث والنقد، ونقلت بعض آثارهم إلى اللغات الأجنبية ولكن لم تلبث أن بارت بضاعة أدبهم، على رونقها، بعد الحرب العامة نظراً لتغير شرائط الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية في تركيا. كان أدب هؤلاء الأفاضل غذاءً كافياً لروح العالم التركي في عهد السلطنة العثمانية ولكن لم يعد في الظروف الحاضرة يفي بأغراض الجمعية التركية الحديثة. فظهر في هذه الأيام أدباء حديثون مثل فالح رفقي، وفاروق نافذ، وناظم حكمت، وأور خان سيفي، وعمر سيف الدين، وصدي أدهم، وياشار نابي، ووالا نور الدين، وصلاح الدين أنيس، وسلامي عزت، ونجيب فاضل وكثير غيرهم من الأفذاذ الذين يحاولون أن ينفخوا في صدر العالم التركي روحاً جديداً، ويرشدوا النشء الحديث إلى أهداف الأمة السامية، ويجرؤون على اقتحام ساح الجد والجدال. غير أن قسماً من أدباء الدور العثماني لا يزالون يتمتعون بالشهرة التي يستحقونها ولا تزال تجد آثارهم عيوناً محملقة لمطالعتها وقلوباً واعية لجمالها. أذكر منهم جلال نوري بك، وحسين جاهد بك، وخالدة أديب خانم، ولاسيما رفيق خالد بك نزيل سورية منذ بضع سنوات واحد محرري جريدة (وحدت) التي تصدر باللغة التركية في حلب، وصاحب المقال المنشور أدناه.

стр. 377

ورفيق خالد بك هو من مشاهير الأدباء الرمزيين له كثير من المؤلفات التي تعد من أمهات الآثار الأدبية مثل (كيربينك ديدكلرى) أي ما قالته القنفذ، و (صاقين آلدانما أينانما قانما) أي إياك أن تنخدع أو تصدق أو تنع، و (برآووج صاجمة) أي قبضة خردق، و (برايجيم صو) أي شربة ماء وكثير غيرها. ترجمت مقالته الآتية (مديح القمح) إلى اللغة العربي، حين ظهورها، في جريدة (وحدت) منذ شهرين على التقريب لما فيها من الحقائق العلمية التي أحصاها لنا الأديب وقرب بين مختلف صورها البهية وألوانها الزاهية بحذاقة ورشاقة نادرتين. نافذ الغنام مديح القمح يسترعي الآن نظري حقل القمح الوسيع متوقداً تحت أشعة الظهر توقد الكؤول الذي لا يظهر لهيبه في واضحة النهار. يدأب ههنا الحاصدون مجدين في بحر من النور والنيران كأنهم حشرات حقيرة سقطت في مياه غالية، تضطرب فيها وتختبط دون أن تستطيع منها خلاصاً. إن ناراً باطنية يذهب دخانها إلى جوف الأرض، لا إلى عنان السماء، صقلت الزرع صقلاً جميلاً بعد ما أذوته وحمسته، وقد كان أمس غضاً طرياً. تؤذي العين بين آونة وأخرى، إيذاء الأميال الحامية، لمعات من المناجل تلعب بالزرع وتميله أكداساً على الأرض. أنظر إلى هذه البوارق الخلابة تشع في حقول القمح الصفراء وأنا أفكر: منذ أحقاب بعيدة لم يضبطها التاريخ عاش الناس خدماً وعبيداً من أجل القمح لا أذكر مادة كالقمح تثير بقلتها أو بكثرتها الثورات. القمح هو ثالث حاجات البشر بعد الماء والهواء. القمح هو الأقنوم الثالث الذي لا تتم بدونه معرفة الحياة. إن للقمح أثراً في أسباب الحرب والصلح والفتن والمعاهدات. القمح في حياة الدول كأصابع النساء، تبدو من تحت جميع المسائل والمشاكل، أعتقد أننا لا نعير البحار والموانئ والمخارج والموارد أهمية إلا من أجل القمح. تختبئ حبة القمح تحت أغلفة أكثر الأمور. بحبات القمح تكتب تواريخ الأمم. لا يوجد بين رجال الدولة من يضاهي القمح بأهميته. لو كان في خزائنه قمح لنجا لويس السادس عشر بنفسه وأنقذ عرشه بدون ريب. إن لانبار القمح من ألأهمية ما للثكنات. إن الزروع تحمي الخيام كما تحميها الجيوش. تحتاج الجيوش إلى أكياس القمح قدر

стр. 378

احتياجها إلى الجند. خلاصة القول: الحرب تعنى القمح كما تعنى البارود. وأزيد على ذلك بأن القمح يعني الثبات والتقهقر والغلبة أو الانكسار. بنظرة واحدة إلى مختلف الطرق المتبعة في زراعة القمح وحصده وطحنه وخبزه نستطيع أن نحكم بإصابة على استعداد أي أمة وعلى درجة تقدمها في الصناعة والحضارة. ليست الثياب وحدها هي التي تفرق بين القروي والمدني ولكن رغيفه وكيفية قضمه الرغيف أيضاً. إن أول آلة ننشؤها في القرية هي الرحى، وأول معمل نبنيه في المدينة هو الطاحون. إن البلدة تفكر بقمحها قبل كل شيء. تطلب كسرة الخبز قبل الطعام. نعود أولادنا على احترام الخبز. ونصيحتنا إلى شبابنا هي أكسب خبزك. الخبز والقمح مختلطان بكل دين ولهما محل في كل عقيدة وإيمان. فهما أعظم قضية وأهم مسألة اجتماعية تقلب الدنيا رأساً على عقب. يسعى العالم بأسره وراء الحنطة والخبز. فكأن البواخر التي تمخر عباب الماء وتلاطم الأمواج، وكأن القطارات التي تخرق الجبال وتقفز من فوق الهاويات كلها وسائط مسخرة لنقل الحبوب. وكأن الأسلاك والسكك والمراكب التي تربط أطراف القارات ببعضها أنشئت من أجل أسواق القمح وتجارته. أظن أن عدد الناس الذين تشغلهم في الأرض زراعة القمح وحصاده وخبيزه يكادان يساوي عدد سكان الأرض جمعاء. لا يوجد في الأرض عمل أو صناعة تبدل في سبيلها هذه الهمة ويمارسها هذا العدد من الناس. لا يوجد عامل أو زارع أو صانع يحترم قدر الفلاح. حتى زوج الفدان الذي يجر المحراث محترم في نظرنا أكثر من سائر الحيوانات. القمح يعز الأرض التي يبذر فيها، ويدر البركة على اليد التي تلامسه ويبهج التراب الذي ينبت فيه، ويجعل لعام إقباله شأناً وصيتاً. قد تنتظم الدنيا بدون ذهب ولا فحم ولا كتاب ولكن لا دنيا بدون قمح. إن في امتداد السهول الخضراء التي تصافح زروعها الآفاق معنى من معاني السلام وإن السنبلة المحمرة الملأى زينة وزخرف وأثر على جانب من الدقة والظرف. وهي كما تدل على البحبوحة والبركة لتدل أيضاً على الثروة والقوة والأمن. يستطيع الناظر إلى السنبلة أن يتخيل عالماً وسيعاً. إذا تأملنا حياة القمحة انجلت أمام أعيننا صور حقيقية شتى نألفها في هذه الحياة: في أواخر أيام الخريف الصاحية، بعد هطول

стр. 379

الأمطار المدرارة، فلاحة الأرض بين صياح ونداء. تنقل الغربان شتاءً في حقول القمح المغطاة بالثلوج. وأخيراً خضرة الزروع تتموج برياها في الربيع. ثم نضوج الزرع واصفراره تحت أشعة الشمس المحرقة، فالبيادر فالدراس، كل هذه المناظر تعيش في مخيلتنا الواحدة تلو الأخرى. الأفران التي يلعب لهيبها الأحمر في بقعة هادئة. الخبازون بسوقهم وسواعدهم العارية. الأرغفة المصفوفة سخنة طرية إلى الفروش. أما أشد ارتباط هذه الصور بحياة الإنسان وما أكثر تكررها على ناظريه في كل يوم إن طواحين المياه لكثيرة الضوضاء وهي ظليلة وطيئة. وطواحين الهواء لكثيرة الصرير مستنيرة عالية. وإما الطواحين البخارية فكأنها قلوب الأرض التي هاج بها هائج، تحقق في صميمها وهي تدور مولولة صارخة. إن الناس يتأملون المناظر التي لها مساس بالقمح تأملا لا يفوقه تأمل. وتراهم يشغلون ويلهجون بأدوار حياة القمحة في كل عام. حتى الصعلوك الذي لا يملك زراع أرض أو صاع قمح يسألك باهتمام، كيف الزرع؟ فالقمح هو قريبنا جميعاً، وقريب كل مقطوع، ومشغلة تشغل حتى أغبى الأغبياء. خلاصة القول: لا يجود في الأرض مسألة كمسألة القمح نشبت بشغاف القلوب وكما أن أصل الحضارة في حقل القمح فإن مخلب الحرب الدامية في مخزن القمح. الذين يتخيلون الأرض فوق قرن الثور مصيبون على شرط أن يكون ذلك زوج فدان. رفيق خالد

стр. 380

رباعيات جديدة للشاعر الفيلسوف الزهاوي الله للعصفور الله للعصفور من=بلواه ليس له مفر في الجو صقر ذو أطا=فير وفوق الأرض هر المكان والزمان بين القديمين في عن ... صر الوجود قران فللمكان زمان ... وللزمان مكان قلت للشاعر قلت للشاعر والشا ... عر ذو سهم بطيش أنت أن عشت تمت جو ... عاً وإن مت تعيش أنا وهي قد تغنينا بالشجي من الش ... عر وأجهشنا بعد ذاك التغني أنا أبكي وأمسح العين منها ... وهي تبكي وتمسح العين مني

стр. 381

مونتاين والهنود الثلاثة بمناسبة مرور (٤٠٠) عام على ولادة الكاتب الفرنسي ميشيل دومونتاين (١٥٣٣ - ١٥٩٢). كان عام١٥٦٢مفعماً بالزوابع قد استولى فيه القلق على النفوس وأخذ الإفلاس يهدد كل الحكومات الأوروبية التي كانت الجيوش المأجورة تجتاحها ويؤلف فيها الفلاحون، وقد احترقت مزارعهم ومساكنهم، عصابات همها النهب والسلب وأصبح قتل الملوك مذهباً شائعاً وتقتيل الرعية عادةً مألوفةً. وفيما وراء البحر الإطلانتيكي كان المستعمرون، الذين لا يعرف جشعهم حداً يتسابقون في سفك الدماء لإبادة سكان أمريكا الأصليين. فلم تنقض مدة قصيرة حتى أخذت قبائل الهنود الأمريكية في الاضمحلال وقلت الأيدي العاملة منهم لخدمة المستعمرين. حينئذ وجهت الحكومات الاستعمارية أنظارها إلى إفريقيا وبدأت تجارة الرقيق الأسود في أشنع صورها، ويمكن أن نعتبر سنة ١٥٦٢تاريخاً لافتتاح تجارة الرقيق من قبل الإنكليز تحت قيادة (جون هركنس). وفي هذا الوقت كانت الحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت محتدمة في فرنسا حيث كان الملك شارل التاسع، وهو صبي في الثانية عشرة من عمره، تحت وصاية والدته كاترينا دي مديتشي المشهورة بالمكائد والدسائس. وكانت هذه إذ ذاك تدبر الأسباب لمذبحة (سن بارتيملي) التي تعد من أفظع حوادث التاريخ وأشنع مثال للتعصب الديني. وقد كان جنود الملك يحاصرون البروتستانتيين في مدينة (روئن) التي استولوا عليها في٢٦تشرين الأول ١٥٦٢وكان الملك الصبي حاضراً مع الجيش وفي حاشيته كثير من الإشراف بينهم (ميشيل دو مونتاين) عضو البرلمان في (بوردو) الذي كان في التاسعة والعشرين من العمر. وبعد مدة طويلة، لما انزوى مونتاين، الشيخ الشاعر في قصره وأخذ يكتب مذكراته لم يجد في حوادث الاستيلاء على (روئن) ما يستحق التدوين سوى ملاقاته مع ثلاثة من ضيوف المدينة الغرباء. فقد صدف أن كان هناك ثلاثة من الهنود الأميركيين، الذين يقول عنهم (مونتاين) أنهمأناس شرفاء انقادوا، يا للأسف، إلى دافع حب الاطلاع فتركوا الفقر في بلادهم ليشاهدوا آثار رقي مملكتنا في يوم من الأيام بحرمان ما كانوا يتمتعون به من هدوء وسعادة. وكان الملك الصبي قد سمع عن الهنود الثلاثة فطلب إحضارهم إلى مجلسه وتحدث إليهم عن أمور تافهة أجابه عليها أكبرهم سناً بكلمات بسيطة صريحة. وقد اهتم

стр. 382

(مونتاين) الذي كان حاضراً في المجلس، بهؤلاء الهنود كثيراً ورغب إلى ضابط شاب من مواطنيه أن يرافقه إلى مقابلتهم في منزلتهم البسيط. وقد خاطبهم (مونتاين) قائلاً: - يا أصدقائي الأعزاء، إنكم قد شاهدتم بلادنا وعرفتم بعض عاداتنا وأنظمتنا التي تختلف بلا شك عن عاداتكم وأنظمتكم. فما هو أغرب ما رأيتموه لدينا؟ ظل الهنود الثلاثة صامتين برهة يفكرون ثم رمى أكبرهم سناً نظرة فاحصة إلى رفيقيه كأنه يريدان أن يتأكد من اتفاقهما معه في الرأي ثم قال: - مما استرعى شديد تعجبنا قبل كل شيء أن رأينا حول الملك عدداً كبيراً من الرجال الأقوياء الأشداء وكلهم قد استدل الشعر على ذقنه واستصحب معه أكثر ما يمكن من الأسلحة. يرضون بالخضوع والانقياد إلى صغير يطيعون أوامره بذل. فلماذا لا يتفق هؤلاء على انتخاب أحدهم رئيساً يعهدون إليه بالقيادة؟ كان الضابط الشاب عند سماع هذا الجواب، قد استولت عليه الحيرة، لا يعرف هل ينبغي عليه أن يسترسل في الضحك أم أن يشير إلى هذا الرجل الغريب الناشئ في حضن الطبيعة بالاحتراز من ارتكاب مثل هذه المعاصي الكبيرة. على أن (مونتاين) الذي كان يحمل معه في الحرب أيضاً، كتاب (بلوتارك) والذي كان معجباً بكتاب الجمهوريات القديمة شجع الهنود في الدوام على الحديث فقال أكبرهم سناً: -. . . ثم قد لا حظنا أن عندكم بعض أشخاص يملكون كل وسائل الراحة والرفاه بكثرة ويتمتعون بجميع الخيرات والملذات دون حساب بينما معظم الناس الآخرين يعيشون في منتهى الفاقة ويتضورون من الجوع ويستولون أمام بيوت الأغنياء فإننا لا نستطيع أن نفهم كيف يرضى مثل هؤلاء المعدمين المساكين بهذا الظلم ولا يهجمون على الأغنياء المترفين ويمسكون بحلاقيمهم ويحرقون قصورهم. . . لم يكد الضابط الشاب يسمع هذه الكلمات حتى قام مذعوراً من مكانه وقال لنذهب فليس لدينا متسع من الوقت. إنه كان لا يريد كان سافر إلى العالم الجديد وتعلم لغات عدة قبائل هناك وكان الآن مستخدماً في بلدية (روئن). وقد لاحظ (مونتاين) ذلك أيضاً ورأى من الأدب أن لا يكثر الأسئلة على الضيوف الغرباء فقام وشكرهم على أجوبتهم ثم انصرف مع الضابط وسارا في الطريق صامتين كل واحد منها غارق في أفكاره. . . وقبل الوصول إلى المسكن انطلق لسان (مونتاين) بالكلام فقال

стр. 383

يخاطب الضابط الشاب: - إن هؤلاء الهنود الأميركيين، ياصديقي العزيز، بعيدون عن الحضارة. بل لا شك في أنهم متوحشون ولكن بالمعنى الذي نستطيع أن نسمي به ما تنتجه الطبيعة نفسها من ثمار وحشياً. إنما أليس الأولى أن تتصف بالوحشية الفواكه التي نستحصلها نحن البشر بالطرق الصناعية ونبدل طبيعتها الأصلية. ومن المؤسف أن أفلاطون لم يكن يعرف شيئاً عن هؤلاء الهنود. فأنه لو وصله خبرهم لعلم إذن أنهم أمة لا أمل للحصول على مكاسب التجارية فيها ولا محل فيها الألقاب والغنى والفقر ولا لزوم للمعاهدات والحقوق الوراثية وأنظمة ولاية العهد أنها أمة لا تعرف إلا السعادة في الحياة الطلقة. . . هنا تحركت في الضابط الشاب النعرة العسكرية - المسيحية فاعترض على مونتاين قائلاً: - ماذا أفادت كل الفضائل هؤلاء الناس الذين تطنبون في مدحهم والذين تريدون البحث عنهم مع السيد أفلاطون الذي ذكرتموه والذي لم أتعرف إليه، بل ماذا أغنت عنهم جميع المزايا إزاء هجمات الأبطال الأوروبيين؟ ألم تستطع فئة صغيرة من جنود المسيحية الشجعان إخضاع تلك البلاد الشاسعة لحكمنا؟ نعم ياصديقي العزيز. إننا بفضل قوتنا وشدة سطوتنا قد تغلبنا على هؤلاء القوم ولكننا لم نستطع استمالتهم إلينا بالعدل. إننا بتجردنا عن الحلم والكرم والوفاء والصراحة قد أخضعنا سكان (المكسيك) و (بيرو) الذين تتمثل فيهم هذه الصفات في أجلى مظاهرها. ولا شك في أن هذه الصفات هي التي كانت السبب في هلاكهم! هناك رجل في أسبانيا يقارب عمره التسعين اسمه (لاس قازاس) كنت أود لو تستطيعون الاجتماع به فتسألونه عن الوسائل التي استخدمها الأوروبيون لإخضاع أبناء الطبيعة في أمريكا، أن ما تسمعونه من هذا الشيخ الجليل الذي شهد الحروب هناك لا يدعو إلى الفخر. إنكم جنود اليوم لا تعرفون إلا الفتح والاستيلاء. ولكن ما هي الوسائل وما هي الغاية؟ فإنه ليس كل من قدرت له الغلبة يستحق لقب الفاتح المنتصر. إن الأعمال التي تظهر بعد الاستياء هي المقياس والأساس. وليس ما تسمونه اليوم سلماً سوى صفحة أخرى للحرب ولكن بأسلحة غير أسلحة القتال في الميدان. كم كان العالم يتقدم نحو الإصلاح لو كانت أعمالنا تستحق أن تصبح قدوة ومثالاً في الفضيلة لتلك الأقوام! إن الواقع على عكس ذلك. فإننا قد استثمرنا عدم معرفة هؤلاء الناس واستفدنا من قلة تجاربهم فسهل علينا دفعهم إلى

стр. 384

الخيانة والتهتك والطمع والخساسة والنذالة والظلم والقسوة والنفاق على مثالنا نحن أنفسنا. . . فهل تعادل الفوائد التجارية التي يمكن أن نجنيها من العالم الجديد هذا الثمن؟. كان الفارسان قد وصلا غايتهما. فافترق الضابط الشاب عن (مونتاين) الذي لازم غرفته يتصفح في كتاب (بلوتارك). وفي تلك الليلة التي تهاجمت فيها الأفكار على (مونتاين) قرر أن يصبح كاتباً ليقول إلى الناس ما يجول بفكره ويشرح لهم تجاريبه وما يعتقد صحته وفائدته من الآراء ويصور لهم العالم كما يراه ويتخيله. وكان (مونتاين) يعرف الصعوبات التي سوف تعترض طريقه في كشف الحقيقة والتبشير بها ولكنه قال في نفسه: يكفي أن أكون مخلصاً وصريحاً للقيام بالواجب ولم ينته من تأليف كتابه التجاريب ونشره إلا بعد انقضاه ثمانية عشرة عاماً من تلك الليلة. . . كامل عياد

стр. 385

حديث باطني من يومية رجل يقيم على حدود العقل . . . كنت ابن خمسة عشر إذ ذاك، وكنت مغرماً بفتاة أخذتها وحدها من بين جميع بنات الحي مأخذ ملاك طاهر لأنها كانت ذات شعر كأمواج النور وعينين كسماء أيار. لكن اللعوبة لم تبال بحبي إذ كنت بحترياً دميماً، أميل إلى الإنفراد وأقطع الساعات حالماً. ولعله كان يحق لها أن تحب فؤاداً وتعرض عني. فقد كان هذا الشاب، ممشوق القامة، بهي الطلعة، ضحوك السن، طريف الحديث. ثم إن أباه كان، يملك بضعة آلاف عثمانية، مما جعل المستقبل، الذي يكشر لي مدبراً، يبسم لفؤاد ويضحك مقبلاً. إن قلت عبدته لم أكذب. ومن أحق بعبادة فتاة طموح تزين لها المخيلة أن الحياة حفلة راقصة وألعاب؟ لكن موقفها آلمني؟ فكنت أحس برجلها الصغيرة مدسوسة في قلبي. وما لبثت الأحلام العسلية إن انقلبت ذات مرارة وبشاعة فتاكتين. منذ ذلك الوقت، يوم خسرت الشيء الوحيد الذي كنت أملكه وهو حبي، أصابني داء يسميه الناس بداء الأرق. أصبحت ليلي جحيماً. وغدوت في أيامي أشعر برأسي دوَّراراً كدوار الأبله. كم كنت أود في ذلك الحين أن يعطيني الخالق أذناً كي أهمس بها ناصحاً بأن يجعل عذابه أرقاً لا ناراً. وكنت، إذا خطر لشيطان دائي أن يحل عني ساعة، ادخل في غفوة مضطربة تشبه شريطاً سينمياً لا يزال يعرض علي الحلم المزعج يليه الحلم المزعج حتى ينتهي الأمر إلى كابوس غليظ مرت سنوات وداء الأرق هذا على حاله مني. لكنني لم ألبث بعد مدة أن ألفته كما تألف الدنيا النوم. بل أصبحت وأنا في يقظتي المستمرة أحكي الغارق في سبات عميق لذلك خف علي هم دائي وبت أحاول أن أجعل لي فيه مسلياً متبعاً بأمانة المثل الحكيم: إذا لم يكن ما تريد فأرد مايكون. وفعلاً أصبحت أجد شيئاً من اللذة في أرقي. فقد أكسبني هذا الداء عادة لا بأس بها، ذلك أنه تملكني غرام التفكير. كنت أفكر مستمراً، فغدوت لا أراني إلا والخاطرة في رأسي تدفع الخاطرة، ولآراء والأفكار والملاحظات تجول داخل جمجمتي ومن حولها كما تجول قبائل النحل حول جرارها وإن لذة الفكر - وكل من ذاق هذه الفاكهة يعلم ذلك - لمتعة لا تعدلها متعة أخرى. هي لذة الفكر التي وهبت سقراط صبراً على اكسانتيب ودارون روحاً طويلاً على مرضه. وهي نفسها التي حببت إلى إديسن العمل في مختبره ليلة زفافه، ساهياً عن

стр. 386

عرسه وما تحوي برادها من سعادة. ثم إن هذه الليالي الساهرة أكسبتني توسعاً في أفق خيالي، فأصبح في مقدور هذا الخيال أن يصفر الكبير ويكبر الصغير. أن يخلق لنفسه عالماً يستقل به، فيتربع على عرش رفيع، في حاشية من العرائس وغرائب المخلوقات. وهي عوالم لم يحلم يمثلها شاعر أو نبي. وحدث في إحدى هذه الليالي إن فكري وقف عند المعضلة الإنسانية الكبرى. لم تعجبني القضية في بادئ الأمر لأني كنت أتخوف من المسائل الكبيرة موقناً بأنها ثقيلة على طاقتي. لكن فكري الخبيث لم يكن ليتزحزح عن تلك المعضلة بل تشبث بمكانه فلا السوط كان يردعه ولا التمليق يسكته. لقد حرن كالحمار ومتى حرن الفكر قل: أعوذ بالله! فلما يئست أطعته، وأركبته رأسي، وأطلقت له الزمام كي يعمل في حل المعضلة الإنسانية على حسب هواه. وقد كنت أعتقد أن هذه السياسة أفضل ما يصح معه، لأنه فوق العنيد إذا عوند، وإذا ترك لنفسه قتله تذبذبه، بيد أنه في هذه المرة خالف القاعدة وبقي مكانه مأخوذاً بهم واحد: هو المعضلة التي أمامه. فكان تارة يداعبها، وتارة يرفسها ويلطمها، كالهرة إذا وضعت بين يديها كبب الخيوط. دام الأمر كذلك حتى انفرجت أمام الفكر كوة في جدار المعضلة فوثب وراح يركض في الحقول. فكان من نتائج هذه الواثبة إن خطرت لي نظرة فريدة في تلك المعضلة نفسها فخرجت من سريري على الفور صائحا: وجدتها! وجدتها! كما فعل الشيخ أرخميدس. وإذا كان هذا الشيخ قد أكتشفالثقل النوعيفي الحمام فأنا قد وصلت إلى أغرب وأروع ما يتصوره إنسان في الفراش. رحت أدون الإلهام الذي جاءَني به فكري تلك الليلة في الحال، خوفاً من أن يشرق الصباح فيكون ما اكتشفته قد طار مع أبخرة الليل. وعند الفجر جعلت من مدوناتي مقالة أرسلتها إلى مجلة معروفة. لكن يظهر أن تلك الصحيفة البلهاء لم تفهم سر اكتشافي. فطرحته في وعاء من قصب يسمونه سله المهملات إذ أن الأيام لحقت بعضها بعضاً دون أن يظهر له أثر أو خبر في تلك المجلة الرقيعة. لم يثبط هذا الحادث من عزيمتي، بل كان له في نفسي رد فعل غريب. لقد تدفقت علي فعالية هائلة. كنت لا أنام في الأربع والعشرين ساعة أكثر من ساعتين. غصت في الورق إلى أذني. رحت أكتب وأكتب حتى بريت قلمي. وأصبحت أصابعي سوداء. أرسلت إلى

стр. 387

الجرائد والمجلات بعجائب خاطراتي. ثم أخذت في تأليف الكتب حتى غدوت في النهاية أديباً ومفكراً كبيراً تستبق الصحف ودور النشر إلى شراء مقالاتي وتآليفي بالأثمان الباهظة التي ما كنت أحلم في ليالي قلقي بعجيبة تشبهها بل أن الفراديس التي كنت أرفع معالمها في طبقات الهواء ماحوت عجيبة أبعد عن التصديق من هذه الحقيقة الجميلة. على أن من يتمعن فلسفة الحياة في ترتيبها الحاضر يجد أن هذا أمر جد طبيعي، إذ ما من تقدم إلا ويخرج عن تأخر، وما من زيادة إلا وتصدر عن نقص، وما من عظمة إلا وتسبقها حطة. ولقد ادعى بعضهم أن النبي قد قال: كل ذي عاهة جبار. حتى الجبروت تنفرج عنه العاهة، فهذا عندك الإلهأو دينأو لم يكن أعور؟ وهذا نبوليون ألم يك قزماً مجنوناً؟ إما أنا فقد كنت أنطوي على مجموعة من العاهات. فغدا من الطبيعي إذن أن أصبح معادلا لمجموعة من الجبابرة: كل جبار بعاهة! بيد أن الغنى الذي أصابني من مؤلفاتي قد أخذ مني جل عاهاتي، وبالتالي قد كاد يجعلني مسخاً. كنت دميماً فأصبحت مقبولاً تمدحني الحسان. كنت تاعساً فغدوت سعيداً. كنت جائعاً (وأظن سبب دائي القديم كان لتقاعس بطني من قلة المؤونة) والآن أجدبي تخمة دائمة. على إني لا أبالي إن كنت فقدت عاهاتي وتضاءل جبروتي لأني الآن أعيش. ألم أكن وحيداً عازباً ليس في العالم قلب يحنو على قلبي؟ ثم لا أجدني اليوم متزوجاً بفتاة حسناء غرها في الأول مالي ومكانتي حتى مرًّ وقت فما لبثت أن فهمتني وأحبتني؟ أليس عندي بيت مريح آري إليه فترن في أذني سأسأة ملاكين صغيرين ينثران في رحاب روحي الفارغة بهجة وحلاوة؟ على إن الإنسان لا يقبض في جهة حتى يدفع في جهة. أجل لقد خلصت من داء الأرق بعد أن امتلأ بطني، لكنني ابتليت بداء آخر هو النوم. النوم والكسل يحرقاننى في هذا الوقت. وكثيراً ما تعاودني ذكرى سبابي فأتمنى لو ترجع بي السنون القهقرى فأقطع مرحلتي الصغيرة من الوجود في قلق من الحلم والفكر بدل أن أموت ثلثي عمري راقداً. أتمنى هذا - لكن بشرط. والشرط هو أن لا تعمر وجودي خيالات تلك الشيطانة التي كادت تقتلي إذا أورثتني كآبة الخيبة ويأسها زمناً طويلاً - إلى أن خلصني الفكر والجوع. هذا وبخصوص اكتشافي الذي تكلمت عنه، فهو أعظم وأجدى منحجر الفلاسفةأوأكسير الحياةولو صحت أوهامها. وما يفيد حجرهم؟ هل ينبع عنه الذهب؟ إن هذا الإله الصفراوي لينحط حتى

стр. 388

يداني التراب فيما لو تحققت تلك الفكرة السخيفة. ثم أين هي قيمة هذا المعدن؟ أيؤكل؟ أيلبس أو يفترش؟ أم إن رباً شريراً أوجده ليحمس البشر في تمثيل مهازلهم؟ أليس من الجنون الكامل أن يأكل الإنسان الإنسان عبر ستين قرناً من أجل الغبار؟ وهل تجد البشر يبحثون كل تاريخه القاتم إلا أبلغ في الجنون به من كل وقت قبل: فلا يزال الناس يبحثون عن الحجر المفقود، لا يزال وسواسهم يصور لهم اللمعة كأنوار الفراديس، فيواروا في اللحد وظمأهم إلى سمهم أقتل لهم مما كان. ثم ما اكسير الحياة؟ ولم يطلبون هذا الأكسير بينما هم يعشقون الموت ويحكمونه في رقاب أنفسهم ورقاب أبنائهم؟ أما اكتشافي فلا شبه بينه وبين هذهالخنفشاريات. ليس له نظير. على أني قد عولت على أن لا أنشره بين الناس، لأنه إذ رفضوا النظر فيه لما قدمته لهم عفواً وغيرة، أصبح الأمر يتعلق بكرامتي، فمن أحسن إلى آخر ورفس إحسانه حق له أن يغضب، وحق له أن يمتنع عن بذل نعمته إذا طلبت فيما بعد. لكنني إذا مارأيت العالم سيبقى ممعناً في طيشه، وإذا كان الناس سيظلون يبسمون لبلهاء الساسة، يمدحون أصحاب المال، يصفقون ويقهقهون كالسعادين كلما سمعوا رعود المدفع وطقطقةالرشاش، وإذا كانت الأرض ستبقى حاملة مشعوذين يلبسون السواد والمزركش ويحتكرون التوسط بين الناس والأصنام - بالمختصر المفيد إذا ظل قول شكسبيرأي حمقاء هؤلاء الناس يكونونهو الحقيقة الباقية التي تهددني وبيتي بالدمار، أطفالي بالموت الأحمر وصوابي بالذهاب - إذا دام الحال على المنوال أن يسعني السكوت أكثر مما سكت، بل إنني أبادر إلى نشر اكتشافي لحل المعضلة الإنسانية الملعونة. أما الآن فأكثر ما أصرح بشأنه أنه سهل التطبيق جداً، وقد اقتبسه من أستاذي الكبير الدكتورأومنوبيلولعلك تجهل هذا الدكتور على شهرته في بعض الأوساط المختصة، كبلاط ذلك الأثيني العبقري المعروف بالأميرتيمون. لو راجعت التاريخ الكبير الذي ألفه أحد شذاذ الإفرنج وجمع فيه أخبار جزيرة يقطنها أناس من الطيور البحرية لوجدت أن الدكتور أو رومنوبيل رجل قبع في غرفته ستين عاماً يدرس الكتب. وبعد ذلك نظر إلى حاله فرأى أنه لم يزل ركيك العلم. فقرر، لإصلاح هذا النقص، أن يقوم بجولة يجوب بها نواحي الكرة الأرضية. ولما قضى في ذلك عشرين عاماً أخرى ارتد إلى صومعته ليقطف ثمرة علمه. جلس إلى منضدته وأمامه الكتب والدفاتر،

стр. 389

بعضها مقنطر فوق بعض، مستعمرات للغبار والفراشات الصفراء التي كانت تحوم حول رأسه والقنديل في ليالي الدراسة. وضع رأسه في يديه وراح يفكر. كان يفكر. كان بحزن. جمع علمه واستخلص حاصله، فوجده هكذا: أن دام الحال على هذا المنوال فليس من مخرج للبقية الباقية من العقلاء سوى أن يلموا كل ماتصل إليه أيديهم من اختراع صديق السلامنوبلذلك الاختراع المشهور بالديناميت، ثم أن يشقوا في الأرض حفيراً عميقاً كبيراً يحشونه بتلك المادة السلمية. ومن بعد - فلتقطر الأرض في طبقات الفضاء ذرات منسية، وليسترح ضمير الكون من حشرة اسمها الإنسان! لاشك في أنك تلحظ خللاً في فكرة الدكتور. فهيعمليةليست بعملية: تصح أن تكون حلماً يراد منه الخير ولكن لا يأتي عنه، كالرؤى التي يستعرضها بعض العلماء والشبان عندنا، وهم أناس لا يعرفون من الخير سوى النية. لكن اكتشافي أمر ميسور. هو حل فذ لا أشبهه، بغير طريقة الفتى المقدوني المجنون في فك العقدة التي كبل بها الملك جورديوس نير العجلة، بعد أن قدم ثيرانه ذبيحة للآلهة. سليم و. خياطه

стр. 390

الكتب والصحف رحلة إلى بلاد المجد المفقود بقلم وريشة فروخ ومصدر بمقدمة للأستاذ عمر فاخوري وهو وصف للرحلة التي قام بها الأستاذ الفنان فروخ من باريز إلى طليطلة وقرطبة واشبيلية وغرناطة، بلاد المجد المفقود. وقف المؤلف بإطلال الأندلس يبكي مجد العرب المفقود فأوحت إليه تلك المشاهد الساحرة بعقد من الأفكار والعواطف التي تحول الأشياء المحسوسة إلى أحلام لذيذة. فيخيل إليك وأنت تطالعه أنك في اشبيلية مدينة الطرب أو في قرطبة دار العلم، ثم ينتقل بك الخيال إلى غرناطة كعبة الفن العربي ويطوف بك، في الحمراء، من ساحة الأسود إلى غرفة العدل ومن دار الريحان إلى غرفة السفراء. فتشر في هذا الجو بمأساة التاريخ وتود لو أتاح لك الزمان زيارة تلك الآثار الخالدة لتلمس بيديك أعمدة المرمر وتسكن ما احتدم في قلبك من الحنين إلى الماضي. ولا غرو فالأستاذ فروخ نابغة من نوابغ المصورين في القطر الشامي جمع إلى سحر التصوير الفني قوة الوصف الأدبي فجاءت رحلته هذه مثالاً لوحدة الأدب والتصوير ومزج العاطفة بالإحساس لأنه مايصف لك ما يشعر به في نفسه فينسيك المشاهد الحسية ويمزج لك عواطفه وأحلامه بالأشياء التي يراها فتشعر أنك في جو من العاطفة لا في حقيقة محسوسة من الحفر والرسم والنقش والترصيع. من ذلك قوله في وصف جامع قرطبة. ص - ٧٣هناك في بعض زواياه الحالكة بدت بعض شموع شاحبة كنفس أمضها الداء فهي في حشرجة الموت، هي كنزاع الفن الجميل البائس في قلب هذا المكان، وقد سالت من تلك الشموع بعض فضلات هي أشبه بعبرات الثكلى وانتشر دخان امتزج مع زفرات الشموع وبدت هناك بعض أشباح قاتمة، فتكون من ذلك منظر مرعب كله حزن وكآبة قتل كل ما كان فيه من ألوان وأنوار وجمال وقوله في وصف ساحة الأسود: ماذا شعرت في تلك البرهة؟ لا أدري إنما جل ماكان دمعة حارة جادت بها عيني على ضريح الفن والجمال ساعة لا ولن أنساها ما حييت، هي كل الحياة، في تلك الدقيقة فهمت الحياة ونعمت بالجمال وحظيت بالفن السامي وشمعت من طي جدران هذا المكان وزواياه شذا الحب والعز والترف والعظمة البالغة. . . . وقوله في
следующие страницы →