← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عرسه وما تحوي برادها من سعادة. ثم إن هذه الليالي الساهرة أكسبتني توسعاً في أفق خيالي، فأصبح في مقدور هذا الخيال أن يصفر الكبير ويكبر الصغير. أن يخلق لنفسه عالماً يستقل به، فيتربع على عرش رفيع، في حاشية من العرائس وغرائب المخلوقات. وهي عوالم لم يحلم يمثلها شاعر أو نبي. وحدث في إحدى هذه الليالي إن فكري وقف عند المعضلة الإنسانية الكبرى. لم تعجبني القضية في بادئ الأمر لأني كنت أتخوف من المسائل الكبيرة موقناً بأنها ثقيلة على طاقتي. لكن فكري الخبيث لم يكن ليتزحزح عن تلك المعضلة بل تشبث بمكانه فلا السوط كان يردعه ولا التمليق يسكته. لقد حرن كالحمار ومتى حرن الفكر قل: أعوذ بالله! فلما يئست أطعته، وأركبته رأسي، وأطلقت له الزمام كي يعمل في حل المعضلة الإنسانية على حسب هواه. وقد كنت أعتقد أن هذه السياسة أفضل ما يصح معه، لأنه فوق العنيد إذا عوند، وإذا ترك لنفسه قتله تذبذبه، بيد أنه في هذه المرة خالف القاعدة وبقي مكانه مأخوذاً بهم واحد: هو المعضلة التي أمامه. فكان تارة يداعبها، وتارة يرفسها ويلطمها، كالهرة إذا وضعت بين يديها كبب الخيوط. دام الأمر كذلك حتى انفرجت أمام الفكر كوة في جدار المعضلة فوثب وراح يركض في الحقول. فكان من نتائج هذه الواثبة إن خطرت لي نظرة فريدة في تلك المعضلة نفسها فخرجت من سريري على الفور صائحا: وجدتها! وجدتها! كما فعل الشيخ أرخميدس. وإذا كان هذا الشيخ قد أكتشفالثقل النوعيفي الحمام فأنا قد وصلت إلى أغرب وأروع ما يتصوره إنسان في الفراش. رحت أدون الإلهام الذي جاءَني به فكري تلك الليلة في الحال، خوفاً من أن يشرق الصباح فيكون ما اكتشفته قد طار مع أبخرة الليل. وعند الفجر جعلت من مدوناتي مقالة أرسلتها إلى مجلة معروفة. لكن يظهر أن تلك الصحيفة البلهاء لم تفهم سر اكتشافي. فطرحته في وعاء من قصب يسمونه سله المهملات إذ أن الأيام لحقت بعضها بعضاً دون أن يظهر له أثر أو خبر في تلك المجلة الرقيعة. لم يثبط هذا الحادث من عزيمتي، بل كان له في نفسي رد فعل غريب. لقد تدفقت علي فعالية هائلة. كنت لا أنام في الأربع والعشرين ساعة أكثر من ساعتين. غصت في الورق إلى أذني. رحت أكتب وأكتب حتى بريت قلمي. وأصبحت أصابعي سوداء. أرسلت إلى

стр. 387

الجرائد والمجلات بعجائب خاطراتي. ثم أخذت في تأليف الكتب حتى غدوت في النهاية أديباً ومفكراً كبيراً تستبق الصحف ودور النشر إلى شراء مقالاتي وتآليفي بالأثمان الباهظة التي ما كنت أحلم في ليالي قلقي بعجيبة تشبهها بل أن الفراديس التي كنت أرفع معالمها في طبقات الهواء ماحوت عجيبة أبعد عن التصديق من هذه الحقيقة الجميلة. على أن من يتمعن فلسفة الحياة في ترتيبها الحاضر يجد أن هذا أمر جد طبيعي، إذ ما من تقدم إلا ويخرج عن تأخر، وما من زيادة إلا وتصدر عن نقص، وما من عظمة إلا وتسبقها حطة. ولقد ادعى بعضهم أن النبي قد قال: كل ذي عاهة جبار. حتى الجبروت تنفرج عنه العاهة، فهذا عندك الإلهأو دينأو لم يكن أعور؟ وهذا نبوليون ألم يك قزماً مجنوناً؟ إما أنا فقد كنت أنطوي على مجموعة من العاهات. فغدا من الطبيعي إذن أن أصبح معادلا لمجموعة من الجبابرة: كل جبار بعاهة! بيد أن الغنى الذي أصابني من مؤلفاتي قد أخذ مني جل عاهاتي، وبالتالي قد كاد يجعلني مسخاً. كنت دميماً فأصبحت مقبولاً تمدحني الحسان. كنت تاعساً فغدوت سعيداً. كنت جائعاً (وأظن سبب دائي القديم كان لتقاعس بطني من قلة المؤونة) والآن أجدبي تخمة دائمة. على إني لا أبالي إن كنت فقدت عاهاتي وتضاءل جبروتي لأني الآن أعيش. ألم أكن وحيداً عازباً ليس في العالم قلب يحنو على قلبي؟ ثم لا أجدني اليوم متزوجاً بفتاة حسناء غرها في الأول مالي ومكانتي حتى مرًّ وقت فما لبثت أن فهمتني وأحبتني؟ أليس عندي بيت مريح آري إليه فترن في أذني سأسأة ملاكين صغيرين ينثران في رحاب روحي الفارغة بهجة وحلاوة؟ على إن الإنسان لا يقبض في جهة حتى يدفع في جهة. أجل لقد خلصت من داء الأرق بعد أن امتلأ بطني، لكنني ابتليت بداء آخر هو النوم. النوم والكسل يحرقاننى في هذا الوقت. وكثيراً ما تعاودني ذكرى سبابي فأتمنى لو ترجع بي السنون القهقرى فأقطع مرحلتي الصغيرة من الوجود في قلق من الحلم والفكر بدل أن أموت ثلثي عمري راقداً. أتمنى هذا - لكن بشرط. والشرط هو أن لا تعمر وجودي خيالات تلك الشيطانة التي كادت تقتلي إذا أورثتني كآبة الخيبة ويأسها زمناً طويلاً - إلى أن خلصني الفكر والجوع. هذا وبخصوص اكتشافي الذي تكلمت عنه، فهو أعظم وأجدى منحجر الفلاسفةأوأكسير الحياةولو صحت أوهامها. وما يفيد حجرهم؟ هل ينبع عنه الذهب؟ إن هذا الإله الصفراوي لينحط حتى

стр. 388

يداني التراب فيما لو تحققت تلك الفكرة السخيفة. ثم أين هي قيمة هذا المعدن؟ أيؤكل؟ أيلبس أو يفترش؟ أم إن رباً شريراً أوجده ليحمس البشر في تمثيل مهازلهم؟ أليس من الجنون الكامل أن يأكل الإنسان الإنسان عبر ستين قرناً من أجل الغبار؟ وهل تجد البشر يبحثون كل تاريخه القاتم إلا أبلغ في الجنون به من كل وقت قبل: فلا يزال الناس يبحثون عن الحجر المفقود، لا يزال وسواسهم يصور لهم اللمعة كأنوار الفراديس، فيواروا في اللحد وظمأهم إلى سمهم أقتل لهم مما كان. ثم ما اكسير الحياة؟ ولم يطلبون هذا الأكسير بينما هم يعشقون الموت ويحكمونه في رقاب أنفسهم ورقاب أبنائهم؟ أما اكتشافي فلا شبه بينه وبين هذهالخنفشاريات. ليس له نظير. على أني قد عولت على أن لا أنشره بين الناس، لأنه إذ رفضوا النظر فيه لما قدمته لهم عفواً وغيرة، أصبح الأمر يتعلق بكرامتي، فمن أحسن إلى آخر ورفس إحسانه حق له أن يغضب، وحق له أن يمتنع عن بذل نعمته إذا طلبت فيما بعد. لكنني إذا مارأيت العالم سيبقى ممعناً في طيشه، وإذا كان الناس سيظلون يبسمون لبلهاء الساسة، يمدحون أصحاب المال، يصفقون ويقهقهون كالسعادين كلما سمعوا رعود المدفع وطقطقةالرشاش، وإذا كانت الأرض ستبقى حاملة مشعوذين يلبسون السواد والمزركش ويحتكرون التوسط بين الناس والأصنام - بالمختصر المفيد إذا ظل قول شكسبيرأي حمقاء هؤلاء الناس يكونونهو الحقيقة الباقية التي تهددني وبيتي بالدمار، أطفالي بالموت الأحمر وصوابي بالذهاب - إذا دام الحال على المنوال أن يسعني السكوت أكثر مما سكت، بل إنني أبادر إلى نشر اكتشافي لحل المعضلة الإنسانية الملعونة. أما الآن فأكثر ما أصرح بشأنه أنه سهل التطبيق جداً، وقد اقتبسه من أستاذي الكبير الدكتورأومنوبيلولعلك تجهل هذا الدكتور على شهرته في بعض الأوساط المختصة، كبلاط ذلك الأثيني العبقري المعروف بالأميرتيمون. لو راجعت التاريخ الكبير الذي ألفه أحد شذاذ الإفرنج وجمع فيه أخبار جزيرة يقطنها أناس من الطيور البحرية لوجدت أن الدكتور أو رومنوبيل رجل قبع في غرفته ستين عاماً يدرس الكتب. وبعد ذلك نظر إلى حاله فرأى أنه لم يزل ركيك العلم. فقرر، لإصلاح هذا النقص، أن يقوم بجولة يجوب بها نواحي الكرة الأرضية. ولما قضى في ذلك عشرين عاماً أخرى ارتد إلى صومعته ليقطف ثمرة علمه. جلس إلى منضدته وأمامه الكتب والدفاتر،

стр. 389

بعضها مقنطر فوق بعض، مستعمرات للغبار والفراشات الصفراء التي كانت تحوم حول رأسه والقنديل في ليالي الدراسة. وضع رأسه في يديه وراح يفكر. كان يفكر. كان بحزن. جمع علمه واستخلص حاصله، فوجده هكذا: أن دام الحال على هذا المنوال فليس من مخرج للبقية الباقية من العقلاء سوى أن يلموا كل ماتصل إليه أيديهم من اختراع صديق السلامنوبلذلك الاختراع المشهور بالديناميت، ثم أن يشقوا في الأرض حفيراً عميقاً كبيراً يحشونه بتلك المادة السلمية. ومن بعد - فلتقطر الأرض في طبقات الفضاء ذرات منسية، وليسترح ضمير الكون من حشرة اسمها الإنسان! لاشك في أنك تلحظ خللاً في فكرة الدكتور. فهيعمليةليست بعملية: تصح أن تكون حلماً يراد منه الخير ولكن لا يأتي عنه، كالرؤى التي يستعرضها بعض العلماء والشبان عندنا، وهم أناس لا يعرفون من الخير سوى النية. لكن اكتشافي أمر ميسور. هو حل فذ لا أشبهه، بغير طريقة الفتى المقدوني المجنون في فك العقدة التي كبل بها الملك جورديوس نير العجلة، بعد أن قدم ثيرانه ذبيحة للآلهة. سليم و. خياطه

стр. 390

الكتب والصحف رحلة إلى بلاد المجد المفقود بقلم وريشة فروخ ومصدر بمقدمة للأستاذ عمر فاخوري وهو وصف للرحلة التي قام بها الأستاذ الفنان فروخ من باريز إلى طليطلة وقرطبة واشبيلية وغرناطة، بلاد المجد المفقود. وقف المؤلف بإطلال الأندلس يبكي مجد العرب المفقود فأوحت إليه تلك المشاهد الساحرة بعقد من الأفكار والعواطف التي تحول الأشياء المحسوسة إلى أحلام لذيذة. فيخيل إليك وأنت تطالعه أنك في اشبيلية مدينة الطرب أو في قرطبة دار العلم، ثم ينتقل بك الخيال إلى غرناطة كعبة الفن العربي ويطوف بك، في الحمراء، من ساحة الأسود إلى غرفة العدل ومن دار الريحان إلى غرفة السفراء. فتشر في هذا الجو بمأساة التاريخ وتود لو أتاح لك الزمان زيارة تلك الآثار الخالدة لتلمس بيديك أعمدة المرمر وتسكن ما احتدم في قلبك من الحنين إلى الماضي. ولا غرو فالأستاذ فروخ نابغة من نوابغ المصورين في القطر الشامي جمع إلى سحر التصوير الفني قوة الوصف الأدبي فجاءت رحلته هذه مثالاً لوحدة الأدب والتصوير ومزج العاطفة بالإحساس لأنه مايصف لك ما يشعر به في نفسه فينسيك المشاهد الحسية ويمزج لك عواطفه وأحلامه بالأشياء التي يراها فتشعر أنك في جو من العاطفة لا في حقيقة محسوسة من الحفر والرسم والنقش والترصيع. من ذلك قوله في وصف جامع قرطبة. ص - ٧٣هناك في بعض زواياه الحالكة بدت بعض شموع شاحبة كنفس أمضها الداء فهي في حشرجة الموت، هي كنزاع الفن الجميل البائس في قلب هذا المكان، وقد سالت من تلك الشموع بعض فضلات هي أشبه بعبرات الثكلى وانتشر دخان امتزج مع زفرات الشموع وبدت هناك بعض أشباح قاتمة، فتكون من ذلك منظر مرعب كله حزن وكآبة قتل كل ما كان فيه من ألوان وأنوار وجمال وقوله في وصف ساحة الأسود: ماذا شعرت في تلك البرهة؟ لا أدري إنما جل ماكان دمعة حارة جادت بها عيني على ضريح الفن والجمال ساعة لا ولن أنساها ما حييت، هي كل الحياة، في تلك الدقيقة فهمت الحياة ونعمت بالجمال وحظيت بالفن السامي وشمعت من طي جدران هذا المكان وزواياه شذا الحب والعز والترف والعظمة البالغة. . . . وقوله في

стр. 391

وصف ساحة الأسود أيضاً: وكيف ماالتفت المرء لا يسمع سوى خرير مياه انسابت بين أعمدة رخامية تشبه بكثرتها ووعها غابة من النخيل، فكنت هناك أشعر كأنني أسير في وسط غابة طبيعية بين صوت مياه ومنظر أشجار ورائحة أزهار وترديد طير وفاكهة متدلية وعبير وزهر وظل ظليل. إنما هذه غابة من المرمر هذبها الفن فردها جنة غناء تذهل العقول. على أن المؤلف لم ينفرد وحده بهذه العاطفة التي ولده سحر الحمراء في نفسه لأن كل الذين زاروا قصور غرناطة تحيروا في وصف آثارها العجيبة. ولعل دراسة آثارها بصورة علمية دقيقة يحتاج إلى الإقامة فيها وقاتاً طويلاً كما فعل الفنان (رينول) وهذا ليس بوسع كل زائر. فرحلة الأستاذ فروخ إلى بلاد المجد المفقود ليست رحلة عالم بل هي حلة فنان أو هي رحلة عاطفة من العواطف النبيلة ازدانت من الوصف والنقش والوشم وتضمنت شيئاً من الالتفات إلى الماضي. ونعتقد أن هذه النظرات التاريخية التي ضمه إلى وصفه الفني وعاطفته الإبداعية شوهت جمال الفن الذي جاء في الكتاب كما شوهت بعض آثار شار لكن جمال الفن الأندلسي. وحبذا لو اقتصر الأستاذ فروخ على هذا الوصف الفني الذي امتاز به وأعرض عن ذكر ما لا يهم القارىء من سياحته كسفر القطار من باريز ووصوله ودخوله المطعم وحديثه مع صاحبة الفندق وغير ذلك مما لا حاجة لنا به. زكنا نود أيضاً لو دقق الأستاذ في لغة الكتاب قبل طبعه لأن هناك هفوات لا تخفى على القارىء. ج. ص الشيعة تأليف السيد محمد صادق الصدر يقول أحد المستشرقين أن الشرقيين بعيدون جداً عن كل فكرة تاريخية. والمقصود من الفكر التاريخي أن نسعى لفهم الوقائع الماضية من روح العصر الذي حدثت فيه وأن نتجرد عن جميع الصلات التي ربما كانت لا تزال تربطنا بتلك الوقائع الغابرة. ويضرب هذا المستشرق مثلاً بين السنة والشيعة فيقول أن الناس في الشرق لا يستطيعون حتى يومنا هذا البحث في خلافة علي بن أبي طالب وفي النزاع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان ثم في مقتل الحسين بن علي دون تصعب وانحياز إلى أحد الطرفين. وحقاً إنه لمن الغريب

стр. 392

في هذا العصر أن يحتدم الجدال وتثور العواطف وتضطرب الأفكار بسبب أمور انقضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرناً. لا شك في أننا نحتاج إلى فهم تاريخنا والاستفادة من تجارب أجدادنا - ولكن ليس معنى ذلك أن نتسابق إلى حفر الأجداث بقصد إثارة الفتن وإيغار الصدور. ونحن، مهما أردنا التزام الحياد فأننا لا نقدر أن نعتبر كتاب الشيعة الذي أصدره مؤخراً السيد محمد الصدر والذي احدث ضجة عظيمة، أنموذجاً للبحث التاريخي المجرد عن المقاصد المذهبية. ليست الغاية من هذا الكتاب شرح مذهب الشيعة وتوضيح تعاليمه لخدمة أهل المذهب أو لتنوي العلماء الباحثين في التاريخ بل أن المؤلف قد غضب على الأستاذ أحمد أمين لبعض ماجاء في كتابهفجر الإسلاممن أوصاف الشيعة فهب المؤلف، مع الأسف، عند حد المدافعة، كما يدعي في مقدمته ولا نظن أن اتهامه أهل السنة بالتجسيم والجبر وبنسبة النقائض إلى الأنبياء مما يقصد من المدافعة فقط. وكذلك نعته أبا هريرة وعبد الله بن عمر بالكذب ووضع الأحاديث ثم تهجمه الشديد على عائشة بنت أبي بكر ليس من شأنه تقريب الشقة بين السنة والشيعة. ومن السهل أن ينسب أهل السنة مثل هذه التهم وأكثر منها إلى الشيعة - وقد حدث كثيراً - إنما لا يملك المخلصون أنفسهم من التساؤل: ماهي الفائدة من مثل هذه الكتب؟ ك. ع الطرائف سلسة دروس في أئمة الأدب تبحث الحلقة الأولى منها عن بشار بن برد وهي بقلم الفاضل حنا نمر أستاذ الآداب العربية في كلية حمص الأرثوذكسية. وقد تصفحناها تبحث عن حياة بشار ومحيطه وأثره في نفسه وأخلاقه ومعيشته ودينه، وعن هجائه. ورثائه وغزله ومدحه وفخره إلى غيرها من الأبحاث المفيدة لولا هفوات طبع تكاد لا تخلو صحيفة منها نذكر على سبيل المثال في: صفحة٦ سطر٣ (ثم رمي به في البطيخة) والصواب البطيحة كما في الأغاني وغيره وقوله: أنا من خراسان وبيتي في الذرى ... ولدى المسعاة فرعى قد سحق

стр. 393

والبيت مكسور يصح وزنه بحذف أنا من أوله لذي كان يقرع به المسامع وبسحر بيان كان يأخذ بمجامع القلوب: ختم الحب لك في ومقام الحسن البصري من الفرق الدينية معروف والحسن لم رئيس فرقة ولا صاحب مقالة دينية، بل كان من أعاظم التابعين في العلم والدين، وقد امتاز على أقرانه ببلاغة وعظه عنقي=موضع الخاتم من أهل الذمم وصواب البيت لها لا لك ولا شك في جودة هذا البيت وتحلقه في سماء البلاغة ولعل الصواب وتحليقه، لأن التحلق تفعل من الحلقة يقال: تحلق القوم كما في اللسان جلسوا حلقة، وتحلق القمر صار حوله دارة كما يقال حل الطائر تحليقاً إذا ارتفع في الهواء واستدار ومن ذلك قول النابغة: إذا ما التقى الجمعان حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب ويوم كتنور الإماء سجونه ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضرما والصواب سجرانه من سجر التنور إذا وقد فيه الحطب، وبعد هذا البيت: رميت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعيش حتى بض منخرها دماً والصحيح وبالعيس أي الإبل وهي التي تبض مناخرها وما في أجيج السموم ولا معنى للعيش هنا. هذا بعض ما عثرنا عليه، وعسى أن ينظر المؤلف إلى طرائفه بعين عنايته فتخلو منها هفوات الطبع ولاسيما أنها مما يستعين به الطالب على فهم الأدب ودرس لغة العرب. التنوجي

стр. 394

أخبار العلم والأدب ترجمة دائرة المعارف الإسلامية ورد إلى بعض العلماء والأدباء والمفكرين في دمشق كتاب من الأستاذ الفاضل أحمد أفندي الشنتناوي سكرتير لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية في مصر هذه نسخة: بعد الاحترام - تعلمون أن هيئة من كبار المستشرقين تقوم منذ ربع قرن بتأليف دائرة معارف أسلامية كبرى تجمع خلاصة أبحاثهم في مختلف الشؤون الإسلامية من تاريخ وأدب وفلسفة وتشريع ودين. . . الخ. وكتبت هذه الدائرة بأمهات اللغات الأوربية (الانجليزية والفرنسية والألمانية) ولقد تكونت أخيراً لجنة من خريجي الجامعة المصرية لترجمة هذه الدائرة الكبرى وإخراجها في أجزاء دورية وبدأت هذه اللجنة عملها منذ شهر يناير عام١٩٣٣ وسيظهر العدد الأول في شهر أكتوبر القادم. لذلك يسر اللجنة كثيراً إن تعلم رأيكم في أهمية نقل هذه الدائرة إلى اللغة العربية. فنرجو أن تتكرموا بموافاتنا كتابياً برأيكم السيد في هذا الموضوع. إن تقل هذه الدائرة إلى اللغة العربية عمل إن لم يكن أجل ماستقوم به مصر من الأعمال العلمية فهو بلا ريب من أجلها فنرجو للجنة الفاضلة أطراد العمل الموفق. لماذا ليس لفرنسا رجل مثل شكسبير يتساءل الكاتب الأفرنسي المعروف (ادمون جالو) في أحد مباحثه الأخيرة عن السبب في عدم وجود عبقري أفرنسي عظيم يمثل الروح الانكليزية ويعترف له الجميع بهذه المكانة السامية يقول (جالو) أنه مما يدعو إلى العجب أن تستطيع فرنسا قبل غيرها ومنذ زمن طويل تحقيق وحدتها السياسية والإدارية والتاريخية بينما هي لا تزال حتى اليوم بعيدة عن الوحدة الفكرية. فأن هناك روحين في فرنسا يتنازعان منذ القدم: روح (مونتين) من جهة وروح (باسكال) من جهة أخرى، ثم راسين يختلف عن فولتير، وكذلك (رابليه) بعيد جداً عن (لامارتين). هذا الاختلاف والتضاد كان السبب في فقدان عبقري واحد يعترف له الجميع بالإمارة في عالم الفكر. وقد حاول البعض أن يرشح (مولير) لهذا المقام ولكن هناك كثيراً من خصائص الروح الأفرنسية لا أثر منها عند (مولير). أما (فيكتور هوغو) فإله في صميمه أبعد الناس عن

стр. 395

تمثيل الروح الأفرنسية ولو أعتنى (بالزاك) بجمال الأسلوب وحسن التعبير لكان من المحتمل ترشيحه ليكون ذلك الرجل لأنه يجمع في نفسه شيئاً كثيراً من الخصائص والقوى الأفرنسية المختلفة. ولكنه مع الأسف رغم قدرته الزائدة قد أنقاد إلى أغلاط أهل عصره ولم يسلم من نقائص أسلوبهم المتعددة. وأخيراً ربما كان (مونتين) أقرب رجل إلى نيل المقام الأول بين كتاب فرنسا لولا فقدان كل شعور ديني لديه وهذا ما يمنعنا من اعتباره ممثلا لروح أمة اشتهرت بعنعناتها الدينية. معرض ميشيل دومونتين افتتحت مدينة (بوردو) معرضاً خاصاً بالكاتب الفرنسي ميشيل دومونتين بمناسبة مرور أربع مائة عام على ولادته والمعرض يحتوي على كثير من المجموعات الخاصة بهذا الفيلسوف الريبي وهو يحتوي على صور وكتابات بخط مونتين نفسه، هذا فضلا عن آثاره ونماذج عديدة من الطبعات القديمة والحديثة لكتابالتجاريبوهي محلاة بتوقيع (مونتين) وإهدائه الكتاب وغير ذلك من الآثار والمخطوطات التي لها علاقة به ومثل هذه المعارض التي تقام تذكاراً للرجال العظام كثيرة في بلاد الغرب الأدب الأفرنسي ومكانته الحاضرة في العالم كتب الأديب الأفرنسي (جان ريشار بلوق) بعد رحلة ساقته إلى معظم البلاد الأوربية ٠بحثا في مجلة (أوربا) عن مكانة الأدب فرنسي اليوم في العالم وقد تحدث (بلق) إلى كثير من أصدقائه الأدباء في هولاندا وألمانيا والتشيكوسلوافيا واستمع إلى أرائهم في الأدب الأفرنسي. وخلاصة الرأي أن الجميع يعترفون للكتاب الأفرنسيين بالحذق والمهارة في الإنشاء وفي تأليف الروايات وذلك بفضل التقاليد والأساليب الموروثة منذ عصور طويلة. وليس من أحد ينكر على النثر الأفرنسي مايمتاز به من سهولة ورشاقة وخفة روح وحسن تهكم وجمال ودقة وصف. ولكن، مع الأسف، الجميع متفقون على انه من حيث المعنى لا قيمة كبيرة له. إن الروايات الأفرنسية جميلة، خفيفة بديعة الأسلوب متقنة الترتيب وبعكس ذلك الروايات الإنكليزية والأمير كآنية والألمانية، أنها طويلة جداً، قليلة الترتيب ثقيلة، صعبة ولكنها - وهذا هو المهم - تتكلم عن أمور تسترعي اهتمام العالم اليوم فهي تبحث في شؤون البشر الحيوية وتحاول الجواب عن المسائل الكبيرة العويصة. أنها قليلة الصنعة

стр. 396

ضعيفة الإنشاء، كثيرة البساطة ولكنها تدل على شجاعة أدبية وتفكير عميق لا تزال الروايات الأفرنسية تقتصر في مواضيعها على الأسرة والزواج ومشاغل الموظفين والنواب الحقيرة كما في عهد (الفونس دوده) و (غي دوموباسان) كأن العالم لم يتبدل منذ ذلك الوقت. إن هذه المسائل لم يعد لها أية قيمة في العالم خارج فرنسا بل قد نشأت معضلات اجتماعية وفكرية حديثة يريد الناس من الأدباء أن يحاولوا الجواب عليها. المدرسة التركية الحديثة كتب الأستاذ (قورتين)، الذي قام بمهمة التعليم عدة سنوات في أحدى المدارس التجهيزية التركية، مقالا في مجلةالتعليم العامالأفرنسية عن غايات الكماليين في التربية والتعليم. وقد لخص رأيه في المدرسة التركية الحديثة التي تسير حسب مزيج من المناهج التربوية السويسرية والمبادئ الوطنية الكمالية فقال: كانت الحكومة الوطنية تعرف، منذ أول الأمر أن نجاح الثورة الكمالية يتوقف على تنمية الروح القومية - التركية وقد كان على المدرسة، بعد استتباب السلام أن تعلب دوراً هاما في هذا المضمار. إن غاية التربية في تركيا هي تكوين رجال عصريين وقبل كل شيء رجال أتراك من صميم فؤادهم. والحكومة تنتهز كل فرصة وتستخدم جميع الوسائل لتحقيق هذه الغاية الوطنية سواء في داخل المدرسة أو في خارجها مثل استعراضات الكشافة وحفلات الرياضة البدنية والأعياد الكبيرة. وقد نظمت دروس التاريخ والجغرافيا والأدب التركي والمعلومات المدنية بصورة تساعد على استثمارها السياسي وجعلها وسيلة لزرع بذور حب التضحية والعمل في سبيل الوطن. العراق والحضارة العربية نشرتالمجلة العصريةالإنكليزية مقالا بقلم (ريشا رد كوك) عن مهمة العراق في خدمة الحضارة العربية جاء فيه مايلي: يستطيع العراق، بعد أن نال الربة في إدارة نفسه بنفسه وزال عنه الخوف من مداخلة الأجانب في شؤونه الداخلية، أن ينتهز هذه الفرصة النادرة ويصبح المركز الحقيقي للحياة والحضارة العربية. وقد كانت مصر هي القائمة بهذه الهمهمة التاسع عشر ولكن من المحتمل أن عهدها هذا قد أنقضى. فإن العراق أقرب إلى الدم العربي وهو متصل رأساً

стр. 397

بجزيرة العرب عدا أنه بعيد عن النفوذ الأجنبي يتمتع بحرية واستقلال أوسع. أما مصر، فأنها أبت أو أرادت، مرغمة على أن تكون بحكم وضعها الجغرافي (ملحقاً) لأوروبا. وقد كان العراق قبلاً مهداً للحضارة ولا تزال بذور حضارتها القديمة مدفونة في أرضه. والثقافة العربية والعلوم أنما ازدهرت في العراق وظلت نامية هناك مدة خمسة قرون. ولا تزال ذكرى تلك العصور حية وتدل جميع الظواهر على إمكان ازدهار حضارة العرب في العراق من جديد تحت تأثير الآراء والمبادئ الحديثة وفي ظل الحرية السياسية. صدى الأدب العربي في الصحافة الفرنسية خصصت صحيفةالأخبار الأدبيةالتي تصدر بباريز صفحة خاصةبالأدب المصرية - كما تقول - تحتوي على مقالات للأساتذة إدغار جلاد وجورج دوما ني وأحمد راسم وأنطون الجميل تكلموا فيها عن وفاة أمير الشعر أحمد شوقي وعن تأسيس المجمع العلمي العربي وغير ذلك من المباحث فما جاء فيها عن أمير الشعراء إنه أحب مصر وأحبه الشعب حتى صار شعره دليلاً على الروح القومية، وإن وطنيته لمتكن ضيقة مفعمة بالأنانية بل كانت واسعة تشمل كل البلاد العربية فهو قد أحب مصر كما أحب العراق وأحب سوريا كما أحب لبنان وفلسطين والحجاز. ومنها أمير الشعراء لم يتغزل غزلاً حسباً شهوانياً بل تغنى بالعائلة ومحبة إلا ولا فكان من هذه الجهة شبيهاً بفكتور هوغو ومما جاء في هذا الصدد أيضاً أته من الصعب تعيين المذهب الفلسفي الذي أتبعه شوقي لأن فكره لم يجر على خط مستقيم بل كان كثير التبدل على أنه كان يرغب في الحياة ويريد اقتناص اللذات على شريطة أن يحافظ على شبابه ويتمتع به ويريد أن يتدرع بالسلاح الضروري للجهاد لأن الحياة جهاد دائم. ومما جاء في هذه الصفحة الأدبية كلمة مقتضبة عن تأسيس المجمع العلمي في مصر وتاريخ هذه الفكرة وصداها في العالم العربي قال الكاتب عن تاريخ هذه الفكرة أن أصلها يرجع إلى أسواق العرب في الجاهلية وأن قصور الخلفاء كانت شبيهة بمجامع علمية. وأن فكرة إحداث مجامع علمية ليست حديثة وإن مصر لم تسبق غيرها من الممالك العربية إلى تأسيس مجمع لغوي فقد تأسس قبلاً في دمشق وبيروت وبغداد مجامع علمية مختلفة ولكنها إذا استثنينا منها، على دعوى الكاتب، مجمع دمشق - لم تنتج شيئاً حتى الآن. والمجمع العلمي الذي تريد مصر إن توسسه على ضفاف النيل مختلف بوسائله

стр. 398

وسعه نطاقه عن المجامع العلمية السابقة وهذا ما يدعو إلى الأمل في توحيد ألإصلاحات العلمية وتطور اللغة الغربية والقضاء على المستولية الآن عليه. وقد ذكر الكاتب نبذة من قرار تأسيس المجمع العلمي المصري وزين مقاله بصورة وزير معارف مصر حلمي عيسى باشا، كل ذلك مما يدل على أن إدارة (الأخبار الأدبية) لم تقدم على تخصيص هذه الصفحة الأدبية بمصر وقبل أن يوجد مجمعها العلمي بالفعل إلا لأسباب سياسية - لا نقول مالية - ولكن يسرنا على كل حال أن يكون للأدب العربي صداه في بلاد الغرب. السلامة بالعلم نشرت صحيفة الأخبار الأدبية مقالا للكاتب المفكر (جوليان بندا) عن تأثير العلم في حال المعضلة الكبرى قال فيه، رداً على الأستاذ (لا نجفن) أنه ليس بوسع العلم أن يخلصنا مما وصلنا إليه من الانحطاط الأخلاقي والبؤس المادي. وفي الحق أن المسيو (لا نجفن) قال في أحدى مقالاته السابقة أن العلماء قادرون على إيجاد حل للأزمة الحاضرة، ثم قال في أحد جلسات جمعية الاتحاد في سبيل الحقيقة التي تضم كثيرين من أساطين العلم كجان برن وأميل بورل ولئون برونشويك إن الإنسان استطاع بواسطة العلم أن يتوصل إلى الرفاه والسعادة المادية وليس في طبيعة العلم ما يمنع الإنسان من إيجاد حل نهائي للأزمة الحاضرة ويمكن الوصول إلى ذاك بقليل من الحكمة والتعقل. على أن المسيو (جوليان بندا) يرى عكس ذلك ويقول ليس من شأن العلم أن يولد في نفوس الناس هذه الحكمة وذاك التعقل الذي يتكلم عنهما الموسيو (لا نجفن). وقد قال الأستاذ (إميل بورل) إن شقاء الناس ينشأ في الغالب عن حسدهم ورغبتهم في أن يكون لهم ما لغيرهم لا عن حاجة مادية حقيقية. فقد يكون الإنسان غنياً وقد يكون صحيح الجسم ولكنه مع ذلك شقي النفس لأنه لا يقنع بما عنده فيريد أن يكون أغنى الناس وأقواهم فعلة شقاء الإنسان معنوية لا مادية والمعضلة الاجتماعية الكبرى ناشئه عن أسباب نفسية ولا يمكن إصلاح حال المجتمع إلا إذا غير الناس ما بنفوسهم. ولا يغير الناس ما بنفوسهم إلا بواسطة التربية والتهذيب لا بواسطة العلم المجرد عن كل غاية علمية. على أن الموسيو (جوليان بندا) لا ينكر شأن العالم في التربية والتهذيب، لأنه يستطيع أن يهدي المربي ويهيئ له أحسن الطرق التي يجب أتباعها في إصلاح النفوس ولا يمكن إصلاح الواقع إلا بمعرفته إلا أن وظيفة العام

стр. 399

تنتهي حيث تبتدئ وظيفة المربي فالعالم يخبر والمربي يدبر وينظم ويهذب ومن المؤسف أن يعرض العالم عن الاهتمام بالمسائل العلمية لأنه وحده يستطيع أن يدل المربي على المناهج الصالحة التي يجب عليه أتباعها في سبيل تأمين سعادة البشر إلا أن الروح العلمية لا علاقة لها بهذا الاهتمام العلمي وإذا اهتم العالم ببعض المسائل العلمية فذلك لجمعه روح الإصلاح الاجتماعي إلى الروح العلمية وهذه الروح العلمية ليست متولدة كما يظن البعض من محبة الناس بل من حب الاطلاع، لآن حب الناس شيء وحب الحقيقة شيء آخر. معرض كبير في لوندره من حوادث شهر تموز المهمة في لوندره افتتاح معرض كبير للكتب أسمه أي بريطانيا في الكتب وهو يحتوي على ثلاثة أنواع من الكتب١ - كتب المصادر والإسناد ٢ - كتب المباحث العامة وخصوصاً التي تبحث في حياة الطبيعة ٣ - كتب الأدب الكبرى. أضف إلى ذلك طائفة من الألواح الأدبية التي تشبه الألواح الجغرافية من حيث تعيينها محل ولادة كل كاتب ومحل طبع الآثار الأدبية وانتشارها وقد كان لهذه الألواح الجغرافية الأدبية نجاح عظيم في المعرض. أعمق بقعة في البحر إن أعمق بقعة في البحر أمكن العثور عليها وقياسها حتى اليوم تقع بالقرب من (بورتوربقو) إحدى جزائر الآنتيل الكبرى بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية ويبلغ هذا المكان (١٣٥٠٠) متراً وكان أعمق مكان نعرفه قبل الآن في الحر المحيط الكبير لا يزيد عن (١٠٨٠٠) متراً وذلك بالقرب من جزائر الفيلبين تم قياسه في سنة ١٩٢٧ من قبل السفينة الألمانية الحربية (أمدن) ومثل هذه الحفر العميقة في البحر قد نشأت عن حوادث بركانية ولذلك فأنها توجد دائماً بالقرب من الشواطئ الجبلية. القهوة نشر الدكتور (بول كولوليان) في مجلة الحوليات مقالاً عن القهوة والتبغ ذكر في المضار التي تنشأ عن استعمال هذين المنبهين. فمما جاء في هذا المقال عن القهوة أن أوروبا وحدها تستهلك أكثر من ثلاثمائة مليون كيلو غرام من قهوة في السنة. وإن كل مائة غرام من القهوة تحتوي على ثلاثة غرامات ونصف

стр. 400

من الكافئين. أن الفنجان الواحد من القهوة القوية يحتوي على ٣٠سنتيغرام من الكافئين. أما الكمية المعتدلة فهي أن يحتوي فنجان القهوة على ١٢ سنتيغرام من الكافئين أو على ١٦ غرام من القهوة. إن هذا المقدار الأخير معتدل وهو منبه للقلب والأعصاب معاً. ولكنه إذا تجاوز هذا الحد صار مضراً جداً فإذا شرب الإنسان مثلاً ثلاثة فناجين تحتوي على ٣٦ سنتيغرام من الكافئين أحدثت هذه الكمية فيه دوخة وإذا شرب أربعة فناجين ازدادت ضربات قلبه وأصيب بهزات جسدية، وفوق هذه الكمية تولد القهوة فيه (التتانوس) والتبريد. فالمقدار المعتدل من القهوة قليل الضرر لأنه منبه ملائم فيعدل الدورة الدموية ويحرك الفاعلية الذهنية فيبعث ألذة والراحة. قال (ميشيل لفي) إن الأذهان البطيئة الجامدة تجد في القهوة واسطة لتسهيل أعمالها. القهوة لا تخلق الفكر في الدماغ الأبله ولكنها تحرك ملكات الإنسان الذكي، فتوسع خيال الشاعر، وتحيى ذاكرة الأستاذ وتجعل القلم سيال المعاني والشفاه متدفقة الألفاظ على أن هذا المنبه المعتدل ينقلب بالتكرار إلى عادة واحتياج فيصعب على الإنسان إذ ذاك أن يباشر أعماله اليومية مادية كانت أو معنوية دون قليل من القهوة.، وإذا أصبح شرب القهوة حاجة طبيعية انقلبت فائدتها إلى مضرة، وأصبحت سماً قاتلا يفسد الأعصاب ويشوش ملكات العقل. قال الأستاذ (شارل ريشة) الإفراط من القهوة تفريط في ملكات العقل. فالقهوة توقظ الفاعلية وتقوي الإرادة وتدفع المرء إلى العمل ولكنها تمنعه من العمل العقلي الهادئ فلا يستطيع أن يقرأ ولا أن يكتب بصورة طبيعية. فهي تقوي الإرادة وتدفع الانتباه والذاكرة إلى العمل الشديد الدائم. إلا أنها تخدر في النهاية فعل العقل، لأن الذي يرغب في الكثير يقع في القليل. وكلما زاد تهيج الإرادة خفت قوتها وتناهى فعلها، فكأن القهوة تحدث في الجسد والنفس ما يحدثه الكحول من التخدير. وإذا استمر الإنسان على التسمم بالقهوة أصيب ببعض الأمراض النفسية والجسدية منها تهيج ملكاته النفسية بصورة مشوشة، فيزداد الاضطراب وتكثر الحركات وتهتز الأعضاء ويتكرر الخفقان ويصبح التنفس صعباً ويتولد القلق وتضعف الذاكرة ويظلم الخيال ويصاب الجسد بالنحول والتعب. فالقهوة غذاء جيد إذا مزجت بشيء من الحليب ولكنها تصبح سماً قاتلاً إذا تجاوزت حد (الفناجين) في النهار. أين بدأ عمران الأرض

стр. 401

كيف وأين بدأت الحضارة فأخذ الإنسان يحرث الأرض ويزرعها ويستثمر خيراتها، إن الحفريات الأثرية التي أجريت حتى أيامنا هذه تدل على أن مهد العمران كان في العراق أو في محلات قريبة من العراق. ويقدر العلماء حسب الحفريات التي في العراق ومصر أن الإنسان قد بدأ يستثمر الأرض بالزراعة قبل عشرة آلاف سنة تقريباً. فإن تاريخ مصر يرجع إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد. وقد كان المصريون في ذلك الوقت يحرثون الأرض الأرض ويزرعونها ويظهر أن العراق قد تقدمت مصر في الحضارة. فإن مدينة (أور) التي تم حفر آثارها في المدة الأخيرة كانت قائمة قبل الميلاد بأربعة آلاف سنة. ولا يمكن لمدينة كبيرة مثل هذه أن تعيش دون أراضٍ واسعة حولها للزراعة تقوم بحاجاتها وكذلك لا بد من وجود قوانين مرعية لتأمين التجارة وللمحافظة على الأرواح والأموال. ومن الاكتشافات الهامة التي وصل إليها التاريخي إنه كانت هناك علاقات تجارية بين المدن العراقية القديمة والمدن الهندية في حوضة نهر (السند). وكانت منتوجات الهند تنقل الغرب كما ظهر من الحفريات في بلاد الحيثيين بالأناضول. مثل هذه الحياة المدنية لا يمكن أن تكون إلا نتيجة تطور طويل مضى عليه آلاف السنين. ويقدر العلماء لذلك مبدأ عمران الأرض والزراعة قيل عشرة آلاف سنة من تاريخنا الحاضر. وقد انتقلت الزراعة بعد ذلك من آسيا إلى أوروبا وتدل الظواهر على أن هذا لم يحدث إلا متأخراً قبل ثلاثة آلاف سنة من الميلاد. التقلبات الجوية هناك عقيدة عامة بأن ليس لتقلباتالطقسقاعدة ثابتة وإن أحوال الجو لا تعرف شيئاً من النظام والاطراد في تبدلها. ولكن التدقيق المستمر والبحث العلمي يثبتان أن تبدلات الحالة الجوية أيضاً لها قوانين مقررة. فإن ثبات الجو وتقلباته تسير حسب نظام خاص ولو أنه كثير التركيب والتعقيد. وهكذا نرى علم أحوال الجو قد تخلى عن العقيدة التي تجعل الجو تابعاً لمجرد الصدف وأخذ رجال هذا العلم يسعون الآن لتقرير قوانين وقواعد لجميع المظاهر الجوية. ولاشك في أن هذا العمل يحتاج إلى جهود علمية وفنية كبيرة. وقد وضع العلماء في المدة الأخيرة بعض نظريات ومبادئ عامة لمعرفة تقلبات الطقس منها نظريةتنفس الفضاءالتي تقول أن القارات إذا بردت تنكمش الطبقات الجوية العالية فوقها ويهجم عليها الهواء من البحار. في هذه الأثناء يبقى الجو ثابتاً على حالة واحدة لا تتغير

стр. 402

مدة أسابيع ولما تبلغ كمية الهواء المقياس إلا على تضطر الطبقات الهوائية القريبة من الأرض للانتقال إلى المحلات الحارة وبذلك ينقلب الطقس فجأة وتبتدئ دورة جديدة تدوم أياماً كثيرة. وتنفس الفضاءهذا يتكرر في جميع الفصول. . وحقيقة أخرى تلعب دوراً هاماً في معرفة تبدلات الجو هي تأثير النظام الشمسي والأجرام السماوية الأخرى في أحوال أرضنا. فقد ثبت أن تقلبات الطقس عندنا تكون سريعة ومتنوعة في أدوار ازدياد حركة الشمس أي عندما تكون الشمس مستورة بالشوائب التي تعتريها من حين إلى آخر. أما في أدوار هدوء الشمس فإن تطورات الجو تكسب صبغة الاستمرار والاطراد. وهذا دليل واضح على تأثير أحوال الشمس في تطور الجو. وفي الحقيقة أن أرضنا تابعة في جميع أحوالنا إلى نظام الكون العام وهي ليست سوى حلقة صغيرة في ساعة العالم. . هل يمكن رؤية الدماغ بأشعة رونتجن اكتشف الطبيبان الرومانيان المقيمان في بخار ست راد فيس ومللر واسطة جديدة لمشاهدة الدماغ بواسطة أشعة رونتجن. ومن العلوم أن أشعة رونتجن لم تستعمل أولاً إلا لرؤية الهيكل العظمى ثم إنها استعملت في السنوات العشرين الأخيرة لمشاهدة الأحشاء الداخلية كالمعدة والأمعاء والزائدة الدودية والمثانة وغير ذلك، وصار تصوير هذه الأعضاء الداخلية ضرورياً لمعرفة حقيقة أمراضها. أما الدماغ والنخاع الشوكي فقد استعصت رؤيتهما على أشعة رونتجن حتى هذه السنوات الأخيرة. نعم إن داندي الأمريكي اكتشف منذ خمس عشرة سنة طريقة لمشاهدة الدماغ - لا مجال لذكرها الآن - ولكن هذه الطريقة التي يستعملها الجراحون لا تخلو من الخطر. والطريقة الجديدة التي اكتشفها رادو فيس ومللر ربما كانت أفضل من الطريقة السابقة وقد قدما للمجمع الطبي الفرنسي رسالتهما في سنة ١٩٣٢ونشرا اكتشافهما في كثير من المجلات الطبية الفرنسية والألمانية وهي عبارة عن حقن الجهة القذالية من القحف بمادة (التوريوم) بحيث تبقى معلقة في السائل الذي يفصل الدماغ عن الجدار العظمى المحيط به. وقد استعملت هذه الطريقة في مشاهدة دماغ الأرانب والقطط والكلاب والقردة واستحصل المجربون بواسطتها على صور واضحة تظهر فيها حدود التلافيف الدماغية بخطوط سوداء. أما الحيوان الذي طبقت عليه هذه الطريقة فلا يصاب بسوء ويبقى حسن الحال ثم تزول هذه المادة التي أدخلت إلى السائل الدماغي شيئاً

стр. 403

فشيئاً. ثم إن الأطباء أخذوا يطبقون هذه الطريقة على الإنسان أيضاً ولكن الغشاء الذي يفضل دماغ الإنسان عن السائل المحيط به ليس ذا مقاومة كافية ولذلك وجد الأطباء اليوم إنه من الضروري تعديل قوة مادة (التوريوم) التي يحقنون بها رأس المريض وإذا تم للأطباء ذلك فإن العلماء سيتمكنون من رؤية جميع أحوال الدماغ والخلل الذي يطرأ عليه في أحوال المرض وهذا سيدعو إلى تقدم معرفتنا بأسباب الأمراض العقلية. بين الحياة والموت هل يوجد بين الحياة والموت حدود فاصلة وهل هنالك واسطة حقيقة للتفريق بين الحياة والموت. كثيراً ما يخطئ الأطباء في حال المريض فيقررون أنه مات في حين أنه لا يزال حياً. وكثيراً ما يكفن المريض ويوارى في التراب ثم يفيق من غيبته وهو في القبر. هذه الحوادث حملت كثيرين من الأطباء على البحث في الحدود التي تفصل الحياة عن الموت وقد كان الأطباء يستعملون في السنوات الأخيرة طريقة تدعى طريقة إيكارد وهي عبارة عن حقن (الفلورئسين) إلا أن هذه الطريقة لم تنجح تماماً لأنها لم تمنع الأطباء من الوقوع في الغلط حتى قال بلين نحن رجال العلم لا نزال ألعوبة في يد الآلهة فلا ندري كيف نفرق بين الحياة والموت، ولا كيف نقول أن هذا المرض لا يزال حيا وأن ذاك قد مات الطب الأفرنسي في العالم نشر الموسيوش أشار في مجلة العالمين الأفرنسية مقالاً ذكر فيه تأثير الطب الأفرنسي وانتشاره في البلاد الأجنبية. وقد بين علاقة انتشار الطب الأفرنسي بانتشار اللغة الفرنسية وقال أن أكثر أطباء العالم يتكلمون الفرنسية إلا في بلاد اليابان لأن أكثر أطباء اليابان وأساتذة المدرسة الطبية في طوكيو وتلامذتها يعرفون اللغة الألمانية ويدرسون على أساتذه ألمانيين وقد بحث الكاتب عن انتشار الطب في الشرق الأدنى فقال: إن تأثير ثقافتنا في الشرق الأدنى آخذ بالتناقص مع أن اللغة الفرنسية هي اللغة الوحيدة التي كان الشرقيون يطلعون بها على بضاعة الغرب. أن تركيا الحديثة تبتعد عن ثقافتنا وتريد أن تكون تركية محضة وبالرغم من أن مصر تحترم الطب الأفرنسي فأن النزعة السائدة فيها هي التخلص من كل تأثير أوروبي. إن لغتنا الأفرنسية منتشرة على ضفاف النيل، وأنه لما يثلج الصدر أن يسمع السائح الفرنسي وهو عائد من الشرق الأقصى اللغة الفرنسية في بورت سعيد

стр. 404

والأسكندريه القاهرة فيخيل إليه أنه في بلاد، لأن أسماء الطرق والإعلانات كلها مكتوبة بالغتين العربية والفرنسية. أنا عالم أن المصريين لا يحبون لغتنا إلا لأنهم يبغضون الدولة الحامية. ولكن فرنسا على كل حال تشغل في مصر المركز الأول من حيث التأثير المعنوي. ثم ذكر الكاتب ضرورة إسعاف المؤسسات الطبية الموجودة في مصر وقال إن في الإسكندرية مستشفى لموسوليني يضاهي أعظم مستشفيات أوربا بتنظيمه وأنه لا يوجد بين المؤسسات الأفرنسية والمصرية ما يعادله. ثم بحث الكاتب في حالة الطب الأفرنسي في طهران وأصفهان من بلاد فارس وانتقل إلى الكلام عن سوريا ولبنان فقال: الطب الأفرنسي يدرس في لبنان في كلية يديرها الجزويت في بيروت. وهي تمنح تلاميذها شهادة الدكتوراه وكثيرون من خريجيها يمارسون الطب وفقاً لمبادئ التعليم الفرنسي. إلا أن لهذه الكلية مزاحماً قوياً في كلية الطب الأميركية لأن هذه الكلية أحسن مورداً وأقوى مادة رغم أنها لم تحصل بعد على المنزلة التي حصلت عليها كلية الجزويت. وقد أسست فرنسا في دمشق جامعة عربية لأنها تريد أن تعيد لهذه المدينة شهريها القديمة يوم كانت مركزاً عظيماً للثقافية في الإسلام. ولكن يظهر أن سكان دمشق لا يريدون الاعتراف لنا بهذا الجميل. عندما زرت دمشق كانت كلية الحقوق متوقدة حنقاً علينا أما كلية الطب التي يدرس فيها أربعة أطباء فرنسيين فقد كانت أقرب متناولا وأحسن استعداد وهذا ما يدعو إلى شكر تلاميذها وأساتذتها. وقد ذكر لي أحدهم أن طائفة من التلاميذ جاؤوا يوم الثورة أثناء تدمير المدينة إلى بيت أحد أساتذتهم الأفرنسيين وقالوا لزوجته أنه لا خطر على زوجها وأنهم يحمونه من كل أذى اعترافا بفضله وعلمه. مما لا شك فيه أن تأسيس جامعة عربية تلقى فيها الدروس وتؤلف الكتب باللغة العربية دليل واضح على ما في الروح الفرنسية من حب الحرية. وسيكون لتأسيس هذه الجامعة العربية تأثير بعيد.

стр. 405

العدد ٦ - بتاريخ: ١٥ - ١١ - ١٩٣٣

стр. 406

تقديم لعبت المجلات الثقافية العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى اليوم، وخصوصاً في فترة ما بين الحربين الأوربيتين العالميتين في القرن العشرين، دوراً ريادياً تنويراً وتثقيفياً في المجتمع العربي. فقد كانت هذه المجلات هي الفضاء التي تفاعلت فيه التيارات والعقول والأفكار النهضوية الحديثة في المجتمع والثقافة العربيين قبل شيوع وسائل الاتصال والثقافة والفنون الحديثة من تلفزيون وانترنيت. . الخ. بل ربما كانت أكثر تأثيراً من الكتاب نفسه، فقد عرفت هذه المجلات الناس على الأفكار الحديثة، مثلما عرفتهم بعضهم ببعض، خالقة بذلك ما نسميه: وحدة الثقافة المعاصرة، على تعدد اتجاهاتها ورؤاها، أما بالنسبة للكتاب فقد كان على الكاتب أن يقدم نفسه أولاً في إحدى المجلات المعروفة، أو السيّارة على لغة ذاك العصر، قبل أن ينال اعتراف القراء، وقبل أ، يغامر القارئ باقتناء كتابه. كانت مجلات: المقتطف والجنان وروضة المدارس والهلال والجامعة والمنار والضياء. . الخ. هي طلائع الوعي العربي الجديد منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، مثلما كانت تؤسس للتيارات الفكرية التي ما تزال متفاعلة في المجتمع والثقافة العربيين، فقد كان المقتطف تؤسس للوعي العلمي، وكانت الجنان تؤسس للوعي العلماني، بينما أسست المنار للوعي السفلي، أما الجامعة فقد كانت مع الهلال، تؤسس للنهوض الثقافي العام، وكما هو معروف فإن تيارات وأفكار هذه المجلات ما تزال تيارات وأفكاراً فاعلة ومتفاعلة في الوعي العربي، وما تزال الثقافة العربية تسير في الدروب التي شقتها هذه المجلات. أما في سورية (الحالية) فقد تأخر وجود الصحافة الثقافية المحلية ذات المستوى المتطور والمؤثر لأسباب أهمها إلى أن الموجه الأولى من المثقفين السوريين (الشوام) هاجرت إلى مصر، فأسست هناك مجلات السوريين ودور نشرهم المعروفة (الهلال - المقتطف - دار المعارف - البابي الحلبي - الخانجي - البيان - المكتبة السلفية. . الخ). أما الموجه الثانية من المثقفين السوريين فقد أعدم أكثرها في السادس من أيار ١٩١٦، وربما كانت مجلة الحقائق ١٩١٠ السلفية الطابع لصاحبها عبد القادر الاسكندري، أول مجلة ثقافية سورية شاملة، ثم أتت مجلة الرابطة الأدبية أوائل العشرينات، وبعدها أتت أهم مجلة ثقافية سورية في تلك المرحلة وهي مجلة الحديث (١٩٢٧ - ١٩٥٨) لصاحبها سامي

стр. 407

الكيالي - وقد كانت تمثل الجناح السوري للمدرسة اللبرالية المصرية) خصوصاً المدرسة الملتفة حول السياسية الأسبوعية في مصر، ومعروف أن هذا الاتجاه المصري - السوري، إنما اشتد ساعده على أثر معركتي كتابي: الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرزاق وفي الشعر الجاهلي لطه حسين عامي ١٩٢٥ و١٩٢٦. بعد مجلة الحديث ظهرت في دمشق، ولمدة عام واحد مجلة ثقافية رفيعة المستوى، لتعبر عن الجبل التنويري الثالث في سوريا، وهو جيل أقرب إلى الاتجاه التنويرية الراديكالي، وقد بدأ يعلن عن نفسه أوائل الثلاثينيات، جبل يتألف من شباب تلقى معظمهم العلم في الجامعات الأوربية، أو تأثر بالثقافة الحديثة عموماً، ومن هنا فقد كانت نظرته الثقافية متسعة الأفق، مضافاً إليها ثقافة عربية تقليدية قوية، ولهذا تبدو كتابات واهتمامات المجلة، بل وآراء كتابها، متوازنة ما بين الغربي - الوافد - الجديد، وبين العربي - التقليدي. للمجلات الثقافية العربية سلاسل أنسابها المتسلسلة، بل وأشجار عائلاتها الولود، فلكل مجلة عربية صدرت في القرن التاسع عشر سلسلة نسب استمرت في مجلات صدرت بعدها، وبعضها ما يزال يصدر، فنحن نستطيع أن نقول مثلاً أن مجلة الآداب - ١٩٥٤ البيروتية هي خليمفة مجلة الرسالة ١٩٣٣ القاهرية، وأن مجلة الجامعة ١٨٩٨ في مصر ونيويورك لفرح أنطون، أورثتنا مجلة العصور ١٩٢٧ في القاهرة وأن مجلة العصور ولدت مجلة الدهور ١٩٣١ في بيروت وأن مجلة الدهور ولدت الطليعة ١٩٣٥ في دمشق وأن مجلة الطليعة ولدت مجلة الطريق ١٩٤٠ وربما نستطيع أن نقول أن مجلة الثقافة ١٩٣٣ في دمشق تمت بصلة لمجلة الحديث ١٩٢٧ في حلب فمجلة الثقافة حلقة في سلسلة المجلات الثقافية العامة ذات الأفق المفتوح لكل الاتجاهات التنويرية. وقد بدأت مؤخراً حركة لإعادة نشر بعض هذه المجلات، وخصوصاً في مصر. ضمن هذه الجهود تساهم وزارة الثقافة في سورية بنشر مجلة الثقافة السورية ومجلات أخرى قريباً. أصدرت مجلة الثقافة مجموعة من الكتاب الشباب هم: ١ - خليل مردم بك ١٨٩٥ - ١٩٥٩: من أسرة دينية دمشقية - تلقى العلم في دمشق وبريطانيا، شاعر ومدرس للآداب، سياسي تقلد مناصب دبلوماسية ووزارية. محقق لكتب التراث وشاعر.

стр. 408

٢ - جميل صليبا ١٩٠٢ - ١٩٧٦: دكتور في الفلسفة مدرس جامعي، درس في دمشق وباريس حقق وألف كتباً فلسفية وتربوية كثيرة. ٣ - كاظم الداغستاني: ١٩٠١ - ١٩٩؟ درس في لبنان وفرنسا وسوريا، حقوقي دكتور في العلوم الاجتماعية وقانوني عمل في الدولة. له كتاب بالفرنسية وكتابان بالعربية صدرا في أواخر حياته. ٤ - كامل عياد ١٩٠١ - ١٩٨٦: مولود في ليبيا. هاجر أبوه إلى تركيا إثر احتلال الطليان لبلاده. درس في تركيا وسوريا وألمانيا، حصل على الدكتوراه إثر رسالة عن ابن خلدون في ألمانيا عام ١٩٢٩. مدرس جامعي للتاريخ والفلسفة والتربية صدرت له كتابات مختارة عن وزارة الثقافية في دمشق. نعيد إصدار مجلة الثقافة والتي صدر منها سنة واحدة في عشرة أعداد فقط خلال عام ١٩٣٣، في مجلدين ضمن سلسلة إعادة إصدار بعض المجلات الهامة في عصر النهضة العربية، تقديراً لأهمية هذه المجلة التي ما تزال موضوعاتها راهنة وتحية لجهود جيل عربي تنويري كان تحرر البلاد وتقدماه وثقافتها هدف حياته الأول. محمد كامل الخطيب

стр. 409

الثقافة تشرين الثاني ١٩٣٣ فقيد العرب فيصل للتاريخ والذكرى بقلم الفريق رضا باشا الركابي رئيس وزراء الملك فيصل في سورية لقد مات فيصل شهيداً في سبيل واجبه وإعلاء شأن أمته فأحدث موته فراغاً في العالم العربي من الصعب إملاؤه وحزنت عليه الأمة العربية حزناً شديداً وبكته والعالم الإسلامي بكاء مراً ورئته بما أوتيت من فصاحة وبلاغة حتى لم يبق من زيادة لمستزيد ولعل الجراح التي أصابتني بفقد جلالته هي أكبر وأعظم من أي جرح أصاب غيري وذلك لما كان بينه وبيني من الروابط الوثيقة منذ أمد بعيد قبل الحرب العامة وفي عضونها وبعد فقد كنا من أعضاء (الجمعية العربية الفتاة) نشتغل سوية في تجديد الكيان العربي بما يتفق مع ماضي الأمة العربية المجيد وكنت على اتصال دائم به يوم قلدت منصب الحاكم العسكري العام على المنطقة الشرقية (سورية الداخلية) في البلاد العربية ويوم قيامي بمنصب رئاسة الوزارة في أوائل ملكه على سورية مما جعلني أن أكون في مقدمة المطلعين على نواياه الحسنة ومساعيه الجبارة في سبيل تأسيس مملكة عربية عامة لها شأنها ومركزها بين الممالك كما أتيح لي أن أكون في طليعة الواقفين أيضاً على أخلاقه الرضية ومزاياه الشريفة التي قلما اجتمعت في بشر غيره مهما علت منزلته والتي من أهمها أنه كان ﵀ ينظر كلل فرد من أفراد الأمة العربية نظره إلى أخوته وأبنائه ويعتبر البلاد العربية كلها وطناً له فيبحها ويضحي في سبيلها أعز شيء لديه لذلك كله اعتقد أنه من واجبي أن أقدم لقراء العربية هذه السطور أذيع فيها بعض الحقائق خدمة للتاريخ وتوطئة لمذكراتي التي سأنشرها فيما بعد. لقد أدمى موت فيصل العرب رمز الأماني القومية قلوب جميع أبناء أمته على أن هنالك حتى بين الباكين عليه أناساً ممن لا خلاق لهم كانوا يضعون العراقيل في طريقه لا يجوز أن يبقى أمرهم بعد الآن مكتوماً فإن نجاح الأمة في مستقبلها يوجب إماطة اللئام عن حقيقة

стр. 410

تلك الأعمال الخفية أو الاكتفاء بالإشارة إليها ليظهر ما اتصف به ﵀ من شريف الخصال وحسن النية وما امتاز به من كرم الخلق وبعد النظر وعلو الهمة. لقد بلغت الأمة العربية قبل الحرب العامة مبلغاً كبيراً من التأخر والانحطاط بعد أن كانت في عصورها الغابرة مثالاً للعظمة والمجد بما اتبعته من حسن السياسة ومشت عليه من قواعد الحرية والعدل والمساواة ولقد ساقها ما تسرب إلهيا من الوهن والضعف والهرم إلى الجمود والتدهور في هاوبة فساد الأخلاق فجثت على نفسها بنفسها وبلغت ما بلغته بتقصيرها وتقاعسها فكانت مصادقاً لقوى تعالى (وما كنا لتلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). وما زالت وهذا شأنها حتى أراد الله إنقاذها مما هي عليه فأدركها برحمة منه وقبض لها رجلاً منها هو أمير الحجاز آنئذ جلالة المغفور له ساكن الجنان ملك العربي الحسين بن علي يساعده على العمل أنجال الكرام وفي مقدمتهم فقيدنا العظيم فيصل العرب الذي لا بد لنا قبل الاسترسال في الموضوع من ذكر نبذة عن تاريخ حياته المملوء بجلائل الأعمال في سبيل هذه النهضة العربية الجديدة. فقيد العرب فيصل ولد ﵀ بمكة المكرمة سنة ١٣٠٢ هجرية ودرس وأخوته مبادئ العلوم على أساتذة خصوصيين في قصر والدهم تبعاً لعادات أشراف مكة وقد كانون يتمرنون أيضاً على ركوب الجياد وممارسة ما تتطلبه الفروسية من استعمال السيوف وقذف الرماح وإطلاق النار فترعرع وهو يحسن الرماية والفروسية وحينما عين والده عضواً في مجلس الشورى في الآستانة صحبه معه وكان له من العمر إذ ذاك ست سنين ثم لما تعين والده أميراً على الحجاز في سنة ١٩٠٨ عاد معه إلى مسقط رأسه وله من العمر خس وعشرون سنة وبالنظر لما فطر عليه من الذكاء والشجاعة فكثيراً ما كان يوليه والده القيادة لإخضاع المتمردين من قبائل الأعراب فذاع صيته واشتهر اسمه بعد أن أصبح قائداً مدرباً خبر الأيام وعركته الوقائع. ولقد كان من جملة الأهداف السياسية التي رمت إلهيا الحكومة العثمانية في أواخر عهدها وعلى رأسها جمعية الاتحاد والترقي القضاء على القوميات غير التركية وبصورة خاصة على القومية العربية التي بدأت تنمو وتتجدد ومن المعلوم أن

стр. 411

سورية هي دماغ جزيرة العرب المفكر وعرقها النابض ولذلك فقد كانت البلاد العربية وفي مقدمتها سورية تكابد وتتحمل من المظالم أنواعها وأشدها ومن المؤسف جداً وجود من عملوا على ترويج سياسة الحكومة العثمانية وتحقيق برنامج جمعية الاتحاد والترقي بشأن قتل الفكرة القومية ذلك البرنامج القائم على قاعدة (فرق تسد). ولما ضاقت الأمة العربية ذرعا بهذه السياسة الغاشية وذهب مساعيها في سبيل تخفيف ويلاتها سدى أرسلت في ١٩١٣ وفداً من منوريها وقادة الرأي فيها إلى باريز لتقرير الخطة الواجب اتباعها والعمل لأج ذلك في جو مشبع بالسكون والحرية مع السعي لدى الدول العظمى لتخفيف ما يكابده العرب من مظالم الحكومة العثمانية وإيصالهم إلى ما يبتغونه من الاستقلال على الشكل الأمر كزي تبعاً لبرنامج الجمعية العربية الفتاة. وقد خشيت الحكومة العثمانية أمر استفحال هذه الحركة وخافت جمعية الاتحاد والترقي سوء نتائجها فأرسلت إلى باريز من يفاوض الوفد ويتمكن من إقناعه وتعليله بالأكاذيب لاعتقادها أن ذلك يؤمن عودة الوفد إلى البلاد وقد أرادت الحكومة أن تقدم البرهان على حسن نواياها وصدق وعودها المقطوعة فشرعت بتولية معظم أعضاء الوفد وظائف مختلفة كبيرة فانخدع الوفد وذهب إلى أن الحكومة العثمانية قد بدلت خطتها وأحسنت نيتها بشأن العرب ولذلك فقد انفض المؤتمر وعاد أعضاءه إلى البلاد ليتولوا الوظائف التي عينوا لها ولله في خلقه شؤون. وظلت الأمة العربية تنتظر تحقيق الوعود التي قطعتها لها الحكومة العثمانية غير أن هذا الانتظار لم يأت بشيء وظلت الحكومة العثمانية على ما كانت عليه من اضطهادها للعرب وهضمها لحقوقهم المشروعة ودام ذلك حتى دخلت غمار الحرب العاملة إلى جانب الألمان مغتنمة هذه الفرصة لتنفيذ غايتها الأولية من الفتك برجالات الأمة العربية والقضاء على أحرارها وقادة الرأي فيها، ولقد كان في شدة حذر جلالة المغفور له الملك حسين بن علي أمير الحجاز حينئذ وخوفه من دسائس الحكومة المركزية بشأن العرب ولهذا السبب فقد عين المغفور له الملك فيصل سنة ١٩٠٩ نائباً عن لواء جدة من أعمال الحجاز في مجلس النواب العثمانية في الآستانة التي كثيراً ما كان يمر بطريقه إليها على دمشق وقد تعرف في دمشق خلال تردده إليها بكثير من رجالها ووجهائها وعلمائها وفي مقدمتهم دعاة الجامعة العربية من أبناء البلاد السوريين وبعد أن خاضت الحكومة العثمانية غمار الحرب أراد

стр. 412

جمال السفاح الذي عين قائداً عاماً للجيش الرابع في سورية المباشرة في تنفيذ الخطة التي رسمتها له الوزارة الثمانية بالقضاء على زعماء العرب ومحو فكرة القومية العربية والفتك بالحسين وأنجاله وهذا ما دعاه لأن يبذل العسكري لإقناع المرحوم الملك فيصل بأن يقبل فيبقى بجانبه كموظف كبير في الجيش الرابع وغايته من ذلك الاحتفاظ به كوديعة منتظراً سنوح الفرص لتنفيذ الخطة المرسومة التي كان اهتمامه بها أعظم بكثير من اهتمامه بالشؤون الحربية وأمور الجيش وإدارته، وكان الملك فيصل لا يترك فرصة تمر إلا وينتهزها لتخفيف وقع ما يحاول ذلك الطاغية إنزاله بأبناء العرب ورجالهم من ويلات ومصائب على أنه لما تحقق أنه لم يبق من فائدة من بقائه إلى جانب جمال السفاح وأنه أصبح من اللازم مغادرة سورية إلى الحجاز للعمل هنالك والتوسل بما يجب لخلاص أبناء قومه مما يعانونه من ظلم وجور، توفق لإقناع القائد التركي بلزوم السماح له بالسفر ليتمكن من جمع عدد كبير من متطوعي العرب وجعلهم تحت أمرة الجيش التركي في سورية وعوناً له وقد أرسل جمال السفاح يستأذن الحكومة المركزية في الآستانة بشأن سفر الملك فيصل إلى مكة فلم تتردد الحكومة بالموافقة على ذلك بعد أن أقنعها الملك حسين الذي كان علي صلات سرية مع ولده في دمشق بأنه مستعد لن يقدم لها عداً وافراً من المتطوعين لينضموا على الجيش التركي وقد أرسلت إليه أيضاً مالاً وسلاحاً احتفظ به مستعداً للطوارئ ومنتظراً سنوح الفرص. ولم يكد الملك فيصل يصل مكة ويقص على والده ما عرفه وشاهده من المظالم التي يوقعها جمال السفاح بأبناء العرب في سورية من نفي وقتل وتعذيب حتى ثار ثائرة وصمم النية على القيام وفي وجه الحكومة التركية ومناوئتها العداء انتصاراً لأبناء قومه. ومن حسن الحظ أن الحلفاء كانوا حينئذ بأشد الحاجة لمن يساعدهم وينضم إليهم ضد الأتراك وحلفائهم فبدأوا بمفاوضة الملك الحسين الذي وجد في ذلك فرصة سانحة لم يشأن أن يضيعها فدخل الحرب إلى جانبهم وذلك بعد أن ربطهم بمواثيق وأخذ منهم عهداً يتضمن اعترافهم باستقلال البلاد العربية ووحدتها وعلى هذا الأساس أعلن الثورة ضد الأتراك وذلك في النصف الأول من سنة ١٩١٦ وعهد إلى ولده الأمير فيصل بقيادة الجيش العربي المتجه إلى سورية وقد أبدى من المهارة الحربية والمقدرة والشجاعة ما كان داعياً لنصرة جيشه وتمام الظفر للعرب ولقد كان هذا النصر أحد الأسباب لهامة

стр. 413

الداعية لتقهقر الجيش التركي وتقلص ظل الجيش الألماني والنمساوي في جميع الجهات الحربية في البلاد العربية وهنا يجب أن لا ننسى الأعمال الجليلة الهامة لتي أبدت هذا الظفر والتي قام بها إخوان الملك فيصل جلالة الملك علي وسموا الأمير عبد الله في الجهات الحربية الشرقية والغربية وكذلك شقيقه الأمير زيد الذي كان لجانبه في أصعب الموافق الحربية ولقد شاء الله أن يكون ظفر العرب مستمراً في تلك المواقع فتقدمت الجيوش العربية من الجهة الغربية والشرقية على أن الجهة الشمالية التي يقودها الملك فيصل كانت سريعة في تقدمها مما زاد في أمله وجعله يطلب أن ينضم إلى جيشه أفراد العرب الذين وقعوا أسرى بأيدي الحلفاء من الجيش التركي والذين جيء بهم إلى مصر فأرسل وفداً لهذه الغاية مؤلفاً ممن كمان يظن بهم الإخلاص والأمانة من أفراد حاشيته وذلك بعد أن جهزهم بما يلزم من الأموال والوسائل التي تسهل عليهم سبيل المهمة التي انتدبهم إليها بشأن انتخاب من يتوسمون فيه الكفاءة والإخلاص غير أن هؤلاء لم يوفوا الأمانة حقها بل نكثوا العهد وبدلاً من أن يقوموا بعملهم بإخلاص فقد حاولوا أن يقنعوا الحلفاء في مصر بلزوم أبعاد الملك فيصل عن القيادة واستلام مركزه مؤكدين أنهم هم أنفسهم جديرون بهذا العمل وأهل له أكثر من سواهم. . غير أنهم باءوا بالفشل وكان مسعاهم وبالاً عليهم فعادوا دون أن يحسنوا القيام بما كلفوا به وائتمنوا عليه ولقد كان من مزاياه ﵀ ومما اتصف به من كرم الخلق ورحابة الصدر أن أحسن مثواهم ووفادتهم بعد عودتهم ولم يفاتحهم بشيء مما علمه عنهم واتصل به من أخبارهم ولم تكن هذه المصاعب مما يفل في عزيمته ﵀ فما برح يحارب بكل ثبات وإقدام فتتقدم جيوشه تباعاً نحو الشمال حتى بلغت الوجه وتبوك ثم العقبة ووادي موسى ومعان وبلاد شرق الأردن ودرعا ولقد كان جميع من مرت بهم جيوشه من أعراب ومتحضرين ينضمون إليه مندفعين إلى ذلك بما قام في نفسهم من حبه واحترامه لما رأوه منه من الجشاعة والإقدام والصدق والإخلاص والكرم والحفاوة في سبيل نهضة الأمة العربية وإعلاء شأنها وما زال وهذا شأنه حتى اضطر الأتراك إلى التقهقر والانسحاب من دمشق أيضاً وذلك في أواخر شهر أيلول ١٩١٨ ثم من جميع البلاد السورية في الداخل والساحل فدخل الجيش العربي بقيادته إلى دمشق ظافراً وكذلك جيوش الحلفاء التي كان يقودها إذ ذاك الفيلد مارشال اللورد اللنبي الإنكليزي. وقد

стр. 414

تألفت عقب ذلك في سورية ثلاث مناطق: المنطقة الجنوبية ومركزها القدس وحاكمها انكليزي والمنطقة الغربية ومركزها بيروت وحاكمها أفرنسي والمنطقة الشرقية ومركزها دمشق وحاكمها عربي الأمر الذي دل على نية الحلفاء منذ دخولهم سورية والغاية الت يرموا إلهيا - وفي العشر الأول من شهر تشرين الأول سنة ٩١٨ أرسل المرحوم الملك فيصل قسماً من جيشه نحو الشمال فاحتل هذا الجيش حمص وحماه ثم حلب وما جاور هذه المدن في البلاد العربي وهكذا فلقد تقلص ظل الأتراك عن جميع الأقطار العربية التي كانوا فيها وبدأت المساعي بتأسيس مملكة عربية مستقلة في سورية يكون ملكها المرحوم الملك فيصل وتأسيس ممالك أخرى في فلسطين والعراق يتولى شؤونها أشقاؤه على أن يكونوا جميعهم على صلة وارتباط بملك العرب المرحوم جلالة الحسين. فود جلالته تأمين هذه الغاية فسافر من دمشق إلى أوروبا لحضور مؤتمر الصلح ولم يستقر به المقام هناك حتى طلب من الحلفاء أن تكون بلاد العرب مستقلة على الصورة التي ذكرناها وأن تؤخذ سياستها الخارجية على أن يساعد حكوماتها في وضعها الجديد خبراء من رجال الحلفاء، فأعجب أعضاء المؤتمر بزيه العربي وجرأته الأدبية وبلاغة بيانه وصراحة طلبه فعلق هو أيضاً بدوره مستقبل البلاد وتحقيق أمانيه على هذا العجاب، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، لأن فرنسا وانكلترا كانتا متعاهدتين سراً منذ سنة ١٩١٦ ومتفقتين على تقسيم البلاد العربية إذا تم لهما الظفر. فكليكيا والموصل وسوريا لفرنسا والعراق وفلسطين وسائر الشرق العربي لانكلترا. كل ذلك قبل إن يدخل جلالة الملك حسين والعرب معارك الحرب فلما دخل العرب الحرب تحت قيادة المرحوم صاحب الجلالة عدل الحلفاء عن تقسيم البلاد واستبدلوا به سياسة الانتداب. غير أن انكلترا أخذت تسعى بعد أن وضعت الحرب أوزارها لإخراج الموصل من نصيب فرنسا وإلحاقها بالعراق لتكون تحت سيطرتها وذلك لاحتوائها على ينابيع البترول وكنوز وثروات مختلفة لا تقدر. فوجدت أن اتفاقها القديم مع فراسنة يحول بينها وبين هذه الغاية ففكرت في الأمر واحتالت له وأوجدت في مؤتمر الصلح فكرة استفتاء العرب عن الانتداب ورغبتهم في الاستقلال التام وأرسلوا إلى سورية بعثة أميركية حيادية برئاسة المستر (كراين) فأتى إلى سوريا وباشر الاستفتاء.

стр. 415

ولم يصعب على انكلترا أن تكيد لفرنسا في الخفاء وأن تحمل رجالها وعيونها من السوريين على جعل سكان البلاد يطلبون الاستقلال التام الناجز، دون حماية ولا وصاية، فقالوا لهم الاستقلال قبل كل شيء، وإذا لم يكن من الانتداب بد فأميركا أولاً، وإن لم تكن أميركا فانكلترا أما فرنسا فلا ترضى بها أبداً، بل ترفضها رفضاً باتاً. وقد وافق هذا الكلام هوى من نفوس السوريين فقبلوه وأصغوا إليه واتبعوه في الساحل كما في الداخل. وهكذا فقد ألحق الموصل بالعراق واعترفت الأمة السورية بالانتداب من حيث لا تشعر إلا أن هذا الانتداب أسند إلى فرنسا خلافاً لرأي السوريين فلم يعبأ برأيهم بل كان بعض رجال السوريين آلة صماء بيد الانكليز فسيروا الاستفتاء حسب رغائبهم. ولما كان جلالته بباريز اتصل بالمسيو (كلمنصو) رئيس الوزارة الإفرنسية فلقى منه احتراماً ومحبة فأطلعه المرحوم على رغبته في إعلان استقلال البلاد السورية تحت الانتداب الإفرنسي فوافقه المسيو كلمنصو على اقتراحه وعقد اتفاقاً سمي اتفاق فيصل - كلمنصو. ولما تم هذا الاتفاق غادر ﵀ فرنسا وكان في طريقه إلى سوريا يثني الثناء الجميل على المسيو كلمنصو ويصرح للجماهير التي كانت تستقبله أنه يجب على العرب عامة وعلى السوريين خاصة أن يعتمدوا على فرنسا التي مافتئت تظهر استعدادها في مختلف الظروف لمساعدة العرب وتحقيق أمانيهم. ولم ينتشر الاتفاق المذكور حتى قام بعض رجالات لبنان الذين أعمتهم النعرة الطائفية - وربما كان هناك إيعاز خارجي - يسعون للتفريق بين الساحل والداخل، فازدادت الصعوبات والمشاكل في طريق جلالته ولم يفتر عزمه ولا تقاعست همته بل بقي مع ذلك محافظاً على خطة السلم مع فرنسا كما بقيت هي مثابرة على مجاملته. وكان المؤتمر السورية المنتخب من بعض وجوه الداخل والساحل وفلسطين والعراق مجتمعاً وقتئذ في دمشق فنادى بالأمير فيسل ملكاً على سوريا فوافقته فرنسا على ذلك ولم تمانعه رغبة في المحافظة على ولائه. فاستدعاني يوم عرض عليه هذا القرار واستشارني فقلت له هل من ضرورة لهذه المجلة وبينت له أن الحكمة تقتضي الانتظار وتدعو لأن يؤجل إعلان التتويج إلى أن تمهد السبل هنا وهناك فقال لي ﵀ إذا كانت الغاية من هذا التأجيل التفاهم إلى أن تمهد السبل هنا وهناك فقال لي ﵀ إذا كانت الغاية من هذا التأجيل التفاهم مع الإفرنسيين فقد

стр. 416

اتفقت معهم على ذلك. فأعلن الملك وأقيمت حفلة التتويج يوم ٨ آذار سنة ١٩٢٠ وحضرها ممثلو فرنسا بصورة رسمية. ولم يمض على حفلة التتويج إلا بعضة أسابيع حتى بدأ الأتراك بالتعدي على حدود سوريا فقرر الجنرال غورو أن يوجه إلى الشمال قوة من الجيش الإفرنسي المرابط في الساحل عن طريق الخط الحديد بيروت - رياق - حلب - قطمة وأوعز إلى ممثليه في دمشق أن يطلبوا من حكومة جلالته المساح للجيش الإفرنسي بالمرور في سوريا، فاستدعاني جلالته إذ كنت رئيساً للوزارة، وسألني رأيي فعرضت عليه الموافقة على أن نضم نحن أيضاً قسماً من جيشنا إلى القوة الفرنسية لأن الدفاع عن سوريا يقع في الدرجة الأولى على عاتق السوريين ولولا أن تعدى الأتراك على سوريا يقع في الدرجة الأولى على عاتق السوريين غير كافية لما سمحنا لفرسنا بالدفاع عن بلادنا ولكن فرنسا قد أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن بلادنا كحليفة لنا أو منتدبة علينا فوجب علينا والحالة هذه أن نشكر لها صنيعها ونشاركها في الدفاع بضم قسم من جيشنا إلى جيشها، وربما أدى هذا الأمر في المستقبل إلى حفظ صلاة المودة وروابط الصداقة بيننا. فأظهر سروره لرأيي وارتياحه لفكري. ولكنه أراد في الوقت نفسه أن يستشير بعض رجال السياسة فلما استشارهم أشاورا عليه بعشك ما رأيت وأصروا عليه وتعصبوا لرأيهم فاعتمد ﵀ على أمانتهم وصدقهم ورفض ما طلبه الإفرنسيون منه فاضطر الجنرال غورو إلى نقل الجيش بحراً إلى شمالي اسكندرون وإلى نقله من هناك براً إلى منطقة الحرب. فانقضى الوقت بدون فائدة ولذلك اضطررت الدولة الفرنسية إلى حل الخلاف بينها وبين تركيا بصورة سلمية على أساس التفاهم فأرسلت معتمدها المسيو (فرانكلين بويون) إلى انقره لينفق مع الأتراك على حسن الجوار فما كان منهم إلا أن أملوا إرادتهم على الفرنسيين فخسرت سوريا بعض بلدان المنطقة الشمالية وتبدل شكل الإدارة في لواء اسكندرون. إن ثقة جلالته برأي الذين استشارهم وإيمانه بصدقهم واعتماده على حسن نيتهم كل ذلك أدى إلى توتر العلاقات السياسية بينه وبين الإفرنسيين. فازدادت العقبات في سبيل تحقيق أمانينا ووصلنا إلى الوضع الحاضر الذي نحن فيه. ثم أن توتر هذه العلاقات السياسية جعل الفرنسيين، توطيداً لنفوذهم في الداخل، يطلبون من

стр. 417

حكومة جلالته تعيين ضباط للمرابطة في الأقضية الأربعة بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا. ولم ينشر هذا الطلب حتى قام رجال السياسة يسعون لدى جلالة المرحوم لإخراج الإفرنسيين من الداخل والساحل بالقوة تأميناً للاستقلال التام الناجز على زعمهم. وقد طلبني صاحب الجلالة في ليلة من ليالي شهر مايس الأول سنة ١٩٢٠ بعد إعلان الملكية بشهرين تقريباً وكان وقتئذ مقيماً بدار المفوض السامي اليوم فملا دخلت عليه وجدت عنده جماعة من السياسيين وهم يلحون عليه بطلب إخراج الإفرنسيين من البلاد بالقوة. ولما طلب مني رأيي في الأمر ذكرت أنه قبل شهرين عند ما شرحت لجلالته ضرورة التروي في إعلان الملكية كان أجابني بأنه على تفاهم مع الحكومة المنتدبة مما يدل على وجود صداقة متبادلة. فماذا حدث في هذه المدة حتى انقلبت الصداقة إلى عداوة دون علم مني؟ ث قلت له أنه من مقتضى العقل والمنطق أن نقارن بين قوة الخصم وبين قوتنا فنحسب ما يملكه الإفرنسيون من جيوش وأسلحة ومدافع وذخائر وأموال وتعرف من جهة أخرى ما لدينا من معدات وعتا ولكن بعض الحاضرين قام وصاح يقول: أننا سنقدم قبل انقضاء أسبوعين ما يكفي من الأموال ونحشد جيشاً جراراً. ولما كنت أعلم أن مثل هذه الأقوال إنما يقصد منها خداع جلالته وإبهامه حتى يكون وسيلة للوصول إلى غايات خفية ويفسح المجال لتنفيذ خطط مرسومة وبما أني رأيت أيضاًَ أن الفوضى ضاربة أطنابها عزمت على اعتزال اعمل وقدمت استقالتي من رئاسة الوزارة. وقد تألفت وزارة جديدة قائمة على فكرة إخراج الإفرنسيين من البلاد. فأصدرت هذه الوزارة أوامرها بحشد القوات العربية أولاً في مجدل عنجر المشرفة على سهل البقاع ثم ارتأت نقلها إلى ميسلون وهناك التقت القوة العسكرية التي أرسلتها المفوضة الإفرنسية مع القوة العربية وكانت موقعة ميسلون المشهورة عقبها دخول الإفرنسيين إلى دمشق مما اضطر جلالة الملك إلى ترك عرشه بعد البقاء فيه مدة أربعة أشهر فقط. وعلى أثر هذه الحادثة المؤلمة انكشف الستار عن الخطط السرية المدبرة التي كانت ترمي إلى خلق الأسباب لفصل بلاد شرقي الأردن عن سوريا وإلحاقها بمنطقة الانتداب الانكليزي وتشكيل حكومة خاصة هناك كما انتزعت في الوقت نفسه الأقضية الأربعة عن سوريا

стр. 418

وضمت إلى لبنان الذي كان ألحق به قبلا طرابلس وعكار وصيدا وصور ومرجعيون فسمي لذلك الآن بلبنان الكبير ثم أعقب ذلك تقسيم آخر جعل جبل الدروز وجبل العلويين بشكلهما الحاضر. وتدل جميع الظواهر دلالة واضحة على أن الذين وضعوا تلك العراقيل في سبيل المرحوم الملك فيصل حيثما كان يجاهد ويسعى لإعلاء شأن الأمة وتأمين استقلالها ووحدتها - إنا كانوا مدفوعين إلى ذلك بمسائق الجهل أو بإيعاز وتغرير غير عائبين بنتائج أعمالهم الهدامة. ومن الغرائب التي وقعت في ذلك الحين هو أن أعضاء الوزارة التي ألفها المرحوم عند مغادرته البلاد قطعوا له العهود على أنفسهم بانهم لن يأتوا أي عمل دون الاستئذان منه وصدور إرادته بصفته مليك البلاد الشرعي وبأنهم سيسعون جهدهم لإزالة سؤ التفاهم بينه وبين السلطة الإفرنسية معربين عن أملهم القوي في التوفيق لذلك. ولكنهم هم أنفسهم أسرعوا، بينما كان المرحوم لا يزال في طريقه إلى درعا وأمروا متصرف حوران وقائدها أن يبلغا جلالته لزوم مغادرته سوريا في الحال دون أي توقف في درعا وأن يعيدا جميع الأشخاص السوريين من حاشيته إلى دمشق. وأغرب من ذلك وأدعى إلى الأسف الذين كانوا يعيشون في نعمته وتحت ظله لم يتأخروا، عندما شعروا بما وقع بينه وبين الإفرنسيين من سوء التفاهم عن تنظيم العرائض يطلبون فيها من الإفرنسيين إخراج جلالته من البلاد لأنه غريب عنها وفي هذا العمل ما فيه من سوء الأخلاق ودناءة الطبع وقد صدق من قال: اتق شر من أحسنت إليه. وقد غادر جلالة المرحوم درعا إلى مصر ثم إلى أوروبا وصادف آنئذان قامت ثورة خطيرة في العراق ضد الانكليز فطلبت حكومة لندن من جلالته الذهاب إلى العراق تهدئة الثورة فقبل بذلك واقترنت جهوده بالنجاح فنودي به بعد إعادة النظام في آب ١٩٢١ ملكاً على العراق. وهناك ظهرت مزاياه السامية وثبتت مقدرته الكبيرة وتمكن في زمن قصير من تأسيس مملكة مستقلة في العراق الذي ارتفع عنه الانتداب أخيراً وأصبح عضواً في جمعية الأمم. أراد، ﵀، أن يعيد مجد الأمويين في سوريا فأبت الحظوظ عليه ذلك ولكنها ساعدته

стр. 419

في العراق لإعادة مجد العباسيين. وتجاه ذلك أليس هم السوريين الذين ينبغي عليهم أن يندبوا حظهم؟ وقد ظل جلالته، رغم ما لقيه من المعاكسة في سوريا لا يترك فرصة إلا ويعرب فيها عن حفظة لذكرى هذه البلاد التي كان يقول أنه لا ولن ينساها وأنه سيسعى جهده لخدمتها مهما اعترضه من الموانع وذلك لعلمه بأن سوريا هي قلب البلاد العربية النابض ودماغها المفكر. وقد كان وهو على عرش العراق يعمل جميع ما في استطاعته لإزالة سوء التفاهم بينه وبين الإفرنسيين حتى وفق أخيراً بالفصل لتحسين علاقاته معهم. وكانت فكرة توحيد القطرين من أكبر الشواهد على رغبته وسعيه في خدمة سوريا. وقد حصل التفاهم بينه وبين كبار الساسة الإفرنسيين على هذه الفكرة عندما زار باريس رسمياً في سنة ١٩٣١. ولأجل تحقيق هذه الفكرة رأى الطرفان أنه من الضروري المباشرة في تمهيد الطريق وتهيئة الوسائل لها في القطرين. وأخذ جلالته ﵀، على نفسه القيام بهذه المهمة في العراق. وعهد بأمر سوريا إلى الرجال السوريين الذين كانوا حوله إذ ذاك في أوروبا والذين كان يظن فيهم الإخلاص والأمانة. على أنه بينما كان هؤلاء يحبذون من جهة فكرة جلالته ويقطعون العهود بالدعوة إليها إذا بهم من جهة أخرى يسعون في سوريا لمعارضتها وبذلك اقترفوا سيئة جديدة لا تغتفر تضاف إلى ما سبق لهم من الأعمال في معاكسة جلالته ووضع العراقيل والموانع في طريقه. كان ﵀ متشبعاً بالفكرة العربية وروح النهضة وظل رغم الحوادث التي مر ذكرها والعراقيل والموانع التي صادفها يعتري همته الوهن ولا يتسرب إلى قلبه اليأس. لقد كان شديد العزيمة، ثابت العقيدة، قوي الإيمان كبير الأمل يعمل بكليته للوحدة العربية ويسعى لتذليل جميع الصعاب التي تعترض هذه الغاية الشريفة. وكانت جميع أعماله تتم عن إخلاص وجد وحسن نية، وكان يعتبر عرش العراق ليس إلا كواسطة لتحقيق فكرة الوحدة العربية. وإن أنسى لا أنسى اليوم الذي استدعاني فيه جلالته قبل سنتين إلى عمان بعد عودته من

стр. 420

أوروبا وهو في طريقه إلى العراق فلما حظيت بالمثول بين يديه بادرني بتعداد الخطيئات التي ارتكبت في سوريا وكانت سبباً في اعتزال رئاسة الوزارة. قائلاً أنه لا يزال يذكر بألم عظيم قيام بعض زعماء البلاد الذين وضعوا العقبات فطريقه، وإن هذا الألم كان أشد وقعاً عليه من الصدمات التي تلقاها من الغرباء فقلت له أن الحياة دروس وعبر فلا يأس بمثل هذه الصدمات. وقد أجاب على ذلك قائلاً أن الدرس الذي تلقاه في سوريا قد نفعه كثيراً في العراق وأنه يأمل من إخوانه السوريين أن يكونوا بعد الآن على أتم الوفاق والاتحاد واليقظة في أعتمالهم وليعلموا أن الشعب وديمة الله في أيدي زعمائه وقادة الرأي فيه وأن هؤلاء، مسؤولون عن هذه الوديعة التي يجب أن يحسنوا الخدمة لها والاحتفاظ بها حتى لا يقعوا رمة ثانية في هوة سخيفة، ثم صرح جلالته أنه رغم ما صادفه من المعاكسة سيظل يبذل كل جهده لخدمة سوريا وفكرة الوحدة العربية على قدر طاقته. وقبل أن أختم هذه الذكريات أريد أن أقول أن موت فيصل فقدان عظيم للأمة العربية وضربة مؤلمة لأمانيها القومية ويجب أن لا ننسى أنه ﵀، كان أعظم شخصية في العرب وأكثر الزعماء نباهة وفطنة كما أصبح بعد ممارسته السياسة ردحاً غير قليل من الزمن ذا حنكة سياسية كبيرة يفضل ماله من الذكاء الطبيعية وقد شهد له كبار رجال السياسة الأجانب أيضاً أنه رجل مخلص وجندي صادق وصديق وفي وسياسي قدير شديد العزيمة كثير الحزم ذو شخصية جذابة. وبهذه المزايا قد استطاع أن يصبح رمز الاستقلال وممثل النهضة العربية ورسول وحدتها وداعية السلام في الشرق. أنه عاش للشعب ومات شهيداً وضحية في سبيل القضية العربية. والألم العظيم الذي أصابني لفقد جلالته يدفعني لدعوة بني قومي إلى الانتباه واليقظة ويجب أن يعلموا أن الأمة العربية حبة لن تموت تطلب منهم العمل بإخلاص وعزم وحزم وجرأة وتضحية في سبيل القضية العامة متمسكين بالمبادئ السامية التي سار عليها المرحوم فيصل والخطط القويمة التي رسمها والقواعد القيمة التي وضعها. وينبغي أن يكون رائدهم مصلحة العرب فقط فلا يخشون إلا حساب التاريخ ولا يعتمدون إلى على الله وعلى

стр. 421

أنفسهم. بذلك تتحقق آمال فيصل الكبير وتطمئن روحه الكريمة في مرقدها الأخير ﵀ رحمة واسعة وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الركابي وافتح بالشباب من جيلك ... الوثاب عصر المغامرين القشاعم يتفانون تحت راية (غاز) ... عبقري للمجد لا للغنائم الأخطل الصغير

стр. 422

مائة نقلة من كتاب نقل الأديب وهو ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب مؤلف محمد إسعاف النشاشيبي حق الطبع والنشر ونقل شيء من هذا النقل محفوظ أهدي مائة النقلة هذه إلى مجلة (الثقافة) ٣٥ - إن حضر فبالأول وإن غاب فبالثاني قال خالد بن صفوان لخادمته: اطعمينا جبنا، فإنه يشهي الطعام، ويدبغ المعدة، ويهيج الشهوة. فقالت: ما عندنا. فقال: ما عليك، فإنه يقدح في الأسنان، ويلين البطن، وهو من طعام أهل الذمة. فقال بعض أصحابه: بأي القولين نأخذ؟ فقال: إن حضر فبالأول، وإن غاب فبالثاني. . ٣٦ - إن الحديث مع الغناء حرام قال أحمد بن علويه الكرماني: حكم الغناء تسمُّع ومدام ... ما للغناء مع الحديث نظام لو أنني قاض قضيت قضيةً ... أن الحديث مع الغناء حرام ٣٧ - سلها تخبرك قولي يا صغيرة قال ابن أبي الحديد: قد يقع الأخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك الغيب إنساناً آخر، لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد: وذلك كما يحكي أبو البكرات بن ملكا الطبيب في كتاب (المعتبر) قال: والمرأة العمياء التي رأيناها ببغداد، وتكررت مشاهدتنا لها منذ مدة مديدة، قدرها ما يقارب ثلاثين سنة. وهي إلى الآن تعرض عليها الخبابا فتدل عليها بأنواعها، وأشكالها، ومقاديرها، وإعدادها، قريبها ومألوفها، دقيقها وجليلها، تجيب على أشر

стр. 423

السؤال من غير توقف ولا استعانة بشيء من الأشياء إلا أنها كانت تلتمس أذيري الذي يسأل أبوها أو يسمعه في بعض الأوقات دون بعض، وعند قوم دون قوم، فيتصور الدهماء أن الذي تقوله بإشارة من أبيها. وكان الذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة إذا قيل تصريح الكلام الذي هو الطريق الأخصر. وإنما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع والأشكال، في مدة واحدة - كلمة واحدة، وأقصاه كلمتان، وهي التي يكررها في كل قول ومع كل مايسمع ويرى: سلها، وسلها تخبرك، أو قولي له، أو قولي يا صغيرة. قال أبو البركات: ولقد عاندته يوماً وحاققته في ألا يتكلم البتة، وأريته عدة أشياء. فقال لفظة واحدة. فقلت له: الشرط أملك. فاغتاظ وأحتد طيشه عن أن يملك نفسه، فباح بخبيئته. فقال: ومثلك يظن أنن أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة. فاسمع الآن، ثم التفت إليها وأخذ يشير بأصبعه إلى شيء وهو يقول تل الكلمة، وهي تقول هذا كذا، وهذا كذا، على الاتصال من غير توقف، وهو يقول تلك الكلمة لا زيادة عليها، وهي لفظة واحدة، بلحن واحد، وهيئة واحدة حتى ضجرنا، واشتد تعجبنا، ورأينا أن هذه الإشارة لو كانت تتضمن هذه الأشياء لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء. قال أبو البركات: ومن عجيب ما شاهدناه من أمرها أن أباها كان يغلط في شيء يعتقده على خلاف ما هو به فخبر هي عنه على معتقداتها كأن نفسها هي نفسه. قال أبو البركات: ورأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها من خبيئة في الخبيئة التي أطلع عليها أبوها، فكانت تطلع على ما قد علمه أبوها وعلى ما لم يعلمه أبوها وهذا أعجب وأعجب. قال أبو البركات: وحكاياتها أكثر من أن تعد، وعند كل أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص جواباً بحسب السؤال. قال: وما زلت أقول: إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها. فإن قلت لي: أريد أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه قلت لك: العلة التي تصلح في جواب لِمَ في نسبة المحمول إلى الموضوع تكون الحد الأوسط في القياس. وهذه، فالعلة الفاعلة الموجبة لذلك فيها، هي نفسها بقوتها وخاصتها. فما الذي أقوله في هذا؟ وهل لي أن أجعل ما لي علة علة؟؟؟. . .

стр. 424

٣٨ - قبل أن تكدره الخلائق بأنفاسها كانت امرأة من العرب تأتي بصبيبة لها كل يوم قبل الصبح فتقف بهم على تل عال، وتقول: خذوا صفوا هذا النسيم قبل أن تكدره الخلائق بأنفسها. ٣٩ - وهل اقتتلوا إلا على الخبز والبقل قال البلاذري: قال كثير بن شهاب يوماً: يا غلام، أطعمنا. فقال: ما عندي إلا خبز وبقل. فقال: وهل اقتتلت فارس والروم إلا على الخبز والبقل؟؟!! ٤٠ - أفضل الناس بعد رسول الله أتى شيعي وسني أبا نواس، فقالا: أي الناس أفضل بعد رسول الله فقال: أفضلهم بعده يزيد بن الفضل. فقالا: ومن يزيد بن الفضل؟؟!! فقال: رجل يعطيني كل سنة ثلاثة آلاف درهم. . . ٤١ - ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة؟ كان الأمير قرواش ناباً وهاباً جارياً على سنن (العرب) قيل: إنه جمع بين أختين في النكاح فلامته (العرب) على ذلك. فقال: أخبروني ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة؟؟ ٤٢ - فإذا رقية الخبز أطول منها قال خلف الأحمر: كنت أرى أنه ليس في الدنيا رقية أطول من رقية الحية فإذا رقية الخبز أطول منها (يعني ما يتكلفه الإنسان من النظم والنشر والتآليف والخطب لطلب المال). ٤٣ - أينما كانت انتفعنا بها، ولم يزدني على ذلك فعجبت من عقله. ٤٤ - لم تبلغ قدريتي هذا كله حدث المبرد: أخبرني الميثمي قال: قال رجل لثمامة (القدري، المعتزلي) أنت إن شئت قضى فلان حاجتي. فقال ثمامة: أنا قدري، ولم تبلغ قدريتي هذا كله. إنما قلت. إن شئت فعلت، ولم أقل: إن

стр. 425

شئت فعل فلان. . ٤٥ - لولا الفول لطاروا قال أبو الحجاج البلوي: كنت اقرأ على الحافظ بالإسكندرية جزءاً من تآليفه فمررت فيه بحديث يرويه عن أشياخه عن الشافعي قال: القول يزيد في الدماغ والدماغ يزيد في العقل، وأهل تلك البلاد ينقطون الفاء بواحدة من فوق، وينقطون القاف باثنتين من فوق أيضاً. فلم ألق بالي، وحسبت الفاء قافاً فقرأ: القول يزيد في الدماغ فضحك وكان حلواً ظريفاً، وقال لي: القول يفرغ الدماغ. فقال له: القول عندي في الكتاب. فقال: إنما هو الفول. فاعلمني بمذهبهم في النقط فقلت له: كيف يزيد الفول في العقل، ونحن نقول في بلادنا بخلاف ذلك؟ فضحك وقال: سألت عن هذه المسألة شيخي فلاناً: فقلت له: كيف هذا؟ وطبرستان أكثر بلاد الله فولاً، وأهلها أخف الناس عقولاً. فقال لي: لولا الفول لطاروا. . ٤٦ - دعوني أصف ربي بما يستحقه قال إعرابية في دعائها: يا عريض الجفنة، يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه. فزجرها رجل. فقال: دعوني أصف ربي بما يستحقه محمد إسعاف النشاشبي
следующие страницы →