Полный текст (812 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أنفسهم.
بذلك تتحقق آمال فيصل الكبير وتطمئن روحه الكريمة في مرقدها الأخير ﵀ رحمة واسعة وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الركابي
وافتح بالشباب من جيلك ... الوثاب عصر المغامرين القشاعم
يتفانون تحت راية (غاز) ... عبقري للمجد لا للغنائم
الأخطل الصغير
стр. 422
مائة نقلة
من كتاب نقل الأديب
وهو ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب
مؤلف محمد إسعاف النشاشيبي
حق الطبع والنشر ونقل شيء من هذا النقل محفوظ
أهدي مائة النقلة هذه إلى مجلة (الثقافة)
٣٥ - إن حضر فبالأول
وإن غاب فبالثاني
قال خالد بن صفوان لخادمته: اطعمينا جبنا، فإنه يشهي الطعام، ويدبغ المعدة، ويهيج الشهوة.
فقالت: ما عندنا.
فقال: ما عليك، فإنه يقدح في الأسنان، ويلين البطن، وهو من طعام أهل الذمة.
فقال بعض أصحابه: بأي القولين نأخذ؟
فقال: إن حضر فبالأول، وإن غاب فبالثاني. .
٣٦ - إن الحديث مع الغناء حرام
قال أحمد بن علويه الكرماني:
حكم الغناء تسمُّع ومدام ... ما للغناء مع الحديث نظام
لو أنني قاض قضيت قضيةً ... أن الحديث مع الغناء حرام
٣٧ - سلها تخبرك
قولي يا صغيرة
قال ابن أبي الحديد: قد يقع الأخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك الغيب إنساناً آخر، لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد: وذلك كما يحكي أبو البكرات بن ملكا الطبيب في كتاب (المعتبر) قال: والمرأة العمياء التي رأيناها ببغداد، وتكررت مشاهدتنا لها منذ مدة مديدة، قدرها ما يقارب ثلاثين سنة. وهي إلى الآن تعرض عليها الخبابا فتدل عليها بأنواعها، وأشكالها، ومقاديرها، وإعدادها، قريبها ومألوفها، دقيقها وجليلها، تجيب على أشر
стр. 423
السؤال من غير توقف ولا استعانة بشيء من الأشياء إلا أنها كانت تلتمس أذيري الذي يسأل أبوها أو يسمعه في بعض الأوقات دون بعض، وعند قوم دون قوم، فيتصور الدهماء أن الذي تقوله بإشارة من أبيها.
وكان الذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة إذا قيل تصريح الكلام الذي هو الطريق الأخصر. وإنما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع والأشكال، في مدة واحدة - كلمة واحدة، وأقصاه كلمتان، وهي التي يكررها في كل قول ومع كل مايسمع ويرى: سلها، وسلها تخبرك، أو قولي له، أو قولي يا صغيرة.
قال أبو البركات: ولقد عاندته يوماً وحاققته في ألا يتكلم البتة، وأريته عدة أشياء. فقال لفظة واحدة. فقلت له: الشرط أملك. فاغتاظ وأحتد طيشه عن أن يملك نفسه، فباح بخبيئته. فقال: ومثلك يظن أنن أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة. فاسمع الآن، ثم التفت إليها وأخذ يشير بأصبعه إلى شيء وهو يقول تل الكلمة، وهي تقول هذا كذا، وهذا كذا، على الاتصال من غير توقف، وهو يقول تلك الكلمة لا زيادة عليها، وهي لفظة واحدة، بلحن واحد، وهيئة واحدة حتى ضجرنا، واشتد تعجبنا، ورأينا أن هذه الإشارة لو كانت تتضمن هذه الأشياء لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء.
قال أبو البركات: ومن عجيب ما شاهدناه من أمرها أن أباها كان يغلط في شيء يعتقده على خلاف ما هو به فخبر هي عنه على معتقداتها كأن نفسها هي نفسه.
قال أبو البركات: ورأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها من خبيئة في الخبيئة التي أطلع عليها أبوها، فكانت تطلع على ما قد علمه أبوها وعلى ما لم يعلمه أبوها وهذا أعجب وأعجب.
قال أبو البركات: وحكاياتها أكثر من أن تعد، وعند كل أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص جواباً بحسب السؤال. قال: وما زلت أقول: إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها.
فإن قلت لي: أريد أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه قلت لك: العلة التي تصلح في جواب لِمَ في نسبة المحمول إلى الموضوع تكون الحد الأوسط في القياس. وهذه، فالعلة الفاعلة الموجبة لذلك فيها، هي نفسها بقوتها وخاصتها. فما الذي أقوله في هذا؟ وهل لي أن أجعل ما لي علة علة؟؟؟. . .
стр. 424
٣٨ - قبل أن تكدره الخلائق بأنفاسها
كانت امرأة من العرب تأتي بصبيبة لها كل يوم قبل الصبح فتقف بهم على تل عال، وتقول: خذوا صفوا هذا النسيم قبل أن تكدره الخلائق بأنفسها.
٣٩ - وهل اقتتلوا إلا على الخبز والبقل
قال البلاذري: قال كثير بن شهاب يوماً: يا غلام، أطعمنا.
فقال: ما عندي إلا خبز وبقل.
فقال: وهل اقتتلت فارس والروم إلا على الخبز والبقل؟؟!!
٤٠ - أفضل الناس بعد رسول الله
أتى شيعي وسني أبا نواس، فقالا: أي الناس أفضل بعد رسول الله
فقال: أفضلهم بعده يزيد بن الفضل.
فقالا: ومن يزيد بن الفضل؟؟!!
فقال: رجل يعطيني كل سنة ثلاثة آلاف درهم. . .
٤١ - ما الذي نستعمله
مما تبيحه الشريعة؟
كان الأمير قرواش ناباً وهاباً جارياً على سنن (العرب) قيل:
إنه جمع بين أختين في النكاح فلامته (العرب) على ذلك.
فقال: أخبروني ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة؟؟
٤٢ - فإذا رقية الخبز أطول منها
قال خلف الأحمر: كنت أرى أنه ليس في الدنيا رقية أطول من رقية الحية فإذا رقية الخبز أطول منها (يعني ما يتكلفه الإنسان من النظم والنشر والتآليف والخطب لطلب المال).
٤٣ - أينما كانت انتفعنا بها، ولم يزدني على ذلك فعجبت من عقله.
٤٤ - لم تبلغ قدريتي هذا كله
حدث المبرد: أخبرني الميثمي قال: قال رجل لثمامة (القدري، المعتزلي) أنت إن شئت قضى فلان حاجتي.
فقال ثمامة: أنا قدري، ولم تبلغ قدريتي هذا كله. إنما قلت. إن شئت فعلت، ولم أقل: إن
стр. 425
شئت فعل فلان. .
٤٥ - لولا الفول لطاروا
قال أبو الحجاج البلوي: كنت اقرأ على الحافظ بالإسكندرية جزءاً من تآليفه فمررت فيه بحديث يرويه عن أشياخه عن الشافعي قال: القول يزيد في الدماغ والدماغ يزيد في العقل، وأهل تلك البلاد ينقطون الفاء بواحدة من فوق، وينقطون القاف باثنتين من فوق أيضاً. فلم ألق بالي، وحسبت الفاء قافاً فقرأ: القول يزيد في الدماغ فضحك وكان حلواً ظريفاً، وقال لي: القول يفرغ الدماغ.
فقال له: القول عندي في الكتاب.
فقال: إنما هو الفول. فاعلمني بمذهبهم في النقط فقلت له: كيف يزيد الفول في العقل، ونحن نقول في بلادنا بخلاف ذلك؟
فضحك وقال: سألت عن هذه المسألة شيخي فلاناً: فقلت له: كيف هذا؟ وطبرستان أكثر بلاد الله فولاً، وأهلها أخف الناس عقولاً.
فقال لي: لولا الفول لطاروا. .
٤٦ - دعوني أصف ربي بما يستحقه
قال إعرابية في دعائها: يا عريض الجفنة، يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه. فزجرها رجل.
فقال: دعوني أصف ربي بما يستحقه
محمد إسعاف النشاشبي
стр. 426
المرأة والأدب
للآنسة وداد سكاكيني
عفا الله عن أبي العلاء المعري حين قال:
فحمل مغازل النسوان أولى ... بهن من اليراع مقلمات
وليسامحه الله على قوله:
إن نشأت بنتك في نعمة ... فألزمنها البيت والمغزلا
فقد شاءت طبيعته المتشائمة أن لا يكون للمرأة من المثل العليا إلا هذه الصورة الوضيعة التي يرسمها في مطاوي لزومياته الخالدة، وهي التقلب على فراش النعمة والانصراف إلى تدبير المنزل وشغل فراغ وقتها في حمل المغزل لكي لا تبقى لديها فرصة للتفكير فيما عدا ذلك من قضايا الحياة التي لا بد أن تلمع في ذهنها وتقع في خلدها.
والواقع أن المعري كان شديد الحذر م الناس لا يتعفف عن إساءة الظن بأحد منهم، ونحن نعلم أن ظنونه السيئة كانت نتيجة تلك الطبيعة المتشائمة التي استبدت بعقله الكبير فجعلته قاسياً في نقمته على الحياة ينظر إليها بعين السخر والوجل فيراها مليئة بالبؤس والغناء وتطغى في نفسه موجة السخط عليها فينطلق لسانه الذرب بذمها وهجائها والتنديد بزخرفها الباطل، وينكر على الناس تدافعهم للارتماء في بركانها النائر فبوسعهم نقداً وتقريعاً وتهكماً ثم تأخذه الرأفة بهم فيبكيهم في حنو وإشفاق:
تعب كلها الحياة فما ... أعجب إلا من راغب في ازدياد
كان يرى الحياة بحراً من الدموع تطفو على سطحه سفائن التعس والعذاب وألواح الهم والشقاء وأن الناس ينطوون على قلوب مريضة تزخر بالخبث والطمع والرياء فلا صديق يخلص إليك سراً وعلانية ولا حبيب ينهالك عليك إلا ليقضي حاجة له، بل الناس عنده سواسية لا يفضل بعضهم بعضاً فكل منهم يسعى لنفسه ويحاول جر الماء إلى غرسه ولو أدى ذلك
كان يرى الحياة بحراً من الدموع تطفو على سطحه سفائن التعس والعذاب وألواح الهم والشقاء وأن الناس ينطوون على قلوب مريضة تزخر بالخبث والطمع والرياء فلا صديق يخلص إليك سراً وعلانية ولا حبيب يتهالك عليك إلا ليقضي حاجة له، بل الناس عنده
стр. 427
سواسية لا يفضل بعضهم بعضاً فكل منهم يسعى لنفسه ويحاول جر الماء إلى غرسه ولو أدى ذلك إلى إنزال المصائب بالآخرين فيحذرك م الانخداع بمظاهر صداقتهم صائحاً بك:
فظن بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سر فؤادا
وكان طبيعياً وقد امتدت نقمته إلى كل شيء وتناول الدين والدنيا بسخره الممزوج بالشك - أن يصيب المرأة رشاش من تلك النقمة والسخرية فيود أن يحجز عابها في البيت حيث تعمل في مغزلها ويهيب بالرجل أن يباعد بينها وبين القراءة والكتابة.
علموهن النسيج والغزل والر ... دن وخلوا قراءة وكتابة
فصلاة الفتاة بالحمد والإخ - لاص تجزي عن يونس وبراءة
ويظهر لنا من كلامه أن كان يعتقد أن تعليم المرأة مدعاة لفسادها وضلالها وأنه شر يجدر بالرجل أن يتقيه قبل نزوله، وإذا كان لا بد من وقوع هذا الشر فيتول مهمة تعليمها أما شيخ فإن وأما عجوز بالية
ليأخذن التلاوة من عجوز ... من اللائي فغرن مهمات
ولا يدنين من رجال ضرير ... يعلمهن آياً محكمات
سوى من كان مرتعشاً يداه ... ولمته من المنثغمات
إذن فدق بلغ منه سوء الظن أنه لم يكن يعتقد العفة بأحد من الناس ولذلك نراه يدعو إلى منع الغلام اليافع من الدخول على النساء
إذا بلغ الوليد لديك عشرا ... فلا يدخل على الحرم الوليد
وقد لا نفتري على الحقيقة إذا قلنا أن المعري من الشعراء الخالدين الذين تركوا في آثارهم صوراً نواطق بحوادث عصورهم وأحوال بلادهم وأخلاق أمنهم فقد عاش في عصر كان يزخر بألوان الرفه والترف وإحداث التفازع ولا أراني بحاجة لأن أحدثك عن حياة البذخ والترف في بغداد أيام الرشيد وفي عهد من جاء بعده من الخلفاء لأنك عليم بذلك وتعرف أن اختلاط الغارب بالأعاجم وتمازجهم ذلك التماذج الشديد قد أحدث الفوضى في أخلاق الناس وآدابهم العامة، فتسرب شيء غير قليل من الوهن والاستهتار إلى أخلاق النساء حمل بعضهن على خلع العذار، ولا مراء في أن أخبار هذه الفئة الماجنة قد وصلت إلى أبي العلاء وهو في محبسه ووقف بنفسه على بعضها في رحلته إلى عاصمة العباسيين
стр. 428
فكان ذلك بالإضافة إلى طبيعته المتشائمة حافزاً لقوله بحرمان المرأة من طلب العلم والاختلاف إلى مجالس الأدب ومنعها عن الظهور في الشوارع والتشدد في الحجاب.
تهتك الستر بالجلوس أما ال - ستر إن غنت القيان وراءه
والمعري حين يقول هذا ينظر إلى الصورة التي رسمها للمرأة في ذهنه وأنت تراها صورة مشوهة وضيعة تستحق منه تلك النقمة التي كان يصبها عليها، ولعي لا أظلم هذا الشاعر الفيلسوف إذا قلت أن رأيه السيئ في المرأة هو إحدى هفواته الكبرى، ويكفي للدلالة على فساد نظره وسوء ظنه أن نتذكر جهود الرجل في عصرنا هذا للنهوض بالمرأة إلى المستوى الذي يليق بكرامته وكرامتها على السواء، فهو الذي يمهد لها سبل التعلم والتثقف ويعاونها على تشييد صرح نهضتها الحديثة لتؤدي واجبات الأمومة ومطالب الأسرة وحاجات جنسها على الوجه الأكمل وهل يتسنى لها ذلك كله إذا لم تكن مهذبة مثقفة، وهل الثقافة شيء يعدو دائرة هذه الأشياء؟
وبعد فمالنا ولأبي العلاء الناقم على الحياة والناس أجمعين فمهما تعمقنا في درسه لم نجد عنده مثقال ذرة من العطف على المرأة فلنتركه للمتشائمين فهم أولى به منها ولنعطف على غيره من أدباء العرب الأفذاذ فربما وجدنا حاجتنا عندهم.
ذكر الجاحظ في كتابه المحاسن والأضداد في أواخر كلامه على فضلا الكتاب والكتابة ما يلي:
قال الزهري الأدب ذرك لا يحبه إلا الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا مؤنثهم فهل نفهم أن كان يرمي بذلك إلى الأدب من صناعات الرجال وإن إتقان فنونه وتجويد أساليبه من مزاياهم ومقاصدهم وإنه إذا أعرض رجل عنه فلأن طبائعه محشورة في طبائع النساء وسجاياهن؟
ما أظن أنه قد قصد ذلك وأن يكن هو ما نفهمه من معناه البارز
لقد رمى الزهري بالتخنث من مال عن الأدب من الرجال تعييباً وتقريعاً، ولكن الأدب لم يكن قط من حظ الذكور على حقيقته وليس هو مما يقتصر على الرجال كما يقول الزهري إذا أخذنا قوله بمعناه الظاهر، وما ألفينا أحداً من أعلام الأدب المتقدمين والمتأخرين يعيب في كتبه ومصنفاته على النساء نزوعهن إلى الأدب أو ينسج على منوال المعري فيحظره
стр. 429
عليهن وينصح بحرمانهن من التعلم والتفقه فالجاحظ صاحب هذه الرواية يحشو كتبه ومؤلفاته أخباراً عن النساء المتأدبات ويحدثنا بها عن البارعات منهن في فنون الشعر والحكمة والغناء، ولا يستنكف من القول في أواخر وسائله: وسلنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل أن النساء فوق الرجال أو دونهم بطبقة أو طبقتين أو بأكثر. .
إذن فهذه الشهادة يدلي بها شيخ أدباء العرب جديرة بالتقدير والاعتبار والحق أنه ليس من الأنصاف أن تهم المرأة في قلة المقدرة والعجز عن الوقوف والرجل على قدم المساواة في إتقان فنون الأدب ومعرفة مداخله ومخارجه والتغلغل في مدابه ومخوافيه.
لمعت في ذهني هذه الآراء وأنا أفكر بجهل النساء عندنا أدب لغتهن المجيدة وتخلف المتعلمات منهن في مضمار الإنتاج الأدبي وصدوف الفتيات عن الثقافة العربية وعقوقهن لها، وفي الوقت نفسه تذكرت أن علماء الاجتماع يعزون بلوغ الفردسنام العلم والفضل إلى طبيعة الزمن الذي يعش فيه والبيئة التي يطوي فيها بساط عمره حتى تتفتق أكمام مواهبه فيكون ذلك الأديب النابه أو الشاعر البارع.
فالناس في عصر المأمون الذهبي كانوا يتنفسون الأدب الرفيع في كل شيء تقع حواسهم عليه وكانت نهضة النقل والترجمة تضطرهم إلى العناية بأدبهم فكان ذلك موجباً إلى ارتفاع مجد الأدب العربي وتألق نجمه في العصور التي تقدمت فترة الانحطاط.
ولقد حدثنا أصحاب الأخبار في ثنايا كثير من المصنفات القديمة. إن إقبال الناس على اقتناء الجواري المثقفات كان أشد منه على الجميلات منهن، وكان ثمن الجارية يقدر بنسبة حظها من العلم والمعرفة وليس على قدر نصيبها من الحسن والجمال.
وأبو الفرج صاحب الأغاني ذكر كثيراً من أخبار عنان مع أبي نواس وغيره، وقد كانت عنان هذه جارية الناطفي صديقة للشعراء وكانت من أجمل الناس وجهاً وأحسنهن أدباً وأوسعهن معرفة بفنون الشعر وألوان الكلام.
قيل أن أحدهم دخل عليها وكان عندها رجل إعرابي فقال له: يا عم لقد أتي الله بك فقال: وما ذاك؟ قالت دخل علي هذا الإعرابي قائلاً: بلغني أنك تقولين الشعر فأنشديني شيئاً فقال لها: انشديه فقال: قد أرتج علي فقل أنت أولاً فانشد:
لقد جد الفراق وعيل صبري ... عشية عيرهم للبين زمت
стр. 430
فقال الإعرابي:
نظرت إلى أواخرها ضحيا ... وقد بانت وأرض الشام أمت
فقال عنان:
كتمت هواكم بالقلب مني ... ولكن الدموع علي نمت
كان الأدب في عصر المأمون الذهبي وفي العصور التي تلته يرن صوته في مختلف الأرجاء، يغر أنه لما ضعفت الأمة العربية وتضعضع كيانها السياسي كسد سوق العلم والثقافة وقل أنصار أهل الأدب والمعرفة وتضاءل شأن العلماء، وقد وجد بنيهم.
من يستجدي في شعره كابن التعاويذي وابن الخياط الدمشقي وأبي اسحق الغزي القائل:
قالوا تركت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق
لم يبق في الدنيا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
وهكذا ظل يتفاقم الاضطراب السياسي والأخلاقي حتى أجناح المرأة فتركها خائرة النفس حائرة الروح سقيمة القلب، تبدو في أعمالها رخاوة تشف عن فساد أخلاقها وقد لمس ذلك كله أبو العلاء المعري فإذا بهذا الشاعر البصير الضير يصوره لنا أشنع تصوير وصيحوا بالناس أن جنبوا المرأة تعلم القراءة والكتابة واحجروا عليها في البيت وأشغلوا فراغ وقتها بالنسج والغزل فذلك خير لها من حمل القلم وأبقى.
وزبدة القول أن أعراض المرأة في أيامنا هذه عن الأدب يجب أن يعود إلى حال عصرنا فنحن في أوائل نهضة علمية وأدبية قد ذر قرنها قليلاً فإذا مشت بنا الأيام وعم التعليم بين الجنسين رأينا الأدبيات كثيرات، وقد أقبلن على الأدب وتدافعن على فنون وألوانه بلذة وشغف كأسراب الطيور العطاش حين ترد الماء أو تلتقط الحب المذرور.
إن الزمن هو صاحب هذه الرهائن. وهو جنان يتعهد مغارس القطن حتى تثمر في منابتها بيد أني أتلمس علاجاً ربما كان ناجعاً وهو ممن يحبب الأدباء الأدب إلى النساء، أن يقربوه إلى مداركهن ويغروهن بالمطالعة الجدية وأن يكتب كثير من الأدباء صور النساء فيه حتى يرين هذه الصور فيدخل الأدب بها على قلوبهن لأن أجمل ما عند المرأة وألذ أن ترى نفسها بمرآة الرجل.
стр. 431
لقد كان عمر بن أبي ربيعة يحبب الشعر إلى قلوب الناس بما ذكر فيه من صورهن وطبائعهن وأحاديثهن وأذواقهن فكان شعره في العصر الأول الهجري ألحان أهل الحجاز ومزاميرهم ومرآة تتجلى فيها حالة المرأة.
قيل مرت ظبية، مولاة فاطمة بنت عمران بن مصعب على عبد الله بن مصعب ومعها دفتر تتأبطه فنادها ما هذا معك يا ظبية؟! فقالت شعر بن أبي ربيعة يا سيدي فأجاب: ويحك تدخلين على النساء بشعر ابن أبي ربيعة، أن لشعره لموقعاً في القلوب ومدخلاً إلى النفوس ولو كان شعر يسحر لسكان هو.
والأدب في حقيقته وطبيعته لا ينال عنوةً وتكلفاً وكرهاً قال الأستاذ لانسون الأدب لا يعلمه المرء علماً ولا يدرسه دراسة وإنما يمارسه ويحرثه ويحبه فإذا حبب الأدب إلى الفتاة استخلصته لنفسها وتيقظ فيها الشعور بمحاسن الآثار ومقابحها فتتخذه مثقفاً لطبعها ومهذباً لذوقها وهي إذا تعلمت في مستهل دراستها روائع من منثورة وبدائع من منظومة فيها سهولة وجمال وفيها عاطفة ووصف انبسط أمامها أفق الأدب الفسيح واستفاضت في خواطرها لذته ومتعته ونمسرته فتنهل من موارده السائغة ولا ترتوي.
ولا بد لأدبنا العربي من علماء يخلصون المحبة له ويعنون بيت الثقافة الأدبية واستهواه النفوس إليها وحينئذ تهواه المرأة وتراه وحده ثقاف عقلها وصقال روحها وفي سموها ورفعتهما جمالها وجلالها.
وأي فضل أعظم من فضل العلم والأدب على الناس فقد قال ابن عبد ربه: العلم والأدب قطبان عليهما مدار الدين والدنيا وفرق ما بين الإنسان والحيوان وما بين الطبيعة الملكية والطبيعة البهمية وهما مادة العقل وسراج البدن ونور القلب وعماد الروح.
وسأل منصور بن المهدي الخليفة المأمون: أيحسن بنا طلب الأدب؟ قال: والله لأن أموت طالباً للعم والأدب خير لي بأن أعيش قانعاً بالجهل، قال فإلى متى يحسن؟ قال: ما حسنت بك الحياة.
ويكفيني المؤونة في ذكر فضل الأدب ما قال ابن الرومي الذي مات وبقلبه حسرة أليمة على ضياع آدابه في عصره:
إن امرءاً رفض المكاسب واغتدى ... يتعلم الآداب حتى احكما
стр. 432
ثقة برعي الأكرمين حقوقه=لا حق ملتمس بأن لا يحرما
بيروت:
وداد سكاكيني
стр. 433
رباعيات جديدة
للشاعر الفيلسوف الزهاوي
كنت باسمك اقسم
لما بدا لي أن قلبك ملني ... وعلمت أن هناك مالا أعلم
أقسمت أن لا أورد اسمك في فمي ... لكنني قد كنت باسمك أقسم
قرابة الأفكار
إن الغريب يعن فكرك فكره ... أدنى إليك من القريب الزاري
ما إن رأيت قرابة تدنى الفتى ... من غيره كقرابة الأفكار
في الكرّ
إذا حال عجز المرء دون انتقامه ... يحاول بطشاً بالمسيئين في الفكر
لعلك من فرسان قوم إذا دعت ... وغى ركبوا متن الخيالات في الكر
الراعي والذئاب
لا يخاف الراعي ذاباً تعاوى ... من بعيد ملحة في الطواف
إنما خوفه إذا الليل أدجى ... من ذئاب تندس بين الخراف
حتى أموت
انقضت ظهري الحياة فلا أد - ري متى أرمي عبئها المقوتا
سأقاسي الشقاء ما دمت حيا ... وأذم الحياة حتى أموتا
إلى ثم إلى
اسألي الناس يا حقيقة إن ... يحموك ممن يجيء فيك فريا
وإذا ما يئست منهم جميعاً ... فتعالي إلي ثم إليا
رفعت مذودتي
نقدت قريضي ثلة ... لا تعرف الأدب اللبابا
فرفعت مذودتي أذب بها=عن الأدب الذبابا
بغداد:
стр. 434
جميل صدقى الزهاوي
стр. 435
صلاح الصبح
لمارى عجمي
هلل الروض للصباح وكبر ... ياله شاعرا تغنى فاكسر
هب والدهر في الغلالة يشدو ... ما احيلى الصباح - الله أكبر
صاح وافق مواكب النور تجلى ... زاهرات لها القصائد تتلى
أين ما شع من ضياء الثريا ... كوكب الصبح؟ هل توارين خذلا
شهد الفجر أرودع الآيات ... إن حب النهوض سر الحياة
فار العزم قم من النوم وانظر ... إنما الفجر معرض المعجزات
من زهور تفتحت أقماراً ... ونجوم تضمنت أسراراً
ودموع أسألها الفجران ال ... بين صعب ولو عهوداً قصاراً
ما ترى الأزرق الخضم يبين ... يعتريه عند الشروق سكون
صالح طالت يد الزمان علينا ... فمتى يا صبح الأماني تكون
ما لخضر الظلال في النهر نشوى ... تتهادى ما بين بث وشكوى
هل غدا الماء في الجداول راحا ... أم أمال النسيم عطفك نجوى
أخلع النعل فالمكان محرم ... مال المصلى منه بأنقى وارحم
فهنا الطل للجبين وضؤ ... وهناك الصفصاف صلى وسلم
وزكاة الرياض ظل وخمر ... وخفيف الأوراق آي وذكر
وثغاء القطعان في الحقل شكر ... وأريج الريحان طي ونشر
وهتاف الورقاء أذكى تحية ... تغمر الأفق بكرة وعشية
أين ورقاء هل تساوى هديل ... كان شجواً أو نشوة سحرية
هل صدود الحبيبي يعني اتصالا ... بحبيب سواه ما القلب مالا
وإذا لم يكن من البين بد ... فعلام السهاد يمسي اكتحالا
وكذا العمر يقظة ورقاد ... ورجاء وخيبة وجهاد
غير أن الأنوار أقوى نفوذا ... في ظلام تحوكه الأضداد
يا حبيباً سبى العقول هداه ... وجزيلاً في العالمين فداه
стр. 436
كلما ردد اسمك العذب ذكر ... رجع القلب في الخفاء صداه
أنت تجلو عن العيون الظلاما ... أنت تذكي نفوسنا الهاما
أنت أوحيت بالعبادة شعراً ... وأقمت الهزار فينا أماما
أنت أودعت في القلوب لهيباً ... وبعثت الجماد زهراً وطيباً
من لتلك الأسرار غير صباح ... كنت منا يارب فيه قريبا
стр. 437
الكحول
كلمة (الكحول) بمعنى السبيرتو
كيف تولدت في اللغة العربية
للأستاذ المغربي
كان عرب الجاهلية يعرفون (النفط) ويطلون به أبلهم الجربى كما يطلونها بالقطران.
والنفط سائل معدني عرفوه الأقدمون ممزجاً بالشوائب ولم ينعموا تصفيته كما أنعهما أهل زماننا وهو الذي سميناه بالكاز وبزيت الكار وبالبترول. والبترول كلمة إفرنجية مركبة من (بترو) بمعنى صخر و (أويل) بمعنى زيت فمعنى الكلمتين زيت الصخر أو الزيت الحجري لأنه يتفجر من بين الصخور والأحجار.
وعرف أبو حنيفة (اللغوي) النفط بقوله (والنفط حلابة جبل في قعر بئر توقد به النار).
يريد أن يقول أن النفط سائل يتحلب من مرتفعات الجبال ويتسرب إلى قرارات الأرض فيستنتقع فيها حتى إذا امتلأ مكانه تفجر وخرج ينابيع بنفسه أو أخرجه الناس بالحفر كما يفعلون اليوم.
وكان الأقدمون يستعملون النفط في إيقاد النار كما قال (أبو حنيفة) ويسمون الأرض التي يوجد فيها النفط (نفاطة). وكذا السراج الذي يوقدون به النفط الاستضاءة سموه نفاطة. وليس هذا فقط بل إنهم اتخذوا إناءً من نحاس يوقدون به النفط ويلقونه على العدو كما تطلق المدافع اليوم. ويسمون ذلك الوعاء أو المرماة النحاسية (نفاطة) أيضاً.
ويظهر أنهم كانوا يستعملون النفط علاجاً فقد قال صاحب القاموس (والنفط محلل مذيب مفتح للسدود والمغص قتال للديدان الخ. .).
وكل هذا لا يهمنا وإنما يهمنا أن نعرف كيف اهتدى عرب الجاهلية إلى وضع كلمة (الكحيل) التي حرفت (الكحول) للدلالة على المادة الكيماوية التي تسمى بالإفرنجية (سبيرتو) - أولئك العرب الذين كانوا يراقبون الأشياء التي تقع تحت حواسهم بيقظة وانتباه ثم يميزون بين خصائصها ويضعون لكل شيء ذي صفة خاصة به اسماً يناسب تلك الخاصة ومهما كثرت الأشياء وتعددت الخواص فأنهم واجدون لها من لغتهم الخصبة الطيعة كلمات للدلالة عليها.
стр. 438
وهكذا هم أزاء النفط مذ وجدوا بعضه سائل أبيض وهو أحسن أنواعه وبعضه سائل أسود بسبب امتزاجه بشوائب زفتية سوداء وقد تتراكم هذه الشوائب وتتكلل فتخرج النفط عن رقته وسيلانه فيصبح غليظاً خائراً يسيل بصعوبة أو لا يسيل قط فيسمونه حينئذ زفتاً أو قاراً أو قيراً.
وكما كان العرب يستعملون الفطران في شفاء جرب أبلهم استعملوا النفط السائل أيضاً. فكان أحدهم يتناول قليلاً منه ثم يصبه بلباقة على نقبة بعيره (يعني على كثرة الجرب التي ظهرت أول أول في جلده) كما يصب الكحال الكحل في العين الرمداء ولا يلزم أن يكون الكحل مسحوقاً بل يكون سائلاً أيضاً فقد قال صاحب (المحكم) الكحل كل ما وضع في العين يشتفى به.
فلما استعمل العرب (النفط) علاجاً للنقب أو لبئور النقب كالعيون في جلود أبلهم وأوا في النفط كحلاً نافعاً ككحل العيون فلم يرضوا أن يحافظوا على اسمه القديم وهو النفط بل وضعوا له اسماً جديداً باعتباره كالكحل فقالوا (كحل) وأدخلوا عليه لام التعريف حتى كادوا لا يستعملونه من دونها فقالوا (الكحيل) قال القاموس وشارحه (والكحيل كزبير النفط يطلي به الإبل للجرب وهو مبني على التصغير لا يستعمل إلا هكذا).
وقال صاحب لسان العرب ما نصه (والكحيل مبني على التصغير هو الذي تطلى به الإبل للجرب لا يستعمل إلا مصغراً. قال الشاعر (مثل الكحيل أو عقيد الرب) أهو قوله مثل الكحيل الخ أي كالنفط أو كمعقود الرب.
إذن صار للنفط اسم جديد في اللغة العربية وهو (الكحيل) وقد جاءته هذه التسمية من كونه أسود ككحل ألا تمد الذي اشتهر بسواده أو من كونه تعاج به بنور الجرب فيكون كحلاً لها ككحل العين الذي يكون مائعاً كما يكون مسحوقاً.
قال القاموس وشارحه (والكحل كزبير النفط يطلي به الإبل للجر بوهو مبني على التصغير لا يستعمل إلا هكذا).
وقال صاحب لسان العرب ما نصه (والكحل مبني على التصغير هو الذي نطلي به الإبل للجرب لا يستعمل إلا مصغراً. قال الشاعر (مثل الكحل أو عقيد الرب) أهـ - قوله مثل الكحل إلخ أي كالنفط أو كمعقود الرب.
стр. 439
إذن صار للنفط اسم جديد في اللغة العربية وهو (الكحل) وقد جاءته هذه التسمية من كونه أسود ككحل الأثمد الذي اشتهر بسواده أو من كونه تعالج به بثور الجرب فيكون كحلاًَ لها ككحل العين الذي يكون مائعاً كما يكون مسحوقاً. .
ثم على تمادي الأيام أصبح (الكحل) من اسمه النفط وتنوسى فيه سبب الوضع والتسمية. وقد تخطى العهد الجاهلي والعهد الأموي حتى بلغ عهد العباسيين الذي اشتغل فيه علماء العرب بفنون الطب والفلك والكيمياء والتجارب فيها وبلغوا من هذه العلوم مبلغ الاكتشاف من ذلك اكتشافهم مادة كيماوية سائلة بيضاء اللون تشتعل بسرعة ولما رأوا هذه المادة تشبه النفط الأبيض النقي أطلقوا عليها اسماً من أسمائه المعروفة في الجاهلية وهو (الكحل) وصاروا في كتبهم الكيماوية يستعملون كلمتين كلمة (النفط) مريدين بها الزيت المعدني المعروفة وكلمة (الكحل) مريدين بها مادتهم المكتشفة الجديدة.
ووصلت كتب العرب في الكيمياء إلى علماء الإفرنج فعرفوا لهم فضلهم في اكتشاف هذه المادة العجيبة النفع وقد سموها هم (سبيرتو) لكنهم مع هذا رأوا من وفاء الذمم أن يحافظوا على اسمها العلمي العربي الذي اصطلح عليه كيمايو العرب وهو (الكحل) لكنهم حرفوه إلى ما يناسب وطانتهم فقالوا (الكحول) أو (الكؤول).
وخلاصة القول أن علماء الكيمياء العرب سموا روح (السبيرتوا) باسم من أسماء النفط وهو (الكحل) وذلك مذ رأوا الشبه تاماً بينهما من جهة البوعة وبياض اللون الضارب إلى زرقة أو صفرة وقابلية الاشتعال.
أما الذهاب على أن الكحول في كتب الإفرنج محرفة عن الغول الواردة في قوله تعالى في صفة الآخر لا غول فيها فهذا يستدعي أن يكون كيمايو العرب استعملوا في كتبهم كلمة الغول القرآنية ثم أخذها الإفرنج عنهم ورأوا عليها حرف الحاء فقالوا الفحول ثم الكحول مع أن العرب لم ينقل أنهم استعملوا كلمة الغول بالغين كما أن الإفرنج لا يوجد في لغاتهم حرف الحاء فضلاً أن يخترعوها ويدسوها في كلمة الغول.
المغربي
стр. 440
فلسفة سبينوزا
قامت الجامعة العبرية الفنية في القدس خلال العام الفائت بإحياء ذكرى الفيلسوف سبينوزا لمرور ثلاثة قرون على ولادته، كعظيم من عظماء الأمة اليهوندية رفع اسمها عالياً في كل ناد تشع فيه أنوار الحكمة وتسيطر على نفوس أبنائه موحيات العقل. ولكن الرجل المفكر ملك للإنسانية جمعاء.
سبينوزا هو أحد أولئك العظماء الذي تنكشف الغلائل عن سر عظمتهم كما تقادم العهد وكرت السنون. وقد تضاربت آراء معاصريه فيه ولم يشعر بعظمته وقوته غير الخاصة فبعضهم كان يعتبره عالماً في البصرات وأستاذاً محققاً يتصف بالزهد الذي يلازم أرباب التحقيق وآخرون كانوا يتميزون من الغيظ إزاء ماديته وإلحاده ويبنون بين جمهرة قرائه شروحاً غامضة لفلسفته ولذا كان العصر الذي عقب وفاته عصراً امتلأت فيه النفوس بالنقمة عليه ولم يعمد فيه المفكرون إلى دراسة آرائه وتمحيصها بهدوء، فهيوم الفيلسوف الإنكليزي، مثلاً، كان يكثر من الكتابة عن المشاعر التي جعلت سبينوزا ممقوتاً وعن فرضيته المخيفة. والإثم الذي اقترفه سبينوزا - في نظر أولئك الناقمين - ناتج عن إنكاره للأسباب النهائية والمقاصد التي تعزى إلى الطبيعة، وخلود النفس، وحرية الإرادة والمسئولية الخلقية في معناها العادي الشائع. ولقد حسبوا هذه الآراء مادية صرفة وجحوداً إيجابياً مخيفاً بزج الإنسانية في بحران روحي، وزاد في نقمتهم أن فيلسوفنا كان يرى في الله والطبيعة اسمين لمسمى واحد، وكان يعتقد أن جميع الأشياء التي يراها الإنسان صالحة أو طالحة، نبيلة أو دنيئة هي أجزاء لا تنفصل عن الكل الإلهي. وفي ذلك يقول، إن الفكرة التي تقول بأن ثمة حوادث تجري خلافاً لإرادة الله وأن بعض رغباته لا تتحقق، أو أن ذاته منطوية على نزعات تشبه ما يختلج في نفوس أبناء الغناء، إذ يعطف على أشياء ويمقت أخرى هي فكرة خاطئة تسبغ على الآلة كل صفات النقص وقد أضاف إلى ذلك في موضع آخر قائلاً ليس في الطبيعة جمال ودمامة أو نظام وفوضى. بل صور وصفات تعكسها مخيلتنا.
هذه النظرة الشاملة التي تمثلها (البانته ثيزم) أو وحدة الوجود رفعت شأن سبينوزا في عيون شعراء الإنكليز المثليين ك - (شلي) و (وورد سورث) ولفيف كبير من إبداعي (رومانتيكي) الحرمان، ذوي النفوس الشاعرة الطليقة المولهة بحب الطبيعة حتى أن
стр. 441
زعيمهم (نوفاليس) كان يدعو سبينوزا (ثملاً بالله). وقد رأت تلك النفوس (الفاوستية) الظامئة في العلم بالمفهوم النسبي لفكرتي الخير والشر خلاصاً من وساس الشك. فطفل الحضارة الذي يحبو يمكنه أن يتخلص من ولادته الحيوانية ليعيش كما تلهمه الطبيعة فيكتسب سعة في التأمل تجعله حراً في تفكيره مستقيماً في نظرته.
ولقد يظن البعض أن التحرر من قيود التقاليد هي النعمة الوحيدة التي حبتنا إياها نظرية سبينوزا، وهذا خطأ إذ أن (البانته ثيزم) أو وحدة الوجود ولدت في أرباب الفكر روحاً جديداً وأظهرت لنا أن الإنسان البعيد النظر المتجرد عن الأنانية الضيقة يجتاز نطاق الخير والشر الإنسانيين إلى الضرورة السامية التي يرى فيها مقياساً رفيعاً يتفوق على ذينك الاعتبارين المحدودين. ومن الواجب الاعتراف بأن الكون ليس إنسانياً، وأن كينونة الإنسان هي كينونة نسبية. دع الإنسان يعمل للتغلب على الفزع الذي يعتريه حين يفكر في (تناهيه) فتصبح فكرة التناهي مقهورة، سلسة القياد. وثمة جزء من نفسه يتصل باللانهاية فيكتسب منها دستوره الذي يتحكم في كيانه. إن الميزة الرفيعة التي يتجلى بها الإنسان هي مقدرته على احتقار نفسه فإذا أدرك هذه الدرجة السامية فقدت الأشياء التي يراها لونها الحالك المشؤوم بالرغم من احتفاظها بشكلها وتأثيرها الماديين. وفي هذه الحال يرتبط الجزء العقلي والجزء الديني في الإنسان بروابط السلامة ووشائح القربى مع الكون.
لا ترتكز هذه الأحكام الذي قد تبدو متناقضة على شيء من سوء الفهم لأن فلسفة سبينوزا، بالرغم من طابعها العقلي الخاص الذي تتسم به تبدور دائماً في مظهرين مختلفين لصنفين من الناس، ولكي نلمس سر هذا المظهر الثنائي وجب علينا أن ندرس الآثار العنصرية والعقلية التي تسلسلت إليه بالوراثة وأن نستعمق في تفهم مزاجه واتجاهه الذهني في ميدان التأمل.
كانت حياته بسيطة قصيرة تتفق مع مذهبه الذ يرى في الأشياء المتفرقة مظاهر ضئيلة إذ تقارن بالكون الشامل. ولد في أمستردام سنة ١٣٦٢ من أبوين يهوديين من أفراد الجالية البرتغالية المنفية، وعندما بلغ العشرين من عمره، أصدرت الهيئة الدينية اليهودية أمراً بحرمانه من إجراء الطقوس المعتادة ودخلوا المعابد واختلاطه بأبناء دينه، بسبب الأفكار (الضالة) التي بثها وخلاصتها: أن الله هو الكون الشامل، وأن الملائكة هي أشباح وهمية
стр. 442
مركزها في المخيلات المريضة، وأن التوراة لا تتضمن أية إشارة لخلود النفس. ولما وجد نفسه منبوذاً من الجمهير الجامدة وأدعياء المعرفة أخذ يشتغل ويقتات من صقل عدسات المجاهر والآلات البصرية، وينمي ملكاته ومواهبه ويزيد في معلوماته حتى أصبح محققاً نهابهاً هل الأنظار والأسماع وقد بنى فلسفته على ثلاث دعائم (١) اليهودية العقلية (٢) منهج ديكارت (٣) ومذهب (هوبس) في السياسة. ولما دعته جامعة هيدلبرغ لتدريس الفلسفة فيها أبى واستنكف محتفظاً بحريته التامة بأوقات فراغه يتصرف بها كيف يشاء، وآثر أن يعيش عيشة القناعة والانفراد بعيداً عن سخف الناس وهذرهم. ولكن هذا لم يكن حائلاً دون تعرفه على كثير من الأفراد النابهين الذي شاركوه في نزعته العقلية فكان في علاقاته يهم محدثاً لبقاً ووطنياً مخلصاً وجاراً ودوداً يشيد دائماً بذكر السعادة التي تملأ جوانب نفسه وهي سعادة حقيقة تصدر عن إيمان عميق. في ركن من بيت الطبيعة العظيم أقام، شاعراً بوضاعة الإنسان، راغباً أن يؤدي به هذا التأمل إلى الهدوء وراحة البال. كان هذا البيت العظيم معبداً يقدس فيه مظاهر العظمة والنظام الدقيق غير حالم بإصلاحه أو زيادة شيء عله لا يقبل التحيز فيه. وكان يعمل في تنفيذ الواجبات الواقعة على عاتقه والسرور يملأ قلبه.
ولم يك هذا السرور عاطفة جامحة بل إدراكاً نيراً وحصافة لا يقطع مجراهما إلا الموت. ونحن نلمس هذه التقوى الشاملة التي تصطبغ بها حياته في كثير من العبارات التي تتضمنها مؤلفاته موصوفة بجرأة التفكير لا يمازجها اعتقاد بوحي غيبي. وهذه العبارات لا تصدر عن غاية خفية سيئة أو عادة راكدة مستقرة في ثنايا النفس بل هي دليل ناصع على شعور منظم وعقل دقيق.
لا جرم أن انتماء سبينوزا على اليهودية بهذا الوضع الغامض قد أثار اهتمام المحافظين من المذاهب الأخرى لا سيما المسيحيين الذين عاصروه، وليس هذا فحسن، بل إن انفصاله عن الهيئة الدينية اليهودية كان مما دعا إلى استقلاله في حياته وتفكيره ومهد أمامه كل سبيل لدراسة الفكرة والتقاليد العبرية التي كانت مجهلة لدى الكثيرين من كتاب عصره وهكذا أصبح سبينوزا أول واضع لتفسير التوراة التاريخي أونقده العالي. وليس من السهل أن ندرك تأثير هذه الدراسة في عقل سبينوزا. وإن نفيس بالنطاق الذي يصل إليه إحساسه
стр. 443
الديني من جرائها، فهو قد جاء بآراء كثيرة لا تزال سائدة بين كثير من الباحثين، كرأيه في المصادر التي استقت منها أسفار موسى الخمسة في التوراة، وتبيانه للحدود الإنسانية الانتربوومورفيه فيما كتبه بعض القديسين وأظهروه من فكرات وميول متباينة. ولكنه كان يتكلم ويكتب في بعض الأحايين بلهجة تم عن قبول للتقليد وإيمان بالنقل. فهو يفرض دون جدل أن الكتاب المقدس كلمة الله وأن اليهود شعب الله المختار وقد وصف المسيح بأسلوب غريب في صدوره عن يهودي ومفكر حر فقال وليس المسيح نبياً فحسب بل هو لسان الله الناطق أرسله للعنصر الإنسان كله لا لليهود فقط.
وليس من الموافق أن تقتصر دعوته على إرضاء الفكرة اليهودية والاندماج بها، بل على الاستجابة للفكرة والتعاليم الرئيسية التي تنتظم الإنسانية جمعاء بها - فتؤدي هذه الدعوة إلى استقرار الأفكار الشاملة الصادقة في أذهان البشر.
ولكن البصير يلمح وراء هذه اللهجة الورعة الظاهرة غاية فلسفية تدل دلالة صادقة على أن سبينوزا إنما يعمد في قوله السابق إلى الغوص في أعماق العقل بعيداً عن ملابسات الوحي وغوامض الإلهام. وفي هذا لم يستطع أكثر النقاد المتأخرين ميلاً إلى الإصلاح من التفوق عليه. وليس الآلة في نظر سبينوزا سوى هذا الكون الشامل في امتداده وسائر تفاصيله، ولذا فعل الله ليس هو الله نفسه، بل صفة من صفاته ومظهر من مظاهره منتشرة في المكان وملابسة للزمان. بل هي هذا الوعي الذي ينفذ إلى كل شيء فيملؤه حياة وقوة وقولنا أن عقل الله قد تجلى لموسى أو ظهر في المسيح كقولنا أن روح الموسيقي قد تجلت لباخ أو لبيتهوفن ليست النبوى سوى فكرة تخيلية، والخيال لا يكون صادقاً إلا إذا قادته البصيرة إلى التنبؤ عن اتجاه الحوادث المرتبطة بالطبيعة بأوثق الأواصر وأوضحت له المبادئ الخلقية الملائمة لتطور الجماعة وكل ما في الكتاب المقدس من قوة - في نظر سبينوزا - يعزي إلى مبادئ الفضيلة الحقيقة التي ضمها بين دفتيه. وما نسميه منحة من الله إنما هو رغباتنا ومطامحنا التي نصبو إلى تحقيقها ونتمكن من الحصول عليها بأنفسنا. أما المعجزات فهي حوادث خارقة تلائم ظروف الدعوة وتلابسها وأسبابها الطبيعية المعقدة تحمل الأفهام الضيقة على النطوح في مهاوي الخدس ودياجير التأويل وقد حالو سبينوزا أن ينجز العمل الذي بدأ به الأنبياء بعد أن عمد إلى تفسير تعاليمهم وأصبح نبياً ذا رسالة.
стр. 444
ولقد أراد أن يبث مبدأ التسامح الواسع بين الأمم والطوائف الكبيرة مشيراً إلى الينبوع المشترك للإلهام والتفكير، ولسبينوزا تفسير لمبادئ الحرية على أعظم من جانب من الدقة ونفاذ البصيرة، فقد قال وعندما تغدو الأعمال أساساً ترتكز إليه المحاكمات الجنائية، ويسمح للآراء والكلمات أن تصبح طليقة حرة يتجرد الشر الحقيقي من كل صور التزكية والتبرير الظاهرة ويتفصل عن المناقشات المجردة البريئة بحاجز صفيق.
إن الباحث الذي يدرس آراء سبينوزا السياسية في نور الفكرة الديمقراطية الحديثة يراها لأول وهلة شبيهة بآراء نتشه في إرادة القوة كما أن معاصريه كانوا ينعتونها با لمكبافيلية غير أن دفاعه عن المبدأ الذي يستند إليه الحق - في نظره - خلو من كل أثر للميول الاستبدادية الارستقراطية بالمعنى الشائع. وهو في كل أقواله يستمد المواد الأولية من التاريخ الطبيعية وفي ذلك يقول حاولت أن استخدم الوسائل الرياضية في استقصائي لأسباب هذا العلم الخفية، فبذلت جهدي بالابتعاد عن السخر من الأعمال الإنسانية والنواح عليها، أو الإشادة بذكرها أنظر إلى العواطف المختلفة كالحب والبغض والغضب والحسد والطموح والشفقة وجميع خوالج النفس في ضوء النقائص التي تتصف بها الطبيعة الإنسانية بل كخواص لا صفة بها لصوق الحرارة والبرودة والعاصفة والرعد وما شابهها بالطبيعة الجوية بواسطتها أن نفهم طبيعتها، وحينما ينظر إليها العقل نظرة مستقيمة مضبوطة يشعر بغبطة مماثلة للغبطة التي يشعر بها في فهمه للأشياء التي تتناولها الحواس المختلفة، ويقول في موضع آخر أن قانون الطبيعة الذي درجت البشرية في كتفه، ولا تزال تحت خطاها مستظلة بظلاله ليس سداً مانعاً تصطدم به الرغبات الإنسانية أو معاكساً للبغض ليست هي القوانين العقلية الإنسانية التي ترمي إلى المحافظة على كيان العنصر الإنساني وتتوخى فائدته ومنافعه الخاصة بل هي قوانين أخرى لا نهائية تؤلف النظام الخالد للطبيعة الشاملة، وليس الإنسان في هذه الطبيعة وتركيبها الدقيق سوى ذرة ضئيلة للغاية. وتقضي الضرورة التي يستلزمها هذا النظام أن يصبح وجود الأفراد وعملهم محدودين. ولذا فكل شيء نراه مضحكاً وسخيفاً أو شرير في الطبيعة إنما هو كذلك لأن معرفتنا للأشياء هي معرفة جزئية، ولأننا نجهل ارتباط أجزاء الطبيعة بعضها ببعض لكل شامل، ونود أن نرى الأشياء منظمة بموحيات عقولنا، مع أن ما يراه عقلنا شراً لا يكون
стр. 445
شراً بالنسبة لقوانين الطبيعة الكبرى بل بالنسبة لقوانيننا الشخصية.
يمكن للاهوتي أن يرى في تضاعيف هذه العقيدة فكرة عقلية علوية تتفوق على التفكير الإنساني العادي، ووجهاً للمشابهة بينها وبين نظريته المتفائلة ولكنه لا يعبر فيها على ما يكمن في نظرته اللاهوتية من سفسطة وأكاذيب لطخت الضمير الإنساني لأنها تظهر لنا بكل جلاء نسبة الخير والشر إلى المنافع الخاصة المحدودة ولا تحاول أبداً أن تجعل الشر النسبي خيراً مطلقاً والفارق الرئيسي بين الخير والشر ينعدم بدون ريب، في القياس المطلق، لا جرم أن ثمة كائناً لا يتناهى، وراء منافعنا الإنسانية ومثلنا المحدودة، وهذا الكائن يراه العقل المتأمل متحلياً بصفات السمو والرفعة، لأنه عظيم، ولكن هذه العظمة ليست خلقية إنسانية ونعتها بالخير ليس هو الحق الأسمى بل تخويف وهذيان. لا يعرف اللامتناهي ضرورة ولا يخضع لقياس. يقول سبينوزا لا حق لإنسان أن يلوم الآلة لأنه يحوز على جسم مريض أو نفس ضعيفة، وكما أن من السخف أن تشكو الدائرة أمرها إلى الله لأنه لم يزودها بخصائص الكرة أو بتأفف الطفل المصاب بالحصاة المثانية لأن الله لم يهبه جسداً صحيحاً، كذلك لا يمكن لإنسان ضعيف في عقله أن يلوم الله لحرمانه من الخلق القوي والمعرفة الصحيحة ومحبة الله، أو لأن طبيعته ضعيفة لا يستطيع لإزاءها أن يقمع شهواته أو يخفف من حدتها. إذ كل شيء حادث في الطبيعة يصدر عن سبب خفي ملائم له، وليس من الموافق أن يحوز كل إنسان على نفس عظيمة، وعقل نادر أو جسم صحيح. ولا يستطيع امرؤ أن ينكر هذا إلا إذا تغاضى عن التجربة وابتعد عن نطاق العقل.
وأنت قد تقول أن البشر الذين يخطئون طبقاً لطبيعتهم معذورون ولكنك ملزم على إيضاح هذا القول. فهلا يغضب الله لفعلتهم؟ وهل استحقوا هذا الامتياز بعلم الله ومحبته فإن كنت تعني الأولى فأنا متفق معك بأن الله لا يغضب وأن كل شيء يجري بأمره. ولكنني أنكر أن يكون الناس سعداء دائماً في هذه الحالة.
قد يعذر الرجل ولكنه قد يفقد مع ذلك سعادته ويعاني العذاب ألواناً. والرجل الذي يجن من عضة الكلب معذور، ومع ذلك فموته من الاختناق أمر طبيعي.
والإنسان الذي لا يقوى على كبح جماح عواطفه ولا تقييدها بقانون معذور لضعفه النفسي ولكنه يظل غير قادر على التوفيق بين روحه وروح الله ومعرفته ومحبته ويبقى خاسراً
стр. 446
طيلة حياته.
قد تبدو هذه الأقوال قاسية للرجل الذي دق إحساسه ورقت مشاعره حتى فقد كل تماسك ضروري للفهم المنطقي، ولكنه لا يستطيع إنكار صحتها أمام ظواهر التاريخ الطبيعي العلمية، لا سيما في هذا العصر الدرويني الذي تسيطر فيه روح المنافسة على جميع مناحي الحياة، فالشيء الذي يظفر بالبقاء في ميدان التنازع، حقيق بحيازة الفوائد الضرورية لكيانه، ومتى حاز عليها امتلك ناصية الحق.
هذا وجه من فلسفة سبينوزا مزج فيه الأخلاق بالفلسفة الطبيعية وسنعود في مقال آخر إلى معالجة الوجوه الأخرى.
صلاح الدين التقي المحايري
стр. 447
صيف في أوربا
إلى مجلة الثقافة
بقلم الأستاذ جان غولميه
تعريب كاظم الداغستاني
٢١ حزيران سنة ٩٣٣ بيروت
غادرت الشواطئ السورية على الباخرة ليمنوس وهي باخرة يونانية صغيرة جذابة وليست بالوسخة كثيراً. ولقد أقلعت في موعدها تماماً وساعة المساء تدق العاشرة وكانت الأضواء تتلاعب فوق مياه المرفأ الكثيفة فتتراجع منعكسة على صفحاتها بألف شكل. واجتمع نواتي الباخرة ليمنوس حول آلة للحاكي تردد معزوفة من نوع التانغو الإغريقي الشجي، ولا أدري إذا كانت هذه الموسيقى المضطرمة المحزنة هي التي أثرت في نفسي، ومهما يكن الأمر فإني أرحل عن بيروت وبين جوانحي من الكآبة ما لم أشعر بمثله من قبل. لقد فارقت سورية مرات عديدة دون أن يترك الفراق في نفسي ما تركه الآن وهذه هي المرأة الأولى التي أغادر معها هذه البلاد وكأني أغادر بلدي الذي ولدت ونشأت فيه تاركاً بين ربوعه شطراً من نفسي كما قال شاعر قديم.
٢٣ حزيران: حيفا
شاطئ جاف لا شجر فيه. شمس وذباب وسآمة. يشكو البحارة في المرفأ من كثرة اليهود المهاجرين الذين أخذوا يفدون من البحر زرافات بعد الحوادث الأخيرة في ألمانيا. لقد كان أحد هؤلاء البحارة فيما مضى جندياً في سوريا في جيش الملك فيصل ولقد تكلمنا معاً عن مدينة دمشق التي هي في نظره أجمل بلاد العلم.
٢٣ حزيران: بور سعيد
لقد عدت ورأيت في بور سعيد حركة المرفأ الذي تلتقي فيه شعوب العلم وشناعة تلك المدينة المحددة المخططة التي لا ماضي لها. تنتشر في شوارعها رائحة المقليات الحقيرة وتبدو لناظرها وكأنها أصدق صورة لمدن البحر الأبيض بذلك المخصوص الذي تتمشى متسللة في جوانبه عنزاته الناحلات. وهو حي يحظر على جنود صاحب الجلالة البريطانية الدخول إليه كما نصت على ذلك الإعلانات المعلقة على مداخله. شمس محرقة وحدائق
стр. 448
غناء ذات أشجار مثقلة بأزاهير وعناقيد أرجوانية. وعلى الشاطئ قامت منازل تحيط بها جنائن صغيرة تذكر الناظر بما في منازل أرياف المدن الإنكليزية من رفاه وراحة. على أنه ليس هنالك كما في كل مكان من هذه المدينة إلا السآمة والضجر.
٢٧ حزيران: أثينة
ها هي اثينة أمامنا بعد أن عبرنا البحر مارين بجزائر سيكلادس. مدينة بديعة بنيت على قياس وانتصبت أنيقة لبقة. حتى أن سمائها ليس فيها تلك الزرقة الغامقة الشديدة التي تصطبغ بها سماوات الشرق، فلونها أزرق باهت موشحة بخطوط رمادية من السحاب تمازجها حمرة خفيفة كأنها الشفق وهي يعيد للخاطر ذكرى سماء باريس.
هنا أوروبا تتمثل الآن في هذه المدينة حيث يختلط القديم البعيد مع الخاطر الجديد. ففي رأس شارع ايلوس حيث تقوم فروع المخازن الباريزية الكبيرة وتزدحم جماهير الناس من باعة ومشترين بينهم جم غفير من النساء المتألقات الجميلات يظهر معبد البارتينون على هضبته الخشنة الجافة كذكرى مفاجئة لتلك العظمة القديمة. هنالك أيضاً مقاهي كمقاهي دمشق اجتمع فيها أناس يدخنون النارجيلة ويلعبون (الطاولة) النرد فيصمون الآذان بضوضائها. على أن هنالك أيضاً في باريز مكتبات عظيمة فخمة يمكن أن يحصل منها الراغب على آخر وأحدث ما صدر من المؤلفات في جميع اللغات الأوروبية.
إن الإقبال على المطالعة في بلاد اليونان عظيم ولقد نشرت مجلة البلقان الشهرية التي تصدر في اللغة الفرنسية مقالاً قيماً أثبتت وأحصت فيه عدد الصحف والمجلات التي تطبع في بلاد اليونان فبلغت في سنة ٩٢٧ - ٤٤٢ منها ١٩٧ في مقاطعتي آتيك وبيئوثي فقط وأن أهم ما يلفت نظر الغريب في هذه البلاد هو ما انتشر بين سكانها من أثر الثقافة والآراء الفرنسية ويدل على ذلك انتشار اللغة الفرنسية بين المثقفين وعبارات المديح والثناء التي رددها من حدثوني عن مدارس البعثة العلمانية الفرنسية وما تلقاه هذه المدارس من الإقبال العظيم، ومما يؤيد هذا التأثير أيضاً ما يطبع في بلاد اليونان من الصحف الفرنسية كجريدة البيتي اتينيان مثلاً. ولقد لقيت حفاوة فائقة من جميع الذين تحدثت إليهم من اليونانيين سواء على سواء على ظهر الباخرة أو في بلاد اليونان ولشد ما أعجبني منهم سرعة الفهم وشدة الذكاء ولينة الفكر وسحر وجوههم الطلقة الباشة.
стр. 449
بلاد جميلة يؤلمها رزء عظيم. قال لي على ظهر الباخرة ليمونس أحد كبار أرباب المعامل في سلانيك ما يأتي: لقد كان باستطاعتنا أن نعمل رغم الأزمة بالخناق لو كانت السياسة تتركنا نتصرف للعمل وفي الحقيقة أن السياسة لم يتغير شكلها في بلاد اليونان منذ ذلك الزمن الذي كان فيه فيليب المكدوني يشجع بأمواله الخصام والنزاع في ساحات اثينة العامة ولقد حل اليوم محل النزال الذي كان قائماً إذ ذاك بين الخطيبين ديموستين واشين البراز بين الزعيمين تسلادريس وفنزيلوس. لقد أحرز في انتخابات شهر أيار الغابر حزب اليمين الذي يرأسه الزعيمان تسلادريس الملكي وقوانديليس الاشتراكي الوطني ١٣٦ مقعداً ضد ١٠٩ مقاعد نالها الأحرار الراديكاليون من أشياع فنزيلوس. ولقد كان في محاولة قلب الحكم من قبل القائد بلاستراس يساعده على ذلك كما قيل فنزياوس وفي مؤامرة الاغتيال التي أوشك فنزيلوس أن يكون من ضحاياها ما أهاج الرأي العام. وزاد في اضطرابه موعد أجراء الانتخابات في سلانيك الذي حدد في اليوم الثاني من شهر تموز وهي انتخابات ستكون حاسمة بشأن انحياز الأكثرية في مجلس النواب في اثينة إلى جانب حزب الشمال أو إلى جانب حزب اليمين. لم أكن أبغي البقاء طويلاً في بلاد اليونان ولكن حضور معركة انتخابية في سلانيك لا يخلو مما يفيد الإطلاع عليه.
٢٩ حزيران: سلانيك
كنا في سفرنا من اثينة إلى سلانيك بعد أن وقفنا حيناً من الزمن في خليج فولو الهادئ وفي مركز اديبوس الشهير بحماماته، كأنما نجتاز مضيقاً من المضائق وكأنما الباخرة التي تقلنا هي إحدى تلك السفن ذات المقاذف التي تمخر عباب الأنهر الكبيرة في أمريكا، فلقد كانت تحاذينا عن كثب وعن يميننا وشمالنا الشواطئ اليابسة ومنعرجات جزيرة أويه وكان على ظهر الباخرة جمهور عظيم يتزاحمون بالمناكب ويرددون أقوالاً جميلة وأناشيد فخمة وجميعهم مسافرون إلى سلانيك ليضموا أصواتهم إلى أصوات ناخبي فنزيلوس. وبدت لنا كلانيك من أعماق خليجها ببنائها الجميل الأنيق منبسطة على سفوح جبل أولمبيا الذي حجبت ذروته كتل الضباب، ولا يصعب على الناظر لهذا الطود الرهيب أن يعرف السبب الذي حدا الإغريقيين القدماء أن يجعلوا منه مقراً ومسكتاً لآلهتهم.
لقد كان المرفأ مستقيماً قامت على جوانبه منازل حديثة غاية في النظام وحسن القياس ولا
стр. 450
تشبه بشيء منازل المدن الغريبة ذات المظهر المملوء بالغرور والعجرفة. ورأينا المدينة في هرج وهياج والمتنزهون يجتمعون زرافات حول صحيفة يقرأونها بلهفة أو حول لاصقي الإعلانات على جدران الشوارع أو حول بائعي الصحف الذين يملئون الفضاء بصراخهم. ولقد مررت بإحدى المراكز الانتخابية حيث يتجمهر الناس ورأيت رسوم رجال حزب اليمين مع زعيمهم تسالداريس وهو رجل تبدو عليه ملامح العامة ذو ذقن عريضة وشاربين أشعرين وعينين غلبت عليهما الصفرة تحيط بهما أجفان غليظة منتفخة. وفي مظاهر الرجل ما يشير إلى أنه ممن يعيرون أسماءهم وأنه سيعمل لإعادة الملكية القديمة إلى نيقولا أمير الإغريق. ولقد كان إلى جانب رسمه رسم قونديليس وهو يحارب كما قيل في الإعلان، لأجل حرية أخوانه في آسيا الصغرى. وقد لبس على رأسه قبعة كالتي يلبسها الشرطة وهو ذو عينين تدلان على قوة في الإرادة وملامح قائمة أشبه بملامح أبطال حرب الاستقلال وشار بين مصقولين منتصبين على الطراز الألماني. إن قوندليس هو مؤسس الاشتراكية الوطنية في بلاد اليونان وأن أكاليل الظفر التي يحملها موسوليني ومصطفى كمال وهتلر تمنعه من أن ينام هادئاً مستريحاً. ومن يدري فلعله هو الديكتاتور حاكم اليونان المطلق في الغد.
٣٠ حزيران: سلانيك
سيعقد في هذا اليوم اجتماع سياسي عظيم وصول فنزيلوس الذي سيتولى بنفسه الدفاع عن النظام الجمهوري ضد أشياع تسالداريس وقونديليس. ولقد كانت أفواج من الوطنيين المكدونييين وجميعهم من الجمهوريين العتيدين قد هبطوا المدينة من الجبل الذي يسكنونه يسيرون في الشوارع حاملين على أيديهم رسماً كبيراً لفنزيلوس. وعلى شاطئ البحر جمهور عظيم من الناس يبلغ عدده العشرة آلاف على أقل تقدير. وتتألف هذه الجماهير من جميع الطبقات والأوساط ما عدا اليهود الذين ينتسبون لحزب قونديليس ومن الغريب أن فنزيلوس وهو على ما هو عليه من البراعة في أساليب السياسة والإطلاع على دخائلها وخفاياها قد ارتكب خطيئة سياسية كهذه فترك رجال جيشه يجعلون من مناوءة العنصر السامي ومعاداته بنداً من بنود برنامجهم السياسي.
كانت الساعة خمسة حينما نزل فنزيلوس من الباخرة تحييه الجماهير وتهتف له. إن
стр. 451
الشيخوخة لم تنل من هذا الرجل منذ سنة ١٩١٩ حينما رأيته وأنا ضائع بين الجمع الباريزي الحاشد يمر قاصداً مؤتمر الصلح حيث جاء موفداً لتمثيل بلاده. وهاأنذا أراه للمرة الثانية ولكن في بلاد اليونان. لقد وقف في إحدى الشرفات فحي الجماهير المتزاحمة المتراصة وخطب فيهم خطاباً استمر ساعتين من الزمن ولقد أظهر في خطابه الضرورة المبرمة للدفاع عن النظام الجمهوري والوقوف في وجه أخصامه وأعدائه مذكراً للناس بالحوادث الدامية التي أوشك هو نفسه أن يكون ضحيتها ثم انبرى كرجل خاض المعارك واختبر أسرارها وعرف روح الجماعات ونزعاتها الشعبية فأظهر للجمع الغفير شاردة الحزن التي أحاط بها ذراعه أحياء لذكرى رفاقه ممن ماتوا في سبيل الحرية. ولقد بلغ التأثر من نفس الجمهور مبلغاً عظيماً. فمهما قال أشياع تسالدرايس في هذا المساء وفي الغد فستكون محاولتهم عبثاً وأتعابهم سدى. لقد تمت الانتخابات منذ الآن ولقد تم النصر في هذه المرة أيضاً للسياسة الجمهورية في جزائر الإغريق على السياسة الوطنية الضيقة التي يقوم بها الوجهاء المعاكسون في اليونان كما كان شأنهم في ماضيهم القديم.
قضيت المساء على شاطئ البحر مع رهط من الشباب اليونانيين ممن يشتغلون في الصناعة والتجارة وممن درسوا في البعثة العلمانية فأجادوا التكلم باللغة الفرنسية وهم أشياع تسالداريس والمنضمين لحزبه لما يخشونه من محاذير النظام الجمهوري وتبعثر سلطة الحكم فيه. ولقد بينت لهم ما اعتقده من ظفر الحزب الجمهوري في الغد لكنهم لم يريدوا أن يشاركوني الاعتقاد بذلك.
لقد كنا نتحدث على شاطئ الخليج في وادي الفردار وعلى الشاطئ الثاني حيث تتراكم قطع الليل كان القمر العظيم يعلو متثاقلاً في صعوده مصبوغاً بلون الدم الأحمر.
١ - تموز: على حدود بلاد الصرب
عزمت أن لا أتأخر أكثر مما تأخرت في سلانيك وأنه من العبث أن انتظر نتائج الانتخابات فأنا أعرفها سلفاً رغم ما يرتأيه أصدقائي اليونانيون بشأنها.
وددت السفر إلى مدينة صوفيا ولكن أخبار المساء في الأمس جاءت تنبئنا أن المدينة قد حوصرت عقب مؤامرة قام بها الشيوعيون من المكدونيين ولذلك فقد وليت وجهي شطر بلغراد وأوشك القطار أن يبلغ بنا الحدود الصربية دون أن أرى سوى ربوع سهل الفاردار
стр. 452
ذات المنظر الموحش والغلال التافهة الفقيرة بسنابلها الضعيفة ولقد قضينا الوقت منذ الطهر حتى الساعة الثالثة في محطة صغيرة من محطات القطار على حدود داوداليا ثم تابع القطار مسيره مجتازاً سهلاً قاحلاً تحيط به جبال قد أخضرت منها السفوح فقط. ولقد كان منظر الفقر والشقاء بادياً على أزياء وملامح الفلاحين الذين يشتغلون في الأرض، أما رجال الجيش فهم على الطراز الألماني غاية في حسن الهندام والانتظام. وبدأت المناظر تتنوع تدريجاً وأوشك الوادي الذي نعبره أن يكون ضيقاً بالقرب من دمير قابية فيصبح كممر أخضر تجري على جنباته سواقي غزيرة. وفي الفردار نواعير صغيرة تدور لم أكد أراها حتى هبت في نفسي ذكرى مدينة حماه وذكرى أصدقاء أحباء تركتهم فيها. لحماه منظر بهج يؤلف الآن قسماً من ذاتي فلن أنساه أبداً. ولرب صور بسيطة تعترضني في الآتي كهذه النواعير الصغيرة التي أراها فتحيي في أعماق قلبي عهداً غابراً محاطاً بالكآبة ومفعماً بالود والإخلاص.
ما أشرق الصبح حتى كنا في بلغراد.
يتبع
جان غولميه
стр. 453
الديكتاتور
كل حركة عبارة عن دائرة تتمركز في شخص كمحور لها، في قائدها.
مبادئها مبادئه، صفاته صفاتها، سيرتها تندمج في سيرته، تنبعث منه وينخرط هو في صفوفها. أما الحركة والقائد، وهو نقطة المركز فيها، فتتجلى عنهما اتجاهات المجتمع وتصادم هذه الاتجاهات، كما تخرج الدائرة ونقطتها من الماء، وتتماوجان فيه بشكل يتقرر عند وقوع الحجر في الماء وتصادمه مع اتجاهه ومبلغه من العمق وأسلوب مجراه وسوى ذلك.
يتمخض المجتمع فيلد الفكرة والفكرة تتجسم في توأميها: القائد والاتباع وهما اللذان يكونان الحركة هما قطبا الحركة، كلا الطرفين يمثلان الفكرة التي تسير بها، كلاهما نتاج الموجات المستديرة التي اندفعت من الماء على أثر وقوع الحجر في بحيرة المجتمع.
القائد لا يختاره ابتاعه. بل تختاره مجموعة أوضاع نفسية واجتماعية وسياسية تتألف من شخصيته ومن الظروف، أو ما اسميه بشخصية الظروف المجتمعة، وأخيراً من الحد الذي تتوافق عنده الشخصيتان، ويختلف ما لهذين العاملين، أي الشخصيتين، من تأثير في خلق القائد. فتارة نجد لشخصية القائد المكان الأول وتارة تجد هذا المكان للظروف، وهو الغالب.
لينين، مثلاً، جعلته شخصيته الخاصة (والشخصية مغناطيسية تخرج من تجسم الفكرة بمعناها الواسع - أو تجسم الخلق أو الراغبات - وتمركزها وظهورها في الفرد بقوة وتصلب) قائداً أكثر مما جعلته الظروف كذلك. لقد كان ليني قائداً قبل أن يحكم، كان القائد وهو بين مجموعة من أقطاب القيادة، ولد وهو قائد، أما الظروف الطارئة فقد ساعدت على تربية هذه الفطرة فيه، ومن جهة أخرى وضعته على رأس حركة معينة. لو ظهر لينين محاطاً بأية ظروف أخرى، وفي أي زمان آخر، لكان قائداً أيضاً ذلك لأن عقله - وفي العقل تتمركز فكرة هذا الرجل وشخصيته - لو جاء في أي مكان أو في أي وقت، وتحت أي اسم، لكان عقلاً يجمع بين الميل الشديد لهدم القديم والظالم وبين الحماس القوي لتشييد الجديد والعادل، عقلاً يطلع من الماضي لينفذ في المستقبل، عقلاً متطرفاً وكذلك قائداً سواء جعلت الظروف من لينين فناناً، أو عسكرياً، أو راهباً، أو طاهياً. ذلك لأن القابلية على الانطباع بأية فكرة تجمع بين الثورة والعدل هي الطبيعة في ها العقل. لهذا نجد أن أحد
стр. 454
الكتاب الأذكياء لم يخطئ كثيراً لما شبه لينين بسان جوست وبالراهب يواكم الفلوري لما غلب على هذين من فكرتي العدل والتطلع إلى المستقبل. (أما ما ذهب إليه رينه قيلوب ميللر النمسوي، في كتابه عن اليسوعيين، من تشبيه لينين بإيجنانيوس دي لوايولا فليس صحيحاً، لأن لوايولا كان ذا عقل ارتجاعي وديني. وهذان المظهران لا وجود فيهما لروح الثورة وطلب العدل، بل هما يختصان بالعقل الشرقي المشبع بفكرة الحاكم المطلق، المهمل للجماهير التي يختص بها العدل، وللمستقبل الذي ترمي الثورة إليه، فهو لا يطمح إلا بخلاص روحه الأنانية وحدها) إن شخصية لينين: أو بتعبير أفصح، أجمع لما شرحنا: إن عقله المنغمسة فيه الفكرة المازجة بين العدل والتجدد جعل منه في المكان الأول قائداً. أما الظروف فجعلته قائداً بلشفياً بدل أن يكون مثلاً نورياً أفرنسياً أو زعيم حركة كحركة الشعلة البافارية.
إن نابليون خلقته الظروف لا شيء سواها، كما إن انعدام الشخصية فيه كفكرة ساعدت تلك الظروف بل كانت من جملتها. كذلك موسوليني أيضاً. فقد ترأس هذا الرجل الحركة الفاشستية بعامل الظروف أكثر مما ترأسها لشخصيته، فكان لها المكان الأول في تكوينه كقائد، إن شخصية موسوليني، مثل حال نابليون، ليست مظهراً لقوة الفكرة بقدر ما هي صفات خاصة أكثر اتفاقاً مع الفكرة العامة، الفكرة الفاشستية، من صفات غيره، وأبرع في التمشي مع أهواء أصحاب الفكر الحقيقيين والقيام بقيادتها الظاهرة، لذلك لو جاء موسوليني في وقت وظروف غير التي أظهرته لكان بقي في الزاوية، لكان قضى عمره وهون ذلك الأناني الصغير الذي ليس له أقل أثر في التاريخ فلم يكن قائداً، بل فرداً من أفراد الجماهير التي تحمل التاريخ على ظهرها ولكان مندمجاً، من عظمة الأنانية فيه، في ذلك القسم الصغير من الجماهير، ذلك القسم الذي لا يشعر بفداحة ووطأة ما يحمل والذي لا شعور له بالرابطة الكبرى في الآلام.
قلنا أن القائد والحركة وشيء واحد. وكذلك موسوليني والفاشستية. وكون موسوليني ابن الظروف أكثر مما هو ابن الشخصية، وكونه ابن شخصية الطباع والرغبات الملائمة، لا شخصية الفكرة الفولاذية، كون موسوليني كذلك لا يعني أنه ليس شيئاًَ واحداً هو والفاشستية. لو لم يكونا كذلك لما التقيا ولما سارا جنباً إلى جنب. إن كل قائد مهما تكن
стр. 455
العوامل التي خلقته، لفلذة من فلذات الحركة. التقى الاتباع والقائد عند مفترق الطريق، كانت طريقهم واحدة فساروا عليها، إما صفين: في الأول رجل واحد هو القائد، في الثاني رجال عديدون هم الاتباع، وإما صفاً واحداً: القائد والجنود معاً، وهذه هي القيادة السامية. وكان سير القائد والاتباع - في الحالة الثانية - صفاً واحداً دون اهتمام بقشور الرسميات والعنهجيات الفردية.
وسندرس في هذا الفصل بقدر ما نستطيع من الاختصار الحركة الفاشستية وقائدها موسوليني بصفتهما واحداً، ممتزجين أخلاقاً، نفسية وروحاً، غرضاً مادياً وأسلوباً، بصفتهما أداة تعبير لإرادة الأقلية السائدة في المجتمع. هذه الأقلية التي تحركهما كيف شاءت التي تمدهما بالمعونة المعنوية والمالية، والتي تنضم إلى صفوفهما وتعد نفسها من الاتباع، التي تضع في فمهما الكلمات والأوامر، التي خلقتهما: موسوليني والفاشستية معاً.
ولد موسوليني في ٢٩ يوليو سنة ١٨٨٣ في دوفيا من مقاطعة فورلي، ببيت فقير. كان أبوه حداداً وأمه معلمة، وكانت طفولته بائسة، كطفولة أبناء الفقراء.
كان يشعر بشقائه منذ تفتحت أنظار على الحياة. كان يتألم من وضعه الاجتماعي يشمئز من أبناء طبقته، ويطلب الخروج عنهم والارتفاع عليهم. قال للودفيغ في أحاديثه معه، وهو لا يزال متأثراً من قسوة تلك الأيام البعيدة عليه: على المائدة (مائدة المدرسة) كان التلامذة يتناولون طعامهم وهم ثلاثة أقسام. وكان عليَّ إن أجلس دوماً في الطرف الأسفل وإن آكل مع أشدهم فقراً. . كان يتعذب من فقره، ويحزنه وجوده مع الطبقة الثالثة من التلامذة بدل الطبقة الأولى.
في شبابه مثل رواية عامل شقي مضطهد يكاد لا يجد خبزه. ويقال أنه مرت به أيام قضى عيشها معرضاً لذل السؤال. ابتدأ العمل بالتعليم، وهو ابن ثمانية عشر سنة، فكان يتقاضى أجراً ضئيلاً يبلغ عشر ما يتقاضاه معلمو الطليان اليوم على ضآلة أجورهم. لما مل التعليم، أو حدث له ما أجبره على هجره، ذهب إلى سويسرا، هناك كان يتعاطى مختلف الأشغال الجسدية الشاقة ولا يكاد يحصل على ما يربط الجسد بالروح. لكنه كان مجتهداً، وقد واظب على الدرس في جامعتي جنيف ولو زان إلى أن توصل للحصول على شهادة بتعليم الإفرنسية. قضى أغلب حياته في تلك الفترة مقيماً بين العمال عائشاً في بيئاتهم. وذلك لأنه
стр. 456
كان معاملاً مثلهم.
كان في مشربه السياسي طوال هذه الامدة نورياً متحمساً. بيد أن أبيه الحداد اسكندر موسوليني كان أيضاً نورياً من قبله، وكان أبوه دولي العقيدة والنظرة، شديد العدواة للكنيسة والدين. لقد لعب دوراً لا بأس به في حركات العمل الإيطاليين. أما أمه روزا مالتوني موسوليني، فكانت معلمة بسيطة محافظة في ميولها وامرأة دينة. قد ترجع ذبذبة الطبع والرأي، التي ظهرت جلياً في أدوار حياته السياسية المتأخرة إلى هذا الاختلاف الذي كان بين والديه.
في سويسرا كان معداً لا يملك ما يزيد كثيراً عن ستر جسمه. ونعتقد أنه لذا السب دخل صفوف الثوريين وعمل معهم بنشاط. كان يسعى في تأليف الترايديونيوس (جمعيات العمال النقابية) ويدعو للإضرابات، فطارده البوليس من ناحية إلى ناحية، ثم أخرج من الاتحاد السويسري جميعاً. رجع إلى إيطاليا والتحق بجيش البيرساحجلبيري (ما يقابل القناصة في الجيش اللبناني!) ثم لما ترك العسكرية عاد إلى التعليم ليأكل وثابر على المطالعة ليتعلم. وأخيراً انخرط في الصحافة الاشتراكية.
كان طموحاً بعيد المرمى في أحلامه ومن كثرة ما خبر تأمر الغير به أصبح يرى التأمر لنفسه من اللذات المرغوبة. لما دخل في الصحافة الاشتراكية كان يضمر تحقيق أغراضه المتأصلة نفسه الفردية عن هذه الطريق، كان الحنين فيه إلى السيطرة قوياً بقدر ما كانت نفسه جموحة ومتكبرة، وبقدر ما كان يشعر به من رغبة في طمس صور الذل المخزية في صفحات حياته. ويظهر أنه في هذه ال أيام كانت معرفته بالحياة قد بلغت به إلى قول الطغرائي:
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رّجل
وإلى قول المتنبي:
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالخلق روى رمحه غير زاحم
ذلك لأن كتاباته في تلك الأيام، من صحيفة وأدبية، تتم عن نيتشوية زرادشتية شديدة التمسك بفرديتها، في أحاديثه مع لودفيغ يصرح بحقيقته هذه مرات عدة، ويعترف بأن نيتشه كان دائماً معلمه، وأنه كان دائماً تلميذه. وقد كان في زمان شبابه شبه فوضوي أكثر
стр. 457
بكثير مما كان اشتراكياً. والفوضوي في عرف موسوليني هو ديكتاتور بالناقص، أي دكتاتور غير منصوب. وبالتالي الفوضوي فوضوي لأنه ليس بدكتاتور.
ونرى كذلك أنانية موسوليني وحبه للسيادة في ناحية الانتقام التي تنطوي عليها نفسه فإن حب الانتقام طبع يرافق الأثرة، وتحترق له شعلة أكّالة في قلب من رفع هيكل عبادته أمام شهوات أنانيته الفردية.
في سير الحركات المجموعية، التي تسير بجاذبية المثل الأعلى، لا نجد أثراً للانتقام الشخصي عند الأفراد القائدين لتلك الحركات. فالثورة الإفرنسية، مثلاً، وقعت فيها فظائع. بيد أن فظائعها ما كان لتتصف بأية صبغة أو شهرة مفترسة يضمرها إبطالها، كما وأنها لم تتصف بحب التعذيب الذي يرافق حب الانتقام، إن رجال الثورة الإفرنسية لم يقتلوا ولم يسجنوا أحداً. هي الثورة التي قتلت وسجنت والثورة كانت بحالة اجتياح، هو المثل الأعلى الذي قتل وسجن، ومع ذلك لم يكن في فظائع الثورة شيء من هذه الخلة الحيوانية، خلة التلمظ والتلذذ بألم لم يكن بألم الفريسة الضعيفة - غرام التعذيب. أما رجال الثورة الباروزن المتطرفون، فالمعروف عنهم أنهم كانوا أفراداً أنكروا نفوسهم لدرجة أن بعضهم - خصوصاً ماراً وروبسبير - أهملوا أكلهم وملبسهم وخصوصياتهم الصغيرة. كان الواحد منهم يبدو كأنه لا وجود له، وكان الوجود جميعه عندهم فكرة يجب أن تتحقق. مثل هذا يقال أيضاً في كرومويل وفي رجال الثورة الروسية.
لكن بالعكس من ذلك، نلاحظ في الحركات التي لا ترافقها جاذبية من المثل الأعلى، والتي لا تتقدمها شخصيات وأغراض متلاشية في شخصية المجموع وأغراضه، إن الروح الانتقامية الفردية مع ما يلحق بها من حب التعذيب تكون فيها سائدة مديرة. من يدرس نابوليون يشعر أن حياة هذا الرجل كانت منذ أول ما ظهر وأول ما عمل سلسلة من حوادث الانتقام ابتدأت معه بصورة فردية صغيرة، ثم امتدت به وتوسعت حتى أدخلت جميع أوروبا في شراكها. كذلك موسوليتي، على بعد النسبة بين حجمه وحجم نابوليون، كان مسيراً بعاطفة الانتقام الملازمة للأنانية الطموحة اللامبالية المحضية كل شيء من أجل أنانيتها. كان يتكلم مع لودفيغ عن سجونه، عن أنه استفاد وسر من سجونه، وأنه قرأ فيها مرة قصة دون كيشوت وعندما سأله لودفيغ بنكتة:
стр. 458
لعل هذا هو الداعي لإرسالك أعداءك السياسيين إلى السجن، ترى حينما تصدر مثل هذه الأحكام، إلا توقفك عنها ذكريات سجنك؟
فأجاب موسوليني: قطعياً. إنني أجد هذه المعاملة جد منطقية. كانوا البادئين بزجي فيه. الآن جاء دوري لأزجهم فيه.
سليم خياط
стр. 459
التعليم في سوريا
أرسل أحد قناصل الدول الكبرى في بيروت إلى محمد جميل بينهم أحد عشر سؤالا تتعلق بالتعليم والمدارس في سوريا، وطلب القنصل الجواب على هذه الأسئلة. فلباه الأستاذ بينهم وخص هذه المجلة بنشر الأسئلة وأجوبتها. .
السؤال الأول: وهي يجب أن يكون التعليم عاماً وإجبارياً مجانياً؟
١ - الجواب: نعم. يجب أن يكون التعليم عمومياً وإجباريا ومجانياً.
السؤال الثاني: - هل ترون من واجب الحكومة زيادة عدد مدارسها الابتادائية، أم من واجب المدرسة الأهلية توسيع نطاق جهودها في هذا السبيل؟
٢ - أرى أن تزيد الحكومة عدد المدارس الابتدائية في القرى ولا سيما حيث يكثر عدد الأميين كما في البقاع وجبل عامل. ويستحسن أن تقيم في كل قضاء درااً لتعليم الصنائع الأولية التي يحتاج إليها القضاء، وأن تنشئ لتعليم مبادئ الزراعة دوراً حيث تتوفر الزراعة وذلك محاربة للبطالة المتكاثرة، وأن يعنى في تلك المدارس بعلم الصحة والنظافة. وفي الوقت نفسه يجب تنشيط المدارس الوطنية الخاصة وتخصيص مساعدات حكومية لها حتى تتمكن الحكومة فيما بعد من الاعتماد عليها فيما إذا أرادت أن تجعل مدارسها مقتصرة على العلوم العالية والصنائع والفنون.
السؤال الثالث - ما رأيكم في المدارس الأجنبية؟ هل تقدرون جهودها أم لا؟ ولماذا
٣ - لا شك أن المدارس الأجنبية كان لها الأثر الواضح بتعجيل النهضة في هذه الديار ولكنها كما نفعت من حيث نشر التمدن الحديث فقد أضرت كثيراً بما كان لها من الأثر في التفريق بين أفكار أهل البلاد وأهوائهم ومقاصدهم تفريقاً أصبح مصدر مصائبنا السياسية ومن ثم صار السبب للكوارث الاقتصادية الحاضرة.
السؤال الرابع - ما هي عيوب التعليم في هذه البلاد؟
٤ - يؤخذ على طريقة التعليم في هذه الديار أنها تكاد تكون مقتصرة على مبادئ العلوم مع التخصص للمهن الحرة دون اهتمام كلي بنشر الصناعة وتحبيب الزراعة ولذلك فقد أصبح خريجو المدارس كلهم طلاب وظائف ومحامين وأطباء.
السؤال الخامس - هل ترون من الواجب تعليم البنات؟ وإلى أية سنة من العمر؟
٥ - نعم يجب العناية بتعليم البنات التعليم الناضج ولا سيما ما يفيدهن في تربية اولادهن
стр. 460
وإدارة منازلهن وتقوية روح العائلة بينهن ومن المفيد تعليمهن بعض الصناعات التي تزاول في دورهن وتدر الفائدة المالية بحيث يلجأن إليها إذا احتجن للكسب. ولا أرى أن تقيد إرادة اللاتي يرغبن في المثابرة على الدرس ولا أن تسد في وجههن ميادين الكسب العامة. فالحرية في كسب العلم ومزاولة العمل للجميع وليست خاصة في جنس دون آخر.
السؤال السادس - أترون من الواجب أن يتعلم أولاد الطوائف المختلفة في مدرسة واحدة؟
٦ - نعم بل من الواجب المفيد السعي لزيادة الاختلاط في المدارس بين أبناء الطوائف المتعددة لما في هذا الاختلاط من الفائدة في تكوين رأي عام نحن محرومون منه.
السؤال السابع - أمن المصلحة تعليم أصحاب الحقول الفلاحين)؟
٧ - ليس من المصلحة العامة نشر العلوم بين أرباب الحقول ولكن التعليم الابتدائي نعم يجب أن لا يحرم منها أحد من البشر.
السؤال الثامن - هل يجب العناية بنشر التعليم الصناعي؟ وبأية صنائع تجب العناية؟
٨ - نعم، ونحن بحاجة لصناع وأصحاب مهن من مختلف الصنائع والأعمال.
السؤال التاسع - كم هي النسبة التي ترونها واجبة في تعليم كل من اللغتين العربية والإفرنسية في المدارس الابتدائية والأولية والاستعدادية؟
٩ - أرى أن يكون التعليم كله باللغة العربية وإذا لم يكن هذا ممكناً في الحاضر فإني أود لو يكون هذا الأمر الهدف الذي نرمي إليه فنمهد له الأسباب تدريجاً على أن نباشر الآن في التدريس باللغة العربية ما يمكن أن نستغني به عن اللغة الأجنبية.
السؤال العاشر - هل من انتقاد على مهمة الإفرنسيين التعليمية في البلاد؟
١٠ - إن قبض حكومة الانتداب على زمام التعليم يجعلها مسؤولة عن الأضرار التي تصيبنا منه وعن المساوئ التي تلم به. فنحن نشكو من إهمال اللغة العربي وإهمال تاريخنا القومي وإهمال تاريخ وجغرافية البلاد إزاء اهتمام المدارس حتى الحكومية منها باللغات والتواريخ والجغرافيا الأجنبية. ونشكو أيضاً من اختلاف مناهج التربية والتعليم في المدارس. ونود لو أن دولة الانتداب تنهج نهج انكلترا في العراق فتترك للحكومة الوطنية الحرية الصحيحة لأجل توحيد برامج التعليم والتربية بين المدارس جميعها أجنبية كانت أم وطنية وتعتمد على اللغة العربية فيما يمكن وتنشر بين الناشئة المبادئ الوطنية والروح
следующие страницы →