Полный текст (812 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
كان معاملاً مثلهم.
كان في مشربه السياسي طوال هذه الامدة نورياً متحمساً. بيد أن أبيه الحداد اسكندر موسوليني كان أيضاً نورياً من قبله، وكان أبوه دولي العقيدة والنظرة، شديد العدواة للكنيسة والدين. لقد لعب دوراً لا بأس به في حركات العمل الإيطاليين. أما أمه روزا مالتوني موسوليني، فكانت معلمة بسيطة محافظة في ميولها وامرأة دينة. قد ترجع ذبذبة الطبع والرأي، التي ظهرت جلياً في أدوار حياته السياسية المتأخرة إلى هذا الاختلاف الذي كان بين والديه.
في سويسرا كان معداً لا يملك ما يزيد كثيراً عن ستر جسمه. ونعتقد أنه لذا السب دخل صفوف الثوريين وعمل معهم بنشاط. كان يسعى في تأليف الترايديونيوس (جمعيات العمال النقابية) ويدعو للإضرابات، فطارده البوليس من ناحية إلى ناحية، ثم أخرج من الاتحاد السويسري جميعاً. رجع إلى إيطاليا والتحق بجيش البيرساحجلبيري (ما يقابل القناصة في الجيش اللبناني!) ثم لما ترك العسكرية عاد إلى التعليم ليأكل وثابر على المطالعة ليتعلم. وأخيراً انخرط في الصحافة الاشتراكية.
كان طموحاً بعيد المرمى في أحلامه ومن كثرة ما خبر تأمر الغير به أصبح يرى التأمر لنفسه من اللذات المرغوبة. لما دخل في الصحافة الاشتراكية كان يضمر تحقيق أغراضه المتأصلة نفسه الفردية عن هذه الطريق، كان الحنين فيه إلى السيطرة قوياً بقدر ما كانت نفسه جموحة ومتكبرة، وبقدر ما كان يشعر به من رغبة في طمس صور الذل المخزية في صفحات حياته. ويظهر أنه في هذه ال أيام كانت معرفته بالحياة قد بلغت به إلى قول الطغرائي:
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رّجل
وإلى قول المتنبي:
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالخلق روى رمحه غير زاحم
ذلك لأن كتاباته في تلك الأيام، من صحيفة وأدبية، تتم عن نيتشوية زرادشتية شديدة التمسك بفرديتها، في أحاديثه مع لودفيغ يصرح بحقيقته هذه مرات عدة، ويعترف بأن نيتشه كان دائماً معلمه، وأنه كان دائماً تلميذه. وقد كان في زمان شبابه شبه فوضوي أكثر
стр. 457
بكثير مما كان اشتراكياً. والفوضوي في عرف موسوليني هو ديكتاتور بالناقص، أي دكتاتور غير منصوب. وبالتالي الفوضوي فوضوي لأنه ليس بدكتاتور.
ونرى كذلك أنانية موسوليني وحبه للسيادة في ناحية الانتقام التي تنطوي عليها نفسه فإن حب الانتقام طبع يرافق الأثرة، وتحترق له شعلة أكّالة في قلب من رفع هيكل عبادته أمام شهوات أنانيته الفردية.
في سير الحركات المجموعية، التي تسير بجاذبية المثل الأعلى، لا نجد أثراً للانتقام الشخصي عند الأفراد القائدين لتلك الحركات. فالثورة الإفرنسية، مثلاً، وقعت فيها فظائع. بيد أن فظائعها ما كان لتتصف بأية صبغة أو شهرة مفترسة يضمرها إبطالها، كما وأنها لم تتصف بحب التعذيب الذي يرافق حب الانتقام، إن رجال الثورة الإفرنسية لم يقتلوا ولم يسجنوا أحداً. هي الثورة التي قتلت وسجنت والثورة كانت بحالة اجتياح، هو المثل الأعلى الذي قتل وسجن، ومع ذلك لم يكن في فظائع الثورة شيء من هذه الخلة الحيوانية، خلة التلمظ والتلذذ بألم لم يكن بألم الفريسة الضعيفة - غرام التعذيب. أما رجال الثورة الباروزن المتطرفون، فالمعروف عنهم أنهم كانوا أفراداً أنكروا نفوسهم لدرجة أن بعضهم - خصوصاً ماراً وروبسبير - أهملوا أكلهم وملبسهم وخصوصياتهم الصغيرة. كان الواحد منهم يبدو كأنه لا وجود له، وكان الوجود جميعه عندهم فكرة يجب أن تتحقق. مثل هذا يقال أيضاً في كرومويل وفي رجال الثورة الروسية.
لكن بالعكس من ذلك، نلاحظ في الحركات التي لا ترافقها جاذبية من المثل الأعلى، والتي لا تتقدمها شخصيات وأغراض متلاشية في شخصية المجموع وأغراضه، إن الروح الانتقامية الفردية مع ما يلحق بها من حب التعذيب تكون فيها سائدة مديرة. من يدرس نابوليون يشعر أن حياة هذا الرجل كانت منذ أول ما ظهر وأول ما عمل سلسلة من حوادث الانتقام ابتدأت معه بصورة فردية صغيرة، ثم امتدت به وتوسعت حتى أدخلت جميع أوروبا في شراكها. كذلك موسوليتي، على بعد النسبة بين حجمه وحجم نابوليون، كان مسيراً بعاطفة الانتقام الملازمة للأنانية الطموحة اللامبالية المحضية كل شيء من أجل أنانيتها. كان يتكلم مع لودفيغ عن سجونه، عن أنه استفاد وسر من سجونه، وأنه قرأ فيها مرة قصة دون كيشوت وعندما سأله لودفيغ بنكتة:
стр. 458
لعل هذا هو الداعي لإرسالك أعداءك السياسيين إلى السجن، ترى حينما تصدر مثل هذه الأحكام، إلا توقفك عنها ذكريات سجنك؟
فأجاب موسوليني: قطعياً. إنني أجد هذه المعاملة جد منطقية. كانوا البادئين بزجي فيه. الآن جاء دوري لأزجهم فيه.
سليم خياط
стр. 459
التعليم في سوريا
أرسل أحد قناصل الدول الكبرى في بيروت إلى محمد جميل بينهم أحد عشر سؤالا تتعلق بالتعليم والمدارس في سوريا، وطلب القنصل الجواب على هذه الأسئلة. فلباه الأستاذ بينهم وخص هذه المجلة بنشر الأسئلة وأجوبتها. .
السؤال الأول: وهي يجب أن يكون التعليم عاماً وإجبارياً مجانياً؟
١ - الجواب: نعم. يجب أن يكون التعليم عمومياً وإجباريا ومجانياً.
السؤال الثاني: - هل ترون من واجب الحكومة زيادة عدد مدارسها الابتادائية، أم من واجب المدرسة الأهلية توسيع نطاق جهودها في هذا السبيل؟
٢ - أرى أن تزيد الحكومة عدد المدارس الابتدائية في القرى ولا سيما حيث يكثر عدد الأميين كما في البقاع وجبل عامل. ويستحسن أن تقيم في كل قضاء درااً لتعليم الصنائع الأولية التي يحتاج إليها القضاء، وأن تنشئ لتعليم مبادئ الزراعة دوراً حيث تتوفر الزراعة وذلك محاربة للبطالة المتكاثرة، وأن يعنى في تلك المدارس بعلم الصحة والنظافة. وفي الوقت نفسه يجب تنشيط المدارس الوطنية الخاصة وتخصيص مساعدات حكومية لها حتى تتمكن الحكومة فيما بعد من الاعتماد عليها فيما إذا أرادت أن تجعل مدارسها مقتصرة على العلوم العالية والصنائع والفنون.
السؤال الثالث - ما رأيكم في المدارس الأجنبية؟ هل تقدرون جهودها أم لا؟ ولماذا
٣ - لا شك أن المدارس الأجنبية كان لها الأثر الواضح بتعجيل النهضة في هذه الديار ولكنها كما نفعت من حيث نشر التمدن الحديث فقد أضرت كثيراً بما كان لها من الأثر في التفريق بين أفكار أهل البلاد وأهوائهم ومقاصدهم تفريقاً أصبح مصدر مصائبنا السياسية ومن ثم صار السبب للكوارث الاقتصادية الحاضرة.
السؤال الرابع - ما هي عيوب التعليم في هذه البلاد؟
٤ - يؤخذ على طريقة التعليم في هذه الديار أنها تكاد تكون مقتصرة على مبادئ العلوم مع التخصص للمهن الحرة دون اهتمام كلي بنشر الصناعة وتحبيب الزراعة ولذلك فقد أصبح خريجو المدارس كلهم طلاب وظائف ومحامين وأطباء.
السؤال الخامس - هل ترون من الواجب تعليم البنات؟ وإلى أية سنة من العمر؟
٥ - نعم يجب العناية بتعليم البنات التعليم الناضج ولا سيما ما يفيدهن في تربية اولادهن
стр. 460
وإدارة منازلهن وتقوية روح العائلة بينهن ومن المفيد تعليمهن بعض الصناعات التي تزاول في دورهن وتدر الفائدة المالية بحيث يلجأن إليها إذا احتجن للكسب. ولا أرى أن تقيد إرادة اللاتي يرغبن في المثابرة على الدرس ولا أن تسد في وجههن ميادين الكسب العامة. فالحرية في كسب العلم ومزاولة العمل للجميع وليست خاصة في جنس دون آخر.
السؤال السادس - أترون من الواجب أن يتعلم أولاد الطوائف المختلفة في مدرسة واحدة؟
٦ - نعم بل من الواجب المفيد السعي لزيادة الاختلاط في المدارس بين أبناء الطوائف المتعددة لما في هذا الاختلاط من الفائدة في تكوين رأي عام نحن محرومون منه.
السؤال السابع - أمن المصلحة تعليم أصحاب الحقول الفلاحين)؟
٧ - ليس من المصلحة العامة نشر العلوم بين أرباب الحقول ولكن التعليم الابتدائي نعم يجب أن لا يحرم منها أحد من البشر.
السؤال الثامن - هل يجب العناية بنشر التعليم الصناعي؟ وبأية صنائع تجب العناية؟
٨ - نعم، ونحن بحاجة لصناع وأصحاب مهن من مختلف الصنائع والأعمال.
السؤال التاسع - كم هي النسبة التي ترونها واجبة في تعليم كل من اللغتين العربية والإفرنسية في المدارس الابتدائية والأولية والاستعدادية؟
٩ - أرى أن يكون التعليم كله باللغة العربية وإذا لم يكن هذا ممكناً في الحاضر فإني أود لو يكون هذا الأمر الهدف الذي نرمي إليه فنمهد له الأسباب تدريجاً على أن نباشر الآن في التدريس باللغة العربية ما يمكن أن نستغني به عن اللغة الأجنبية.
السؤال العاشر - هل من انتقاد على مهمة الإفرنسيين التعليمية في البلاد؟
١٠ - إن قبض حكومة الانتداب على زمام التعليم يجعلها مسؤولة عن الأضرار التي تصيبنا منه وعن المساوئ التي تلم به. فنحن نشكو من إهمال اللغة العربي وإهمال تاريخنا القومي وإهمال تاريخ وجغرافية البلاد إزاء اهتمام المدارس حتى الحكومية منها باللغات والتواريخ والجغرافيا الأجنبية. ونشكو أيضاً من اختلاف مناهج التربية والتعليم في المدارس. ونود لو أن دولة الانتداب تنهج نهج انكلترا في العراق فتترك للحكومة الوطنية الحرية الصحيحة لأجل توحيد برامج التعليم والتربية بين المدارس جميعها أجنبية كانت أم وطنية وتعتمد على اللغة العربية فيما يمكن وتنشر بين الناشئة المبادئ الوطنية والروح
стр. 461
الاستقلالية مستعينة في كل ذلك بنشر تاريخنا القومي وآدابنا الشرقية. وعدا ذلك فإني أود لو يحصر حق التعليم الابتدائي في المدارس والمعاهد الوطنية.
السؤال الحادي عشر - لأية مدرسة ترسل أولادك؟
١١ - لو كان لي ولد لفضلت أن أعلمه في إحدى الكليات الوطنية. يمثل هذا التنشيط تبلغ هذه المدارس المستوى الذي نريده لها، ونبلغ بها أمنيتنا المنشودة.
стр. 462
نظرية ابن سينا في السعادة
السعادة من الأمور التي فكر الإنسان فيها من القدم فهام بها وعشقها، ولا يزال اليوم يبحث عنها كما يبحث الجائع عن الطعام. ذلك لأن ارتقاء الصناعة والرفاه لم يحسن حالة الإنسان ولا قربه من البهجة التي ينشدها والسعادة التي يحلم بها.
فالألم الذي كان يمزق الأحشاء ويضني النفوس في الماضي لا يزال اليوم يمزق أحشاء الملايين من الناس والغم الذي ساور نفوس الأقدمين زاد بازدياد حاجات الحياة وكثرة أسباب المعاش وتعقدها. نعم إن إنسان اليوم أحسن حالاً من الإنسان الأول ولكنك لا تزال ترى على وجه الأرض أنساً يتضورون جوعاً ويئنون تحت عبء البؤس والشقاء.
لقد بحث الفلاسفة منذ القدم في الطريق التي يجب على الإنسان سلوكها للوصول إلى السعادة وهم اليوم لا يزالون يبحثون أيضاً عن طريقة يبددون بها ما يحيط بالإنسانية من الظلمات. لكل زمان فلاسفة ولكل فيلسوف أحلام وكل خيال حقيقة. كل فيلسوف يضع في مصباح الحياة ذبالة جديدة وترتيباً جديداً فأما أن يصبح نور الحياة واضحاً بهذا الزيت الجديد وأما أن يمسى ضئيلاً. فما هو النور الجديد الذي وضعه ابن سينا في طريق الوصول إلى السعادة؟
١ - الخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرف
أن رأي الشيخ الرئيس في السعادة تابع لرأيه في العناية الإلهية. وقد عرف ابن سينا هذه العناية الإلهية بقوله:
العناية هي إحاطة علم الأول بالكل وبالواجب أن يكون عليه الكل حتى يكون على حسن نظام ومعنى ذلك أن العناية هي علم الإله بكل ما في الكون من الأشياء وبكل ما يجب أن تكون عليه ليتم اتسق الوجود ويكون الخير فيه غالباً على الشر. وهذا يدل على أن ابن سينا كثير التفاؤل. فهو يعتقد أن الخير يفيض من المبدع الأول على هذا العالم. كأن الموجودات كلها سابحة في بحر من الخير، كل منها ينال من الخير ما هو جدير به وما هو لائق له. وهذا النظام هو احسن نظام يمكن أن يكون عليه الوجود، وهذا العالم هو أحسن ما يمكن أن يتصوره العقل ويدركه الخيال.
ولكن كيف وجد الشر في هذا العالم وما هي حكمة الله من وجوده. كيف فاض الشر من المبدع الأول وهو خير مطلق. هو تتولد الظلمة من النور، أم هل ينشأ النقص عن الكمال.
стр. 463
الجواب على ذلك أن الشر ليس الغالب في الوجود لأن الخير، كما يقول ابن سينا مقتضى بالذات أما الشر فمقتضى بالعرض ومعنى ذلك أن الإله لا يريد إلا الخير، وهو ينفح الوجود بنسماته ولم يتولد الشر إلا من المادة ولذلك كان الشر غير موجود في الأفق الأعلى بل هو موجود دون فلك القمر أي في عالم الكون والفساد.
ولكن لماذا وجد الشر؟ ألم يكن في وسع المبدع الأول أن يوجد خيراً مطلقاً مبرأّ عن الشر (نجاة ص ٤٧١٠) ألم يكن في وسع المدبر الحكيم أن يبدع اللذة ولكن في غير هذا النمط من الوجود. إلا أن هذا العالم يقتضي وجود الخير مع الشر، وهو عالم القوة والفعل وحيث توجد القوة لا بد من وجود الإمكان والنقص أي لا بد من وجود الشر. إلا أن هذا الشر هو أقل ذيوعاً من الخير. ولو كان طبيعة الوجود، والشر من طبيعة العدم. فالخير الكلي يقتضي وجود الشر الجزئي ولا معنى للخير بدون الشر كما أنه لا معنى للنور يدون الظلمة.
ولكن لماذا خلق العالم على هذا النمط؟ أليس من الممكن أن يكون الوجود كله خيراً مطلقاً. لا محل لهذا السؤال في فلسفة ابن سينا لأنه جعل الإنسان في فهم حقيقة الخير والشر قاصراً عن إدراك حكمة الخالق. قال (لو كان أمر الله تعالى كأمرك وصوابه كصوابك وجميله كجميلك وقبيحه كقبيحك، لما خلق أبا الأشبال أعصل الأنساب أحجن البرائن لا يغذوه العشب. فالإله لا يراعي ما نراعي نحن في حكامنا الضيقة وأحلامنا القاصرة بل ينظر إلى الوجود الكلي ونحن لا ننظر إلا الوجود الجزئي.
٢ - السعادة ليست في اللذة
الإنسان قادر بعقله أن يميز بين الفضيلة والرذيلة فيميل إلى الخير ويتجنب الشر ولكن ما هو الشيء الذي نبحث عنها جميعاً ونرغب فيه؟ الأحياء كلها ترغب في اللذة. ولكن هل يمكن أن يقال أن السعادة في اللذة؟
إن رأى ابن سينا في اللذة لا يختلف بالجملة عن رأي أرسطو القائل أن اللذة في الفعل. لكل فعل قوة تحدثه ولكل قوة من القوى النفسانية لذة تخصها. مثال ذلك أن لذة الغضب الظفر، ولذة الوهم الرجاء، ولذة الحفظ تذكر الأمور الماضية فالشعور بكل ما يلائم هذه القوى يولد لذة، وهذه اللذة هي إدراك الكمال. وكلما كان الكمال الذي تحصل عليه النفس
стр. 464
أتم وأفضل كانت اللذة التي ندركها أبلغ وأشد.
على أن ابن سينا لا يرى السعادة في ابتاع كل لذة بل يراها في الكمال والخير يدل على ذلك انقسام اللذات عنده إلى عاليه وخسيسة. فالجاهل الذي لا يدرك اللذات العالية ولا يشعر بها أشبه بالأصم الذي لا يدرك الألحان اللذيذة والأكمه الذي لا يشعر بالألوان الجميلة. وكيف تقاس هذه اللذة العالية بتلك اللذة الحسية الخسيسة. نعم إننا في عالم المادة المظلم يمنعنا حجاب الحس من إدراك المثل الأعلى ولكنا إذا خلعنا ربقة الشهوة والغضب من أعناقنا وطالعنا شيئاً من تلك اللذة السامية، فحينئذ ربما تخيلنا منها خيالاً طفيفاً خفيفاً: (نجاة - ٤٨٢). فاللذات المعنوية إذن أفضل من اللذات المادية. وكثيراً ما يفضل الإنسان الألم الفادح على اللذة السائحة. فإذا علم أن اللذة ستسوقه إلى افتضاح أو خجل أو تعيير أو شوق أعرض عنها. ولذلك كانت الغايات العقلية السامية أكرم على النفس من الشهوات الخسيسة التي يحتقرها العاقل ويستخف بها الحكيم. أما النفوس الخسيسة فإنها لا تدرك إلا القريب ولا تبتهج إلا بالمحسوس ولا تتطلع إلى ما في الأمور العالية لأن اللذات الخالدة قال ابن سينا: إذا كنت في البدن وشواغله وعلائقه ولم تشتق إلى كمالك المناسب أو لم تتألم بحصول ضده فاعلم أن ذلك منك لا منه (إشارات ٩٤) يريد بذلك أن فقدان الاشتياق إلى الكمال وعدم التألم من الجهل راجع إلينا لا إلى المعقولات. لأن إشغال النفس بالشهوات واتصالها بالمادة يمنعانها من الالتفات إلى الملأ إلا على. قال: إن النفوس السليمة التي هي على الفطرة، إذا سمعت ذكراً روحانياً غشيها غاش شائق لا يعرف سببه وأصابها وجد مبرح ولذة مفرحة يفضي ذلك إلى حيرة ودهش. فالنفوس قادرة إذن بما فيها من الاستعداد والشوق أن تصل إلى شيء من السعادة في هذه الدنيا وذلك بالتأمل والتفكير في المبادئ الروحانية إلى الخلود.
٣ - مراتب النفوس البشرية
قسم ابن سينا النفوس إلى مراتب وقال أنها على اختلاف أنواعها قادرة على إدراك اللذة الحقيقية قبل الموت.
إن أجل سعيد وأحسن مبتهج بذاته هو المبدع الأول ويتلوه في مراتب السعادة الجواهر العلوية التي تبتهج بذواتها وتتأمل خالقها. فكما كانت الجواهر قريبة من المبدع الأول كانت
стр. 465
أكثر كمالاً وأشد عشقاً واشتياقاً، وكلما ابتعدت عنه قلت سعادتها وخف كمالها.
ثم يتلو مراتب الجواهر العلوية مرتبة العشاق المشتاقين فهم من حيث هم عشاق
قد نالوا قسطاً من الكمال وهم بما حصلوا عليه من الكمال مبتهجون سعيدون. نعم
انه قد يكون لهم أصناف من الأذى من حيث هم مشتاقون، لأن الشوق يولد العذاب إلا أن هذا الأذى الذي يصيبهم لذيذ، وهذا الشوق الذي يحرك نفوسهم عذب.
ثم يتلو هذه النفوس نفوس أخرى بشرية مترددة بين جهتي الربوبيه والسفالة لا هي في المثل الأعلى ولاهي في الحضيض، بل تارة تسمو وتارة تنحط من درجة إلى درجة.
ويتلو هذه المرتبة مرتبة أخرى هي في الحضيض الأسفل من المادة. قال ابن سينا: وهي مرتبة النفوس المغموسة في عالم الطبيعة المنحوسة التي لا مفاصل لرقابها المنكوسة وأصحاب هذه النفوس هم بدون شك أشقى المخلوقات وأكثرهم بؤسا وأسؤهم حالاً.
٤ - مقامات العارفين
ثم إن ابن سينا بعد أن ذكر أنواع ابتهاج الموجودات بكمالاتها المختصة بها عاد إلى ذكر أهل الكمال من النوع الإنساني فقال: إن للعارفين مقامات ودرجات يخصون بها وهم في حياتهم الدنيا دون غيرهم فكأنهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وتجردوا عنها إلى عالم القدس ولهم أمور حفية فيهم وأمور ظاهرة عنهم يستنكرها من ينكرها ويستكبرها من يعرفها (إشارات، ص - ١٠١). إن هؤلاء العارفين هم المتصوفون الذين يتوصلون بالرياضة إلى مشاهدات يعجز عن إدراكها الوهم والمتصوفون في رأي ابن سينا هم أهل البهجة والسعادة في هذه الحياة.
وقد ذكر ابن سينا صفات العارف المتخلي عن شواغل البدن بألفاظ ساحرة فقال:
العارف هش بش بسام يبجل الصغير من تواضعه كما يبجل الكبير وينبسط من الخامل كما ينبسط من النبيه. وكيف لا يهش وهو فرحان بالحق وبكل شي يرى فيه الحق ولا فرق عنده بين الكبير والصغير ولا يعرف الطمع سبيلا إلى قلبه وهذا الخلق هو خلق الرضا والقناعة فلا يخاف العارف من هجوم شيء ولا يحزن على فوات شيء بل يفرح ويبتهج بما أدركه كما يبتهج العاشق بالوصول إلى حبيبه.
العارف لا يعنيه التجسس ولا التحسس ولا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر كما تعتريه
стр. 466
الرحمة. وإذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح لا بعنف معير وذلك لشفقته وحبه.
العارف شجاع وكيف لا وهو بمعزل عن خوف الموت. وجواد وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل وصفاح للذنوب وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها ذلة بشر ونساء للأحقاد وكيف لا وذكره مشغول بالحق.
العارف يفضل التقشف على الترف ولربما ارتاد البهاء في كل شيء وأصغى إلى
الزينة وأحب من كل جنس أكرمه.
العارف هو المنصرف بفكره إلى الأفق الأعلى والمستديم لشروق النور عليه. والزهد عند العارف تنزه والعبادة رياضة لا يطلب منها ثواباً ولا يتجنب بها عقاباً وهو يريد الحق لا بشيء غيره ولا يؤثر شيئاً على عرفانه به وتعبده له للعارف في الوصول إلى الملأ الأعلى درجات وهذه الدرجات تنقسم إلى قسمين درجات السلوك ودرجات الوصول.
فأول درجات السلوك درجة الإرادة وهي ما يعتري المتطلع إلى العالم الروحاني من الرغبة في الاعتصام بالعروة الوثقى والاتجاه نحو الحق ويسمى صاحب هذه المرتبة بالمريد.
ثم تأني درجة الرياضة لان المريد محتاج إليها وهي عبارة عن نهي النفس عن هداها وأمرها بطاعة مولاها (إشارات ١١٥) ومنعها من الالتفات إلى سوى الحق ثم إذا بلغت الإرادة بالمريد حداً أعلى من الأول سنحت له خلسات يطلع بها على نور الحق وهي خلسات لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه وتسمى هذه الخلسات عند المتصوفين أوقاتاً. وقد يرتقي المريد إلى أكثر من ذلك في الرياضة فيرى الحق في كل شيء.
ثم أنه لتبلغ به الرياضة مبلغاً يصير فيه المخطوف مألوفاً والوميض شهاباً ويتم له
معارفة مستقرة كأنها صحية مستمرة.
ثم يرتقي من مرتبة أدنى إلى مرتبة أعلى حتى يعبر درجة الرياضة ويقترب من الله فيتمثل فيه جمال المبدع وتقضي عليه اللذات الحقيقية.
ثم انه ليغيب عن نفسه فلا يرى إلا المعبود ولا يلحظ إلا جمال الحق وينسى نفسه. وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي ذات زينة. وهذه المتصوفة
إلى درجة المحو والفناء.
غير أن ابن سينا لم يصف لنا هذه الدرجات بل قال: إن هذه الدرجات لا يفهمها
стр. 467
الحديث ولا تشرحها العبارة ولا يكشف المقال فيها غير الخيال ومن أحب أن يتعرفها فليتدرج إلى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة ومن الواصلين إلى
العين دون السامعين إلى الأثر. (إشارات ص - ١٢١) وهناك لا يبقى كما قال الطوسي واصف ولا موصوف ولا سالك ولا مسلوك ولا عارف ولا معروف أو كما قال الغزالي في المنقذ من الضلال، هناك درجات يضيق عنها نطاق العقل ولا
يحاول معبر أن يعبر عنها بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
تلك هي مقامات العارفين الذين يرتقون من نطاق الطبيعة الضيق إلى فضاء العقل
الواسع وكل ما ذكرته حتى الآن من أحوالهم دليل على أن النفس قادرة في مذهب
الشيخ الرئيس أن تنال أوقاتاً من السعادة الحقيقية وهي في البدن. وذلك بتكميل قوتها النظرية بالعلوم وتهذيب قوتها العملية بالفضائل التي أصولها العفة والشجاعة والعدالة ليس بإتباع اللذة الحسية والشهوة العمياء بل بإيثار اللذة العالية المطابقة للحكمة. وهذا ما يرفع النفس ويبلغ بها درجات الكمال حتى لقد يصرفها عن هذا العالم الدنيء ويرتقي بها إلى الملأ الأعلى حيث تستطيع أن ترى الحق وتتصل به وتدرك من السعادة درجة لا يمكن وصفها.
جميل صليبا
стр. 468
هداية القلوب إلى تّجنب الذنوب
حدثني بعض أصحابي قال:
- لي جار فيلسوف لا أحبه ولا اكرهه وإنما يسرني أن التقي به وألهو بمعرفة أخباره، فقد كان من أمره أمس انه وضع قمحاً في كيس ثم أحضر أحد الفقراء وقال له وهبتك هذا القمح فقبل الفقير يديه ودعا له. ثم سأله أن يسمح له بنقل القمح إلى داره فقال، وعيناه تقدان، لا تحمل هذا الكيس إني اشتريه منك بأحسن من ثمنه فبكى الفقير فرحاً وألقى بنفسه على الأرض وهو ذاهب العقل، واله النفس من شدة الفرح فطيب جاري قلبه وسكن روعته ثم أعطاه ثمن القمح وزاد عليه وخرج الفقير يتعثر بأذياله. فقلت لجاري الفيلسوف أفوهبت القمح لتشتريه بأغلى من ثمنه إن هذا لأمر عجاب. قال إن في أحد الأكياس قطعة من ذهب وضعتها فيه زكاة عن نفسي وعن أولادي. وقد استنبطت هذه الطريقة لاسترجاعها أما الفقير فقد كان كما رأيت قانعاً مسروراً بما حصل عليه.
- قلت لصاحبي إن جارك رجل عجيب قال سأجمعك به في داري فلما التقيت به هناك سألته أن يشرح لي رأيه في هذه الطريقة.
- قال إن هذه الحيلة حالة خاصة من نظريتي في هداية القلوب إلى تجنب الذنوب.
قلت: وما هي هذه النظرية؟
قال: هي النظرية التي تحول الكذب إلى حقيقة!. إنك تستطيع بهذه النظرية أن تخفي الحقيقة من غير أن تعترف بالكذب. وهي على أقسام: أولها فلسفة الالتباس وهي أن تستعمل في إخفاء الحقيقة ألفاظاً مبهمة تحتمل معنيين أو ثلاثة، فتسوق محدثك إلى المعنى الظاهر وتقصد من اللفظ غير ما فهمه كقولك أني لم أره في حلب فيحسب سامعك انك تقصد مدينة حلب وأنت في الباطن تقصد معنى آخر له صلة بالحليب.
- قلت وإذا لم يكن في المعنى التباس قال إننا نستعمل عند ذلك نظرية الحر الباطني وهي أن تقسم مثلاً أنك لم تفعل هذا الأمر في حين أنك فاعل له فتقول بصوتٍ عالٍ والله لم افعل ذلك ثم تمم قسمك قائلاً في داخلك: قبل أن أولد أو في هذا النهار أو أمس فيظن السامع انك لم تفعل ذلك أبداً في حين أنك حصرت قسمك في زمن دون آخر، وهذه الطريقة من خير الطرق الأدبية التي يصان بها الشرف وتحفظ الصحة ويكتسب المال.
ثم أطرق صامتاً وقال:
стр. 469
بالأمس كنت عند احد التجار فهديته إلى طريقة يستطيع بها أن يربح مالا كثيراً
وهي أن يبيع احد أصدقائه شيئاً من بضاعته بيعاً وهمياً بالثمن الذي يريده ثم
يقسم أمام عملائه انه باع هذه البضاعة بثمن كذا، وإذا اقسم على هذه الصورة
كان قسمه مطابقاً للحقيقة.
- قلت ولكنك بهذا الكذب قربت البعيد وأبعدت القريب وقدمت صالحك على كل شيء.
- قال لا تقولن هذا كذب، لأنك لم تقل إلا الحقيقة، ولا ضير عليك إذا انخدع سامعك، ولم يدرك حقيقة ما نطقت به. فالنقص في القابل لا في الواهب.
وهناك واسطة ابسط من الأولى وهي أن تقسم على الكلام لا على الأشياء فتقول اقسم ثم تقول في داخلك أنني أقول وتتمم قسمك قائلا أنني لم افعل هذا الأمر. فإذا فعلت ذلك لم تقل إلا الحقيقة.
- قلت: نعم، ولكنك تعلن الباطل جهراً وتكتم الحق في نفسك.
لقد أخلفتني وخلفت حتى ... أخالك قد كذبت وان صدقتا
ألا لا تحلفن عن كلام ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا
стр. 470
القدم العارية
حاولت النهوض وهي تتمتم قائلة:
إنه أرق السعادة
إنما شعرت بذراعي زوجها النائم تحيطان بخصرها وتمنعانها من النهوض وبأنفاسه الحارة تملأ إبطها وتعبث بشعره الناعم.
على المنضدة مصباح من الخزف الأغبر، خنيق النور، ينشر فوق السرير أضواء كدراء راجفة تكشف عن قدم عارية، قدم زوجها وقد برزة من الغطاء والتوت نحو الحائط وعليها كدرة قائمة.
نظرت إلى هذه القدم العارية وبسمت
ثم أخذت تسأل نفسها أهي سعيدة. .؟
أجالت ببصرها في أنحاء الحجرة وكأنما الغبطة تملأ فؤادها ونظرت إلى الأشياء المبعثرة هنا وهناك. . . أهي سعيدة؟ بلى، كلا. . . إن في قرارة نفسها حزة ألم، حزة يخالطها شيء من اليأس وخيبة الأمل. نظرت إلى زوجها الذي لم تعرفه إلا منذ عشرة أيام قضتها في داره وأخذت تعجب كيف أنها ترقد إلى جانب رجل. . لا مجال للشك أنها ترقد بين ذراعين عاريتين تجتذبانها إلى صدر اشعر يا لهذا الزوج
ما أغربه!
رجل لا تعرفه الفتاة: فإذا بها زوجة له. . . . زوج رجل تخجل أن تريه ساعديها قبل يوم وإذا بها بعد ليلة ترقد إلى جانبه عارية الساعدين مكشوفة النهدين.
أطبقت عينيها وراحت تفكر كما هو شأنها منذ عشر ليال. لقد كانت كل ليلة بعد نوم زوجها إلى جانبها واستسلامه للكرى تطبق عينيها وتحاول إحياء الماضي إنما أنفاس الزوج الحارة تحول بينها وبين الرجوع إلى ما قرب من الغابر وتجعلها في دائرة ضيقة لا تتجاوز حدود عشرة أيام من الزمن فهي مهما حاولت أن تمضي بخيالها لا تتعدى ذكريات الزواج. ثم تفتح عينيها وتجيلهما في الحجرة وفي أثاثها الجديد أثاث غرفة الزواج أو الزوج. إن هذه الحجرة بما فيها من رياش ضخمة قائمة وما انعكس عليها من نور ضعيف لا تشبه بشيء الحجرة التي كانت تسكنها الفتاة العذراء منذ أيام فيخيل لها أنها في حلم أو أنها عروس تصفها إحدى قصص ألف ليلة وليلة فتطرب لهذا الخيال وتأرق من جرأته وها هي في هذه
стр. 471
الليلة العاشرة يعاودها الأرق رعشة مفاجئة في جسم الزوج وحركة في قدمه العارية. يحسن بي أن أطفئ المصباح. . .
وقوست ظهرها ولوت خصرها وحاولت التسلسل من بين الساعدين المحيطين
فما استطاعت فرددت في نفسها قائلة: كأنني في قفص.
ورفعت رأسها عن الوسادة ثم أمالته ونظرت إلى القدم العارية. . . وعادت تقول
في نفسها
- ما أضخم هذه القدم
قدم منتفخة العقد، بارزة المفاصل، بادية العروق مكتلة الأظافر تتلامع فوقها بضع شعرات تقرب من الشقرة والأضواء الراجفة تحمل ظلال هذه القدم نحو الحائط وتطبعها فوقه ضخمة غليظة يقشعر لها البدن.
حاولت التملص أيضاً من بين ذراعي الزوج واستطالت نحو القدم العارية تحاول سترها وإنما رجفة أخرى بدت من الزوج اهتز لها جسمه الضخم وتحركت القدم من جديد وارتفعت وهبطت ومال الإبهام على الإصبع التي تجاوره.
ودوى في الشارع بوق سيارة تمر وتجاوبت جدران الحجرة القائمة فتحرك جسم الزوج النائم وارتجف وانفرجت أصابع القدم العارية عن بعضها وظلت كذلك كأنها مخالب برزت من قنوبها ثم عاود جسم الزوج سكونه وأخذ يغط في نومه.
خفت صوت البوق ثم تلاشى وعاد إلى الحجرة ما كان فيها من سكون ولانت الأصابع وتضامت وأشبهت القدم ضفدعة مفلطحة. فتمتمت الزوجة بصوت راجف: ما أقبح هذه القدم؟
أللقدم أذنان؟ أتسمع القدم؟ أتشعر. . .؟ أغضبت لان امرأة استقبحتها وكرهتها؟ انفرجت الأصابع الخمس دفعة واحدة ثم تقوست واحتجنت الغطاء فجذبته واستترت به وكأنها غاضبة خجولة.
جلس الزوج إلى المائدة وشمس الصباح تلمس قدمه التي مازالت عارية وكانت الشعرات الشقراء التي عليها تتلامع كخيوط دقيقة:
امسك بالسكين وقال:
стр. 472
أأقتطع لك قطعة من الزبدة؟
وما أن حرك يده حتى أفلتت السكين منها وسقطت فوق قدمه وعلقت بالفرجة التي بين الإصبعين.
شعرت الزوجة برجفة من السرور تتسرب إلى نفسها وكأن السكين تنتقم لها من هذه القدم العارية التي أقلقت مضجعها ليلة كاملة. . . إنما تكتمت ورأت نفسها مضطرة للتملق فسارعت إلى القدم العارية تحيطها براحتيها وتجذبها إلى صدرها وتحنو عليها. .
طرب الزوج معتزاً وتاه مفتخراً.
ليلى. س.
стр. 473
بول بنليفه
حملت إلينا الأنباء الأخيرة خبر وفاة العالم الكبير والسياسي المشهور بول بنليفه فكان لهذا النبأ وقعه العظيم في المحافل العلمية والأندية السياسية في الغرب عامة وفي فرنسا خاصة.
ولد هذا العالم الكبير في باريز سنة ١٨٦٣ وكان أبوه رساماً من عمال المطابع فدخل المدرسة الابتدائية وظهر استعداده للرياضيات وهو لا يزال في الحادية عشرة من سنه، قال عن نفسه: قد درسني أستاذي في المدرسة الابتدائية كل ما كان يعرفه من مبادئ العلوم فحصلت مواد البكالوريا العلمية وعمري إذ ذاك ١١ سنة ثم انه دخل مدرسة المعلمين العليا سنة ١٨٨٣ وعمره ٢٠ سنة فلما خرج منها اسند إليه تعليم الرياضيات في جامعة (ليل) وعمره ٢٣ سنة ثم درس الرياضيات في استوكهولم سنة ١٨٩٥ ثم عين محاضراً في جامعة الصوربون وعمره لا يزيد عن الثامنة والعشرين ثم انتخب عضواً في المجتمع العلمي ١٩٠٠ ثم أستاذا في الصوربون ١٩٠٥ ثم رئيساً لمجلس إدارة الرصد في باريز ثم رئيساً لمدرسة الصنائع والفنون وأستاذا في مدرسة الطيران أما حياته السياسية فلم تكن دون حياته العلمية نشاطاً فقد انتخب لأول مرة نائباً عن باريز سنة ١٩١٠ فتنقل في مناصب الدولة من وزارة إلى لأخرى حتى صار رئيساً للوزراء ثلاث مرات ورئيسا لمجلس النواب مرتين ووزيراً خمس عشرة مره وكان أثناء الحرب العامة مكلفاً بتنظيم الاختراعات المتعلقة بالدفاع الوطني.
١ - بنليفه العالم
لقد كان نبوغ بنليفه العلمي شبيهاً بنبوغ باسكال من حيث سرعة شدته فقد بدأ بالاختراع وهو لا يزال تلميذاً فذاع صيته وانتشر اسمه في النوادي العلمية قبل أن يخرج من المدرسة. ثم توالت اختراعاته العلمية حتى صار من أئمة الرياضيات في العصر الحاضر. فمن المباحث التي أبدع فيها مسائل المنحنيات والسطوح الجبرية ومعادلات التفاضل وتطبيقات الجمل المتصلة مع التوابع، وتوابع القطوع الناقصة وغير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره هنا وقد نشر من الكتب بديهيات الميكانيك، ودروس الميكانيك التي ألقاها في مدرسة الصنائع وكثيراً من الرسائل التي تبحث في التوابع ومعادلات التفاضل وهو صديق هنري
стр. 474
بوانكارة وزميل (بول آبل) وله بدا لامبر ولا غرانج صلة فكرية لأنهم جميعاً من مذهب واحد هو مذهب ديكارت ومذهب إقليدس. وهذا المذهب يقتضى أن يكون المكان متجانساً لا نهاية له. ولذلك كانت الهندسة التحليلية التي اخترعها (ديكارت) لا تخالف مبادئ إقليدس بل تتمها وحساب التفاضل لا يخالف مبادئ الجبر الأولى بل يوسعها. وقد ظن بنليفه أن معادلات التفاضل التي اخترعها تنطبق على الكون. فلما علم بنظريات (آينشتين) في النسبية ومخالفتها لمبادئ نيوتن وإقليدس وقف في وجهها وقفة المدافع الجسور الذي يود أن يحافظ على الكون الإقليدسي. ولم يخضع لنظرية النسبية إلا يوم جاء آينشتين إلى باريز وألقى محاضرته في (الكوليج دو فرانس) وجاء بنليفه إذ ذاك واستقبله لا باسم العلم فقط بل بصفة السياسة أيضا وكان شارع المدارس المؤدي إلى الجامعة غاصاً بمجي الاطلاع الذين لم يجدوا لأنفسهم محلا داخل المدرج وقد شاهد الحاضرون كيف احتدم الجدال بين (آينشتين) وبنليفه وكيف أن هذا الأخير كاد ينقض نظرية النسبية لولا أن الموسيو (هادمارد) قال له: (ألا ترى يا صديقي انك تخلط بين زائد ر وناقص ر) فارتعش الحاضرون لاعتراض الموسيو (هادمارد) وصفر احد الجالسين في شرفات المدرج ولم يدر هذا الذي صفر انه هدم بتصفيره عالم ديكارت وزمان نيوتن وانه لم يبق اليوم بعد بنليفه من يستطيع أن يدافع عن مفاهيم الطبيعة القديمة وصور الزمان المجرد والمكان المطلق. الم يقل هنري بوانكارة قبل آينشتينأننا لا نستطيع أن نصور العالم بمعادلات التفاضل ولكن بنليفه لم يأبه لكلام هنري بوانكاره بل حاول الكشف عن حقيقة الوجود بمعادلات التفاضل فقال فيه هنري بوانكاره (لما رأيت بنليفه سائراً في هذه الطريق وددت أن أقول له قف هنا ولا تتابع سيرك لان مطلبك صعب المرتقى ولأنك ستصادف في طريقك جداراً لا تقوى على هدمه وفي الحق أن بنليفه قد وصل إلى هذا الجدار ولكنه استطاع أن يهدمه ويتابع سيره فأوصل الرياضيات القديمة إلى غاية ما يمكن أن تصل إليه قبل ظهور نظرية النسبية بعشر سنين يوم نشر كتابه في تحليل معادلات التفاضل (١٨٩٥) ولكنه بعد الاجتماع بآينشتين اعترف بمبادئه الجديدة وطويت بذلك صفحة من صفحات التاريخ.
٢ - بنليفه السياسي
ولعل لانصراف بنليفه إلى السياسة علاقة بعجزه عن إقامة الجدار الذي هدمته نظرية
стр. 475
النسبية، فانصرف إلى السياسة كما انصرف باسكال قبله إلى التصوف، واظهر في عالم السياسة نبوغاً لا يقل عن نبوغه في العلم ولولا وزارته التي ألفها قبل وزارة كلمنصو أثناء الحرب العامة لما تم لفرنسا الظفر فهو الذي ولى (فوش) و (به تن) القيادة العامة كما ذكر ذلك في كتابه: (كيف وليت فوش وبه تن قيادة الجيش) وهو الذي نظم صنع السيارات المصفحة وغيرها من الاختراعات الحربية ثم خلع قسطنطين ملك اليونان بواسطة الجنرال ساراي وحاصر ممالك أوربا الوسطى وساعد ايطاليا بعد موقعة (كابوريتو) وحمل انكلترا على تصريحها القائل أنها لن تتخلى عن فرنسا حتى نهاية الحرب واستخدم جميع ملكاته العلمية في نجاح سياسته فنظم الطيران في فرنسا بعد الحرب العامة ونظم الخدمة العسكرية وكان في جميع الوزارات التي تقلدها موضع إعجاب الذين عرفوه لجلده على العمل وشدة صبره حتى قيل عنه انه جبار لا يعرف التعب وقد رشحه الحزب الراديكالي سنة ١٩٢٤ لرئاسة الجمهورية فلن يفز في الانتخاب لتكاتف أحزاب اليمين مع الاشتراكيين ضده وقد كان بالرغم من بعض أعماله التي أبعدت الاشتراكيين عنه ديمقراطياً محباً لبلاده ومحباً للشعب والإنسانية فلا عجب إذا قرر المجلس الوطني أن يدفنه في البانتئون مع العظماء هذا هو الرجل الذي فقده العالم في أواخر الشهر المنصرم وخلد اسمه تاريخ العبقرية مع الخالدين.
стр. 476
العائلة في أفريقيا الشمالية
ألقى الأستاذ مونيه المدرس في جامعة باريز محاضرة في اليوم الخامس عشر من هذا الشهر في مدرج الجامعة السورية الكبير في دمشق موضوعها العائلة في أفريقيا الشمالية ولقد بدأ المحاضر بتعريف العائلة في أفريقيا الشمالية وعلى الأخص في بلاد الجزائر التي أقام فيها زمناً طويلاً كما ذكر فوصف بعضاً من الأوضاع الاجتماعية لدى القبائل موجزاً البحث في الفوارق القائمة بين أهاليها وبين سكان المدن معتبراً أن الصفة الخاصة التي تمتاز بها العائلة في أفريقيا الشمالية هي السلطة الأبوية التي كانت تتصف بها العائلة الرومانية القديمة وضرب على ذلك أمثلة كثيرة ذكر التشابه بينها وبين ما يمكن ذكره من الأمثال في البلاد الإسلامية الأخرى أو جميع البلاد القائمة على شواطئ البحر المتوسط مستخلصاً من ذلك أن العائلة الأبوية التي تمتاز بسلطة الأب الذي هو رئيس العائلة وخضوع جميع أفراد العائلة وأولادهم وأحفادهم متزوجين أو غير متزوجين لهذه السلطة التي تؤلف في بلاد الإسلام الشكل العائلي الخاص بالأقوام الإسلامية وتختلف اختلافاً واضحاً عن العائلة الأوربية التي لم يبق فيها اثر لتلك السلطة الأبوية. ثم تطرق إلى البحث عن المرأة وخضوعها لحكم الرجل، ضارباً على ذلك أمثلة كثيرة شاهدها جميعها كما ذكر في بلاد المغرب وقد فسر هذه الأمثلة التي ذكرها فقال أنها ترمي جميعها لوجوب خضوع المرأة لزوجها خضوعاً تاماً مطلقاً وعلل ذلك بأن العائلة الأبوية تتطلب هذا الخضوع إذ أن النظام العائلي لا يتم في العائلة الكبيرة إلا بخضوع المرأة لزوجها وخضوع الزوج لأبيه أو لجده خضوعاً تاماً تنشأ عنه السلطة الأبوية المتمثلة في شخص رئيس العائلة الأكبر وحاكمها الفرد. وقد ختم المحاضر بحثه بعد أن أتى على ذكر صفات كثيرة تفرق
هذه العائلة الإسلامية عن العائلة الأوربية ببيان الوحدة في الصفات المتشابهة بين العائلة الأوربية والعائلة الإسلامية معدداً أمثلة كثيرة على ذلك شاهدها وقرأ عنها في البلاد الفرنسية مستخلصاً من ذلك أن الفوارق وان تكن كثيرة فان هنالك من التشابه في النظام العائلي والعادات والأخلاق ما يسهل التفاهم بين الفريقين ويساعد عليه.
هذا ملخص ما ذكره الأستاذ مونيه في محاضرته وان وجوه النقد على هذه المحاضرة كثيرة أتاح لنا أحد الاجتماعات التي حضرناها في جمعية مقايسة الحقوق في باريز منذ سنتين أن
стр. 477
نوجه أهمها إلى الأستاذ مونيه نفسه بعد أن انتهى من إلقاء هذه المحاضرة نفسها على جمع من أساتذة باريز والمتشرعين فيها. ووجوه هذا النقد يمكن تلخيص أهمها بما يأتي:
إن الأستاذ مونيه وهو أستاذ في التشريع لا في علم الاجتماع لم ينظر إلى العائلة كوضع اجتماعي فيصف قبل كل شيء المراحل التي اجتازتها العائلة منذ القدم فهو يتكلم عن العائلة كما كانوا يتكلمون عنها قبل أن يكون لعلم الاجتماع قواعد وأسس مقررة لا محيد عن الرجوع إليها في درس الأوضاع الاجتماعية. فالعائلة الإسلامية كغيرها من العائلات اجتازت مراحل كثيرة في مختلف البلاد الإسلامية لابد لمن يعالج هذا البحث من الاطلاع عليها حتى لا يتسرع في حكمه تسرع الأستاذ مونيه، وهنالك فوارق كثيرة بين العائلة في المدن والقرى ولدى الإعراب المتحضرين والبدو الراحلين لابد من ذكرها أيضاً حتى يمكن وصف الصورة صحيحة كما هي فليس من الصحيح أن يحكم بان الصفة التي تميز العائلة الإسلامية عن غيرها هي السلطة الأبوية كما هو الحال في العائلة الرومانية القديمة، فالمرحلة الأخيرة التي اجتازتها العائلة الإسلامية في المدن حتى أصبحت تتألف من الزوج والزوجة والأولاد مستقلين عن العائلة الكبيرة لا تفرق بشيء عن العائلة الأوربية. وإذا وصلت العائلة الإسلامية إلى هذه المرحلة الطبيعية من مراحل التطور الاجتماعي فليس معنى ذلك أنها أصبحت غربية وغير مسلمة. والأغرب في محاضرة الأستاذ مونيه أن يذكر حادثاً من الحوادث الاجتماعية شاهده في شمال أفريقيا ثم لا يلبث أن يقول أن هذا الحادث موجود في جميع البلاد الإسلامية دون أن يؤيد ذلك بالأوضاع الاجتماعية الموصوفة في بقية البلاد الإسلامية المتعددة الأقطار المترامية الأطراف.
لقد ذكر مثلاً أن ذبح الضحية قبل دخول العروس إلى بيت زوجها هو من التقاليد التي لا محيد عنها في بلاد المغرب وهكذا الأمر في بقية البلاد الإسلامية مع إننا لم نقع على أثر لهذه العادة عند المسلمين في سورية إلا عند قبائل البدو الراحلة أو عند بعض الأعراب الساكنين في المضارب وهنالك أمثلة أخرى ذكرها المحاضر الأستاذ مونيه وخصصها بالبلاد الإسلامية دون أن يتحقق منها فكانت مجالاً لعجب من حضروا محاضرته ولقد عجبنا مع من عجب ونحن نستمعها في دمشق كما عجبنا ونحن نستمعها في باريز كيف أنه يعمد إلى هذا التعميم السريع دون أن يؤيده بالحادثات الاجتماعية ويضرب عليه الأمثلة
стр. 478
الراهنة.
يشكو علماء الاجتماع في هذا العصر وعلى رأسهم بوكله وفو كونه وليفي برول من أساتذة جامعة الصوربون مما يلقاه علم الاجتماع الصحيح من المصاعب بسبب هذا التعميم العاجل قبل التحقيق والبحث، موصين تلامذتهم في كل وقت وحين بإتباع قاعدة سلفهم دور كليم شيخ علماء الاجتماع، تلك القاعدة التي تحظر التعميم في الأبحاث الاجتماعية إلا إذا تقدمه الاستقراء الدقيق والأدلاء بالبراهين ووصف الحادثات المختلفة متشابهة أو غير متشابهة مع ضرب ما يؤيدها من الأمثلة الحسية الراهنة. ولا نعرف كيف يرضى الأستاذ مونيه أن يقدم في محاضرته على ما يشكو منه أساتذة علماء الاجتماع ويرون فيه كل الخطر. علي أن في إلقاء هذه المحاضرة في دمشق كثيراً من الفوائد العلمية والاجتماعية تدعونا لشكره على ما بذله من السعي في سبيل العلم والمتعلمين.
ك. د
стр. 479
الكتب والصحف
رجال المال والأعمال
هدية مجلة المقتطف في هذه السنة
ما برحت مجلة المقتطف على ما كان عليه منذ نشأتها، أرقى مجلات الشرق العربي وأغزرها مادة وعلماً وما زال أصحابها دائبين السعي وراء تحقيق غايتهم الأولى من الدعاية للعلم الصحيح ومعالجته وتحبيبه لأبناء الأقطار العربية فالمنافع الاقتصادية ومشاريع المال التي تسير العالم في هذا العصر وتحكم في أقدار الرجال وتستحوذ على أرواحهم وهم لا يشعرون لتخضع ضمائرهم لأغراضها وتسخر جهودهم في الحياة، لغاياتها كما يقول الأستاذ غابريل بونور، لم تستطع بعد أن تغير وجهة الهدف الذي جعله أصحاب المقتطف نصب أعينهم منذ أسسوا مجلتهم من مصر وإن الثبات على المبدأ الذي حق للمقتطف أن تكون كمثال له في الشرق العربي لدليل جديد على ما يمكن أن يأتيه أبناء العرب من جلائل الأعمال رغم ما آلت إليه سمعتهم وما رماهم به الغرب من سؤ الظن بعد أن انصرفوا عن تبرير أعمالهم وتوفيقها مع مقاييس محدودة مقرره تخفي ما برز من سؤها وشناعتها شأن أخصامهم في بلاد الغرب وأقدموا على العمل كما توحيه إليهم نفوسهم وتلهمهم أرواحهم لا كما يتطلبه العراك في هذا العصر الذي قامت قوة المال فيه على الإرادة والإقدام لا على التسليم والرضى وتوقفت مشاريع المكاسب والمرابح بين أبنائه على ما يبتغيه البشر لا على ما يريده القدر. على أن عمل أصحاب المقتطف الذي ألهمتهم إليه نفوسهم الشرقية والذي لم تشوبه بعد شوائب المادة لم يمنعهم من دعوة أبناء الجماعة التي ينتسبون إليها للأخذ بما يتطلبه النجاح ويقتضيه الصراع والعراك في هذا العصر ولقد أرادوا أن يجعلوا هدية مشتركيهم في هذا العام مجموعة من تلك المباحث التي أصبحت في هذه الأيام أحاديث الناس في الشرق العربي وموضع اهتمامهم بعد أن أيقن الجميع ما للمال من السلطة في أي عمل كان من أعمال السياسة الأوروبية وما يتبعها من مشاريع الاستعمار والاستثمار والفتح، فقدموا لهم صورة نماذج من أشهر رجال المال والأعمال في الغرب مجموعة في كتاب واحد بعد أن درسوا بعضها في أجزاء مختلفة من المجلة فجاءت الهدية فريدة في بابها ثمينة في موضوعها جذابة بأبحاثها لا يكاد يعلق القارئ بأول صفحة
стр. 480
منها حتى تستهويه فلا يريد أن ينفك عنها إلى أن يأتي على آخرها ولقد صدرت إدارة المقتطف الكتاب بمقدمة عن رجال المال والأعمال واتبعتها بمقال قيم عن سلطة المال ثم أفردت لكل من الرجال الذي جعلتهم موضوع بحثها كجون كوك وهنري فورد ونور ثكلف وروتشليد وأسرته وسكورسكي وروكفلر وكروب وموزغان وغيرهم من مشاهير الأعمال والمال في الغرب فضلاً بحثت فيه عن نشأة الرجل ومولده والوسائل التي رجع إليها في جمع ثروته والخطة التي انتهجها في إدارة أملاكه ومصانعه ومعامله وإنماء ثروته مع تحليل ما ساعده على النجاح من الصفات والمزايا التي اتصف بها والظروف الطارئة التي اعترضته والمصاعب التي لقاها وذللها إلى غير ذلك مما لم يعد يستغني أبناء الشرق العربي اليوم من الإطلاع عليه في اجتيازهم هذه المراحل الصعبة التي يعانون مضضها ويقع الكتاب في مائة وثماني صفحات من القطع الكبير مزين بالصور ومطبوع على ورق جيد بأحرف جلية ومرتب باعتناء زائد شأن جميع ما تصدره إدارة المقتطف من الكتب القيمة زاد الله في توفيقها وجرى أصحابها عن جهودهم خيراً.
ك. د
فلسفة مناهج العلوم
ترجم الدكتور كامل نصري أستاذ علوم التربية والجغرافيا في مدرستي التجهيز والمعلمين في دمشق كتاب الأستاذ فليسيان شاللاي في المبادئ العامة للعلوم.
وقد عني بتعريبه كما قال تعريباً صادقاً، حتى غدا فوق ذلك أفضل معين لأستاذ الترجمة في شعبتي الفلسفة والرياضيات. وقد رجح حضرته التعريب الصحيح على التأليف الملتقط، فجاء كتابه أنموذجاً في صناعة التعريب الحر في حتى تكاد تشعر بالأصل الفرنسي خلال الترجمة العربية لولا أن المعرف حرف أحياناً أمثلة المؤلف واستبدل بها أمثلة حسية مشخصة موافقة لمدارك التلاميذ كقوله (ص - ٥): فمثلاً بعد أن أرى نصب ساحة الشهداء بدمشق، الذي أقيم تذكاراً لمد السلك البرقي بين دمشق والحرمين الشريفين، احتفظ بصورته البصرية.
وبديهي أن الموسيو شاللاي لم يذكر هذا المثال في كتابه، بل هو من وضع الدكتور نصري فلولا رغبة المعرب في تقريب المباحث من أذهان التلاميذ لما سمح لنفسه بهذا التحريف
стр. 481
البسيط.
وكل من مارس الترجمة قليلاً عرف ما في تعريب الكتب العلمية من العناء. وقد وفق الدكتور نصري في تعريبه إلى وضع بعض الاصطلاحات الفلسفية الجديدة ولكنه خالف بها كلام فلاسفة العرب هذا فضلاً عن أن بعضها لا ينطبق على المعاني الأصلية كقوله الحس العضلي في ترجمته) بدلاً من حسن الحركة، وكقوله في ترجمة عبارة ' لا علم إلا من العام بدلاً من أين يقول لا علم إلا بالكليات وفقاً لكلات العرب الذين نقلوا عبارة آريسطو هذه إلى اللغة العربية قبل أن ينقلها الأوربيون إلى لغاتهم. وكقوله الرصد بدلاً من الملاحظة في ترجمة كلمة - وكقوله سوقراط بدلاً من سقراط، وكقوله علم الحكمة بدلاً من علم الطبيعة أو (الفيزياء) وكثير من مثل هذه الألفاظ التي لا يمكن ذكرها هنا.
وقد أكثر الدكتور نصري من ذكر الاصطلاحات الفرنسية إلى جانب الاصطلاحات العربية حباً بالمحافظة على الأصل، فوقع في كثير من الأغلاط المطبعية التي لا يمكن تجنبها لجهل عمال المطابع اللغة الفرنسية وقد صحح في الخطأ والصواب كثيراً من هذه الأغلاط المطبعية إلا أن هناك بعض الأغلاط التي خفيت على المصحح كقوله (ص - ٨) بدلاً من وقوله (ص - ١٧) بدلاً من
ونحن وإن كنا لا نوافق الدكتور نصري على مذهبه في الترجمة فإننا نشكره على هذه الجهود التي بذلها في المحافظة على الأصل حتى أخرج هذا المؤلف القيم إلى اللغة العربية. وتعتقد أن الترجمة الحرفية تضيع المعنى وتشوش الفكر وتزيد الغموض وها نحن ننقل للقراء مثالاً من هذه الترجمة الغامضة التي تدل على أنه خير للمعرب في بعض الأحيان أن يتصرف بترجمته تصرفاً قليلاً من أن يحافظ على الأصل محافظة عمياء.
فمن هذه القطع الغامضة قول الدكتور (ص١٤) يجب أن نفهم أن الغاية الأساسية الحقيقية من تمحيص الطبيعة هي جعلها خاضعة لعلم البشري، لأن معرفة قوانين الحادثات التي تساعدنا أبداً على تنبئها، تستطيع وحدها أن تصل بنا في الحياة الفعالة إلى تعديل حادثة باخري، حسب ما تقتضيه مصلحتنا. وإن وسائلنا الطبيعبو والمبشارة المؤدية لتكييف الأجسام التي تحيط بنا هي ضعيفة جداً وغير متناسبة بوجه من الوجوه مع احتياجاتنا، فلا نوفق للقيام بعمل كبير، ما لم تسمح لنا معرفة القوانين الطبيعية بإدخال بعض العناصر
стр. 482
المعدلة في عداد حالات معينة تؤثر في حصول الحادثات التي مهما كانت ضعيفة بذاتها، تكفي في بعض الحالات لتعديل النتائج القطيعة الناشئة عن جميلة أسباب خارجية وجعلها تلائم مصلحتنا.
وبالرغم من هذا الغموض فإننا لا نستطيع أن نخفي إعجابنا بالجهود التي بذلها الدكتور نصري لإخراج هذا الكتاب القيم إلى اللغة العربية. والكتاب جيد الطبع حسن الورق يجدر بكل من يريد أن يطالع على الحركة الفلسفية في سوريا أن يطالعه ويقتنيه.
الورد الأبيض
مجموعة أقاصيص مصرية قال عنها مؤلفها الأديب محمد أمين حسونه أنها صور من الفن القصصي الحديث وقد صدرها برسمه الشمسي وعدد في الصفحة الأولى منها أسماء المؤلفات التي وضعها فبلغت ثمانية ذكر أن اثنين منها قد طبعاً ونفذت طبعتهما أما الستة الباقية التي لم تطبع بعد فسيظهر بعضها كما قال في يناير وبعضها في اكتوبر وبعضها سيظهر قريباً. وفي مطلع الكتاب تصدير للمستشرق المستر باكستون تكلم فيه عن القصة ومكانتها في الأدب وختمها بشكر المؤلف على جهوده وقدم الكتاب للقراء الأديب محمود تيمور بعد أن تلكم عن القصة المصرية وتطورها تاركاً للقراء أن يزنوا الاعتبارات التي ذكرها فيقدروا معه العمل الفني الخالد الذي يعمل المؤلف في سبيله. والكتاب يحوي على ثلاث عشرة قصة صغيرة يخيل لمن يقرأها أنها نقلت عن لغة أوربية حافظ المعرب كثيراً على الأصل في نقلها فهي لا تفرق عن الأسلوب الغربي إلا بأسمائها المصرية وكثيراً على الأصل في نقلها فهي لا تفرق عن الأسلوب الغربي إلا بأسمائها المصرية وكثيراً ما يضطر المؤلف جرياً مع هذا الأسلوب وتسهيلاً لتأليف الحوادث أن يرسم صوراً شاذة من صور العائلة المصرية المسلمة فيكاد لا يترك فرقاً بينها وبين العائلة البرايزية الحديثة مثلاً إلا بأسماء الأشخاص فقط ويعتقد الأديب حسونه في كثير من قصصه أن وصف الواقع كما هو وبأي صورة كانت يكفي لأن يؤثر في نفس القارئ فهو يحاول أن يقص القصة كما وقعت أو كما تخيل أنها وقعت لا كما يجب أن تقص لتثير الإعجاب وتدعو لاهتمام القارئ حتى يخيل إليك وأنت تقرأ بعض قصصه أنك التقيت في سفرك في القطار بشخص لم تعرفه من قبل فجلس إليك يحدثك عن حوادث عادية وقعت له لا يعنيك أمرها ولا يهمك
стр. 483
شأنها ويستمر في حديثه حتى توشك أن تضيق به ذرعا. وحرص الأديب حسونه على وصف الواقع كما هو في بعض قصصه كثيراً ما ندعوه للتصريح بأسماء أشخاص وأطباء وأصحاب فنادق حتى تصبح القصة وكأنها صفحة إعلانات في الجريدة أو تقرير رسمي وضعه أحد مأموري الشرطة. هذا ونظن أنه لا يخفي على الأديب حسونه أن جمال الفن الروائي ليس هو في وصف الواعق فحسب بل في اختيار ما يجب وصفه للقارئ من هذا الواقع ولولا ذلك لما بقي فرق بين القصة التي يقصها أحد عامة الناس وبين القصة التي يرويها كاتب عبقري أو شاعر فنان على أن في المجموعة كثيراً من القصص الممتعة التي تخالف هذا النقد القاسي الذي ما كنا نوجهه إلى الأديب حسونه لولا ما رأيناه في مجموعته من بوادر العبقرية الفنية التي سيكون لها شأنها في تاريخ تطور القصة المصرية إذا تعهدها واستمر على ما يبذله من جهود كثيرة وفقه الله.
ك. د
مقالات في التربية والتعليم
تأليف واصف بارودي
بيروت ١٩٣٣
يصرف الأستاذ واصف بارودي مفتش المعارف في لبنان، جهوداً كبيرة لخدمة التربية والتعليم نرى من الواجب أن نشكره عليها ونعرب عن تقديرنا لها.
فإن فن التربية والتعليم لا يزال متأخراً في البلاد العربية رغم أننا في أشد الحاجة إلى إصلاح مدارسنا وتنظيمها على أسس قوية تضمن لنا نشر المعارف والعلوم بصورة سريعة وصحيحة.
لا شك في أن بلادنا بحاجة ماسة إلى زيادة المدارس لمكافحة الأمية القتالية ولكن لا شك أيضاً في أن المدارس الموجودة ناقصة جداً لا تصلح لتربية النشيء وتعليمه كما ينبغي. فمدارسنا كما قال الأستاذ واصف بارودي، بحاجة شديدة إلى التجدد وإلى نبذ الطرق القديمة العقيمة وإلى اعتناق المذاهب التربوية العلمية الحديثة التي تتفق مع ما تتطلبه كل أمة تنفض عن نفسها غبار الخمول والجمود وتنزع للحياة الصحيحة. .
. . ولا رقي لأمة إلا برقي معاهد التربية والتعليم في بلادها. . . .
стр. 484
والأستاذ بارودي يعالج في رسالته الصغيرة مقالات في التربية والتعليم وبعض شؤون المدارس مثل المدرسة الابتدائية وإعداد الدروس وتعليم اللغة العربية وغير ذلك من الموضوعات النافعة.
الصحافة الحديثة
قدمت مجلة الهلال في هذه السنة هدية إلى قرائها رسالة صغيرة عن (الصحافة الحديثة) يقتصر الكلام فيها على تنظيم دار الهلال والمجلات التي تصدرها. والغاية من هذه الرسالة ظاهرة وهي الدعاية لمطبوعات دار الهلال التي لا ينكر أحد اتقانها وتأثيرها في الجمهور. ولكن كان ينتظر من إدارة الهلال الغنية أن تخرج إلى قراء العربية شيئاً من الكتب القيمة والرسائل المفيدة وهي إذا قصدت ذلك لم تعجز عنه كما يبرهن العدد الممتاز الأخير من الهلال الذي جعلت موضوعه حياتنا الجديدة واستكتبت له طائفة كبيرة من مشاهير كتاب العربية.
الجغرافية العامة الحديثة
تأليف سعيد الصباغ
صيدا ١٩٣٣
أهدانا الأستاذ سعيد الصباع في صيدا الجزء الأول من كتابه في الجغرافية العامة وهو يحتوي على مباحث أوروبة وآسية وافريقية وفيه فصول مطولة عن جميع الأقطار العربية.
والكتاب يطلب من المؤلف أو من مطبعة العرفان في صيدا وقيمته (٤٠) قرشاً سورياً فقط فتحض الطلاب على اقتنائه
كواكب في فلك
قصائد ومقالات شعرية وأبحاث اجتماعية وسياسية ألفها الأديب توفيق وهبه وجمعها في كتاب واحد بعد أن نشر بعضها في الجرائد السورية والمصرية.
وللأديب توفيق وهبه أسلوب خاص في الكتابة يمتاز بالسهولة والرقة وهو ممن يقيمون في باريز ويكتب في أغلب الأحيان منها وعنها ولذلك فإنك تجد في شعره ونثره ما يجمع بين
стр. 485
الفصاحة العربية وتلك اللياقة البرايزية التي تكاد تلمسها بين سطور الكتاب الذي هو أشبه بمجلة جمعت مباحث مختلفة في موضوعات متنوعة، فهنالك المبارزة ودرسها من الوجهة الاجتماعية والتاريخية والقانونية ثم خطاب عن الموسيقي وحديث عن الزهاوي ووصف مصر في باريز وحظ شاعر وأكبر الكائنات وحديث عن شكري غانم، ثم غرام وهيام، ثم مغامرات، ثم شعر وورد ثم سياسة ثم كواكب وأفلاك ثم حدائق وأنهار إلى غير ذلك مما يستهويك ويستلهيك فلا يدع سبيلاً الملل أن يتسرب إلى نفسك سواء قرأت الكتاب من أوله إلى أوله رغم ما قد تجد فيه من بعض الأبحاث التافهة بالنسبة لغيرها من أبحاثه القيمة ويقع الكتاب في مائة وأربعين صفحة مطبوع طبعاً متقناً على أرواق غاية في الجودة يجد بمن يود اللهو والاستفادة في آن واحد أن يطالعه ويقتنيه.
ك. د
стр. 486
أخبار العلم والأدب
إلغاء كلية الآداب في دمشق
كان الناس منذ أربع سنوات يوم افتتحت كلية الآداب من محبذي هذه الفكرة فلما ألقيت أول محاضرة فيها هتفوا لها فرحاً وعلقوا على تأثيرها في الشبيبة أعظم الأماني ولكن ولم يلبثوا قليلاً حتى رأوا الشبيبة تعرض عنها وتتصرف إلى سواها، لأنها لم تجد فيها ما كانت تتطلع إليه من ينابيع الحكمة ووسائل النجاح في الحياة.
ولو أن حاملي شهادة هذه الكلية كانوا يجدون من وراء شهاداتهم نفعاً مادياً، لا قبل الطلاب عليها ورضوا بما فيها من النقص، ولاستبدلوا بالعلم نتيجة مادية. إلا أن هذه الكلية لم تهيئ طلابها للحياة بل حصرت علومها في الأدب العربي ونصوص اللغة وغير ذلك من البضاعة البالية. فلا غروا إذا أعرض الشبان عنها وهم يرغبون في تثقيف أفكارهم، لا في زيادة ألفاظهم. وهم، مهما تكن درجة ثقافتهم يعلمون أن كليات الآداب في بلاد الغرب تعني بتعليم الأدب كما تعني بتعليم الفلسفة والاجتماع والتاريخ والتربية وغيرها من العلوم المتممة للأدب وتعود طلابها طريقة البحث العلمي والانتقاد والتحليل والاستقراء والمقايسة وتمرنهم على التتبع الشخصي وحرية الفكر وغير ذلك من الدروس التي توسع المدارك وتهذب الشعور.
أضف إلى ذلك أن دروس الأدب العربي في هذه الكلية لم تكن كاملة فلم تتناول محاضراتها سوى أفراد من الأدباء ولم يرتفع مستواها عن مستوى الدروس الثانوية، حتى أن بعض دروسها كانت دون مستوى التعليم الثانوي من حيث النقد والتحليل والتتبع الشخصي دون إشارة إلى تطور الأدب عامة وتطور الأدب العربي خاصة مع دراسة نواحيه المختلفة وفقاً للطرائق الحديثة المتبعة في الجامعة الغربية.
ولعل لضعف التلاميذ الذين تابعوا دروس كلية الآداب أثراً في ضعف مستوى الكليلة فقد أدخلوا فيها بادئ بدء كثيراً من التلاميذ الضعفاء الذين لم ينهوا دروسهم الثانوية فكان الأساتذة يضطرون في تعليمهم إلى السير معهم أضف إلى ذلك جهلاً بطرائق التعليم العالي وتنظيم العمل.
إذن فلا غرو إذا فشلت هذه التجربة وقررت الحكومة إلغاء الكلية، لأنها كانت من عجائب
стр. 487
الأوضاع التعليمية وقد قالت الحكماء كل عضو لا ينفع فمصيره الزوال وقالوا أيضاً لا يصح إلا الصحيح ولا يبقى إلا الأنسب.
على أننا كنا نود لو عمدت الحكومة إلى الإصلاح دون الإلغاء، فإن العضو المريض لا يداوي دائماً بالبتر، ونعتقد أن فساد تنظيم الكلية وعدم عنايتها بالدروس الفلسفية والاجتماعية هو السبب الحقيقي الذي أدى على مرضها ومنعها من البقاء.
كم يمكن أن نعيش دون أكل وشرب
إن حوادث الإضراب عن الطعام ومسابقات الجوع قد ساعدت على قيام العلماء بتجاريب ومباحث علمية لمعرفة المدة التي تستطيع أن نعيشها دون طعام مقتصرين على الشرب. ولكن لم يفحص العلماء - ما عدا مرة واحدة - الحالات التي يبقى فيها الإنسان دون طعام وشراب معاً. وقد أجريت أخيراً بعض التجاريب على الأرانب فثبت أنها عاشت مدة ١٥ - ١٧ يوماً دون أي شيء من الطعام أو الشراب.
ويقول الأستاذ (يونكر سدورف) أنه ليس لدينا من حجة تبرهن على أن الإنسان يستطيع أن يعيش أكثر من هذه المدة.
التداوي بالحمى
ظهر للأطباء في السنين الأخيرة أن ارتفاع الحرارة في الحمى ليس فيه من خطر على الجسم بل إنما الضرر ينجم عن التسمم بالمواد المرضية الموجودة في الجسم وليس الحمى في الحقيقة سوى محاولة دفاعية من جسم المريض لمكافحة أسباب التسمم.
وكذلك تبين من ملاحظات أخرى أن الحمى كثيراً ما تكون لها نتائج حسنة في الأمراض السارية المزمنة. ومن هنا نشأت فكرة التداوي بالحمى. وقد نجحت هذه الطريقة في معالجة الأمراض العقلية بالمالاريا فإن الحمى الشديدة التي تتولد من التلقيح الصناعي بجراثيم المالاريا تفيد فائدة كبرى لمداواة الاختلال الزائد في العقل.
الزلال الاصطناعي
أذاع البحاثة الأوسترالي (فرانسيس) في المجمع العلمي في (كوينسلاند) أنه قد توصل إلى صنع الزلال من حامض الفحم ومن أملاح غير عضوية وسيكون لهذا الاكتشاف، إذا صحت دعوى الأستاذ (فرانسيس) تأثير كبير في التطور العلمي لأننا بذلك نكون قد وفقنا
стр. 488
إلى قلب المواد غير الحية في الطبيعة إلى مادة حياتية مثل الزلال الذي يتألف منه الجزء الأكبر من الجسم الحيواني والنباتي.
وفي الحقيقة فإن الأستاذ (فرانسيس) قد وضع منذ الآن نظرية جديدة عن نشوء الحياة. ولكن قبل أن نقبل بهذه النظرية ينبغي أن نتحقق من صحة تجاريبه لصنع الزلال بصورة اصطناعية. .
الشعر وتعيين العمر
تدل التدقيقات العلمية بالمجهر على أن شعر الإنسان يتألف من حلقات يختلف عددها حسب التقدم في العمر، كما هي الحال في الأشجار التي تعرف أعمارها من عدد الحلقات في جذورها.
وهكذا فإننا نلاحظ في شعر شخص يبلغ العشرين من العمر ست حلقات مقابل اثنا عشرة في شخص عمره أربعون سنة.
ويقال بأنه قد اكتشفت علائم أخرى في الشعر يمكن الاستدلال منها بكل دقة فيما إذا كان الشخص يدخن التبغ أو يدمن الخمر أم لا
هل يساعد البرد على النمو؟
لاحظ بعض العلماء أن أصغر الأنواع لكثير من الحيوانات إنما تعيش في البلاد الحارة مثل أفريقيا الشمالية وأوستراليا وكاليفورينا الجنوبية. بينما من جهة أخرى نرى أن الحيوانات التي تعيش في المناطق القطبية تفوق بجسامتها جميع الأنواع من فصيلتها في البلاد الأخرى البعيدة عن القطب. وهذه الأسماك مثلاً في البحر المتجمد الشمالي لا يمكن مقايستها في الضخامة والثقل مع الأسماك من جنسها في البحر البلطيقي أو بحر الشمال.
ويظهر أن الحرارة التي تساعدنا على النمو تحول دون كماله والوصول إلى غايته. .
стр. 489
العدد ٧ - بتاريخ: ٣٠ - ١٢ - ١٩٣٣
стр. 490
الثقافة وعلاقتها بعبقرية الشعوب
للفيلسوف رضا توفيق
تعريب جميل صليبا
من المسائل ذات البال التي تعد في أيامنا هذه في الدرجة الأولى من الخطورة مسألة أوحى إلي بها اسم هذه المجلة الراقية فكتبت مقالي الأول فيها ولم ألم بأطراف البحث إلا قليلاً.
لم يكن مقالي إلا إشارة أولى لتوجيه انتباه الشبيبة العربية المفكرة إلى جملة من المسائل التي تعرض للباحث عند أمعان النظر في أمور الثقافة.
ومن عانى هذه الأمور أدرك أن صور الثقافة تختلف بحسب الأدوار التاريخية الأساسية التي قطعتها البشرية في تطورها وبحسب الظروف التي امتازت بها هذه الأدوار على غيرها، هذا فضلاً عن اختلافها بالنسبة إلى المحيط الطبيعي والاجتماعي أو بالنسبة إلى العبقرية والذوق الفني والمزاج القومي.
إن كل مسألة من هذه المسائل الأساسية تكتشف عن جملة من المسائل العويصة، لم يبحث فيها أحد - فيما أعلم - لا الغاية أو لغرض. ولو عالجها العلماء بصورة علمية لما تأخر حلها إلى أيامنا هذه.
وهي بالرغم من ذلك تتطلب حلاً - ولو مؤقتاً - لأن لها خطورة عملية ومنفعة حيوية واسعة النطاق.
وكلما خطرت هذه المسائل ببال المرء وتصورها بوضوح شعر بضرورة الاهتمام بها اهتماماً شديداً. ولكن المفكرين لم يدركوا خطورة هذه المباحث ولم يشعروا بأهميتها إلا في الآونة الأخيرة.
إن درس الثقافة درساً منظماً يكشف عن كثير من العلائق المشتبكة بغيرها من العوامل المستعصية والحوادث الهامة التي ساعدت على انتشار الحياة الفكرية بين الأفراد والمجتمعات وعلى ذلك فالبحث والتدقيق في هذه الأمور التي لم يعرف موضوعها ولم يحدد نطاقها بعد، يقود الباحث - إذا خضع لمنطق الحوادث - إلى هذا النوع من القضايا. وأني له أن يفهمها إذا لم يتصل بتاريخ الشعب ويألف عبقريته التي أبدعت هذه الثقافة. أقول على الباحث في هذه المسائل أن يعرف فضائل الشعوب وآدابها ومذاهبها الفلسفية
стр. 491
وعقائدها الدينية وأمانيها ومثلها العليا، وإن يجاريها في ذوقها الفني، ويمازج على قدر طاقته أحلامها.
ولكن كيف السبيل إلى متابعة البحث بالنزاهة الفكرية اللازمة المكشف عن الحقائق المستترة وراء هذه المعضلات؟ إن العواطف الشخصية والميول القومية تمازج هذه الحوادث وتعمل على تبديلها. وهل يمكن التجرد من تأثير العطف والنفور عند البحث في هذه الأشياء الإنسانية التي نطلق عليها اسم الثقافة؟ إذ كثيراً ما يكون تأثير العواطف في البحث العلمي قوياً، بحيث لا يمكن التغلب عليه، فيمنع الباحث من إدراك غايته المجردة ويؤثر في نتائجه أسوأ تأثير.
ليس للعواطف شأن في دراسة العلوم الصحيحة المجردة كالرياضيات، ولذلك كان البحث عن حقائقها سهلاً جداً. انظر إلى الأعداد والدساتير المجردة، أنها بعيدة عن أهوائنا وليس لها علاقة بحياتنا الاجتماعية ولا بآبائنا القومي أو عقائدنا المقدسة أو أوضاعنا القديمة وتاريخنا الماضي ورغباتنا الحاضرة وآمالنا.
أما أمور الثقافة فإن الباحث لا يستطيع أن يتجرد فيها عن عواطفه لأنها تدل على كياننا الروحي وقيمتنا الأخلاقية وثروتنا الفنية والأدبية. لذلك اختلف العلماء فيما بينهم لا بل ناقض بعضهم بعضاً عند البحث في هذه المسائل. لأنهم كلما ساقهم البحث إلى النظر في أمور الثقافة عجزوا عن التغلب على عاطفته القومية واصطدموا لا محالة بقضية الجنس.
ولكن كيف التراجع أمام هذا (الاسفنكس)، دون الجواب بصورة صحيحة عن الأسرار التي يلقيها علينا؟ الفكر يتردد تحت تأثير هذا الميل الأعمى ويظن أن قومه فوق كل قوم وأنه نقي خالص من كل شائبة أجنبية شائنة. إن هذا الصلف يفسد حكم الباحث بالأدلة السفسطائية التي تقوم عليها محاكماته البعيدة عن المنطق الصحيح وعند ذلك تجد المناقشة قد انتقلت من البحث في أمور الثقافة إلى البحث في أفضلية القومية وامتياز جنسية الباحث على جنسية غيره. وتجد الباحثين إذا أرادوا ركز فرضياتهم السريعة التي خاطروا بها على الحوادث المشخصة يستقون أدلتهم من العلوم التي لم تثبت حقائقها بعد كعلم فراسة الرأس وعلم الأقوام وعلم وصف الجماعات وعلم منشأ اللغات وعلم الجغرافيا التاريخية وعلم الأساطير وغير ذلك من العلوم التي لا أدري ما اسميها.
стр. 492
أني أتابع منذ ثلاثين سنة تقريباً هذه الحركة الفكرية فأوصلتني دراستي الطويلة وتأملاتي العميقة إلى نتيجة لابد لي من الجهر بها. وهي أن النتائج التي نتوصل إليها بأحكامنا الباطلة التي أفسدها الصلف وشوهها الإعجاب بالنفس أو أوحت بها العصبية القومية لا يمكن أن تكون إلا رأياً من الآراء أو فرضية من الفرضيات، لا حقيقة علمية يقينية.
ومما يؤسف له أن هذه الفرضيات المتناقصة التي تبحث في منافع الأمم الحيوية وكيانها الوطني تزيد الخلاف الزمني بينها وتولد النفور وتمنع شفاء الأحقاد وإعادة السلام والنظام والتعاون والاتساق إلى عناصر هذا العالم المتمدن. ولو كانت هذه الفرضيات حقائق علمية راهنة لكانت النتيجة على عكس ذلك.
أنا أعرف جيداً أن العلم لا يستغني عن الفرضيات، لأن الفرضية هي ظل الحقيقة والعالم يسعى جهده لأن ينير هذا الظل ويجعله واضحاً. ولكن أحسن الفرضيات بناء يتهدم بسرعة إذا تقتضيه حادثة واحدة. إذن لسنا بحاجة إلى قبول هذه الفرضيات الوهمية في علم ليس له من الصحة نصيب وافر كتاريخ المدينة والثقافة، لأن هذه الفرضيات الوهمية قد يصدرها أصحابها بسرعة أو لغاية قومية فيرضون بها كبرياءهم أو تفوق أجناسهم. ومما لاشك فيه أن خير وسيلة لمعالجة هذا النوع من المباحث وأول شريطة يجب تحقيقها هي أن يتفق العلماء على ملاحظة الحوادث. ولكننا نصادف في هذا النوع من البحث مشاكل نكاد لا نستطيع التغلب عليها، وذلك أن الحوادث التي يبحث فيها تاريخ الثقافة أو فلسفة التاريخ ليست حوادث بسيطة كالحوادث التي تدرسها الكيمياء أو يبحث فيها علم الطبيعة (الفيزياء) لأنها حوادث نفسية واجتماعية تدل بإحدى صورها على أحلام النفس البشرية ورغائبها وعقائدها وتعبر عن النية والذوق والإرادة، ولا يمكن تفهم معنى هذه الحوادث إلا بالتأويل. وهذا التأويل هو غاية فلسفة التاريخ.
المهندس الذي يريد إقامة البناء يهتم بحساب مقاومة المواد التي بين يديه ويكتفي بمعرفة خواصها، أما الاجتماعي والمؤرخ والفيلسوف فأنهم لا يقتصرون على المواد التي بين أيديهم. ولذلك ربما كان من الممتع على حقائق علم الاجتماع والتاريخ وغيرهما من العلوم المشابهة الوصول إلى يقين العلوم الوضعية الثابتة. إن هذه الملاحظة الهامة جديرة بأن تحفظ.
стр. 493
لم أجعل موضوع مقالتي هذه البحث في الثقافة وعلاقتها بعبقرية الجنس إلا لآتي بمثال بين أثبت به صحة هذه الملاحظات الأولية التي قدمتها كتوطئة.
وسيتضح للقارئ أثناء البحث أن الاستناد إلى علم باطل أو بالأصح إلى علم لم يتوصل بعد إلى الطور الوضعي قد يدفع الناس في بعض الأحيان إلى بعض الغرباء كما هي الحال الآن في بعض ممالك العالم المتمدن، وخصوصاً عندما تكحون أحكام هذا العلم مشوهة بالعواطف الواهية المنبعثة عن مسألة العصبية وهي مسألة لا يزال العلماء يتنافسون فيها من كل حدب وصوب منذ أوائل هذا العصر.
لست استطيع أن أمنع نفسي من ذكر لمحة تاريخية عن هذه الفكرة العظيمة، ولكنني سأجعل هذه اللمحة التاريخية مختصرة جداً.
نحن نعلم أن القدماء كانوا يعدون الحرب أمراً مشروعاً وكانوا يعتبرون الرق حقاً من حقوق الغالب لأنه نتيجة من نتائج الحرب حتى أن الفيلسوف العظيم أرسطو جعله وضعاً من أوضاع الحياة الاجتماعية. ونعلم أيضاً أن الأمم الغالبة كانت تعد نفسها أعلى طينة من الأمم المغلوبة، وإن امتيازات الخاصة كانت مؤسسة على حق الفتح. ومما لاشك فيه أيضاً أن بغض الأجانب واحتقارهم أمر يرجع أصله إلى مبادئ التاريخ.
إن بعض الكتابات الهيروغليفية تثبت لنا ببداهة أن فراعنة مصر القدماء كانوا يسمون الحثي والعربي بالأسيوي الدنيء، وما ذلك إلا لأن الأسيوي كان يزعجهم ويؤلمهم في دارهم. ومن الغريب أن هذه الأمور لم تتغير كثيراً منذ ذلك الوقت. وبالرغم من التقدم العظيم الذي حققته البشرية في حظيرة المدنية والثقافة فإنك لا تزال ترى اليوم أن صفة الأسيوي لا تزال مدعاة للاحتقار والازدراء.
إن فلسفة التاريخ تثبت لنا أن الحرب كانت منذ القدم الشرط الأساسي لحياة البشر الأولية حيث كانت جموع أجدادنا الأولين تهيم على غير هدى تحت تأثير الجوع الدائم.
وربما كان الصواب في قولنا مع سبنسر أن حالة الحرب هذه كانت القدم العامل الأساسي في تنظيم الجماعات وتأسيس الحكم. ولا أشك في أن الحرب قد أثرت ولا تزال تؤثر في تطور البشرية وأنها تصهر الشعوب المختلفة لتولد منها أنواعاً جديدة تصلح لمعترك الحياة ومؤالفة البيئة.
стр. 494
ومما لا شك فيه أيضاً أن الحرب كانت السبب في هجرة القبائل، فأثرت في توزيع الشعوب على سطح الأرض. واستوطن الأراضي الخصبة الممتلئة بالأحراج والصالحة للصيد أعظم الجماعات قوة وأكثرها شجاعة ونشاطاً وأحسنها تنظيماً وأغناها سلاحاً. لم يتغير شيء من ذلك الآن لأن أعظم الأمم قوة وأحسنها مدنية تستثمر اليوم منابع النفط ومناجم المعادن لأن هذه المواد الأولية ضرورية للصناعة الكبرى كما هي ضرورية لمدنية الآلات ومعدات الحرب.
إن تغير عدد السكان أمر هام بذاته، لا يزال العلماء يبحثون فيه منذ عصر تقريباً، ولكنهم لم يتوصلوا بعد إلى التعبير عنه بدستور علمي ثابت لأنه تابع لأسباب مختلفة لا يمكن جمعها في قانون واحد. إن عدد السكان قد ازداد في الجماعات الأولية بصورة بطيئة ولكنه من الصعب حصر العوامل التي أثرت في ازدياده، ومما يبعث الحيرة والعجب أن هذه الجماعات اليائسة كانت في حرب دائمة مع الحيوانات الضاربة المحيطة بها. وكانت معرضة للجوع والحرب والمهاجرة وغير ذلك من الأوبئة فازداد عددها بالرغم من ذلك شيئاً فشيئاً حتى اتسع سلطانها وانقادت لها ممالك الأرض.
وربما قيل أن ازدياد عدد السكان قد تولد من تكامل الأدوات الحربية شيئاً فشيئاً وامتياز الإنسان على الحيوان باختراع الأسلحة التي صنعها للحصول على غذائه والدفاع عن نفسه في مقاتلة أعدائه الطبيعيين. على أنه من الممكن أيضاً أن يكون ازدياد السكان ناشئاً عن انقطاع الحرب ورجوع الهدن التي تحفظ الحياة وتهيئ أسباب الراحة وتساعد على تربية الحيوانات النافعة وحراثة الأرض. ولا أشك أبداً في أن عدد السكان يزداد بازدياد وسائل الراحة والرفاه وشمول الأمن أي بازدياد الحضارة.
إن أكثر المتعلمين يعرفون منذ زمان غير بعيد قريب هذه الأفكار ذات النتائج العملية ويعرفون كثيراً من الأفكار المشابهة لها حتى لقد صارت أساساً لفلسفة السياسيين في أوروبا. أما رجال السياسة في الشرق الأدنى فقد كانوا يجهلون هذه الأفكار تماماً. ولقد رأى (توماس روبر مالتوس) أحد علماء الاقتصاد البريطانيين الذين ظهروا في أوائل القرن التاسع عشر أن يبحث في هذه المسائل بصورة علمية فأصدر كتابه مبادئ السكان فذاع صيته بسرعة وشغل الناس به كثيراً وبالرغم من أن كثيراً من المفكرين الذين تربطهم
стр. 495
عواطفهم وميولهم الإنسانية بالمبادئ الخيالية انتقدوا هذا الكتاب وعدوه مخالفاً للأخلاق فغنه استرعى انتباه الجميع وأثر في تاريخ الفكر الحديث تأثيراً عظيماً.
ولقد أصاب مالتوس في استنباط ملاحظاته من علاقة السكان بالغذاء الضروري للحياة. ولا غرو إذا هو رغب في تثبيت هذه العلاقة بدستور علمي يدل عليها. أنه حاول قبل شيء أن يبرهن على أن عدد السكان يزداد بنسبة هندسية وفقاً للسلسلة: (٢ ٢: ٤)، (٤ ٤: ١٦)، (١٦ ١٦: ٢٥٦)، وإن الغذاء لا يزيد إلا بنسبة عددية تبعاً للسلسلة (١ + ١: ٢)، (٢ + ٢: ٤)، (٤ + ٤: ٨) الخ. .
ولكن غضب المنتقدين من كتاب (مالتوس) لم ينشأ عن هذه الاعتبارات النظرية بل تولد من النتائج المنطقية التي استخرجها هو نفسه من هذه الاعتبارات.
ولا شك أن عدد السكان إذا ازداد بهذه النسبة المخيفة فلا يبقى - بعد قليل من الزمان - غذاء يكفي الجميع ولا أرض تصلح لهم. لأن القسم الذي يمكن أن يسكن من الأرض لا يزيد عن الربع، ولأن العمران لا يمكن أن يمتد إلى المناطق الشمالية والجنوبية، أو يصل إلى الصحارى العظيمة في أفريقيا وغيرها من القارات الأخرى. فماذا يحصل إذ ذاك؟ أن النتيجة الطبيعية لازدياد السكان هي التطاحن فلا يزال الناس يفترس بعضهم بعضاً حتى يهبط عدد السكان بعد هذه المذابح إلى مستوى الشروط الطبيعية التي يمكنها أن تؤمن حياة جماعة بشرية في نطاق معين من الأرض. ولا شك في أن الشعوب القوية هي التي تفني الشعوب الضعيفة في هذه الحرب التي لا هوادة فيها ولا رحمة، لا بل في هذه الحرب الحيوانية التي يضرمها الجوع وتحركها الغريزة. وهكذا فالحرب حق من الحقوق المشروعة لأنها وظيفة من وظائف الحياة الطبيعية. وهي كما يقولون نافعة للبشرية لأنها وسيلة من وسائل الاصطفاء الطبيعي الذي يؤدي إلى زوال الشعوب الضعيفة ويفسح المجال للشعوب القوية الصالحة للبقاء. إن في الشفقة ضعفاً وانحرافاً عن مجرى العواطف الطبيعي لأن الطبيعة تجهل الشفقة ولا تعرف للحنان معنى.
هذه خلاصة من الأفكار الجديرة بالإعجاب التي استنتجها مالتوس في كتابه مبدأ السكان واتبعها أصحاب المذهب الحربي وهي التي جعلت كثيرين من المفكرين يقولون عن آرائه أنها مخالفة للأخلاق. وسوف ترى بعد قليل أن هذه الأفكار لم تتهدم بالانتقادات القاسية التي
следующие страницы →