Полный текст (812 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وعقائدها الدينية وأمانيها ومثلها العليا، وإن يجاريها في ذوقها الفني، ويمازج على قدر طاقته أحلامها.
ولكن كيف السبيل إلى متابعة البحث بالنزاهة الفكرية اللازمة المكشف عن الحقائق المستترة وراء هذه المعضلات؟ إن العواطف الشخصية والميول القومية تمازج هذه الحوادث وتعمل على تبديلها. وهل يمكن التجرد من تأثير العطف والنفور عند البحث في هذه الأشياء الإنسانية التي نطلق عليها اسم الثقافة؟ إذ كثيراً ما يكون تأثير العواطف في البحث العلمي قوياً، بحيث لا يمكن التغلب عليه، فيمنع الباحث من إدراك غايته المجردة ويؤثر في نتائجه أسوأ تأثير.
ليس للعواطف شأن في دراسة العلوم الصحيحة المجردة كالرياضيات، ولذلك كان البحث عن حقائقها سهلاً جداً. انظر إلى الأعداد والدساتير المجردة، أنها بعيدة عن أهوائنا وليس لها علاقة بحياتنا الاجتماعية ولا بآبائنا القومي أو عقائدنا المقدسة أو أوضاعنا القديمة وتاريخنا الماضي ورغباتنا الحاضرة وآمالنا.
أما أمور الثقافة فإن الباحث لا يستطيع أن يتجرد فيها عن عواطفه لأنها تدل على كياننا الروحي وقيمتنا الأخلاقية وثروتنا الفنية والأدبية. لذلك اختلف العلماء فيما بينهم لا بل ناقض بعضهم بعضاً عند البحث في هذه المسائل. لأنهم كلما ساقهم البحث إلى النظر في أمور الثقافة عجزوا عن التغلب على عاطفته القومية واصطدموا لا محالة بقضية الجنس.
ولكن كيف التراجع أمام هذا (الاسفنكس)، دون الجواب بصورة صحيحة عن الأسرار التي يلقيها علينا؟ الفكر يتردد تحت تأثير هذا الميل الأعمى ويظن أن قومه فوق كل قوم وأنه نقي خالص من كل شائبة أجنبية شائنة. إن هذا الصلف يفسد حكم الباحث بالأدلة السفسطائية التي تقوم عليها محاكماته البعيدة عن المنطق الصحيح وعند ذلك تجد المناقشة قد انتقلت من البحث في أمور الثقافة إلى البحث في أفضلية القومية وامتياز جنسية الباحث على جنسية غيره. وتجد الباحثين إذا أرادوا ركز فرضياتهم السريعة التي خاطروا بها على الحوادث المشخصة يستقون أدلتهم من العلوم التي لم تثبت حقائقها بعد كعلم فراسة الرأس وعلم الأقوام وعلم وصف الجماعات وعلم منشأ اللغات وعلم الجغرافيا التاريخية وعلم الأساطير وغير ذلك من العلوم التي لا أدري ما اسميها.
стр. 492
أني أتابع منذ ثلاثين سنة تقريباً هذه الحركة الفكرية فأوصلتني دراستي الطويلة وتأملاتي العميقة إلى نتيجة لابد لي من الجهر بها. وهي أن النتائج التي نتوصل إليها بأحكامنا الباطلة التي أفسدها الصلف وشوهها الإعجاب بالنفس أو أوحت بها العصبية القومية لا يمكن أن تكون إلا رأياً من الآراء أو فرضية من الفرضيات، لا حقيقة علمية يقينية.
ومما يؤسف له أن هذه الفرضيات المتناقصة التي تبحث في منافع الأمم الحيوية وكيانها الوطني تزيد الخلاف الزمني بينها وتولد النفور وتمنع شفاء الأحقاد وإعادة السلام والنظام والتعاون والاتساق إلى عناصر هذا العالم المتمدن. ولو كانت هذه الفرضيات حقائق علمية راهنة لكانت النتيجة على عكس ذلك.
أنا أعرف جيداً أن العلم لا يستغني عن الفرضيات، لأن الفرضية هي ظل الحقيقة والعالم يسعى جهده لأن ينير هذا الظل ويجعله واضحاً. ولكن أحسن الفرضيات بناء يتهدم بسرعة إذا تقتضيه حادثة واحدة. إذن لسنا بحاجة إلى قبول هذه الفرضيات الوهمية في علم ليس له من الصحة نصيب وافر كتاريخ المدينة والثقافة، لأن هذه الفرضيات الوهمية قد يصدرها أصحابها بسرعة أو لغاية قومية فيرضون بها كبرياءهم أو تفوق أجناسهم. ومما لاشك فيه أن خير وسيلة لمعالجة هذا النوع من المباحث وأول شريطة يجب تحقيقها هي أن يتفق العلماء على ملاحظة الحوادث. ولكننا نصادف في هذا النوع من البحث مشاكل نكاد لا نستطيع التغلب عليها، وذلك أن الحوادث التي يبحث فيها تاريخ الثقافة أو فلسفة التاريخ ليست حوادث بسيطة كالحوادث التي تدرسها الكيمياء أو يبحث فيها علم الطبيعة (الفيزياء) لأنها حوادث نفسية واجتماعية تدل بإحدى صورها على أحلام النفس البشرية ورغائبها وعقائدها وتعبر عن النية والذوق والإرادة، ولا يمكن تفهم معنى هذه الحوادث إلا بالتأويل. وهذا التأويل هو غاية فلسفة التاريخ.
المهندس الذي يريد إقامة البناء يهتم بحساب مقاومة المواد التي بين يديه ويكتفي بمعرفة خواصها، أما الاجتماعي والمؤرخ والفيلسوف فأنهم لا يقتصرون على المواد التي بين أيديهم. ولذلك ربما كان من الممتع على حقائق علم الاجتماع والتاريخ وغيرهما من العلوم المشابهة الوصول إلى يقين العلوم الوضعية الثابتة. إن هذه الملاحظة الهامة جديرة بأن تحفظ.
стр. 493
لم أجعل موضوع مقالتي هذه البحث في الثقافة وعلاقتها بعبقرية الجنس إلا لآتي بمثال بين أثبت به صحة هذه الملاحظات الأولية التي قدمتها كتوطئة.
وسيتضح للقارئ أثناء البحث أن الاستناد إلى علم باطل أو بالأصح إلى علم لم يتوصل بعد إلى الطور الوضعي قد يدفع الناس في بعض الأحيان إلى بعض الغرباء كما هي الحال الآن في بعض ممالك العالم المتمدن، وخصوصاً عندما تكحون أحكام هذا العلم مشوهة بالعواطف الواهية المنبعثة عن مسألة العصبية وهي مسألة لا يزال العلماء يتنافسون فيها من كل حدب وصوب منذ أوائل هذا العصر.
لست استطيع أن أمنع نفسي من ذكر لمحة تاريخية عن هذه الفكرة العظيمة، ولكنني سأجعل هذه اللمحة التاريخية مختصرة جداً.
نحن نعلم أن القدماء كانوا يعدون الحرب أمراً مشروعاً وكانوا يعتبرون الرق حقاً من حقوق الغالب لأنه نتيجة من نتائج الحرب حتى أن الفيلسوف العظيم أرسطو جعله وضعاً من أوضاع الحياة الاجتماعية. ونعلم أيضاً أن الأمم الغالبة كانت تعد نفسها أعلى طينة من الأمم المغلوبة، وإن امتيازات الخاصة كانت مؤسسة على حق الفتح. ومما لاشك فيه أيضاً أن بغض الأجانب واحتقارهم أمر يرجع أصله إلى مبادئ التاريخ.
إن بعض الكتابات الهيروغليفية تثبت لنا ببداهة أن فراعنة مصر القدماء كانوا يسمون الحثي والعربي بالأسيوي الدنيء، وما ذلك إلا لأن الأسيوي كان يزعجهم ويؤلمهم في دارهم. ومن الغريب أن هذه الأمور لم تتغير كثيراً منذ ذلك الوقت. وبالرغم من التقدم العظيم الذي حققته البشرية في حظيرة المدنية والثقافة فإنك لا تزال ترى اليوم أن صفة الأسيوي لا تزال مدعاة للاحتقار والازدراء.
إن فلسفة التاريخ تثبت لنا أن الحرب كانت منذ القدم الشرط الأساسي لحياة البشر الأولية حيث كانت جموع أجدادنا الأولين تهيم على غير هدى تحت تأثير الجوع الدائم.
وربما كان الصواب في قولنا مع سبنسر أن حالة الحرب هذه كانت القدم العامل الأساسي في تنظيم الجماعات وتأسيس الحكم. ولا أشك في أن الحرب قد أثرت ولا تزال تؤثر في تطور البشرية وأنها تصهر الشعوب المختلفة لتولد منها أنواعاً جديدة تصلح لمعترك الحياة ومؤالفة البيئة.
стр. 494
ومما لا شك فيه أيضاً أن الحرب كانت السبب في هجرة القبائل، فأثرت في توزيع الشعوب على سطح الأرض. واستوطن الأراضي الخصبة الممتلئة بالأحراج والصالحة للصيد أعظم الجماعات قوة وأكثرها شجاعة ونشاطاً وأحسنها تنظيماً وأغناها سلاحاً. لم يتغير شيء من ذلك الآن لأن أعظم الأمم قوة وأحسنها مدنية تستثمر اليوم منابع النفط ومناجم المعادن لأن هذه المواد الأولية ضرورية للصناعة الكبرى كما هي ضرورية لمدنية الآلات ومعدات الحرب.
إن تغير عدد السكان أمر هام بذاته، لا يزال العلماء يبحثون فيه منذ عصر تقريباً، ولكنهم لم يتوصلوا بعد إلى التعبير عنه بدستور علمي ثابت لأنه تابع لأسباب مختلفة لا يمكن جمعها في قانون واحد. إن عدد السكان قد ازداد في الجماعات الأولية بصورة بطيئة ولكنه من الصعب حصر العوامل التي أثرت في ازدياده، ومما يبعث الحيرة والعجب أن هذه الجماعات اليائسة كانت في حرب دائمة مع الحيوانات الضاربة المحيطة بها. وكانت معرضة للجوع والحرب والمهاجرة وغير ذلك من الأوبئة فازداد عددها بالرغم من ذلك شيئاً فشيئاً حتى اتسع سلطانها وانقادت لها ممالك الأرض.
وربما قيل أن ازدياد عدد السكان قد تولد من تكامل الأدوات الحربية شيئاً فشيئاً وامتياز الإنسان على الحيوان باختراع الأسلحة التي صنعها للحصول على غذائه والدفاع عن نفسه في مقاتلة أعدائه الطبيعيين. على أنه من الممكن أيضاً أن يكون ازدياد السكان ناشئاً عن انقطاع الحرب ورجوع الهدن التي تحفظ الحياة وتهيئ أسباب الراحة وتساعد على تربية الحيوانات النافعة وحراثة الأرض. ولا أشك أبداً في أن عدد السكان يزداد بازدياد وسائل الراحة والرفاه وشمول الأمن أي بازدياد الحضارة.
إن أكثر المتعلمين يعرفون منذ زمان غير بعيد قريب هذه الأفكار ذات النتائج العملية ويعرفون كثيراً من الأفكار المشابهة لها حتى لقد صارت أساساً لفلسفة السياسيين في أوروبا. أما رجال السياسة في الشرق الأدنى فقد كانوا يجهلون هذه الأفكار تماماً. ولقد رأى (توماس روبر مالتوس) أحد علماء الاقتصاد البريطانيين الذين ظهروا في أوائل القرن التاسع عشر أن يبحث في هذه المسائل بصورة علمية فأصدر كتابه مبادئ السكان فذاع صيته بسرعة وشغل الناس به كثيراً وبالرغم من أن كثيراً من المفكرين الذين تربطهم
стр. 495
عواطفهم وميولهم الإنسانية بالمبادئ الخيالية انتقدوا هذا الكتاب وعدوه مخالفاً للأخلاق فغنه استرعى انتباه الجميع وأثر في تاريخ الفكر الحديث تأثيراً عظيماً.
ولقد أصاب مالتوس في استنباط ملاحظاته من علاقة السكان بالغذاء الضروري للحياة. ولا غرو إذا هو رغب في تثبيت هذه العلاقة بدستور علمي يدل عليها. أنه حاول قبل شيء أن يبرهن على أن عدد السكان يزداد بنسبة هندسية وفقاً للسلسلة: (٢ ٢: ٤)، (٤ ٤: ١٦)، (١٦ ١٦: ٢٥٦)، وإن الغذاء لا يزيد إلا بنسبة عددية تبعاً للسلسلة (١ + ١: ٢)، (٢ + ٢: ٤)، (٤ + ٤: ٨) الخ. .
ولكن غضب المنتقدين من كتاب (مالتوس) لم ينشأ عن هذه الاعتبارات النظرية بل تولد من النتائج المنطقية التي استخرجها هو نفسه من هذه الاعتبارات.
ولا شك أن عدد السكان إذا ازداد بهذه النسبة المخيفة فلا يبقى - بعد قليل من الزمان - غذاء يكفي الجميع ولا أرض تصلح لهم. لأن القسم الذي يمكن أن يسكن من الأرض لا يزيد عن الربع، ولأن العمران لا يمكن أن يمتد إلى المناطق الشمالية والجنوبية، أو يصل إلى الصحارى العظيمة في أفريقيا وغيرها من القارات الأخرى. فماذا يحصل إذ ذاك؟ أن النتيجة الطبيعية لازدياد السكان هي التطاحن فلا يزال الناس يفترس بعضهم بعضاً حتى يهبط عدد السكان بعد هذه المذابح إلى مستوى الشروط الطبيعية التي يمكنها أن تؤمن حياة جماعة بشرية في نطاق معين من الأرض. ولا شك في أن الشعوب القوية هي التي تفني الشعوب الضعيفة في هذه الحرب التي لا هوادة فيها ولا رحمة، لا بل في هذه الحرب الحيوانية التي يضرمها الجوع وتحركها الغريزة. وهكذا فالحرب حق من الحقوق المشروعة لأنها وظيفة من وظائف الحياة الطبيعية. وهي كما يقولون نافعة للبشرية لأنها وسيلة من وسائل الاصطفاء الطبيعي الذي يؤدي إلى زوال الشعوب الضعيفة ويفسح المجال للشعوب القوية الصالحة للبقاء. إن في الشفقة ضعفاً وانحرافاً عن مجرى العواطف الطبيعي لأن الطبيعة تجهل الشفقة ولا تعرف للحنان معنى.
هذه خلاصة من الأفكار الجديرة بالإعجاب التي استنتجها مالتوس في كتابه مبدأ السكان واتبعها أصحاب المذهب الحربي وهي التي جعلت كثيرين من المفكرين يقولون عن آرائه أنها مخالفة للأخلاق. وسوف ترى بعد قليل أن هذه الأفكار لم تتهدم بالانتقادات القاسية التي
стр. 496
وجهت إليها، بل نمت وتنظمت في جملة متسقة من الآراء التي تقوم عليها اليوم أسس فلسفة التاريخ والسياسة في بعض ممالك أوروبا. إن هذه الفلسفة تبلبل اليوم حياة المنيا وتولد الاضطراب في سياستها وتحدث شيئاً من الحمى في نفوس قادتها.
إن الذين يلاحظون مثلي بهدوء وسكون هذه العاصفة الهوجاء من الأفكار، ويدرسون بصورة مجردة النتائج التي تنشأ عنها يجدون في هذه التجربة الحادثة اليوم في منطقة واسعة من مناطق العالم المتمدن درساً نافعاً في الفلسفة الاجتماعية. وذلك أن مفهوم الأمة إذا ارتكز على فكرة الجنس الواهية - وهي كلمة مجردة غامضة لا تعريف لها - بدلاً من أن يبنى على الثقافة الجنسية والمصالح السياسية والاجتماعية التي تقوم عليها حياة الجماعة المنتظمة (الأمة)، فإنه يؤدي بالضرورة إلى أضرام العواطف الوطنية العمياء. ويكون للخوف من الغرباء، إذ ذاك، كلمة مسموعة في الوطنية الكاذبة. ولا حاجة بنا إلى القول أن في هذا التعصب الذي هو أكثر شراً من تعصب الأديان خطراً - لا محيد عنه - على حسن اتفاق الدول واتساق مصالحها المشتركة ومنافعها المتقابلة. أضعف إلى ذلك أن الأمم المتمدنة مركبة من عناصر قومية مختلفة الأجناس وإن هذه الأجناس، التي يزعمون أنها خالصة، مركبة هي أيضاً من عناصر أخرى. إن العناصر البسيطة لا وجود لها حتى في الكيمياء.
الأمة المتمدنة هي الأمة التي استطاعت دائماً أن تمثل بثقافتها العالية التي لا تقاوم جميع العناصر الغريبة عنها. هكذا كان العرب في أوج مدنيتهم الزاهرة. وإذا استثنينا دولة الأمويين بدمشق أمكننا أن نقول أن العرب لم يبغضوا الغرباء أبداً ولم يخافوا من ازدياد عددهم. فلم ينقرض سلطانهم لضعف سياستهم بل لأسباب عديدة منها الانحطاط والهرم الطبيعي وبغض الأخوة وعداوة الأرحام التي أثارت الطمع وولدت الميل إلى الغلبة والسلطان بين السلالات المالكة.
إن الأمة ذات العبقرية القادرة على إبداع ثقافة عالية لا تلجأ إلى بغض الغرباء في حفظ بقائها وصيانة استقلالها. فبينما تجد كثيراً من الأمم المتمدنة في أيامنا هذه مصابة بخوف الغرباء تجد فرنسة قد تركت أبوابها مفتوحة دون أن تخاف من الانحطاط تحت تأثير الغرباء واختلاطها بهم.
стр. 497
إن ثقافتها العالية قادرة على تمثيل هذه العناصر الجديدة قبل نقلها إلى الجيل الآتي. ولنا في تاريخيها أكبر شاهد على ذلك. انظر إلى سويسرا، أننا لا نعرف أمة أحسن منها سكوتاً وأحسن منها نظاماً واتساقاً، وهي مع ذلك مركبة من ثلاثة أجناس من فرنسيين، وإيطاليين، وألمانيين قد حافظوا على هوياتهم القومية.
ومهما يكن الجنس عالياً، خالصاً من كل شائبة فإنه لا يكفي لبقاء الأمة، بل الأمة إنما تؤسس على اتحاد المصالح وارتقاء الثقافة وسموها.
إن الثقافة تسود العالم وتتغلب على كل شيء فتبقى بعد زوال الأمة التي أبدعتها ولنا في ثقافة اليونان القديمة أحسن مثال يدل على ذلك.
لقد أطلت البحث، وأجدني مضطراً إلى الوقوف بالمقال عند هذا الحد. وسأنتقد في مقالي الآتي آراء مالتوس واستعرض أفكار بعض العلماء والفلاسفة ورجال الفن غيرهم من العظماء الذين كان لهم أثر في نمو هذه الفلسفة السياسية الطبيعية المتبعة اليوم. وأرجوا أن أوافق إلى البرهان على أن هذه الفلسفة وطيئة لا قوة فيها ولا جمال.
الدكتور رضا توفيق
стр. 498
التربية الفرنسية والثقافة العربية
للأستاذ غابريل بونور
تعريب جميل صليبا
المربي الفرنسي في الشرق الأدنى رسول يقضي عليه الواجب أن يبحث عن الصفات الخاصة التي تتصف بها مسائل التربية وعلائقها بالهيئة الاجتماعية، إن هذا البحث ضروري لتعيين حدود تبعته وجهة جهوده ونتائجها.
إن للعمل الذي انتدب نفسه إليه تأثيراً قوياً في تطور هذه البلاد، غير أنه ليس مرتكزاً على أساس اجتماعي بل هو اضطراري أرغمته على القيام به حوادث التاريخ وظروفه الخاصة. إن الثقافة التي ينقلها رجال التعليم الفرنسيون إلى الشرق الأدنى ليست ظاهرة من ظواهر الحالة الاجتماعية فيه، ولا هي ثمرة طبيعية متولدة من شرائط وجود الشرق، ولا من شعور الشرقيين بالحياة. ليست هذه الثقافة من إبداع المجتمع الذي تتوخى إصلاحه، بل هي قد حملت إليه من الخارج مفعمة بالصفات الغريبة. وهي من إقليم غير هذا الإقليم لا تدل على تقاليد الشرق، ولا تحمل آثار ماضيه، فهي إذن ليست من نتاج هذه البلاد ولا هي قومية بل هي آتية من الخارج.
وبالرغم من ذلك فإن صفتها الخارجية لا تمنعها من تبديل النفوس والأخلاق وتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
إن الثقافة الأوروبية أو الأميركية التي استولت على هذه البلاد ترغم الشعب السوري كغيره من الشعوب الآسيوية على الأخذ بمنتوجات الصناعية وأساليب تفكير الغرب وآرائه وعواطفه، ولذلك فهي تطرح على بساط مسألة لا يمكن الأعراض عنها.
إن هذه البلاد قديمة جداً، وقد أورثها الماضي ثقافة غنية وجملة مركبة ودقيقة من الاعتبارات الخلقية، وهي تقاليد محترمة وأدب بديع سواء كان دينياً أو غير ديني، وهي أيضاً ذات صناعة وفن وأخلاق، ولها في الحياة البشرية مثل أعلى سام كونته مصائب الحرب وأعمال السلم وهيأه المفكرون العظام في وحدتهم وسكونهم. فليس ينقصها أذن شيء مما تقوم عليه الحضارة العالية والمدنية الروحية الجميلة.
وقد نشأ عن ذلك حال معقدة تلقى على المربي الفرنسي كثيراً من الأسئلة الخطيرة فكيف
стр. 499
السبيل إلى جعل الثقافة التي جاء بها تنفذ إلى قلب البيئة فلا تبقى سطحية ولا تحدث انقساماً في ثقافة الشرقيين، ولا خللا في نفوس الأفراد أو اضطراباً في الكيان السياسي والنظام الاجتماعي، كيف السبيل إلى منع هاتين الثقافتين من المنافسة الضارة التي قد تسوق أحداهما في المستقبل إلى القضاء على الأخرى، كيف السبيل إلى إيجاد الاتساق بين هاتين التربيتين الغريبتين اللتين يكاد يتعذر التوفيق بينهما؟
أننا نطمع في أن نكون مرشدين ونود أن نكون قادة العمل الفكري العظيم الذي يرمي إلى تجديد الثقافة في الشرق، إن الشروط التي تساعد على تجديد المدينة العربية الزاهرة متوفرة اليوم، فهناك نخبة من الطبقة المتوسطة مستقلة من الوجهة الاقتصادية قد شعرت بامتياز تقاليدها وخصائصها القومية، وهناك شعور بالماضي حي وقوي، وظهور للقوى القومية، وثروة من الأساطير والحكايات والأهازيج الشعبية بالنشاط والحياة، وهناك شعور قوي بالألفاظ وقوة دلالتها، وهناك لغة قديمة غنية مشخصة تركيبية لا تزال مسيطرة على اللغة التحليلية الحديثة التي أخذت تتوسع وتتكيف وفقاً لدلالات الفكر المجرد - إن الإبداع الفني والفكري الذي ازدهرت به عصور المجد العربي قد تولد من هذه العناصر المختلفة ومن الوحدة العميقة التي يربطها بعضها ببعض. فيمكننا إذن أن نشارك الشبيبة السورية المثقفة في آمالها وأن نتوقع انبثاق الآثار الفكرية القيمة وظهور الأعمال العظيمة في بلاد العرب.
إن في وسع الثقاف٦ة الفرنسية أن تكون عنصراً مغيراً لا يتغير في دور التحضير والتنشئة، لأنها تحمل معها مثال الحرية الفكرية الناضجة وصورة من المنهاج القويم الذي أبدعته آدابها القديمة.
ولكن الفرنسي ربما كان مبالغاً في الظن أن ثقافته ذات نطاق عالمي واسع وإن قيمتها لا تجاري، فلنلق إذن نظرة على الصعوبات التي يلاقيها المربي الفرنسي في تأدية رسالته والعمل بها.
إن تجدد الثقافة الذي نتوقعه يلاقي صعوبتين أساسيتين:
أولاً: إن الحاجة جعلت تجديد اللغة أمراً ضرورياً ولذلك فقد تعددت التجارب الناجحة في القاهرة كما في بغداد وفي بيروت كما في دمشق لتغذية اللغة.
стр. 500
ثانياً: من الضروري أن تؤدي العلاقات المتتابعة بين الشرق والغرب إلى تعويد الشرقيين طرائق التفكير والعلم وتدريبهم على أساليب الصناعة والاختراع الفكري الحديث.
إن تجديد اللغة العربية يتعلق بالشرقيين وقدرتهم واجتهادهم وإبداعهم واتحاد جهودهم، ولكن ليس في وسعهم أن يبقوا بمعزل عن التربية الفكرية العالية التي وضعها الغرب لنفسه، أننا مستعدون لنقل هذه التربية لهم بروح التعاون المجرد عن كل غاية وبقلب نقي خالص، ولكن الغرب لم ينقسم أبداً كما هو منقسم اليوم في معرفة حقيقة حاله، ولا كان أكثر قلقاً مما هو اليوم في نقد مثله الأعلى وقواعد عمله وتصوره لحقيقة الإنسان، إن وضع مسألة التربية في الشرق على بساط البحث يحتوي على هذه الشكوك: الشرق يقتبس هذا القلق منا ويعيده إلينا، وكثيراً ما يولد في نفوسنا هذا القلق، إن ألمانيا مثلاً تتردد اليوم بين الثقافة العقلية القديمة على طريقة الفرنسيين وبين عدم تقيد الأساليب الحديثة التي توصي بها معاهد التربية والتعليم ورجال التربية الحديثة - يلخص هذا الخلاف بالتباين الموجود بين أفكار (كورتيوس) وأفكار (بيكر) ولكن آسيا لا تجهل هذه المباحث والتجارب ولا هذا الخلاف. والمربون الذين يريدون أن يطبقوا نتائج دراستهم لأحوال الطفل النفسية على تسيير حياة الصغار وتنشئة نفوس الأحداث تجدهم في الصين والهند كما في العالم العربي كثيري العدد. ولئن كانت ألمانيا مترددة بين الروح الفرنسية المدرسية وبين طرائق التربية الروسية فالعلم العربي منقسم بين تقاليد العقل في البلاد المحيطة بالبحر المتوسط وبين الأفكار التي حملت الجمهورية الصينية على إبداع المدارس التجريبية الحديثة. فلم ينقض العام الماضي حتى شاهدنا بلدين عربيين، هما العراق وسوريا، اللذان تربطهما نزعات وميول واحدة في رفع مستوى الثقافة، أقول رأينا هذين البلدين يعملان على إصلاح التعليم الرسمي ويقايسان لهذه المناسبة بين الطرائق الفرنسية والطرائق الأميركية.
(لها تتمة)
غابريل بونور
стр. 501
غوطة أمس وغوطة اليوم
للأمير مصطفى الشهابي
أنحبس الغيث عن الشام سنتين متواليتين فغاضت الينابيع وشحت مياه الأنهار وأغبر أديم الأرض وجالت أشعة الشمس اللذاعة خلال النبت المريض الذاوي فلم تدع بقلاً إلا صوحته، ولا زرعاً حدثته نفسه بأن يستأسد إلا أردته، ولا زهرة نضرة إلا أذبلتها ولا عشبةً مسكينةً متواضعة إلا أيبستها. وراقت صفحة السماء فمل الناس زرقتها واختالت ذكاء في جبروتها دون أن يحجبها عن الأرض حاجب حتى لكأن الغيوم أسماء في المعاجم لا مسميات لها في السماء. فأين الطخارير ترنق الجو بخيوطها البيض القطنية، والنيرات السحاب كأنها أمواج الخضم المتدافقة، والمكفهرات كالجبال ركاماً، والدجنات المعصرات الباعثات الغيث أنهاراً. لقد أنسينا كل هذه وهي بواعث الحياة فينا فلا سحاب يبكي ولا أرض تضحك وليس في الجو سوى الشمس المحرقة تضحك النهار من بؤس الفلاح وشقائه وبودها لو كانت الأرض غير مستديرة إذن لضحكت منه ليلاً. . .
وأصيبت مياه بردى بداء العقاد فلصقت بالأرض تتمور وتترجرج كأنها ترتقب من يدفعها إلى جنات الغوطة دفعاً وهي التي كانت بالأنس صخابة جرافة لا يعترضها عارض في تيارها. وتهامست الأشنة والطحالب بأنها فرصة يجب اهتبالها فراحت تفرش في عرض النهر بساطها السندسي وأليافها الخضر الحانئة أرائك يترفق عليها البعوض واليعاسيب وحواجز تمنع قطرات الماء أن تسيل. وكلما أستأصلها الأكارون عادت فنمت واشتبكت بين ليلة وضحاها هازئة بمجرفة الفلاح ومره كأنها تثأر لنفسها من ظلمه وظلم الماء معاً. وتباشرت الضفادع وتنادت قائلة: حيّ على رغد العيش وهناءة الرزق وهيا إلى فتح الفتوح في قاع الجداول والمجاري وراح قويها يستنفر ضعيفها فما هي إلا أيام قلائل حتى كانت مملكة الماء في قبضة يدها فأعرست بالرفاء والبنين وأنجبت خير نسل ملأ الفضاء نقيقاً. . . . وراسل ملك الضفادع في بردى خدينه في قويق يلاحيه البيتين الآتيين زاعماً أنهما إنما يجب أن توصف بهما محامد الجفاف في نهر دمشق والغوطة لا في نهر حلب وهما:
إذا ما الضفادع نادينه ... قويقٌ قويقٌ أبلى أن يجيبا
تغوص البعوضة في قعره ... وتأبى قوائمها أن تغيبا
стр. 502
فيجيبه دهقان الضفادع الحلبية بأن المساجلة لا تغنيه فتيلاً ولا نقوم على زعمه دليلاً. فأنهار دمشق ما برحت مضرب الأمثال في غزارة مائها لدى أبناء آدم فهي لا تصلح لأبي هبيرة وأولاده وأنه إذا استرسل في العناد أحاله على ذلك الآدمي الرومي المعروف باسم الياقوت الحموي الذي رأى أن بردى أنزه نهر في الدنيا أو على آخر من نوعه يطلقون عليه اسم البحتري فقد وصف دمشق بقوله:
فلست تبصر إلا واكفاً خضلاً ... أو يائعاً خضراً أو طائراً غردا
وهذه الصفات لا سبيل معها إلى المساجلة. دع أشعار رجل مصري قريب العهد بنا يسميه أبناء آدم شوقي ويقولون: أنه شاعر فحل ما أنجبت الكنانة مثله منذ قرون. فهذا الإنسان جعل الغوطة لأبناء جنسه جنة الله في أرضه. أفبعد هذا يستطيع جلغوم بردى أن يوطد ملكه على أسس موطدة أم ترى إن هذا الملك الرجراج سيطوح به أول شؤبوب بنهل من السماء ودقا وينبجس من الأرض غدقاً!.
ويقف فلاح الغوطة الحزين ساهما يستمع إلى هذه الأهكومة وقد أسقط في يده ويسرح الطرف في مسوق الشجر العظام من زيتون ومشمش وجوز وتفاح وخوخ وغيرهما فإذا بها لهبى لوحها العطش، إن أرسلت جذورها متغلغلة في التراب لم تلق فيه إلا ذراتٍ جافة لازبة مستحصفة، وإن فتحت مسام أوراقها للندى لم تستقبل في الهواء سرى الريح السموم ويبتسم الفلاح بسمة صفراء وينادي صاحب البيت الآتي:
يا نسيماً هب مسكاً عبقاً ... هذه أنفاس ريا جلقاً
يناديه ليتحسس معه أنفاس هذه السنة الجدباء ويتنشق بدلاً من رياً الغوطة لوافح الصحراء. ثم يجول المسكين في الأرض فلا فواكه يجنيها ولا يقول بقطفها ولا زروع يحصدها ولا كلأ يعلفه مواشيه الجائعة.
لقد تبدلت الأرض وتبددت الأحلام فالسعيد من أصاب رغيفاً من الذرة قوتاً لعياله ومن أدرك حملاً من التبن علفاً لماشيته ومن سلمت له أرضه فلم تكن من نصيب الصيارفة والمرابين.
وقد كان هذا الفلاح نفسه بالأمس يربى الخيل العراب ويركبها ويؤم أسواق دمشق يبتاع العقود والأقراط لامرأته وبناته، والبسط والسجاد لدار ضيافته، وغالي الكوفيات والعباءات
стр. 503
لنفسه ولأولاده.
وكنت تراه أحياناً يرتاد حدائق دمشق وملاهيها وآثار النعمة فاشية فيه وبادية على محياه الطلق وهو ينفق بحساب أو بدون حساب مما أغله تراب الغوطة المخصاب. وكان إذا حل جابي بيت المال في القرية تلقاه أهلها ببشر فأطعموه وعلقوا على دابته ونقدوه الضرائب وصرفوه حامداً محموداً. أما اليوم فكأني بالجباة أنفسهم قد أصبحوا بائسين في خلقان من الثياب وكأني بجيادهم العراب قد تبدلت فصارت فسأكل من الأكاديش الهزيلة. . . . ولو ظل هؤلاء الجباة أياماً طوالاً يستقصون بيوت القرية وحقولها شبراً فشبراً لما وقعوا فيها على فلس يرضون به رؤساءهم. فلك الله أيها الفلاح المسكين ما أشقاك.
مصطفى الشهابي
стр. 504
صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام
- ١ -
لما كنت مدير المدرسة الزراعية في سلمية في سني ١٣٢٧ - ١٣٤١ هـ - كنت أعجب بحالة الأعراب الذين يكثر ترددهم على هذه البلدة النائية وتجوالهم في أعمالهم وتقيظهم في مروجها واجتماع رؤسائهم في مؤتمراتها. وكنت أرغب الإطلاع على أنسابهم وأحسابهم وطبائعهم، فأتسقط آثارهم واستطلع أخبارهم وأكتب ما أراه جديراً بالحفظ حتى اجتمع لي طائفة من ذلك.
وقد وجدتهم ينقسمون إلى ثلاث طبقات:
١ - الأولى أعراب البادية أو البدو ويوصفون بالرحل، وهم أهل الخيام أو بيوت الشعر لسكناهم والخيل لركوبهم والإبل لكسبهم يقتاتون من ألبانها ويتخذون الدفء والأثاث من أوبارها ويحملونه أثقالهم على ظهورها ويبيعون ذكورها لا يدرون أهي خلقت لهم وقبلهم أم هم خلقوا لها وقبلها ولا يدفعون للدولة سوى ضريبة الودي، يتقبلون دوماً بين قفار البادية الحماد ومشارف الحاضرة المعمورة فراراً من حمارة القيظ تارة وصبارة البرد أخرى وانتجاعاً للمراعي الصالحة للإبل كالروثة والنيتون وغيرهما مما فيه ملوحة وحموضة.
وهواهم في البادية وآفاقها الشاسعة وحريتها المطلقة، يحتقرون أهل الطبقة الثانية ويدعونهم رعية وشوايا لاقتنائهم الشياه والمعز يعدون ذلك من أكبر العار إذ تمنعهم عن التوغل في البيداء ومدافعة الأعداء ويمتهنون أهل الحواضر والقرى لسكناهم في بيوت الحجر واعتيادهم على الرفه وحماية الدولة، وهم لا يغشون هذه الحواضر إلا للضرورة في سني الظمأ أو لابتياع حاجاتهم وبيع جمالهم وأصوافهم. وكثيراً ما يلحق أهل الضياع والمزارع حين مرورهم بها مضرات من أفسادهم السابلة ورعيهم الزرع مخضراً وانتهابه قائماً وحصيداً ويتفاقم ضررهم حينما يرون من فوضى الأحكام ومسامحة ذوي السلطان فرصة. وهؤلاء في بلادنا قبائل عنزة ومنها في شمالي الشام في فيافي حلب وحماه وحمص الفدعان والسبعة والعمارات والحسنة وفي الوسط من فيافي دمشق وحوران الرولة والولد على وفي الجزيرة الفرانية شمر وطي. وسنذكر بطونهم وأفخاذهم ومنازلهم فيما بعد.
стр. 505
٢ - الطبقة الثانية: أعراب الحاضرة أو عربان الديرة أو الرعية النصف رحل باصطلاح الإفرنج، وهم أهل الغنم والمعز ومستثمرو الأرضين بالحرث والزرع يرحلون في الشتاء إلى البادية انتجاعاً لمرعى غنمهم ودفئهم ويعودون في الصيف إلى قراهم وضياعهم، ويأوون إلى الخيام بيوت شعر أو إلى القباب وبيوت الحجر حسب اللزوم والفصول، منهم من يتخذ الحمير في تشريقه وتغريبه أو تنقله من مكان إلى مكان آخر كأكثر بطون قبيلة الحديديين ومنهم من يتخذ الإبل والحمير معاً كبني خالد والنعيم والفواعرة وغيرهم ممن سنأتي على ذكرهم. وهم يشبهون في الجملة الطبقة الأولى في طباع البداوة والجفلة وانتهاك حمى الطبقة الثالثة وأهل الحاضرة عند سنوح الغفلة إلا أنهم يختلفون بأنهم لا يعاملون في عرف البادية معاملة أولئك فلا يردون النقا أي لا يشهرون عليهم الحرب ولا يحفظ لهم صحب أي لإيجار الملتجئ إليهم بل لما كانوا رعية يؤكلون ولا يأكلون. ويختلفون أيضاً بأن لهم استعداداً بارزاً للتحضر وعلائق جمة مع أهل مدن حلب وحماة وحمص ودير الزور يشاركونهم في تربية الغنم وتجارة السمن والصوف التي تدر عليهم وعلى شركائهم في سني الخصب ثروة غير يسيرة، وبأن لهم قرى وضياعاً يقطنون فيها ويستثمرون أرضها، وإذا شرقوا لا يبعدون كالطبقة الأولى فلا يتعدون جبل البلعاس وجبال تدمر وفيافيها وهم يدفعون للدولة عدا ضريبة الأغنام العشر عن الزروع والوير كوعن الأرضين فقط.
وثمة قبيلة واحدة تدعى الموالي تشبه الطبقة الأولى والثانية معاً في بعض الأمور وتختلف في أخرى. فأعراب الموالي أهل أبل وغنم وقرى لكن أبلهم ليست من الوفرة بدرجة البدو وتربيتهم للغنم واشتراكهم مع الحضر واستثمارهم للقرى أقل أتقاناً من الرعية.
ومشابهتهم للطبقة الأولى في أنهم يردون النقا ويعطون الصحب لأنهم أهل حرب وضرب وأقوال وأفعال.
اشتهر أفرادهم بالفروسية والشراسة وأمراؤهم بكرم المحتد وعراقة النسب. وإذا اجتمع رؤساء قبائل الطبقة الأولى في المؤتمرات التي تعقد الحين بعد الحين في سلمية أو تدمر أو خلافها من البلاد التي على سيف البادية لفض الفتن التي لا تخلو من النشوب بين القبائل يحل أمراء الموالي صدور المجالس بينما رؤساء الطبقة الثانية عليهم الوقوف في أبوابها
стр. 506
والإصغاء والامتثال لما يقرر فيها. فالموالي إذن طبقة متوسطة بين الأولى والثانية لهم شؤون وطبائع خاصة طالما استرعت أنظاري. لا سيما حينما نشبت فتنة شعواء بينهم وبين الحديديين في سنة ١٣٣٩ وقد كانوا على مصاهرة ومسالمة دامتا أكثر من نصف قرن عقيب فتنة مثل هذه جرت إذ ذاك بينهما. ففي سنة ١٣٣٩ اقتتلوا اقتتالاً شديداً حول قرية عقيربات في سفح جبل البلعاس ثم انتقلوا إلى أماكن أخرى في شرقي حماة والمعرة وجنوبي حلب ودامت الفتن بينهم سبع سنوات تخبو نارها وتشب أخرى خاصة كلما وجدت من يوقد شرارها. حتى خربت من جراء ذلك قرى كثيرة في براري البلاد المذكورة وراح ما لا يعد من الصامت والناطق لأهلها.
٣ - الطبقة الثالثة: الأعراب الفلاحون الذين تركوا الحل والترحال وشن الغارات وأيقنوا أن العيش الثابت خير من المتقلقل وأن من يلجأ لحمى الدولة أهنأ بالاً ممن يتكل في حمايته على نفسه وعصبيته فعمروا الخرب الدائرة وهجروا بيوت الشعر إلا قيلاً وقطنوا بيوت الحجر أو القباب وتوفروا على الحرث والزرع أكثر من تربية الماشية. منهم في شمالي الشام القاطنون في قرى أملاك الدولة في أقضية جرابلس ومنبج والباب وجبل سمعان وفي سقي الفرات في لواء دير الزور وفي جنوبي دمشق في قضائي القنيطرة والزويه وغيرهما مما سنذكره أيضاً.
وكنت في سني إقامتي في سلمية كلما سنحت لي الفرص أتجول وأستقصي خرائبها الأثرية شأني في كل أرض حللتها فوجدت ذات يوم مسجداً يبعد عن سلمية خمسة كيلو مترات إلى الشمال له جدران متداعية وقبة من الأجر أكثرها متهدم. وفي قربه ضريح محاط بجدران وليس له سقف علمت بعد أنه لشيخ يدعى الشيخ فرج لا يعرف له أصل ولا خبر تزوره أهل القرى وأعراب تلك الديار لا سيما أهل عشيرة الجملان التي تدعي الانتساب إليه وتنذر النذور لاعتقادهم أنه مبارك وقد وجدت إذ ذاك في جنوب المسجد الخرب جبانة فيها قبور كثيرة منها القديم والحديث عثرت بينها على قبر له شاهدة زبر فيها اسم صاحبه محمد بن عبس بن مهنا وتاريخ وفاته رجب عام ٧٢٤.
وما أن لمحت هذا الاسم حتى ذكرت أنه مر عليّ كثيراً خلال قراءتي تاريخ الملك المؤيد أبي الفداء وتاريخ الأمير حيدر الشهابي، فأسرعت بعد هذه الزيارة لمراجعتهما فإذا بي أمام
стр. 507
طائفة من الحوادث أجراها أبو هذا الرجل وأخواه مهنا وفضل وأعقابهما في القرن السابع والثامن والتاسع من الهجرة، وأخرى مثلها أجراها قبلهم أقاربهم بنو الجراح في جنوبي الشام وشماليه في القرنين الرابع والخامس أدهى وأمر مما أتاه الموالي الحديديون في زماننا. وقد تبين لي منها ومن المصادر التي راجعتها بعد حين كصبح الأعشى للقلقشندي والعبر لابن خلدون أن عبس بن مهنا فخذ من آلف فضل من ربيعة من طي من كهلان من القحطانية.
وأنهم كانوا في زمن السلاطين الأيوبيين سيما في دولة المماليك كما قال في صبح الأعشى رؤساء أكابر وسادات العرب ووجوههما ولهم عند السلاطين حرمة كثيرة يحلونهم فوق كيوان وينفقون لهم أجناس الإحسان. وتبين لي أن آل عبس خاصة كان لهم مداخلة في إدارة بلاد الشام وسياستها في تلك القرون وأثر عظيم في زوال عمرانها وانحطاط شأنها اللذين حصلا حينما اختلت الأمور في آخر دولة المماليك على النحو الذي أدركناه من أعراب زماننا عقيب زوال الدولة العثمانية.
وساقني هذا الإطلاع لاقتفاء أثر آل عيسى وخاتمتهم ومعرفة العهد الذي انقرضوا فيه وكيف تم ذلك وهل بقي منهم في زماننا أعقاب، فوجدت الشهابي في حوادث القرن الحادي عشر يلقب بعض أمراء البادية بآل أبي ريشة وينعتهم بالحيارين كما نعت عيسى بن مهنا وأعقابه من قبلهم. وقد استدعى نظري هذا اللقب وتذكرت أن أمراء قبيلة الموالي في زماننا مازالوا يعرفون بآل أبي ريشة فصرت افتكر في هل أن هؤلاء هم من أعقاب عيسى بن مهنا أبو صاحب القبر الذي عثرت عليه شمالي سلمية وهل بالإمكان ربط سلسلتهم نتلك الأرومة. ولما سألت بعض هؤلاء الأمراء وبعض شيوخ القبائل المجاورة لهم وجدتهم يا للأسف في غفلة عن ماضيهم ومعرفة أنسابهم، يكاد أحدهم لا يعرف اسم أجداده ناهيك عن أسلافه البعداء وقليل منهم من يحفظ حديث أخبارهم وملامحهم وتاريخ وقوعها وأماكنها، والحافظون لذلك منهم تتضارب أقوالهم وتتشتت رواياتهم التي التقطتها على علاتها وسأذكر زبدتها فيما بعد. وفي الجملة فقد صرت شبه الموقن بأن فضيلة حفظ النسب وضبط الحسب ومعرفة أخبار السلف ضاعت من أعراب زماننا كما ضاع منهم كثير من الفضائل والمحامد التي كانت لأسلافهم في الجاهلية وصدر الإسلام وملأت كتب التاريخ
стр. 508
والأدب القديمة.
ولما لم اكتف بما التقطته من أفواه هؤلاء رجعت أتحرى وأنقب صحائف التاريخ الباحثة عن كوائن بلادنا في العصور الأخيرة فلم أجد ما ينقع غلتي في تاريخ الشهابي وهو على علاته أوسع من دون أخبار تلك العصور التي زهد فيها أهلها بالتاريخ والتدوين لا سيما في ما يتعلق بأخبار الأعراب في زمانهم. فالشهابي لم يذكر اسم الموالي إلا مرة في أحداث سنة ١٠٣٥ في خبر طلب الأمير فخر الدين المعنى منهم ذخيرة وتمنعهم ورحيلهم ولحاق الأمير بهم حتى عبرهم النهرين، ولم يعد لذكرهم ولا لذكر من كانوا أمراء البادية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر كما ذكر من كانوا في الحادي عشر على ما سوف ننقله.
وبينما كنت أقلب كتاب الجغرافية القيم المسمى بجهان نما لمؤلفه كاتب جلبي صاحب كشف الظنون المتوفي سنة ١٠٦٨ والمطبوع بعد وفاته قي سنة ١١٤٢ في الأستانة عثرت بغتة في بحثه عن سلمية على ما تعريبه: وما برح هذا اللواء: يعني سلمية وقد كانت في أيامه مركز لواء: في حوزة أمراء الموالي. هؤلاء الأمراء ينسبون لآل الحيار من قبائل العرب وهم ينقسمون إلى فريقين آل حمد وآل محمد وتصل مناطق نفوذهم إلى ضواحي حلب والرقة. وفي رواية أن حمد أبا نعير أبلى مرة بلاء حسناً في معركة على عهد أحد سلاطين مصر وكان يضع على رأسه ريشة فدعي بأبي ريشة وأنعم عليه ذلك السلطان بمبلغ عظيم من الذهب فاشترى به ألف عبد ليقوى بهم على قومه فسميت أعقاب هؤلاء العبيد بالموالي وهؤلاء لا يكون منهم أمراء. اه -
وما أن لمحت هذه الكلمات حتى خيل لي أنني وجدت ضالتي المنشودة، فقد استدليت مما ذكره كاتب جلبي أن اسم الموالي وصيت أمرائهم كانا معروفين في عهده أي في القرن الحادي عش، وقد وافق بذلك المؤرخ الشهابي الذي ذكرهم في أحداث سنة ١٠٣٥، ووافقه أيضاً بنسبتهم لآل الحيار وبتلقيبهم بآل أبي ريشة وزاد عليه ببيان سبب هذا اللقب.
إن هذا الاستدلال وبقاء لقب أبي ريشة لاحقاً بأمراء الموالي المعاصرين لنا حملاني على الظن بأن هؤلاء الأمراء هم من أعقاب عيسى بن مهنا آل الفضل الطائيين الذين كانوا ملوك البادية وأعظم ساداتها في عهد السلاطين الأيوبيين والسلاطين المماليك كما كان أقاربهم بنو الجراح الطائيون من قبلهم في عهد الخلفاء الفاطميين وهذا هو السبب في أن
стр. 509
أعراب زماننا يجهلون شأن هؤلاء الأمراء ويحلونهم الصدر الأول في المجالس والمؤتمرات التي يحضرها كبار مشايخ البادية ورؤساؤها. وقوى ظني هذا الذي لا يزال تشوبه ريبة تحتاج للإزالة ما نعرفه عن قبائل الأعراب من أن أسماءها تتبدل مهما عظمت في كل قرن أو قرنين تبعاً للمتآمر عليها وقد تسمى القبيلة باسم أميرها أو شيخها ثم باسم ابن هذا أو ذاك بعد وفاته إذا انفصلت عن الأرومة وتفرعت. فقد تغيرت أسماء القبائل التي كانت معروفة بد \ خول الإسلام الشام في القرن الثالث والرابع، وما عرف نمن أسمائها في القرن السادس والسابع تبدل في التاسع والعاشر. والأمثلة على ذلك كثيرة كما سوف يأتي. والإمارة أو المشيخة ترجع على الأغلب لمن كان له أصل قديم من بيته أو من كان أذكى قومه جناناً وأبسطهم بالكرم يداً وأشجعهم يوم النزال قلباً وأصلبهم في الحوادث عوداً ثم تنتقل بالوراثة حتى ينقطع العقب أو ينضب معين الكفاءة.
ولما رجعت أنقب الكتب الباحثة عن أحوال العرب وأنسابهم وجدت الباحثين عن أحوالهم وعاداتهم كثيرين برز بين المتقدمين ابن عبد ربه الأندلسي المتوفي سنة ٣٢٨ في العقد الف٦ريد، وأبو الفرج الأصبهاني المتوفي سنة ٣٥٦ في الأغاني وبين المتأخرين السيد شكري الألوسي في بلوغ الأرب في أحوال العرب المطبوع في بغداد سنة ٣١٤ في ثلاثة مجلدات خصها بشرح أخبار الأعراب وعاداتهم وأخلاقهم وآدابهم في الجاهلية والارشمندريت بولس سلمان في كتاب خمسة أعوام في شرقي الأردن المطبوع في حريصاً (لبنان) سنة ١٧١٩م شرح فيه آداب مدن شرقي الأردن في عهدنا وقضاءهم وديانتهم وعشائرهم، والسيد عارف العارف قائم مقام بئر السبع (فلسطين) في كتاب القضاء بين البدو المطبوع في القدس سنة ١٩٣٣م شرح فيه أخبار أعراب بئر السبع في عهدنا أيضاً وطبائعهم وعاداتهم في القضاء والقتل والسرقة والمرأة والحيوان والرحيل والتجارة والطلب والعقيدة.
أما الباحثون عما أنشده فقلائل برز بين المتقدمين ابن خلدون المتوفي سنة ٨٠٨ في تاريخه العبر والقلقشندي المتوفي سنة ٨٢١ في كتابه الأول صبح الأعشى وكتابه الثاني نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب طبع في بغداد وعنه أخذ أبو الفوز السويدي البغدادي في رسالته سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب المطبوعة على الحجر سنة ١٢٨٠ وكتابه
стр. 510
الثالث قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان منه نسخة خطبة في دار الكتب الخديوية في مصر وقيل أن في أحد الأجزاء التي لم تطبع بعد من مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري المتوفي سنة ٧٤٨ ذكراً لمنازل العرب كما كانت في زمنه، وقيل أيضاً أن لابن حزم الظاهري المتوفي سنة ٤٥٦ كتاباً اسمه جمهرة النسب في معرفة قبائل العرب مخطوط في دار الكتب الخديوية. ولم يسعدني الحظ بالوصول إلى هذه المخطوطات الأخيرة وإن كانت تشمل العصور البعيدة عن درسي وتنقيبي.
أما المتأخرون إذا استثنينا الفاضلين الذين كتبا عن أعراب شرقي الأردن وبئر السبع، فقد أهملوا البحث عن قبائل الأعراب سيما ما كان منها في شمالي الشام ووسطه كما أهملوا كثيراً مما يتعلق بجغرافية البلاد الشامية ووصف بلدانها وخططها ومسالكها وسكانها وآثارها وصرنا في هذه المواضيع يا للخجل عالة على رحالة الإفرنج ومستشرقهم الذين استنفضوا كل بقعة من بقاعنا ومدينة من مدننا وبادية من بوادينا وأجادوا وأفادوا في وصفها من نواحي الطبيعة والتاريخ والآثار والعمران والأنساب وكتبوا فيها المجلدات الوفيرة، منها في الفرنسية مما يتعلق بموضوعنا وحده رسالة (بدو البلاد التابعة لحكومة دمشق) للكابتين رينو طبع في سنة ١٩٢١ وكتاب (في بلاد الشام مع البدو) للكومندان موللر طبع في سنة ١٩٣٢، وكلا المؤلفين من عمال الإدارة الفرنسية الخاصة بقبائل البادية.
أما غايتي في هذه العجالة فهي ذكر بعض ما فعله الأعراب خلال القرون الماضية في شمالي الشام وبيان أثرهم في أحداثه ومصائبه للاعتبار بما كان ولا يزال عليه هؤلاء ورؤساؤهم من حب الغارات واستباحة حمى المعمور من البلاد والاشتراك بكل انتفاض واغتنام فرصة كل فوضى والنوال من الغريب والقريب على السواء واستدرار المغانم والعطايا من أي نبع كان والخنوع أمام القوي والتنمر في وجه الضعيف، ثم للتوصل إلى معرفة أنساب من هم في عهدنا وأحداثهم التي تكاد تضيع لفقدان من يعنى منا بهذه الأمور التي عني الأسلاف والإفرنج أي عناية كما قدمنا وهي أمور في ظني لها شأنها وخطرها في تاريخنا الحديث، ثم للتمكن من ربط معاصرينا منهم بأسلافهم وأخص بالذكر أمراء الموالي بآل عيسى بن مهنا وأجدادهم آل الفضل وآل الجراح وآل ربيعة الطائيين، هذا
стр. 511
على الرغم من صعوبة الاتصال والاستعلام من أولئك الأعراب وقلة المصادر ونقص الوسائل التي تتيسر للغربيين أكثر منا نحن الذين نمت بالاسم إلى البادية بصلة الدين واللغة والقرابة والجوار.
ولعله يأتي يوم فيتمكن أحد مفكرينا من استيفاء هذا الموضوع حقه، فأكون قد مهدت السبيل ولفت الأنظار وهما حسبي.
وصفي زكريا
стр. 512
سكون الليل
سكن الليل والهواء فلا طير ... يغني ولا تحف غصون
سكن الكون برهة وكأن الكل ... مصغ لما يقول السكون
صرت أرنو للكائنات وترنو لي ... وكلي وكلهن عيون
فهناك الكلام أصبح عياً ... وهناك السكوت نطق مبين
ثم ألقت إلي بالوحي معنى ... هو عندي بالنطق ليس يبين
ذاك سر للكائنات يبقى ... وهو بيني وبينها مدفون
стр. 513
قصيدة الوجود
إن نفسي تروم نظم قصيد ... ليس يأتي باللفظ والأوزان
منطق الطير لفظه العذب ... والوزن حفيف الأوراق والأغصان
والبدايات بدء والقوافي ... لا نهايات عالم الإمكان
والمعاني أسرار كون خفي ... دق حتى عن فهم أهل المعاني
стр. 514
قصيدة السكوت
إن نفسي تبغي الغناء ولكن ... لست أدري بأي لحن أغني
كلما رمت أن أغني بلحن ... صد عنه قلبي وأعرض عني
فكأن الفؤاد يبغي غناء ... مبهماً لا يجيء في أي وزن
لا يروق الغناء في سمع قلب ... إذنه لا تقاس في أي إذن
لحنه من هواجس مبهمات ... وغناه مخالف كل فن
فهو في مجلس الغناء تراه ... جامداً عادماً لبشر وحزن
وهو في حالة السكون يغني ... ضاحكاً راقصاً على لحن جن
صاح رحماك لا تقطع سكوتي ... ففمي ساكت وقلبي يغني
أحمد الصافي
стр. 515
مائة نقلة
من كتاب نقل الأديب
وهي ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب
مؤلفة محمد إسعاف النشاشيبي
حق الطبع والنشر ونقل شيء من هذه النقل محفوظ
أهدي مائة النقلة هذه إلى مجلة (الثقافة)
٤٧ - رد الله عليك غربتك
كان الصاحب بن عباد يقول: لم أسمع جواباً أظرف، وأوقع، وأبلغ من جواب عبادة فإنه قال لرجل: من أين أقبلت؟
قال: من لعنة الله.
فقال: رد الله عليك غربتك. . .
٤٨ - هناك والله قرارة اللوم
وقف أعرابي فسأل قوماً.
فقالوا: عليك بالصيارفة.
قال: هناك (والله) قرارة اللؤم.
٤٩ - إذا حضر فبالأول
وإذا غاب فبالثاني
قال خالد بن صفوان لخادمته: أطعمينا جبناً، فإنه يشهي الطعام ويدبغ المعدة، ويهيج الشهوة.
فقالت: ما عندنا.
فقال: ما عليك، فإنه يقدح في الأسنان، ويلين البطن، وهو من طعام أهل الذمة.
فقال بعض أصحابه: بأي القولين نأخذ؟
فقال: إن حضر فبالأول، وإن غاب فبالثاني. . . .
٥٠ - فإذن يوسف هم، وما تم
قال أبو بكر بن العربي: كان بمدينة السلام إمام من الصوفية (يعرف بابن عطاء) فتكلم
стр. 516
يوماً على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه. فقام رجل من آخر مجلسته - وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة - فقال: يا شيخ، يا سيدنا، فإذن، يوسف هم وما تم.
فقال: نعم، لأن العناية من ثم
فانظروا إلى حلاوة العالم، والمتعلم، وفطنة العامي في سؤاله، والعالم في اختصاره واستيفائه.
٥١ - أسكت فإنك عن لسانه تنطق
قال محمد بن سلام الجمحي: أتى الفرزدق الحسن البصري
فقال: إني قد هجرت إبليس فاسمع.
فقال: لا حاجة لنا بما تقول.
فقال: لتسمعن أو لأخرجن فأقول: إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس. . .
فقال الحسن: اسكت فإنك عن لسانه تنطق. . . . .
٥٢ - الشيطان أصلح للشاعر
قال الثعالبي: من ظريف أمر حسان أنه كان يقول الشعر في الجاهلية فيجيد جداً، ويغبر في وجوه الفحول، ويدعي أن له شيطاناً يقول الشعر على لسانه - كعبارة الشعراء في ذلك - فلما أدرك الإسلام، وتبدل بالشيطان الملك تراجع شعره، وكاد يرك قوله. هذا ليعلم أن الشيطان أصلح للشاعر، وأليق به، وأذهب في طريقه. . . .
٥٣ - يا جامع شر أبويه
قال خالد بن صفوان لرجل: أن أباك كان دميماً، وكان عاقلاً.
وأن أمك كانت جميلة، وكانت رعناء. فجمعت دمامة أبيك إلى حماقة أمك فيا جامع شر أبويه. . . .
٥٤ - حتى متى أرقعك
قال أسماء بن خارجة لجاريته: اخضبيني.
فقالت: حتى متى أرقعك؟؟!!
فقال:
стр. 517
عيرتني خلقاً أبليت جدته ... وهل رأيت جديداً لم يعد خلقاً؟!
٥٥ - وارتفع السجف فرأى شيئاً كرهه
خطب إعرابي إلى قوم فقالوا: ما تبذل من الصداق؟ وارتفع السجف فرأى شيئاً كرهه فقال: والله: ما عندي نقد! وإني لأكره أن يكون علي دين. .
٥٦ - التيس العلوي
قال ابن الجوزي: اجتاز المرتضى أبو القاسم نقيب العلويين يوم الجمعة على باب جامع المنصور عند المكان الذي يباع فيه الغنم. فسمع المنادي يقول: نبيع هذا التيس العلوي بدينار. فظن أنه قصده بذلك. فعاد متألماً من المنادي، فكشف عن الحال، فوجد أن التيس إذا كان في رقبته حلمتان سمي علوياً نسبة لشعرتي العلوي المسبلتين على رقبته.
٦٢ - فاخترنا قتله
قال المنصور للمهدي: ما أيدت بما أيد به كان قلبي، أيد معاوية بزياد، وأيد عبد الملك بالحجاج.
فقال المهدي: قد أيدت بمن فوقهما
فقال: تعني أبا مسلم؟
قال: نعم.
قال: قد كان كذلك، لكنه خيرنا بين أن نقتله أو يقتلنا، فاخترنا قتله. . . . . . . .
٦٣ - الناصح، المكاشف، المداجي
سمى عبد الملك أبناً الحجاج لحبه الحجاج بن يوسف وقال فيه:
سميته الحجاج بالحجاج ... الناصح، المكاشف، المداجي
٦٤ - المقادير تصير العي خطيباً
قال الطبري: يحكى أن الحجاج ذكر عنده رجل بالجهل فأراد اختباره فقال: أعظامي أم عصامي (أراد أشرفت بآبائك الذين صاروا عظاماً أم بنفسك؟)
محمد إسعاف النشاشيبي
стр. 518
بعض أبنية دمشق
في أيام الوزراء العثمانيين
بقلم عيسى إسكندر المعلوف عضو المجامع العلمية في دمشق وبيروت والقاهرة
عن كتابه المخطوط (أبنية دمشق وآثارها)
أبنية مراد باشا - هو أحد السناجق بمصر أي أمير قطر وكان للسنجق شعار ضفيرة واحدة من الشعر يسميها الأتراك (التوغ). والسنجق تركية بمعنى اللواء وتحته (البيرق) أي الراية. فكان أصحاب الرايات يجتمعون إلى اللواء. وعدة السناجق تؤلف بشاليق أي رئاسة أمارة والسنجقدار الذي يحمل السنجق وراء السلطان وهذا كله من اصطلاح الحكومة العثمانية كما في تواريخها.
فتلقب مراد باشا في المناصب بين الحبشة واليمن وقرمان الشام ثم ولي أحكام حلب وديار بكر والروملي وأعيد إلى الشرق سنة ١٠١٦هـ - ١٦٠٧. سرداراً لتمهيد بلاد أناطولي (الشرق) والفتك بالتفكجية أي البندقيين وهم حملة البنادق فأمن البلاد إلى اسكودار وعاد إلى القسطنطينية ثم سار إلى بلاد العجم ومرض برجوعه منها وتوفي في ديار بكر سنة ١٠٢٠هـ - الموافقة لسنة ١٦١١م واشتهر بعدله وإخلاصه للدولة العثمانية ووفائه وكان نائباً في دمشق نحو سنة ١٠٠١هـ - (١٥٩٢م) وهو المعروف باسم مراد باشا القبوجي (أي الحاجب) وكانت له صلة مودة مع الأمير فخر الدين الثاني المعنى حاكم لبنان كما ذكرت التواريخ مفصلة وقائع هذا الوزير مدة حكمه للشام ولا سيما مع آل الفريخ في البقاع وآل سيف في طرابلس الشام مما لا مجال اليوم لسرده.
ولقد وقفت في (ذيل الكواكب السائرة في أهل المائة العاشرة) للنجم الغزي الدمشقي من مخطوطات الخزانة الظاهرية في دمشق التي هي بإدارة مجمعنا العلمي على ذكر تلك الأبنية فنقلها عنه بالحرف وهي:
مراد باشا بأني أسره قزل باش (وكانوا يسمعون الباشا خان) ولما خلص من الأسر ولاه السلطان مراد دمشق فعمر بها السوق الذي عند باب البريد والوكالة لصيقة وأمران تسكن تجار سوق السباهية فيه فنقلوا إليه برهة ثم مات وأعيدوا إلى السوق المعروف بهم الآن.
ثم عمر إلى جانبه سوق آخر ونقل إليه تجار سوق الذراع وبقوا إلى الآن والمتولي له
стр. 519
عمارة السوق الأول والقهوة والوكالة الشيخ أحمد المغربي متولي الجامع الأموي المتقدم ذكره وكانت عمارته في سنة خمس بعد الآلف.
وقال الأخ الشيخ أبو الطيب في تاريخه:
هاك تاريخاً سما له ... بدر هالات الغزالة
جملة الملك بهاء ... وسخاء وبسالة
صح في آخر شطر ... ضمن القول مقاله
ولي الشام مراد ... (فبني خير وكاله)
و (الوكالة) اسم الخانة كما هو معروف في عرف المصريين وأهل دمشق يسمونه (قيسارية) والمتولي عمارة السوق الثاني له حسن باشا المعروف بشوريز حسن ووقف السوقين والقهوة على الحرمين الشريفين وقتل مراد باشا في توليته دمشق منصور بيك ابن الفرنج والأمير علي بن الحرفوش وصير الأمير فخر الدين بن معن صنجق وبقي نظره عليه ثم انفصل عن دمشق وصار وزيراً أعظم وسردار أعلى علي بن جنبلاط وسافر لقتال قرة سعيد من الخوارج ثم صار سردار على العجم وتوفي بديار بكر سنة ١٠٢٠هـ - كلام الغزي.
وقد رأيت في مخطوط بدمشق هذه الحاشية انقلها بحرفها وهي:
مراد باشا القبوجي عمر سوق البريد وقبته وكانت أمام الجامع الأموي إلى الغرب وعلى جانبها الأيمن مكتوب قول علي بن رضوان:
عرج ركابك عن دمشق فإنها ... بلد تذل لها الأسود وتخضع
ما بين جانبيها وباب بريدها ... قمر يغيب وألف بدر يطلع
وعلى الجانب الثاني:
كل من تلقاه يشكو دهره ... ليت شعري هذه الدنيا لمن
وقربه أيضاً:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً ... رأيت جميع الكائنات ملاحا
(انتهى) ما في المخطوط
وكانت في سوق البريد حوانيت الكتبيين ولما احترق الجامع الأموي فبلاً وسنة ١٣١٥هـ -
стр. 520
(١٨٩٧م) سقطت القبة وكشفت الأعمدة والطنوف التي فوقها كما هي الآن في غربي الجامع.
أبنية سنان باشا - جاء في ذيل (الكواكب السائرة) المار ذكره ما نصه:
يوسف بن عبد الله سنان باشا الوزير الأعظم قيل أنه أنشأ أربعين مسجداً جامعاً يخطب على منابرها في أقطار المملكة العثمانية غير الجسور والخانات وكان كلما مات مملوك له أو متولي حفظ ما يرثه منه أو يتناوله من بعده يعمر به مسجداً أو غيره.
وعمر بدمشق (جامع السنانية) خارج باب الجابية وخارج دمشق جامعاً بسعسع وجامعاً بالقطيفة وجامعاً بعيون التجار وعند كل جامع مكتبة مضمومة إليه.
وولي الوزارة للسلطان مراد خان ابن سليم خان وعزل عنها ثم أعيد ومات وهو وزير أعظم.
وولي دمشق في أثناء ذلك في أوائل سنة خمس وتسعين وخمسمائة وفيها ابتدأ خارج باب الجابية عمارة السنانية وحضر تأسيسها وأحضر جمعاً من العلماء والمؤذنين وولي عمارتها وعمارة السوق عندها الأمير محمد بن منجك وجلال جلبي ابن الشيخ أدهم بن عبد الصمد وزين جلبي ابن عامر جاويش.
ثم خرج من دمشق معزولاً ووليها بعده خسرو باشا الطواشي يوم الخميس. . . .
سنة ٩٩٦هـ - (١٥٨٧م). ثم أعيد إلى الوزارة العظمى بعد عزل سياغوش بك وقتل محمد باشا روم أيليوباش دفتر دار في جمادى الأولى سنة ٩٩٧هـ - (١٥٩٨م) وعاد سنان باشا إلى الوزارة ومات فيها سنة ١٠٠٤هـ - (١٥٩٥م)
(انتهى كلام الغزي)
هذه عجالة في بعض أبنية ولاة دمشق مقتطفة من مقالات مطولة.
عيسى إسكندر المعلوف
стр. 521
اندره جيد
أو
من الشك إلى القلق
كنت تلميذاً في دمشق دون الثامنة عشرة، أتهيأ لفحص البكالوريا وأكثر من قراءة المعري. وكما يحدث عادة عندما يدرس المرء كاتباً مدة طويلة أن يتقمص نوعاً ما في روح ذلك الكاتب وتتصل به بعض جريانات من كهربائية شخصيته، كذلك أصبحت بعد ملازمتي أبا العلاء أرى في الحياة رأيه، وأشكو منها شكاته، وصرت وأنا الفتى اليافع أحس بثقل السنين أجرها ورائي، ثم أعرض عن كل ما في الحياة من جمال في الصور وغنى في المشاعر، لألتفت إلى الموت وأتحين مفاجأته مذعوراً.
وكيف أقضي ساعة بمسرة ... وأعلم أن الموت من غرمائي؟
وغدا شك المعري المبني على سعة العلم وبعد غور الفكر، ذريعة لي كي أهرب من التعمق والجهد، واكتفي بشك سطحي أقذف به العالم، وأرضي غروري وكسلي! اتخذ وجهي هيئة من عرف الدنيا واختبر كل شيء فيها فملها وعافها، وعثر على الجواب الشافي لكل سؤال:
أما اليقين فلا يقين وإنما ... أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا
وكنت لم أزل واقفاً على شاطئ الحياة!. . .
قذفت بي الصدفة إلى باريس، فاصطدم المستنقع الذي كنت أحمله معي - حياتي القديمة - باوقيانوس خضم للحياة، أسلمت نفسي لأمواجه، عندما ذقت حلاوة لمسها وخفة دعابها. هناك على الشاطئ، وقدماي ما تزلان في تردد، وشبح الشيخ الأعمى يحول بيني وبين الشمس، لمحت ساحراً جديداً، قوي الجسم، طلق المحيا، غنائي هكذا!
ناتانائيل! أروم أن أدخل سرك وأخاطبك كما لم يخاطبك بعد إنسان. في تلك الساعة من الليل، إذ تكون فتحت وأغلقت كتباً كثيرة، تسأل كلاً منها ما لم تجبك بعد عليه، وإذ تكون معذباً يشفك الانتظار، ويكاد حماسك ينقلب إلى كآبة لأنك لم تلق من يمسك بيدك. إني لا أكتب إلا لك، ولا اكتب لك إلا من أجل هذه الساعة. أريد أن اقترب منك وأن تحبني. ناتانائيل! ليست الكآبة إلا الحماس الخائب.
هذا هو الصوت السحري الجديد الذي استهواني لأنه متصل بأعماق كياني وكيان كل
стр. 522
شاب. جوهر الشباب حماس ويقين، لا تعقل بارد، كما في المعري، وشك سقيم. يحب الشاب أن يثبت، ولو راح ينفي اليوم ما أثبته بالأمس، لأن الإثبات تعبير عن القوة والشك صورة للضعف والارتخاء. صرت أطرب بقول جيد:
تمر بي أيام يكفيني أن أردد فيها أن اثنين مع اثنين مع اثنين لا تزال تساوي أربعة، حتى يمتلئ قلبي غبطة أو أن أرى قبضة يدي على المنضدة. .
أو عجيب أن يلقى صوت جيد ذلك الصدى في قلوب الشباب وهو أول كاتب خاطبهم بتلك اللهجة، وأتاهم بدين جديد، دين الحماس، بعد أن انقضى القرن كله (التاسع عشر) بين نواح الروماتيزم وبردة الكتابات العلمية والروايات الواقعية؟
أنها موسيقى جديدة:
ناتانائيل! لأعلمنك الحماس حياة مضطربة أجدر بك من حياة السكينة والراحة. أنا لا أشتهي راحة قبل راحة الموت، وأخاف من كل رغبة لم أروها، وكل قوة لم أجردها في حياتي أن تعذبني بعد الممات.
يخطئ كل من يرى في هذا القول للانغماس في اللذات، بل إنما هي دعوة للانغماس في الحياة بكل ما فيها، هي عبادة متمادية للحياة وتقديس لكل ومضة من ومضاتها:
ناتانائيل! سأحدثك عن اللحظات. أن أقصر لحظة في الحياة أقوى من الموت. ألا تعلم أن اللحظة لم تكن لتلمع ذلك اللمعان لو لم يحطها إطار الموت القاتم؟ آه لو تعلم أي جمال يخلعه قرب الموت على اللحظة من الحياة. . . .
فأي فرق بين هذه النظرة ونظرة المعري الذي لا يهنأ عيشه ساعة لعلمه أن الموت غريم يلاحقه!
وجيد رجل الحاضر، تشغله اللحظة الحاضرة، لا لينتهبها انتهاب إلا بيقوري المستخف بكل شيء سوى اللذة، بل لأنه يرى فيها الأبدية، لأنه يستجمع فيها كل إحساسه وفكره، وينسى فيها الماضي وينسى المستقبل، فيحقق بذلك أجد وأقوى حياة ممكنة لإنسان.
كيف توصل جيد إلى فلسفته وفنه؟ من حياته. لا اعتقد أن هناك كاتباً مثلاً اتفقت حياته الأبدية مع حياته الخاصة هذا الاتفاق التام النادر. فكل كتاب من كتبه يدل على مرحلة جديدة من مراحل حياته. واحسب أنه أصبح ذلك الكاتب الكبير لأنه نسي أنه كاتب والتفت
стр. 523
إلى حياته كل الالتفات. نشأ جيد في بيت بروتستانتي شديد التمسك بالسنن الدينية والتقاليد الاجتماعية. وارتوت طفولته من منهلين: الكتاب المقدس وألف ليلة وليلة، فأنمى فيه الأول شعوره الديني وخوفه من الخطيئة خوفاً مرضياً، وفتح الثاني لخياله أبواباً على عالم العجائب واللذاذات. شاءت الطبيعة أن يكون شديد الشهوة الجسمية، فقضى من أجل ذلك حداثته غي جحيم من الحيرة والتردد بين مطالب جسمه وإيمان قلبه. كل ذلك نتيجة الهوة السحيقة التي حفرتها المسيحية بين الروح والجسد، والاحتقار السقيم الذي رمت به الجسد، فكان جيد في العشرين من عمره شديد الإيمان والشهوة معاً، وكان يتمزق تمزقاً من صعوبة موقفه. على أن اللذة التي سيجنيها عندما يتحرر من قيود الدين ويصغي لمطالب جسمه العادلة، لم تكن لترتدي تلك البرود الخلابة لولا تمسكه القديم بالدين وخوفه من الخطيئة. يقول أناتول فرانس إن المسيحية خدمت الحب أجل خدمة إذ جعلت منه خطيئة! ونستطيع القول هنا أن المسيحية خدمت أندره جيد بصورة لأنها كشفت لعينيه آفاقاً للذة ولجمال لم يعرفها قبله إنسان.
إن الأرض التي تلقت عبادة جيد وحنت على غرامه هي أرض الجزائر، الشمس والصحراء. هناك بين عرس الطبيعة في الربيع، بين زهو النبات وذوبان النور صرخ جيد: ناتانائيل! لن أؤمن بالخطيئة بعد الآن! كلا، ليست الأرض ملعونة ولا جسم الإنسان حقيراً. . .
وفي نفس الوقت الذي اكتشف جيد فيه اللذة وجمال الجسم الإنساني، اكتشف الساحر الذي سيكون له أكبر التأثير في حياته وفكره. نيتشه.
فاتفقت نظرة هذين العبقريين في حب الأرض، ليس حباً شعرياً فحسب، بل حباً دينياً وعبادة صوفية. هدم نيتشه السماء وقتل سكانها، ورفع دين الأرض الجديد القائم على جمال الجسم وقوته، ونشاط الفكر وانطلاقه، وجعل غاية كبرى لهذا الدين: الفرح. ولم يكن جيد ليطلب أكثر من ذلك عش الخطر! تلك هي صيحة نيتشه، فكان لها سميعاً. وأي خطر للكاتب أكبر من خطر الفكر؟ هكذا وقف جيد في كل حياته على قمم الهاوية، وأطلق جناحيه مع رياح عاصفة. ليخضع غيره أمام سلطان الأخلاق وليحجموا عن المضي إلى نهاية الطريق التي يقودهم إليها الفكر، أما هو فلن يعيقه في سيره نحو الحقيقة عائق. وقبل
стр. 524
معرفة الحقيقة العامة يريد أن يعرف حقيقة نفسه. من هو؟ على أي شيء هو قادر؟ إنه قلق. كان جيد إذا جلس مع صديق له يقترب منه ملهوفاً ويسأله بصوت خافت:
هل أنت قلق؟ وفي رنة صوته ما يفضح عذابات نفسه الحيرى.
- ماذا رحت تنشد في البلاد النائية
- لاشيء. . . . نفسي.
ويقصد جيد من كلمة نفسي الجوهر الأساسي المختص بكل فرد، المعدوم عند أي فرد سواه. فبدلاً من أن يصل إلى هذه المعرفة عن طريق العلم، يعمد إلى ما يسميه أي هدم كل القشور التي أنبتها حول شخصيته الأولى العلم والتربية. فتخطر له فكرة السفر، وفي أسفاره الطويلة المتنوعة يجرب، بابتعاده عن منشأ تربيته، أن ينسى هذه التربية، فيهمل الدرس ويفتح حواسه لتأثيرات المشاهد الجديدة التي توقظ فيه طبيعته الأولى شيئاً فشيئاً.
ناتانائيل! فرّ مما يشبهك. فمتى أخذ المحيط الذي تعيش فيه شبهك أو أنت أخذت شبهه، أهجره لأنه لم يبق لك منه جدوى. وليس أضر لك من عائلتك وغرفتك وماضيك!.
ثم يقول في مكان آخر:
ليس يكفني أن أقرأ أن رمال الساحل ناعمة ندية، بل أريد أن تحس ذلك قدماي العاريتان. ناتانائيل! متى نحرق جميع الكتب؟
بعد تلك الثورة النفسية غدا جيد وكأنه ولد في الحياة ولادة جديدة، فكل ما فيها يبهجه ويستثير دهشته. حتى الأعمال اليومية العادية التي يقوم بها سائر الناس بصورة آلية، أصبح ينتبه لجدتها ويقطف لذتها: أتساقطت بعض قطرات مطر على جلده؟ إن كل كيانه يرتعش لها. أم أكل ثمرة شهية؟ أنها مداعبة طويلة بين لسانه وبين تلك الثمرة. هو لا يريد أن يحيا إلا بالحب، الحب يدعوه إلى العمل، لا الواجب. وما هو ممن يباهون بالمشقة التي يجدونها في العمل، لأن المشقة لا تتفق مع الحب.
يسعى جيد ليصل إلى ما هو فردي فيه ولكنه ما يقصد بالفردية؟ أن يهتم الفرد بما يفرقه عن غيره، فينمي هذا الفرق ويستغله. فالإنسانية الكاملة في نظره هي التي يتخصص فيها كل فرد ويقوم بما لا يقدر أن يقوم به سواه. يعتمد جيد على الفرد ويكاد يهمل المجتمع. يريد أن يحرر الشخصيات القادرة على التحرر والتي لا تحتاج إلا لمرشد يسدد خطاها
стр. 525
الأولي. يريد أن يحررها من الماضي الذي يعين لكل شخص حياته قبل أن يولد.
كل إنسان مملوء بالممكنات العجيبة. ولو لم يعكس الماضي على الحاضر ظله الكثيف، لكان الحاضر طافحاً بالجديد. ٠
ولكنه لا يعتقد أن الفردية نافعة لكل الناس على السواء، بل أنه يخشى منها على الناس الوضيعي الذكاء لآتها تبلبل خاطرهم وتفسد عيشتهم. لا يرى في الفردية جدوى إلا للشخصيات المبدعة التي إذا ثارت على نظامها وهدمته تستطيع إبداله بنظام جديد. أما أكثرية الناس، تلك القطعان التي اعتادت السير وراء راع لها فإنك تقتلها إذا ألقيت بينها بذور الفردية لأنها تحطم أصنامها ولا تستطيع خلق آلهة جديدة لها فتمسي شريدة ضائعة!
وبعد، فهل وجد جيد نفسه؟ هل عرف كل ما هو خبئ في شخصه؟ كلا إنه لا يزال ينشد بقاياه. كلما تقدم في السن ازداد حماسة للسير نحو الكمال. ولكن سيره أصبح سيراً مطمئناً بعد أن كان قلقاً. لقد تخلص جيد من الصراع القاسي الذي نشب بين روحه وجسمه، فتوحدت قواه، وصار إذا التقى بصديق له يسأله بصوت فرح:
هل أنت قلق؟ أما أنا فقد تخلصت من قلقي!.
ميشيل عفلق
стр. 526
قالته الفارسية وتنكره العربية
(القتل أنفى للقتل)
للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي
كان كاتب اسمه أو لقبه (السيد) قد نشر شيئاً في جريدة مشهورة نسب فيه هذه العبارة (القتل أنفى للقتل) إلى العرب، وقال - كبرت كلمة تخرج من أفواههم -: إن بلاغتها نفوت بلاغة القول المعجز ولكم في القصاص حيوة يا أولي الألباب.
وإن مجسر هذا المقتحم، باعثة مجهول - وستمسي الخافية علانية - وقد رد عليه بهذه المقالة القاصدة اليوم مغلغلة إلى دمشق الشام، لتظهر في مجلتها (النقامة).
أجلّ العربية الرصينة المبينة أن تقول هذا القول:
(القتل أنفى للقتل)
وأنعى على (السيد) هفوة نسبته إياه إليها، أنها لا تعرفه، أنها تنكره.
ولو قالته - وهو يبدو حكمة ومثلاً - لروته رواتها: فلا (الميداني) صاحب (مجمع الأمثال) عرفه - وقد جمع في كتابه أكثر من ستة آلاف مثل، ولا (ابن عبد ربه) سمع به، ولو نما هذا القول في (الجزيرة) لانتظمته (جوهرة أمثاله) ولا (أبو بكر الباقلاني) اشتمل عليه كتابه في (إعجاز القرآن) وجدناه فيه، وما قرأناه في (عيون الأخبار) ل (ابن قتيبة) أو (كامل أبي العباس) وما اجتليناه في تصنيف من تصانيف المائة الثانية أو المائة الثالثة. واترك كلام الذائدين عن (الكتاب) في إيراده معزواً إلى العرب وما سطروا.
إنه لقول ما قالته العربية ولا مولدوها، وإنما هو كلام فارسي نقله الناقل - وربما أخطأ في الترجمة - ورائحتها فيه تكاد تفوح.
ولو قالته العربية ما قالت (القتل أنفى القتل) وهي تعني أن القتل يزيل القتل أو يستأصله، أو يفنيه، ونفى القتل (أي أبعاده) لا يبيده. ونفي (المجرم القاتل) لا يربح الناس منه. ومادة (ن ف ي) كاشفة ما يلتبس. ولم تستعمل العرب هذه المادة - واللغة لغة والعرب عرب - في مثل هذا المقصد، وألفاظ القول لا تستقل بمعناه عند الباحث المحقق.
ولو قالته العربية لجاز - أن جاز - أن نقول: (القتل أفنى للقتل) ومن بنى من مثل: (اختصر، وأعطى، وأولى الخ) اسماً للتفضيل بناه من أفنى. وهي العربية ولسانها تصرفه،
стр. 527
تجربه أني شاءت.
ولو قالته العربية لجاز - أن جاز - أن تقول: (القتل أقتل للقتل). فينزل في البيت الأعشوي، الشلشي، أو بيت (المتنبي) القلقي الذي قلقل الحشا وتجيء ثلاث قافات خشنة، كل قاف كجبل قاف - كما قال أحمد بن الحسين الهمذاني - وإن جانب هذا القول الفارسي، أو العربي الدعي، القتل وتوسطه (النفي) أو (الفناء) ففيه، في كلمتين قافان قاتلان. وهو في مجال البلاغة والبيان مصروع ومقتول.
قد يراد بهذا القول ما قصده الشاعر القائل:
بسفك الدما (يا جارتي) تحقن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من القتل
أو القائل (وهو المتنبي)
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم.
أو القائل (وهو أبو تمام):
ما أن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلا بحيث ترى المنايا سوداً
فهو - والحالة هذه - في وادٍ، والآية المعجزة في وادٍ.
وأن عنى القول الفارسي ما تعنيه الآية فأين خبث الحديد من ذهب الإبريز والماس (أو الألماس) المشع الوهاج؟
وهل الأعجاز بالقلة؟ و (وطن النهى) في قول أبي تمام:
كم صارم عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال
سبق المشيب إليه حتى أبتزه ... (وطن النهى) من مفرق وقذال
كلمتان، و (الراس) واحدة. وعند أبن الأثير (الأديب) تبيانها.
وأن رمت الإيجاز مع الأعجاز فخذ من (الكتاب) في القصاص حيوة ولولا أنه القرآن لقلت: خذ يا (سيد): القصاص حيوة.
(القتل أنفى للقتل) قول فارسي، نقله المترجم العربي، وفيه ضعف، معناه كريم، ولفظه، سبكه لئيم. قاله إزدشير الملك.
ولكم في القصاص حيوة يا أولي الألباب قول عربي، قول معجز قرآني لا يستقل بوصفه - أن احتيج إلى وصفه - إلا بلاغة النبي، بل هو يصف نفسه، ويعلن فضله، وينادي على
стр. 528
أعجازه.
وأنا أورد في هذا المقام ثلاثة أقوال لثلاثة أئمة في شأن القول المعجز، في إيرادها فائدة لمن يطلب الفائدة.
قال الإمام (الزمخشري) في (الكشاف): (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل، وتفويت للحياة وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة.
ومن إصابة محز البلاغة تعريف القصاص وتنكير الحياة، لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة! أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه فارتدع سلم صاحبه من القتل وسلم هو القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين.
وقال الإمام الثعالبي في الإيجاز والإعجاز: من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبه لفضل الاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر الكلام (فمن ذلك) قوله ولكم في القصاص حيوة ويحكى عن إزدشير الملك ما ترجمه بعضهم أنه قال (القتل أنفى للقتل) ففي كلام الله (تعالى) كل ما في إزدشير. وزيادة معان حسنة منها: إبانة العدل بذكر القصاص، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة، والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم الله، والجمع بين القصاص والحياة، والبعد من التكرير الذي يشق على النفس، فإن في قوله (القتل أنفى للقتل) تكريراً، غيره أبلغ منه.
وقال الإمام (عبد القاهر الجرجاني) في (دلائل الإعجاز): وينبغي أن تكون (موازنتهم) بين بعض الآي وبين ما قاله الناس في معناها كموازنتهم بين ولكم في القصاص حياة وبين (قتل البعض أحياء للجميع) - خطأ منهم (إلى أن قال): لولا أن الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا الشأن وأنهم بترك النظر، وإهمال التدبر، وضعف النية، وقصر الهمة قد طرقوا له حتى جعل يلقي في نفوسهم كل محال، وكل باطل، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظاً من قبولهم، ويبوئونه مكاناً من قلوبهم - لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة
стр. 529
أن تدخل في تصنيف.
موازنة (السيد) بين تيك الجملة وتلك الآية تذكرنا بهذه الحكاية:
نافر رجل من جرم رجلاً من الأنصار إلى رجل من قريش. فقال القرشي للجرمي: أبا لجاهلية تفاخره أم بالإسلام؟
فقال: بالإسلام
فقال: كيف تفاخره وهم آووا رسول الله، ونصره حتى أظهر الله الإسلام؟!
قال الجرمي: فكيف تكون قلة الحياء؟. . . .
أيها (السيد)، قد عثرت، فتوبوا إلى بارئكم عسى الله أن يتوب عليكم.
محمد إسعاف النشاشيبي
стр. 530
غانيمه د
قصيدة للشاعر الألماني الأكبر غوته
جاء في الأساطير اليونانية أن الآله
(زويس) هبط إلى الأرض في صورة
نسر عظيم وخطف الأمير (غانيمه د) الذي
أصبح ساقياً للآلهة. وقد صار هذا الأمير
الشاب الجميل مثالاً للروح الإنسانية
التواقة إلى السمو والطامحة في العلو.
وقصيدة (غوته) تصف هذا الشوق
في البشر ورغبتهم في الاتصال بالقوة
الإلهية:
أيها المحبوب، أيها الربيع الذي يغمرني بأنوار فجره المتلألئة والذي أشعر بلهيبه المقدس تتلاطم أمواجه على قلبي وتثير فيه كوامن الحب وملذاته المتنوعة.
ما أجملك!
يا ليتني استطيع ضمك بين ذراعي فأتمنع بالهناء على صدرك وأذوب شوقاً بلقائك فتتزاحم أزاهيرك وأعشابك على صدري ويطفئ في الصباح نسيمك العليل ظمأ قلبي المضطرم.
هذا هو العندليب في السهل القريب يرسل إلي أنغام الحب تهيب بي:
لبيك، لبيك ... إني لاحق بك!
ولكن إلى أين؟ ... نعم إلى أين؟
إلى العلى، إلى العوالم السماوية يدفعني الشوق. وها هي السحب تحنو علي أنا الذي يتجاذبني الحب والشوق، أنا الذي أريد الصعود في أحضانها، تعانقني وأعانقها، فأسرع هائماً إلى صدرك أيها الأب المحبوب.
следующие страницы →