← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قالته الفارسية وتنكره العربية (القتل أنفى للقتل) للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي كان كاتب اسمه أو لقبه (السيد) قد نشر شيئاً في جريدة مشهورة نسب فيه هذه العبارة (القتل أنفى للقتل) إلى العرب، وقال - كبرت كلمة تخرج من أفواههم -: إن بلاغتها نفوت بلاغة القول المعجز ولكم في القصاص حيوة يا أولي الألباب. وإن مجسر هذا المقتحم، باعثة مجهول - وستمسي الخافية علانية - وقد رد عليه بهذه المقالة القاصدة اليوم مغلغلة إلى دمشق الشام، لتظهر في مجلتها (النقامة). أجلّ العربية الرصينة المبينة أن تقول هذا القول: (القتل أنفى للقتل) وأنعى على (السيد) هفوة نسبته إياه إليها، أنها لا تعرفه، أنها تنكره. ولو قالته - وهو يبدو حكمة ومثلاً - لروته رواتها: فلا (الميداني) صاحب (مجمع الأمثال) عرفه - وقد جمع في كتابه أكثر من ستة آلاف مثل، ولا (ابن عبد ربه) سمع به، ولو نما هذا القول في (الجزيرة) لانتظمته (جوهرة أمثاله) ولا (أبو بكر الباقلاني) اشتمل عليه كتابه في (إعجاز القرآن) وجدناه فيه، وما قرأناه في (عيون الأخبار) ل (ابن قتيبة) أو (كامل أبي العباس) وما اجتليناه في تصنيف من تصانيف المائة الثانية أو المائة الثالثة. واترك كلام الذائدين عن (الكتاب) في إيراده معزواً إلى العرب وما سطروا. إنه لقول ما قالته العربية ولا مولدوها، وإنما هو كلام فارسي نقله الناقل - وربما أخطأ في الترجمة - ورائحتها فيه تكاد تفوح. ولو قالته العربية ما قالت (القتل أنفى القتل) وهي تعني أن القتل يزيل القتل أو يستأصله، أو يفنيه، ونفى القتل (أي أبعاده) لا يبيده. ونفي (المجرم القاتل) لا يربح الناس منه. ومادة (ن ف ي) كاشفة ما يلتبس. ولم تستعمل العرب هذه المادة - واللغة لغة والعرب عرب - في مثل هذا المقصد، وألفاظ القول لا تستقل بمعناه عند الباحث المحقق. ولو قالته العربية لجاز - أن جاز - أن نقول: (القتل أفنى للقتل) ومن بنى من مثل: (اختصر، وأعطى، وأولى الخ) اسماً للتفضيل بناه من أفنى. وهي العربية ولسانها تصرفه،

стр. 527

تجربه أني شاءت. ولو قالته العربية لجاز - أن جاز - أن تقول: (القتل أقتل للقتل). فينزل في البيت الأعشوي، الشلشي، أو بيت (المتنبي) القلقي الذي قلقل الحشا وتجيء ثلاث قافات خشنة، كل قاف كجبل قاف - كما قال أحمد بن الحسين الهمذاني - وإن جانب هذا القول الفارسي، أو العربي الدعي، القتل وتوسطه (النفي) أو (الفناء) ففيه، في كلمتين قافان قاتلان. وهو في مجال البلاغة والبيان مصروع ومقتول. قد يراد بهذا القول ما قصده الشاعر القائل: بسفك الدما (يا جارتي) تحقن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من القتل أو القائل (وهو المتنبي) لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم. أو القائل (وهو أبو تمام): ما أن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلا بحيث ترى المنايا سوداً فهو - والحالة هذه - في وادٍ، والآية المعجزة في وادٍ. وأن عنى القول الفارسي ما تعنيه الآية فأين خبث الحديد من ذهب الإبريز والماس (أو الألماس) المشع الوهاج؟ وهل الأعجاز بالقلة؟ و (وطن النهى) في قول أبي تمام: كم صارم عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال سبق المشيب إليه حتى أبتزه ... (وطن النهى) من مفرق وقذال كلمتان، و (الراس) واحدة. وعند أبن الأثير (الأديب) تبيانها. وأن رمت الإيجاز مع الأعجاز فخذ من (الكتاب) في القصاص حيوة ولولا أنه القرآن لقلت: خذ يا (سيد): القصاص حيوة. (القتل أنفى للقتل) قول فارسي، نقله المترجم العربي، وفيه ضعف، معناه كريم، ولفظه، سبكه لئيم. قاله إزدشير الملك. ولكم في القصاص حيوة يا أولي الألباب قول عربي، قول معجز قرآني لا يستقل بوصفه - أن احتيج إلى وصفه - إلا بلاغة النبي، بل هو يصف نفسه، ويعلن فضله، وينادي على

стр. 528

أعجازه. وأنا أورد في هذا المقام ثلاثة أقوال لثلاثة أئمة في شأن القول المعجز، في إيرادها فائدة لمن يطلب الفائدة. قال الإمام (الزمخشري) في (الكشاف): (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل، وتفويت للحياة وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة. ومن إصابة محز البلاغة تعريف القصاص وتنكير الحياة، لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة! أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه فارتدع سلم صاحبه من القتل وسلم هو القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين. وقال الإمام الثعالبي في الإيجاز والإعجاز: من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبه لفضل الاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر الكلام (فمن ذلك) قوله ولكم في القصاص حيوة ويحكى عن إزدشير الملك ما ترجمه بعضهم أنه قال (القتل أنفى للقتل) ففي كلام الله (تعالى) كل ما في إزدشير. وزيادة معان حسنة منها: إبانة العدل بذكر القصاص، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة، والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم الله، والجمع بين القصاص والحياة، والبعد من التكرير الذي يشق على النفس، فإن في قوله (القتل أنفى للقتل) تكريراً، غيره أبلغ منه. وقال الإمام (عبد القاهر الجرجاني) في (دلائل الإعجاز): وينبغي أن تكون (موازنتهم) بين بعض الآي وبين ما قاله الناس في معناها كموازنتهم بين ولكم في القصاص حياة وبين (قتل البعض أحياء للجميع) - خطأ منهم (إلى أن قال): لولا أن الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا الشأن وأنهم بترك النظر، وإهمال التدبر، وضعف النية، وقصر الهمة قد طرقوا له حتى جعل يلقي في نفوسهم كل محال، وكل باطل، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظاً من قبولهم، ويبوئونه مكاناً من قلوبهم - لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة

стр. 529

أن تدخل في تصنيف. موازنة (السيد) بين تيك الجملة وتلك الآية تذكرنا بهذه الحكاية: نافر رجل من جرم رجلاً من الأنصار إلى رجل من قريش. فقال القرشي للجرمي: أبا لجاهلية تفاخره أم بالإسلام؟ فقال: بالإسلام فقال: كيف تفاخره وهم آووا رسول الله، ونصره حتى أظهر الله الإسلام؟! قال الجرمي: فكيف تكون قلة الحياء؟. . . . أيها (السيد)، قد عثرت، فتوبوا إلى بارئكم عسى الله أن يتوب عليكم. محمد إسعاف النشاشيبي

стр. 530

غانيمه د قصيدة للشاعر الألماني الأكبر غوته جاء في الأساطير اليونانية أن الآله (زويس) هبط إلى الأرض في صورة نسر عظيم وخطف الأمير (غانيمه د) الذي أصبح ساقياً للآلهة. وقد صار هذا الأمير الشاب الجميل مثالاً للروح الإنسانية التواقة إلى السمو والطامحة في العلو. وقصيدة (غوته) تصف هذا الشوق في البشر ورغبتهم في الاتصال بالقوة الإلهية: أيها المحبوب، أيها الربيع الذي يغمرني بأنوار فجره المتلألئة والذي أشعر بلهيبه المقدس تتلاطم أمواجه على قلبي وتثير فيه كوامن الحب وملذاته المتنوعة. ما أجملك! يا ليتني استطيع ضمك بين ذراعي فأتمنع بالهناء على صدرك وأذوب شوقاً بلقائك فتتزاحم أزاهيرك وأعشابك على صدري ويطفئ في الصباح نسيمك العليل ظمأ قلبي المضطرم. هذا هو العندليب في السهل القريب يرسل إلي أنغام الحب تهيب بي: لبيك، لبيك ... إني لاحق بك! ولكن إلى أين؟ ... نعم إلى أين؟ إلى العلى، إلى العوالم السماوية يدفعني الشوق. وها هي السحب تحنو علي أنا الذي يتجاذبني الحب والشوق، أنا الذي أريد الصعود في أحضانها، تعانقني وأعانقها، فأسرع هائماً إلى صدرك أيها الأب المحبوب.

стр. 531

قصر الحمراء قف على الحمراء وأندب ... مضر الحمراء فيه وأسأل البنيان ينبئك ... بأبناء ذويه ويحدثك حديث المجد ... والعيش الرفيه بكلام محزن اللهجة ... يبكي من يعيه فيقول القلب آهاً ... وتقول الأذن إيه صاح لو كان لذا الدهر ... حياء يقتنيه ما رمى العرب أباة الضيم ... بالخطب الكريه لا ولا جرّ بغرنا ... طة أذيال سنيسه حيث هذا القصر أمسى ... خالياً من مبتنيه فازدر الدهر وسفه ... كل من لا يزدريه وإذا كنت حليماً ... فأبك من دهر سفيه معروف الرصافي

стр. 532

صيف في أوروبا بقلم الأستاذ جان غولميه تعريب كاظم الداغستاني وصف الأستاذ في القسم الأول من رحليه التي أرسلها خصيصاً إلى الثقافة سفره من بيروت وما رآه في حيفا وبور سعيد ثم أتى على وصف اثينة وسلانيك وبلاد الصرب حتى وصل بلغراد وقد نشر هذا القسم في الجزء السابق من الثقافة والمقال التالي هو القسم الثاني من الرحلة، وسيليه القسم الأخير في الجزء القادم. ٢ تموز سنة ١٩٣٢ - بلغراد الغيث يهطل في هذا اليوم من تموز فنحن إذاً لا شك في أوروبا. خرجت من محطة القطار هائماً على وجهي تائهاً في أحياء المدينة ولقد رأيت فيها حدائق عامة غاية في البهجة والجمال، كثر الورد في جنباتها وتكاملت أغراسها بالزهر. وفي المدينة أيضاً تماثيل فخمة ولكنها جافة خشنة والمدينة جديدة وأنيقة تدل على ما بذل من جهود كثيرة في سبيل إصلاحها وأعمارها على الطراز الحديث، غير أن يوغسلافيا ينقصها الوحدة القومية فليس من رابطة تصل بين الكروات من أهالي زغرب وبين الصربيين القدماء من أهالي نيش أو أهالي اسكوب سوى أنهم أقاموا عليهم ملكاً واحداً ولكن ماذا نتج عن ذلك وعن هذا الاشتراك في الملكية؟ لقد زعمت معاهدة فرسايل أنها ستقيم العدل بين الأمم على أساس القومية. ولكن ألم تكن عظيمة المكر بذلك. ألم تقم هذه المعاهدة في يوغسلافيا سيطرة ملك الصرب الحالية مقام الاستبداد الملكي المجرى النمساوي الغابر؟ والشعب الكرواتي أليس هو الآن عبداً كما كان قبل الحرب عبداً لفينا؟. . وانحدرت في سيري حتى وصلت ضفاف نهر الدانوب الذي يشبه البحر بسعته وانفراج شواطئه فرأيت أمواجه الضخمة تتطاول هائجة إلى أن تتصل بالأفق تحت سماء غبراء. ولقد ذكرني ذلك نهر الفرات الكبير في ضواحي الرقة وهو يجري بين ضفتيه المتجهمتين، ولكن على ضفاف الدانوب قامت بدلاً من رمال الصحراء وأوحالها أرصفة عظيمة، ينقلون منها إلى السفن ومن السفن إليها، قطع الأشجار وألواح الأخشاب بلا انقطاع ولا كلل.

стр. 533

إن لمدينة بلغراد منظراً يبعث في النفس الكآبة، ولعل فيها من النظام والترتيب أكثر مما يجب وفيها يستنشق الزائر هواء الديكتاتورية ولا حكم المطلق ويشعر أنه محاط بجو ينم عن القلق والحذر وعن الإقبال على العمل بدون فرح أو غبطة. وأني عليم بحقيقة هذا الجو الضيق بعد أن شعرت بوطأته في استانبول مدينة مصطفى كامل وفي ميلان مدينة موسوليني. إن النفوذ الفرنسي عظيم جداً في الأوساط اليوغسلافية الرسمية لأن حكومة الملك الكساندر بحاجة للمال، ولكن هذا النفوذ لا أثر له بين أفراد الشعب ومع أني وجدت في مدينة يونانية صغيرة يبلغ عدد سكانها العشرة آلاف مثل مدينة فولو دارا للسينما يعرض فيها شريط سينمائي ناطق باللغة الفرنسية فأني لم استطع أن أجد في بلغراد في دور السينما الأربع عشرة غير شرائط سينمائية ناطقة باللغة الألمانية رغم أن هذه الشرائط هي من الدرجة الوسطى في الجودة. لقد علمت من الصحف الحوادث اليومية التي تقع على الحدود النمساوية الألمانية وأخبار مقاطعة السياحة إلى ألمانيا التي قررها الرئيس دولفوس انتقاماً من الهتلريين لقاء ما يقومون به من الجور والشطط. ولقد أكدوا لي أنه يستحيل علي أن أحصل في فينا على تذكرة سفر في القطار إلى مونيخ ولذلك فقد عزمت أن أسافر إلى فرنسا وسأقضي اليوم الرابع عشر من شهر تموز في باريس ثم أسافر منها إلى ألمانيا. ٤ تموز - تريسته قطعنا في سفرنا من بلغراد إلى مدينة زغرب سهل يوغسلافيا الخصب الأخضر ولقد كان ما يحصد من الزرع جيداً رغم جور العواصف عليه. أن الأعمال الزراعية في هذه البلاد ما برحت على ما كانت عليه منذ القديم ولا يرى المسافر إلا قليلاً من الآلات الزراعية ورغم بعض مظاهر لا شأن لها فبلاد اليوغسلافيا ما زالت من البلاد المتأخرة. ها هي إيطاليا بألبسة الدرك العسكرية التي تدعو للهزء وها هي صور موسوليني في كل ناحية وفي كل مكان حتى على عربات بائعي شراب الليمون في محطات القطار ولا تغرب مدينة اوسينا عن النظر حتى يسير القطار وشاطئ بحر الأدرباتيك محاذياً للطريق الممتدة على ساحل خليج تريسته الأزرق البهيج وتريسته مدينة عظيمة فخمة يكفي لزائرها أن يمر

стр. 534

في شوارعها ليعرف ما بلغته الأزمة منها في هذا الزمن وهنا أيضاً كانت المعاهدات التي عقدت في سنة ١٩١٩ سبباً لأحداث ما لا ينطبق على المنطق الصحيح فلقد سلخت هذه المعاهدات عن أوربا الوسطى مرفأها الطبيعي كما سلخت عن تريسته البلاد المتصلة بها فلا ربحت الأولى ولا انتفعت الثانية من جراء ذلك. ٥ - تموز - البندقية رغم ما توحيه هذه المدينة في نفس زائرها من ذكريات الشعر والرواية في كل خطوة يخطوها فهو يشعر بخيبة ما أمله خياله قبل أن يراها. نعم ومن الصحيح أن لطيور ساحة سان مارك وهي تطير فتؤلف أسراباً بيضاء تحت سماء رمادية منظراً جميلاً رائعاً ولكني ما استطعت أن أترك مجالاً لحماس الإعجاب في نفسي بمشهد هذه المدينة الشعرية الشهيرة التي بنيت في البحر ولا بمشهد ما يسبح في شوارعها من تلك الزوارق الأنيقة. إن كل ذلك تافه يختلف كثيراً عما ترسمه المخيلة عندما ترن في الأذن مقاطع كلمة البندقية بلد الرئيس القديم صاحب مجلس العشرة ومدينة الهوى والشباب. . . ٦ تموز - ميلان بين البندقية وميلان تمتد حقول لومبارديا الفنية منبسطة بين نهري أديج وتيسان اللذين شهدا وقائع نابليون واشتهرا بانتصاراته، وهي حقول حسنة الإسقاء والإرواء غنية وعلى نمط واحد. ولم يطل بنا المسير حتى ظهرت لنا مدينة ميلان تحت الأمطار التي كأنها، وهي تتبعني من البندقية، تريد أن تنتقم مني لقلة إعجابي بمدينة العشاق والشعراء. ولميلان محطة عظيمة كأنها الكنيسة الكبرى. مدينة نشاط وعمل تدوي في أرجائها أصداء الهمة والجد. بيوت للعمال أشبه شيء بالثكنات وألبسة السكان ليست تلك الألبسة المسرحية التي تدل على لهو وخمول لابسيها من سكان الجنوب. وفي هذه المدينة يفهم الزائر حقيقة الجهود التي يبذلها الفاشستية في سبيل الإصلاح والأعمار بعيدة عن تأجج العاطفة وحماسها. ٨ - تموز - باريس قطعنا، وذهب الأصيل ينعكس على زبرجد الماء، بلاد البحيرات الإيطالية وشهدنا مغرب الشمس على ضفاف بحيرة ماجور. وهنا أيضاً تبدو الخيبة فيما أمله الخيال. ولعل هذه

стр. 535

المناظر تظهر أكثر جمالاً للعائد من فرنسا، أما المسافر الذي غادر من أمد قريب مرفأ سلانيك فإنه لا يرى فيها غير أشياء بسيطة هي أشبه ما يكون بصور بطاقات البريد الملونة. ثم وفي مثل هذه المشاهد الشعرية يجب أن يكون إلى جانب نفس الناظر إليها نفس يأنس بها ليبثها ما يخامره من إعجاب بمرأى الطبيعة. لقد مر بهذه البلاد كثير من الأزواج جاؤها في ربيع العمر ليقضوا بين ربوعها شهور العسل حتى أن هواءها أصبح ملأن بالحنان الخفي ومشبعاً بالصبابة الناعمة وأنا أقطعها وحيداً أزعجني متاعب السفر الطويل فجعلتني صعب الرضى مر المذاق. عدت إلى باريس وكان العود أحمد سعيداً، لشد ما يشعر بالغبطة والهناء من تخلص من أعباء الضغط والتحكم في بلغراد وميلان وارتمى في أحضان باريس لينعم بما فيها من الحرية والديمقراطية. ولعل في باريس من التهامل وعدم الاكتراث أكثر مما في غيرها من تلك البلاد ولكن فيها الحرية، والحرية هي أعظم خيرات الدنيا وأثمنها. ٢٠ تموز - كار لسروه قضيت عشرة أيام في باريس عزمت من بعدها على السفر إلى ألمانيا فاجتزت اللورين الغبراء التي نشرت الكآبة لواءها فيها تحت سماء حديدية اللون، وقضيت الصباح في هراسبوغ ثم اجتزت الحدود من موقع كيهل. وجاء رجال الجمارك فنزعوا مني صحيفة الجورنال التي كنت أحملها والتي يظهر أنه من المحظور إدخالها إلى ألمانيا دون أن أبرز هذا الجواز ولا أدري إذا كان في ذلك ما يدل على الفوضى في الإدارة الهتلرية. وبدت لنا في جو يلتهب بحرارة القيظ مدينة كار لسروه مركز الصناعة الكيماوية التي تؤلف المئات من مداخن المعامل فيها منظراً جهنمياً، ولكن الدخان لم يكن ليتصاعد إلا من بعضها. ويشعر زائر هذه المدينة بما فيها من البطالة والضيق الشديد ولعل سبب ذلك ما اتبعته ألمانيا من الأصول الاقتصادية بعد الحرب فلقد حذت في إنشاء المعامل والمصانع حذو أمريكا فبنت وأعدت أكثر مما يلزم حتى أصبحت لا تستطيع تصدير وبيع ما تنتجه من السلع والمحاصيل الصناعية التي تجاوزت بمبلغ إنتاجها الحد اللازم فلم تعد تأتي حتى بما بذل في سبيل إنتاجها من نفقات كثيرة أصبح جلها ديوناً على منتجيها. ٢١ - تموز - ستوتغارت

стр. 536

لقد رأيت من موقف القطار في هذه المدينة ساحة للألعاب الرياضية ازدحم الناس فيها، ورأيت في كل جهة من الجهات أعلاماً وستائر سوداء وحمراء، أو سوداء وبيضاء وحمراء مع إشارة الصليب عليها، فماذا هنالك؟ لقد عدلت عن متابعة السفر إلى مونيخ بعد أن استطلعت الأمر وتركت القطار الذي كنت أركبه فقصدت المدينة التي وقفنا فيها. ٢٢ - تموز - ستوتغارت يصل هتلر في هذا المساء. وستقام أعياد رياضية بمناسبة قدومه. ولقد أكدوا لي أنه سيخطب طويلاً في ختام هذه الأعياد فرأيت أن الأمر يستحق أن انتظر قليلاً، يضاف على ذلك أن هذه المدينة الصغيرة هي من مدن الولايات الألمانية التي ينزل فيها الغريب أهلاً فتلقاه باشة ويجدها جذابة بأسطحة منازلها الحمراء ومناظرها الخضراء الجميلة وبما ساد في طرقها، ما عدا الشوارع الكبرى، من هدوء وسكينة لقد كنت خلال المسافة التي قطعتها من البلاد الألمانية في طريقي إلى هذه المدينة لا أشعر بالهتلرية إلا كأنها مهزلة صبيانية لم تستطع أن تشوه شيئاً من وجه ألمانية الجنوبية الضاحك التي تفرق كثيراً عن بروسيا. لا مشاحة أن هنالك رجالاً لبسوا القمصان الرمادية ووقفوا لجانب أفراد الشرطة والدرك في مواقف القطر ومفارق الطرق ولا نكران أنهم يتفرسون في وجه من يمر أمامهم فيلقون عليه نظرات فيها ما فيها من العجرفة ولكن كيف السبيل لاعتبارهم مجدين في عملهم غير هازلين وهم يلبسون تلك السراويل الجلدية القصيرة التي تكشف عن أفخاذ مستورة بالشعر ويضعون في ذروة رؤوسهم هاتيك القبعات الصغيرة المستديرة التي لا شيء من الأبهة فيها ويربطون أذرعهم برمز الصليب ربطاً شديداً. إن في ذلك كله ما يفرق كثيراً عن زي الجيوش الفاشستية القاتم وألبسة رجاله ذوي الوجوه الجهمة والقمصان السوداء الضيقة الملتصقة. وذهبت للنزهة في الحقول المجاورة للمدينة فألفيت الفلاحين على وشك أن يتموا حصاد الزرع وليس هنالك ما يدل على شقائهم ولكن الأرض لم يبق منها شبر واحد لم يحرث أو يزرع وهذا ما يؤيد، أكثر مما تؤيده الخطب، تزايد عدد المواليد في ألمانيا زيادة مزعجة تؤلف عذراً للطغيان الهتلري الذي ما هو في الحقيقة إلا عمل قام بدافع اليأس. حينما كنت

стр. 537

في ألمانيا في سنة ١٩٢٥ لم يكن من أحد يهتم بهتلر أو ينتبه إليه ولم يكن للجريدة التي يصدرها من قراء أو مشتركين ولقد بلغ به الأمر أنه حاول إذ ذاك الانتحار ليلفت نظر الرأي العام وينبه الناس إلى عمله. في كل مكان، على ضفاف الأنهر وبين المروج وفي الشوارع والطرقات يمر الشبان بأجسامهم القوية التي هي أشبه شيء بأجسام المصارعين مرتدين ألبسة الاستحمام أو حاملين فوق ظهورهم حقائب السفر يتغذون من الهواء الطلق والرياضي أكثر مما يتغذون من الخبز وهم جميعهم مفتولو العضلات أقوياء السواعد تكشف أفواههم عن أنياب طويلة حادة. أن هذا الشباب الذي يدعو للحيطة والحذر يطلب مكانته تحت الشمس ويظهر أنه على استعداد دائم لنوال ما يطلب حتى ولو أدى به ذلك لأن يطرح أرضاً كل المبادئ الأخلاقية والدينية القديمة فيرجع إلى ما غبر من أصول المجوسية في القبائل الجرمانية الغابرة. إن أمر هؤلاء الشبان الرياضيين مضافاً إليهم الفتيات اللواتي يظهر أنهن لسن أقل شأناً في القوة والأقدام منهم هو الذي جعلني ارتجف خوفاً على مستقبل السلام أكثر بكثير مما أحياه في نفسي من الخشية والحذر ذلك الزي العسكري الغريب الذي يرتديه الهتلريون. لقد انتهت في هذا اليوم أعياد الألعاب الرياضية التي أقامتها المدينة والتي حضرها ملك أسبانيا السابق. وقد أشارات الإعلانات إلى أن حضوره للتسلية فقط وكان جالساً في مقصورة الرئاسة لجانب هتلر وفي ذلك دليل على أن هتلر يود أن يؤيد ما بنفسه من عواطف الرجعية ويظهر للجماعات الألمانية أخلاصه للنظام الملكي الذي لم تخمد شعلته في نفوس هذه الجماعات بعد إلا قليلاً. وفي حوالي الساعة الخامسة انبرى هتلر للخطابة فتكلم مدة ثلاثة أرباع الساعة وكانت الآلات المكبرة للصوت تنشر صدى كلامه وآلات الراديو تنقل هذا الكلام إلى كل جهات ألمانيا. وفي هذا الوقت كان ثلاثون مليوناً من الرجال على الأقل وهم نصف الشعب الألماني يصغون إليه كما يصغون لوحي الأنبياء. وهذه هي المرة الأولى التي أراه فيها عن قرب وأتفرس في ملامحه. ليس هو بالجميل ولا تناسب في تقاطيع وجهه. فهو ذو ذقن حليقة مربعة الشكل وشفتين رقيقتين وخدين منحدرين وقامة متوسطة وكتفين أحدهما أعلى من الآخر، لا أنه غير جميل وليس فيه ما

стр. 538

يشبه جلال موسوليني البارز ولا قامة مصطفى كمال الأنيقة وإن شاربيه القصيرين المقصوصين يقربانه بالشبه إلى شارلو الممثل المعروف ولكنه في الحقيقة يشبه شارلو الممثل المؤلم لا شارلو الممثل المضحك. على أن في شخص هتلر شيئين جديرين بالإعجاب وهما عيناه وصوته. أن عينيه غريبتا الشكل لهما نظرات سطحية تكاد أن تكون محزنة تحمل من القوة المغنطيسية ما يخيل لمنة تقع عليه أنها نظرات الإخلاص والحقيقة. نعم أن هذه النظرات لا تنفد إلى أعماق النفس ولكنها تذهب إلى أمد بعيد فكأنها تتصل بأرجاء وأهداف غريبة منيعة لا يتاح للرجال الوصول إليها. أما صوته فليس فيه الرنة الصلدة التي حواها صوت فنزيلوس ولا تلك النغمة الفاتنة التي كانت ترافق صوت بريان ولا تلك الشدة التي تمازج صوت هريو، بل في صوته كما في عينيه شيء لا يحدد ولا يمكن تعريفه تقريباً. صوت أجش ومقاطع هي حالة وسطى بين النحيب والاستغاثة، وعلى الجملة فهو كنغمة الأنشودة الشعرية المحزنة. ليس هتلر بالممثل البارع كما قالوا عنه كثيراً. بل كل ما في الأمر أنه يستطيع أن يبدي في أسارير وجهه ما لا يشعر به نفسه من العواطف. ولكن لا. أنه مخلص، غير أنه كرجل صوفي، وربما كرجل مجذوب. فهذا الصوت الساحر البديع ماذا يقول؟ أقوال غمرتها الظلمات. يقول أن الألمان يجب عليهم أن يجعلوا عضلات أجسامهم من حديد، وأنه يتحتم عليهم أن يذكروا أن قيمة الرجل في قوة ساعديه، لا في دماغه وأن الوطنية تتطلب إرادة من فولاذ لا عقلاً ولا ذكاء، وإن الذكاء ما هو إلا سلاح الضعفاء. ولهذه الآراء التافهة كانت الجماهير المحتشدة تهتف هتافاً هائلاً حتى أني أنا نفسي قد أوشكت أن تسكرني تلك العاطفة الهوجاء التي تضطرم في نفس الجماعات المتجمهرة فتجعلها تنتحب حماساً وأن أرفع ذراعي في الهواء وأصيح بدوري مع الصائحين (هايل هتلر. هايل. هايل.) ليعيش هتلر. ليعيش ليعيش. (البقية للعدد الآتي) جان غولميه

стр. 539

أميركا تفتش على الطريقة الثالثة للأستاذ شاكر العاص (نيورك) إن الأزمة المستحكمة في الولايات المتحدة منذ سنة ١٩٢٩ تهيئ الأسباب لانقلاب عظيم في معظم شؤون الحياة. فقد حار في أمرها وتعليل أسبابها الاقتصاديون الذين يدينون بما آتى به (آدم سمث) واضع علم الاقتصاد السياسي. وقد تاهت التكهنات والنبوآت في تحديد أجلها وكيفية انفراجها. وتقمصت الأزمة فلم تعد طارئة لتزول بل تأصلت لتدوم. أما ما أحدثته في الحياة الأمير كية فهو من النوع الذي تحدثه الزلازل الشديدة والعواصف القوية. ألف الأميركيون مصابهم وأصبح جزءاً من حياتهم اليومية ولكنه ما يئسوا ولا استسلموا بل نشط الفكر في كل أنحاء البلاد يدرس مظاهر الأزمة وأسبابها البعيدة والمباشرة، ينظر في أطوارها المختلفة ويجمع الإحصاءات ليستعين بذلك على حلها والتغلب عليها. لم تنصرف الأفكار للسؤال والبحث والتدقيق في زمن من الأزمان كم انصرفت إليه الآن وقد بلغ من أمرها أن أخذت تشك في صحة كل المبادئ والأسس والمعتقدات التي قام عليها أبناء هذا المجتمع العظيم وهذه المدينة الخلابة وهي أمور كانت قبل أربع سنوات فوق الشك، إليها ينتهي الباحث وبها يهتدي الحائر. وكان من نتائج البحث النقدي والتحميص الدقيق أن أخذت تلك المبادئ والأسس والمعتقدات تتفرع آحاداً وجماعات وتتكدس جثثها تحت الأقدام. ليس الدور الذي تمر فيه أميركا دور تطور ونشوء يتبدل فيه القيم تبدلاً غير محسوس ويندمج معه الجديد فلا يكاد يشعر بذلك أحد بل هو دور يشعر فيه الإنسان أن الأرض تنهزم تحت قدميه فلا تجد مستقراً ثابتاً يركن إليه ولا نقطة جامدة يتعلق بها. عرف الأميركيون أكثر من كل الناس أن هذا العالم مستبدل وألفوا التبدل حتى أصبح جزءاً من حياتهم ولكنهم اليوم يعيشون في عالم ثائر. أن اليد غير المنظورة التي أقرها (آدم سمث) لتعمل على توجيه جهود الأفراد لتعود بالنفع على الجميع لم تعد غير منظورة فإذا هي لا تعمل لتحقيق النفع العام. ومبدأ التزاحم والتسابق الذي أقره أساساً لتقدم الحضارة وازدهارها ظهر في ثوب جلاد يهددها ويهيئ انقراضها. وظهرت مفاسد آراء (جيروم بنثام) شيخ النفعية التي جعل منها قاعدة للأخلاق

стр. 540

والتشريع. فقد ظهر أثر الزمان في المبادئ التي أقرها القرن التاسع عشر فإذا بها تنهار كما ينهار البناء القائم على أساس غير مكين. لم يبق في هذا العالم المنظور مجال لشيء غير منظور وحيثما اختلف الاستنتاج العقلي أو المنطق عن التجربة والواقع أهمل الناس الاستنتاج وتعلقوا بالتجربة والواقع. هذا جزء من كل يشير لعمق البحث وتشعبه لمعالجة هذه الأزمة الخطيرة. أمران خرجا سالمين من المعركة العلم والديمقراطية، والأميركيون يريدونه معالجة أزمتهم دون أن يخرجوا عن الإطار الديمقراطي الذي عاشوا فيه وهذا أمر هام إذ يحدث في الوقت الذي تعلن فيه أوروبا فشل الديمقراطية وفسادها كأساس للحكم حتى أن الإيمان بها أخذ يتضعضع في انكلترا ذاتها مهد الديمقراطية وحارستها. إن تعلق أميركا بالديمقراطية هو ما يحملها على البحث لإيجاد الطريقة الثالثة لأن الفاشستية والشيوعية ثورة على الديمقراطية ونقض لأحكامها. وقد تعددت الاقتراحات وتناوبت أهميتها صعوداً وهبوطاً ولكن الآراء لم تتفق على هذه الطريقة الثالثة فهي لا تزال سراً في صدر المستقبل. أهي (العهد الجديد) الذي ينفذه الرئيس الحالي روزقلت أم هي التكنوكراسيا كما اقترح كبار المهندسين أم هي رأسمالية الدولة؟ الكلمة في ذلك للغد. أما ما يعرفه الناس عن الطريقة الثالثة فهو أنها لن تكون الرأسمالية الطليقة - القائمة على الربح والتنافس إذ ظهر فسادها وضررها وأنها ستكون قائمة على أسس علمية صح٠يحة تساعد على الاستفادة لأقصى حد ممكن من اختبار العلم ونتائجه والصناعة الحديثة فلا يكون هنالك مجال للخطة التي ترمي لتحيد الإنتاج الزراعي والصناعي بتحديد مساحة الأراضي التي تزرع وعدم استعمال المكائن الحديثة لإيجاد ندرة في الأسواق تسبب رفع مستوى الأسعار. فالحياة الاقتصادية المقبلة ستقوم على أساس الكثرة في الإنتاج لا الندرة كما في الماضي والأمر المستعصي حله هو توزيع الثروة لا إنتاجها. لماذا يتعصب الأميركيون للديمقراطية؟ ولماذا يرفضون الشيوعية والفاشستية؟ إن تعصب الأميركيين للديمقراطية قائم على شعور عميق بالتساوي بين الأفراد فكل أميركي يعتقد نفسه مساوٍ على الأقل لزميله أن لم يرجح عنه قليلاً. وهذا الشعور بالتساوي هو أول ما يصطدم به من يأتي لأميركا من بلاد غير ديمقراطية ولا يقف هذا التساوي عند

стр. 541

الرجال هو بين الرجال والنساء أيضاً وقد أصبح هذا التساوي جزءاً من نفسية الجنسين لا يثير بحثاً ولا يسترعي انتباهاً. وقد أخذ أثر المرأة في الحياة الأميركية يظهر بوضوح وجلاء. أن هذا التساوي بين الأفراد من الجنسين يقرب الديمقراطية الأميركية من الشيوعية ويجعلها تختلف عن الفاشستية القائمة على أساس وجود اختلاف بين الأفراد ووجود طبقة ممتازة صالحة للحكم وأخرى لأن تحكم. وتتفق الفاشستية مع الديمقراطية الأميركية التي يمثلها الآن الرئيس روزفلت بأمرين: الأول المحافظة على شكل الرأسمالية مع تبديل في التفاصيل والفروع والثاني عدم الرغبة بالتعاون الدولي والعودة للانفراد الاقتصادي. ومع ذلك فالاختلاف بينهما عظيم في الاتجاه والغاية. فالرئيس روزفلت جعل محور عمله وغاية جهوده رغد العيش والبحبوحة العامة. وهذه الكلمات ترد تقريباً في كل خطبه العامة ملحاً على لزوم توزيع الثروة توزيعاً عادلاً فلا يحصل أحد على حلوى أن يأكل الجميع خبزاً وهذه الأمور كلها كميات قابلة للقياس لأنها مادية أما الفاشستية سواء في ألمانيا أو إيطاليا فقلما تبحث عن البحبوحة الاقتصادية العامة بينما هي تثير الكبرياء القومية والحقد وعبادة بلاد الأجداد وهذه الأمور غير قابلة للقياس لأنها معنوية فالاختلاف أذن بين الديمقراطية والفاشستية هو خلاف بين المادية والفكرية ولا غرابة بذلك فالإرث الفكري والاجتماعي والاقتصادي في أميركا متأثر جداً بأصله البريطاني الذي يدين بالمادية ويرى فيها سعادة البشر وهناءهم. ويسيء الظن بالفكرية من النوع الذي تقول به الفاشستية إذ يرى فيها دماً وناراً وانحلالاً خلقياً. إن مادية الديمقراطية الأميركية تقربها أيضاً من الشيوعية التي تجسد المادية ومع ذلك فالاختلاف بينهما لا يزال كبيراً. فالشيوعية نظرية ثوروية بحتة وضع أسسها كارل ماركس وأنكلس لاستفزاز شعور العمال وحملهم على الكفاح ضد الرأسمالية للتغلب عليها والاستيلاء على الحكم لإقامة مجتمع لا طبقات فيه ولا مستثمر ولا مستثمر. وقد اعتنق هذا المبدأ عدد كبير من العمال في أوروبا حيث تأصل نظام الطبقات مع تبدل في الشكل كما هو معروف في التاريخ. ولكن أميركا لم يكن فيها طبقات قبل قيام الصناعة الحديثة. فقد كانت متساوية في ظروف المعيشة حينما كانت البلاد زراعية إذ يملك كل فرد جزءاً من الأرض ومن لا ارض له لا يصعب عليه أن يحصل على ما يريد ويستطيع تحقيق بغيته

стр. 542

بأن يهاجر للغرب. كان المجتمع في ذلك الحين آخذاً بالتوسع والامتداد وكانت الناس تتساوى أمام الطبيعة وتتساوى بحاجتها للتعاون على عدو مشترك ولما بدأت الصناعة الحديثة قام بأمرها أناس عبقريون لم يرثوا مالاً، ولذا كان الطريق مفتوحاً للجميع على التساوي. أن أثر ذلك لا يزال راسخاً في العقلية الأميركية بالرغم عن تبدل الظروف رأساً على عقب فكل أميركي يحلم أن يصبح في يوم من الأيام غنياً. فالعقلية الأميركية هي (بورجوازية) في تكوينها وأهدافها، ولم يمض على ما تم من التبديل وقت يكفي لتبدلها ولذا لن تجد الشيوعية أرضاً خصبة في هذه البلاد في الزمن الحاضر. ولا ينحصر سبب ابتعاد الأميركيين عن الشيوعية بما تقدم فالشيوعية ليست نظرية اقتصادية فقط بل هي اجتماعية وهي تحارب الدين حرباً لا هوادة فيها وهذا مما يزهد الأميركيين بها أيضاً ليس لأنهم أكثر تديناً من الأوروبيين بل لأن الدين تطور سريعاً في أمركا ولم يكن في يوم سلاحاً في يد الطبقة الحاكمة كما في روسيا أو فرنسا قبل الثورة. لم يقم في أمركا نحالف بين التاج والصليب. إذ لم يكن فيها تاج. ولم يجمد الدين في أمركا بل تجرد عن كثير من العناصر التي لا شأن لها بوظيفته الأصلية واقتصر أمره على الحياة الروحية التي تسمو بالإنسان فوق عالمه المادي وتقرب بين الإنسان وأخيه الإنسان. لمعرفة حدود التساهل الديني عند بعض الطوائف هنا اذكر حادثة استغربتها جداً إذ ذهبت صباح أحد لكنيسة فوجدتها مغلقة وقد ألصق على بابها إعلان يدعو الأعضاء المحترمين لحضور حفلة القداس في قاعة كبيرة وسط المدينة وقد جاء فيه اسم الواعظ وموضوع الوعظ فإذا هو: كيف ينبغي أن نفهم كارل ماركس. والأخير كما هو معلوم زعيم الشيوعيين الذين يقولون: الدين أفيون الشعب. وهناك خلاف آخر هو العائلة فالشيوعية خلقت نوعاً جديداً من العائلة لم يعرفه الإنسان من قبل وهو قائم على أساس التساوي التام بين الرجل والمرأة وسهلت الزواج والطلاق ومنع الولادة إلى أبعد الحدود. ولكن العائلة الأمريكية لا تزال تتمتع بالظاهر على الأقل بما يخلعه الدين عليها من روحانية وقدسية وقد تطورت كثيراً إذ أصبح الزواج مدنياً وكثر الطلاق حتى أنه يزيد عما يحدث منه في روسيا ذاتها فالعائلة الأمريكية فقدت القدسية القديمة ومع ذلك يحرص الأمريكيون على الشكل الذي عرفوه وألفوه.

стр. 543

وهكذا فإن الحل الذي يبحث عنه الأميركيون لا يتفق مع الفاشستية ولا مع الشيوعية بل هو طريقة ثالثة ما زالوا يسعون في الاهتداء إليه. شاكر العاص

стр. 544

فلسفة سبينوزا - ٢ - كل حي، ذي خيال، مسير بقوة الحياة الحافزة يلمس في مساعيه الخاصة صفات الخير، ويرى الشر العميم في كل ما يخالف تلك المساعي، فكل عادة من عاداته وعاطفة من عواطفه تغدو حكما للأخرى، ثم تنضم هذه العادات في مجاميع مركبة وكلها تستقر في أعماق نفسه وتسيره في الوجهة المناسبة. ولكنها لا تلبث هناك هادئة بل يغمرها تيار المنافسة فتحاول أن تتنازع على السيادة وأن تقسر بعضها البعض لإرادتها. من هذه المنافسة بين عواطف الإنسان يتألف تاريخه الخلقي كما أن الاصطدام بين مصالحه الذاتية ومصالح الجمعية يرسم له هدفاً معيناً والخيال الذي يرى في لمحة عابرة هذه المصالح المتضاربة في مجموعها ويتأملها في تصادمها وتألفها، هذا الخيال هو العقل نشيطاً قوياً تتوفر وسائل النجاح وتسود الجرأة النفسية وتتلاشى أسباب السقوط والاضمحلال. وما السعادة في نظر سبينورا - غير قوة نفسية يولدها العقل فتنكر كل مستحيل وتقبل كل أمر ضروري واقعي. وقوام هذه القوة نواميس الطبيعة وإدراك نظامها، ولذلك يدعوها سبينورا - معرفة الله ومحبته. السعادة - بهذا القياس - هي الغاية المثلى التي ينشدها فيلسوفنا، لأنها تضع حداً للأطماع الشاردة وتحمل الناس على الخضوع للقوى الموجودة كونية كانت أم سياسية. أما الوهم والغرور الإنسانيان فأنهما الباعث الأكبر على الفوضى الصارخة والخوف الذي يساور النفوس من قوى الطبيعة الغاشمة وسبينوزا بالرغم من خضوعه للسلطة المشروعة التي تمثلها القوانين الطبيعية لا يعرف هوادة في قضايا الفكر فهو بكل شجاعة وثقة يهدد الحكومة التي لا تمثل قوة الجمعية المنظمة بالاضمحلال والدين الذي يحرف موحيات العقل والضمير الإنساني بالتلاشي. ولما حرمته الدينية القروسطية من الامتيازات التي كان يتمتع بها أبناء دينه عاد إلى آراء الأنبياء الأصلية ونهل من معين اليهودية الأول. منذ ذلك الحين أصبح مصلحاً فذاً يحمل إلى العالم رسالة إصلاح جديدة تدعمها روح ورع فعالة لا تعبأ بتقاليد البشرية العمياء. وقد وعد الذين يعتنقون تعاليمه بالحصول على سعادة دنيوية معقولة مستمدة من نواميس الطبيعة ونظمها الثابتة.

стр. 545

لاشك أن الله لا يفكر كما نفكر ولا يحتذي الأساليب التي نحتذيها. ولكن الإنسان الصالح الذي يعمل للخير في أوسع معانيه بأتباعه للسنين الطبيعية التي تمثل الله يغدو سعيداً هادئ البال. وبالعكس فإن طريق الإثم شاق عسير يملؤه القتاد. فالقوانين الطبيعية، إذن، هي المبرر السامي للخلق النبيل، وهذا الخلق لا يتمثل بالتضحية الظاهرة المسرحية ولا بالإيمان الخادع الذي تولده العقائد الخيالية بل هو نتيجة طبيعية للنواميس الكونية متصل بها بأقوى الأسباب وأوثق الأواصر. التفت العبرانيون المتأخرون، بعد اضمحلال شأنهم السياسي إلى التقوى الباطنية والشعور الرثائي النادب - كما نرى في المزامير - وقد وجدوا في القلب الكسير والنفس المصدوعة طريقاً جديداً للخلاص فحفن هذا (سبينوزا) إلى إضافة لون صوفي جديد للخلاص يضم إلى مزايا العملية: فقال أن الاحترام المجرد لإرادة الله والفهم الحقيقي لقوانين الطبيعة (والاثنان واحد في رأي سبينوزا) هما في ذاتهما ملك أثمن من الياقوت وأغلى من ألآلئ. والروح الفلسفية ليس لها وطن سوى بيت الله والمكان (الكون الشامل) الذي تستقر فيه عظمته، وكل ما في الطبيعة، هو بلا ريب، ومسرة للرجل الذي يدرك الضرورة الرياضية لجميع حوادث الكون. تبتعد فلسفة سبينوزا الدينية عن الروح اليهودية وتقترب من الفكرة الإغريقية حينما تعالج فكرتي الحرية والخلود. وهما لا تدخلان في طريقته التي شرحناها. كان سبينوزا جبرياً يرى في ظاهرات الكون حوادث مقدرة بكل دقة لا حيلة للإنسان في تسييرها وتبديل مجراها. فليس ثمة علاقات اجتماعية منفصلة، وجذب ودفع روائي بين الله والناس، كما يوحي إلينا التاريخ المقدس. وليس الله - في رأي سبينوزا - شخصاً في (درام) الوجود الشامل، بل هو الرواية بمؤامرتها وحركتها ومغزاها، وكل مظهر من مظاهرها. وقد كان سبينوزا يتخيل أن نفس الإنسان هي الوعي الذي يلازم حياته الجسدية. فإذا هلك الجسد بادت النفس بالضرورة. ولكنه بالرغم من ذلك كان يستعمل كلمتي الحرية والخلود في كل ما خطه يراعه ونضح به عقله. فما هما في نظره؟. الحرية - في رأي سبينوزا - مساوية للقوة، والإنسان الحر هو الذي تكون طبيعته موحدة الأجزاء منسجمة في كلها تحسن التعبير عن ذاتها بوضوح في الفكرة وصراحة في العمل.

стр. 546

الحرية هي الفضيلة في معناها القديم - أو هي الموهبة التي تقود الإنسان إلى العقل القوي النافع وفي هذه الفضيلة تكمن السعادة المنشودة فالحرية، إذن، لا تتمثل في الخلق المتردد ولا في الاختيار الفوضوي الذي لا يخضع إلى قياس ولا تلائم مع مكنونات النفس بل هي الكفاءة الخلقية، والمقدرة على إنجاز المهمة التي توحي بها السليقة والفطرة السليمة الخاصة. أما الخلود، فليس هو قضية زمنية معقدة أو وجوداً دائم الاستمرار، بل صفة من صفات الحياة لا تدخل في نطاق الزمن وقياسه. فليس طول الأيام وكثرتها مقياساً لخلود الإنسان بل الآثار الفكرية التي يبدعها عقله. فالروح تشترك مع الأشياء التي تتحد بها في مصيرها المحتم، والنفس المنغمسة في الأشياء العارضة هي نفس متلاشية. كما أن النفس التي تلابس الأشياء الخالدة خالدة مقدار خلود تلك الأشياء. ولكننا حين نتساءل بعد ذلك عن ماهية الأشياء الخالدة، يجيبنا سبينوزا بأن لا شيء خالد في ديمومته. فتيار التطور يجرف كل شيء أمامه سواء كان جسداً أم فكرة، فرداً أو جماعة. ولكن الأشياء، مع ذلك خالدة خلود الحق وإمكان الذي تشغله حادثة من حادثات التاريخ وقف لها لا يمكن استبداله، والصفة التي يصطبغ بها عمل من الأعمال وإحساس من الإحساسات صفة ثابتة لا تتغير. وليس العقل الإنساني، بنتيجة هذا القول، حيواناً صرفاً لا يشعر بغير الانتقال من حالة راهنة إلى أخرى مقبلة في مراقي التطور، بل هو جهاز تركيبي ذهني، تأملي، يستطيع أن يتطلع إلى السابق واللاحق، وأن يبصر العلاقات المتبادلة بين الأشياء المتعاقبة، ويراها في شكلها الخالد - على حد قول سبينوزا - ورؤية الأشياء في شكلها الخالد هي رؤيتها في حقيقتها التاريخية والخلقية لا كما تبدو في انتقالها السريع إلى حالاتها المتسلسلة، بل كما تظهر بعد أن تنتهي من رحلتها الشاقة. فحين تنتهي حياة الإنسان - مثلاً - تظل حقيقة وجوده فترة في عباب الزمن اللامتناهي، حقيقة لا تزول، ويظل صحيحاً أنه كان ذاتاً متميزة لا تتميز فيها ذوات أخرى مهما كانت عليه تلك الذاتية من الضآلة وتفاهة الشأن. يعكس لنا التاريخ في مزيجه وصفحاته هذه الحقيقة في لون ظاهر لا يتطرق إليه الشحوب ويرى الإنسان في نورها صفة الخلود التي تلازمه رغم حصول الموت ذلك لأن الحياة حين تنتهي حركتها تبقى حقيقتها وتخلد. فحادثة وجود الإنسان هي حادثة دائمة الارتباط

стр. 547

بمجموع الحوادث الأخرى التي لا تتناعى. هذا الضرب من الخلود يشمل جميع الموجدات في صورته السلبية. ولكنه يتمثل في عقل الإنسان بصورته الإيجابية أيضاً لأن العقل بنسبة إدراكه لخلود الحقيقة وتأمله لها، وهو حين يعني بالجزء الخالد من وجوده ينصرف عن العناية بالجزء الفاني. على أن هذا الخلود الذي تصوره سبينوزا هو قياس مثلي فقط. فالرجل الذي يحيا حياة الخلود لا تطول حياته سواء أكانت جسدية أم روحية. بل كل ما في الأمر يعمد في تلك الحالة التأملية إلى إسقاط المقاييس الزمنية من جعبته ويتنكر لها، وبذا يفقد الموت كل تأثير ممكن في نظره. ولا بدعة، بعد ذلك، إن قلنا أن هذه النظرة السامية التي تبدد حجب الوهم حين ينظر الإنسان بها إلى مصلحته تغدو منقذة له بابتعادها عن فكرة الغناء التي تتضمنها صور الزمان والمكان. والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي عرف أن الموت حق لا ريب فيه. ومعرفته هذه، قد رفعته فوق فكرة الغناء وأدت به إلى الاشتراك في استبصار الحقيقة الخالدة ثم وقف جانباً يشاهد تمثيل مأساته والعطف على العاصفة الثائرة يملأ جوانحه، ساداً أذنيه عن سماع استغاثة النوتي في المركب الحطيم. مع أن النوتي يمثل (ذاتيته) الخاصة. الحقيقة قاسية، ولكنها جذابة يهيم الكثيرون في حبها، وهي تعمل دائماً على تحرير أولئك المحبين. إن الجزء المهم من فلسفة سبينوزا في الدين والسياسة والأخلاق يستعد من (الفيزياء) أكثر مما يستمد من الغيبيات. فالفيزياء - نظر الأفلاطوني - هي علم غايته درس العلاقات التي تربط بين الظواهر فقط، أما المثل الإنسانية العليا عقلية كانت أم خلقية فهي مفتاح لعالم غبي غير طبيعي. ولكن سبينوزا يرى في المثل والمدركات الإنسانية صفة إنسانية لا تنطبق على غير علة الأصغر. أما التاريخ الطبيعي فهو - في نظره - الوسيلة الوحيدة لاكتشاف كل أمر جوهري وخالد وإلهي في كشف الطبيعة. ومما لا شك فيه أن إيضاح هذه الحقيقة بصورة تامة أمر متعذر لأن التاريخ الطبيعي لا يخرج في دوره عن نطاق النظرة الإنسانية مبتدئاً من النقطة العالية المشرفة التي يقف فيها الملاحظ المستقرئ. ولكن هذه النظرة الذاتية التي يبتدئ منها الدرس العلمي ليست عاملاً مهماً في ذاتها لأن غاية العلم ملاحظة كل أمر يقيني واقي، ولو كان هذا الأمر مزاجاً أو وهماً. وبهذه الطريقة نتمكن من لمس جانب من الوجود اللا نهائي. إدراك ناحية من الكون الحقيقي. فمهمة العالم الطبيعي

стр. 548

إذن، إن يعين الموضع الذي يحتل حادث من الحوادث في كتف الطبيعة وأن يحدد علاقته بالحوادث التي تحيق به فتصبح موضع درس يقيني أو فرض ضروري. هذه الطريقة هي (كلمة السر) التي فتحت مغاليق الحقيقة الكثيرة في وجوه الباحثين فولجوا إلى حديقتها الكبرى يتذوقون أطايبها ويتنشقون أزاهيرها العطرة ثم خرجوا مزودين منها بنماذج صحيحة التركيب يعرضونها على سمع الناس وأبصارهم وأذواقهم وسائر حواسهم ليحملوهم على الإيمان بالأساليب الموضوعية غير مشوبة بعاطفة أو نزعة ذاتية. يعتقد سبينوزا أن هنالك منطقتين يتصل فيهما العلم بالطبيعة، وهو يصفهما وصفاً جزئياً حقيقياً، وهاتان المنطقتان هما (الفيزياء) الرياضية والشعور الذاتي. وقد استمد فيلسوفنا صورتي (الفكر والامتداد) من فلسفة ديكارت وجعلهما حدين للطبيعة في إمكان الإنسان أن يلمس بعض أجزائهما فعلم سبينوزا يتلخص في وصف هذين الحدين ودراسة العلاقات التي تربطهما ببعضهما وتصور العلاقة التي تصلهما بالأشياء الأخرى. لا جرم أن تفاصيل هذا التأمل العلمي هل على جانب عظيم من السمو والاعتبار ولكنها عتيقة لا تقبلها الروح العصرية لأن منطقة (الفيزياء) الرياضية هي في نظر الناقد الفلسفي جد بعيدة عن منطقة الشعور الذاتي. والهم الجريء الذي وقر في ذهن سبينوزا أو حاول يشيد دعامته نظاماً وتناسقاً، هذا الوهم الذي يجد الوعي حيث يوجد الامتداد متناقض لا سبيل له إلى الذهن العلمي. غير أن الإيمان الذي يكمن في نفس فيلسوفنا والبصيرة الثاقبة التي يتحلى بها قد أديا به إلى اكتشاف فكرة عظيمة في قيمتها. وقوام هذه الفكرة تصور اللا نهاية المطلقة التي تشمل جميع الأجسام والمظاهر، متدرجة في تطور مستمر، سائرة في مدى لا يتناهى، وكذلك الإحساسات والمدركات التي ترافق ذلك التطور والتي تقرر إلفة العقل ضرورة وجودها، يضاف إلى ذلك مشاعر باطنية وأشياء أخرى لا يلمسها الفكر لبعدها عن نطاق التجربة ولكنها ممكنة الحدوث يشعر بها القلب وهي منسجمة من مجموعها وفي حيز طبيعتها الخاصة. جماع هذه اللا متناهيات بمختلف صفاتها وألوانها، منظومة في سلك واحد تؤلف الكون اللا نهائي المطلق. وما الإنسان في الكون بسائر أعماله وآثاره سوى حادث في حادث وجزء من جزء. ليس لدينا، في الواقع، برهان قاطع يحملنا على الاعتقاد باتساع الكون للدرجة التي تخيلها

стр. 549

سبينوزا ولا بضيقه أيضاً. ومع أن سبينوزا هو أبعد الفلاسفة عن تصور الله مخلوقاً على نموذج عقله، فقد كان تصوره لله محدوداً ب - (الامتداد والفكر) محاولاً بذلك أن يبتعد عن المقاييس الإنسانية ولكن الدكتور (ماتينو) قد نقض فكرة سبينوزا قائلاً لم تطرأ فكرة الامتداد على سبينوزا إلا في نظره إلى حالات جسمه الطبيعية، ولم ير أن الله فكرة إلا بعد أن نظر في خصائص عقله ولا ريب في أن الامتداد والفكر هما ظاهرتان أخص ما تتصف بهما الأجسام والعقول. ولكن فكرة سبينوزا كتصور لكون شامل بعيد عن الحدود الإنسانية ما أمكن، تظل، بالرغم من فقدان البراهين القاطعة والصفة الإنسانية التي تمثلها كلمتا (الفكرة والامتداد) عاملاً فعالاً في إيقاظ المذهبين المتعنتين الذين يصنعون لوجود الله قانوناً مماثلاً لحاجاتهم ومستمداً من تجاربهم الشخصية. هذه مبررات كافية تحملنا على الانحناء لهذا الذهن الجبار مرهفين إسماعنا إلى المفكر الفرنسي ربنان، عند إزاحة الستار عن تمثال سبينوزا حيث وقف يقول (ويل لمن يقذف هذا الرأس المفكر بالشتيمة عندما يمر أمام نصبه. لأنه سيعاقب عقاب النفوس المظلمة بالجهل والانحطاط وعدم القدرة على التصور الإلهي لهذا الكون. إن هذا الفيلسوف (مشيراً إلى سبينوزا) سيدل الناس جميعاً من قاعدة تمثاله على طريق السعادة الذي اكتشفه، وبعد مرور أجيال سيمر السائح المثقف بهذه البقعة قائلاً في قلبه أن أصدق تصور لله، قام في مخيلة هذا الرجل. حينما يقول لنا أنهم يمتلكون مفاتيح الحقائق في جيوبهم أو في قلوبهم، وبها يتمكنون من معرفة بارئ الكون وماهية الخلق ويدركون أن كل شيء هو مادة أو روح. حينئذ نقدم لهم نظرية سبينوزا في الكون اللانهائي والبانته ئيزم كعلاج واقٍ يبعد عنهم القلق ويمنعهم من الفوضى، ونقول لأولئك اللاهوتيين التائهين في صحراء الوجود: نحن لا نصدقكم ولا نؤمن بحدودكم الضيقة لأن الله عظيم. صلاح الدين التقي المحايري

стр. 550

رأي ابن سينا في السعادة ٢ لجميل صليبا ٥ - السعادة بعد الموت أما في الحياة الثانية فإن النفس قد تدرك السعادة الحقيقية وقد تشقى شقاء مؤقتاًً أو شقياً أبداً، فسعادة النفس الحقيقية بعد الموت تنشأ عن تصور الإنسان للمبادئ الروحانية تصوراً حقيقياً وتصديقه بها تصديقاً يقيناً على الوجه الذي ذكره ابن سينا في مقالة المبدأ والمعاد، وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون أكد العلائق مع ذلك العالم فصار له شوق وعشق إلى ما هنالك يصده عن الالتفات إلى ما خلقه، وهذه السعادة الحقيقية كما قلنا لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس. وإذا قايسنا بين أحوال الناس في الآخرة وجدناهم على ثلاثة أحوال. الحال الأول هو حال البالغين في فضيلة العقل والخلق مرتبة عالية فهؤلاء لهم الدرجة القصوى من السعادة. والحال الثاني هو حال الجهال إلا أن جهلهم ليس مضراً لهم فهم من أهل السلامة وإن كانوا ليس لهم ذخراً من العلم. والحال الثالث هو حال الذين كثر شرهم وعظم أذاهم في الدنيا والآخرة وهؤلاء ليسوا من أهل النجاة. فالنجاة ليست إذن مصروفة عن أهل الجهل، إن سعادة العلماء أعلى مرتبة من سعادة الجهال كما أن سعادة الجهال أفضل من شقاوة الأشرار، وخير للإنسان أن يكون جاهلاً من أ، يكون عالماً شريراً، لأن البلاهة العمياء أحسن من الفظاظة البتراء. فالذي يحصل العلوم ويعرف الكمال ويشتاق إليه من غير أن يتصف به أو يعمل به للوصول إليه أسوأ من أصحاب النفوس الساذجة لأن الجاهل غير عارف بالكمال غير مشتاق إليه، ولذلك كان العذاب أقرب إلى العالم الشرير منه إلى الساذج الصالح. فإذا كانت النفس شديدة الشوق إلى ما اعتقدته من أحوال الحياة زكية كريمة قليلة العلائق بالبدن فإنها إذا انفصلت عن الجسد اتصلت بكمالها الذاتي وتمتعت باللذة الحقيقية وتبرأت

стр. 551

عن النظر إلى ما خلفها وأدركت السعادة الحقيقية، وإن كان لها التفات إلى ما خلفته في الدنيا تأذت بالحسرة عليه، إن الالتفات إلى أحوال الدنيا وتذكر مقتضيات البدن هو شأن النفوس الرديئة التي تتخيل بعد الموت جميع أنواع العقاب الذي صور لها في الدنيا وتقاسيه بالصورة الخيالية التي لا تقل تأثيراً عن الصورة الحسية، إذن فابن سينا يعتقد أن الإنسان سيلاقي بعد الموت سعادة نفسانية وأن العذاب الذي سوف يقاسيه عذاب روحاني. ٦ - سلامان وابسال ويجدر بنا وقد أوضحنا أسباب سعادة النفس في الدنيا والآخرة أن نستشهد بقصة (سلامان وابسال) التي ذكرها الشيخ الرئيس في كتاب الإشارات. لأن هذه القصة هي أحسن رمز لا بل أوضح صورة يمكن بها بيان سعادة النفس ودرجاتها وكيفية محاربتها للشهوات والتجرد عنها. والقصة التي نذكرها هنا ليست قصة سلامان وابسال التي قيل أن حنين ابن اسحق نقلها من اللغة اليونانية إلى العربية وترجمها المسيو (كارا - دوفو) في كتابه عن ابن سينا إلى اللغة الفرنسية، فإن القصة التي اخترعها أحد العوام كما يقول الطوسي، ليست من كلام الشيخ الرئيس ولا هي مطابقة لما ذكره في الإشارات. وأما القصة الحقيقية التي أشار إليها ابن سينا فهي التي أورد ذكرها أبو عبيد الجزجاني في فهرس تصانيف الشيخ الرئيس ونقلها عنه شارح الإشارات. وحاصلها أن سلامان وابسال كانا شقيقين وكان ابسال أصغرهما سناً وقد تربى بين أخيه ونشأ جميل الصورة عاملاً متأدباً عفيفاً شجاعاً. فعشقته امرأة سلامان أخيه وقالت لزوجها أخلطه بأهلك ليتعلم منه أولادك فأشار عليه سلامان بذلك وأبى ابسال مخالطة النساء فقال له سلامان أن امرأتي بمنزلة أم لك فرضي ابسال بذلك ثم أكرمته زوجة سلامان وأظهرت له عشقها في خلوة فانقبض ابسال من ذلك. ولما علمت زوجة سلامان أن ابسالا لا يطاوعها قالت لزوجها زوج أخاك بأختي ثم قالت لأختها أني ما زوجتك بابسال ليكون لك خاصة بل لكي أساهمك فيه. وليلة الزفاف جاءت امرأة سلامان بدلاً من أختها وبادرت تعانق ابسالا وتضم صدره إلى صدرها فلاح برق في السماء أبصر بضوئه وجهها فأزعجها وخرج من عندها وطلب من أخيه أن يعطيه جيشاً فتولى قيادته وحارب حتى فتح كثيراً من البلاد شرقاً وغرباً. ثم رجع إلى وطنه مكللاً بالنصر وهو يحسب أن امرأة أخيه

стр. 552

سلامان قد نسيته ولكنها عادت إلى حبها له ورجعت إلى معاشقته. فأبى ذلك وأزعجها ثم ظهر لهم عدو فوجه سلامان أخاه ابسالا إليه إلا أن امرأة سلامان فرقت في رؤساء الجيش أموالاً ليرفضوه في المعركة ففعلوا وظفر به الأعداء وتركوه جريحاً وبه دماء فعطفت عليه مرضعة من حيوانات الوحش وألقمته حلمة ثديها واغتذى بذلك إلى أن انتعش وعوني ورجع إلى سلامان وقد أحاط به الأعداء وأذلوه وهو حزين من فقد أخيه فأدركه ابسال وأخذ الجيش والعدة وكر على الأعداء وبددهم وأسر عظيمهم وسوى الملك لأخيه ثم اتفقت المرأة مع الطابخ والطاعم وأعطتهما مالاً فسقياه السم واغتم من موته أخوه واعتزل من ملكه وفوضه إلى بعض معاهديه وناجى ربه فأوحى إليه بحقيقة الأمر فسقى المرأة والطابخ والطاعم ما سقوا أخاه فماتوا جميعاً. وتأويل هذه القصة أن سلامان هو النفس الناطقة وابسالا هو العقل النظري أو هو درجة النفس في العرفان وامرأة سلامان هي القوة البدنية الإمارة بالشهوة والغضب وعشقها لابسال هو ميلها لتسخير العقل كما سخرت سائر القوى، وإباء ابسال هو تطلع العقل إلى عالمه وأخت امرأة سلامان هي الملكة العملية والبرق اللامع من الغيم المظلم هو الخطفة الإلهية التي تسنح للإنسان أثناء الاشتغال بالأمور الفانية وإزعاج ابسال للمرأة هو إعراض العقل عن الهوى. وفتحه البلاد هو اطلاع النفس بالقوة النظرية على الملكوت، ورفض الجيش له هو انقطاع القوى الحسية والخيالية عند عروج النفس إلى الملأ الأعلى، وتغذيته بلبن الوحش إشارة إلى إفاضة الكمال إليه عما فوقه من المبادئ والطابخ هو القوة الغضبية والطاعم هو القوة الشهوانية وتواطؤهم على هلاك ابسال إشارة إلى اضمحلال العقل في شقوة العمر وإهلاك سلامان إياهم ترك النفس استعمال القوى البدنية في أخر العمر، واعتزاله الملك وتفويضه إلى غيره انقطاع تدبير النفس الناطقة عن البدن ومفارقتها لهذا العالم. ٧ - رسالة الطير ومن الرسائل التي تدل على هذا التجرد عن المادة وتدعو إلى ضرورة التطلع إلى المثل الأعلى رسالة الطير التي طبعت مراراً ونقلها الموسيو (مهران) إلى اللغة الفرنسية في مجموعة رسائل ابن سينا الصوفية.

стр. 553

يقول ابن سينا: هل لأحد من أخواني في أن يهب لي من سمعه قدر ما ألقي إليه طرفاً من أشجاني عساه أن يتحمل عني بالشركة بعض أعبائها. وهؤلاء الأخوان الذين سيحملون عنه بالشركة بعض أشجانه هم الأخوان الذين جمعتهم القرابة الإلهية وألفت بينهم المجاورة العلوية ولاحظوا الحقائق بعين البصيرة وجلوا الوسخ ورين الشك عن السريرة وهؤلاء الذين ألفوا المجاورة العلوية هم الذين انسلخوا عن المادة وتجردوا عن الشهوات بإيمانهم وعقلهم: ويلكم أخوان الحقيقة انسلخوا عن جلودكم (صفحة ١١٥ جامع البدائع) ومن عجب أن الإنسان الذي نورت جبلته بالعقل لا يزال يبذل الطاعة للشهوات ويضيع على استئثارها صورته: ويلكم أخوان الحقيقة لا عجب أن اجتنب ملك سوءً وارتكبت بهيمة قبيحاً بل العجب من البشر إذا استعصى على الشهوات. وإليك بعض ما جاء في رسالة الطير: برزت طائفة تقتنص فنصبوا الحبائل ورتبوا الشرك وهيأوا الأطعمة وتواروا في الحشيش وأنا في سربة طير لحظونا فصفروا مستدعين فأحسسنا بخصب ما تخالج في صدورنا ريبة ولا زعزعتنا عن قصدنا تهمة فابتدرنا إليهم مقبلين وسقطنا في خلال الحبائل أجمعين، فإذا الحلق ينضم على أعناقنا والشرك يتشبث بأجنحتنا والحبائل تتعلق بأرجلنا ففزعنا إلى الحركة فما ذاتنا إلا تعسيراً فاستسلمنا للهلاك وشغل كل واحد منا ما خصه من الكرب عن الاهتمام لأخيه، وأقبلنا نتبين الحيل في سبيل التخلص زمانا قد انسينا صورة أمرنا واستأنسنا بالشرك واطمأنا إلى الأقفاص وهذا شأن النفس عند اتصالها بالجسد لأنها تألف كما يقول في قصيدة النفس مجاورة الخراب البلقع ويصدها الشرك الكثيف عن بلوغ غايتها، ثم أ، الطير الذي استأنس بالشرك ليلحظ مرة رفقة من الطير قد أخرجت رؤوسها وأجنحتها عن الشرك وبرزت عن أقفاصها تطير وفي أرجلها بقايا الحبائل فيقول فذكرتني ما كنت أنسيت ونغصت علي ما ألفته فكدت أنحل تأسفاً أو ينسل روحي تلهفاً ثم يناديهم ويناشدهم بالصحبة المصونة والعهد المحفوظ فلا يتقربون منه إلا بعد أن ينفى عن صدورهم الريبة ثم يغتنم النجاة ويطالبهم بتخليص رجله عن الحبال فيقولون له لو قدرنا عليها لابتدرنا أولاً وخلصنا أرجلنا وإني يشفيك العليل، إن هذه الحبال كما يقول بعد ذلك لن يقدر على حلها إلا عاقوها ثم يطير حتى يبلغ جبل الآله ثم يشرد على الراحة بعد

стр. 554

الانتباه ثم يطير حتى يبلغ المدينة التي تبوأها الملك الأعظم فيخرج من صحن ويدخل في صحن حتى يرفع له الحجاب ويلحظ الملك في جماله الذي لا يمازجه قبح وكل كمال بالحقيقة حاصل له وكل نقص ولو بالمجاز منفي عنه، وكله لحسنه وجه ولجوده يد، من خدمه فقد اغتنم السعادة القصوى، ومن صرمه فقد خسر الآخرة والدنيا وهكذا فإن السعادة القصوى هي في نسيان الشهوات وخدمة الأحد الحق، وقد ختم ابن سينا رسالة الطير بقوله: وكم من أخ قرع سمعه قصتي فقال أراك مسّ عقلك مس أو ألم بك ألم ولا والله ما طرت ولكن طار عقلك وما اقتنصت بل اقتنص لبك، أنى يطير البشر أو ينطق الطير، كأن المرار قد غلب في مزاجك واليبوسة استولت على دماغك وسبيلك أن تشرب طبخ الافثيبمون وتتعهد الاستحمام بالماء الفاتر العذب وتستنشق بدهن النيلوفر وتترفه في الأغذية وتستأثر منها المخصبة وتجتنب ألباه وتهجر السهر وتعل الفكر، فأنا قد عهدناك فيما خلا لبيباً وشاهدناك فطنا ذكيا ولله مطلع على ضمائرنا فأنها من جهتك مهتمة، ولاختلاف حالك حالنا مختلفة، ما أكثر ما يقولون وأقل ما ينجح وشر المقال ما ضاع. وقصارى القول أن هذه القصة كقصة حي ابن يقظان وقصة سلامان وابسال تدل على أن النفس لا تنال السعادة الحقيقية إلا بأعراضها عن الشهوات وتركها اللذات وتطلعها إلى المثل الأعلى، لأن لذة التفكير والتأمل تشبه لذة العبادة. أن مذهب ابن سينا في الخير مذهب التفاؤل ونظريته في اللذة نظرية الكمال ورأيه في التجرد عن المادة وشواغلها للوصول إلى السعادة الحقيقية هو رأي المتصوفين كأن سعادة الإنسان في الدنيا لا تكون بإعراضه عن الدنيا وعدم التفكير في أوهامها. إن فلسفة ابن سينا مضيئة بنور التصوف والتقشف ولا أظن أن هذا الضئيل قد أظلم في العصر الحاضر بل أن مدينة هذه الأيام قد تلوثت بأدران المادة، ولعل الأدران لا تزال إلا إذا انغمست ذبالة الحياة في شيء من زيت التصوف. ماذا يفعل البطالون؟ ماذا يفعل الجائعون؟ افيستمرون على عبادة المادة والمادة لا تغذيهم؟ ليرجعوا إلى الحياة الروحية، إلى الحياة الفكرية، لعل في الحياة الروحية غذاء لهم، وهذه الحياة الروحية لا تنافي التقدم والإنتاج والأخذ بأسباب المدينة، إن الشيخ الرئيس يؤمن بالعقل والعلم ويعتقد أن السعادة

стр. 555

القصوى لا تكون إلا عن طريق العلم، وهذا نتيجة طبيعية لمذهب التفاؤل، فلنرحب إذن بآراء هذا الحكيم الذي هام بالمثل الأعلى وآمن بالفكر وكان كثير الثقة بالفطرة الإنسانية. جميل صليبا

стр. 556

الكتب والصحف الشرف عند العرب قبل الإسلام لم يدر في خلد أن للشرف أهمية كبرى في تاريخ الحياة الجاهلية وإنه كان الأساس الذي قامت عليه دعائم حياة العرب الاجتماعية والدينية والقومية حتى جاءت أطروحة السيد بشر فارس لجامعة باريس وفيها من طريف الابتكار وجيد التحليل ودقة الاستقراء ما جعل هذه الرسالة جديرة بكل مطالعة واهتمام. ولا شك أن هذه الأطروحة ستكون خير معوان لمن يريدون تفهم حياة العرب قبل الإسلام تفهماً علمياً صحيحاً. تتلخص الفكرة التي أراد المؤلف أثباتها بعد أن حلل العوامل التي تؤلف عاطفة الشرف عند العرب تحليلاً اجتماعياً علمياً - إن الشرف كان يقوم في عصور الجاهلية بدور يشبه تمام الشبه الدور الاجتماعي الذي تلعبه الأديان في عصرنا. وإذا فهمنا إن الدين هو عبارة عن مجموعة متوحدة لاعتقادات وطقوس لها مساس بالأشياء المقدسة أي أنها في معزل ومحرمة على الناس، وإن من أثر هذه الاعتقادات والطقوس أنها تجمع في محيط أخلاقي كل الذين يدينون بهذه الاعتقادات أيقنا أن الدين كان عاجزاً عن القيام بمثل هذا الدور الاجتماعي - الأخلاقي لأسباب أهمها: ١ - كثرة الأديان التي كانت شائعة في الجاهلية الوثنية في مكة والطائف، والمسيحية في ربيعة وغسان وقضاعة، واليهودية عند بني الحارث وبني كعب وكندة وأهل يثرب ووادي القرى وتيماء والمزدكية عند تميم وقد يرجح بعض المؤرخين وجود بعض الزنادقة والصائبة وعباد الملائكة والجن. ٢ - على أثر اختلاف الديانات نشأت اختلافات في العقائد فقد اعتقد بعض الجاهلين التقمص وبعضهم خلود النفس وسموا بالدهرية وآخرون أنكروا البعث وغيرهم وجود الآله وذهب بعضهم إلى أن امتزاج عوامل الطبيعة هي التي تخلق الحياة وإن انحلال هذه العوامل هو الذي يؤدي إلى خرابها وقد اعتقد البعض أن الملائكة هن بنات الآله. ٣ - ضعف العاطفة الدينية عند العرب فقد جاء القرآن أكثر من مرة مصدقاً هذا الرأي (الأعراب أشد كفراً. . . ٠ الخ الآية). ٤ - خلو أشعار العرب ومعلقاتهم من كل عاطفة دينية.

стр. 557

٥ - إن الزهد كان مجهولاً تماماً عند العرب لأن الزهد كما يقول دور كهايم عامل فعال في كل الديانات ومن هنا نستنتج أنه لم يكن للعرب دين واحد ينضمون تحت لوائه ويقومون بشعائره ويتتبعون سننه وقوانينه كما نص عليه تعريف الدين الاجتماعي ولا يفهم من كل هذا أن الشرف كان دين العرب وإنما كان يحل مكان الدين من حيث دوره الاجتماعي ولا ريب أنه الشرف تضمن كل الصفات التي تتمتع بها الديانات الشائعة فكلنا يعلم أن الدين ينقسم إلى قسمين العقائد والشعائر أو الطقوس ولما كان من دلائل القوانين الأخلاقية صفتها الإجبارية وجب على العرب قبول الاعتقادات والقيام بالطقوس ذاتها ولم تكن عوامل الشرف إزاء انحلال العاطفة الدينية وكثرة الأديان الشائعة - إلا لتقوم مقام هذه الاعتقادات فأصبحنا مسوقين باعتبار أن الحرية والاستقلال اللذين كان يتمتع بهما العرب والمحافظة على عدد أفراد القبيلة وحرمة الديار وتحريم أسر المرأة والمحافظة على النسل وطهارة الأنساب وجودة الآباء وأعراقهم في الشرف هي بمنزلة الاعتقادات ومن جهة أخرى رأينا أن نفوذ السيد وحوله والثورة على الضعف والاضطهاد والأخذ بالثأر والشجاعة والوفاء وحماية الجار والجود والسخاء وواجب الضيافة وأخيراً الشعر والفصاحة بمنزلة الطقوس أو الشعائر. وصفوة القول أن عوامل الشرف كانت تؤلف في عهد الجاهلية مجموعة قوانين فرضتها الهيئة على جميع الأفراد وتولت الجمعية حمايتها وفرض العقوبات على من يجرأ على مخالفة هذه القوانين. ولهذا ترى أن الشرف كان العامل الأوحد في جمع العرب وتآخيهم حتى تمكنوا من تأليف هيئة اجتماعية لها أحكامها وقوانينها الأخلاقية. إبراهيم الكيلاني تقويم الهلال لسنة ١٩٣٤ لا مشاحة أن مجلة الهلال وما تصدره دار الهلال من مطبوعات ممتازة أصبحت جميعها بإتقان الطبع وجودة الصور وحسن التبويب والتنظيم لا تقل بشيء عن أعظم مؤسسات الطباعة والنشر في مختلف العواصم الأوروبية. ولقد أرادت دار الهلال أن تقدم دليلاً جديداً على ما ذكرنا في هذه السنة تقويمها لسنة ١٩٣٤ وجعلته، والحقيقة يجب أن تقال، خير نموذج لما بلغته مصر من نهضتها الحديثة في الطباعة التي كانت دار الهلال أول من حمل لواءها جليلاً في جميع بلاد الشرق العربي وقد صدرته بتواريخ المواسم والأعياد ونتيجة

стр. 558

سنة ١٩٣٤ ثم درجت فيه حوادث السنة الغابرة مصورة فنشرت كثيراً من صور المواقع الهامة في مصر خاصة والعراق وفلسطين وسائر البلاد العربية عامة، ولم تذكر عن سورية ولبنان شيئاً ما نشرته في إحدى الصفحات من رسم الونت دي مارتل المفوض السامي الجديد وهنري بونسو المفوض القديم مع أن في سورية من الحوادث الهامة في خلال تلك السنة ما لا يقل شأناً عما أشارت إليه في بقية البلاد وفي هذا التقويم عدا ما بينا كثير من مواضيع مختلفة مزينة كلها بالصور الواضحة، وفكاهات مصورة وأبحاث شتى عن نهضة المرأة المصرية وعن الفن السينمائي وعن سجون النساء وغير ذلك من الأخبار والمعلومات التي جرت دار الهلال في ترتيبها وتبويبها على أصول التقويم الغربية الحديثة دون أن تتهامل في إبراز ما تمتاز به الروح المصرية والثقافة العربية من مميزات وطوابع خاصة. زاد الله في نجاحها ووفقها. ك. د دائرة المعارف الإسلامية لا جرم أن هذه المعلمة الإسلامية خزانة علم وأدب، تشتمل على جهود المستشرقين في حقبة من الزمن تزيد على قرن، بحثوا فيها عن العرب ولغتهم وعلومهم وآدابهم خاصة، وعن الإسلام ومدنيته وبلدانه وشعوبه وأحوالهم الاجتماعية والدينية والسياسية عامة، وأبحاث هؤلاء المستشرقين منها ما كان باعثه الشغف بالعلم والبحث عن الحقيقة، ومنها ما الغرض منه خدمة الاستعمار، ومهما يكن الحادي بهم إلى تأليف هذا المعجم الخطير، فإن الأمة العربية وسائر الشعوب الإسلامية لتنتفع به كل الانفاع بالإطلاع على أبحاثها الجغرافية والقومية والاجتماعية الممتعة، فيعرف المسلم العربي مثلاً من أحوال المسلم الصيني أو السوداني أو الاقيانوسي ما لا يجده في كتبنا التاريخية والجغرافية، ولم تقتصر أبحاثهم على علوم الإسلام الكونية فقد حاولوا بها أيضاً أن يتغلغلوا في صميم العقائد الإسلامية والأحوال الروحية، خذ لك مثالاً على ذلك التصوف وحقائقه، ووارداته ورقائقه، فقد كتبوا عنه فصولاً عديدة أصابوا في بعضها وحاموا الحمى في بعضها، ومن أعجب من بحث منهم عن التصوف الأستاذ ماسينيون بما كتبه عن الطرق الصوفية، فقد بحث لعمر

стр. 559

الحق عنها بحثاً دقيقاً ممتعاً توفرت له شرائط من العلم والجد وبذل المال وشد الرحال، فأطلعنا على ما ظهر من الطرائق قديماً واحتفى، وعلى ما بقي في هذا العصر منها، مبيناً لنا أصولها وفروعها وأماكن انتشارها مع إحصاء شيوخها المربين ومريديها السالكين، مما لا يعرف أكثره شيوخ الطرق أنفسهم، وفي هذه المعلمة من الكلام على العلوم الطبيعية والرياضية وعلى حكماء الإسلام والعرب وأطباءهم ورجال الهندسة والكيمياء والفيزياء منهم ما فيه تذكرة للغافل ودمغ لباطل الشعوبي المتجاهل، وفي خاتمة كل مبحث يجد المطالع ما يحتاج إليه من أسماء المراجع العربية أو الغربية مما لا يسع باحثاً جهله لا مؤلف كتاب ولا طالب علم وآداب. إن هذه المعلمة الإسلامية لا يقتصر الانتفاع بها على شعب إسلامي دون شعب فهي ملك الأمة الإسلامية جمعاء من حيث حاجة المتعلمين من أبنائها إلى مطالعة ما يهمهم منها، ولهذا يجب على كل من يقدر هذه المعلمة قدرها، ويجل الغية من تعريبها، ويكبر الهمة في الشباب المقدم على نقلها إلى العربية، أن يحرص كل الحرص على إتقان هذا العمل الجليل، ذلك الواجب هو الذي حملنا على كتابة الكلمة المشتملة على ما يتعلق بالمعنى والمبنى معاً. أما ما يتعلق بالمعنى فيحتاج التعريب، إلى دقة في التعبير تدعو إليه أمانة النقل وقد رأيت جل الناقلين إلى العربية أو الكاتبين فيها يصرفهم زخرف التعبير وطلاوة الأسلوب وجمال المعرض عن الإحاطة بالمعنى المراد، وعدم العناية بالتدقيق في التعبير مما جعل لغتنا العربية تتخلف على مرونتها ووفرة مادتها عن اللغات الغربية نثراً وشعراً، ولا نقصد بهذا القول أن تفقد العبارة حسن سبكها، فإن أكمل التعريب ما كمل وجمل مبناه، ولم تشم منه رائحة أجنبية، ولا يتوفق لذلك إلا من أحكم لغتي النقل: أي المنقول منها والمنقول إليها، وقد لاحظنا في بعض ما تنقله لجنة التعريب بعض الضعف في التعبير والدقة في التعريب ولولا خطورة هذه المعلمة لما بالغ الناقدون في نقدها لأن تعريبها لا يقل عما ينتقل إلى العربية في هذا العصر إن لم يزد على كثير منه في الإحسان والإتقان. ومما لاحظناه مثلاً في مادة الاباضيون تعريب ما يأتي:

стр. 560

بالعبارة التالية: زمن الطبيعي أن يعارض الاباضيون بشدة في اتهام أهل السنة لهم بالكفر ولو قيل مثلاً: ومن الطبيعي أن يعارض الاباضيون بشدة نبر أهل السنة بلقب الخوارج أو المبتدعة لا شك هذا القول أو يوافق الصواب فثمت فرق بين بين الكفر والابتداع، وانظر أيضاً إلى العبارة التالية: فقد نقلت إلى العربية هكذا: والمسلمون مضطرون اضطراراً إلى الاعتراف بوحدتهم، والتعبير عن هذه الوحدة بالقول والعمل وكان الأصح أن تعرب هذه العبارة بما يأتي: أن للتضامن بين المسلمين كافة فروضاً شديدة يؤدونها بالأقوال والأفعال إذ شتان ما بين الفرض والاضطرار والوحدة والتضامن من الفرق والتباين. ومما يعود إلى المبنى وحسن الصياغة مثلاً عبارة المعلمة الآتية: وجماعاتهم الدائمة الاتصال بعضها ببعض ولو قيل المتواصلة أبداً لكان أمتن وأبين. وحبذا لو يرجع بالأعلام الأعجمية في المعلمة إلى مسمياتها العربية، اضرب لذلك ما جاء في الجزء الثاني مثلاً من اسم طيسفون، في العبارة التالية: وتقول الرواية الشائعة: إن سيف بد ذي يزن ذهب إلى طيسفون حيث نجح في استمالة ملك الفرس وأي عربي يطالع المعلمة ويدرك الموضع المقصود من طيسفون، إلا من درس تاريخ الفرس بلغة أجنبية، فكان يحسن تسميتها باسمها العربي أيضاً، وهو المدائن ومن أطلالها اليوم في العراق طاق كسرى الباقي من إيوانه. هذا وقد اصطلح المستشرقين على اتخاذ علائم خاصة تشكل بها الأعلام العربية ليسهل عليهم لفظها على وجهها كما يلفظها العرب، فحبذوا لو جاريناهم في الاصطلاح على علائم خاصة تشكل بها الأعلام الإفرنجية ليسهل على من لا يعرف الهجاء الفرنسي مثلاً أن ينطق باسم نطق الفرنسيين فلا يلفظه هيوار كما جاء في المعلمة الإسلامية المعربة. وقد كان عالم الشام الشيخ طاهر الجزائري فكر في شيء من ذلك، ومثله الشيخ اليازجي وغيرهما، ولكن العلائم التي اتخذاها لم يكتب لها التعميم، ولعل من أحسن الوسائل لتعميمها أن تنتشر في المعلمة وتقيد بها أعلامها الإفرنجية كما قيدت المعلمة الإسلامية الأعلام

стр. 561

العربية. الكمال كما قيل معوز، ولدمع الحنكة وطول المعاناة، فكيف به في ابتداء هذا العمل الجلل، ولذلك نعتقد أن ما ينشر من الملاحظات والتنبيه، والنقد النزيه، لا يقل شيئاٍ من شبا عزائم الشباب، وإنما يزيد إقداماً على إتقان النقل، بتحري المعنى الدقيق والتعبير العربي البليغ، وعرض ما ينقل من العلوم قبل نشره على المختصين بها ممن قضوا أعمارهم في تمحيصها وتحقيقها، فإن من أفضل ما يعين على تجويد العمل وإدراك المأمول، أن تتعاون على تحقيقه العقول، ولعمري أن نقل هذه المعلمة الخطيرة إلى العربية إن لم يكن - كما قال صديقنا خليل مردم بك - أعظم عمل علمي قامت به مصر فإنه من أعظم أعمالها جزى الله لجنة التعريب أفضل ما جزى به مبتدي إحسان ومحيي لسان. عز الدين التنوخي نقد فلسفة مناهج العلوم المثل الأعلى في النقد لا يخفى أن نقد المؤلفات يكون بثلاث صور، تختلف باختلاف الروح التي تتجلى في النقد. فأما أن تكون روح الناقد مفعمة بحب المدح والإطراء، فلا ترى سوى الحسنات والمبرات وتتجاهل النقائص والزلات. ولا فائدة من هذا النوع من النقد، اللهم إلا مجاملة المؤلف وحث الناس على اقتناء مؤلفه، بل كثيراً ما ينشأ عنه مضار شتى وأما أن تكون روح الناقد مشبعة بحب القدح والذم، فلا تستوحي سوى السيئات والمتاعب وتعززها بما تشعر به نحو المؤلف أو المعرب من العواطف فتسرد لواذع ومهازل تتجلى بين طيات السطور. وضرر هذا النوع من النقد بيّن ظاهر يعود قسم منه، أن نقل جله، إلى الناقد نفسه فينسب إليه التحامل والتشفي والغايات وتنحط منزلة آرائه لدى القراء، والحقيقة تبقى ناصعة مهما حاول سترها. وأما أن يكون رائد روح الناقد إظهار الحقيقة الراهنة متحاشياً التحامل والتجامل، فيذكر الحسنة حسنة والسيئة سيئة بدون زيادة ولا نقص. وهذا هو النقد المثمر المنشود لذي تصبو إليه النفوس الأبية، وتستهدفه أرباب الأفكار النزيهة العارية عن الأغراض وهو

стр. 562

الذي يجب أن يكون المثل الأعلى في النقد. تفنيد النقد لقد حدا بي إلى كتابة هذه السطور ما قرأته في مجلة الثقافة الغراء في صفحتي ٦١٢و٦١٣ من سهام النقد التي سددت إلى كتابي (فلسفة مناهج العلوم) ولم تر المجلة لزوماً للتصريح باسم الناقد مع أنها لم تستتر في نقد الكتب الأخرى. فمما ذكرته في مقدمة هذا الكتاب العبارة التالية: هذا ولا يخلو مثلي من الوقوع في مهاوي الزلل ولذا فإني أتقبل الناقدين قبولاً حسناً مقروناً إلى شكرهم باسم العلم. . . الخ نعم، ولكن على أن يكون هذا النقد صحيحاً. أما إذا كان مغلوطاً فإنه يترتب علي طبعاً أن أفند مواطن الخطأ فيه، دفعاً لما قد يعلق في ذهن القارئ الذي لم يتح له مطالعة كتابي هذا من الأفكار المباينة للواقع ومنعاً لتشويش أفكار الطلاب الذين يدرسونه بلهف واعتماد. أجل إني رجحت التعريب الصريح ولم أقل الصحيح كما ذكرته المجلة سهواً، لأني أكثر تواضعاً من أن أدعي بالصحة في هذا الموضوع الحديث الدقيق (وهذه عبارة طواها أيضاً حضرة الناقد) على التأليف الملتقط. وقصدت من ذلك التعريب الذي يصرح معربه للملأ معترفاً بأنه تعريب لا أن يترجم أو يلتقط وينتحل ولا يعترف بهذه الترجمة وهذا الانتحال، بل لا يرى غضاضة في المباهاة بأنه هو المؤلف. نحن لا ننكر أن التأليف الحر حسن، على أن يكون حقيقة تأليفاً لا تعريباً ملتقطاً ملفقاً. وإني لا أزال أرى (ولكل رأيه) التعريب في العلوم الفلسفية الحديثة الدقيقة في نهضتنا الفتية، أفضل من انتحال التأليف المشوب بالنقائص والمقتصر على ما استطاع المؤلف فهمه، مهملاً ما لم يكن في متناول إدراكه. وليت شعري، هل المقالات المزخرفة والمواضيع العلمية المنقمة التي تسود في المجلات والكتب من وضع صاحب التوقيع وابتكار بنات أفكاره أبداً، أم جلها مترجمة منتحلة؟. وقد أخذ علي حضرة الناقد الصدق في التعريب، ومتى كان الصدق محطاً للملامة؟. أما قول حضرته: فجاء كتابه أنموذجاً في صناعة التعريب الحرفي حتى أنك تكاد تشعر بالأصل الفرنسي خلال الترجمة العربية فهذا قول مجرد لا يقوم عليه برهان، إذ التعريب الحرفي يكون على ما أفهم بصف الكلمات المنطبقة على الأصل جنباً لجنب، مما يجعل

стр. 563

المعنى متعذر الفهم تماماً. وربما صدر هذا الطراز من التعريب عن الحديثي العهد في الترجمة، لا عمن مارسها بين لغات شتى منذ عشرات السنين وعرب حتى الآن عدة كتب ومواضيع مختلفة مدرسية وسواها يفهمها صغار التلاميذ كل الفهم فضلاً عن كبارهم، وها هو كتاب (فلسفة مناهج العلوم) نفسه مائل بين أيدي طلاب دور المعلمين والمعلمات في دمشق وحلب منذ سنتين يدرسونه ويفهمونه ولم يشعر أحد منهم ولا ممن طالعه لنفسه (بالأصل الفرنسي)، بل يكفي لمن تصفحه قليلاً أن يرى، بعكس ما رآه الناقد، لغة عربية مصقولة وتعابير تحلو في الطبع وتستاغ في الأذن (كما قال أحد مقرظيه الأدباء الحياديين في جريدة الأيام عدد ٣٦) مما يبرهن على أنه عرب تعريباً متقناً بتصرف غير مخل مع العناية الخاصة بتقريبه من الفهم وإقصائه عن التعقيد، الأمر الذي حمل حضرة الناقد على الاعتراف بأني أتيت بأمثلة لم ترد في الأصل الفرنسي (حسية، مشخصة، موافقة لمدراك التلاميذ رغبة في تقريب المباحث من أذهانهم). فأين هذا القول من صناعة التعريب الحرفي؟ ولو أنصف حضرة لا ناقد وأنعم النظر في هذا الكتاب وقابله مع الأصل الكثير التعقيد والإبهام، لقنع بالجهود التي بذلت في سبيل جعله عربياً خالصاً بعيداً عن كل مسحة فرنجية. ومن الغريب اعترافه أيضاً بأني وفقت في تعريبه إلى وضع بعض الاصطلاحات الفلسفية الجديدة، ولكنه ما لبث أن عاود خطة الملامة، فنسب إلي مخالفة كلام فلاسفة العرب في تعريب جملة ب - (لا علم إلا من العام) مفضلاً تعريبها ب (لا علم إلا بالكليات). نعم يمكن أن تعرب أيضاً بهذه الصورة، وإني لم أهمل تفسيرها بعد بضعة سطور بقولي: العلم، معرفة شاملة قائمة على كليات عامة وما أظن أني ارتكبت بذلك (مخالفة لكلام فلاسفة العرب). والتناقض الفكري الذي وقع فيه حضرة الناقد يظهر جلياً من ملاحظته على تعريبي (بالحس العضلي) وزعمه أن هذا التعريب لا ينطبق على المعنى الأصلي لهذا اللفظ. نعم أن التعريب (الحرفي!) هو (الحس الحركي) ولكن من الذي يفهم المعنى المقصود من هذا التعريب الحرفي؟ لأن كل أنواع الحس يتضمن شيئاً من الحركة ولذلك فضلت التصرف بالتعريب شأني في جميع المواطن الغامضة، على المحافظة على الأصل، حباً بالتوضيح

стр. 564

فقلت (الحس العضلي)، لأن هذا النوع من الحس لا يكون إلا بالعضلات. وهذه هي المرة الثانية التي يناقض حضرته نفسه ويلومني على تصرفي بالتعريب، بينما نجد نقده يحوم حول إظهاري شديد الولع بالمحافظة على الأصول محافظة عمياء (وكنت لا انتظر من حضرته أن يجيز لنفسه استعمال هذا النعت بحقي). فبعد هذا كله أينا أشد محافظة على الأصل؟ والأغرب أنه لم يحبذ تعريب لفظ بالرصد في معرض البحث الفلكي وغاب عنه أن المرصد الفلكي في باريس يدعى وإن (الملاحظة) لا تصلح لهذا اللفظ إلا في غير الشؤون الفلكية. كما أنه أخذ علي كتابة (سوقراط) بالواو، فإن أرباب الأفكار الحديثة لا يرون اليوم بأساً من كتابة الكلمات العربية نفسها كما تلفظ أي بزيادة حروف مد حيث يمكن، فكيف بنا والكلمات الأعجمية كسوقراط. وهل نحن من محبذي الوضوح أن الغموض؟ بحيث نجعل القارئ يتردد في قراءة (سقراط) بين حركات السين الثلاث. وكم نسب الأوروبيون إلى لغتنا القصور والغموض لخلو معظم كلماتها مما يدل على الحركات ويسهل القراءة؟ ومما لاحظه عليّ: تعريبي (بعلم الحكمة). نعم لقد اقتصرت نادراً جداً على لفظ علم الحكمة بدلاً من علم الحكمة الطبيعية ولكن ذلك كان عمداً مني طلباً للإيجاز، لأني أكثرت جداً من تكرار (علم الحكمة الطبيعية) في صلب الكتاب بحكم الضرورة. ثم لما اضطرت إلى استعمال النسبة مثل في (العلوم الحكمية - الكيماوية) إذ كيف كان يمكنني إضافة لفظ (الطبيعة) بعد الحكمية هنا؟ ولا أخال أحداً طالع هذا الكتاب وظنني عربت (بعلم الحكمة) فقط. أما الأمر الهام فليس هنا، لأنه لا يطلب تعريبها (بعلم الحكمة الطبيعية)، بل في نصحه إياي بتعريب (بعلم الطبيعة) أو (الفيزياء) وسها عن باله أن علم الطبيعة يتناول الحكمة الطبيعية والكيمياء وعلم الحياة وعلوم الحيوانات والنباتات والطبقات وكلها تسمى العلوم الطبيعية وبعضهم حصرها في العلوم الثلاثة الأخيرة. فكيف يريد أن أستعيض عن علم الحكمة الطبيعية وحدها (بعلم الطبيعة) الشامل المعنى؟ وفوق ذلك يفضل استعمال الكلمة

стр. 565

الفرنجية نفسها وهي (الفيزياء) مكان الاصطلاح المأنوس لدى الجميع وهو (الحكمة الطبيعية) فمن منا أكثر شغفاً ومغالاة بالمحافظة على الأصل محافظة عمياء، وقد بلغ به حب المحافظة على الأصل أن يستعمل الأصل نفسه لا تعريبه؟ وأين عناية الأتراك منا في تشذيب لغتهم الفقيرة من الألفاظ العربية والفارسية؟ وقد أردف بأن ثمة (كثيراً من مثل هذه الألفاظ الني لا يمكن ذكرها هنا) وأنا أرى أيضاً من الأصلح أن لا يذكر سوى إذا كان ما يود ذكره من هذا القبيل. ثم قال: (إن الدكتور نصري أكثر من ذكر الاصطلاحات الفرنسية إلى جانب الاصطلاحات العربية حباً بالمحافظة على الأصل) كلا يا سيدي، ليس هذا هو السبب، بل السبب هو أن الاصطلاحات العربية محدثة قد لا تكون مألوفة لدى القارئ ورغبة في إزالة الغموض. ثم قال (فوقع في كثير من الأغلاط المطبعية التي لا يمكن تجنبها لجهل عمال المطابع اللغة الفرنسية وقد صحح في الخطأ والصواب كثيراً من هذه الأغلاط المطبعية). إن هذا الكثير الذي صححته في جدول الخطأ والصواب هو لفظ فرنسي واحد وهو وصوابه فمتى كان يطلق على الواحد كثيراً؟ على أني أعترف أنه فاتني تصحيح ب - ب - ولم ألحظها إلا بعد الفراغ من الطبع ولكن أظن أنه لا يستشم من هذا الجهل باللغة لأني معرب ولست بمؤلف وكان النص الأصلي أمامي، فالخطأ مطبعي لا محالة. أما العبارة التي أوردها حضرته مثلاً للغموض وأشغل بها نصف صفحة من المجلة فلم يستصعبها التلاميذ. هذا وإن المواضيع الفلسفية جميعها لا تخلو من شائبة الغموض، لا سيما إذا كانت مترجمة، مهما بذل في سبيل توضيحها وصقل عباراتها من الجهود، ولي كلمة في بعض المؤلفات والمعربات الفلسفية من حيث تبادر عباراتها إلى الذهن عفواً أم بشق الأنفس أرجئها إلى مقال آخر. وبالختام أقدم شكري الجزيل لحضرة الناقد الكريم على تقديره الجهود المبذولة لإخراج هذا الكتاب إلى اللغة العربية ولا سيما على إطرائه الطبع الجيد والورق الحسن. الدكتور كامل نصري
следующие страницы →