Полный текст (812 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
العربية.
الكمال كما قيل معوز، ولدمع الحنكة وطول المعاناة، فكيف به في ابتداء هذا العمل الجلل، ولذلك نعتقد أن ما ينشر من الملاحظات والتنبيه، والنقد النزيه، لا يقل شيئاٍ من شبا عزائم الشباب، وإنما يزيد إقداماً على إتقان النقل، بتحري المعنى الدقيق والتعبير العربي البليغ، وعرض ما ينقل من العلوم قبل نشره على المختصين بها ممن قضوا أعمارهم في تمحيصها وتحقيقها، فإن من أفضل ما يعين على تجويد العمل وإدراك المأمول، أن تتعاون على تحقيقه العقول، ولعمري أن نقل هذه المعلمة الخطيرة إلى العربية إن لم يكن - كما قال صديقنا خليل مردم بك - أعظم عمل علمي قامت به مصر فإنه من أعظم أعمالها جزى الله لجنة التعريب أفضل ما جزى به مبتدي إحسان ومحيي لسان.
عز الدين التنوخي
نقد فلسفة مناهج العلوم
المثل الأعلى في النقد
لا يخفى أن نقد المؤلفات يكون بثلاث صور، تختلف باختلاف الروح التي تتجلى في النقد.
فأما أن تكون روح الناقد مفعمة بحب المدح والإطراء، فلا ترى سوى الحسنات والمبرات وتتجاهل النقائص والزلات. ولا فائدة من هذا النوع من النقد، اللهم إلا مجاملة المؤلف وحث الناس على اقتناء مؤلفه، بل كثيراً ما ينشأ عنه مضار شتى وأما أن تكون روح الناقد مشبعة بحب القدح والذم، فلا تستوحي سوى السيئات والمتاعب وتعززها بما تشعر به نحو المؤلف أو المعرب من العواطف فتسرد لواذع ومهازل تتجلى بين طيات السطور. وضرر هذا النوع من النقد بيّن ظاهر يعود قسم منه، أن نقل جله، إلى الناقد نفسه فينسب إليه التحامل والتشفي والغايات وتنحط منزلة آرائه لدى القراء، والحقيقة تبقى ناصعة مهما حاول سترها.
وأما أن يكون رائد روح الناقد إظهار الحقيقة الراهنة متحاشياً التحامل والتجامل، فيذكر الحسنة حسنة والسيئة سيئة بدون زيادة ولا نقص. وهذا هو النقد المثمر المنشود لذي تصبو إليه النفوس الأبية، وتستهدفه أرباب الأفكار النزيهة العارية عن الأغراض وهو
стр. 562
الذي يجب أن يكون المثل الأعلى في النقد.
تفنيد النقد
لقد حدا بي إلى كتابة هذه السطور ما قرأته في مجلة الثقافة الغراء في صفحتي ٦١٢و٦١٣ من سهام النقد التي سددت إلى كتابي (فلسفة مناهج العلوم) ولم تر المجلة لزوماً للتصريح باسم الناقد مع أنها لم تستتر في نقد الكتب الأخرى.
فمما ذكرته في مقدمة هذا الكتاب العبارة التالية:
هذا ولا يخلو مثلي من الوقوع في مهاوي الزلل ولذا فإني أتقبل الناقدين قبولاً حسناً مقروناً إلى شكرهم باسم العلم. . . الخ نعم، ولكن على أن يكون هذا النقد صحيحاً. أما إذا كان مغلوطاً فإنه يترتب علي طبعاً أن أفند مواطن الخطأ فيه، دفعاً لما قد يعلق في ذهن القارئ الذي لم يتح له مطالعة كتابي هذا من الأفكار المباينة للواقع ومنعاً لتشويش أفكار الطلاب الذين يدرسونه بلهف واعتماد.
أجل إني رجحت التعريب الصريح ولم أقل الصحيح كما ذكرته المجلة سهواً، لأني أكثر تواضعاً من أن أدعي بالصحة في هذا الموضوع الحديث الدقيق (وهذه عبارة طواها أيضاً حضرة الناقد) على التأليف الملتقط. وقصدت من ذلك التعريب الذي يصرح معربه للملأ معترفاً بأنه تعريب لا أن يترجم أو يلتقط وينتحل ولا يعترف بهذه الترجمة وهذا الانتحال، بل لا يرى غضاضة في المباهاة بأنه هو المؤلف. نحن لا ننكر أن التأليف الحر حسن، على أن يكون حقيقة تأليفاً لا تعريباً ملتقطاً ملفقاً. وإني لا أزال أرى (ولكل رأيه) التعريب في العلوم الفلسفية الحديثة الدقيقة في نهضتنا الفتية، أفضل من انتحال التأليف المشوب بالنقائص والمقتصر على ما استطاع المؤلف فهمه، مهملاً ما لم يكن في متناول إدراكه. وليت شعري، هل المقالات المزخرفة والمواضيع العلمية المنقمة التي تسود في المجلات والكتب من وضع صاحب التوقيع وابتكار بنات أفكاره أبداً، أم جلها مترجمة منتحلة؟.
وقد أخذ علي حضرة الناقد الصدق في التعريب، ومتى كان الصدق محطاً للملامة؟.
أما قول حضرته: فجاء كتابه أنموذجاً في صناعة التعريب الحرفي حتى أنك تكاد تشعر بالأصل الفرنسي خلال الترجمة العربية فهذا قول مجرد لا يقوم عليه برهان، إذ التعريب الحرفي يكون على ما أفهم بصف الكلمات المنطبقة على الأصل جنباً لجنب، مما يجعل
стр. 563
المعنى متعذر الفهم تماماً. وربما صدر هذا الطراز من التعريب عن الحديثي العهد في الترجمة، لا عمن مارسها بين لغات شتى منذ عشرات السنين وعرب حتى الآن عدة كتب ومواضيع مختلفة مدرسية وسواها يفهمها صغار التلاميذ كل الفهم فضلاً عن كبارهم، وها هو كتاب (فلسفة مناهج العلوم) نفسه مائل بين أيدي طلاب دور المعلمين والمعلمات في دمشق وحلب منذ سنتين يدرسونه ويفهمونه ولم يشعر أحد منهم ولا ممن طالعه لنفسه (بالأصل الفرنسي)، بل يكفي لمن تصفحه قليلاً أن يرى، بعكس ما رآه الناقد، لغة عربية مصقولة وتعابير تحلو في الطبع وتستاغ في الأذن (كما قال أحد مقرظيه الأدباء الحياديين في جريدة الأيام عدد ٣٦) مما يبرهن على أنه عرب تعريباً متقناً بتصرف غير مخل مع العناية الخاصة بتقريبه من الفهم وإقصائه عن التعقيد، الأمر الذي حمل حضرة الناقد على الاعتراف بأني أتيت بأمثلة لم ترد في الأصل الفرنسي (حسية، مشخصة، موافقة لمدراك التلاميذ رغبة في تقريب المباحث من أذهانهم). فأين هذا القول من صناعة التعريب الحرفي؟ ولو أنصف حضرة لا ناقد وأنعم النظر في هذا الكتاب وقابله مع الأصل الكثير التعقيد والإبهام، لقنع بالجهود التي بذلت في سبيل جعله عربياً خالصاً بعيداً عن كل مسحة فرنجية.
ومن الغريب اعترافه أيضاً بأني وفقت في تعريبه إلى وضع بعض الاصطلاحات الفلسفية الجديدة، ولكنه ما لبث أن عاود خطة الملامة، فنسب إلي مخالفة كلام فلاسفة العرب في تعريب جملة ب - (لا علم إلا من العام) مفضلاً تعريبها ب (لا علم إلا بالكليات). نعم يمكن أن تعرب أيضاً بهذه الصورة، وإني لم أهمل تفسيرها بعد بضعة سطور بقولي: العلم، معرفة شاملة قائمة على كليات عامة وما أظن أني ارتكبت بذلك (مخالفة لكلام فلاسفة العرب).
والتناقض الفكري الذي وقع فيه حضرة الناقد يظهر جلياً من ملاحظته على تعريبي (بالحس العضلي) وزعمه أن هذا التعريب لا ينطبق على المعنى الأصلي لهذا اللفظ. نعم أن التعريب (الحرفي!) هو (الحس الحركي) ولكن من الذي يفهم المعنى المقصود من هذا التعريب الحرفي؟ لأن كل أنواع الحس يتضمن شيئاً من الحركة ولذلك فضلت التصرف بالتعريب شأني في جميع المواطن الغامضة، على المحافظة على الأصل، حباً بالتوضيح
стр. 564
فقلت (الحس العضلي)، لأن هذا النوع من الحس لا يكون إلا بالعضلات. وهذه هي المرة الثانية التي يناقض حضرته نفسه ويلومني على تصرفي بالتعريب، بينما نجد نقده يحوم حول إظهاري شديد الولع بالمحافظة على الأصول محافظة عمياء (وكنت لا انتظر من حضرته أن يجيز لنفسه استعمال هذا النعت بحقي). فبعد هذا كله أينا أشد محافظة على الأصل؟
والأغرب أنه لم يحبذ تعريب لفظ بالرصد في معرض البحث الفلكي وغاب عنه أن المرصد الفلكي في باريس يدعى وإن (الملاحظة) لا تصلح لهذا اللفظ إلا في غير الشؤون الفلكية.
كما أنه أخذ علي كتابة (سوقراط) بالواو، فإن أرباب الأفكار الحديثة لا يرون اليوم بأساً من كتابة الكلمات العربية نفسها كما تلفظ أي بزيادة حروف مد حيث يمكن، فكيف بنا والكلمات الأعجمية كسوقراط. وهل نحن من محبذي الوضوح أن الغموض؟ بحيث نجعل القارئ يتردد في قراءة (سقراط) بين حركات السين الثلاث.
وكم نسب الأوروبيون إلى لغتنا القصور والغموض لخلو معظم كلماتها مما يدل على الحركات ويسهل القراءة؟
ومما لاحظه عليّ: تعريبي (بعلم الحكمة). نعم لقد اقتصرت نادراً جداً على لفظ علم الحكمة بدلاً من علم الحكمة الطبيعية ولكن ذلك كان عمداً مني طلباً للإيجاز، لأني أكثرت جداً من تكرار (علم الحكمة الطبيعية) في صلب الكتاب بحكم الضرورة. ثم لما اضطرت إلى استعمال النسبة مثل في (العلوم الحكمية - الكيماوية) إذ كيف كان يمكنني إضافة لفظ (الطبيعة) بعد الحكمية هنا؟ ولا أخال أحداً طالع هذا الكتاب وظنني عربت (بعلم الحكمة) فقط.
أما الأمر الهام فليس هنا، لأنه لا يطلب تعريبها (بعلم الحكمة الطبيعية)، بل في نصحه إياي بتعريب (بعلم الطبيعة) أو (الفيزياء) وسها عن باله أن علم الطبيعة يتناول الحكمة الطبيعية والكيمياء وعلم الحياة وعلوم الحيوانات والنباتات والطبقات وكلها تسمى العلوم الطبيعية وبعضهم حصرها في العلوم الثلاثة الأخيرة. فكيف يريد أن أستعيض عن علم الحكمة الطبيعية وحدها (بعلم الطبيعة) الشامل المعنى؟ وفوق ذلك يفضل استعمال الكلمة
стр. 565
الفرنجية نفسها وهي (الفيزياء) مكان الاصطلاح المأنوس لدى الجميع وهو (الحكمة الطبيعية) فمن منا أكثر شغفاً ومغالاة بالمحافظة على الأصل محافظة عمياء، وقد بلغ به حب المحافظة على الأصل أن يستعمل الأصل نفسه لا تعريبه؟ وأين عناية الأتراك منا في تشذيب لغتهم الفقيرة من الألفاظ العربية والفارسية؟
وقد أردف بأن ثمة (كثيراً من مثل هذه الألفاظ الني لا يمكن ذكرها هنا) وأنا أرى أيضاً من الأصلح أن لا يذكر سوى إذا كان ما يود ذكره من هذا القبيل.
ثم قال: (إن الدكتور نصري أكثر من ذكر الاصطلاحات الفرنسية إلى جانب الاصطلاحات العربية حباً بالمحافظة على الأصل) كلا يا سيدي، ليس هذا هو السبب، بل السبب هو أن الاصطلاحات العربية محدثة قد لا تكون مألوفة لدى القارئ ورغبة في إزالة الغموض. ثم قال (فوقع في كثير من الأغلاط المطبعية التي لا يمكن تجنبها لجهل عمال المطابع اللغة الفرنسية وقد صحح في الخطأ والصواب كثيراً من هذه الأغلاط المطبعية). إن هذا الكثير الذي صححته في جدول الخطأ والصواب هو لفظ فرنسي واحد وهو وصوابه فمتى كان يطلق على الواحد كثيراً؟
على أني أعترف أنه فاتني تصحيح ب - ب - ولم ألحظها إلا بعد الفراغ من الطبع ولكن أظن أنه لا يستشم من هذا الجهل باللغة لأني معرب ولست بمؤلف وكان النص الأصلي أمامي، فالخطأ مطبعي لا محالة.
أما العبارة التي أوردها حضرته مثلاً للغموض وأشغل بها نصف صفحة من المجلة فلم يستصعبها التلاميذ.
هذا وإن المواضيع الفلسفية جميعها لا تخلو من شائبة الغموض، لا سيما إذا كانت مترجمة، مهما بذل في سبيل توضيحها وصقل عباراتها من الجهود، ولي كلمة في بعض المؤلفات والمعربات الفلسفية من حيث تبادر عباراتها إلى الذهن عفواً أم بشق الأنفس أرجئها إلى مقال آخر.
وبالختام أقدم شكري الجزيل لحضرة الناقد الكريم على تقديره الجهود المبذولة لإخراج هذا الكتاب إلى اللغة العربية ولا سيما على إطرائه الطبع الجيد والورق الحسن.
الدكتور كامل نصري
стр. 566
الثقافة
إن سرورنا برد الدكتور نصري على الانتقاد الذي وجه إلى كتابه (فلسفة مناهج العلوم) لا يقل عن إعجابنا بالجهود التي ذلها لنقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية. ولذلك نشرنا له مقاله كاملاً بحرية النقد، ولنا عليه تعليق نذكره حباً بالحقيقة المجردة فنقول:
١ - يسرنا أن نقول أحد مقرظي الكتاب من الأدباء أنه كتب بلغة عربية معتدلة وتعابير تحلو في الطبع وتستساغ في الأذن، كما يسرنا استشهاد حضرة الدكتور نصري بهذه العبارة للبرهان على أن الكتاب قد عرب تعريباً متقناً، فنحن لا نريد الآن أن نؤاخذ المعرب على لغة الكتاب، بل نترك الحكم في ذلك لعلماء اللغة.
٢ - أما مخالفة المترجم لاصطلاح فلاسفة العرب فلم تظهر فقط في قوله لا علم إلا من العام بدلاً من لا علم إلا بالكليات بل ظهرت أيضاً - وهذا ما طويناه في التقريظ الأول - في قوله دائرة سقيمه (ص - ٧٤) بدلاً من دور فاسد أو باطل في ترجمة وقوله (ص - ٩٥) كان الأقدمون يشترطون في التعريف أن يكون بالجنس القريب والفرق المميز فترجم كلمة بالفرق والعرب تقول في هذا المقام الفصل أي التعريف يكون بالجنس القريب والفصل وترجم (صفحة ١٧٥) بالعينية والعرب تقول الهوية أو الهوهو.
٣ - ولقد عجبنا لإصرار الدكتور نصري على تعريب
بالحس العضلي بدلاً من حس الحركة. لا شك أن حضرته يعرف أن الحس العضلي يقابل باللغة الفرنسية وكيف نترجم هذا التعبير الأخير إذا سرنا على رأي الدكتور نصري؟ أليست ترجمة
بحس الحركة أبعد عن الالتباس وأدل على المعنى وأقرب إلى الأصل؟
٤ - ثم أننا لا نفكر أن الدكتور نصري استعمل كلمة رصد في معرض البحث الفلكي أيضاً، لأن الفلكي يلاحظ حوادث السماء كما يلاحظ الطبيعي حوادث الطبيعة. على أن الأستاذ نصري قد استعمل هذا الفظ في معرض البحث عن العلوم التجريبية عامة كمرادف لكلمة ملاحظة، وهذا ما يدعو إلى الالتباس كقوله: الملاحظة (أي التأمل أو المشاهدة أو الرصد) (صفحة ٦٨) وكقوله: المحاكمة التي تتطلب إدراكا سالماً لمنهاج التجريب هي مجموعة نظريات وملاحظات (رصدات) وتجاريب.
стр. 567
٥ - ونقول في ترجمة أننا لم نعترض على ترجمتها بالحكمة الطبيعية بل اعترضنا على ترجمتها بعلم الحكمة (صفحة ٣٩) ولم نقترح على الدكتور نصري كلمة (فيزياء) إلا لأن حضرته شجعنا على هذا الاقتراح باستعماله ألفاظاً غريبة مثلها كمتافيزيكية وفسلجة وميكانيك وقوزموغرافية وغير ذلك.
٦ - أما قول الدكتور نصري: وأنا أرى معه أيضاً أن من الأصلح أن لا يذكر سوى ذلك إذا كان ما يود ذكره من هذا القبيل فقد دل على تأثره من هذا الانتقاد النزيه الذي وجه إلى كتابه بصورة مجردة، فنحن لم يدر في خلدنا أبداً أن ننقص من قيمة الكتاب ولا أن نحتقر الجهود التي بذلها العرب في نقله، بل غايتنا مجردة ولولا اعتقادنا أن في هذا الانتقاد نفعاً للمترجم وخدمة للحقيقة لما أقدمنا علي، ولو سمح المقام بذكر جميع ملاحظاتنا لفعلنا إلا أن نطاق المجلة لا يسمح بذلك. ونقتصر الآن على تذكير حضرة المترجم أن (صفحة ٩) لا تطابق العقلي بل تطابق الوضعي أو الإثباتي. وإن (ص ١٧٤) لا تترجم بالعقل الفردي بالمذهب العقلي. وقد فسر حضرة المعرب كلمة باسكال المشهورة لو كان أنف كيلو باترا أقصر لكان وجه الأرض كله قد تغير بقوله (ص ١٢١): أي لو كانت أقل عظمة وكبرياء وبديهي أن باسكال لم يقصد ذلك بل أراد الإشارة إلى جمال كيلو باترا وتأثيره في انطونيوس ولولا العلاقة الغرامية التي بينهما لما تعاقبت حوادث التاريخ على هذا الشكل.
فالحوادث التافهة تؤثر في مجرى التاريخ.
نحن لا نلوم الدكتور نصري على التصرف في التعريب لإيضاح الأفكار وجعلها قريبة من مستوى التلاميذ ولكن قد يكون التأليف في وضع الكتب المدرسية خيراً من التعريب، لأن الكتب المدرسية لا تحتوي في الغالب على إبداع بل تمتاز بعضها على بعض بأسلوبها وطريقتها.
نعم إن الترجمة خير طريقة يمكن إتباعها في آثار الفلاسفة العظام كديكارت وكنت وشوبنهاور وبرغسون ولكن تأليف الكتب المدرسية خير من ترجمتها لأن لكل بلاد روحاً خاصة وحاجات مختلفة، ولو قابل الدكتور نصري هذا الكتاب الذي عربه بغيره من الكتب التي وضعت للبرنامج الفرنسي لما وجد بينهما اختلافاً في المادة والإبداع ونعتقد أنه كان بوسع الأستاذ نصري أن يجمع هذه المواد ويرتبها كما جمعها الأستاذ شاللاي نفسه.
стр. 568
ونحن لم نلم حضرة الدكتور نصري على ابتعاده عن الأصل وإتيانه بمثال حسي ذكر فيه نصب ساحة الشهداء بدمشق إلا لقوله في المقدمة إنه عني بتعريب الكتاب تعريباً أمنياً صادقاً، فنحن نفضل التأليف على التعريب ونفضل التصرف في تعريب الكتب المدرسية على تعريبها حرفياً لأن التصرف في عبارتها يسمح للمترجم بجعلها موافقة لأذهان التلاميذ. ومن العجب أن يعرف الدكتور نصري هذا الكتاب تعريباً أمنياً صادقاً ولا يذكر اسم المؤلف على الغلاف.
ومهما يكن من أمر فإن عدم وجود اسم المؤلف على الغلاف لا يضيع قيمة الكتاب ولا يسعنا إلا شكر الدكتور نصري على إتحافه اللغة العربية بمثل هذه الكتب التي نحن بحاجة إليها.
стр. 569
أخبار العلم والأدب
ذباب سبب العمى
جاء في بيان إذاعته وزارة الصحة في ماكسيكا في الشهر الماضي أن لدغات ذباب صغير أحمر سببي العمى لخمسة وأربعين ألفاً من الهنود في مقاطعة شياباس ولخمسة آلاف شخص في اوكساكا وأعراض هذه اللدغة تبتدئ بظهور ورم في رأس الملدوغ ثم يتفشى هذا الورم حتى يتصل بالعينين فيذهب ببصرهما. ومن جملة مظاهر هذا التسمم إن المصاب به يعمى في النهار أما في الليل فيبصر قليلاً وقد بدأت المكافحة في اوكساكا لإبادة هذا الذباب واستئصال بويضاته.
ماء الثقيل
لقد كان يظن حتى نهاية الشهر إنه لا يوجد غير نوع واحد من الماء الذي يتألف كما يؤيد ذلك التحليل، من عناصر ثابتة وخواص معينة لا تتغير وفي الحقيقة إن التحليل الكيماوي كان يؤيد إن الماء يتألف دائماً من كميتين: من مولد الماء هيدروجين ومن كمية واحدة من مولد الحموضة (أوكسجين) وإن هذه المقادير تبقى دائماً ثابتة النسبة وينتج عن ذلك أن طبيعة الماء تبقى أيضاً ثابتة لا تتغير، على أنهم قد اكتشفوا في هذه الأسابيع الأخيرة ماءً جديداً سموه الماء الثقيل يختلف بطبيعته وبماهيته عن الماء القديم وهذا الماء وإن تكن النسبة فيه ما برحت ثابتة لمنه يختلف عن الأول اختلافاً بيناً من وجهة خواصه الحكيمة والكيماوية ولقد أفردت مجموعة (له موا) الشهرية لتحليل هذا الماء الجديد فصلاً خاصاً شرحت فيه تلك الخواص وأنهت هذا التحليل بذكر الحقيقة المعروفة التي مآلها أن كل القوانين العلمية الحاضرة ما هي إلا فرضيات موقتة تقوم مقام ما سيظهر في كل يوم من قوانين علمية جديدة.
النجوم الهاوية
وقع ليل اليوم التاسع من الشهر الماضي تشرين الثاني في سماء أوروبا الغربية اضطراب عظيم في النجوم فكانت جميعها تتساقط هاوية كالأمطار وبدأ هذا التساقط في الساعة ١٨، ٣٠ ولم ينته حتى الساعة ٢٢ فأحدث رعباً عظيماً في كثير من بلاد البرتغال والتجأ أكثر السكان في الضواحي إلى الكنائس والمعابد مذعورين مدهوشي اللب، ولهذا الحادث الفلكي
стр. 570
ارتباط شديد بسير الكوكب الضال جاكوبيز الذي يتمم دورته في ست سنين وثلاثة أرباع السنة. ولقد مثل هذا التساقط في النجوم في اليوم التاسع من هذا الشهر نفسه في سنة ١٩٢٦ على أن الكوكب الضال لا يبعد عن الأرض في هذه السنة إلا ١. ٦ مليون من الكيلو مترات مما يوضح السبب في شدة التساقط وتزايد عدد الهاوي من النجوم. وفي نهاية كل سبعة أو ستة أعوام كلما اقترب الكوكب الضال في سيره منا فالأرض بالذرات المنتشرة فوق محيط هذا الكوكب وهذه الذرات التي تؤلف كتلا أما أن تضيء وتشع من جراء احتكاك ذرات الهواء بتقارب الكوكبين السائرين، أي الأرض والكوكب الضال، أو أنها تلهب الغازات التي تحملها طبقة الهواء المحيطة بالأرض فيرى سكانها تلك الشهب الهاوية في الفضاء.
تبدل الإقليم
تؤيد الدروس والتتبعات الجديدة التي قام بها في هذه السنة العالم الفلكي الياباني جانبو على جبال هاكودا إنه قد وقع تبدل جديد في النباتات اليابانية وكذلك في إقليم بلاد اليابان وفي طبيعة هواءها وهذا التبدل يتفق مع ما تحقق أخيراً وقوعه من تبدل الإقليم في أوربا وفي أمريكا الشمالية وينتج من هذا التحول ولا انقلاب أن فصلاً بارداً رطباً يعقب الآن على وجه الأرض فصلاً حاراً يابساً انقضى منذ ثلاثة أو أربعة عام.
стр. 571
العدد ٨ - بتاريخ: ٣١ - ١ - ١٩٣٤
стр. 572
الحركة الفلسفية المعاصرة
في
مصر والشام
للأستاذ المستشرق جان لوسرف
تعريب عز الدين التنوخي
تدل المطبوعات الحديثة على ولع أدباء العرب وجمهورهم بالمسائل الفلسفية. وليس تجدد هذا الافتتان بالفلسفة إلا نتيجة طبيعية للولع بالتعلم، ولجماع حركة الفكر المؤيد للعلوم الحديثة التي ظهر في طليعتها الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، إذ لم يستطيع أحد مثله أن يبين بجميع أنواع البراهين السديدة تلك الضرورة والحاجة الشديدة إلى توسيع نطاق التعليم الشرعي واقتباس الأساليب الغربية، وذلك بفتحه الباب على مصراعيه لجميع العلوم والعادات والآراء والعادات والآراء الأوروبية. ودخول الآراء الحديثة يقتضي بالطبع إثارة اضطرابات نفسية، وإحداث انعكاسات شديدة من قبل العواطف والإحساسات الشرقية، وليس من العدل أن يؤاخذ الشيخ محمد عبده على قلة تبصره في نهجه هذا، إذ له الفضل الكبير بإدراكه لقوة تيار الآراء الحديثة، وانتباهه لوجوب رد فعل هذا التيار على الأجانب، فإن التقرير الذي أرسله للحكومة التركية باحثاً عن التعليم العام في سورية لا يدع أدنى ريبة في فكرة تنظيم التعليم ومحاربة الأجانب بأسلحتهم لأجل مقاومة المكاتب المسيحية فرنسة أو ألمانية أو انكليزية، وهي وطنية بالاسم أجنبية بالحقيقة والأستاذ يقترح إنشاء مدارس للحكومة في درجة لا تنقص عن مكاتب الأجانب في شيء٠٠ وأن يكون أساسها إحياء الدين وحب الدولة. ويرى في تهذيب الشعب الرجوع إلى إدراك مدنية مبتكرة يجتمع فيها الإسلام بمجد الماضي القومي بوازنة حكيمة أي المحافظة على أساس القرون الوسطى مع الروح الحديثة، ولذلك كان الوجدان القومي الذي أراد أن يوقظه مهدداً بنفس الوسائل التي تتخذ لتكوينه والنهضة العربية تؤدي حتماً إلى إثارة جميع القضايا التاريخية والفلسفية.
ومع ذلك فقد كانت الحاجة إلى التعليم تظهر بوضوح واحد لجميع كتاب هذا الجيل بدافع من عواطف مركبة ومتضادة. أنهم بادئ الرأي يشعرون جداً بضعف الشرقيين الحاضر في
стр. 573
معترك تنازع البقاء، وبياناً لذلك ننقل عبارة أديب إسحاق في مقالته ما هو الشرق؟ قال ما نصبه: على أن الأوروبيين وأن اختلفت آراؤهم في تعريف الشرق وتحديده، فقد اتفقوا على الاعتقاد بانحطاط الشرقيين عنهم في رتبة الوجود وتآلفوا على السعي في إذلال شأنهم وخفض مكانهم كما يدل على ذلك ما نسمع من أقوال خطبائهم، وما نقرأ من تصانيف علمائهم، وما نشهد من أعمال زعمائهم، فهم والحالة هذه عصبة على الشرقي من أي محتد وعلى أي مشرب كان، يصرفون عنايتهم إلى استخدامه واستبعاده ومحو استقلاله وفتح بلاده، فإذا اختلفوا فعلى تقسيم الغنيمة بين الفاتحين لا على وجوب الغارة (التمدينية) على القوم المتوحشين.
إن هذا الانفعال يستلزم كنتيجة منطقية طلب العدل والكرامة والاستقلال والمساواة التي لا تتحقق إلا برفع المستوى الاجتماعي وترقية التربية والتعليم، فتقليد الأجانب هو على ذلك الوسيلة للصعود من وهدة الانحطاط، ويستنتج أديب إسحاق قائلاً: ولا يكون الاستقلال جديراً بالصيانة إلا أن يكون مقترناً بالحرية، ولا حرية إلا بالحق المعين ولا حد للحقوق إلا بالعلم، ولا علم إلا بالحقائق، ولا حقيقة إلا بالبحث المطلق، ولا أطلاق للمقيدين بسلاسل الأوهام.
إن الشعور بالحاجة إلى العلوم الأجنبية هو شعور مبهم بين كتاب العرب، ومن هذه العلوم ما يحذر الأستاذ الإمام سوء تأثيره، وهي في نظر أديب إسحاق شرط للحرية، ولم يكتب شيء على الأنظمة الموروثة والتربية الشرقية أقسى مما كتبه الكواكبي على الاستبداد بقوله:
إن المستبد لا يخشى شيئاً من علوم اللغة التي لا بطولة وراءها ولا بلاغة ولا يخاف من علوم الدين التي لا تثير في طلابها حب الاستطلاع، وإنما هو يخشى غائلة علوم الحياة الحقيقة، ومعرفة الطبيعة والفلسفة والسياسة والتاريخ٠٠
وهكذا نرى أن إجماع الكلمة على الترقي العقلي كان يبطن اختلافاً شديداً في الآراء منذ بدء النهضة. أعني أن عمل التهذيب الشعبي الذي بدئ به في خاتمة القرن التاسع عشر كان يشعر بحركة الأفكار الحاضرة ويشتمل على بذور اختلافها.
ويظهر هذا الاختلاف على الأخص بالتباين في الأقوال والأفعال. فإن أقوال الكتاب لا
стр. 574
تزال تعبر بعبارات مختلفة عن استيائها من عدم الأخذ بالأفكار الحديثة وأما الأفعال فإنها تبدي للملاحظ من الخارج مشهد سلسلة من الغفلات. إن المنطق بعيد عنها لأنها محسوسة، لذلك نرى أن حسن حسين هيكل يعتقد أن تعريب نظريات هيكل (الفيلسوف الألماني) في التكامل مفيد، ويعين بنفسه على نشرها وقد افتتح كتابه المعرب بمقدمة، تشعر فيها برد أديب يدل على إنكاره لآرائه، ولكن ذلك لم يمنعه من الاعتقاد أن نظرية النشوء والارتقاء قد أشير إليها في مقدمة ابن خلدون، فله إذن شرف الانتباه إليها، أو الملامة عليها؟ ومن البين أن المؤلف لم يستطع أن يطرح هذا السؤال الأخير، ولا أن ينتهي به الشعور الجلي، فقد أصبح غامضاً بالاشتباه الحاصل في القيم الأجنبية. إن الجهد المبذول لتوحيد القديم والحديث ينتهي إلى انعكاسين متباينين قد يعبر عنهما بعبارتين متضادتين: أولاً رأي حديث أجنبي متهم، ثانياُ وقال به مع ذلك القدماء.
وكثيراً ما يظهر هذا التضاد المشهود عند اقتباس العادات الأجنبية فمسألة الاقتباس هي كذلك كثيرة التعقيد كمسألة الحجاب. فإنه لا يزال في الشرق يثير النضال بين أنصار القديم والحاضر، واستشهد على ذلك بمحاضرة الشيخ عبد القادر المغربي التي ألقاها في جمعية تهذيب الشبيبة السورية ببيروت عام ١٩٢٨، وعنوانها محمد والمرأة ذكر فيها أنه بينما كان النبي (ص) يعامل النساء معاملة حرية ومساواة، كان مجمع (ماقون) بالاتفاق العجيب يبحث عما إن كانت المرأة إنساناً من البشر؟ وفيما فسر به الحجاب إبهام، يجعله حاجباًً للمرأة عن الابتذال. وأنه عادة الملوك والملكات والعظماء. ولا يزال الحجاب شأنهم إلى هذه الأيام، وإن التأثير الشعبي هو الذي ألجأ النبي إلى حجب النساء وهو المظهر الارستقراطي الوحيد الذي ظهر به النبي بتأثير مقتضيات الأحوال.
وماذا يستنتج من ذلك؟ أن الكل قديم: حرية المرأة، ومساواتها بالرجل (بل امتيازها عليه) وحتى السفور فإنه قديم، إذن فليست العوائد مقتبسة وإنما هي متأصلة في الأمة.
ونذكر المثال الآتي لبيان حكم المشارقة على مدنياتنا، وهو مقتبس من البيانات المنشورة في مجلة الهلال عام ١٩٢٨. من الدكتور عبد الحق الأستاذ في جامعة حيدر آباد الدكن الهندية في طريقة إلى مؤتمر المستشرقين باكسفور ذاهباً إليه ليمثل جامعته العثمانية الموسوعة باسم حاكم الولاية نظام عثمان عي خان قال ما تعريبه: إن مواطنيّ لا يزالون
стр. 575
ينظرون شزراً إلى تركية هذه الأيام. إن الرابطة الوحيدة التي كانت تربطنا بالأتراك عي الإسلام، وقد قطعوه اليوم. إن الرابطة الشرقية ليست في درجة واحدة من الخطورة في نظر الهنود، ولو اهتموا بها لكان أحرى بهم أن يرتبطوا باليابان والصين. كان الهنود فيما سبق يحترمون الأتراك ويحبونهم مسلمين، أما اليوم فأنهم يشعرون لهم بالخصومة التي يشعرون بها للغربيين. نحن لا نأبى أن يتمدن الأتراك، ولا أن يقتبسوا عناصر المدنية الغربية، ولكننا نفضل لهم أن يحافظوا على الطابع الشرقي، وعلى أخلاقهم وعاداتهم القيمة أه -. إن مثال الأتراك هذا يؤخذ منه درس أخلاقي وفلسفي واضح في ظاهرة كل الوضوح: ما هو الفرق بين المدينة الشرقية والغربية؟ إن مدنية الغرب مادية، والمدنية الشرقية روحية إن نص كلام الدكتور عبد الحق لا يبين أسلوباً جديداً في سلوك الأمة ولا يعطينا بأنه بنفسه لا ينهج نهج الأتراك. . .
وأود أن لا يرى القارئ في هذه الأمثلة نقداً للفكر الشرقي. إنا نعيد قولنا أن انكليزياً أو فرنسي أو غيرهما أحدهما بالارتياب عينه في كثير من هذه الظروف والأحوال، بيد أن التحولات السياسية والاجتماعية في الشرق تجعل الارتياب عملاً عاماً وظاهراً. إن خشونة الاتصال بالأجانب، وقوة الذكريات تجعل في الأفكار والمطالب نوعاً من التوتر والعناد الظاهر. إن شخصية الشرقي، بمقدار إيجابها الاستمرار مع الماضي، تدخل في نزاع مع آمالها الذاتية، وينتهي هذا النزاع بصور شتى، فتارة تبقى الرغبات المعاكسة، وطوراً تتموضع المعاكسة على بعض المسائل فيتكاثف الغموض من حولها. حيناً آخر تصيب الفكرة الوحدة والطمأنينة ولكن متباعدة عن العمل والحقيقة. هذه هي أشكال الارتباك الذي تمتاز به على ما يظهر عقلية البلاد السريعة في تقدمها وترقيها. وقد بقي علينا أن نبين المخرج. والحاصل إن حال المشكل يتوزع على نزعتين متطرفتين: إحداهما عصرية لا تترد في أن نصار الثقافة الأوروبية. والثانية محافظة تعتقد بوجوب الاستقاء من ينابيع التقليد الوطني، ونحن الآن لتحليل كل من هاتين النزعتين، ولكن هذه الرسالة لا يتسع صدرها للتفصيل وسنورد في العدد الآتي بعض الأمثلة على ذلك.
جان لوسرف
стр. 576
ارنست رنان
للدكتور أنور حاتم
كتب عن أرنست رنان واضع تاريخ الشعب الإسرائيلي أكثر من ثلاث مائة كتاب ومقالة صدرت عن حياته وتآليفه في المجلات المنتشرة في جميع أنحاء العالم وقد عد في أواخر القرن الماضي نبياً بل إلهاً جديداً ليهدي الشرق والغرب إلى دين جديد. غير أن الذين آمنوا برسالته قليلون ولا يزال عددهم في تناقض حتى أيامنا هذه حتى ارنست بسيكاري وهدم مبادئ الوحي الذي جاء به فلم يتحقق من نبوته إلا قوله في كتاب العلم:
سوف لا يقرأني المستقبل، إنني أعرف ذلك وابتهج فرحاً، ليهنأ المستقبل
لقد خبا نور رنان العالم والمستشرق وأثبتت الأيام باطل أبحاثه فلم يبق منه في عصرنا إلا نثره الساحر وأسلوبه البديع. نعم أنه حاول أن يقلع من القلب البشري تلك العواطف السامية التي ترفع الإنسان إلى العلي وتجرده من طبيعته الضعيفة، ولكنه قد فشل في ذلك فشلاً عظيماً. فرنان أشبه بايكار ابن الذي تكلم عنه الشاعر اللاتيني اوثين في كتاب الاستحالات - فقد أراد ايدال أن يرتفع إلى السماء بجناحين اصطناعيين فحلق في الجو وطاول السحاب ولما تقرب من الشمس أحرقت الشمس جناحيه فسقط إلى الأرض ومات.
ولد رنان في قرية من أعمال بريطانيا الصغرى. .
стр. 577
أنشودة محمد
للشاعر غوته
نقلها إلى العربية الدكتور منير العجلاني
انظروا إلى نبع الجبل، العذب الرقراق، كيف يولد من بين الصخور، كشعاع من النجم يسري في غيوم متكاثفات، تسهر عليه ملائك مكرمون،.
وكيف يقفز من الفضاء، في خفة ورشاقة، إلى كتل المرمر، ثم يثب جذلان نحو السماء.
وكيف يتغلغل في الطرائق الوعرة، فيطرد منها آلاف الحصى ويجر وراءه أخواناً من الينابيع!
هناك في الوادي، تتفتح الأزهار تحت قدميه، ويعيش المرج من أنفاسه، ولكن لا الوادي الظليل، ولا الأزاهير تلتف حول ساقيه وتداعبه بنظراتها اللطاف، تستطيع أن تستوقفه. . . فهو ماضٍ، ماضٍ في رحلته العجلى نحو السهل.
تتراكض الأنهار نحوه، ويدخل السهل متلألئاً فضياً. . . فيزدهي السهل به، وتقول له غدران السهل وأنهار الجبل، وهي ترقص من فرح:
يا أخانا، خذ أشقاءك معك، خذهم إلى أبيك، المحيط الخالد، الذي ينتظرنا، مفتوح الذراعين!
ولكن، واأسفا، إن ذراعيه تتفتحان عبثاً، لتلفا إلى صدره أولاده الذين يتألمون، ففي هذه الصحراء المحرقة، يتلفنا الرمل اللاذع، وتروي الشمس ظمأها من دمنا، ثم توقف مجرانا رابية ما، وتحيلنا مستنقعنا راكداً
يا أخانا،
خذ غدران السهل،
خذ أنهار الجبل،
خذهم إلى أبيك!
- تعالوا جميعاً!
هو ذا النبع يتسع ويكبر، في عظمة وجلال، ويحمل إلى العروش أمة بأسرها!
يعطي البلاد، في رحلته الظافرة، أسماء، وتولد المدائن تحت قدميه، ولكنه، مع هذا، لا يتوانى في سيره ولا يقف قط،
стр. 578
ويترك خلفه، دائماً، مناور مضيئات، ومنازل من المرمر: صنع عبقريته الخصوب!
يحمل الأطلس على كتفيه الجبارتين قصوراً من الأرز، وتخفق ألف راية على رأسه، في الفضاء، شاهدات على عظمته،.
ويحمل، هو. أخوانه وأولاده وكنوزه، يحملها على قلبه، (وهو يهدر جذلان، إلى الخالق الذي ينتظره!. . . ٠).
стр. 579
المسرح والمقصف
بقلم الدكتور كاظم الداغستاني
١ - المسرح
كتبت هذا المقال منذ عشر سنوات، فوصفت فيه
المسرح القديم في دمشق المسمى (تياترو) وقد اتبعته في هذا
الجزء من الثقافة بصورة المقصف الجديد في دمشق المسمى (بار).
ولعل بين الصورتين القديمة والجديدة من الفوارق ما يدعو لاهتمام
المولعين بهذا النوع من وصف الواقع.
سأحدثك عن المسرح وعن الغناء والرقص وتمثيل أدوار الحب فيه، وأريد بكلمة المسرح ذلك المسرح المعروف في دمشق وأكثر مدن سورية الذي تستطيع مئات السنين أن تغير من أوضاعه القديمة شيئاً مذكوراً، ولعلني أكفيك في حديثي هذا، مؤونة ليال كثيرة تصرفها في مثل هذه الأماكن إذا أردت أن تقف على ما أريد أن أطلعك عليه من شؤونها.
تغني الناس على الغالب، في هذا المسرح: امرأة يدعونها رئيسة الجوقة، يرافقها ثلاث نساء أو أربع يجلسن إلى جانبها بترتيب يجري على ما يقدره لهن صاحب المسرح من جمال أو براعة في الرقص والغناء، ويجلس إلى جانبها الآخر، جوقة موسيقية من الرجال تعينها في غنائها وتوقع الراقصات حينما ينتهي دور الغناء فيقمن للرقص الواحدة تلو الأخرى ويجلس المتفرجون من مختلف الطبقات أمام المسرح جماعات وأفراداً لا ترتيب في صفوفهم ولا انتظام في مواقع جلوسهم. ويأوي البعض منهم في المسارح القائمة في غير الحدائق،
إلى مقاصير (ألواح) خاصة تشرف على المسرح، وكثيراً ما يختار العشاق هذه (الألواح) لجلوسهم لأنها أوقع في نفوس نساء المسرح وأحكم في لفت أنظارهن، ويحظر على نساء المسرح حظراً شديداً في دمشق أن يجلسن إلى الرجال من (المتفرجين) أو يحدثنهم، وكثيراً ما تشدد دائرة الأمن في هذا الحظر، حتى أنها تعاقب المرأة التي تجرؤ وهي صاعدة إلى المسرح أو نازلة منه على محادثة أحد المتفرجين، أو الوقوف معه ولو قليلاً، بأن تمنعها عن عملها أياماً تحرم فيها من أجرها، ولكنها لا تمنعها مهما اشتد أمر المنع، أن تبعث
стр. 580
بنظراتها وهي جالسة أو راقصة في المسرح إلى من تشاء وأن تبتسم وتومئ إلى من تريد وأن تتقبل زجاجات الشمبانيا التي يبعث بها إليها عشاقها، وأن ترفع كأسها فتشرب نخب من قدم هذه الهدية إليها. ويصعب أو يتعذر على العشاق محادثة هؤلاء النسوة، وقد تزيدهم هذه الصعوبة غراماً فيعانونها برغبة ولذة.
ويغلب على المرأة التي تغني في مثل هذه المسارح أن لا يكون لها من الجمال والصوت والبراعة في الرقص ما يجعلها تستغني عن أن تمثل لعشاقها أدوار حبها وهيامها بهم، فهي تمثل دائماً وأبداً وتحوجها الإجادة في هذا التمثيل إلى استعداد فطري قد ينشأ معها وتمرين تعاوده أياماً طويلة وقد تجيد هذا النوع من التمثيل الإجادة كلها، ولكنها قد لا تنجح فيما تقصده من تمثيلها، لأنها تحتاج في هذا النجاح زيادة عن الإجادة في التمثيل، لأشياء كثيرة صعبة المراس، فهي لا تكتفي بما تحتاجه الممثلة لكي تجيد التمثيل، من الذهول عن نفسها وتناسيها ذاتها ليتسنى لها أن تتقمص الشخصية الجديدة التي يتطلبها الموقف بل يحوجها الأمر لأن تمثل لكل من عشاقها الدور الذي يلائم طبعه، وأن ننتخب لكل واحد منهم الموقف الذي يتفق مع مزاجه، وكثيراً ما يقضي غليها الأمر أن تختار من الأدوار ما تخلق أوضاعه خلقاً وترتجل فصوله ارتجالاً دون أن تكون قد فكرت فيه أو استعدت له من قبل. وكثيراً ما تحتاج أيضاً لأن تمثل من الأدوار ما يناقض بعضه بعضاً فتمثل الفرح لأحدهم وتشخص الحزن لرفيقه في آن واحد وتعاني في التوفيق بين هذا التناقض ما لا يمكنك أن تعرف شأنه ودقة الصنعة فيه إلا إذا رأيت تلك الأمارات المرسومة على محياها في موقفها هذا وهي تدل على إجهادها النفس وقسرها على ما ربما كان فوق طاقتها، وإنك إذا أطلعت على ما بين أمزجة عشاق هذه المرأة من التباين وما في مشاربهم من التفاوت وعرفت أنهم جميعهم، يحتشدون أمامها في ساحة واحدة، وإنها مضطرة لأن تقنع كلاً منهم بأنها عالقة به وحده وإنه لا مهرب لها من أن تهتم خلال ذلك في الغناء الذي تغنيه ما الرقصة التي ترقصها وتحافظ على مقاييس الأنغام لترضي بقية المتفرجين من غير العشاق أيقنت من عظيم الجهد الذي تبذله هذه المرأة وشدة الذكاء والمقدرة التي تحتاج إليهما فيما تعانيه من عملها الشاق، وأجدني متشوقاً لكي أؤيد لك ذلك، إلى أن أصف لك موقفها من عشاقها وموقفهم منها، وأذكر لك بإيجاز بعض ما يبدو للناقد وهو يراقب (المتفرجين) في هذا
стр. 581
المسرح فأطلعك على ما يمثل هنالك من أدوار قد يشترك في بعض فصولها أفراد الجوقة وصاحب المسرح وخدامه وكثير من العشاق والحاضرين أيضاً.
فهنالك بين الجالسين أمام المسرح، ثلاثة رفاق لعلهم من أبناء وجهاء المدينة، جلسوا حول منضدة صفت عليها أقداح العرق وأطباق الفاكهة، وإذا عن لك أن تراقبهم علمت أن الأول من بينهم هو العاشق المتظاهر بحبه، وإذا أطلت نظرك إليه علمت أنه يعتقد بل يجزم بينه وبين نفسه بأنه الرجل الوحيد الذي اختصته هذه المرأة بحبها من دون الناس جميعاً، فهو لا يبرح يتعهد تصفيف شعره ويتفقد منديله الحريري المتدلي على صدره، ويرفع كأسه بين آونة وأخرى عندما تمر بنظرها عليه، فيشرب نخبها وتشرب نخبه من زجاجة الشمبانيا التي بها إليها. وتفهم من نظرات الرفيق الثاني إلى هذه المرأة وإغضائه عنها كلما التفت إلى رفيقه أنه لا يريد أن يقف من رفيقه موقف الخصومة في الحب فتجده يغتنم الفرص كلما سنحت ويبعث إليها بنظرة وابتسامة يحاول أن يمثل لها بهما حال العاشق المتألم الذي لا يبيح له الموقف أن يظهر ما تكنه جوانحه من بوارح الحب. وتنظر إليها فتجدها قد فقهت ما يريد أن يفهمها إياه، فرفعت كأسها وشربت نخب رفيقه متبسمة، ثم حولت نظرها إليه من طرف خفي، كأنها تشير إليه أن بين جوانحها أيضاً من آلام شغفها به أضعاف ما به لكنها لا تريد أن يطلع على تحاببهما هذا رفيقه الذي بذل لها من هداياه وشرابه الشيء الكثير.
وترسل طرفك إلى الرفيق الثالث، فتراه وقد جلس جلسة الر جل الرصين المتظاهر بأنه أعرف بهذه الأمور وأعلم بحقيقة الطريق التي يجب أن يسلكها الرجل ليصل منها إلى قلب المرأة التي يحنها، وتجد \ ها وهي تمر بنظرها عليه قد علمت ما يريد أن يفهمها من أمره فتحاول أن تفهمه، يما تخلقه في محياها من علائم الإعجاب بأوضاعه أنه لا يعجبها من الرجل إلا رجاحة عقله ورصانته في مجلسه فلا يلبث أن يبتسم بينه وبين نفسه ابتسامة العاشق المنتصر على عذاله.
ويضحك رجل جلس وحيداً وراء هؤلاء الرفاق الثلاثة ينظر إلى تلك المرأة بشغف ويسرع إلى رفع كأسه عندما يرى أحدهم قد رفع كأسه ليشرب نخبها فيشرب معه ومعها ويكتفي أن يسلك بغرامه هذا الطريق الخيالي الذي لا يكلفه شيئاً من المال. وتنظر إليها حينئذ فتجدها
стр. 582
تسعى جهدها لتبعث إليه برشاش من تلك الابتسامة التي وجهتها إلى غيره، وتعرف من أثار الغبطة الظاهرة على شفتيه أنه سعيد بما ناله يخيل إليه أن هذا الرشاش الذي أصابه هو بحر من الحب قد غمرته أمواجه.
ويحزنك رجل من أرياف المدينة جلس غير بعيد من هؤلاء، تجده ينظر إلى هذه المرأة نظرة العشق الآمل، ويرفع كأسه كلما رآها ترفع كأسها فيشرب نخبها، وتراها لا تنظر إليه أبداً ولا تبتسم له قط، وإنك إذا شئت أن تبحث عن أمره تعلم أن خادم المسرح قد خدعه كما اعتاد أن يخدع الكثيرين من أمثاله في كل ليلة فأوهمه أن المرأة وهو يعلم من أمر شغفه بها ما يعلم، بعثت تطلب منه زجاجة من الشمبانيا، فأجاب طلبها، وإن شئت فقل طلب الخادم الذي تقاضى ثمن الزجاجة من عشاق كثيرين أيضاً ورأى هذا الرجل أن المرأة لا تنظر إليه ولا تشرب نخبه فخيل إليه أنها لا تريد أن تتظاهر بحبها له أمام عشاقها بعد أن اصطفته لنفسها من دونهم جميعاً، فطار في جو خياله سعيداً هانئاً. ونقد الخادم ثمن الزجاجة الموهومة التي لم تعلم هذه المرأة من أمرها شيئاً.
وهنالك شابان متأنقان في ملبسهما، يظهر لك من أوضاعهما وشدة اهتمام خدام المسرح بهما أنهما من أبناء الأغنياء وموظفي دواوين الحكومة وتفهم من نظراتهما لنساء المسرح ومغازلة هؤلاء لهما أن الأول مولع برئيسة الجوقة يتظاهر لها بحبه وإن الثاني عاشق للمرأة التي تجلس بجانب الرئيسة، وتعلم من أمر الثاني هذا الثاني أنه غير قانع بحبه لهذه المرأة وحدها فهو يود لما يراه بنفسه من القدرة على معاناة هذه الأمور أن يظهر للرئيسة هيامه بها أيضاً فتجده يخالس رفيقه النظرات العميقة إليها مبتسماً. ثم ينقطه عن التبسم متصنعاً الإطراق والتفكير ليمثل دور المتردد في أي الحبين يختار. وتراه كأنما يريد أن يثبت للرئيسة أنه أرجح عقلاً من صاحبه وأعرف منه بشؤون المجالس، فينصرف إليه متكلفاً الإخلاص له وينبهه - بإشارات تفهمها الرئيسة - إلى أنه مخطئ في جلسته التي يجلسها، أو مخل بما يجب أن يراعي في مثل هذا الموقف، وينتبه رفيقه إلى ما يرمي إليه من نصحه فيكاتمه ما عرفه من أمره، وتلحظ جارة الرئيسة الدور الذي يريد أن يمثله عاشقها ليؤيد صلاته مع جارتها فتبتسم لرفيقه، وتومئ إليه أن ينتقم لنفسه من صاحبه فيغازلها هو أيضاً، فينصرف بنظره عنها كأنما يريد أن يفهمها أنه يأبى أن يكون متقلباً
стр. 583
كرفيقه، وتفقه الرئيسة ما دار بينهما من الحوار الصامت فتطرق مفكرة وقد انتشرت على وجهها غبرة من إجهاد النفس في سبيل الاهتداء إلى الدور الذي يجب أن تمثله بهذا الموقف لتنتصر على جارتها وتستأثر بالاثنين معاً. ويرى ضارب العود الجالس إلى جانبها إطراقها وذهولها وهو يعشقها ويتوهم أنها مولعة به، فتحدوه الغيرة لأن يظن أن مبعث إطراقها وتفكيرها هو شغفها بأحد عشاقها، فتنم أسارير وجهه على ما يخامر فؤاده من القلق، وينظر إليها نظرة التذكير بالحب، فتميل نحوه ميلة تتفق مع توقيع الأغنية التي تغنيها بتدريبه ومساعدته، وتتكلف الابتسامة له تكلفاً يظهر لك من خلاله أمر ما تعانيه في هذا الموقف من عمل شاق تكاد أن ترتبك فيه.
وهنالك أربعة شبان لعلهم من طلاب المدارس العليا جلسوا قريباً من المسرح تفهم من مغازلة الرئيسة لهم أنها لا تأمل من وراء ما يظهرونه لها من الحب نفعاً كبيراً فتجدها تبتسم إليهم جميعاً ابتسامة واحدة تقسمها بينهم تقسيماً يدهشك ما فيه من مهارة في الصنعة وكثيراً ما تراها تبعث إليهم بهذه الابتسامة مشاعة فيتقاسمونها بينهم قسمة رضائية أو يختلفون عليها فيعتقد كل منهم أنها له وحده فيصفق لها ويحيها.
ويسترعي اهتمامك رجل علت وجهه مسحة من طيب السريرة، جلس بين جمع من رفاقه وهو يميل إلى هذه المرأة لكنه يود أن يسلك في التعرف إليها طريقاً قليلة النفقة فيبعث إليها مع خادم المسرح بعلبة صغيرة من (الملبس) دون أن ينقد الخادم أجراً مقدماً على عمله، ويسرع أحد رفاقه، خفية عنه، فيرشوا الخادم ويومئ إليه أن يفهم المرأة أنه هو الذي أهدى هذه العلبة إليها، وتجد الرجل لا يكاد يرى المرأة وقد بدأت تلتفت إلى صاحبه متبسمة وتهتم به من دونه حتى تبدو على محياه علائم الاضطراب والغضب فيردد طرفه بين المرأة وبين صاحبه مستغرباً الأمر مرتاباً فيما وقع، ويستوضحها الأمر بنظراته وإشاراته فتحدق نظرها فيه وتجهد نفسها لتعلم ما يريده منها فلا توفق إلى ذلك.
وهنالك رجل من ذوي النفوذ والسلطة جلس بعيداً عن المسرح وهو ولوع بهذه المرأة فتراه ينظر إليها مقطباً حاجبيه كأنما يريد أن يذكرها بماله من السلطة عليها وتجدها قد رزنت في مجلسها عند مجيئه واهتمت كثيراً بأن تظهر له أن ليس بين عشاقها من يشغلها عن الاهتمام به، وترى صاحب المسرح قد خف للقياه مرحباً به غير ناس أن يشير إلى المرأة
стр. 584
من طرف خفي ليذكرها أيضاً بما يجب أن تمنح من التفاتها لهذا القادم إليه بأنها عارفة بما يجب عليها.
ويدخل القاعة شاب تعرف من مظهره وخيلائه كثرة ندمائه المحتاطين به أنه من كبار أغنياء المدينة، وترى هذه المرآة تنظر إليه باهتمام بعد أن رأته يطيل نظره إليها، فتلفتت إلى جارها ضارب العود فتسأله عن هذا القادم الجديد، وتراها تريد أن تفهم هذا الشاب أنها تسأل عنه لتظهر له أنها بدأت أن تكون شديدة الاهتمام به مذ رأته، وتجده حينئذٍ وقد أغواه ما أكتشفه من أمر سؤلها عنه قد أزداد تيها وعجباً، وتشعر هي بنجاحها في دورها الأول فتستعد لتمثيل الدور الثاني الذي اعتادت أن تستغوي به أمثاله لولا أن يزعجها حينئذٍ رجل من طبقة العوام جلس قريباً من المسرح، أطربه ما تغنيه فرماها بتفاحة كبيرة أصابت يدها ووقعت في حضنها. وتقدم الشرطي ليقبض عليه، فاحتاط به رفاقه يمانعون في أخراجه من بينهم، وأصر الشرطي على أخراجه فوقعت بينه وبينهم معركة صغيرة لم يكد ينتهي أمرها ويرجع مشاهدوها إلى مجالسهم حتى وقف ذلك الشاب متظاهراً بانزعاجه مما كأنه لم يعتد أن يراه. ثم لا يلبث أن يخرج مع أعوانه وندمائه مظهراً تأففه مما رأى.
ولا تنهض هذه المرأة للرقص. وهي آخر من يرقص من نساء المسرح، حتى تكون الخمرة قد فعلت فعلتها في رؤوس المشاهدين. وكثيراً ما يحدث حينئذٍ أن يقف رجل يترنح سكراً فيطلب إليها أن تغنيه أغنية يحبها. ويصيح من الجهة الثانية رجل آخر فيطالبها بأغنية غيرها. ولا يلبث بعد قليل أن ينضم لكل من الرجلين رفاقه. ويسرع الشرطي لتلافي الأمر فلا يكاد يصل إليهم إلا وقد ابتدأت المعركة بينهم. وقد تستمر المرأة في غنائها ورقصها حينما تكون المعركة خفيفة الوطأة. ويتقدم الشرطي فيقود معه من يقود منهم ويعود الأمن إلى نصابه. وتلتفت فترى رجلاً بلغت منه الخمرة أشدها وقد أشجاه غناء هذه المرأة وهاج رقصها ما كمن في نفسه من شعور هيامه بها. فأهوى برأسه على عضد رفيقه يبكي وينتحب. وتمر بنظرها عليه فيضحكها بكاؤه. ويرى ضحكها رجل آخر جالس غير يعيد من الباكي. فيندفع صائحاً: يا لها من امرأة فاجرة لئيمة لا يضحكها إلا منظر الدموع التي تسكب قدميها، وينهض وهو يحاول أن يهاجمها في مسرحها. فيحول بينه وبين ذلك رفيق له لعله أقل سكراً منه.
стр. 585
وترمي بطرفك إلى جهة أخرى، فترى رجلاً يشتد به السكر فيهوي عن كرسيه ساقطاً إلى الأرض. فينهضه ويعيده إلى مجلسه. ثم يقدم له كأساً من الخمرة فيتعذر عليه شربها. لأنه لم يبق في أحشائه فراغ يستوعبها. ويرى رفيقه أن المرأة تنظر إليهما فيود أن يسترضيها فيستحلفه بها ويطلب إليه أن يشرب نخبها. فيحتسي الكأس مضطراً ثم لا تلبث أن تضيق أمعاؤه بد ذرعاً. فيعيدها وكأنما يعيد معها قطعاً من أحشائه.
ولعلك إذا التفت إلى ناحية ثانية رأيت مناظر شتى لا تخرج عما يمثله السكارى من الأدوار التي يحزنك أكثرها وقد يضحك بعضها وإذا أردت مراقبة هذه المرأة أكثر مما راقبتها وانتظرت خروجها من مسرحها رأيتها حينئذ وقد أحاط بها جمع غفير من عشاقها وأكثرهم سكارى. فيتقدم الأول إليها باسطاً يديه يذكرها بعهده. ويعترضها الثاني في طريقها فيعاتبها ويسترضيها. ويحاذيها الثالث فيحاول أن يستغويها بمزاحه وهزله. وقد يهاجمها مشهراً خنجره بيده يريد أن يؤيد حبه لها بالسلاح الأبيض وتجدها في هذا الموقف أشد ما تكون ارتباكاً واضطراباً لا تعرف أيهم تجيب ولا أياً منهم تسترضي. ويزيد في همها أن الشرطي يسير غير بعيد منها يراقبها وينذرها من حين إلى آخر بمنعها عن عملها في المسرح.
وكثيراً ما يؤنبها ويوجه إليها من كلماته ما يؤلمها ويغضبها وقد تظل في ارتباكها حتى دارها. وكثيراً ما ترى المعركة قائمة على بابها بين من سكروا في مسرحها وبين أفراد الشرطة.
٢ - المقصف
لا أعلم أن كنت أوفق بما أصفه لك في هذه
العجالة من صور المقصف، لأن وصف الواقع
وتمثيله باهتمام ورغبة يحتاجان لحالة خاصة من
حالات النفس هيهات أن تبقيها السنوات العشر
الغابرة على ما كانت عليه، على أني سأجرب وفي
التجريب ما قد يدعو للتوفيق.
سأحدثك إذاً عن المقصف في دمشق، وأريد بالمقصف ذلك الملهى الذي لا عهد لدمشق به
стр. 586
إلا منذ بضعة أعوام وهو نوع من الحانات يسميه المترددون إليه في سورية تارة (بار) وتارة (كازينو) ومرة (دانسينغ). ومهما تعددت أسماؤه واختلفت فهو قاعة من قاعات الليل يجد فيها من يغشاها شراباً وموسيقى ورقصاً وغناء ويفرق المقصف الجديد عن المسرح القديم أن جل ما في المقصف أوروبي، شرابه وموسيقاه، رقصه وغناءه.
وفي المقصف راقصات فنانات (آرتيستات) يدفع لهن صاحب المقصف أجراً معيناً عدا ما يضيف إليه من الحصة التي تصيب كلاً منهن من ثمن الشراب الذي قدمه إليها العشاق أو اللاهون. ويبلغ عدد الراقصات الفنانات في المقاصف الكبيرة ثماني أو عشراً ندر أن تجد بينهن من تتكلم بالعربية فهن من الأوروبيات وأكثرهن من بلاد النمسا والمجر ورومانيا ويوغسلافيا واليونان. وقل أن تجد بين هؤلاء الفنانات من هي بارزة الجمال فاتنة المحيا ولكنهن جميعهن على الغالب أنيقات ذوات قامات هيفاء وخصور نحيلة وأجسام غضة متناسبة الأعضاء، وأكثرهن ماهرات في تمثيل اللهجة الصادقة، مثقفات بارعات في أساليب الحديث ومناهجه حاذفات في استطراد الحكاية وربط مقاطعها حتى في لغة لا يعرفن منها إلا الشيء القليل. ويسمح للرجال من المتفرجين في المقصف أن يرقصوا مع هؤلاء النسوة، على أنهم إذا جلسوا إليهن للحديث أو دعوهن للجلوس لموائدهم عليهم أن يقدموا لهن ما يطلبنه من الشراب. وثمن الشراب الذي يقدم للفنانات هو على الغالب ثلاثة أضعاف الشراب الذي يقدم لغيرهن. والفنانات قديرات على تحمل الشراب ماهرات في طلبه حتى أن بينهن من تستطيع أن تشرب في سهرة واحدة من الأقداح ما يربو عدده على الأربعين.
ولا يوشك الثلث الأول من الليل أن ينقضي حتى تنهض كل من الفنانات بدورها للرقص في مسرح المقصف أو في ساحته التي يحتاط بها المتفرجون، وتختار من الراقصات ما تكون مارسته واتفقت عليه مع الجوقة الموسيقية من قبل وقد يشاركها في ذلك واحدة أو اثنتان من زميلاتها يلبسن جميعهن ألبسة خاصة بالرقص لا تستر في الغالب إلا قسماً قليلا من أجسامهن، وقد تجد بينهن من تبلغ في رقصها وإنشادها مبلغاً من الإجادة يحيي في النفس شيئاً كثيرا من هوى الفن وعاطفة الإعجاب بمظاهره. وتبعث الراقصة للمتفرجين بابتسامات مشاعة عامة وتختص عشاقها ومريديها بنظرات ذات مغاز ومعان تجيد في
стр. 587
تصويبها وتوجيهها فتمثل ما تريد أن تعلنه لهم تمثيلاً صحيحاً قد يصعب التفريق بينه وبين الحقيقة.
وتنتهي الفنانات من رقصهن وتمثيل أدوارهن على المسرح فيعدن إلى مجالسهن بين المتفرجين وقد انتصف الليل وهو الوقت الذي يكثر من بعده إقبال زوار المقصف على دعوة الفنانات إلى موائدهم لمجالستهن والتحدث إليهن. ولا تلبث الخمرة أن يدب دبيبها وتتغلغل نشوتها في الرؤوس فيبدو للمراقب في المقصف من المشاهد والمواقف ما يلهيه ويسترعي اهتمامه.
فهناك شاب متأنق متظرف لم ينل الشراب منه بعد إلا قليلا، جلس إلى فنانة صبوحة الوجه قدم لها من الويسكي شربته خلال مدة قصيرة من الحديث، وأخذت تدور بعينيها تفتش عن خادم المقصف لتطلب قدحاً ثانياً، وانبرى جليسها يحاول أن يستلهيها بحديثه ليصرفها عما تريد فلا يوفق، ثم لا يجد بدا من الإذعان، فيصبر على كره، ويوعز للخادم أن يجيبها إلى ما طلبت وهو حريص على ودها يأمل أن يصل إلى قلبها ويخشى إذا أبى عليها ما طلبت أن يسقط في عينيها سقطة لا مقبل له منها. فيحاول أن يكتمها ما في نفسه ويعود لمغازلتها متكلفاً الهناء والغبطة.
وتراها قد اكتشفت سريعاً ما ود أن يخفيها من أمره وسجيته، وعرفت أنه من المعجبين بأنفسهم الذين يحاولون أن يستغووا مثيلاتها بنفقة زهيدة تافهة. فتنصرف إليه، متكلفة هي أيضاً الهناء والسرور، تمثل أمامه دوراً جديداً يتفق مع ما اهتدت إليه مع طبعه، فتأخذ بالثناء عليه، والإطراء على عذوبة حديثه وجمال وجهه وملبسه وتمثل في ملامحها ونظراتها ما تريد أن تقنعه معه أنها أصبحت وفي نفسها من الإعجاب به ما قد ينقلب بعد زمن قريب إلى هيام ووله. على أنه لا تلبث على شأنها إلا قليلاً حتى تراها وقد أخذت تقلب الطرف من جديد في جمهور الحاضرين وتستعرفهم فترسل نظرة استغواء عميقة وابتسامة عجلى لرجل ينظر إليها باسماً وقد جلس غير بعيد عنها في جمع من رفاقه. ثم تعود إلى حديثها مع جليسها، وتعزف موسيقى الجازبند مقطوعة من رقصة الرومبا فتنهض وإياه إلى ساحة الرقص مع الراقصين والراقصات وتستمر في تحدثها إليه وهي ترقص لكنها لا تصل في دورتها مرة إلى الناحية التي جلس فيها ذلك الرجل الذي ابتسمت له إلا
стр. 588
وتمنحه خفية عن الراقص معها، من التفاتها ما يجعله يتنحنح في مجلسه فيصلح من شأن ملبسه ويمر بأصابعه على ربطة رقبته يتعهدها بالترتيب ثم لا يلبث أن يكيل لهذه الراقصة على مسمع من رفاقه، من صيحات الثناء عليها وعلائم الإعجاب بجمالها ما قد لا يتفق مع ما كان يقوله عنها قبل حين.
وقد لا يتسنى لك تتبع هذه الراقصة بنظراتك فتنصرف لمراقبتها دون سواها لأن بين جمهور الراقصين والراقصات من الأزواج ما يسترعي اهتمامك أيضاً، فقد تجد رجلاً قصير القامة مستدير الجسم يرقص مع فنانة طويلة جداً وتراه يتحدث إليها ويغازلها وهو كأنما ينظر إلى سقف القاعة. وقد تجد كهلاً سمحاً تجاوز الخمسين يرقص مع شابة فاتنة وهو يتكلف الرشاقة في حركاته وخطواته وترى راقصته تنظر خفية عنه إلى عشاقها والمعجبين بها الجالسين حول ساحة الرقص هازئة به بما تبديه في وجهها من ملامح وإشارات متعملة التأفف والضجر، وتراه هو منهمكاً في رقصه لا ينتبه إلى ما يجري حوله ومن وراء كتفه ولا يعرف شيئاً مما يدور بين راقصته وبين المتفرجين.
وترى ركن من أركان القاعة فتى من أبناء الموسرين بدت في أسارير وجهه الجميل ملامح الغباوة والسذاجة جلس إلى فنانة روسية نحيلة الجسم سوداء العينين ذات شعور صناعية الشقرة وتجده جواداً كريماً في تقديم ما تطلبه من الشراب، وهو لا يحب هذه المرأة ولا يعشقها بل يهوى راقصة غيرها من راقصات المقصف رأى من جفائها له ما حاول من بعده أن يستثير كوامن الغيرة في نفسها فدعا لمائدته زميلتها هذه وأخذ يطارحها الصبابة والوجد. وليس من الصعب عليك أن تفهم إذا أمعنت النظر في أوضاعها ونظراتها إلى زميلتها تلك التي جلست تحدث رجلاً آخر، أن تعرف أن الاثنتين قد اتفقتا على الفتى. تعاقدتا على أن يتقاسما ما يصيبهما من كرمه.
ويدعو اهتمامك رجل ثمل انتحى ناحية من القاعة مع راقصة قدم لها قدحاً من الكونياك وهي لا تعرف إلا اللغة الألمانية وبضع كلمات من الفرنسية وتسمعه يتحدث إليها بالعربية وعندما يرى أنه لم يستطيع إفهامها ما يود أن يقوله لها يعود فيمزج كلامه العربي بألفاظ تركية وتراها أوشكت أن تفهم بعض الشيء من حديثه فتجيبه بالفرنسية مستعينة على ذلك بإشارات الوجه والأصابع ويجري بينهما حوار متقطع مضحك يقع فيه بينهما من سوء
стр. 589
التفاهم ما يذهب بهما إلى غير ما يريدانه. ويجلس في جهة قريبة منك رجل يهوى راقصة رومانية فاتنة لا يعرف لغتها ولا اللغة الفرنسية التي تعرفها هي، وقد دعاه هيامه بها لأن يدعوها لمائدته فيقدم لها زجاجة من الشمبانيا ويستعين على محادثتها برفيق له يعرف الفرنسية وترى هذا الرفيق تأبى عليه نفسه أن يقوم بدور المترجم فحسب بل تراه لا يحجم أن يشارك رفيقه في مطارحتها عواطف نفسه وآيات إعجابه حتى أنه كثيراً ما يتصرف بالترجمة تصرفاً لا يتفق مع الأمانة في النقل ولا يلتئم مع مصالح من عهد إليه بهذه المهمة.
وهنالك شاب لعله من موظفي الدوائر العامة أو من الموسرين أرباب المصالح الحرة في ملابس علية القوم وشمائلهم، دخل المقصف رصيناً رزيناً، وجلس مع رفيق له في زاوية من زواياه جلسة هادئة محتشمة، على أنه لم يشرب القدح الثاني من الوسكي حتى أصبح طروباً يكاد أن يكون عربيداً يرن صدى ضحكه في أجواء القاعة، وما هو إلا القدح الثالث حتى أطلق العنان لهوى نفسه فانبرى يصيح مع الصائحين ويرقص مع الراقصين مستسلماً لما تمليه عليه وتطلبه منه راقصة ايطالية رشيقة رعناء دعاها وجميع من يلوذ بها في المقصف إلى الشراب، وحام حول مائدتها العازف على القيثارة يسمعهم نغمة تؤجج أقصى ما في الأنفس من حنان ووله. فانهالت عليهم الأقداح تترى وضاعف خدام المقصف عددها وأثمانها في دفاترهم التي سيبرزونها عند الحساب.
وفي ناحية أخرى رهط من الرفاق دعوا لمائدتهم غانية من غانيات المقصف قدموا لها قدحاً من الوسكي اتفقوا فيما بينهم على أداء ثمنه مساهمة وتجدهم محيطين بها يتسابقون في استجوابها واسترضائها بمختلف اللغات واللهجات فتكاد لا تعرف إلى أي منهم تتحدث أو أيهم تجيب.
وإلى جانب هؤلاء جماعة من الغرباء الذين وفدوا من الغرب إلى الشرق، جلسوا يقصفون ويسمرون أو يتحدثون لفتيات المقصف ويراقصونهن وقد تجدهم في جلستهم محتشمين هادئين تارة وصائحين معربدين أحياناً.
وهنالك فئة من الشباب وطلاب المدارس العليا اجتمعوا في حلقة علا ضجيجها حتى أوشكت أن تقلق صاحب المقصف وتراهم جميعهم يهتفون ويصفقون متكلنين فرح الشباب
стр. 590
وهناء الصبى، وتدلك غبرة من الكآبة انتشرت على وجوههم أن ليس في قرارة نفوسهم شيء من حقيقة الهناء والفرح.
ويكاد المقصف لا يخلو في كل ليلة من فئة الرجال تجمعهم إلى بعضهم على مائدة واحدة وحدة الأذواق وغرابة الطبع، وهم لا يقصفون ولا يرقصون بل يجدون العزاء لأنفسهم عن ذلك باهتمامهم بكل شأن من شؤون سواهم من اللاهيين أمامهم فيعدون على كل منهم خطواته وحركاته ويأخذون عليه لهوة وقصفه، وكثيراً ما يختلفون في حكمهم ويطول بهم الجدل فيلجأون إلى ورقة ينشرونها بينهم يقيدون فيها دخل الرجل الذي ينقدونه ومكسبه الشهري أو السنوي وما يحتاجه من المال في ملبسه ومعاشه وإعالة ذويه، وكثيراً ما يستنتجون مؤيدين رأيهم بالأرقام أن الرجل أمسى وهو لا يملك سوى ما ينفقه في هذه الليلة أو أن مصيره الإفلاس والخراب بعد شهور أو أيام معدودات.
ويحين موعد الانصراف من المقصف والساعة تدق الثانية بعد منتصف الليل. . . ٠
كاظم الداغستاني
стр. 591
عبقرية شوقي
وعبقرية العرب
للدكتور منير العجلاني
ولد شوقي في مصر، فسكبت الشمس في صدره شعاعاً حاراً ينضج الفكرة في غير عناء وصبر، وأوحى إليه الهلال الذي يداعب كرمة=ابن هاني في ليالي القاهرة، الساحرة، أغاريد الحب، ولقنته الأهرام الحكمة، وعلمته الفراعنة الكبرياء، فشوقي - إذن - صنع مصر وصورتها!
ولكن شوقي ليس مفخرة مصر وحدها، بل مفخرة العرب، في مشرق الأرض ومغربها، ذلك لأن نور مصر وأهرامها وفراعنتها وبدورها، ليست إلا خطوطاً فنية ألف شوقي ألوانها ورسم خطوطها على أسلوب المعلم الأكبر، (عبقرية العرب)، فكل رجل ينتمي إلى هذا المعلم بسبب يجد في شوقي صديقاً أو بكلمة أبرع يجد نفسه وشوقي من مدرسة واحدة، ويتذوقه، لأنه يتفهمه!
لم يكن شوقي الشاعر العاشق اليائس، ولا الجمال العميق، بل كان كاتباً بليغاً ينظم نثره، وشاعراً وطنياً يزود الرجال بحكمة يرددونها، وأنة يصعدونها، وغضبة يهددون بها العدو العنيد، فهو من هذه الناحية وأرث الشعراء الإلى يفاخرون بعشائرهم وتفاخر العشائر بهم ويسير نظميهم في المضارب.
ثم هو شاعر الأمراء، ولكنه لم يكن يجهل أنه هو كذلك أمير، فلم تكن نفسه تنزل من التواضع إلى الضعة، وكان يشفق على قصائده أن تضيع في المديح فيشحنها بالحكم، وهو، على جده وجلاله، لا تخلو مدائحه من دعابات مقصودة أو غير مقصودة.
ألم يقل لأم المحسنين يستوقفها:
أرفعي الستر وحيي بالجبين ... وأرينا فلق الصبح المبين!. . .
٠٠ واتركي فضل زماميه لنا ... نتناوب نحن والروح الأمين
إلى آخر القصيدة! فشوقي يداعب الأمراء ولا يغرب في ذلك. . .
لأن من شعراء الهند من يداعب الآلهة، (كأن الآلهة تحب المداعبة) فلماذا لا يداعب العربي أمراءه وهم دون الآلهة منزلة؟ يقول طاغور إن جدياً شكا إلى (براهما) ذات يوم أن
стр. 592
القصابين لا يرحمون صغر سنه فأجابه الإله أنا نفسي لما أنظر إليك، اشتهي لحمك الطري!. . .
فالآلهة نفسها فيها من العنصر الإنساني حس الضحك والميل إلى العبث! وليس هذا مما يعاب عليه شوقي.
ينظم بعض شعرائنا قصائد نصفق لها، لا لأنها كما يقول نيتشه تصور لنا أننا عظماء وأننا أقوياء وإننا نستطيع أن نفعل كذا وكذا. . .
فنعجب بها في الظاهر ونحن إنما نعجب في الواقع بأنفسنا، كمثل خطيب نصفق له لا لأنه إبداع وأجاد ولكن لأنه ردد كلمات معروفة ولكننا نحب سماعها، وكمثل كثيرين تهز أقوالهم أجسامنا، وتثيرنا بصورة الفاجعة لا ببراعة تصويرها، بالدموع لا بالآلام، وباللطم على الوجه لا بالإفهام!
قد يكون في شعر شوقي شيء من هذا الشعر الذي يستمد قوته من غير العبقرية والفن، ولكن في شعر شوقي قطعاً إذا لم نسمها صوراً شعرية كاملة فهي قطع من أسمى الشعر وأعمقه، وهي كثيرة في شعره الوطني، وإن من الأبيات التي قالها في دمشق وغيرها ما لو أنشدت عند ميت لاهتزت في قبره عظامه!
وهنا، أخيراً، شوقي الروائي، فمهما اختلفت أحكامنا في شعره المسرحي فأن المسرح العربي لا يعرف أحسن منها ولو عد بها في القدماء لكان أقربهم إلى المجددين!
هذه طائفة من الأفكار خطرت ببالي وأنا أقرأ أشعاراً لشوقي، ذكرتها لأخلص منها إلى الرد على جماعة من الكتاب يدعون أنهم انتقدوا شوقي وعابوا شعره وهم في الواقع إنما ينقدون أسلوباً ولوناً من العبقرية٠٠وهو الأسلوب العربي٠٠ فنقدهم عاطفي شخصي وإن ألبسوه ثوب العلم.
يذكر (فاغيه) - النقادة الفرنسي الكبير - في كلامه على الدراما القديمة والدراما الحديثة ثلاثة أساليب في عمل الروايات: اليوناني والانكليزي والفرنسي، ومن جملة ما يصف به كل واحد من هذه الأساليب قوله:
اليونان عشاق جمال، فأوصافهم بسيطة لأن الجمال بساطة الخطوط ونبل المواقف.
والانكليز عشاق حقيقة واقعة فأوصافهم معقدة لأن الحياة معضلة. . .
стр. 593
والفرنسيون عشاق مسائل الفكر، فأوصافهم مجردة لأن الوصف المجرد فكرة. . .
فالشعور العام الذي تخرج به من رواية يونانية هو شعور مجموعة فنية جميلة، ومن الرواية الانكليزية هو شعور بصورة غنية لحياة الإنسان، ومن الرواية الفرنسية هو شعور بتفكير يقاد على أحسن أسلوب إلى نتيجة غير منظرة.
فاللذة عند اليونانيين هي التروي في الجمال، وعند الفرنسيين حب الاستطلاع يغذيه المنطق وعند الانكليز الإحساس بالحياة.
. . . فالآلهة اليونانية هي الجمال، والآلهة الانكليزية هي الحياة والآلهة الفرنسية هي الفكر.
. . . وفي كل رواية يوناني نقاش، وموسيقى، ومغن، ومحارب.
وفي كل رواية انكليزي مؤرخ ورسام طبائع وفيلسوف. وفي كل رواية فرنسي خطيب ومعلم أخلاق ومنطق!
فنم هذا ترى أنه لا يفضل أسلوباً على أسلوب، بل هو يرضى عن الأساليب كلها ويتفهمها كلها، إذ لا غضاضة على أمة أن لا تكون لعباقرتها مزايا توفرت لعباقرة الأمم الأخرى، وليس يجب علينا إذا أعجبنا بلون من العبقريات الغريبة أن تنتقص عبقريتنا الوطنية ونرميها بالسخف والجمود بل يجب علينا أن نعجب بالصورة البارعة مهما يكن أسلوبها وإلى أية مدرسة ينتمي صاحبها.
عندنا صور بارعة، ولكنها لا تنتمي إلى المدرسة اليونانية التي يكبرها بعض أدبائنا تقليداً لبعض أدباء الغرب. . فهل نرمي بها في البحر إكراماً لعيون المقلدين - المجددين؟
نحن أنصار الجديد، لا نصير له أكثر حماسة منا، ولكننا لسنا أعداء لعبقرية العرب، ونحن مؤمنون بما آمن به غوتي من قبل من أن أكثر الناس إنسانية هو الذي يعرف أن يستفيد من عبقرية وطنه!
منير العجلاني
стр. 594
اللانهاية
أصبو إلى العدم الوسيع وفكرتي ... تأبى الوجود به تحيط حدود
حتى وسيع الجو ليس بواسع ... روحي فها هو بالسما محدود
إني سئمت من السماء كأنها ... سد مدى نظري به مسدود
فلئن تصل يدي السماء قلعتها ... فإذا رميت اللحظ ليس يعود
ولذاك أشتاق الظلام لأنه ... ما أن يحد محيطه الممدود
سعد الضرير فليس دون خياله ... حد وليس لفكره تقييد
أما البصير فكل مرئياته ... أبداً حدود جمة وقيود
أحمد الصافي
стр. 595
يا طائراً
يا طائراً يهفو إلى كنه ... حنَ إليك الغصن يا طائر
من هزه الشوق إلى أمسه ... ضاق به زمانه الحاضر
الروض محزون فلا نجمه ... زاهٍ ولا نسيمه عاطر
منقبض الصدر فلا روقه ... يوحي ولا جلاله باهر
الزهر منكب على كمه ... يبكي عليه عوده الناخر
بالأمس حط الركب في بابه ... واليوم لا غادٍ ولا سامر
يا طائراً يهفو إلى كنه ... أين تولى الركب يا طائر
يا ليت هذا اليوم حث الخطى ... كما طواها أمسه الجائر
بين جناحيك استوت طعنة ... جف عليها دمك المائر
يبعثها الشوق أسى كلما ... راح يناجي ناظراً ناظر
وكلما حاولت كتمانها ... نم عليها دمعك الحائر
يا طائراً يهفو إلى كنه ... متى توافي الكن يا طائر
توفيق الحناوي
стр. 596
صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام
تابع لما قبل
للأستاذ وصفي زكريا
ذكرت في العدد الماضي أن أمراء قبيلة الموالي الحاضرين في زمننا والمعروفين بأولاد أبي ريشة منحدرون من عيسى بن مهنا الفضلي الربيعي الطائي. وسأذكر الآن أدلتي على ذلك مبتدئاً بأصول آل عيسى ونازلاً نحو فروعهم مع بيان أحسابهم وقصص أحداثهم وحالات معاشهم ورفههم وأساليب الإدارة التي كانت تنفذ فيهم في دول الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، مستنداً إلى أوثق المصادر التي أتيح لي الوصول إليها، خدمة لهذه الناحية الغامضة من تاريخ الشام ودرءً لزعم أولئك الأمراء من أنهم عباسيون من أعقاب شقير بن هارون الرشيد وأنهم وانهم. إلى آخر ما سوف أرويه وأفنده، خصوصاً وأن في انتسابهم إلى عيسى بن مهنا وأعقابه الذين كانوا ملوك البادية وساداتها شرفاً منيفاً يغنيهم عن ذلك الزعم السخيف.
ذكر القلقشندي في صبح الأعشى (ج١) ما خلاصته: إن العرب العرباء هم بنو قحطان، وإن من يعرب بن قحطان قبيلة كهلان بن سبأ الذين أخذوا الرياسة على العرب بالبادية بعد تقاصر ملك حمير، ومن أحياء بني كهلان طيء أخذاً من الطاءة وهي الأبغال في المرعى. وهم بنو طيء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن أزد بن كهلان والنسبة إليهم طائي وإليهم ينسب حاتم الطائي المشهور بالكرم وأبو تمام الطائي الشاعر المشهور. قال ابن خلدون في العبر: وكانت منازلهم باليمن فخرجوا منها على أثر خروج الأزد عند تفرقهم بسيل العرم فنزلوا بنجد والحجاز على القرب من بني أسد ثم غلبوا بني أسد على جبلي أجا وسلمى من بلاد نجد فنزلوهما فعرفا بجبلي طيء إلى الآن ثم افترقوا في أول الإسلام زمن الفتوحات في الأقطار، ومنهم أمم كثيرة ملأوا السهل والجبل حجازاً وشاماً وعراقاً وهم أصحاب الدولة في العرب لهذا العهد (القرن التاسع) في العراق والشام ومصر. ومنهم بنو هناء بن عمروا وابن الغوث بن طيء. وكانت الرياسة على طيء في الجاهلية لبني هناء ومن ولده إياس بن قبيصة الذي أدال به كسرى ابرويز النعمان بن المنذر حين قتله وانزل طياً بالحيرة مكان لخم قوم النعمان وولى على العرب منهم إياساً هذا فكانت له
стр. 597
ولأعقابه الرياسة إلى حين انقراض ملك الفرس. ومن عقب إياس هذا بنو ربيعة بن حازم ابن علي بن مفرج بن دغفل بن جراح. ويزعم كثير من جهلة البادية من بني ربيعة أنهم من ولد سميع بن جعفر بن يحيى البرمكي وإن سميعاً هذا هو الذي ولدته العباسة أخت الرشيد بن جعفر المذكور وكانت سبب نكبة البرامكة زعم كاذب لا أصل له وحاشا لله من هذه المقالة في الرشيد وأخته وفي بنات كبراء العرب من طيء إلى موالي العجم من بني برمك وأمثالهم
وكانت رياسة طيء في أيام الخلفاء الفاطميين لبني الجراح وكان كبيرهم مفرج ابن دغفل بن الجراح وكان من أقطاعة الرملة. وهو الذي قبض عليه سنة ٣٦٨ على افتكين أحد قواد بني بويه الذي ولاه الدمشقيون عليهم لما رأوا من عسف عمال الفاطميين وكان الخليفة الفاطمي العزيز ابن المعز لدين الله خرج لقتاله وجعل لمن يحضر افتكين مائة ألف دينار، ولما كسر افتكين وانهزم طلب بيت صديقه مفرج بن دغفل الطائي فغدر به مفرج وأسره وسلمه إلى العزيز واستحوذ على الجعل وعلى إقطاع الرملة. ولما كثرت جموع مفرج وقويت شوكته شق عصا الطاعة وصار يعيث في فلسطين متغلباً على جنوب الشام يعيث ويصادر ويخرب إلى أن سير الحاكم بأمر الله عليه جيشاً لجباً في سنة ٤٠٤ وقبل وصول هذا الجيش مات مفرج واتصل بأولاده قصد العساكر إليهم فذهبوا مع العرب إلى البرية وتخلوا عن الرملة وغيرها من البلاد التي غلبوا عليها. ثم تولى ابنه حسان ولما ضعف شأن الخلفاء الفاطميين والنقرض بنو حمدان وتقاسمت أمراء القبائل العربية بلاد الشام كان شمال من حصة صالح بن مرداس أمير بني كلاب ووسطه لسنان بن عليان أمير بني كلب وجنوبه لحسان بن مفرج الطائي. وقصد حسان الرملة سنة ٤١٥ ففتحها وأتى عليها حرقاً ونهباً وأسراً. وفي السنة ٤١٦ جهز الخليفة الظاهر جيشاً لقتال صالح بن مرداس وحسان بن مفرج فلاقياه عند طبرية فانكسرا فقتل صالح وانهزم حسان والتجأ إلى قيصر الروم. وجاء مع جيش الروم سنة ٤٢٢ وعلى رأسه علم فيه صليب ووصل إلى أفامية وملك قلعتها المعروفة في يومنا بقلعة المضيق وغنم ما فيها (فتأمل).
ويظهر أن بني طيء - وهم بيت القصيد في مقالنا - وجد بعضهم إذ ذاك في شمالي الشام فقد عدهم ابن خلدون في جملة القبائل التي كانت منتشرة في القرن الرابع ما بين الجزيرة
стр. 598
والشام في عدوة الفرات كبني كلاب وبني كعب وبني عقيل وبني نمير وبني قشير وكلهم من عامر بن صعصعة من العدنانية كانوا كالرعايا لبني حمدان أصحاب حلب يؤدون إليهم الإتاوات وينفرون معهم في الحروب. ثم استفحل أمرهم عند فشل دولة بني حمدان وساروا إلى ملك البلاد ففي سنة ٣٤٤ اجتمعت القبائل المذكورة بعضهم في مروج سلمية وبعضهم في عين الزرقاء بين خناصرة وأسريا وتشاركوا ما لحقهم من سيف الدولة وتضافروا على حربه وهاجموا عماله وقتلوا بعض نوابه وكان مشغولاً عنهم بغزو الروم فزاد طمعهم وبعث ينصحهم فلم يرتدعوا فخرج إليهم من حلب إلى سلمية فواقعهم فيها وفتك بهم ولحق جموعهم وفلوهم إلى الفرقلس والغنثر وتدمر يقتل وياسر ويصفح وامتدحه يومئذ المتنبي بقصيدة جاء فيها ذكر سلمية منها:
اقبلها المروج مسوملت ... ضوامر لا هزال ولا شيار
تثير على سلمية مسبطراً ... تناكر تحته دون الشعار
وفي قصيدة لأبي فراس الحمداني يفخر بتلك المواقع:
سقينا بالرماح بني قشير ... ببطن الغنثر السم المذابا
ثم استفحل أمر هذه القبائل لما انقرضت دولة بني حمدان في غرة القرن الخامس وضعف شأن الخلفاء الفاطميين فتقاسموا بلاد الشام على ما قدمناه وتحضروا وأنشأوا ممالك، فدام ملك بني مرداس الكلابيين في حلب وأعمالها سبعون سنة (٤٠٢ - ٣٧٢) إلى أن أخذ الملك منهم بنو عقيل أصحاب الموصل ومنهم شرف الدولة مسلم بن قريش كان له من الموصل إلى حلب، ثم دام ملك هؤلاء إلى أن قرضه نور الدين محمود بن زنكي سنة ٥٦٤. أما بقية القبائل التي ظلت بادية فقد ضعف شأنها واضمحل فمنها من عاد إلى قلب الجزيرة العربية وضاع خبره من اندمج في بني طيء لما عظم شأنهم ونبه ذكرهم في شمالي الشام فتضاء اسمه وذاب جسمه في بيئتهم.
وصارت الرئاسة في طيء إلى آل ربيعة. قالوا وكان ربيعة أمير عرب الشام في غرة القرن السادس في عهد الأنابك طغتكين ثم خلفه في إمارة ابنه مراء بن ربيعة الذي ذكر له أبو الفداء حادثة خطيرة مع الصليبيين. قال أبو الفداء:
(ج٢ ص٢٤٣) وفي سنة ٥١٣ سار جوسلين صاحب تل باشر إلى بلاد دمشق ليكبس
стр. 599
العرب بني ربيعة، وأميرهم إذ ذاك مراء بن ربيعة فتقدم عسكر جوسلين قدامه فضل جوسلين عنهم ووقع عسكره على العرب وجرى بينهم قتال شديد انتصر فيع مراء بن ربيعة وقتل وأسر من الفرنج عدة كثيرة اه -.
ثم انقسم آل ربيعة إلى ثلاثة أفخاذهم المشهورين ومن عداهم أتباع لهم وداخلون في عددهم ولكل من الثلاثة أمير مختص به. وهم آل فضل بن ربيعة وآل مراء ابن ربيعة وهو أخو فضل وآل علي بن حديثة بن عقبة بن فضل بن ربيعة. قال القلقشندي في نهاية الأرب: قال الحمداني هؤلاء سادات العرب ووجوهها ولهم عند السلاطين حرمة كبيرة وصيت عظيم إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم وفد منهم فرج بن حية على الملك المعزايبك صاحب مصر (٦٤٨ - ٦٥٥) ونزل بدار الضيافة وأقام بها أياماً فكان مقدار ما وصل إليه من عين وقماش وإقامة له ولمن معه ستة وثلاثين ألف دينار. قال واجتمع أيام الظاهر بيبرس جماعة من آل ربيعة وغيرهم فحصل لهم من الضيافة خاصة في المدة اليسيرة أكثر من هذا المقدار كل ذلك على يدي. قال ابن فضل الله العمري المتوفي سنة ٧٤٨ في مسالك الأبصار: قال الحمداني هذا واستكثره فكيف لو عمر إلى زماننا ورأى إليهم إحسان سلطاننا (يعني السلطان الملك الناصر بن قلاوون) والعطايا كيف كانت تفيض عليهم فيضا من الذهب العين بمئات الألوف والخلع والأطلس بالأطرزة المزركشة وأنواع القماش المفصل لملوكهم بالسمور والوشق والسنجاب والبراطس واللمع والباهي والعنابي من السكندي والمصنوعات المجوهرة وأنواع المزركش لنسائهم والسكر المكرر والأشربة المختلفة بالقناطير المقنطرة إلى ما ينعم به على أعيانهم من الجواري الترك والخيل للنتاج والفحول للمهائر مع ما يطلق لهم من الأموال الجمة من الشام ويقطع باسمهم من المدن والبلاد ويملك لهم من القرى والضياع ويعطى علماؤهم ويجري للائذين بهم والنجاة بجاههم من المكافآت العالية والشفاعات المقبولة في استخدام الوظائف وترتيب الرواتب والإطلاق من السجون والمراعاة في الغيبة والحضور إلى غير ذلك من تجاوز أمثال الكفاية في الإنزال والمضيف لهم ولأتباعهم منذ خروجهم من بيوتهم إلى حين عودتهم إليها مع مواكلة السلطان في مدة أقامتهم بحضرته غداء وعشاء والدخول في المحافل والخلوات وملازمته في أكثر الأوقات. . . الخ.
стр. 600
فأما آل مراء بن ربيعة فقد كانت ديارهم من بلاد الجيدور والجولان إلى الزرقا والضليل إلى البصرى ومشرقاً إلى الحرة المعروفة بحرة كشت قريباً من مكة إلى شعباء إلى نيران مزبد إلى الهضب المعروف بهضب الراقي وربما طاب لهم البر وامتد بهم المرعى أو أن خصب الشتاء فتوسعوا في الأرض وأطالوا عدد الأيام والليالي حتى تعود مكة المعظمة وراء ظهورهم ويكاد سهيل يصير شامهم ويصيرون مستقبلين بوجوههم الشام. وقد تشعبوا إلى آل أحمد بن جحى وآل مسخر وآل نمى وآل بقرة وآل شما وبيت الإمرة فيهم في آل أحمد ثم صاروا يتقاتلون بقسمة الإمرة. ويدخل في حلفهم بنو صخر وزبيد حوران ويأتيهم من عرب البرية المفارجة وآل برجس والخرسان وآل حسين الشرفا وخثعم وعدوان وغيرهم.
قال: وآل مراء أبطال مناجيد ورجال صناديد وأقيال قل كونوا حجارة أو حديداٍ لا يعد منهم عنترة العبسي ولا عرابة الأوسي إلا أن الحظ يحظ بني عمهم بأكثر مما يحظهم ولم تزل بينهم نوب الحرب ولهم في أكثرها الغلب. قال الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي: كنت في نوبة حمص في واقعة التتار (التي جرت سنة ٦٨٠) جالساً على سطح باب الأصطبل السلطاني بدمشق إذ أقبل آل مراء زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسومة والجياد المنطهمة وعليهم الكزغندات الحمر الأطلس المعدني والديباج الرومي وعلى رؤوسهم البيض مقلدين بالسيوف وبأيديهم الرماح كأنهم صقور على صقور وأمامهم العبيد تميل على الركائب ويرقصون بتراقص المهارى وبأيديهم الجنائب التي إليها عيون الملوك صوراً. وورائهم الظعائن والحمول ومعهم مغنية لهم تعرف بالحضرمية طائرة السمعة سافرة من الهودج وهي تغني:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لاقينا جذاما وحميرا
ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جرداً للمنية ضمرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسر
سقيناهم كأساً سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت اصبرا
وكان الأمر كذلك فإن الكسرة أولاً على المسلمين ثم كانت لهم الكرة على التتار فسبحان منطق الألسنة ومصرف الأقدار اه - قلت يظهر مما ذكره هذا الشيخ أن آل مراء بن ربيعة
следующие страницы →