← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام تابع لما قبل للأستاذ وصفي زكريا ذكرت في العدد الماضي أن أمراء قبيلة الموالي الحاضرين في زمننا والمعروفين بأولاد أبي ريشة منحدرون من عيسى بن مهنا الفضلي الربيعي الطائي. وسأذكر الآن أدلتي على ذلك مبتدئاً بأصول آل عيسى ونازلاً نحو فروعهم مع بيان أحسابهم وقصص أحداثهم وحالات معاشهم ورفههم وأساليب الإدارة التي كانت تنفذ فيهم في دول الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، مستنداً إلى أوثق المصادر التي أتيح لي الوصول إليها، خدمة لهذه الناحية الغامضة من تاريخ الشام ودرءً لزعم أولئك الأمراء من أنهم عباسيون من أعقاب شقير بن هارون الرشيد وأنهم وانهم. إلى آخر ما سوف أرويه وأفنده، خصوصاً وأن في انتسابهم إلى عيسى بن مهنا وأعقابه الذين كانوا ملوك البادية وساداتها شرفاً منيفاً يغنيهم عن ذلك الزعم السخيف. ذكر القلقشندي في صبح الأعشى (ج١) ما خلاصته: إن العرب العرباء هم بنو قحطان، وإن من يعرب بن قحطان قبيلة كهلان بن سبأ الذين أخذوا الرياسة على العرب بالبادية بعد تقاصر ملك حمير، ومن أحياء بني كهلان طيء أخذاً من الطاءة وهي الأبغال في المرعى. وهم بنو طيء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن أزد بن كهلان والنسبة إليهم طائي وإليهم ينسب حاتم الطائي المشهور بالكرم وأبو تمام الطائي الشاعر المشهور. قال ابن خلدون في العبر: وكانت منازلهم باليمن فخرجوا منها على أثر خروج الأزد عند تفرقهم بسيل العرم فنزلوا بنجد والحجاز على القرب من بني أسد ثم غلبوا بني أسد على جبلي أجا وسلمى من بلاد نجد فنزلوهما فعرفا بجبلي طيء إلى الآن ثم افترقوا في أول الإسلام زمن الفتوحات في الأقطار، ومنهم أمم كثيرة ملأوا السهل والجبل حجازاً وشاماً وعراقاً وهم أصحاب الدولة في العرب لهذا العهد (القرن التاسع) في العراق والشام ومصر. ومنهم بنو هناء بن عمروا وابن الغوث بن طيء. وكانت الرياسة على طيء في الجاهلية لبني هناء ومن ولده إياس بن قبيصة الذي أدال به كسرى ابرويز النعمان بن المنذر حين قتله وانزل طياً بالحيرة مكان لخم قوم النعمان وولى على العرب منهم إياساً هذا فكانت له

стр. 597

ولأعقابه الرياسة إلى حين انقراض ملك الفرس. ومن عقب إياس هذا بنو ربيعة بن حازم ابن علي بن مفرج بن دغفل بن جراح. ويزعم كثير من جهلة البادية من بني ربيعة أنهم من ولد سميع بن جعفر بن يحيى البرمكي وإن سميعاً هذا هو الذي ولدته العباسة أخت الرشيد بن جعفر المذكور وكانت سبب نكبة البرامكة زعم كاذب لا أصل له وحاشا لله من هذه المقالة في الرشيد وأخته وفي بنات كبراء العرب من طيء إلى موالي العجم من بني برمك وأمثالهم وكانت رياسة طيء في أيام الخلفاء الفاطميين لبني الجراح وكان كبيرهم مفرج ابن دغفل بن الجراح وكان من أقطاعة الرملة. وهو الذي قبض عليه سنة ٣٦٨ على افتكين أحد قواد بني بويه الذي ولاه الدمشقيون عليهم لما رأوا من عسف عمال الفاطميين وكان الخليفة الفاطمي العزيز ابن المعز لدين الله خرج لقتاله وجعل لمن يحضر افتكين مائة ألف دينار، ولما كسر افتكين وانهزم طلب بيت صديقه مفرج بن دغفل الطائي فغدر به مفرج وأسره وسلمه إلى العزيز واستحوذ على الجعل وعلى إقطاع الرملة. ولما كثرت جموع مفرج وقويت شوكته شق عصا الطاعة وصار يعيث في فلسطين متغلباً على جنوب الشام يعيث ويصادر ويخرب إلى أن سير الحاكم بأمر الله عليه جيشاً لجباً في سنة ٤٠٤ وقبل وصول هذا الجيش مات مفرج واتصل بأولاده قصد العساكر إليهم فذهبوا مع العرب إلى البرية وتخلوا عن الرملة وغيرها من البلاد التي غلبوا عليها. ثم تولى ابنه حسان ولما ضعف شأن الخلفاء الفاطميين والنقرض بنو حمدان وتقاسمت أمراء القبائل العربية بلاد الشام كان شمال من حصة صالح بن مرداس أمير بني كلاب ووسطه لسنان بن عليان أمير بني كلب وجنوبه لحسان بن مفرج الطائي. وقصد حسان الرملة سنة ٤١٥ ففتحها وأتى عليها حرقاً ونهباً وأسراً. وفي السنة ٤١٦ جهز الخليفة الظاهر جيشاً لقتال صالح بن مرداس وحسان بن مفرج فلاقياه عند طبرية فانكسرا فقتل صالح وانهزم حسان والتجأ إلى قيصر الروم. وجاء مع جيش الروم سنة ٤٢٢ وعلى رأسه علم فيه صليب ووصل إلى أفامية وملك قلعتها المعروفة في يومنا بقلعة المضيق وغنم ما فيها (فتأمل). ويظهر أن بني طيء - وهم بيت القصيد في مقالنا - وجد بعضهم إذ ذاك في شمالي الشام فقد عدهم ابن خلدون في جملة القبائل التي كانت منتشرة في القرن الرابع ما بين الجزيرة

стр. 598

والشام في عدوة الفرات كبني كلاب وبني كعب وبني عقيل وبني نمير وبني قشير وكلهم من عامر بن صعصعة من العدنانية كانوا كالرعايا لبني حمدان أصحاب حلب يؤدون إليهم الإتاوات وينفرون معهم في الحروب. ثم استفحل أمرهم عند فشل دولة بني حمدان وساروا إلى ملك البلاد ففي سنة ٣٤٤ اجتمعت القبائل المذكورة بعضهم في مروج سلمية وبعضهم في عين الزرقاء بين خناصرة وأسريا وتشاركوا ما لحقهم من سيف الدولة وتضافروا على حربه وهاجموا عماله وقتلوا بعض نوابه وكان مشغولاً عنهم بغزو الروم فزاد طمعهم وبعث ينصحهم فلم يرتدعوا فخرج إليهم من حلب إلى سلمية فواقعهم فيها وفتك بهم ولحق جموعهم وفلوهم إلى الفرقلس والغنثر وتدمر يقتل وياسر ويصفح وامتدحه يومئذ المتنبي بقصيدة جاء فيها ذكر سلمية منها: اقبلها المروج مسوملت ... ضوامر لا هزال ولا شيار تثير على سلمية مسبطراً ... تناكر تحته دون الشعار وفي قصيدة لأبي فراس الحمداني يفخر بتلك المواقع: سقينا بالرماح بني قشير ... ببطن الغنثر السم المذابا ثم استفحل أمر هذه القبائل لما انقرضت دولة بني حمدان في غرة القرن الخامس وضعف شأن الخلفاء الفاطميين فتقاسموا بلاد الشام على ما قدمناه وتحضروا وأنشأوا ممالك، فدام ملك بني مرداس الكلابيين في حلب وأعمالها سبعون سنة (٤٠٢ - ٣٧٢) إلى أن أخذ الملك منهم بنو عقيل أصحاب الموصل ومنهم شرف الدولة مسلم بن قريش كان له من الموصل إلى حلب، ثم دام ملك هؤلاء إلى أن قرضه نور الدين محمود بن زنكي سنة ٥٦٤. أما بقية القبائل التي ظلت بادية فقد ضعف شأنها واضمحل فمنها من عاد إلى قلب الجزيرة العربية وضاع خبره من اندمج في بني طيء لما عظم شأنهم ونبه ذكرهم في شمالي الشام فتضاء اسمه وذاب جسمه في بيئتهم. وصارت الرئاسة في طيء إلى آل ربيعة. قالوا وكان ربيعة أمير عرب الشام في غرة القرن السادس في عهد الأنابك طغتكين ثم خلفه في إمارة ابنه مراء بن ربيعة الذي ذكر له أبو الفداء حادثة خطيرة مع الصليبيين. قال أبو الفداء: (ج٢ ص٢٤٣) وفي سنة ٥١٣ سار جوسلين صاحب تل باشر إلى بلاد دمشق ليكبس

стр. 599

العرب بني ربيعة، وأميرهم إذ ذاك مراء بن ربيعة فتقدم عسكر جوسلين قدامه فضل جوسلين عنهم ووقع عسكره على العرب وجرى بينهم قتال شديد انتصر فيع مراء بن ربيعة وقتل وأسر من الفرنج عدة كثيرة اه -. ثم انقسم آل ربيعة إلى ثلاثة أفخاذهم المشهورين ومن عداهم أتباع لهم وداخلون في عددهم ولكل من الثلاثة أمير مختص به. وهم آل فضل بن ربيعة وآل مراء ابن ربيعة وهو أخو فضل وآل علي بن حديثة بن عقبة بن فضل بن ربيعة. قال القلقشندي في نهاية الأرب: قال الحمداني هؤلاء سادات العرب ووجوهها ولهم عند السلاطين حرمة كبيرة وصيت عظيم إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم وفد منهم فرج بن حية على الملك المعزايبك صاحب مصر (٦٤٨ - ٦٥٥) ونزل بدار الضيافة وأقام بها أياماً فكان مقدار ما وصل إليه من عين وقماش وإقامة له ولمن معه ستة وثلاثين ألف دينار. قال واجتمع أيام الظاهر بيبرس جماعة من آل ربيعة وغيرهم فحصل لهم من الضيافة خاصة في المدة اليسيرة أكثر من هذا المقدار كل ذلك على يدي. قال ابن فضل الله العمري المتوفي سنة ٧٤٨ في مسالك الأبصار: قال الحمداني هذا واستكثره فكيف لو عمر إلى زماننا ورأى إليهم إحسان سلطاننا (يعني السلطان الملك الناصر بن قلاوون) والعطايا كيف كانت تفيض عليهم فيضا من الذهب العين بمئات الألوف والخلع والأطلس بالأطرزة المزركشة وأنواع القماش المفصل لملوكهم بالسمور والوشق والسنجاب والبراطس واللمع والباهي والعنابي من السكندي والمصنوعات المجوهرة وأنواع المزركش لنسائهم والسكر المكرر والأشربة المختلفة بالقناطير المقنطرة إلى ما ينعم به على أعيانهم من الجواري الترك والخيل للنتاج والفحول للمهائر مع ما يطلق لهم من الأموال الجمة من الشام ويقطع باسمهم من المدن والبلاد ويملك لهم من القرى والضياع ويعطى علماؤهم ويجري للائذين بهم والنجاة بجاههم من المكافآت العالية والشفاعات المقبولة في استخدام الوظائف وترتيب الرواتب والإطلاق من السجون والمراعاة في الغيبة والحضور إلى غير ذلك من تجاوز أمثال الكفاية في الإنزال والمضيف لهم ولأتباعهم منذ خروجهم من بيوتهم إلى حين عودتهم إليها مع مواكلة السلطان في مدة أقامتهم بحضرته غداء وعشاء والدخول في المحافل والخلوات وملازمته في أكثر الأوقات. . . الخ.

стр. 600

فأما آل مراء بن ربيعة فقد كانت ديارهم من بلاد الجيدور والجولان إلى الزرقا والضليل إلى البصرى ومشرقاً إلى الحرة المعروفة بحرة كشت قريباً من مكة إلى شعباء إلى نيران مزبد إلى الهضب المعروف بهضب الراقي وربما طاب لهم البر وامتد بهم المرعى أو أن خصب الشتاء فتوسعوا في الأرض وأطالوا عدد الأيام والليالي حتى تعود مكة المعظمة وراء ظهورهم ويكاد سهيل يصير شامهم ويصيرون مستقبلين بوجوههم الشام. وقد تشعبوا إلى آل أحمد بن جحى وآل مسخر وآل نمى وآل بقرة وآل شما وبيت الإمرة فيهم في آل أحمد ثم صاروا يتقاتلون بقسمة الإمرة. ويدخل في حلفهم بنو صخر وزبيد حوران ويأتيهم من عرب البرية المفارجة وآل برجس والخرسان وآل حسين الشرفا وخثعم وعدوان وغيرهم. قال: وآل مراء أبطال مناجيد ورجال صناديد وأقيال قل كونوا حجارة أو حديداٍ لا يعد منهم عنترة العبسي ولا عرابة الأوسي إلا أن الحظ يحظ بني عمهم بأكثر مما يحظهم ولم تزل بينهم نوب الحرب ولهم في أكثرها الغلب. قال الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي: كنت في نوبة حمص في واقعة التتار (التي جرت سنة ٦٨٠) جالساً على سطح باب الأصطبل السلطاني بدمشق إذ أقبل آل مراء زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسومة والجياد المنطهمة وعليهم الكزغندات الحمر الأطلس المعدني والديباج الرومي وعلى رؤوسهم البيض مقلدين بالسيوف وبأيديهم الرماح كأنهم صقور على صقور وأمامهم العبيد تميل على الركائب ويرقصون بتراقص المهارى وبأيديهم الجنائب التي إليها عيون الملوك صوراً. وورائهم الظعائن والحمول ومعهم مغنية لهم تعرف بالحضرمية طائرة السمعة سافرة من الهودج وهي تغني: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لاقينا جذاما وحميرا ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جرداً للمنية ضمرا فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسر سقيناهم كأساً سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت اصبرا وكان الأمر كذلك فإن الكسرة أولاً على المسلمين ثم كانت لهم الكرة على التتار فسبحان منطق الألسنة ومصرف الأقدار اه - قلت يظهر مما ذكره هذا الشيخ أن آل مراء بن ربيعة

стр. 601

اشتركوا في المعركة الهائلة التي جرت في حمص سنة ٦٨٠ بين الملك المنصور قلاوون الصالحي والتتار - وكانت الدائرة على التتار - مع أبناء عمهم آل فضل ابن ربيعة على ما سوف نذكره. وقد سبق لجد آل مراء أن انتصر على الصليبيين سنة ٥١٣ كما قدمنا، لذلك ليس بمستغرب بعد هذه الانتصارات أن يجل الملوك الأيوبيين والسلاطين المماليك قدر أمراء الأعراب ويكرمونهم ذلك الإكرام الذي نوه به الحمداني والعمري ويداورونهم جلباً لمنفعتهم ودرءً لمفسدتهم فهم كانوا في بعض الأحايين عضد أولئك الملوك والسلاطين في الخطوب ورديفهم في الحروب أن بروا وأبلوا نصروا ونفعوا وأن نقضوا وختروا ضروا وافسدوا. وأما آل علي بن حديثة فهم وإن كانوا من ضئضيء آل فضل فقد انفردوا منهم حتى صاروا طائفة أخرى وديارهم مرج دمشق وغوطتها بين أخوتهم آل فضل وبني عمهم آل مراء ومنتهاهم إلى الجوف والجبابنة إلى تيما إلى البرادع. وإنما نزلوا غوطة دمشق حيث صارت الإمرة إلى عيسى بن مهنا وهم أهل بيت عظيم الشأن مشهور السادات إلى أموال جمة ونعم ضخمة ومكانة في الدول علية. وكان أميرهم رملة بن جماز بن محمد بن أبي بكر بن علي بن حديثة وكان جده أميراً ثم أبوه، قلد الملك الأشرف خليل بن قلاوون جده محمد بن أبي بكر أمرة آل فضل حين أمسك مهنا بن عيسى ثم تقلدها من الملك الناصر أخيه أيضاً حين طرد مهنا وسائر أخوته وأهله. ولما أمر رماة كان حدث السن فحسده أعمامه بنو محمد بن أبي بكر وقدموا على السلطان بتقادمهم وتراموا على الأمراء وخواص السلطان وذوي الوظائف فلم يحضرهم السلطان إلى عنده ولا أدنى أحداً منهم فرجعوا بعد معاينة الحين بخفى حنين ثم لم يزالوا يتربصون به الدوائر وينصبون له الحبائل والله تعالى يقيه سيئات ما مكروا حتى صار سيد قومه وفرقد دهره آه. أما آل فضل فهم رأس الكل وأعلاهم درجة وديارهم من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرحبة آخذين على شفى الفرات وأطراف العراق. قال ابن خلدون: هذا الحي من العرب يعرفون بآل فضل وهم رحالة ما بين الشام والجزيرة وبرية نجد من أرض الحجاز ينتقلون هكذا بينها في الرحلتين وينتهون في طيء ومعهم أحياء من زبيد وكلب وهريم ومذحج أحلاف لهم باين بعضهم في الغلب والعدد آل مراء ويزعمون أن آل فضل كلهم كانوا بأرض

стр. 602

حوران فغلبهم عليها آل مراء وأخرجوهم منها فنزلوا حمص ونواحيها ثم اتصلوا برجال السلطنة فولوهم على أحياء العرب واقطعوهم على إصلاح السابلة بين الشام والعراق فاستظهروا برياستهم على آل مراء وغلبوهم على المشاتي فصار عامة رحلتهم في حدود الشام قريباً من التلول والقرى لا ينجعون إلى البرية إلا في الأقل وكانت معهم أحياء من أفار يق الأعراب يندرجون في لفيفهم وحلفهم. يتبع وصفي زكريا

стр. 603

صيف في أوربا بقلم الأستاذ جان غولميه تعريب كاظم الداغستاني وصف الأستاذ في الفصلين، الأول والثاني، من رحلته التي أرسلها خصيصاً إلى الثقافة سفره من بيروت وما رآه في حيفا وبور سعيد وأثينية وسلانيك وبلغراد وتريسته والبندقية وميلان وباريز وكارلسروه وستوتغارت حتى وصل مونيخ، وقد نشرت الثقافة هذين الفصلين في الجزئيين السابقين والمقابل التالي هو الفصل الثالث الذي تختم به الرحلة. ٢٨ تموز سنة ٩٣٣ - مونيخ وجرى القطار يسير بنا إلى مونيخ ونحن نمتع النظر بما انبسط أمامنا من مناظر جبال الألب في بافاريا وما انتشر على سفوحها من تلك القرى البديعة التي استترت سطوح بيوتها ذات القرميد الأحمر بستار رقيق من النبت الأخضر. ولم نصل مونيخ حيث يقيم المستشرق الألماني العظيم بير غستروسر، حتى ذهبت لزيارته التي كانت كل ما ابتغيه من وقوفي في هذا البلد، وهو يسكن بيتاً في طريق هادئة ساكنة امتدت في قلب المدينة، ولقد تلقاني بأعظم ما يمكن من البشاشة والترحاب، وتحدثنا معاً عن سورية، وعن دمشق التي يعرفها جيداً، ويحن إليها كثيراً، لأنه لم يعد لزيارتها منذ أمد بعيد. وحاولت أن استدرجه للتكلم في السياسة فلم أفلح، وشعرت حينئذ أنه ليس من محبذي الحركة الهتلرية، ولكنه لا يستطيع أن يقول لي كل ما يعتقده. لا مجال للمزاح في بلاد الحكام المطلقين (الديكتاتوريين) ولعل الحذر من كل غريب نزل هذه البلاد هو واجب لا مندوحة عنه. لقد كانت مونيخ في هياج وضوضاء، فهي من جهة أولى تستقبل في هذا اليوم وفداً من الشباب الفاشيستي الإيطالي جاء يزور الشباب الهتلري، ومن جهة ثانية تعد العدة لعيد الصيف ومهرجانه الذي هو أيضاً أحد مظاهر الشعب القريبة من المجوسية التي أحياها هتلر ليقوي بها نشاط مريديه وأنصاره. فالشعب الألماني ينسى خلال هذه الأعياد الكبيرة أنه جائع، فينصرف إليها ويتلهى بها. ٢٩ تموز - مونيخ ذهبت مساء أمس إلى دار البلدية حيث يستقبلون وفد الشباب الفاشيستي الإيطالي فرأيت

стр. 604

لوحات كبيرة علقت على باب كتب عليها أحرف كبيرة (دخول اليهود ممنوع). وقد تركوني ادخل دون أن أبرز تذكرة أو بطاقة دعوة ولكن كان على الباب اثنان من الهتلريين يحدقان النظر في وجه كل داخل ليتحققا من أن ليس في ملامحه ما يدل على أنه من اليهود. ولقد كان تفرس هذين الحارسين في ملامح كل داخل، ليريا إذا كان أنفه أقنى كأنف اليهود، أو شعر رأسه أجعد كشعر اليهود، ما يدعو حقيقة للضحك. ومن الغريب أن يرجع الهتلريون إلى هذا الأسلوب في معرفة اليهود وتمييزهم عن سواهم. لا مشاحة في أن الحماس بلغ أشده في ذلك المجتمع الحافل. فلقد ألقيت الخطب ورتلت الأناشيد الفاشيستية، وكذلك الأناشيد الهتلرية التي هي والحق يقال غاية في حسن النغمة وجودة التوقيع. إن ألمانيا لم تنس أنها بلاد الموسيقى. وعند انقضاض الجمع وخروج المجتمعين غصت أماكن الشراب والمقاهي بالرجال الذين أحوجهم صراخ الحماس لإطفاء الظمأ. عدت إلى الفندق في ساعة متأخرة من الليل، ورغم الحر الشديد لم أجد في الطرق إلا عدداً قليلاً من المارة، مع أن الطقس كان يحلو معه استنشاق النسيم في تلك الشوارع العريضة، وعلى ضفاف نهر الإيزار، وفي تلك الحدائق العامة المتسعة الجوانب. ولكن هتلر لا يحب أن يطرب الألماني أو يلهو مما ألجأ الكثير من أصحاب أماكن الطرب واللهو في الليل لإغلاق محلاتهم. والنساء الألمانيات لم يعد لهن الحق بالزينة والتبرج ثم أن هنالك ما يخشى الساري أن يتعرض له من الحوادث المزعجة، وقد يقع له أن يقوده إلى مخفر الشرطة رجال الحرس الهتلري الذين قد يبتغون من وراء ذلك إظهار نشاطهم ونفوذهم. لقد ذهبت في هذا الصباح إلى سوق الورد والزهر، فرأيت فيه أنواعاً كثيرة من الفواكه والأزهار جميلة ورخيصة جداً، وقد صفت جميعها في معارض من الزجاج تمثل سلامة الذوق وحسن الترتيب. وفي المقاهي المجاورة اجتمع الفلاحون الذين جاءوا إلى السوق بما أنتجته أراضيهم من الزهر والثمر، يشربون ويغنون أناشيد غرامية قديمة غمرتها العاطفة المضطرمة. ولقد احتفظ جميعهم بألبستهم القديمة التاريخية التي يلبسها سكان الجبال، تلك الألبسة العزيزة على قلب الشاعر الفريد دي موسه:

стр. 605

قبعة خضراء انتصبت عليها ريشة طائر، ورداء من المخمل. ولقد كانت تتمثل فيهم روح البافاري القديم المشبعة بالعاطفة والإحساس، وهم كأنهم غرباء عن الضجيج الهتلري لا تفقه القرى التي نشئوا فيها معنى الحركة العقيمة. ذهبت بعد ظهر هذا اليوم إلى السينما، ومما يدعو للاستغراب أن في مونيخ ما يقرب من الثلاثين داراً للسينما، تسعة منها يعرض فيها شرائط سينمائية ناطقة باللغة الفرنسية، وهي على الغالب من النوع الجيد، وأن في هذا الأمر ما يسترعي الانتباه ويؤيد أن الفكر البافاري في ألمانيا، رغم هتلر، مابرح على ما كان عليه من التساهل والتسامح. ثم ألم ألحظ كثيراً من الابتسامات ذات المغزى تبدو على شفاه بعض الوجهاء في مدينة مونيخ عندما تمر زمر الشبان المتحمسين التابعة لفرقة الهجوم. ٣٠ تموز - مونيخ رأيت قبل أن أغادر مونيخ أن أذهب لوداع المستشرق بير غيستروسر. وقد بادرني وفي لهجته شيء من القلق سائلاً: والآن كيف وجدت مونيخ؟ فأجملت له ما تركته زيارة المدينة في نفسي من الأثر، مشيراً بصورة خاصة إلى الضيق الاقتصادي وبالأحرى إلى الشقاء الذي استرعى اهتمامي ممثلاً بأشياء كثيرة كعدد الدرجات العظيم في المدينة وقلة عدد السيارات وابتسامات الاستخفاف التي رأيتها تبدو على وجوه السكان. نعم. نعم أجاب مفكراً بير غستراسر وهو يهز رأسه، ولقد عدت للحديث فختمته بقولي يجب أن نأمل انحلال هذه الأزمة أجاب نعم لا بد من الأمل ثم أضاف على ذلك بصوت منخفض وهو يرفع كتفيه قائلاً: ليس في هذه الحال التي نحن فيها ما يسر. آب - فرانكفور يجتاز المسافر من مونيخ إلى فرانكفور طريقاً نظيفة متقنة التعبيد وقليلة الحركة. وكنت وحيداً في غرفة القطار وهي من الدرجة الثانية. مع أن الازدحام كان شديداً في عربات الدرجة الثالثة. وفي كل المظاهر ما يدل على أن الشعب الألماني يتخبط في ضيق اقتصادي عظيم، وأن الإحصاءات المؤيدة للظفر التي تنشرها الصحافة الهتلرية زاعمة تناقص عدد البطالين، كاذبة. وإن الكارثة النازلة بالعمال شديدة الوطأة، فبدلاً من أن يعطي هتلر لكل واحد من العمال البطالين ماركين اثنين كإعانة فهو يدخله في عداد الجيش ويدفع

стр. 606

له المبلغ نفسه، وعلى هذه الصورة فإن عدد العمال المقيدين في سجلات البطالين قد قلّ عن ذي قبل، ولكن أليس في ذلك أصول مصطنعة لا تخفف من شقاء البلاد الحقيقي شيئاً؟ لقد كنت شديد الحرص على البقاء قليلاً في فرانكفور لأحج إل قبر الشاعر غوثه. أو ليس من الإنصاف في وسط هذه العاصفة التي يثيرها هتلر فيثير معها غرائز الشعب الهوجاء أن أتقدم فأردد ذكرى أعظم رجل في ألمانيا، ذكرى رجل عظيم لا نستطيع إلا أن نسامح في كل شيء البلاد التي أتاح لها الحظ أن تعده من أبنائها، وأما ذلك البيت البسيط الصغير الذي احتفظوا به كأثمن ذخر وتعهدوه باحترام بقرب من العبادة، وقفت أذكر عبقرية غوثه وسمو خياله. ولقد سألت نفسي: كيف يكون رأيهم لو بعث حياً اليوم في ألمانيا وهو الذي تجرأ فقال: أني أفضل الظلم على الفوضى ثم أي شقاء يستولي على نفس الناظر إلى هذه البلاد الألمانية البديعة حينما يراها غارقة من كل الوجوه في دياجير الشدة الهمجية. هنا كما في بلغراد وكما في تريسته لم أستطع إلا أن أفكر أيضاً في المعاهدات التي عقدت سنة ١٩١٩ وهي عهود لم تلجئ الأحوال للدفاع عنها والسعي في تأييدها إلا لأنها أخر معقد يمكن التوسل به للسلام في أوربا. وفي محطة فرانكفور لم لأتمالك من الضحك وأنا أنظر إلى أحد الإعلانات لنوع من الكاكاو سموه كاكاو قانت (الفيلسوف الألماني) ولإعلان أخر لنوع من الشوكالاته سموه شوكولاته فوهر، فهل يخطر ببال تجار الإعلانات في فرنسة أن يسموا نوعاً من الكاكاو، كاكاو ديكارت (الفيلسوف الفرنسي) وأن يسموا نوعاً من الشوكالاته، شوكالاته دلاديه السياسي الفرنسي؟ على أن هذه الدعاية التجارية الساذجة المستترة بستار الوطنية هي أيضاً مما يدل على نوع خاص من العقلية. ٤ آب - كولونيا: وبعد مقام قصير حميد في مايانس حيث عدت أنظر إلى نهر الرين كمن ينظر صديقاً مواطناً بعد غياب طويل في بلاد بعيدة، وصلت مدينة كولونيا التي سكنتها سنة ١٩٢٥، وما أسعدني أن أعود فأرى هذه المدينة التي لم يتغير فيها شيء يذكر، ولقد دخلتها والغيث يهطل كما في صيف سنة ١٩٢٥ فرأيت ألبسة النساء ومظاهر زينتهن فيها على غاية من الجمال، كما كنت أراها من قبل، ولقد زاد جمال منظرهن في عيني إني قريب عهد

стр. 607

بمغادرة بافاريا حيث النساء ضخمات الأجسام غليظات القامات لا يعرفن انتقاء ألبستهن وأزيائهن يضاف إلى ذلك أن لا شيء من الذوق في زينتهن وتبرجهن. لحظت أن الحركة في الشوارع أخف من ذي قبل. أن ما أصاب بروسيا الواقعة على ضفاف نهر الرين من وطأة الأزمة الألمانية هو أقل مما أصاب البلاد الألمانية الأخرى وبالرغم من ذلك فإن هنالك أيضاً ما يدل على الضيق والشقاء الاقتصادي والأخلاقي، ولعل السبب في ذلك مبعثه الديكتاتورية والحكم المطلق لا غير. يكفي الإنسان أن يشعر في بلد من البلاد أنه يسير مقيداً غير طليق ترقبه الأعين وتتبع خطواته الأنظار، وأنه من الملحوظ في كل حين أن يقاد إلى أحد مراكز التحقيق، حتى تذهب من نفسه لذة العيش وتتبعها نشوة الفرح بالحياة التي يحيياها. وإن سكان كولونيا يعرفون من ذلك الشيء الكثير بعد أن رأوا سنة ٩٢٥ رئيسهم النشيط المخلص آدينوير يعزل من منصبه ظلماً وعدواناً ويلقى في غياهب السجن رغم الخدمات العظمى التي أداها لمدينتهم. لقد بت لا أعلم هل هي الهتلرية، أم هي الأمطار المستمرة في تهطالها، لقد جعلت أفق المدينة مكفهراً في نظري، وجوها مفعماً بالكآبة. ولقد قام في نفسي فجأة أن أهرب منها رغم ذكرى أيام سعيدة غابرة عشتها فيها هانئاً مغتطباً، وأعود إلى أهلي ووطني حيث الديمقراطية والحرية. جان غولميه

стр. 608

مارسيل بروست اعتاد الناس أن يطلبوا التضحية من الكاتب فيريدون أن يضحي الكاتب بكل شيء في سبيل فنه، براحته ورفاهيته، بشهرته، وحتى بحياته، يريدون أن يكتب الكاتب بدمه. أما القارئ فمن يجسر على مطالبته بشيء من هذا؟ على أني كنت أتمنى لو أن القارئ يقبل بتضحية واحدة: بعادات فكره. كما يتعود اللسان نوعاً من الأطعمة، والجسم إقليماً خاصاً، كذلك الفكر، أنه أسرع إلى التعلق بالأشياء امن الجسم وأميل للراحة والجمود. فهو إذا سار على طريق، يؤلمه الانحراف عنها والمجازفة في طرق مجهولة. يطلب الناس من الكاتب جديداً، ولكن ما النفع من هذا الجديد إذا كانوا لا يرونه ولا يسمعونه إلا بأعين وآذان قديمة؟ إني قلما أقدر الذي يكتسب هذه الصفة دون مقاومة وصراع عنيف. وقد لا يكون الجديد في أغلب الأحيان إلا صدى لملل القراء. أما الجديد الحقيقي فيظل مجهولاً زمناً حتى ولو صفقت له الجماهير، لأنها في الواقع تصفق لتلهي نفسها. ومارسيل بروست من هذه الفئة التي تصطدم بما في الفكر البشري من عادات سقيمة فتذوق من العذابات أقساها في صراعها مع بلادة الناس، ولكنها ترقى إلى سماء الخلود على سلم هذه العذبات. الأديب كالنبي، لابد أن يضطهد من أجل رسالته، لولا فرق بينهما يميز الأديب على النبي وهو أن هذا يحمل في جديدة بذور الموت إذ أنه يجيء بجديد يفرضه على المستقبل ويحرم عليه التجدد، في حين أن جوهر الأدب حرية لا نهاية لها. إن حماقة الناس لا تفتأ منذ القديم في ندم متواصل على أخطاء متواصلة ومنذ القديم لا يزال الناس يتعاملون عن العبقرية إذ تكون ماثلة أمامهم، ثم يعودون فيندمون على جهلهم، ولكن بعد ابتعادها عنهم، مثل الناظر إلى لوحة تصوير فإنه لا يستطيع تقديرها ما لم يبتعد عنها بضع خطوات. أليس من المشجي أن نرى مارسيل بروست، وقد أنهكته الأمراض، وأحس بالموت يدنو منه حثيث الخطى، يستعطف أصحاب المكاتب والناشرين، ويتقرب من الأدباء يطلب رفقهم برسالة يحسها كامنة في فؤاده ويخشى عليها الضياع في جسمه المريض العاني إذا هي لم تنقل إلى ملجأ أمين، وتودع في صفحات كتاب؟! ولكن الأدباء حتى أكابرهم لم يفهموا معنى تلك الرسالة، والناشرين حتى أحقرهم لم يرضوا أن يفسحوا مطابعهم لأفكار

стр. 609

بروست، ولم يجدوا فيها ما يستحق النشر والبيع! قضى بروست بضع سنين في يأس قتال من الصمت الذي أحاط كتبه عندما توصل أخيراً إلى نشرها. فهو كان يفضل لو يلقى من ينتقده وينهال عليه بالذم والشتم على أن يبقى الناس في ذلك الوجوم، ويتجاهلوا وجود كتاباته كأنه لم يأت بفن حقيق بالذكر. ولكن القدر شاء له أن لا يموت قبل أن يستمتع بقسط من الظفر الذي يستحقه، وأن يطمئن على مصير فنه. فقد توصل سنة ١٩١٩، بمساعي بعض أفراد فهموه، لنيل جائزة غونكور، فمدت شهرته جناحيها على أوروبا بسرعة البرق. ولكنه لئن سره أن يرى بعض المفكرين قد فهموه وقدروه، فلقد تألم كثيراً من مرأى تلك الجماهير التي غدت تصفق له اليوم بدون أن تقرأه، مثلما كانت تتجاهله بالأمس، وهي في الحالتين تسير مستعبدة للتقليد والجمود! إذا لقي بروست في فرنسا من المقاومة أشكالاً وألواناً، فلا احسب حظه يكون أوفر في البلاد العربية، بل أني أتوقع له فيها مقاومة أشد. لأن الأصنام التي انتصبت أمامه ومنعت عنه معبد الأدب حيناً، هي نفس الأصنام التي تقف في بلادنا حائلاً دون كل تجديد: عادات الفكر، وطرق الإنشاء. توسط صديق لبر وست عند أحد الناشرين من أجل طبع كتبه، فأجابه الناشر: لابد أن يكون الله ضرب على عقلي غشاوة فلا أفهم كيف يخصص كاتب ثلاثين صفحة يصف لنا فيها تقلبه في فراشه قبل أن يوافيه النوم! إن هذه الصفحات الثلاثين من أجمل ما قرأت من حيث بلاغة الوصف ودقته، ولكن ذنبها أنها لم تكتب بالأسلوب السهل الواضح الذي تعوده القراء واختصت به اللغة الفرنسية، بل هي معقدة لكون الموضوع معقداً، ولأن بروست ضحى السهولة والوضوح في سبيل الإخلاص والصدق في التعبير لأن السهولة والوضوح لا يتفقان دائماً مع التفكير الجديد والصور الجديدة فوصف الحالة المتوسطة بين النوم واليقظة، بما فيها من تمازج عويص غريب بين الحقائق والأوهام، ثم الانتقال السريع من عالم النوم إلى عالم اليقظة، وكيف يقفز المرء في مدة ثانية أو ثانيتين من فوق أجيال وعوالم عديدة مجهولة ليعود شيئاً فشيئاً إلى رابطته بالعالم الحقيقي، ويسترجع مركزه من هذا العالم في المكان والزمان، كل هذا يضطر الكاتب إلى تناسي قواعد البيان ليؤدي رسالة الفكر الصحيح. قضى بروست حياته في الأوجاع، وظهرت فيه أمراض عصبية قاسية وهو لا يزال ابن

стр. 610

تسع سنين، فكان يعيش من جرائها عيشة غريبة محجوبة، يجعل جدران غرفته من الفلين لأن أقل صوت يزعجه، وإذا سافر ونزل في فندق، يستأجر، علاوة على غرفته الخاصة، الغرف الأربع المحيطة بها من كل جهاتها حتى لا يسكنها أحد يقلقه بضجيجه! لا يستطيع احتمال النور ولا رائحة العطور. يسد النوافذ بسجوف كثيفة، ويهجر غرفته ليعرضها ثلاثة أيام متوالية للهواء إذا زاره فيها صديق في جيبه منديلاً معطراً. إن هذه الحساسية الدقيقة الشديدة أثرت في أدبه، وخلقت خاصة من أهم خواصه هي: إحياء الماضي بالإحساس الحاضر. كان بروست قد نسي أكثر ماضي طفولته وحداثته، ولم يحفظ منهما سوى خيالات مبهمة، ولطخٍ من النور مبعثرة على ظلام وسيع، فإذا به يذكر هذا الماضي بصورة قوية حية كأنه يعيش فيه للمرة الأولى، وكل ذلك لأنه أكل قطعة من الحلوى بعد أن أغمسها في كأس من الشاي، فأعاد إليه طعمها تاريخ سنين طويلة، ملأى بالحوادث طاجة بالإحساسات، لأنها ذكرته بنفس الحلوى المغموسة بالشاي التي كان يأكلها صباح كل أحد عند عمته في صغره. إن هذه النقطة فتح جديد في الفلسفة والأدب لأنها تبتكر طريق جديدة في التذكر بواسطة الحواس. فتذكر الماضي بواسطة العقل جامد ميت لا يوحي لنا شيئاً ولا يهز نفوسنا لأننا، كما يقول باسكال في الموت، نعلمه ولا نؤمن به، نشعر أنه غريب عنا ومنفصل عن شخصنا، كأنه عضو ميت في جسمنا لا نستطيع بتره ولا إحياءه! ولكنه يكفينا أن نسمع أنغاماً شاردة، أو يهفو نحونا عبير ضائع أو نذوق طعماً أو نلمس شيئاً، حتى نشعر بكل كياننا يرتجف، كأن برقاً اخترق داخلنا فأضاء فينا قسماً من حياتنا التي كنا حسبناها قد فقدت منا إلى الأبد، فإذا بها تعود إلينا بدمها وحرارتها، بأدق تفاصيلها. دخل بروست حياة الأدب وهو مسلح بقوتين بلغتا عنده أقصى حدودهما: الإحساس والذكاء. وقد رأينا إلى أي ابتكار قاده إحساسه العجيب. أما ذكاؤه فأوصله إلى عمق في التحليل لم يستهدف له كاتب قبله. مثلما غاص في بحر الماضي بإحساسه. انظر إليه كيف يغوص بذكائه: لماذا تردد عشيقته البرتين أبداً هذه الكلمة: أصحيح هذا؟ بمناسبة وبغير مناسبة؟ أتكون كلمة من جملة الكلمات التي يتعود الناس تكرارها دون أي قصد آخر؟ كلا، لأنها لو

стр. 611

كانت كذلك لرددتها البرتين بصورة آلية وبدون شعور بمعناها. ولكنها ترفقها بلهجة سؤال صادقة وبشيء من الغنج. أذن ماذا؟ أيبلغ النسيان بها أنها تحتاج الاستفهام والتأكد من كل ما يقال؟ غير محتمل. ولكن بروست يتغلغل في ظلمات ماضي عشيقته المجهول ويتصور زمناً كانت فيه البرتين عشيقة لغيره، وكان ذلك العشيق يقول لها: أتعلمين أني لم أر امرأة حتى اليوم تدانيك في الجمال أو أتعلمين أني أكن لك حباً كبيراً؟ فتجيبه بشيء من الدلال: أصحيح هذا؟، وتملكت منها العادة حتى غدت الآن تسأل نفس السؤال بنفس اللهجة لمن يقول لها: لقد غفوت أكثر من ساعة. يقول بروست: كل حياة فيها سر ومجهول تستهوينا، كي نهتك سرها ونعريها من جمالها. في هذه الفكرة خلاصة حياة بروست وأدبه. وهي أول صلتي وتعلقي به لأني قرأت فيها حقيقة نفسي المرة، وحقيقة كل نفس تضم بين جوانحها وحشاً هداماً، يجمع بين رقة الشاعر وقسوة الجلاد. ترى مثل هذه النفوس تعشق الحياة، تهيم بمظاهرها المتنوعة وألوانها الشتيتة، تثمل من أدق طعم لها وتهفو مع أخف نسائمها. ولماذا؟ ألحب الحياة المجرد ولتعبدها تعبداً صوفياً؟ كلا. بل لتهدم مظاهرها وبواطنها، لتحل ألوانها وتفسد طعمها، لتوقف الحركة، لتسلب الحياة من الحياة!. . . وحش هدام أو طفل ساذج قاس، هكذا أرى بروست، والحياة دمية أمامه لا يهدأ له روع إلا إذا فككها وهتك سرها وأرجعها أجزائها البسيطة، بعد ذلك، كالطفل أمام دميته المحطمة، يقف بروست أمام الحياة وقفة اليائس المشدوه! ويلذلي تشبيه فنان كبر وست بفاتح وحشي كجنكيز، يمشي على ملايين الجماجم والإطلال، ويجيل فيها نظرة انتقام أخرس وتشفٍ بلا سبب! لماذا أسال جنكيز من الدم أنهاراً؟ وهو نفسه لا يدري. لماذا أنهال بروست على أصنام الحياة فأظهر للملأ فراغها؟ إطاعة للفن الذي في نفسه. أفيكون الفن، وهو ابن الحياة، ابناً عاقاً بها؟ يحب بروست المرأة، فتراه يقترب منها وكله إجلال وعبادة. يحب امرأة، فيخالها تختلف عن كل النساء غيرها، يراها فياضة بالأسرار، غنية بالغرائب، ثم يتابع اقترابه منها، لا يزال يدنو خفيف الخطى كاللص، وفي كل خطوة يسرق سراً من أسرارها، يمزق برقعاً من براقعها، إلى أن يصحو لنفسه فلا يرى أمامه إلا امرأة عادية، لا يلوح لها فكر أو يبدو منها عمل إلا ويعلم كنهه وعلته، فينصرف عنها قانطاً لأنه لم يعد لنفسه فيها غذاء.

стр. 612

أولع بروست منذ صغره بالعالم الارستقراطي، لما يحيطه من الأسرار ويحول دون الوصول إليه من العقبات، وكانت طفولته قد نفذت من مطالعة أخبار هذه الطبقة وتاريخها العجيب، فغدا إذا لمح امرأة ارستقراطية مارة بمركبتها في الطريق أو جالسة على مقعدها في الكنيسة، ازدحمت مخيلته بكل الصور والقصص التي قرأها وحسب أن هذه المرأة تضم في شخصها، في القبعة التي تلبسها والثوب الفضفاض الذي تجرره وراءها، ثروة لا متناهية من العجائب والغوا مض تجعل منها كائناً فوق منزلة البشر. ظل هذا الشوق اللجوج يذكى خياله حتى استطاع دخول المعبد الارستقراطي، وهناك بدأ زحفه البطيء على فريسته، مازال يتحبب إلى جماعة الإشراف من رجال ونساء، يحضر حفلاتهم ويسايرهم في نزهاتهم، يصغي بتعبد لأحاديثهم ويشخص إلى حركاتهم وتحياتهم وشكل مشيهم وقعودهم، ينساب كالأفعى في مشكلاتهم الشخصية والعائلية، حتى انبرى بعد بضع سنين وهو يحمل في يده صك إعدامهم، لأنه أزاح عنهم القناع فإذا هم آلات مسكينة تسيرهم تقاليد حقيرة، فيخضعون لها خضوع النعاج، وإذا بتلك العظمة الظاهرية تستر فراغاً في النفس وجفافاً في الشعور. لقد رفع الكاتب لنا الستار عن العالم الارستقراطي فإذا بنا أمام مرسح تمثيل يلعب فيه الشريف الدور الذي تمليه عليه طبقته ولقبه، وينسى شخصه، بل يقتل شخصه من أجل دوره. انه دوق أو كونت قبل أن يكون إنساناً، إنه ومن قبل أن يكون حقيقة. فمهما بلغ حب ارستقراطي لشخص من غير منزلته لا يمكن أن يظهر له التقرب أكثر مما تسمح له قوانين طبقته. انظر كيف يحلل لنا بروست أشكال التحية عند الأشراف: إذا اضطرت مدام دي كورفوازيه أن تحيي شخصاً أدنى من طبقتها فإنها تحني نحوه رأسها والقسم العلوي من جسمها بمقدار زاوية ٤٥ درجة. ولكنها لا تلبث أن ترجع هذا القسم العلوي من جسمها فجأة إلى الوراء بمقدار يقرب من المسافة التي انحنت بها في البدء كأنها تريد أن تسحب تواضعها الموقت الذي تظاهرت به أمام ذلك الشخص! على أن الرجال الارستقراطيين يعكسون هذه الخطة فيبدأون سلفاً بسحب ما سيظهرونه لك من احترام موقت: فالدوق دي غير مانت يبدو لأول وهلة عازماً على أن لا يحييك ثم يمد إليك ذراعه بكل

стр. 613

طوله كأنه يقدم لك سيفاً للبراز، ويده تبعد عنه إلى حد أنه تصعب عليك، عندما يحني رأسه، معرفة ما إذا كان يحييك أم يحيي يده! وهناك فلسفة غزيرة للتحايا: تحية الجمود الرفيع والإهمال السريع وتحية الذي تمتد يده لمصافحتك عندما يسمع اسمك، كأنها بالرغم منه دون أن يشاركها نظره أو أي حركة من جسمه. ثم تحية الدوشيش دي غير مانت التي تحيي الزائرين بأن تشع في عينيها لهيباً ذكياً فإذا كان ثمة حفلة عيد كبرى فإنها تشعل عينيها طوال الليل!. أدب بروست أوسع من أن يلم به كله في مقال. لذلك اقتصرت على بعض الخاطرات التي عرضت لي عند قراءته. وقد ألححت على نقطة لم ينتبه إليها أحد من نقاد هذا الكاتب وهي التأثير السلبي الذي يحدثه أدبه. فأسلوبه ليس أسلوب الإيحاء الذي يعطيك أكثر مما في محتواه بما فيه من موسيقى تغنيك فتفكر، تغنيك فتعمل، بل إنه لا يوحي لك شيئاً لأنه يقول لك كل شيء، بل ربما أوحى لك اليأس لأنه بذكائه العجيب قد استنفد كل معاني الموضوع فأتى على كل جهاته، ونزل إلى أظلم دفائنه، وحلق في أبعد أجوائه حتى تركه أمامك جثة هامدة. ولعل خير دليل على نظرتي هذه هو أن بروست بقي وحيداً فريداً في فنه، ولقد صرخت كاتبة انكليزية شهيرة، بعد أن أنهت قراءته، صرخة إعجاب ويأس: كيف يمكن للمرء أن يكتب بعد قراءة أديب كهذا؟! ميشيل عفلق

стр. 614

مائة نقلة من كتاب نقل الأديب وهي ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب مؤلفه محمد إسعاف النشاشيبي حق الطبع والنشر ونقل شيء من هذه النقل محفوظ أهدي مائة النقلة هذه إلى مجلة (الثقافة) ٦٠ - قالوا مسيلمة، وهذا أشعب قال الثعالبي: قد تظرف من قال في كذب مسيلمة، وطمع أشعب وتقول لي قولاً أظنك صادقاً ... فأجيء من طمع إليك وأذهب فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس ... قالوا: مسيلمة، وهذا أشعب ٦١ - انتظر حتى تجوع ببطن غيرك قال سهيل بن علي: كنت ألازم خير بن نعيم القاضي وأجالسه وأنا يومئذ حديث السن، وكنت أراه يتجر في الزيت فقلت له: وأنت أيضاً تتجر؟! فضرب بيده على كتفي ثم قال: انتظر حتى تجوع ببطن غيرك. فقلت في نفسي: كيف يجوع إنسان ببطن غيره. فلما ابتليت بالعيال إذا أنا أجوع ببطونهم. . ٦٢ - كلنا ذلك الرجل قال الحوبي: قال الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي: رأيت بعض الفقهاء في النوم في رؤيا طويلة فسألني كيف حالك مع أهلك؟ فقلت إذا رأت أهل بيتي الكيس ممتلئاً ... تبسمت ودنت مني تمازحني وإذا رأته خلياً من دراهمه ... تجهمت وانثنت عني تقابحني فقال لي: صدقت كلنا ذلك الرجل. ٦٣ - محتاج إلى عقل تام قال الأحدب الصوفي: سمعت مطار بن أحمد يقول: رأيت النبي في المنام فقلت: يا رسول

стр. 615

الله اشتهي لحية كبيرة. فقال لي لحيتك جيدة، وأنت محتاج إلى عقل تام. ٦٤ - ليتنا نخرج منه كفافا سئل الشعبي: هل يجوز أن يؤكل الجني لو ظفر به؟ فقال: ليتنا نخرج منه كفافاً لا لنا ولا علينا. . . ٦٥ - وآباؤنا أفعال غيرنا أتي ضرار المتكلم بمجوسي ليكلمه فقال: أبو من أنت؟ فقال: نحن أجل من أن ننسب إلى أبنائنا، إنما ننسب إلى آبائنا. فورد على ضرار ما لم يكن في حسابه، فأطرق ساعة ثم قال: أبناؤنا أفعالنا، وآباؤنا أفعال غيرنا. ٦٦ - اسمه أبو العتاهية تكلم بعض القصاص قال: في السماء ملك يقول كل يوم: لدوا للموت وابنوا للخراب فقال بعض الأذكياء: اسم ذلك الملك أبو العتاهية. . . ٦٧ - هون عليك رأى أبو الحسن بن فارس بعض أصحابه يفرط في الجزع على ثوب سرق منه فقال: هون عليك، فليس بقميص يوسف، ولا بردة النبي، ولا كساء أهل البيت، ولا ديباجة الوجه، ولا رداء الشباب. ٦٨ - يخاف أن أعلم عليه قال الفتح بن خاقان: ما رأيت أظرف من ابن أبي دؤاد: كنت يوماً ألاعب المتوكل بالنرد، فاستؤذن له عليه، فلما قرب منا هممت برفعها، فمنعني المتوكل وقال: أجاهر الله بشيء واستره عن عباده، فقال المتوكل لما دخل: أراد الفتح أن يرفع النرد. قال: يخاف - يا أمير المؤمنين - أن أعلم عليه. فاستحليناه، وقد كنا تجهمناه. ٦٩ - لقد صغرت عظيماً صغرك الله

стр. 616

سأل رجل خالد بن صفوان فقال: هب لي دنينيراً فقال خالد: لقد صغرت عظيماً - صغرك الله -. الدينار عشر العشرة والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف ديتك. . . ٧٠ - ما جاء إليه أحد قال الزمخشري: قال مؤذن: حي على الصلاة، والناس يتبادرون إليه. فقال رجل: لو قال: حي على الزكاة ما جاء إلي أحد. . . ٧١ - أرقص للقرد في زمانه قال ابن خلكان: لما ولي شرف الدين الوزارة دخل عليه ابن القطان الشاعر. والمجلس محتفل بأعيان الرؤساء، وقد اجتمعوا للتهنئة، فوقف بين يديه، ودعا له، وأظهر السرور والفرح، ورقص. فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسره: قبح الله هذا الشيخ، فإنه يشير برقصه إلى ما تقول في أمثالها أرقص للقرد في زمانه. ٧٢ - وجدت ما استغنت به عنكم قال الراغب الأصبهاني: لما ضربت الدراهم والدنانير صرخ إبليس صرخة، وجمع أصحابه فقال: قد وجدت ما استغنيت به عنكم في تضليل الناس، فالأب يقتل ابنه، والابن يقتل أباه بسببه. . . ٧٣ - علمني كيف صناعة الفضة قال رجل لآخر: إني أعرف صناعة الفضة، وأريد أن أعلمك ولكن احتاج إلى ألف درهم للآلات. فأعطاه فمضى ولم يعد. فقيل له: قد خدعك وكذب عليك. . قال: لا لأنه علمني صناعة الفضة أي أخذها، وكيفية الحيلة، فأن شئت أن أفعل مثله فعلت. ٧٤ - فصلحت نيته لأهل دمشق قال أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي: في سنة (٢٣٦) وثب أهل دمشق على نائب دمشق: سالم بن حامد، فقتلوه يوم الجمعة على باب الخضراء. وكان لما ولي أذل قوماً

стр. 617

بدمشق، لهم وجاهة ومنعة. فندب المتوكل لإمرة دمشق أفريدون التركي، وسيره إليها. وكان شجاعاً فانكا ظالماً. فقدم في سبعة آلاف فارس وأباح له المتوكل القتل بدمشق والنهب ثلاث ساعات فنزل أفريدون ببيت لهيا. وأراد أن يصبح البلد. فلما أصبح طلب الركوب فقدمت له بغلة فضربته بالزوج فقتلته فدفن مكانه ورد الجيش الذين كانوا معه خائفين. وبلغ المتوكل فصلحت نيته لأهل دمشق. ٧٥ - فاستفدت التاريخ قال الفقيه المقري: أنشدت يوماً الإبلي قول ابن الرومي: أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه ... وبكحله الأموات والأحياء فإذا مررت رأيت من عميانه ... أمماً على أمواته قراء فاستعادني حتى عجبت منه، مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر وانفعاله، وظننت أنه أعجب بما تضمنه البيت الأول من غريب اللف والنشر المكرر الذي لا أعرف له ثانياً فيه. فقال أظننت أني استحسنت الشعر؟ فقلت: مثلك يستحسن هذا الشعر؟ فقال: تعرفت منه كون العميان كانوا في ذلك الزمان يقرؤن على المقابر فإني كنت أرى ذلك حديث العهد فاستفدت التاريخ. ٧٦ - فأما البخاري وكافر فما سمعناه قال عبد الحي بن العماد الحنبلي: كان عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الكيلاني عارفاً بالمنطق والفلسفة وغير ذلك من العلوم الردية وبسبب ذلك نسب إلى عقيدة الأوائل. رأى عليه والده يوماً - وكان كثير المجون والمداعبة - ثوباً بخارياً فقال: والله هذا عجب، مازلنا نسمع (البخاري ومسلم) فأما البخاري وكافر فما سمعناه. . محمد إسعاف النشاشيبي

стр. 618

الكتاب والعالم للكاتب النمساوي شتيفان تسوايغ كنت في سفينة طليانية تتنقل بنا في البحر الأبيض المتوسط من جنوا إلى نابولي ومن نابولي إلى تونس ومن تونس إلى الجزائر. وكان مقرراً أن تدوم هذه الرحلة أياماً طويلة ولما رأيت السفينة تكاد تكون خالية من الركاب فقد اضطررت إلى الدخول في الحديث مرات عديدة مع أحد البحارة وهو شاب يعاون الخادم فيكنس الغرف وينظم الممشى ويقوم بما يشبه ذلك من الأعمال التي تعتبر حقيرة بين الناس. كان في مقتبل العمر يتدفق بهجة وسروراً يبهر منظره الناس ويستلفت أبصارهم بلونه الأسمر الجميل وعينيه السوداويين البراقتين وأسنانه البيضاء اللامعة. وكأن الشاب شعر بعطفي عليه واقتصار حديثي معه وحده من بين جميع البحارة فأخذ يسترسل في الكلام معي ولا يكتم عني شيئاً من الأسرار وهكذا لم ينقض يومان فقط حتى أصبحنا مثل صديقين أو رفيقين قديمين. ولكن على أثر حادث طفيف شعرت فجأة كأن سداً منيعاً ارتفع بيني وبينه. فقد كنا في مرفأ نابولي ثم غادرت السفينة بعد شحن الفواكه والخضر وأخذ الفحم والركاب والبريد وأصبحنا نرى السحب فوق بركان (الفيزو) من بعيد كأنها دخان سيكارة يتبدد في الهواء. وإذا بالشاب يقترب مني على حين غرة وضحكة سعيدة مرتسمة على شفتيه وأعطاني كتاباً استلمه، على ما يظهر، قبل برهة صغيرة في نابولي وطلب مني أن أقرأه له. لم أفهم في بادئ الأمر ماذا يقصد. وذهب بي الظن إلى أن (جوفاني) وصله كتاب بلغة أجنبية، بالفرنسية أو بالألمانية، وعلى أكبر احتمال من فتاة، لأنه كان طبيعياً أن يحظى هذا الفتى الجميل بعطف النساء وميلهن، فيظهر أنه يريد مني ترجمة الكتاب إلى الطليانية. ولكن لا. لقد كانت الرسالة بلغة (جوفاني) إذاً ماذا يريد؟ هل اطلاعي على ما جاء فيه فقط؟ كلا أجابني مكرراٌ قوله بشيء من الشدة والضجر، بل أرجو أن تقرأه لي لأسمعه. وفجأة أدركت كل شيء: إن هذا الشاب الجميل الذي يظهر عليه من الطبيعة العقل والأدب

стр. 619

واللطف لا يعرف القراءة فهو أحد الأميين الذين تقول الإحصاءات أنهم يبلغون ٧ - ٨ في المائة بين أفراد الأمة الطليانية. . أنه أمي. ولم أكن في تلك اللحظة أذكر أنني حادثت من قبل أحداُ من الأميين الذين يكاد ينقرض أثرهم في أوروبا. إن (جوفاني) هذا كان أول أوروبي صادفته لا يعرف القراءة، فلا عجب إذاً أنا نظرت إليه في تلك اللحظة بكثير من الاستغراب ولا غرابة إذا أنا لم أعتبره حينئذ صديقاً ورفيقاُ كما في السابق بل أعجوبة. على أنني بطبيعة الحال قرأت له الكتاب الذي كان مرسلاُ إليه من خياطة اسمها (مارية) أو (كارولينا) ولا يخرج مضمونه عما اعتادت الفتيات أن تكتبه إلى الفتيان في جميع البلدان وبكل اللغات. كان (جوفاني) أثناء القراءة لا يحول أنظاره عن فمي وكنت ألاحظ عليه آثار الانتباه الشديد ليلتقط كل كلمة، فكانت عضلات جبهته تتجمد وملامح وجهه جميعها تتوتر من الجهد الذي يبذله لسماع الرسالة وحفظ كلماتها بالتمام، وقد قرأت له الرسالة مرتين قراءة بطيئة، واضحة لئلا تفلت منه أية جملة أو كلمة فأخذ يظهر عليه الرضى والسرور المتزايد وبدأت عيناه تلمعان وانفرج فمه كأنه وردة تتفتح. ورأينا من بعيد أحد ضباط السفينة قادماُ فأسرع (جوفاني) واختفى لمتابعة عمله. هذا هو الحادث بتمامه. إنما لا يمكن تقدير أهميته إلا بعد سرد ما أعقبه في نفسي من التصورات ومعرفة ما جال في خاطري من الأفكار تحت تأثيره المباشر. فإنني لما بقيت وحدي اتكأت على مقعد طويل وسرحت نظري في سماء الليل الهادئ الرقيق، ولكن كنت أشعر أن هذا التصادف الغريب قد آثار نفسي في أعماقها وبعث فيها الشيء الكثير من القلق. أنها المرة الأولى التي التقيت فيها برجل أمي، هو فوق ذلك من الأوربيين تعرفت إليه قبل أيام فألفيته عاقلاً، ذكياً وتحدثت إليه كصديق ورفيق والآن أخذ أمر هذا الرجل يشغل بالي، لا بل يزعجني ويدفعني إلى التفكير في حل هذا اللغز ومعرفة كيف يتمثل العالم في مثل هذا الدماغ الذي لم تنطبع فيه آثار القراءة

стр. 620

لقد حاولت أن أتصور حالة من لا يستطيع القراءة وجربت النفوذ إلى نفس هذا الرجل، إنه يتناول صحيفة فلا يفهمها، ويمسك كتاباً فيحس به في يده كشيء أخف من الحطب أو الحديد، شيء مستطيل ملون لا فائدة له فيعود ويضعه مكانه دون أن يعرف ماذا يصنع به. . يقف أمام مكتبة فيرى هذه الأشياء الجميلة الصفراء والخضراء والحمراء والبيضاء بجلودها المذهبة ولا فرق عنده بينها وبين زجاجات العطور الملونة التي لا سبيل إلى استنشاق عبيرها من وراء البلور، أنه لا يستطيع أن يتصور البهجة العظيمة التي يمكن أن تنفجر فجأة من سطر واحد في هذه الكتب كما ينبثق القمر الفضي من السحب المظلمة الميتة، هذا المسكين إنه لا يعرف الرعشة التي كثيراً ما تهزنا إذا قرأنا وصف حادثة من حياة شخص يتخيله الكاتب فلا تملك أنفسنا من أن نعيش معه ونشاركه في مقدراته، فهو يعيش منفرداً كأن جداراً يحيط به لأنه لا يعرف شيئاً من الكتب ويقضي الحياة في ظلمة وجمود، وقد سألت نفسي كيف يمكن احتمال مثل هذه الحياة دون أن نختنق وكيف نستطيع البقاء دون أية صلة بالمجموع؟ كيف يمكن الصبر على عدم معرفة شيء سوى ما نبصره ونسمعه بالتصادف وكيف يمكننا التنفس دون استنشاق هواء العالم الذي يتدفق من الكتب؟ لقد حاولت بجهد متزيد أن أتصور حالة عدم معرفة القراءة وأتخيل موقف من لا صلة له بعلم الفكر وسعيت كثيراً لأتمثل في ذهني حياة مثل هذا الرجل كما يسعى العلماء بتنقيب آثار العصور الحجرية القديمة أن يتمثلوا معيشة الإنسان الابتدائي ولكنني لم استطع الرجوع بنفسي إلى ذهنية رجل أوروبي لم يقرأ كتاباً أبداً وتيقنت استحالة ذلك وإنني في هذه الحالة لا فرق بيني وبين أصم يحاول تصور الأنغام الموسيقية. . . على أنني بعد أن عجزت عن فهم ذهنية الرجل الأمي رأيت أن أحاول تصور حياتي الذاتية منفصلة عن الكتب، فبدأت أسعى للتجرد ساعة عن كل ما اقتبسته من الكتب ولكن منذ أول الأمر تيقنت من استحالة ذلك لأنني رأيت أن ما أسميه ذاتي وما يتكون منه مفهوم (الأنا) سوف يذوب ويتحلل ولا يبقى منه شيء أبداً أذا حاولت تجريده من جميع ما اقتبسته عن الكتب من علم وتجربة وقوة وعاطفة ومن معرفة بالعالم وشعور بالذات أي شيء حاولت أن أفكر فيه كنت أرى الذكريات والتجارب التي استفدتها من الكتب ترتبط به وكل كلمة تخطر لي كانت تثير بالتداعي مالا يحصى من آثار القراءة والتعليم، إذا فكرت مثلاً

стр. 621

أنني أسافر الآن إلى الجزائر وتونس فإن ألافاً من الأفكار تتداعى بسرعة البرق وتتبلور حول هاتين الكلمتين فأتذكر قرطاجنة وعبادة (بعل) وسالامبو والمنظرة التي يصف فيها المؤرخ ليفيوس تلاقي سيبيون مع هانيبال في (زاما) ومرت أمام مخيلتي الصورة البديعة التي رسمها (دولاقروا) ووصف رائع لتلك البلاد في كتب (فلوبير). وغير ذلك آلاف التفرعات التي قامت حية في ذاكرتي ومخيلتي بمجرد تلفظ كلمتي تونس والجزائر - لقد تذكرت البلدتين منذ آلاف السنين والحروب التي قامت فيها وتزاحمت علي جميع المعلومات التي كنت قرأتها وتعلمتها منذ أيام الطفولة. حينئذ عرفت أن من يقتبس ما في الكتب من تجارب غيره ويتعلم ما تشرحه من أحوال جميع البلدان والعصور والأجيال هو وحده الذي يحصل على نعمة الإحاطة بالعالم في فكره ويمتاز بهذه القدرة النادرة، العجيبة التي تجعله يشرف على الكون من جميع الجهات وقد شعرت بقشعريرة عندما تصورت عكس هذه الحال إذ يضيق العالم وتنحصر حدوده في نظر من لا علاقة له بالكتب. تذكرت مواقف حاسمة من حياتي كان لما قرأته في الكتب من الآراء أكبر الأثر فيها وخطر لي كثير من الساعات الماضية التي انقطعت فيها إلى قراءة بعض الشعراء القدماء فكانت هذه الساعات أثمن وأعز لدي من بعض الاجتماعات بالأصدقاء والنساء، وكلما أمعنت في التفكير ازداد يقيني بأن عالمنا الفكري يتألف من ملايين من الذرات التي تبقى من انطباعاتنا المتوالية وأن عدداً صغيراً جداً من هذه الذرات يرجع وحده إلى تجاربنا ومشاهداتنا الخاصة بينما جميع القسم الأخر وهو المجموع الذي عليه العمدة إنما جاءنا من الكتب، مما نقرأه ونتعلمه. وكل من انكشفت له هذه الحقيقة وعرف قيمة الكتابة والقراءة وأهمية التفاهم الفكري بمعناها الواسع، لابد أن يبتسم ساخراً من الخنوع والذل الذي استولى اليوم على الكثيرين من أصحاب القلم والفكر. فهم يبثون الشكوى من أن عصر الكتب قد انقضى وأن السيطرة الآن للصنعة والاختراعات الفنية ويقولون إن الغراموفون والسينما الناطق والراديو قد أخذت تزاحم الكتاب في نقل الكلام والأفكار بصورة أدق وأسهل ولذلك ربما لا يمضي زمن حتى يفقد الكتاب أهميته في الحضارة ويصبح من الآثار التاريخية.

стр. 622

ولكن ما أقصر مثل هذا النظر وما أضيق مثل هذا الفكر! هل استطاع العلم والفن الصناعي منذ آلاف السنين إيجاد شيء يفوق اختراع الكتاب، بل يضاهيه؟ فإن الكيمياء لم تكتشف مادة مفرقعة تقرب من الكتاب في تأثيره البعيد المدهش، ولم تصنع من صفائح البولاد والشمنتو المسلح ما يزيد في المتانة والبقاء على هذه الحزمات الصغيرة من الورق المطبوع ولم يتوصل الفن إلى إبراز شعلة كهربائية يضاهي نورها ما ترسله بعض المجلدات من أنوار. ومن الصعب أن نقايس بين أعظم التيارات الكهربائية الصناعية وبين الهزة التي تعتري النفس عند تماسها ببعض الكتب. ليس من خوف من جانب الصناعة والفن على الكتاب الذي لا يبيد ولا يبلى ولا يتغير على ممر الأيام والذي يجمع أعظم قوة ممكنة في أصغر وأبسط حيز ممكن بل أليس الصناعة الفنية نفسها إنما يمكن تعلمها وتطورها وتقدمها بالكتب؟ فالكتاب هو كل شيء ليس في حياتنا الخاصة فقط بل في جميع الأمور وهو المبدأ والمنتهى في كل معرفة وعلم. كامل عياد

стр. 623

التربية الفرنسية والثقافة العربية للأستاذ غابريل بونور تتمة تعريب الدكتور كامل نصري أذاعت البعثة الأمريكية، التي انتدبتها جامعة كولومبيا برئاسة الأستاذ مونرو لدرس مناهج التربية العامة في العراق ونقدها وإعداد خطط لإصلاحها، نتيجة تتبعها واستقصائها سنة ١٩٢٢. فجاء هذا التقرير شديد اللهجة نحو أصول التربية الفرنسية. أبان واضعه آثار النفوذ الفرنسي التي ظلت مسيطرة على التعليم الرسمي العراقي، مبدياً أسفه وملاحظاً أنه تراث النظام المدرسي العثماني. قال البروفسور مونرو: إن جميع وصايانا مستوحاة من أساليب التربية الآنغلو ساكسونية التي تسلك طريقاً أكثر حرية وأكثر خدمة لنماء الشخصية، بخلاف قواعد التربية اللاتينية التي تنهج منهج الشدة والتقيد بالظواهر. وفي موضع آخر نقد برنامج التدريس الابتدائي والأولي الذي هو أكثر شبهاً ببرامج أوروبة الغريبة منه بالبرامج الأكثر حرية والأقل شروطاً المستعملة في جهات كثيرة من الدول المتحدة الأمريكية وفي روسية السوفيتية وفي بعض أنحاء ألمانية والنمسة وقد ورد الجواب على هذا النقد فوراً من قبل مرب ذي مواهب فائقة ومقام سام ليس في العراق فحسب، بل في سورية أيضاً، حيث خلف لفيفاً من معاونين قدماء وتلاميذ أنصار، وهو ساطع بك الحصري مدير معارف العراق الأسبق الذي دافع عن صنيعه باثنتي عشرة رسالة، كان لها دوي عظيم في الأوساط التربوية السورية. وبها طرحت في دمشق قضية غايات التربية ومناهجها على بساط البحث، في زمن كان يعني فيه بإدخال إصلاحات هامة على التنظيمات المدرسية. إن روح التربية الفرنسية العقلية السائدة في تعليمنا التقليدي ذات صلة وثيقة بجوهر الثقافة والذهنية العربيتين، فلا يسوغ أن تعتبر في الشرق غير ملائمة وغير مثمرة: وفي الحقيقة يرى فيها الشرقيون روحاً تنطبق على روح عرقهم. إذ أن إيمان الفرنسيين الراسخ بلغتهم التي هي ثروة الفكر والجمال، وثقتهم بالنصوص الممتازة المقروءة جيداً والمحللة جيداً، يعرب عن كافة الأصول وعن مستقبل مصير الحياة الفرنسية وعن الخصائص

стр. 624

العقلية والبديعة الكائنة في تعليمنا الثانوي الذي يجمع أبداً بين الجمال والحقيقة باعتبارهما غير منفكين، وهذا هو الذي يسر أفئدة الأقوام الشرقية وينفذ إلى أعماق عواطفهم. فالشرقي رجل لم يولد أمس، فهو يغتاظ عندما يسمع القول، باسم النفع والفائدة العلمية، إن الأدبيات القديمة في التعليم العربي جوفاء لا تعبأ إلا بالظواهر. لأنه يشعر بأنها على عكس ذلك ممتلئة وغنية، ويحس كالفرنسي المتوغل باللغات والأدبيات القديمة، بميزة عظيمة في شرح النصوص القديمة الكبرى. فرحمة باللغة الوطنية التي تمنح معرفتها الدقيقة الأفكار الفردية كل النبل المندمج في حضارة قديمة العهد! وليس هذا تقديساً للكلمة، بل إيماناً بأن جميع أسرار الأجيال القديمة والعرق ماثلة في الصيغ اللفظية وينكشف عنها الحجاب لمن يتقن القراءة حقيقة. ولن يتسنى يوماً للشعوب العربية أن تحظى بثقافة أوروبية أخرى تتفق مع غرائزها الأصلية وتلقى هوى خلابا من نفوسها بدرجة هذا النوع من الثقافة. ومن المعلوم أن أرقى الأفكار في سورية تستأنس بالثقافة العقلية القديمة بكل سهولة أي بثقافة تطلق الحرية وترفع الشأن مستندة إلى الكنوز القديمة. وهذه الثقافة تصلح لصوغ رجل العقل والرجل العالمي، وليست أقل شأناً من ذلك في غرس حب الوطن فيه، إذ يرى صورة نفسه، أبان مطالعة الآثار النفيسة في لغته، وهو وارث حضارة روحانية مستقلة. إن هذه الخاصة المزدوجة تتفق تماماً مع أماني الشعوب العربية، أي مع شغفهم الخاص في إنماء العقل وحاجاتهم الحالية المبرمة إلى تحقيق مراميهم الوطنية ومع التناوب بين الفكرة العالمية والفكرة الخاصة الذي هو أحد الأوصاف المميزة الثابتة للروح السامية. ففي دمشق، كما في بغداد، يكره العربي مبدأ الحرية السابقة لأوانها، الذي قد يكون ممتازاً لإخراج اختصاصيين ولكنه لا يصلح لتثقيف ما هو جوهري في الإنسان. إن روح تعليمنا الثانوي تتلاءم هنا مع إحدى خصائص التربية التقليدية العربية، التي كانت تعد الطفل لحياة اجتماعية ودينية بجعلها لغة القرآن موضوعاً درسياً أساسياً لانسجام الأفكار في العالم الإسلامي. بيد أن ميولاً حديثة أخذت تنمو في الحال الحاضر. فيرغب أن يكون طفل اليوم أحد أفراد وطن يندمج بعضه في بعض غداً. وحقاً، لا يرجح شيء على درس لغة الأم بتعقل وإمعان، من أجل إيقاظ الشعور الوطني، فهي ذخر مشترك وزبدة قرون وثمرة

стр. 625

أصول وهبة قرائح وابتداع الجميع معاً وكل فرد على حدة. لقد لاحظت مرات شتى انعقاد تعاضد طبيعي بين سوريين وفرنسيين، عندما ينقد التعليم النفعي خصائص درس الأدبيات البيانية والأدبية والاصطلاحية مستنكرين خطتنا العقلية التقليدية وخطة المدارس العربية التقليدية معاً. وحينما يعرض على الشرقيين تطبيق الطريقة النفعية، التي تستهدف بالدرجة الأولى إعداد فنيين عمليين، فإنهم يسيئون الظن بمن يعرض هذه الطريقة ويخيل لهم أنه يرمي من ورائها إلى إدامة استعباد الشرق وعلى عكس ذلك يشعرون بأن في مناهج تعليمنا مزية إنماء الاستعداد لبلوغ الحقيقة وقوة الحكم المستقل الجريء في كل فرد وهو أول وأنقى أنواع التحرير. قال كاتب شاب حديثاً في بيروت أن ثمرة حرب المارن في نظر الشرقيين هي السماح لهم بالاحتفاظ بديكارت. ومع ديكارت جميع أدبياتنا القديمة وجميع مناهج درسنا والبديعية التي يصبو إليها الشرق بشغف خالص عميق. إن حب الوحدة الشديد ومذهب الخيال المجرد اللذين توحيهما الآثار الفرنسية الكبرى يلائمان ولا ريب الميول الأساسية للروح العربية. هوى الوحدة والخيال المجرد. ويمكن أن يستساغ القول من غير أن يستغرب. أن روايات راسين التمثيلية مثلاً التي قليلاً ما تستطاب من قبل الأجانب، ألفت لتلقى هنا شعباً متأهباً للشعور بالصفاء النقي والنبل الفردوسي. ولذا يتراءى لي أن منهاجنا في الثقافة العقلية القديمة يلائم هذا القطر كل الملائمة. وهو الذي جعلنا أبداً معلمين للشعوب الحرة، وقد عهد إليه بتمثل الدور نفسه في شعوب الشرق الفتية. على أنه يجب الحذر من أن لا تستهدف تربيتنا سوى الرجل النظري، بتوجيهها جل عنايتها نحو الرجل الخيالي. فسواء في أوروبة والعالم الجديد أو في آسية يزداد اهتمام المربين يوماً فيوماً بالتتبعات التي تستقصى في مؤسسات التربية وبالجهود المبذولة في سبيل استقراء المبادئ لتربية حديثة، من عالم أساطير الأطفال وألعابهم، تكون أكثر ملائمة لحاجات العروق الخاصة والشعوب والبيئات الاجتماعية، لأن هذه التربية الحديثة أكثر عناية بإيقاظ الخصائص الفردية وإنمائها. إن معالي ساطع الحصري ينتسب إلى نفس المذهب الذي يخضع إليه المربون الحديثيون في الجمهورية الصينية، باعتباره الطفل

стр. 626

مركز التربية شأناً وغاية، بدلاً من أن يعتمد على تنمية ما في الطفل من خصائص الراشد. فعوضاً عن أن يعبأ بتقوية عقله وصحة حكمه قبل الأوان، يعنى بإنماء قابليته للعمل الحر وتخيله التلقائي وإرادته العفوية والخصائص الغريزية من حساسيته. وباتقاء التقاليد التي تبغي إنماء مواهب الطفل الفكرية كالراشد وبنبذ وسائل الضغط والشدة، يعتقد بأنه يمكن أن يطلق العنان لقوى التشبث والابتكار التي تساعد الطفل عندما يبلغ أشده أن يعرب، في البيئة التي يعيش فيها، بوضوح جلي عن الفكر الخاص الذي يمتاز به عرقه وتقاليده. وعندما يراد تنظم برنامج تربية لأجل المشاريع الفرنسية في قطر عربي، لا يسوغ إهمال الثمرات المقتطفة في الشرق من هذه المناهج التي تكافح الثقافة العقلية القديمة، انتصاراً لثقافة تباينها مستوحاة أحياناً من أسلوب خيالي حديث. وكثيراً ما تتراءى تقاليدنا القديمة لدى الشعوب الحديثة في أسيا مكفهرة بالية في نظر المربين العصريين الذين اجتذبهم علماء الاجتماع والتربية الحديثان. وهم يوقعون من غير ما تردد على حكم كالذي يلي مقتبس من تقرير مونرو: لابد من تكامل فردي أكثر حرية، لنماء المبادئ الوطنية الجديدة في العراق بصورة حرة وسريعة. إن لهذه المناهج في التربية الجديدة، المطبقة على حالة الفرد الواقعية، من شؤون نفسانية عميقة أو استعدادات أساسية، اعتبارين في التربية: أولهما سلطة العلم الذي يوصي بها، وثانيهما، العاطفة الوطنية التي تروج استعمالها. فينتظر منها، أحياناً بسذاجة وأبدا بقناعة تحض على حسن استثمار رأس المال البشري. تحقيق تام، مبتكر وقوي لفرد وطني. ماذا يستخلص من هذه الملحوظات السريعة؟ أولاً: لا يجوز لنا أن نجحد صيغ الفكر الفرنسي التقليدية، بل يجب أن يبث هنا ما في تربيتنا التقليدية من مبادئ سامية نقية، وأن لا يتظاهر الفرنسيون بأن إيمانهم بالمنهاج الفرنسي أضعف من الأجانب، وأن لا يتناسوا ديكارت في الوقت الذي يشكر الطلاب اللبنانيون والسوريون في تجهيز بيروت جنود المارن على صنيعهم لأنهم احتفظوا لهم (بالمقال في الطريقة). ثانياً: يجب أن لا ندع مجالاً لأن توجه إلينا الملامة بأنا لا نهذب سوى الفكر. فقد صرح اللورد قبل الحرب بهذا الحكم الجدير بالتأمل، مشيراً إلى النتائج التي اكتسبها الهنود في

стр. 627

المدارس الانكليزية: لقد ثقفنا عقولهم من غير أن نهذب سجاياهم. فبجانب هذا التتبع العلمي والأدبي الذي يمنح الفكر أسمى وضع وأعظم دقة، يترتب علينا أن نتدبر كيف نستثمر هذه التربية التي تنمي الخصائص الفردية وحرية الإدارة لدى الطفل. والشرقيون يبالغون بمكانة العقل لدرجة أنهم يدعون غالباً قوة الشخصية تتضاءل في سبيل الفكرات. وكثير منهم من يشعر بذلك ويرغب لولده تربية تقوم على القوة والنظام، ثم يجب أن لا ندع الاعتقاد يسود أن تربيتنا تؤسس على نفسية عامة جداً أو على نفسية فكرية خالصة وبسيطة وأن جل ما أتمنى رؤيته مطبقاً بمقياس واسع في مدارس لبنان وسورية التجهيزية هو: حدائق أطفال منظمة حسب أحدث الأساليب العصرية وصفوف ابتدائية مؤسسة وفقاً لمبدأ العمل الحر ورقي واسع للتربية الجسمية وألعاب وتمارين رياضية مفيدة حتى يتسنى لنا أن نضيف إلى مزايا طريقة الثقافة العقلية القديمة، التي لا ينكر فضلها، قوة فعل المناهج الحديثة التي ترى فيها الشعوب الشرقية الآخذة بالنهوض ثانية إمكان إعداد شخصيات متينة تلائم حضارة تبعث من جديد. غابريل بونور

стр. 628

القارة المفقودة للأستاذ صادق النقشبندي كتب الكولونيل (جيمس شيرشوار) الضابط بالجيش الانكليزي وهو أحد المشتغلين بعلم الآثار يقول أنه عثر في الهند على (١٢٥) صفيحة عليها كتابات قديمة وأنه ترجم هذه الكتابات بمساعدة بعض علماء البوذيين واستخلص مما حوته أن مهد البشرية لم يكن في العراق ولا في الأناضول كما كانت العقيدة السائدة قبلاً بل في قارة كانت على خط الاستواء تدعى (مو) وهي في الأفيانوس الباسفكي قبل (١٥) ألف سنة وزاد على ذلك أن الكتابات التي عثر عليها تشير إلى أنها كانت آهلة تماماً قبل (١٣) سنة ومما قاله الكولونيل المذكور في مقاله عن هذه الاكتشافات أن حضارة مملكة (مو) كانت أعظم من جميع الحضارات التي عرفها البشر فيما بعد فقد كان لأهلها قبل (١٣) ألف سنة اختراعات ذهب سرها مع الزمن وكانت جيوش (مو) مجهزة بطيارات كبيرة تسع الواحدة منها (٢٠) جنديا وتسير بمحركات بسيطة مستخدمة لقوى الطبيعية التي يسعى العلم الآن إلى الاستفادة منها في هذه الأيام وقد جاء في الكتابة المكتشفة أخيراً أن القائد (رمنسدر) من قواد حكومة (مو) طار من عاصمة سيلان إلى الهند الشمالية دفعة واحدة وأن جنوده كانت مجهزة بأسلحة نارية وأن البارود كان معروفاً في ذلك الحين ولكن وقوع زلزلتين إذ ذاك دمر تلك القارة وابتلعت مياه الاوقيانوس سكانها وقصورها ومدنها وآثارها. أما أسباب الزلزلة فقد وصفت في الكتابات القديمة التي اكتشفها الكولونيل المذكور كما يلي: كانت قارة (مو) تحتوي على تجاويف مملوءة غازاً وإنه بركان فانفجرت النار في هذه التجاويف ونسفت القارة إلا بعض أنحاء منها تعرف اليوم باسم جزر هاواي. وقد زعم بعض العلماء بأن جزيرة ماداغسقار والهند واستراليا كانت متصلة بعضها مع بعض وبينها قارة تسمى (ليموريا) ويجب أن تكون هي (مو) التي سبق الكلام عنها. وهذه القارة غارت بطغيان البحر عليها ويؤيدون زعمهم هذا بعدة براهين من جملتها وجود نقوش على بعض صخور جزيرة (يستر) وهي جزيرة في الأقيانوس الباسفكي على بعد (٢٤٠٠) ميل من غربي سواحل أميركا الجنوبية نعثر فيها على مئات من النقوش والتماثيل المتقنة الصنع تمثل رؤوساً بشرية لا يفوقها في دقة الصنع أجمل تماثيل اليونان القدماء وفي تلك الجزيرة الصغيرة أيضاً دلائل كثيرة على

стр. 629

حضارة بائدة وأهالي هذه الجزيرة اليوم لا يتجاوز عددهم بضع مئات يتناقلون قصة الطوفان أباً عن جد. أما جزيرة ماداغسقار التي لا تبعد عن سواحل أفريقيا أكثر من (٣٠٠) ميل فإن بين حيواناتها وحيوانات قارة أفريقيا بونا شاسعاً وهي موطن حيوانات كثيرة لم تكن في موضع آخر من العالم ومنها الزحافات الهائلة من فصيلة الضب وعدا هذا الاختلاف الظاهر بينها وبين أفريقيا فأنها تشبه قارة آسيا بعض الشبه في حيواناتها رغم بعد الشقة بينهما وقد حاول بعضهم تعليل ذلك بقوله: إنه كان في الحقب الغابرة قارة في الاقيانوس الجنوبي تتصل بآسيا وقد أطلقوا عليها اسم (ليموريا) أي بلاد الليمور وفيها نشأ هذا الحيوان أي تلك الزحافات الهائلة وبتمادي الأحقاب غارت ليموريا في قاع الاوقيانوس وبقيت فصيلة الليمور في جزيرة ماداغسقار. وذكر أحد العلماء حديثاً عن القارة المزعومة أن بعثة برياسة السيد (جون مري) قامت تنقب في بحر العرب فاكتشفت سلاسل من الجبال تغمرها مياه البحر ومناطق غربية وتدل الحالة العامة للمنطقة الممتدة بين خليج عدن والشاطئ الهندي على قاع البحر كان فيما مضى منطقة أرضية كبيرة فيها واد عميق كان حوضاً لنهر يدعى (اللابراهم) الذي كان يجري في الهند من الشمال الغربي وستساعده هذه التنقيبات والنظريات لمعرفة شيء عن القارة المفقودة التي يطلقون عليها اسم (ليموريا) وعلى ذكر هذه القارة المزعومة أقول أن كثيراً من الكتاب والمؤرخين يعتقدون أن جغرافية العالم القديمة كانت تختلف عن جغرافية هذا الزمن وإنه كان ثمة قارات وبلاد ضاعت لأن مياه البحر طغت عليها. ومن ذلك قارة (آتلنتيس) وقد أشار إليها أفلاطون قديماً وكان الأقدمون بوجودها وراء أعمدة هراقليوس في المحيط الأتلانتيكي ويزعمون أنها من قارة آسيا ولا يزال بعضهم يعتقد ذلك ولعل ما يكشفه الزمن وتميط عنه الستار الأيام يشفي الغلة ويذهب ظمأ المتشوقين لمثل هذه المباحث ويخطو العلم في طريق حلها خطوات واسعة تقربنا من الحقيقة. محمد صادق النقشبندي

стр. 630

حكمة غندي أو طفولة المهاتما اقتبست هذه المقالة من كتاب قيد الطبع للكاتبة اليونانية (البنى ساميوس) تصف فيه حياة المهاتما غندي المقدسة بأسلوب شعري جميل لا أزال أذكر وجه أمي الكئيب المطرق فوق سريري. فقد كان على جبهتها دائرة تلمع كأنها كوكب خافق في الظلام الحالك. وكان من عادتها أن تنهض من النوم قبل الفجر، وقبل أن يستيقظ أحد من الناس. فتقف كسائر النساء الهنديات، صامتة واجمة مفكرة، مدة نصف ساعة، كأنها تخشى أن تعكر سكون الصبح. وكانت مولعة بزينتها فإذا انتهت من ذلك عانقتنا وطلبت من كل واحد منا أن يردد في نفسه. إنني حر، إنني شجاع، إن لساني لا ينطق بغير الحقيقة لم تكن سني تتجاوز الرابعة يوم كنت أقول: لا أريد أن أضر أحداً، أريد أن أتعود فعل الخير. لقد علموا والدتي يوم كانت صغيرة كثيراً من الأشياء التي يعلمونها اليوم لأخواتنا. لقد علموها أن تمشي رويداً فإذا مشت كتفت وخطرت في مشيتها بلطف كما تخطر اليمامة، ولا أذكر أنني سمعت خطواتها أبداً. لم تفارق الابتسامة شفتي والدتي أبداً، فكانت كثيرة الصبر، لا تعرف التعب وما كنا نسمعها تفتح أو تغلق باباً، ولولا صلصلة الحلي فوق ثوبها الفضفاض لما كان أحد يشعر بمرورها أبداً. كان النساء يلتقين كل يوم في الساعة الثالثة بعد الظهر في صحن المعبد الكبير. فإذا انتضد عقدهن في ظلال الشجر تحدثن عن كل ما جرى معهن في النهار، ثم أغرقن في الضحك والثرثرة، ولا يعدن إلى سكونهن وتأملهن إلا بعد سماع جرس الكاهن، وإذا قرع الجرس قرأ الكاهن بصوته الحزين بعض ملاحمنا المعروفة، ثم تبعه الناس مرددين ما يقول بصوت غضٍ خفي لأنهم كانوا يحفظون تلك الملاحم غيباً.

стр. 631

آه. كم كنت أحب سماع هذه الأناشيد. لقد كانت نفسي معجبة بهؤلاء الأبطال الذين لا يغلبون والذين توصلوا بشجاعتهم إلى التغلب على قوى الشر فغلبوا تارة ملك الحيات وأخرى ملك القردة. وكنت أحب أن أنظر من قريب إلى الفقراء والحجاج الذين كانوا مقيمين في صحن المعبد. ولقد صادفت الحكمة غير مرة تحت أثوابهم البالية. لا أزال أذكر رجلاً من هؤلاء الفقراء المتسولين. فقد كان طويل القامة صلب الوجه، لأن الشمس والأمطار قد جعدت غضونه ولكن الشرف المتدفق من عينيه وملامحه المتسقة كانت تدل على أصله الشريف دلالة واضحة. لقد أدرك سكان مدينتنا حقيقة سره لأن غضون جبهته لم تكن تخفى عن الناظر إليها إن صاحب هذه الجبهة المتجعدة شريف النسب قد هجر ثروته وأولاده ليكسب بهذه الحياة البسيطة الحكمة السامية. لقد كان لهذا الفقير صوت جميل، وكنت اسمعه ينشد على قيثارته قصائد أحسن شعرائنا: نحن نهيم منذ طلوع الفجر على وجهنا سائرين دائماً إلى الأمام لا نقف إلا حينما يخيم الظلام ويزول النور، صديق الجميع. نحن أولاد القدر الأحرار مالنا وللثروة وللعظمة والقوة والمجد والسلطان قد يهبنا الدهر منزلاً أو ثياباً وقد يحرمنا منها. وقد يهبنا خبزاً أو ذهباً وقد يحرمنا من ذلك كله. أما نحن فلا نتغير

стр. 632

بل تبقى قلوبنا سعيدة. الدهر أشبه بالعاصفة الهوجاء والمستقبل زهر لم تنشق عنه أكمامه ليت شعري هل نحيا لنجني ثماره نحن نسير دائماً متجمعين لا نخاف من شيء حاملين عصا الحرية في يدنا تائهين حائرين من بلد إلى آخر حتى نصادف الليل الذي يوصل الملوك كما يوصل الفقراء إلى نهاية أسفارهم كلها ما أعظم اللذة التي كنت أشعر بها عند سماع هذه الأنشودة الحماسية. تعلمت من هذا الفقير أسطورة جميلة وذلك أنه لما كان ذات يوم واقفاً في الطريق تجمع حوله أولاد المدينة وأخذوا يسألونه قائلين: - ماذا يجب على الإنسان أن يفعل إذا أراد أن يكون صالحاً؟ فأجاب الحكيم: - أيها الأولاد، كان فيما سلف من الزمان رجل حكيم فاضل قضى حياته في إقامة الصلاة وفعل الزكاة فلما جاءه هادم الحياة صعدت روحه إلى السماء فوجدت باب الجنة مغلقاً. فطرقت الباب حتى سمع الله صوتها - وكان واقفاً وراء الباب - فقال لها: - من الطارق فقال الرجل الصالح: - أنا أيها السيد افتح لي باب جنتك فأجابه الله: - أنك لا تستطيع الآن أن تدخل الجنة، عد إلى الأرض ولا تأت إلي إلا بعد أن تجد

стр. 633

الحكمة العلوية. فرجع الرجل الصالح إلى الأرض وعاش فيها مرة ثانية، وتصدق بكثير من أمواله على الفقراء، وزار كثيراً من المعابد والأماكن المقدسة فلما جفت ذبالة حياته أخذ لدخول الجنة أهبته. فقال له الله من جديد: - من هذا؟ قال الرجل الصالح: - أنا أيها السيد افتح لي باب جنتك. أنا، أنا ابنك الصالح، لقد عدت من الأرض. فقال الله: - والآن أيضاً لا تستطيع أن تدخل الجنة، ارجع إلى الأرض ولا تعد إلا بعد أن تجد الحكمة العلوية. فرجع الحكيم مرة ثالثة إلى الأرض وهجر منزله وزوجته وابنه الوحيد واعتكف في الحج زماناً طويلاً للبحث عن الحكمة العلوية فوجد الحقيقة بالتأمل والاتحاد ثم انقضت الأعوام أثر الأعوام واظلم سراج حياته فحمل عصاه وصعد إلى السماء وقرع باب الجنة. فسأله الله من وراء الباب من أنت؟ فقال الرجل الصالح: - أنت، أنت أيها السيد، أنت أما أنا فقد نسيت نفسي، وأتحدث بذاتك فقال الله: - أدخل يا بني، الآن عرفتك ثم فتح له باب الجنة. لقد كانت حياتنا نحن الشرقيين في الأزمنة الماضية جميلة جداً، لأننا كنا في غنى عن هذا الوحش الضاري الذي يسمونه الآلة. وكنا نجد من الوقت متسعاً للتأمل، فنفكر في الصباح والظهر والمساء، عند اشتداد الحر في ظلال الأشجار أو في صحن دارنا الصغيرة. وكثيراٍ ما كنا نغني ونحن بقرب المغزل أو عندما نحرث الأرض فنعمل بنشاط وفرح

стр. 634

رافعين نفوسنا نحو الجمال والحقيقة. وكان أخواتنا ينسجن ضفائر الزهر ويعلقنها في قرون البقر. لم يكن معنى الزمان في بلادنا كما هو عند الأوروبيين في أيامنا هذه. لم يعلمنا حكيم من حكمائنا هذا المبدأ اللعين القائل: الزمان من ذهب. لأننا لا نحب الذهب ولا نريد أن نضحي بالزمان في سبيله. العمل عندنا هو إبداع الجمال، ورفع النفس إلى الأفق الأعلى حيث تقيم الآلهة. لما كنت صغيراً ذهبت مع والدي ذات يوم لرؤية الأولاد الصغار الذين يحتفلون بهم لاعتناقهم حرف والديهم. لا أزال أذكر أن الولد ذهب قبل كل شيء إلى النهر واغتسل فيه ليجعل جسده نقياً كنفسه، ثم جاءت به والدته إلى الهيكل حيث كان والده وعقلاء القرية ينتظرونه حول النار المقدسة فسأله أبوه إذ ذاك قائلاً: - هل تريد أن تعتنق مهنتي وتحافظ على أسمي، هل تريد أن تصبح حداداً فتمتم الصبي قائلاً وهو مضطرب: - نعم يا أبتاه ثم أقسم قائلاً: - أقسم بالنار وبوالدي، وبالله الحي القيوم أنني أرغب في أن أكون حداداً وأريد أن أبدع للناس كل جمال وخير. ثم عرفه بالأدوات التي رافقته في أيام الإنتاج بأمانة وإخلاص، فتقرب الشاب من هذه الأخوات الصغيرة على الملقط والمطرقة والمنفخ وقميص الجلد وعانقها بحنان كأنه يعانق أحياء ثم أتم قسمه قائلاً: - أقسم أنني سوف لا ألوث هذه الأدوات، وأشهد أنني لا استعملها إلا لإبداع الجمال والخير. لقد مر بي زمان كان فيه النساجون يصنعون شالات الكاشمير ويعدون لذلك من رجال الفن كالنقاشين والمصورين. فكانوا يصفون المبتدئين حول المغزل فيمسك هذا خيطاً أزرق وهذا خيطاً أصفر وذياك

стр. 635

خيطاً أخضر. وكان رئيسهم يرفع في كل صباح عصيته قبل الابتداء بالعمل فيخيم السكون المطلق. ثم يفكرون ويتأملون ويصلون جميعاً ويبتهلون للإله أن يساعدهم على نفع الناس وإبداع الجمال عل وجه الأرض. ثم ينقسمون بعد انتهاء الصلاة فرقتين وينشدون قائلين: ماذا تنسجون؟ ننسج السماء بالنجوم ماذا تنسجون؟ ننسج الأرض بالأزهار ماذا تنسجون؟ ننسج البحر بالأسماك والسفين وكان كل واحد من المبتدئين يدخل خيط الصوف بحركات متسقة، وكان معلمهم يجلس بينهم فينظم نبراتهم ويزن نقراتهم ويقود بعصيته التي تشبه عصية رئيس الجوق الموسيقي حركة خيطان الصوف. وكان العمال ينسجون بأناشيدهم خيوط الصوف الحمراء والصفراء والزرقاء ويولدون بعملهم هذا أنغاماً متسقة من الأصوات والألوان. ثم أنهم يتابعون عملهم كل يوم في الصلاة والإنشاد فإذا انقضى عليهم ثلاثة أسابيع أنهوا صنع الشال فيأخذه كل عامل بيده وينظر إليه بإعجاب. إن هذا الشال هو عمل الجميع، أنهم يحبونه كما يحبون الأحياء. ليس لحبهم ثمن لأن كلاًّ منهم قد وضع فيه شيئاً من نفسه. أنهم معجبون به. كل عامل يضع يده عليه بلطف وبود أن يبقى إلى جانبه فيقول لهم سيدهم: لننتخب له الآن أسماً. ماذا ترى يا (دانوبه). فيجيب العامل قائلاً وهو يحك رأسه: - أود لو نسميه شقيق الشمس فيقول الآخر: - أو نسميه الوحيد أو الأحد
следующие страницы →