Полный текст (812 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
آه. كم كنت أحب سماع هذه الأناشيد.
لقد كانت نفسي معجبة بهؤلاء الأبطال الذين لا يغلبون والذين توصلوا بشجاعتهم إلى التغلب على قوى الشر فغلبوا تارة ملك الحيات وأخرى ملك القردة. وكنت أحب أن أنظر من قريب إلى الفقراء والحجاج الذين كانوا مقيمين في صحن المعبد. ولقد صادفت الحكمة غير مرة تحت أثوابهم البالية.
لا أزال أذكر رجلاً من هؤلاء الفقراء المتسولين. فقد كان طويل القامة صلب الوجه، لأن الشمس والأمطار قد جعدت غضونه ولكن الشرف المتدفق من عينيه وملامحه المتسقة كانت تدل على أصله الشريف دلالة واضحة.
لقد أدرك سكان مدينتنا حقيقة سره لأن غضون جبهته لم تكن تخفى عن الناظر إليها إن صاحب هذه الجبهة المتجعدة شريف النسب قد هجر ثروته وأولاده ليكسب بهذه الحياة البسيطة الحكمة السامية.
لقد كان لهذا الفقير صوت جميل، وكنت اسمعه ينشد على قيثارته قصائد أحسن شعرائنا:
نحن نهيم منذ طلوع الفجر على وجهنا
سائرين دائماً إلى الأمام
لا نقف إلا حينما يخيم الظلام
ويزول النور، صديق الجميع.
نحن أولاد القدر الأحرار
مالنا وللثروة
وللعظمة والقوة
والمجد والسلطان
قد يهبنا الدهر منزلاً أو ثياباً
وقد يحرمنا منها.
وقد يهبنا خبزاً أو ذهباً
وقد يحرمنا من ذلك كله.
أما نحن فلا نتغير
стр. 632
بل تبقى قلوبنا سعيدة.
الدهر أشبه بالعاصفة الهوجاء
والمستقبل زهر لم تنشق عنه أكمامه
ليت شعري هل نحيا لنجني ثماره
نحن نسير دائماً متجمعين
لا نخاف من شيء
حاملين عصا الحرية في يدنا
تائهين حائرين من بلد إلى آخر
حتى نصادف الليل
الذي يوصل الملوك
كما يوصل الفقراء
إلى نهاية أسفارهم كلها
ما أعظم اللذة التي كنت أشعر بها عند سماع هذه الأنشودة الحماسية.
تعلمت من هذا الفقير أسطورة جميلة وذلك أنه لما كان ذات يوم واقفاً في الطريق تجمع حوله أولاد المدينة وأخذوا يسألونه قائلين:
- ماذا يجب على الإنسان أن يفعل إذا أراد أن يكون صالحاً؟
فأجاب الحكيم:
- أيها الأولاد، كان فيما سلف من الزمان رجل حكيم فاضل قضى حياته في إقامة الصلاة وفعل الزكاة فلما جاءه هادم الحياة صعدت روحه إلى السماء فوجدت باب الجنة مغلقاً. فطرقت الباب حتى سمع الله صوتها - وكان واقفاً وراء الباب - فقال لها:
- من الطارق
فقال الرجل الصالح:
- أنا أيها السيد افتح لي باب جنتك
فأجابه الله:
- أنك لا تستطيع الآن أن تدخل الجنة، عد إلى الأرض ولا تأت إلي إلا بعد أن تجد
стр. 633
الحكمة العلوية.
فرجع الرجل الصالح إلى الأرض وعاش فيها مرة ثانية، وتصدق بكثير من أمواله على الفقراء، وزار كثيراً من المعابد والأماكن المقدسة فلما جفت ذبالة حياته أخذ لدخول الجنة أهبته.
فقال له الله من جديد:
- من هذا؟
قال الرجل الصالح:
- أنا أيها السيد افتح لي باب جنتك. أنا، أنا ابنك الصالح، لقد عدت من الأرض.
فقال الله:
- والآن أيضاً لا تستطيع أن تدخل الجنة، ارجع إلى الأرض ولا تعد إلا بعد أن تجد الحكمة العلوية.
فرجع الحكيم مرة ثالثة إلى الأرض وهجر منزله وزوجته وابنه الوحيد واعتكف في الحج زماناً طويلاً للبحث عن الحكمة العلوية فوجد الحقيقة بالتأمل والاتحاد ثم انقضت الأعوام أثر الأعوام واظلم سراج حياته فحمل عصاه وصعد إلى السماء وقرع باب الجنة.
فسأله الله من وراء الباب من أنت؟
فقال الرجل الصالح:
- أنت، أنت أيها السيد، أنت أما أنا فقد نسيت نفسي، وأتحدث بذاتك
فقال الله:
- أدخل يا بني، الآن عرفتك
ثم فتح له باب الجنة.
لقد كانت حياتنا نحن الشرقيين في الأزمنة الماضية جميلة جداً، لأننا كنا في غنى عن هذا الوحش الضاري الذي يسمونه الآلة.
وكنا نجد من الوقت متسعاً للتأمل، فنفكر في الصباح والظهر والمساء، عند اشتداد الحر في ظلال الأشجار أو في صحن دارنا الصغيرة.
وكثيراٍ ما كنا نغني ونحن بقرب المغزل أو عندما نحرث الأرض فنعمل بنشاط وفرح
стр. 634
رافعين نفوسنا نحو الجمال والحقيقة.
وكان أخواتنا ينسجن ضفائر الزهر ويعلقنها في قرون البقر.
لم يكن معنى الزمان في بلادنا كما هو عند الأوروبيين في أيامنا هذه.
لم يعلمنا حكيم من حكمائنا هذا المبدأ اللعين القائل: الزمان من ذهب. لأننا لا نحب الذهب ولا نريد أن نضحي بالزمان في سبيله.
العمل عندنا هو إبداع الجمال، ورفع النفس إلى الأفق الأعلى حيث تقيم الآلهة.
لما كنت صغيراً ذهبت مع والدي ذات يوم لرؤية الأولاد الصغار الذين يحتفلون بهم لاعتناقهم حرف والديهم.
لا أزال أذكر أن الولد ذهب قبل كل شيء إلى النهر واغتسل فيه ليجعل جسده نقياً كنفسه، ثم جاءت به والدته إلى الهيكل حيث كان والده وعقلاء القرية ينتظرونه حول النار المقدسة فسأله أبوه إذ ذاك قائلاً:
- هل تريد أن تعتنق مهنتي وتحافظ على أسمي، هل تريد أن تصبح حداداً فتمتم الصبي قائلاً وهو مضطرب:
- نعم يا أبتاه
ثم أقسم قائلاً:
- أقسم بالنار وبوالدي، وبالله الحي القيوم أنني أرغب في أن أكون حداداً وأريد أن أبدع للناس كل جمال وخير.
ثم عرفه بالأدوات التي رافقته في أيام الإنتاج بأمانة وإخلاص، فتقرب الشاب من هذه الأخوات الصغيرة على الملقط والمطرقة والمنفخ وقميص الجلد وعانقها بحنان كأنه يعانق أحياء ثم أتم قسمه قائلاً:
- أقسم أنني سوف لا ألوث هذه الأدوات، وأشهد أنني لا استعملها إلا لإبداع الجمال والخير.
لقد مر بي زمان كان فيه النساجون يصنعون شالات الكاشمير ويعدون لذلك من رجال الفن كالنقاشين والمصورين.
فكانوا يصفون المبتدئين حول المغزل فيمسك هذا خيطاً أزرق وهذا خيطاً أصفر وذياك
стр. 635
خيطاً أخضر.
وكان رئيسهم يرفع في كل صباح عصيته قبل الابتداء بالعمل فيخيم السكون المطلق. ثم يفكرون ويتأملون ويصلون جميعاً ويبتهلون للإله أن يساعدهم على نفع الناس وإبداع الجمال عل وجه الأرض.
ثم ينقسمون بعد انتهاء الصلاة فرقتين وينشدون قائلين:
ماذا تنسجون؟
ننسج السماء بالنجوم
ماذا تنسجون؟
ننسج الأرض بالأزهار
ماذا تنسجون؟
ننسج البحر بالأسماك والسفين
وكان كل واحد من المبتدئين يدخل خيط الصوف بحركات متسقة، وكان معلمهم يجلس بينهم فينظم نبراتهم ويزن نقراتهم ويقود بعصيته التي تشبه عصية رئيس الجوق الموسيقي حركة خيطان الصوف. وكان العمال ينسجون بأناشيدهم خيوط الصوف الحمراء والصفراء والزرقاء ويولدون بعملهم هذا أنغاماً متسقة من الأصوات والألوان.
ثم أنهم يتابعون عملهم كل يوم في الصلاة والإنشاد فإذا انقضى عليهم ثلاثة أسابيع أنهوا صنع الشال فيأخذه كل عامل بيده وينظر إليه بإعجاب.
إن هذا الشال هو عمل الجميع، أنهم يحبونه كما يحبون الأحياء. ليس لحبهم ثمن لأن كلاًّ منهم قد وضع فيه شيئاً من نفسه. أنهم معجبون به. كل عامل يضع يده عليه بلطف وبود أن يبقى إلى جانبه فيقول لهم سيدهم:
لننتخب له الآن أسماً. ماذا ترى يا (دانوبه).
فيجيب العامل قائلاً وهو يحك رأسه:
- أود لو نسميه شقيق الشمس
فيقول الآخر:
- أو نسميه الوحيد أو الأحد
стр. 636
ثم يقول النساج:
- لا بل نسميه السرور. ألم ننسجه ونحن في جو من السرور والمحبة.
فيصفق الجميع له ثم يودعون هذا الشال الغالي الثمن ويرسلونه إلى أقصى مناطق الأرض ثم يعودون بعد ذلك إلى عملهم ليتعاونوا على إبداع أثر جديد من آثار الفن ينشرون به الجمال وينفعون به البشر.
جميل صليبا
стр. 637
ارنست رنان - للدكتور أنور حاتم
بقية المنشور في الصفحة ٧٣٨
في فرنسا مقاطعة الأحلام والتأملات، بعيدة عن العالم، منفردة في الجنوب، تلامسها أمواج البحر الاطلنتيكي وتتراكم في سمائها الغيوم، حزينة قاحلة تمتد على شواطئها الصخور ويغشاها الضباب، ينشأ سكانها في ذلك الإقليم الكئيب فتساورهم الكآبة ويقضون حياتهم في وحشة وجود غير الذي نحن فيه فتثور عواطفهم ويتسع خيالهم ويتولد في قلبهم اليأس. بريطانيا الصغرى وطن شاتوبريان ولامونيه اللذين تتغلب فيهما دقة الحس على قوة العقل - هي أيضاً وطن ارنست رنان.
ترعرع رنان بين والدين تقيين وقد ظن نفسه أهلاً للرهبنة فانقطع إلى مدرسة اكلير كية ولكنه بعد أن تعلم وأنهى تحصيله شعر بأنه أضاع إيمانه بالدين فرفع تحت تأثير أخته هنرييت ثوبه الأسود ورجع إلى تلك الدنيا التي هجرها بدون تفكر ولكنه لم يعتم أن شعر بعدم مؤالفته لحياة الناس كأن هناك هوة عميقة تفرقه عن أقرب الخلق إليه. فانعزل عن الدين والدنيا وانكب على العلم وقد قال وهو في مقتبل العمر التفكير والحس هما كل نفسي، هما ديني وهما ألهي.
أراد رنان أن يداوي اضطراب نفسه بالدرس والمطالعة. فتش عن حقيقة الأديان فلم ير إلا أفكاره المضربة وأخلاقه اليائسة وأراد أن يورد لنا صورة صادقة للشعوب البائدة فمثل لنا ما أنتجه خياله التائه الحائر. لم يك لرنان رفيق غير نفسه وقد أبدع لنفسه عالماً وهمياً عاش فيه واسكن فيه الأشباح التي أبدعها وفهم موسى والمسيح ومحمداً لا الذين عرفهم التاريخ ولكن الذين وصفهم ارنست رنان نفسه.
إن الخيال ضروري في التاريخ فالخيال يهب الحياة للأجيال الميتة ينعشها فينهض أبطال الماضي من غفلتهم ليعيشوا أمامنا كأنهم أبناء عصرنا ونشعر بأنهم رجال مثلنا يفرحون ويتألمون كما نتألم ونفرح، لهم عيوب وفضائل وأجساد ونفوس.
قاوموا الأيام كما نقاومها نحن فتارة فشلوا وتارة فازوا وطبيعة الإنسان واحدة لا تغيرها الأزمان، والعاطفة ضرورية لكتابة التاريخ إذ يستحيل على أن يتجرد عن عواطفه مادام إنساناً ولكن العواطف لا تمنع العدل في الحكم ولا يضل المؤرخ إن كان مخلصاً عن
стр. 638
البحث النزيه والتنقيب بين الوثائق التاريخية. ولكن ارنست رنان أساء استعمال الخيال والعاطفة في تأليفه فلم تكن أحكامه نتائج بحث ولكنها تولدت في عقله قبل أن يشرع في البحث فحرقت من آرائه وقادته إلى طريق الضلال.
كانت نفسية رنان قريبة من نفسية الشعوب السامية وقد باشر صغيراً في درس اللغات السامية عندما كان يستعد للحياة الاكليركية في سان سولبيس وأول من علمه اللغة العربية مستشرق يدعى (لوهير) ولوهير على زعم رنان عالم بالعبقرية والسريانية ولكنه ضعيف بالعربية فلهذا السبب لم يتمكن رنان من حفظ أصول هذه اللغة وعند خروجه من سان سولبيس أكمل دراسة اللغة العربية على رينو في المكتبة الملوكية (المكتبة الوطنية) و (كوسان دي برسفال) مؤلف تاريخ العرب قبل الإسلام ودرس الفارسية على الأستاذ كاترمير المعروف بشراسة أخلاقه واللغات الهندية على الفيلسوف برنوف واهتم بالدروس الصينية تحت تأثير الأستاذ ستانيسلاس جوليان ورافق العالم الأثري الفرنسي مارييت باشا في أحدى رحلاته لمصر ليدرس معه اللغة والآثار المصرية. درس جميع هذه اللغات ولم يبرز في واحدة منها ولم يظهر كفاءة في مادة من مواد تلك اللغات. أقام سنة كاملة في سوريا (من تشرين الأول ١٨٦٠ إلى تشرين الأول ١٨٦١) لاكتشاف الآثار الفينيقية وقد فتش طويلاً في بيروت وصيدا وجبيل وعمشيت (حيث توفيت أخته هنرييت ودفنت) وطرطوس وأم العواميد عن الآثار فلم تأت رحلته الطويلة بفائدة علمية تذكر وقد أثبتت رحلات من عقبه من المستشرقين قلة اطلاعه وقد أطنب أصحاب رنان بذكر طول باعه في اللغة العبرية ولكن علماء اليوم هدموا كل ما بناه رنان بالأمس فيما يتعلق بالتاريخ الإسرائيلي وكل من درس اليوم كتب رنان يعرف تأثير شتروس وهرددر وكروزر وهيفل من كتاب الألمان في مذاهبه المبتكرة. وقد أظهر عداوة غريبة للعرب والإسلام، وحدث صهره جان بسكاري بأنه لما كان رنان صغيراً وضع قصائد عديدة مطلعها جميعها: اسحقوا الأتراك وأنكر على العرب علومهم وفلاسفتهم ونسب النهضة العربية في بغداد والأندلس إلى اليهود والروم.
وتحمس للشعر الجاهلي من دون أن يدرك معانيه وزعم أن الفرس ضحية العرب والإسلام مع أن الفرس متمسكون بالإسلام أكثر من العرب أنفسهم. أما سوريا فقد سحر برقة جبالها
стр. 639
وديانها ومياهها العذبة وحاول أن يسند إلى مناظرها الفتانة أسباب انتشار المسيحية في نواحيها بعد وفاة المسيح وبدأ يكتب حياة المسيح أثناء إقامته في سوريا ويظهر من كتبه إلى صديقه برتلو إنه لولا زيارته لسوريا لكان غير رأيه في الديانات السامية فسوريا مسؤولة إذاً عن روايات رنان وأحاديثه وأوهامه فالذنب كل الذنب على تلك البلاد الجميلة التعيسة!!
وإذا أردنا أن نحلل مذاهب رنان الاجتماعية نرى أن لرنان مذهباً واحداً هو الابتعاد عن كل المذاهب وقد قيل عن موقفه أمام المبادئ الفلسفية إنه أشبه بطفل في غرفة مملوءة بالدمى وضعت تحت تصرفه فينظر فيها ويجر بها ويلعب بها ويحطمها واحدة بعد الأخرى ولم يترك حين خروجه إلا قطعاً مختلفة الألوان فرنان نفسه لا يعرف إن كان أدبياً مبدعاً أو عالماً بحاثة أو فيلسوفاً اجتماعياً، ولسنا نعرف أكثر منه عن ذلك. عاش رنان حائراً متردداً متشككاً في آرائه ومعتقداته تتقاذفه الأديان تارة وطوراً تضله العلوم، عاش تائهاً حائراٍ لا يدرك ما يحويه الوجود من الظلمات، شك رنان لأنه كان يرى الحقيقة تتلألأ حيناً في كل مذهب من مذاهب الإنسان وحيناً يرى أن كل ما أبدعه الفكر البشري فاسد، ومن كان بهذه العقلية فلا يبارى في التناقض، فبعد أن رفع رنان العلم فوق الدين وبعد أن صرح بأن كل شيء يزول ما خلا العلم (العلم معناه الخلود) شك في حقيقة العلوم ومنفعتها وأنكر رنان وجود الله ونادى في ظروف أخرى بأن الله واحد أزلي خالق للبشر. وقضى رنان عمره في الدرس والمطالعة. قال شيخوخته أن لا فائدة من أعماله وبعد ذلك تمنى أن يعيش أعماراً عديدة ليطلع على كل العلوم. وقد حاول أن يطبق على جميع أبحاثه العلمية ميزان طبيعته المتقلبة السيارة فجاءت تلك الأبحاث كثيرة القلق كأنها مبنية على ماء.
عاش رنان منفرداً متعجرفاً معتقداً أنه نابغة كل الاعتقاد وكانت ساعة موته مناقضة لجميع أعماله وقد وصفها لنا جان بسيكاري إذ أغلق له عينيه للمرة الأخيرة.
قال: كان رنان مضطجعاً على فراشه في داره المجاورة لمعهد الكوليج دي فرانس كانت عيناه متجهتين نحو النافذة فخيل إليه أنه بين هياكل اليونان فصرخ قائلاً: ارفعوا الستار عن النافذة أريد أن أرى الشمس تضيء فوق معبدنا ولما اقترب منه الموت دعا جان بسيكارى إليه وقال له: اعرف أن آثاري ستزول بعد موتي وأني سأصبح شيئاً منسياً. أنا
стр. 640
أعرف بأني سأصبح شيئاً منسياً، شيئاً منسياً.
ولم يمض على هذا القول أربع وعشرون ساعة حتى قضى رنان نحبه بين ظلمات الشك وشبهات القلق.
أنور حاتم
стр. 641
الكتب والصحف
الرقم ثمانية
تأليف جان غولمييه
-
عرف قراء الثقافة الأستاذ جان غولمييه رحالة وكاتباً اجتماعياً وها هو الآن ينشر مجموعة قصص تحت عنوان الرقم ثمانية. فالرقم ثمانية هو رقم الدفتر الصغير الذي حمله الأستاذ غولمييه عندما كان جندياً في سوريا وحوادث قصصه تجري أغلبها في أراضي سوريا وغايتنا الوحيدة من هذه الأسطر هي أن نعرف هذه المجلة على محتوى القصص التي تؤلف هذا الكتاب:
فالحكاية الأولى عنوانها الحياة جميلة وقد انتخب العنوان الأستاذ غولمييه عن تهكم لأنها حكاية محزنة وبطلها يدعى كلود مايار وقد ترك وطنه وتجند في جيش المستعمرات وكانت فرقته في بيروت حيث التحقت به امرأته وابنته الصغيرة ولكن كلود في الجيش اتخذ عادات شنيعة منها لعب القمار والرهان في سباق الخيل وقد خسر ماله واستدان من رفاقه ثم رأى نفسه مضطراً أن يسرق من خزينة الجيش وقد حاول مراراً أن يمتنع من الذهاب إلى سباق الخيل ولكنه كان يمل ويضجر ثم تعود على الميسر لمقاومة الضجر. سرق مرة أولى ثم كرر عمله ولما اقتربت ساعة الفضيحة ذهب إلى سوق من أسواق بيروت وأطلق على نفسه بعض عيارات نارية رمته صريعاً على الأرض. مات كلود ورجعت امرأته مع ابنتها إلى فرنسا إلى والده المسكين الذي ظن أن كلود ذهب ضحية الواجب ثم عرف الحقيقة عندما حاول أن يقبض مساعدة مالية لامرأة ابنه. وتنتهي القصة بيأس والد كلود وانقطاع أمله.
٢ - كان الجندي السنغالي لفباسي بسيط القلب لطيف المعشر جاهلاً بكل ما يتعلق بفن الحرب وبينما كان يوماً بعيداً عن فرقته ظن أحد الضباط أنه ينتسب إلى فرقة أخرى وأن اسمه كيكي مادو، وفرقة كيكي مادو على وشك الرحيل إلى سوريا فقبض حينئذ على لفباسي وأرغم على السفر إلى مرسيليا ومن هناك أبحر إلى بيروت. وفي لم يستطع لفباسي أن يفوه ببنت شفة خوفاً من العقاب حتى مرض ومات وقبر في مقبرة سورية ونعاه
стр. 642
ملازم من الجيش قائلاً كيكي مادو نم بسلام وافتخر بخدماتك لفرنسا وقد أتيت حراً متحمساً من قريتك البعيدة إلى هذه البلاد لكي تجيب نداء الوطن وقد قمت بواجبك وسيحفظ رفاقك منك تذكاراً خالداً
هكذا مات لفباسي المسكين ولم بعرف أحد حقيقة أمره.
أما الحكاية الثالثة فتجري أغلب حوادثها في دمشق وضواحيها لأنها تدور حول إحدى المومسات الإفرنجيات اللواتي أطلق عليهن الشرق اسم ارتيست وقد وصف لنا الأستاذ غولمييه، محل اللهو المعروف باولمبيا حيث يعرفنا بتلك الارتيست التي تدعى ايفيت وبسبب قدومها إلى سوريا. نشأت ايفيت في عائلة شريفة فقيرة فمات والدها وتركا لها أخاً صغيراً اسمه جان فاضطرت ايفيت لأن تتعاطى الفحش في سبيل تعليمه وتربيته. ولما شب جان تجند في سوريا عندما كانت الثورة الدرزية مشتعلة في دمشق والجهات وقتل في إحدى المواقع التي جرت في الغوطة بعد أن أوصى رفيقاً من رفاقه بالذهاب إلى مدينة بوردو في فرنسا لكي يخبر أخته بوفاته ولما سمعت ايفيت بهذا الخبر المؤلم أرادت أن تأتي بنفسها إلى سوريا لترى المحل الذي قتل فيه أخوها ودفن.
الجندية في المستعمرات أو البلاد البعيدة عن فرنسا لا توافق جميع الشبان وقد صرح بذلك المسيو غولميية مراراً في حكاية الأرتيست ولكن بعض الرجال خلقوا ليعيشوا في المهنة العسكرية ولا يصلحون لغيرها ولا للحياة خارج الجيش وهذه الحقيقة تظهر جلياً في القصة الرابعة والخامسة وهي كلها قصص محزنة قصها الأستاذ غولميية من غير أن يتحامل على الجندية كما ظن بعض الناقدين ولكنه أراد أن يضرب لنا أمثالاً عن نفسية الجنود في المستعمرات عامة وفي البلاد السورية خاصة. قال منهم من كان غليظاً سافلاً مثل المدعو اليازي ومنهم من كان جاهلاً وشجاعاً مثل الجندي كنس منهم من كان رقيق الشعور فيفسد الجيش أخلاقه في غالب الأحيان ويسبب هلاكه وتعسه في الحياة. وإنشاء الأستاذ غولميية بسيط ساذج بعيد عن التصنع وقد وصف بعض مناظر سوريا بدقة يستحق الثناء عليها.
أنور حاتم
النثر العربي في القرن الرابع للهجرة
الموضوع شائع ومعروف، غير أنه رغم شيوعه لم يطرقه أحد بصورة جدية ولم تتناوله
стр. 643
بعد وسائل البحث العلمي التحليلي الحديث. والقرن الرابع كما لا يخفي هو من أهم العصور الأدبية لما له من صفات تميزه عن بقية العصور السابقة لأن كتاب هذا العصر حاولوا بكل ما وأتوه من جهد ونشاط تنميق النثر وتحسينه بالألفاظ المنتخبة مع عناية فائقة بالشعر لكي يخلقوا بيد القارئ عند قراءته قطعة من نثر حاسة فنية تشبه تماماً الحاسة التي يشعر بها عند قراءته قطعة شعرية.
يلك هي الأسباب التي حدت بالأستاذ كي مبارك إلى أن يجعل من النثر العربي في القرن الرابع للهجرة موضوعاً لأطروحته لجامعة باريس بعد أن بين في مقدمة وجيزة أن بحثه لا يتناول سوى خصائص النثر الفني أي الذي عملت فيه الصنعة عملها لا النثر المعروف في كتابه المؤلفات العلمية والتاريخية.
١ - شيوع السجع والعناية الفائقة فيه وقد تعدى استعمال السجع الرسائل العامة إلى الرسائل الخاصة والمجادلات العلمية في حين أنه يجب أن تمنع خطورة هذه المواضيع الناس عن العناية بالألفاظ والالتفات غليها ومثال على ذلك الجدال الذي حدث بيوفيه ن بديع الزمان الهمذاني والخوارزمي وكتاب الأخير إلى رؤساء الشيعة في نيسابور.
٢ - الميل إلى الاستشهاد بالأشعار والأمثال وقد جرت العادة أن يستهل الكاتب رسالته بشعر أو شعرين تناسب الموضوع عوضا عن أن يبتدأ كما - في العصور السابقة - بذكر اسم الله والصلاة على نبيه وقد أورد المؤلف مثالاً على نلك كتاب بديع الزمان الهمذاني للخوارزمي وفيه يدعوه لمساجلة علنية بيد أن أكثر الكتاب في هذا العصر لم يتقيدوا بهذه القواعد بل استشهد بعضهم في رسائله بقطعة شعرية وآخرون بمثل شائع أو بقطعة بليغة وبعضهم دخل رأساً في الموضوع.
٣ - طرق كتاب القرن الرابع للهجرة مواضيع كانت فيما سبق في حوزة الشعر مثل الهجاء والوصف والرثاء مع العناية بالصور والمطابقة والتجانس وقد أراد الكتاب بذلك كما يرى الأستاذ زكي مبارك أن يعطوا لرسائلهم شكلاً فنياً يسهل على الذاكرة حفظها بدون تعب ولا عناء
٤ - أن شيوع القرآن في البلاد التي وقعت تحت سيطرة الإسلام جعل العرب يهتمون بالبحث عن أصول لغتهم ودرس قواعدها ودقائقها، ومن هنا يستنتج المؤلف أن خصائص
стр. 644
النثر العربي في القرن الرابع لم تكن شائعة في قطر دون آخر بل أن هذا النثر كان شائعاً في قطر دون آخر بل أن هذا النثر العربي كان شائعاً في أوساط البلاد الأدبية ورغم أن كل بلد احتفظ بلهجته الخاصة في الكلام والتخاطب نرى أن لغة القرآن بقيت ومازالت المثل الأعلى للكتابة في اللغة العربية.
ولا يغربن عن البال أن ما نسميه الصنعة أو ما دعاها المؤلف كانت الصفة الغالبة على النثر في هذا العصر وهنا لابد لنا أن نعرض لنظرية ابتدعها المسيو وليام أستاذ الآداب العربية في الكوليج دي فرانس في بحث طويل عن نشوء النثر الأدبي عند العرب وشايعه عليه الأستاذان طه حسين وأحمد ضيف وملخصه أن الصنعة اللفظية هي من أصل أجنبي وأن أول من اخترع النثر الأدبي عند العرب هو ابن المقفع الفارسي أي أن النماذج الصحيحة للنثر الأدبي عند العرب لا يجب أن تلتمس في القرآن - كما يرد الأستاذ زكي مبارك - لأن القرآن هو أقرب بأسلوبه إلى الشعر منه إلى النثر كما أنه لا يجب أن يلتمس هذا النثر في الحديث لأن أكثره مزور ومدسوس وأن ما يظهر عليه من صفات النثر المنمق الصحيح هو من وضع العصور المتأخرة إلى غير ذلك من الآراء التي هي ظاهرة للرأي السائد في أوساط المستشرقين من أن العرب مدينون للفرس واليونان بعلومهم وآدابهم وفنونهم وجميع منتخبات أفكارهم، وقد أفرد الأستاذ زكي مبارك فصلاً في كتابه للرد على هذه المزاعم وحاول أثبات أن الصنعة في النثر العربي ليست مقتبسة عن الفرس وإنما هي خاصة من خواص العبقرية العربية ثم أن ابن المقفع الذي ينسب إليه المستشرقون خلق النثر الأدبي عند العرب عاش في محيط فارسي وقرأ كتباً فارسية ولو أن الذي قالوه عن الصنعة الكتابية أنها من أصل فارسي لكان حري بابن المقفع أن يتأثر منها وهو الذي كانت كتابته من أرقى ما كتب في اللغة العربية وأبعدها عن الصنعة الكتابية والتكلف اللفظي.!
وفي الكتاب فصل ممتع عن الحياة العقلية في القرن الرابع للهجرة فقد ترك لنا كتاب هذا القرن رسائل ومؤلفات هي صورة صادقة لما جرى في هذا العصر من أهم الحوادث والأمور ولعل أهم هذه الأحداث هو نضال الشيعة في سبيل حقوقهم المشروعة وما جرت عليهم مطالبتهم بالخلافة من ويلات واضطهادات، والمنازعات التي اشتد أوارها بين
стр. 645
الفرس والعرب فقد اجتهد العرب بالرد على الشعوبية وقام هؤلاء بدورهم يعدون مثالب العرب ويظهرون عيوبهم وقد كان للكتاب والوزراء والولاة نصيب كبير في إذكاء هذه النار بين الكتاب، فكثرت المؤلفات في هذا الموضوع نذكر منها رسائل بديع الزمان الهمذاني التي تعد بحق صورة واضحة لعقلية أهل هذا العصر.
والخلاصة أن القرن الرابع للهجرة ذو أهمية كبرى في تاريخ الأدب والثقافة العربية وقد كان للمنازعات السياسية والخصومات الأدبية والعصبية الجنسية أثرها في تكوين هذا النثر ودفعه في طريق التطور السريع.
إبراهيم الكيلاني
جغرافية العراق
أصدر الأستاذ الفريق طه الهاشمي كتابه الأخير جغرافية العراق الذي هو أحد مؤلفاته الثمانية عشر التي خصص أكثرها للبحث في شؤون العراق التاريخية والجغرافية وقد وضع هذا الكتاب الأخير لطلبة المدارس المتوسطة ودور المعلمين فجعله كتاباً مدرسياً عالج فيه ما يجب أن يعالج من أحوال العراق الجغرافية، بدأ يوصف وضع العراق الجيولوجي ووضعها الأرضي ثم درس أنهار العراق وبحيراته وإقليمه وحيواناته ونباتاته والحياة الاجتماعية فيه فتكلم عن سكان العراق وقبائله والبطون والأفخاذ التي تتشعب عن هذه القبائل ثم عالج الوضع الإداري فتطرق للبحث في التشكيلات الإدارية في زمن العثمانيين وقبلهم ثم وصف بوضوح وجلاء شأن العراق الإداري بعد الحرب العامة فعدد المدائن والقرى والقصبات في العراق وانتقل لمعالجة الشؤون الاقتصادية والزراعية فتكلم عن الري والزراعة وطرق الحاصلات والمعادن والمناجم والصناعات والتجارة وما إليها من الواردات والصادرات وقد زين جميع هذه الفصول بالصور والرسوم مما زاد في وضوح الأبحاث وسهولة تفهمها. ويقع الكتاب في ٢٤٧ من القطع الكبير،
جيد الطبع صقيل الورق تكاد لا تخلو صفحة من صفحاته من عدة رسوم يضاف إلى ما حواه من الخرائط والمصورات ولولا بعض تشويه وعدم وضوح في أكثر صوره ورسومه ووفرة الأغلاط المطبعية فيه لكان الكتاب نموذجاً لما تصدره العراق من مؤلفات جديدة وهو من الكتب التي يجدر مطالعتها ليس بالطلاب فقط بل بكل من يود أن يعرف عن العراق ما
стр. 646
لا يستغنى عنه كل مثقف في أقطار الشرق العربي.
ك. د
стр. 647
أخبار العلم والأدب
موت أميل ميرسون
لقد توفي في الشهر الغابر الفيلسوف الكبير الأستاذ أميل ميرسون عن عمر بلغ الخامسة والسبعين، وأميل ميرسون هو من العلماء الأفذاذ الذين انصرفوا لأبحاث فلسفة العلوم فوضعوا فيها من التأليف ما يدل على عبقرية عظمى وتفكير عميق ومعرفة شديدة في تاريخ العلوم وتطورها ولقد كان من أهم الموضوعات التي انصرف إليها الفيلسوف الراحل مهاجمته لفكرة الفلسفة الوضعية وتقريره أن هذه الفلسفة هي مما يخرج عن نطاق معرفة الطبيعة الحقيقية معرفة صحيحة فهو يؤكد ويؤيد وجود هوية كائنة في الحقيقة الوجودية وقد خصصت مجموعة (لوموا) الشهرية أبحاثاً جمة ممتعة عن فلسفة أمير سون ومذهبه العلمي في المجلد الخامس الذي صدر سنة ١٩٣١ كما أنها أفردت مقالاً مطولاً في مجلدها السادس من السنة نفسها عن مؤلفه الكبير تدرج الفكرة وتطورها وهو آخر ما نشره مفضلاً كلمة - على كلمة لما في هذه الكلمة الأخيرة من المعنى الفلسفي المجرد الفرق للمحسوس.
شعور الأسماك بالزلازل
لقد تبين للعالمين اليابانيين هاتاي ونوبوروآب أن هنالك نوعاً من الأسماك يبدي علائم كثيرة من القلق والاضطراب في مدة ست ساعات. قال أن الآلات الخاصة تشير إلى قرب وقوع الزلزال ولقد ظهر من نتيجة تتبع هذين العالمين أن بين ١٧٨زلزلة وقعت في عدة شهور أنبأت الأسماك بثمانين منها وذلك قبل أن تدل عليها الآلات الخاصة التي تشير إلى وقوع الزلزال ولقد تبين أيضاً أن هذه الأسماك تظهر العلائم نفسها سواء أكانت الزلازل ستحصل في منطقة قريبة أو في منطقة بعيدة جداً. ويعزى هذا الشعور إلى أن الجريان الكهربائي في الماء يتغير تأثيره في الأسماك قبل وقوع الزلازل ولهذا فهي تخاف وتضطرب وتظهر من العلائم والحركات ما يشير إلى وقوع الزلازل وذلك بصورة أوضح وأدل من جميع ما اخترع حتى الآن من الآلات والأدوات الخاصة التي تنذر بقرب موعد وقوع الزلازل الأرضية.
السبق الهوائي العالمي
стр. 648
لقد قام في أمريكا في الشهر الغابر الضابط سياتل بجولة هوائية في منطاد خاص فبلغ من العلو عن سطح الأرض مبلغاً أثبتته آلة الارتفاع في المنطاد فإذا هو ١٨٦٦٤ متراً ولقد أحرز هذا الضابط قصب السبق العالمي ففاز على الأستاذ بيكار الذي ارتفع في جولته الهوائية الثانية إلى علو قدره ١٦٢٠٠ متراً ثم لم يستطع من بعدها أن يتجاوز هذا الحد.
العلماء الجاهلون
كتب لويس لونغ أستاذ العلوم في جامعة طهران في مقدمة كتابه (أمام الحياة وجهاٍ لوجه) الذي نشره أخيراً ما يأتي: إن العلم لا يفيد صاحبه ولا يساعد على النجاح في الحياة إذا لم يرافقه العقل السليم مع الاهتمام بالحياة نفسها.
كثير من العلماء يقضي أيامه ولياليه منكباً على عمله بين كتبه ودفاتره منصرفاً كل الانصراف إلى أشغاله الذهنية ومتاعبه العلمية دون أن يكرس الوقت اللازم لنزهته ولهوه أو يخصص ما يجب من الزمن للاعتناء بصحته ورفاهه وترتيب أمور معيشته وكثيراً ما يحدوه هيامه بالعلم إلى أن يقلل من غذائه وساعات نومه وراحته. فهو عالم كبير ولكنه يجهل أو يتجاهل ما يعرفه عامة الناس مما تطلبه الحياة من أسباب الراحة واللهو والرفاه فلا يلبث أن يشيخ وهو شاب ويهاجمه الهرم وهو في ميعة العمر فيصبح على حافة القبر حيث لا يستطيع بعد ذلك أن يصل إلى ما يرمي إليه أو ينال ما يبتغيه من وراء بحثه ودرسه وهكذا فالهدف الذي جعله عينيه ينقلب فيصبح حجر عثرة في سبيله، لأن المساعي التي يبذلها أمثال هؤلاء العلماء لم تبذل متفقة مع ما تطلبه شرائط الحياة الصحيحة فتضيع الغاية ويصبح العمل عقيماً لا فائدة ترجى منه. وقد يتاح لهؤلاء العلماء أصدقاء وأخوان ينبهونهم إلى تلك المحاذير ويصورون لهم أخطارها ولكن جمودهم وتلك الفكرة المتأصلة المرتكزة في عقولهم تحول دون تفهمهم الأمر فيكتفون بابتسامة استخفاف يرسمونها على شفاههم ثم يعودون فينصرفون إلى عملهم هازئين بهؤلاء الأصدقاء الذين هم في نظرهم جهلاء لم تفقه نفوسهم حقيقة العلم وليس لأرائهم من قيمة حتى يعمل بنصحهم وإرشادهم.
إن العالم صاحب مثل هذه الفكرة الجامدة المستأصلة هو آلة تفكير ميكانيكية فهو لا يستطيع أن يفقه أبسط الأشياء رغم غزارة علمه ولا يمكن أن يكون أصوب رأياً من غيره من الناس ولعل الراعي الطروب وهو يهش بعصاه على غنمه فيفرح بحياته ويسهر على
стр. 649
راحته وهنائه وينعم بما وهبه الله من غرائز وما حبته الطبيعة من خصال لهو أسعد عيشاً وأهنأ بالاً وأكثر راحة من ذلك العالم الشقي الذي سجن نفسه في دائرة ضيقة من الحياة واستسلم لما تميله عليه عبقريته الكئيبة وفكرته المتأصلة المتجمدة.
العلم نظرية التطور:
ما زالت نظرية التطور، منذ أيام لامارك وداروين وسبنر، تشغل أفكار العلماء والباحثين فيحتدم الجدل حولها أحياناً ثم يهدأ ردحة من الزمن.
لا شك في أن العلم الحديث، القائم على البحث الدقيق والمعرفة العميقة، أصبح اليوم يدعو العلماء إلى التزام منتهى الحيطة والتربص في قبول النظريات وتعميم نتائجها كما كان الحال في القرن التاسع عشر تجاه نظرية التطور.
ولقد كادت نظرية داروين في الاصطفاء الطبيعي تتزعزع من أسسها في المدة الأخيرة بعد أن عجز البحث العلمي الدقيق عن إثبات وجود تغيرات دائمة متقسمة حسبما تدعي هذه النظرية فإن المشاهدات العلمية لم تظهر لنا سوى تبدلات وراثية فجائية. ورغم أن هذه التبدلات الجزئية تحدث بكثرة نسبية فإن العلماء ظلوا مدة طويلة لا يستطيعون وضع قانون لها يخرجها عن مجرد المصادفة ويشرح كيفية حدوثها وفائدتها في المحافظة على بقاء الذات ثم نشوء الأنواع الجديدة منها على الأقل.
وقد قام أخيراً الأستاذ (فيكتور يوللوس) في برلين يسعى لسد هذه الثلمة بالتجارب العلمية التي أجراها في سبيل معرفة التغيرات الاصطناعية فأن (يوللوس) فحص تأثير الحرارة المتزايدة في بعض الحشرات أثناء أدوار مختلفة من تطورها فوضع مقداراً من الذباب من جنس واحد في صناديق تبلغ درجة حرارتها ٣٥ - ٣٦ ثم نقلها بعد عدة ساعات إلى درجة الحرارة المعتادة وهي (٢٥) سانتيغراداً. حينئذ لاحظ (يوللوس) أن عدد التغيرات التي حصلت تحت تأثير الحرارة كان يقارب (١٠٠) بين (٥٠. . . .) في حين أن التغيرات الوراثية تحت الشروط الاعتيادية لا تزيد عن حادث واحد بين (٢٥٠. . . .) ثم استطاع الأستاذ (يوللوس) في تجاربه هذه أن يتوصل إلى نتيجة ثانية أكبر أهمية وهي زيادة التغير الحاصل تحت تأثير العامل الخارجي في اتجاه معين. فأنه بتكرار زيادة درجة الحرارة استحصل من ذباب قاتم اللون على أنواع جديدة باهتة.
стр. 650
ولما استمر في هذه الطريق تمكن أخيراً من الحصول على نوع جديد من الذباب له عيون صفراء عوضاً عن الحمراء القاتمة. وأغرب حادث من هذا القبيل هو مشاهدة ذباب له عيون بيضاء تكونت تحت تأثير الحرارة بعد التكرار الطويل.
هذه التجارب قد برهنت على أن هناك تطوراً يسير في اتجاه معين وبذلك تم أثبات أحد المبادئ الهامة في نظرية التطور. .
الوراثة وتأثير البيئة:
في مؤتمر علماء الطبيعة الذي عقد أخيراً بمدينة (ويسبادن) ألقى الأستاذ (لانفه) من جامعة (برسلاو) محاضرة عن تكون التوائم وتطور الشخصية قال فيها أن المشاهدات والمباحث العلمية تجعلنا نميل إلى نظرية تأثير الوراثة أكثر من نظرية تأثير البيئة.
لا ينكر (لانفه) أن التربية والبيئة والاقتداء من العوامل ذات الأثر البين في تكوين الشخصية ولكن يجب من جهة أخرى الاعتراف بأن مقدراتنا تابعة في الدرجة الأولى إلى استعدادنا الوراثي من الناحيتين الجسمية والفكرية.
وقد بدأت هذه الحقيقة تظهر جلية في النتائج التي نوصل إليها العلماء من مباحثهم في التوائم. ونذكر بأن هذه المباحث قد اشترك فيها عدد كبير من العلماء في جميع أنحاء المعمور وأن التجارب والمشاهدات أصبحت كثيرة تساعد على الفحص الدقيق والمقارنة الواسعة.
ويمكن القول أن النتائج جميعها تبرهن على أن مقدرات المواليد التوائم الذين ينشئون من (بويضة) واحدة لا تختلف بعضها عن بعض شيئاً في الخطوط الأساسية.
وإذا صرفنا النظر عن بعض الاختلافات الجزئية في الأمور الثانوية البسيطة فإن التشابه أو الاتفاق بين مقدرات التوأمين كثيراً ما يبلغ درجة عجيبة تدعو إلى الدهشة. .
ومما يزيد في إثبات تأثير الوراثة أن الأشخاص التوائم يشبهون بعضهم بعضاً في كل شيء وتتفق مقدراتهم وشخصياتهم حتى بعد التفريق بينهم سنين طويلة ورغم تقلبهم طول هذه السنين في ظروف متباينة وتحت شروط اجتماعية مختلفة كل الاختلاف.
وهناك أمثلة عن تؤمين عاش كل واحد منهما في قارة وفي بيئة اجتماعية مختلفة ثم ظهر أنهما أصيبا بالأمراض نفسها في وقت واحد تقريباً وكانت الأسباب الداخلية لهذه الأمراض
стр. 651
دائماً واحدة.
على أنه يجب الملاحظة بأن هذه المشاهدات لا تنطبق على الأشخاص الذين يولدون سوية فقط بل ينبغي أن يكون التوائم من (بويضة) تناسلية واحدة لأننا في هذه الحالة وحدها نستطيع أن نقول باتفاق العوامل الوراثية أما إذا اختلفت (البويضة) فإنه من الممكن أن نشاهد اختلافات ظاهرة بين التوأمين ولو عاشا في بيئة واحدة وتحت شروط واحدة. . .
وقد استنتج العلماء من هذه المشاهدات أن شخصية الإنسان تابعة للعوامل الوراثية أكثر منها لمؤثرات البيئة والمحيط.
وليست محاولات إصلاح النسل التي تقوم بها حكومة (هتلر) في ألمانيا سوى نتيجة عملية لهذه النظريات.
السيد ممدوح الشريف
توفي خلال شهر كانون الثاني السيد ممدوح الشريف نابغة الخطوط العربية عن عمر يناهز الستة والأربعين، وذلك في المستشفى الوطني بدمشق بداء الرئة الذي لم يمهله إلا أياماً معدودة.
والمرحوم من عائلة عريقة في المجد إذ ينتسب إلى الشريف عون أحد أشراف مكة وكان أبياً، كريماً، تخرج على يديه كثير من الخطاطين، واكتسب الدرجة الأولى في مسابقة وزارة المعارف لانتخاب خطاط للمدارس التجهيزية، وإليه يرجع الفضل في تتبع الخطوط القديمة وتصحيح الخط الديواني والكوفي، وكان يجيد مئة وخمسين خطاً وقد ترك آثاراً فنية قيمة. ونال في حياته الجائزة الأولى الممتازة في الخطوط من معرض الصناعات الوطنية بدمشق عام ١٩٢٩ كما نال مثل هذه الجائزة من المعرض العربي بفلسطين.
وقد كان مولعاً بالخط ولع الفنان بفنه ولا غرو فإن الخط العربي هو من الفنون الجميلة التي لا تقل قيمة عن الفنون الأخرى.
تحت سماء دمشق
إذا ذكرنا فقر هذه البلاد في كل شيء وقلة المناصرة التي يلاقيها أصحاب الفنون، والعراقيل التي تعترض سبيلهم فتمنع تجويد العمل وإتمامه على الوجه المرغوب. وإذا ذكرنا أن دمشق لا تزال بعيدة عن المساهمة في رقي العالم الفني - لم يسعنا إلا التهليل
стр. 652
لكل عمل يدرأ عن هذه البلاد وصمة التأخر. ولهذا نرحب بالفيلم السينمائي الصوتي الذي أخرجته - لأول مرة في تاريخ هذه البلاد - شركة هليوس فيلم السينمائية السورية المؤلفة من الشباب المثقف وعلى رأسهم السيدان عطا مكي وفريد جلال.
تحت سماء دمشق مأساة تدور حول موضوع اجتماعي هو تصوير الشباب المنغمس في الموبقات حتى الآذان، وآلام المرأة السورية في حياتها الزوجية. إلا أنها ملأى بالوصف الطبيعي لأشهر متنزهات دمشق وشوارعها وحاناتها، وهي من حيث الإخراج والتمثيل تستحق المدح لأنها أول ثمرة من نوعها. زد على ذلك الموسيقى التي تبهج القلب.
لقد لحظنا النقص الموجود في أخذ المناظر وترتيبها وتظهيرها ولحظنا ما يثير ختام الرواية من المفاجآت اللذيذة بعد ذلك الانتظار الطويل الممل والحيرة المؤلمة التي تستولي على المشاهد حتى ليكاد أن يغمض عينيه، ولحظنا البرودة في بعض الممثلين، ولكننا نغتفر ذلك وغيره في جانب الجهود الجبارة التي بذلها القائمون بالرواية والتي تدل على النشاط والإدارة والتضحية.
ونأمل أن تتابع شركة هليوس فيلم أعمالها لتكون رواياتها الجديدة أكثر اتقاناً ورقياً سواء في الإخراج أو التمثيل أو انتقاء المواضيع التي توافق النهضة السورية.
стр. 653
العدد ٩ - بتاريخ: ١٥ - ٤ - ١٩٣٤
стр. 654
اللغة والثقافة
بقلم الدكتور جميل صليبا
أقامت مجلة الثقافة للمستشرق الأستاذ لويس ماسينيون أثناء مروره بدمشق حفلة علمية ألقى فيها حضرته خطاباً عن اللغة العربية والثقافة جاء فيه أن تحديد معاني الألفاظ ونشر الاصطلاحات العلمية هو خير عمل تستطيع المجلات أن تقوم به لإبداع لغة ثقافية يتفهم بها الكتاب المعاصرون لأن اللغة العربية الحاضرة لا تزال تركيبية، فمن الضروري أن تنقلب إلى لغة تحليلية يكون بها لكل كلمة معنى يستغنى به عن الشرح بعبارة طويلة. فاللغات التركيبية تعبر في الغالب عن المعاني بعبارات طويلة لا يتم الإفهام بها إلا من سياق الكلام، ولكن اللغات التحليلية تعرف الألفاظ تعريفاً واضحاً فنستغني في الدلالة بها عن الجمل الطويلة. واللغة العربية الحاضرة قد أخذت تتصف بهذه الصفة تحت تأثير الكتاب والعلماء المتأخرين وسعيهم لتحديد معاني الألفاظ، إلا أنها لا تزال في دور انتقالي فلم توفق بعد إلى إيجاد جميع الاصطلاحات العلمية الحديثة ولم يتفق التراجمة بعد على الاصطلاحات التي اخترعوها. وكثيراً ما يحتاج القارئ في فهم بعض الكتب المترجمة للرجوع إلى اللغات الأجنبية، فإنك إذا قرأت كتاباً مترجماً عن اللغة الفرنسية أو الانكليزية مثلاً صعب عليك فهمه على حقيقته دون الرجوع إلى لغته الأصلية وخصوصاً إذا كان المترجم غير أخصائي بالفن كالموظفين الذين يترجمون التقارير أو البرامج في الدوائر الرسمية. ولا تخرج اللغة العربية من هذا التشويش إلا إذا وفق المترجمون إلى اصطلاحات علمية واحدة واستطاع القارئ أن يفهم المباحث العلمية من غير أن يرجع إلى الأصل الفرنسي أو الألماني أو الانكليزي. . . . .
وقد ذكر الأستاذ أموراً كثيرة غير هذه خالص زبدتها ما أعدت هنا. ولو استطعنا أن نتذكر كلامه كله لأثبتناه بالحرف لأنه صواب وحق فنقتصر إذن على إكمال البحث ببيان ما خطر لنا في علاقة اللغة بالثقافة.
١ - علاقة اللغة بالثقافة
إن علاقة اللغة بالثقافة قوية جداً. لأن وحدة اللغة إنما تنشأ في الغالب عن وحدة الثقافة. ولا يمكن المحافظة على وحدة اللغة إلا بتوحيد الثقافة بين مختلف الطبقات والمناطق. والسبب
стр. 655
في ذلك أن المعاني تؤثر في الألفاظ فتبدل استعمالها وتغير دلالتها، لأنها متصورة في الأذهان ومتخلجة في النفوس قبل تكون الألفاظ وكثيراً ما نفكر ولا نجد الألفاظ التي نستطيع الدلالة بها على أفكارنا. فالمعاني، كما يقول الجاحظ، مبسوطة إلى غير غاية وممتدة إلى غير نهاية. أما أسماء المعاني فمتصورة معدودة ومحصلة محدودة واللفظ لا يدل إلا على جزء مما هو قائم في الصدر من المعاني حتى لقد يضيق نطاق اللغة عن التعبير عما يخالج النفس من الصور والأمثال، وكثيراً ما نستدل على أفكار الأشخاص وعادات العصور وأخلاق الشعوب بالألفاظ التي يستعملونها. وكلما كانت المعاني أكمل وأشرف كانت الألفاظ أبين وأنور. فالألفاظ ليست كما زعم (دوبونالد) سابقة للمعاني، بل هي تابعة لها.
ولو كانت الألفاظ أسباب المعاني لما فكر الإنسان إلا إذا تكلم. ولكننا نعرف بالتجربة أننا نفكر من غير أن نتكلم ونعرف أيضاً أن هناك كلاماً داخلياً تختلط فيه حدود الألفاظ. فكأن الألفاظ واسطة لا غاية أو كأنها جسر نعبره من غير أن ننتبه إلى جميع أجزاءه.
نعم أن الألفاظ تؤثر في المعاني لأن مدار الأمر في اللغة ليس الفهم فقط بل الغاية هي إفهام السامع. وهذه الحاجة إلى الإفهام تغير من حالة الفكر الأولى. فالألفاظ تثبت المعاني في الأصل كثيرة الانبساط قليلة الثبوت. وقد قال هاميلتون إن الألفاظ حصون المعاني لأنها تجزيء الفكر وتحدده وتحلله وتجعله واضحاً وكثيراً ما توحي بالصور والأمثال والأفكار فيصل الكاتب بواسطة الألفاظ إلى غير ما أنبأ به فكره. ونحن لا ننقل إلى السامع كل ما تختلج به نفوسنا بل نرجع إلى الألفاظ. ونغربل بها معانينا وفقاً لما يقتضيه الحال لأنني حينما أتكلم لا أتكلم للتفاهم مع نفسي بل للتفاهم مع مخاطبي. وهناك ألفاظ فارغة وهناك ألفاظ مليئة. إلا أن غاية الثقافة هي إحياء المعاني في أذهان المتعلمين لا حشو ذاكرتهم بالألفاظ. خير للإنسان أن يكون كثير المعاني قليل الألفاظ من أن يكون قليل المعاني كثير الألفاظ. فاللغة هي أذن واسطة لا غاية. وهي بالجملة معلول لا علة، ولكنها إذا تنظمت صارت هي أيضاً علة. نعم؟ أنها تؤثر في الثقافة بتثبيت المعاني وتحليل الأفكار وإبداع الصور والأمثال إلا أنها لا تحيا إلا بما تشتمل عليه من المعاني وتتحلى به من الأفكار. ولذلك كان ارتقاء العلوم والآداب والفلسفة وقوة المثل الأعلى والإيمان القومي، كل ذلك
стр. 656
باعثاً على أحياء لغلت الأمم وانتشارها.
واللغات لا تنمو ولا تنتشر إلا إذا ارتقت الحضارة. فقد تزول العناصر السياسية التي نشرت اللغة إلا أن اللغة تبقى بعد زوال العناصر السياسية هذا إذا كانت الثقافة التي تشتمل عليها ثقافة عالية. إن اللغة اليونانية لم تنقرض بالفتح الروماني بل بقيت مستقلة، لأن ثقافة اليونان كانت أعلى من ثقافة الرومان وكان الرومانيون يستقون من ينابيعها أصول حضارتهم. واللغة العربية لم تنقرض بالفتح التركي وزوال سلطان العرب لأن ثقافة العرب أعلى من ثقافة الترك ولأن الأتراك أخذوا عن العرب مبادئ دينهم وأصول علومهم ووحي أدبائهم وشعرائهم، وكذلك اليهود الذين هاجروا من أوروبا الغربية إلى أوروبا الشرقية فأنهم حافظو على لغتهم لأن ثقافتهم كانت أعلى من ثقافة البلاد التي هاجروا إليها. ولولا ثقافة اللغة العربية لما استطاع السوريون الذين هاجروا إلى أميركا أن يحافظوا على لغتهم بالرغم من العوامل الخارجية التي تحملهم على استبدالها بغيرها. فاللفة لا تبقى إلا إذا كانت تشتمل على ثقافة عالية. نعم إن هناك لغات ثقافية قد انقرضت كاللغة البابلية واللغة المصرية إلا أن العوامل التي أثرت في انقراضها تابعة لأسباب تاريخية عديدة منها استبدال الحضارتين البابلية والمصرية بحضارة اليونان وحضارة العرب ومنها بعض الوقائع التي محت كثيراً من آثار الأقدمين ذلك من الأسباب التي لا يمكن ذكرها هنا. فالثقافة قد تبقى إذن بالرغم من زوال العوامل التي ولدتها. ومن الصعب محو اللغات ذات الثقافة العالية لأنها ذات مقاومة خاصة. قال ميله: تمتاز اللغة العربية في الجزائر الخاضعة لحكم الفرنسيين بكونها لغة كبيرة من لغات الحضارة. ولذلك فهي تتغلب على لغة البربر، أعني لغة سكان البلاد القدماء، تلك اللغة التي لا يمكن كتابتها وليس لها آداب. أن تقدم الحضارة يجعل اللغة العربية قوية بالرغم من أنها ليست لغة الشغب الحاكم. إن العرب لم يميلوا أبداً، أيان كانوا، إلى هجر لغتهم فلم يستبدلوا في الدولة العثمانية لغتهم بلغة الترك ولا عدلوا عنها في تونس ومصر إلى اللغتين الفرنسية والانكليزية. إن مقاومة اللغة العربية وانتشارها هما اليوم أيضاً قويان جداً
٢ - اللغة العربية لغة ثقافية
اللغة الثقافية هي اللغة التي يمكن التعبير بها عن المسائل العلمية والفنية والفلسفية
стр. 657
باصطلاحات مفهومة من أهل اللغة أنفسهم لأنها تشتمل على ثروة من العلم والأدب والفلسفة. فاللغة العربية بهذا المعنى لغة ثقافية لأنها غنية بالألفاظ والمعاني. وفي كتبها القديمة من العلوم والآداب ما ليس يوجد في كثير من لغات العالم. فقد ترجمت آثار الأولين من اليونانية والفارسية إلى اللغة العربية في الصدر العباسي حتى أصبحت لغة ثقافية كبيرة وصار في وسع كل عالم مهما كان جنسه أن يجعلها لغة تفكيره وإبداعه. فحفظت فيها علوم الأوائل وصارت منبع الثقافة ومفتاح العبقرية حتى القرن السادس عشر، لا يطلع طالب الفلسفة على علوم الأوائل وفلسفتهم إلا إذا استكملت ثقافته بها. وهي لغة اشتقاق يسهل على المترجم أن يجد فيها ما يحتاج إليه من الألفاظ كاللغة اليونانية واللغة اللاتينية، على عكس اللغة التركية الجامدة التي لا يمكن أن يصاغ منها اسم أو فعل إلا بإضافة بعض السوابق واللواحق على المادة الأصلية فالمادة في التركية لا تتغير بتصريف الفعل بل تبقى جامدة. وإذا صح انقسام اللغات بنوع من القسمة إلى هجائية كالصينية وجامدة كالتركية واشتقاقية كاليونانية كانت اللغة العربية من هذا النوع الأخير الذي يمكن اعتباره أرقى من النوعين السابقين فليس في اللغة ما يمنعها إذن من إيجاد الاصطلاحات العلمية الحديثة لأنها لغة اشتقاق مجردة يمكن التوسع فيها بالقياس. إلا أن سهولة الاشتقاق جعلت كل مرتجم ينحت لنفسه اصطلاحاً يختلف عن الألفاظ التي وفق إليها غيره. المثل الأعلى في اللغة أن تكون الألفاظ مبسوطة على قدر المعاني.
واللغات أما أن تكون غنية وأما أن تكون فقيرة، فإذا كانت غنية كانت ألفاظها لا تقل عن المعاني أو تزيد عنها وإذا كانت فقيرة كانت ألفاظها أقل من معانيها.
فاللغة العربية من اللغات الغنية غير أن كثرة ألفاظها المترادفة واشتراكها في الدلالة على المعاني المتشابهة وعدم تقيد الألفاظ بالمعاني، كل ذلك جعل الدلالة بها على المعاني العلمية المعرفة قليلة الوضوح، لأنك تستطيع أن تطلق على المعنى الواحد ألفاظاً مختلفة. وتجد المترجمين اليوم يستعملون للدلالة على المعنى الواحد ألفاظاً عديدة فلا تدري وأنت تقرأ بعض ما نقلوه أين تبتدئ حدود دلالة اللفظ ولا أين تنتهي فالسوري إذا ترجم أو ألف كتاباً في الطبيعيات يكاد لا يفهمه المصري إلا إذا ألف اصطلاحاته.
انظر إلى كلمة إن بعض المصريين يترجمها بالعقل الباطن وبعضهم يترجمها باللاوعي
стр. 658
ونحن نطلق عليها اسم اللاشعور. وهذه كلمة نحن نترجمها بالحدس وغيرنا يستعمل في الدلالة على معناها كلمة الا كتناه أو غير ذلك من الألفاظ. وهذه أيضاً كلمة وكلمة وكلمة وكلمة تكاد تجد لكل منها في لغتنا الحديثة أكثر من أربع كلمات فهل يمكن التفاهم بين العلماء إذا بقى الحال على هذه الصورة. وإن وحدة اللغة تنشأ كما قلت عن وحدة الثقافة وأقول أيضاً إنه من الضروري توحيد اصطلاحات اللغة لتوحيد الثقافة. لا يمكن تأسيس العلم إلا إذا أثبتت الاصطلاحات العلمية. هل يمكن الثقة والأمان برياضي يستعمل في دساتيره (س) بدلاً من (ق) و (ق) بدلاً من (س) أو يستعمل الأول مرة والثاني مرة للدلالة على الحد نفسه. لقد تباحثنا مع الأستاذ المسيو لويس ماسينيون في ترجمة قولهم فاقترح أحدنا ترجمتها بامتحان الضمير واقترح آخر ترجمتها بمحاسبة النفس.
وربما كانت الترجمة الأخيرة أحسن من غيرها إلا أنك لا تستطيع أن توقف باب الاجتهاد في وجه المترجمين إذا بحثوا عن اصطلاح آخر ما دام الاصطلاح لم يثبت المعنى بعد. أن خير وسيلة لإيجاد الاصطلاحات في مباحث علم النفس هي الرجوع إلى كتب الصوفية ولكن أكثر الذين ينقلون كنب الفلسفة وعلى الأخص كتب علم النفس يجهلون الفلسفة العربية عامة وكتب الصوفية خاصة. ومن سوء الحظ أيضاً أن قسماً من كبيراً منهم لم يعرف أسرار اللغة العربية كما أن أكثر علماء اللغة لا يعرفون اللغات الأجنبية. فنخن حينما نترجم نفتش عن الألفاظ للدلالة على المعاني فلا نجدها. وكثيراً ما نكتب باللغة العربية ونفكر باللغة الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية. فقد نلبس المعنى لفظاً مزيفاً لا يدل عليه أو يدل على غيره وقد نشتق لفظاً جديداً لا وجوداً له في لسان العرب وقد نبدل اصطلاحاتنا من غير أن ندري ويكاد يكون الإبداع في مباحثنا العلمية والفلسفية مقصوراً على تثبيت اللغة العلمية وتحديد اصطلاحاتها. وهذا أمر لابد منه لأن العلم لا يتم إلا إذا تحددت دلالات الألفاظ وقد قال (كوندياك) ليس العلم إلا لغة مرتبة. وعلى قدر كمال اللغة يكون كمال العلم.
إن اقتصار الإبداع في مباحثنا العلمية الأولى على تثبيت الاصطلاحات أمر ضروري ولابد لكل نهضة حديثة من المرور بدور الترجمة، هذا إذا أرادات أن توسع نطاق علومها حضارتها. والنقل في تاريخ الحضارة يسبق بالجملة الإبداع كما أن المعلم يسبق العالم.
стр. 659
والسبب في ذلك أن جهود المترجمين تتوزع بين المباني والمعاني فينصرفون إلى الألفاظ أكثر من انصرافهم إلى الأفكار وهذا أمر ضروري لا محيد عنه. إلا أن حركة الترجمة لا تزال بطيئة وهي في الغالب غير منظمة لأن كل كاتب يترجم ما يروق له ما هو ضروري لثقافتنا الحديثة. إن هناك كتباً ليس من شأن الأفراد أن يقدموا على ترجمتها. ولم توفق لجان الترجمة والتي تشكلت في بعض بلدان الشرق العربي إلى انتقاء أحسن الكتب، وحركتها لا تزال مشوشة. وربما كان توزع العمل بين مختلف الأقطار العربية وارتكازه في الغالب على جهود الأفراد، وعدم تنظيم الحركة الفكرية من الأسباب التي زادت التشويش والالتباس في الاصطلاحات العلمية. أن ترجمة الكتب في عصر الرشيد والمأمون كانت منظمة متمركزة، ولذلك كانت الاصطلاحات العلمية التي وفق إليها تراجمة ذلك العصر أقرب إلى الوحدة من الاصطلاحات التي اخترعناها الآن.
لقد كانت اللغة العربية في الماضي لغة ثقافية عظيمة وكانت كما قلنا خزانة العلم والفلسفة ومن السهل علينا أن نعيد لها هذه الصفة بنقل أصول الثقافة الحديثة إليها. إلا أنه من الواجب على المترجمين أن يتفقوا على الاصطلاحات العلمية ومن واجب المجلات أن تعمل على نشر هذه الاصطلاحات وتعميمها.
قال لي أحد المستشرقين مرة إن بعض علماء الغرب يعتقد أنه ليس بالإمكان تدريس الفلسفة باللغة العربية. قلت إن ذلك ممكن ودليل إمكانه حصوله. نعم إن النصوص الفلسفية لا يمكن تدرس باللغات الأجنبية ولكن ذلك أمر مؤقت لأن هذه النصوص يمكن أن تنقل إلى اللغة العربية وحينئذ تدرس بها كغيرها. فاللغة العربية الحديثة لا تصبح لغة ثقافية إلا إذا ترجمت إليها جميع أصول الثقافة الحديثة واهتدى المترجمون إلى الاصطلاحات الصحيحة وتوحدت اللغة العلمية في جميع بلدان الشرق العربي.
ويمكننا أن نذكر هنا بعض الأسباب التي أخرت هذه الوحدة.
١ - عدم استعمال اللفظ بمعنى واحد. أن المترجم نفسه لا يتقيد بالاصطلاحات التي استعملها فتجد للاصطلاح الواحد في كتابته معنيين أو ثلاثة.
٢ - عدم تثبيت دلالة اللفظ. إن الكاتب إذا لم يعرف لفظه فلا تخلو كتابته من الغموض والالتباس.
стр. 660
٣ - تعلم الألفاظ قبل فهم المعاني الدالة عليها.
٤ - عدم اتفاق المترجمين على الاصطلاحات العلمية وربما كان هذا الأمر ناشئاً عن توزع الجهود وتبعثرها وفقدان التنظيم والتعاون.
٥ - تكلف المترجمين إيجاد اصطلاحات جديدة من غير حاجة إليها.
٦ - تعصب بعض الكتاب للاصطلاحات التي اهتدوا إليها بالرغم من قناعتهم بفسادها.
٧ - جهل بعض المترجمين اللغة العربية.
٨ - عدم اختصاص بعض المترجمين بالعلم الذي ينقلونه، وضعف ثقافتهم العامة.
وربما كان حصر هذه الأسباب في مقال واحد صعباً جداً. ونحن لم نقصد من ذكرها هنا إلا دفع المترجمين إلى التعاون لإيجاد اصطلاحات علمية موحدة ولا يتم ذلك إلا بالخروج من نطاق حياتنا الضيق واقتباس الكتاب بعضهم من بعض وتنظيم حركة الترجمة على أساس مشترك وتنشيطها بجميع الوسائل الفعالة فإن هذا العمل خير عمل يستطيع الجيل الحاضر أن يقوم به لإيجاد لغة ثقافية تحفظ العلم وتهيئ للأجيال المقبلة سبيل الإبداع.
جميل صليبا
стр. 661
المرأة والتفكير
إذا تزوجت يا (هرماس) بامرأة بخيلة حفظت لي مالي، وإذا تزوجت بطروبة أغنتني وإذا تزوجت بعالمة علمتني، وإذا انتخبت عاقلة لم تغضب علي، وإذا اقترنت بغضوبة تعودت معها الصبر، وإذا تزوجت بمغناج رغبت في رضاي، وإذا أحببت أديبة لطيفة ربما تلطفت بي ورقت لحالي ثم أحبتني. ولكن أجبني يا (هرماس) ماذا أفعل بالمرأة التقية التي تخدع الله وتخدع نفسها.
(لابرويه ر)
٩٥)
علموا الفتاة أن تكون معتدلة في القراءة وأن تفضل عليها الأشغال اليدوية. القراءة تضر الفتاة أكثر مما تنفعها.
(مدام دومنتنون)
لا يقل ذكاء المرأة عن ذكاء الرجل. ولكنها أقل منه شعوراً. إذا كان في المرأة ما قلّ نموه من ملكات النفس فليس هو العقل بل الحساسية. والمقصود من الحساسية الحساسية العميقة، لا الهيجان السطحي والاضطراب الظاهر.
(هنري برغسون)
ينبوعا الأخلاق والدين ص٤١
стр. 662
الديمقراطية الحديثة في أمريكا
بقلم الأستاذ شاكر العاص
إن مدلول الديمقراطية آخذ بالتبدل والانحراف وهذا مما يزيد بحثها أبهاماً وتعقيداً وخصوصاً أنها تعني في الأصل أشياء كثيرة متنوعة. فالمبادئ العامة التي أقرتها والنظام الذي وضع خصيصاً لإبرازها لحيز العمل والتطبيق هي موضع بحث ونقد شديد. وقد اتخذت النتائج التي حدثت بعد تطبيقها خلال قرن ونصف معياراً للتمييز بين الجيد والخبيث فيها. ولم يقف بحث الديمقراطية وقد وضعت على مائدة التشريح عند هذا الحد بل تناول الأسس والنظريات الفلسفية التي قامت عليها حتى الآن. وقد ظهرت هذه الأسس بعد البحث بالية وهي التي لم يخامر الشك بها صدور الباحثين حتى عهد قريب وإنها غير قادرة على حمل البناء القائم عليها.
الديمقراطية في الواقع نسيج حاكه التطور الاقتصادي والتوازن الجديد الناتج عنه بين مختلف القوى الاجتماعية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فهي من وجهتها الفعلية تحقق شيئين الرأسمالية الطليقة والحكم الشعبي. ولتحقيقهما أقرت الديمقراطية المبادئ العامة المعروفة: الحرية والمساواة وصيانة الحياة والملكية وحرية المقاولات. وجعلتها دليلاً ينقاد إليه المشرعون ومن ينتهي إليهم الأمر. وأحدث النظام التمثيلي ليتسنى للشعب ممارسة السلطة التي وضعت فيه.
الحملات القائمة اليوم على الديمقراطية شديدة سواء في أوروبا أو في أمريكا ولكنها في الأولى أكثر شدة وعنفاً. ولكن هذه الحملات غير موحدة القيادة مختلفة في الغاية. فهي في الواقع هجمات على مواطن معينة في الديمقراطية يستهدف بها المهاجمون ما يحسبونه موطن ضعف فيها. ويقوم بهذه الحملات من لا يدينون بالديمقراطية بمعناها العام وهو أن الشعب مقر السلطات. أو الذين لا يقبلون بعض مبادئها العامة كصيانة الملكية وحرية المقاولات. ويطعن هؤلاء بالناحية الاقتصادية من الديمقراطية والنظام الرأسمالي الذي تحميه. فهم يرون أن الرأسمالية الطليقة سخرت المبادئ والأنظمة الديمقراطية لتحقيق أغراضها ومآربها وإنها تعمل عملها التخريبي في المجتمع تحت ظل القانون وحماية الدولة. والقائمون بهذه الحملة هم ما يطلق عليهم أجمالاً اسم الاشتراكيين في أوروبا على
стр. 663
اختلاف صبغاتهم وغاياتهم ويسمونهم راديكاليين في أمريكا. وأمضى سلاح يستعمله هؤلاء هو الماركسية الصحيحة أو المحرفة أو النظريات التي تقرب منها وأهم ما تتصف به حركتهم إذا استثنينا الشيوعيين هو تمسكها بالشكل الديمقراطي السياسي أي التصويت العام والبرلمان.
أما الذين يحاربون فكرة الديمقراطية ولا يرونها صالحة لحياة الشعوب فهم فئات خلقتها ظروف ما بعد الحرب يمثلها الآن الفاشستية الايطالية والاشتراكية الوطنية الألمانية وقد نشأت هذه الجماعات منذ تكونها نشوءاً ثورياً أي أنها تؤمن بالعمل المباشر ولا تتقيد بالقوانين والأنظمة العامة إلا حينما ترى فيها معيناً على تحقيق أهدافها. وحملتها على الديمقراطية شديدة جداً كما هو معروف. لا تقر فائدة التمثيل الحاضر بل ترميه بالفساد والانقياد لتحقيق المطامع والغايات الشخصية وتتهمه بالعجز عن حسن إدارة الشؤون العامة وخصوصاً عن القضاء على الماركسية الرهيبة التي تهدد حقاً كيان النظام الاجتماعي الحاضر. وسلاح هذه الحملة بعض المبادئ الفكرية كالقومية وإقرار مبدأ التمييز بين الأجناس وبين الطبقات. وبالرغم من كون هذه الحركة فكرية فهي لا تهمل الناحية الاقتصادية في برامجها وأعمالها وتصرح بمحاربة الرأسمالية الطليقة ولكنها في الواقع تحتفظ بجوهرها وهو صيانة الملكية الشخصية كما تحتفظ بمبدأ حرية المقاولات وأن كانت ترمي لتنظيمه.
إن مهاجمة الأنظمة الديمقراطية ضعيفة في الوقت الحاضر في أمريكا ولكن هناك نقمة تكاد تكون عامة على بعض الأصول الإدارية وعلى زمرة السياسيين أجمالاً. فالسياسة والسياسيون موضع ازدراء واحتقار كالاحتيال والمحتالين. وهذا الحادث يكاد أن يكون أمريكياً بحتاً ولا تصعب معرفة أسبابه على من عرف شيئاً عن حياة الأمريكيين العامة. فالواقع أنهم أخفقوا أخفاقاً شديداً في ممارسة الحكم والسياسة والإدارة. فلم يستفيدوا من ذلك شيئاً من أمهم انكلترا حيث بلغت هذه الصناعة الأوج في الإتقان والدقة وتفوق الأمريكيون تفوقاً لا يجارى في ممارسة الأعمال الصناعية والمالية على وجه عام. وقد خلق نجاحهم هذا ثقة في نفوسهم لا يوازيها غير ثقة الانكليز الناتجة عن نجاحهم في صناعة الحكم والدولة. إن نجاح رجال الأعمال في أمريكا ترك أثراً عميقاً في الديمقراطية الأمريكية إذ
стр. 664
تكيفت لتسهل النجاح في هذا المنحى. وسار الشعب وراء ملوك المال بلا تحفظ ولا تردد مندهشاً بما أحرزوه من ثروات هائلة مؤمناً بكفاءتهم ومقدرتهم الخارقة. لم يباشر هؤلاء الملوك الحكم بأنفسهم بل اكتفوا بشراء رجال السياسة وتسخيرهم فيما يريدون فاتقوا بذلك سخط الشعب واحتفظوا بإعجابه وتكريمه. وحرص رجال السياسة على ما اكتسبوه من سلطة وعملوا على توطيدها وأساءوا للشعب يحميهم جيش من المرتزقة والأتباع. أن تسلط رجال السياسة واستفحال شرهم دهراً طويلاً دون أن يحرك الشعب ساكناً ضدهم لغز يصعب علينا فهمه. ولكن الغرائب غير مستغربة في أمريكا. فشعبها النشيط منصرف لأعماله لا يعبأ بالسياسة ولا يعيرها اهتماماً. أما ملوك المال فلم يروا فائدة كبرى بالضرب على أيدي المسيئين وقد صرح أحد قادتهم في نيويورك بأن شراء هؤلاء الإماقيين أو دفع جزية لهم لاتقاء شرهم هو أقل ما ينبغي أن ينفق من المال لطردهم والقضاء عليهم.
إن هذه النقمة على رجال السياسة امتدت منذ عهد غير بعيد حتى أحاطت بملوك المال. ولكنها تتعلق من حيث الهدف بالفروع والتطبيق ولا تلمس الأصول والمبادئ العامة. أما الحملة الحقيقية فتستهدف النظام الاقتصادي المتقمص في ثوب الديمقراطية وترى هذا النظام لم يعد متفقاً مع روح الديمقراطية وجوهرها وأن الظروف التي وضعت فيها المبادئ العامة المشتقة من فكرة الديمقراطية قد تبدلت تبدلاً كلياً وإنه لابد من إعادة النظر في تلك المبادئ لتغييرها أو تفسيرها تفسيراً جديداً يلتئم مع ظروف المعيشة الحاضرة. فالأمريكي يشعر اليوم أن حقه في العمل والكسب لأجل العيش أهم من حقه في التصويت والعامل الأمريكي اكتشف بعد غفلة طويلة أن الحقوق الممنوحة له في الدستور لم تفده دائماً في تحسين أحواله وأن أكثرها سلاح يستخدم ضده ولذا أصبح مرتاباً بتلك الحقوق.
إن القادة من المحافظين على الديمقراطية شديدو الانتباه لحاجات الشعب التي نشأت من تبدل ظروف الحياة والعيش. ينظرون بعين الاعتبار للتوازن الجديد بين القوى الاجتماعية الحاضرة وهو بعيدون عن التعصب والتمسك بالتقاليد لذاتها شديدو الحرص على التطور والتكيف. لا يجهلون أن العامل الاقتصادي قد اكتسب أهمية في الحياة الحاضرة لم تكن له في زمن من الأزمنة. وأدركوا أنه لابد من تبديل مضمون الديمقراطية لصونها من مخاطر الهجمات الموجهة إليها سواء من اليمين أو الشمال. ورأوا أن الإصرار على المحافظة على
стр. 665
مبادئ لم تعد صالحة لتسيير حياة الأفراد في السبيل المرضية لاشك منته باضمحلال الديمقراطية واندثارها. ولذا تسير الديمقراطية الأمريكية في طريق التضامنية
إن هذا التبدل في مضمون الديمقراطية والانحراف عن مبادئها العامة المقررة والسير بها في سبيل جديد ليس هو كل ما يحدث حولها ويرمي لإصلاح شأنها وجعلها صالحة للقيام بمهمتها الرئيسية. بل هناك بحث ودرس عميق يتعلق بوظيفتها يرمي لإيجاد أفضل شكل ممكن تستطيع به الديمقراطية تأدية تلك المهمة. ولإيفاء هذه الناحية حقها من البحث ينبغي أن ننظر للديمقراطية من ناحية جديدة وأن نحلل مضمونها على مستوى أعمق من الأول فلا نقف عند مظهرها السياسي والاقتصادي كما مر معنا.
الديمقراطية في الأصل نظرة جديدة في الحياة والإنسان وطريقة مستحدثة لجعل علاقات الإنسان بأمثاله أكبر نفعاً وأعم فائدة لجميع الذين يساهمون في تلك العلاقات فقوامها إكبار شأن الفرد واعتباره غاية لذاته. ولذا منحته حقوقاً متنوعة ليتمكن من تنمية مواهبه وإرضاء رغباته ولم تكلفه للحصول عليها نزاعاً وعراكاً مع بيئته. نشأت الديمقراطية وترعرعت في جو الحكم المطلق والاستبداد الشامل فكانت رد فعل وثورة على الكرامة المهانة والحقوق المهضومة. فهي تشبه في منشئها الاشتراكية الحديثة التي خلقت في صفوف العمال في أوربا في القرن التاسع عشر بكونها رد فعل وثورة على النظم والأوضاع القائمة.
واستلزم ظفر الديمقراطية وضع نظام جديد يستطيع به الشعب ممارسة السلطة التي انتزعها. وقد أحدث النظام التمثيلي عامة والبرلماني خاصة لتحقيق هذه الغاية. وما هذا النظام التمثيلي كما هو معروف الآن إلا شكل من الأشكال التي يمكن أن يتخذها الحكم الديمقراطي. فليس هو بالشكل الوحيد ولعله ليس أفضلها. يرى المحدثون من أنصار الديمقراطية أن إخفاقها في تحقيق غاياتها العليا وهي توزيع أكبر مقدار من السعادة على أكبر عدد من الناس خلال أطول مدة من الزمن نتج بالدرجة الأولى عن عيوب ملازمة لهذا النظام الذي وضع لتخفيفها وإبرازها لحيز العمل. فإيفاد ممثلين لممارسة الحكم لا يرجعون لرأي الشعب إلا فيما ندر من الأحوال (وهذا في بعض الممالك فقط) لا يقول فيها أكثر من نعم أو لا لا يدل على ممارسة الشعب للحكم ممارسة فعلية كما يريد أنصار
стр. 666
الديمقراطية الصحيحة. ورأيهم أن النظام الديمقراطي في شكله الحاضر قائم على خطأ في إدراك وظيفة الديمقراطية الأصلية. ويرون أن هذا الخطأ منبعث من تسرب فكرة التضاعف القديمة التي اعتنقها الإنسان دهراً طويلاً ففرق الباطن عن الظاهر والروح عن الجسد والغاية عن الواسطة والنظري عن العملي والخ. والخطأ في النظام الحاضر يظهر لهم في التفريق بين الغاية الشيئية والعمل لإدراكها. فالأنموذج المتبع في هذا النظام الحاضر هو أن يضع الخبراء الغايات والأهداف ثم تؤخذ موافقة الشعب عليها.
يعترض المحدثون على هذه الطريقة في مرحلتها الأولى والثانية وقولهم في ذلك أن الغايات والأهداف التي يحددها الخبراء ليست في الواقع أكثر من غايات الخبراء أنفسهم فهي إذن غريبة عن الأفراد الذين وضعت لأجلهم والذين يطلب إليهم العمل لتحقيقها. أما موافقة الشعب على ما أقر الخبراء فلا تعني أنه أخذ على نفسه التقيد بما وافق عليه. لأن هذه الموافقة تحصل في المستوى الفكري بينما التنفيذ والعمل يقعان في مستوى العادة.
إن هذه الانتقادات الموجهة لشكل الديمقراطي لإصلاحه لم تكن ممكنة بالأمس لعدم توفر الشروط ولضيق نطاق المعرفة، فهي كما يظهر للقارئ مستندة للسكلجة الحديثة وللفلسفة البراغمية ولتقدم وسائط الاتصال والنقل (الراديو والطيارة) تقدماً لم يحلم به أحد قبل جيل واحد.
فالسكلجة الحديثة تشير إلى أن المثل العليا لا أثر لها في حياة الأفراد اليومية إلا بمقدار ما يفهمونها ويحيطون بها. وإن الأفراد لا ينفذون بغير استعمال العنت والشدة خطة مرسومة إلا بقدر اشتراكهم في وضعها واتصالها بحياتهم العادية وأن كل رأي أو وجهة نظر مهما كان مصدرها لا تترك أثراً في حياة الفرد الخاصة إلا بمقدار مامحصها بذاته وأحاط بما يترتب عليها بنفسه. وإن المثل الأعلى لا يكتسب تأثيراً وقوة إلا على نسبة تطبيقه في حالات وأوضاع متنوعة.
وتتفق تلك الانتقادات المستنبطة من السكلجة الحديثة مع وجهة نظر البراغمية في تفسير الديمقراطية وتحديد مرماها وبما أن النتائج التي توصلت إليها السكلجة قائمة على درس الحياة كما يعيشها الأفراد تكون مهمة المحدثين تحويل الأنظمة الديمقراطية لجعل هذه نسخة طبق الأصل عن الحياة كما أدركها العالم. هل يوفقون لاكتشاف الطرق الناجعة لتحقيق
стр. 667
ذلك؟ هذا موضع والدرس الآن والجهود المنصرفة في هذا السبيل عظيمة. والنتائج التي وصل إليها الدرس تحمل على التفاؤل والاطمئنان.
شاكر العاص
стр. 668
ما فهمته من بول فالري
إلى أستاذنا الفاضل المسيو غوستاف كوهين
بقلم الدكتور أنور حاتم
غموض فالري وبعض أسبابه
قرأت تقريباً جميع الكتب التي وضعها فالري (وعددها نسبة لما وضعه غيره من الكتاب محدود جداً) فظننت أني فهمت القليل منها وقرأت الدراسات والتحليلات والانتقادات والتفاسير والترجمات (الترجمات باللغة الفرنسية وبغيرها من اللغات) التي وضعت عن تآليف بول فالري فلم أفهم منها شيئاً أبداً والظاهر أن غموض شاعر المقبرة البحرية داء سار وقع فيه كل من عاشره مدة من الزمن والحقيقة أن شخصية فالري الأدبية غريبة في تطورها، شبيهة بالزئبق، يستحيل القبض عليها والوصول إليها وهو القائل عن المسيو تست ذلك الشخص النادر الذي خلقه في نشوة من نشوات شبابه: لا يمكن أن يقال عنه مالا يكون في البرهة نفسها مخالفاً للحقيقة. ولا شك أن أجهل الناس بفالري هو فالري نفسه وقد كثر شراحه في أيامنا هذه واعتقد أن فالري لم يفهم شرح أشعاره أكثر من أشعاره نفسها التي تحتمل كثيراً من المعاني ولا يدري هو أيها الأصح، وأن كان له فلسفة فتمتاز بتحركها وتحولها فهي لا تنفك تتركب بقالب جديد كل يوم والألفاظ برأيه ليس لها قوة ثابتة ولا تحتوي على أفكار جامدة فالألفاظ تقلب حسب النفوس وتأخذ القالب أو الصورة التي يريد الكاتب أو القارئ أن يمنحها إياها وإذا استطاعت الكلمات أن تسجن الفكرة وترفع أمامها كأسوار تمنعها من السير قتلتها وقد وجدنا تصريحات المسيو تست موافقة لنظرية فالري. قال المسيو تست: يعيبون غموض أقوالي ولكنني أن نظرت إلى الكون لا أرى إلا غموضاً. . . يفهم الأمور من يفحصها فحصاً سطحياً. . . أثمن ما في شخصيتي غامض علي ولو تمكنت من إدراك كل ما في نفسي لحرمت من الوجود. . . أشبه الألفاظ التي بواسطتها تجتاز مسافة فكرة بألواح خشبية سريعة الانكسار طرحت فوق هاوية يستطيع الإنسان المرور عليها لا الوقوف فوقها. فالرجل المستعجل يمر عليها ويسلم وأن أراد أن يتأخر تنكسر ويقع في أعماق الهاوية. هكذا من استعجل في فحص الألفاظ يدركها (أو يظن أنه أدركها) ومن أراد أن يطيل البحث فيها يتدهور في أعماق نفسه ويتيه. . .
стр. 669
إذاً فلا عجب إن صعب على كل قارئ إدراك بول فالري ومن المستحيل تعريف كل ظاهرة من ظواهر نفسيته باللغة العربية ولذلك لأسباب عديدة أهمها:
أن فالري اكتشف ميداناً جديداً للأدب ما اعتاد عليه النطق البشري فقد درس تطورات النفس في حالة الإبداع ونزاع الوجود والعدم وتوغل في الأنحاء المظلمة من روحه يستنبط منها كنوزاً ظهرت لنا وله غريبة وقد عجز النقاد وعجز الشاعر عن وصفها فأعطى فالري للألفاظ حياة جديدة وإبداع لأفكاره لغة جديدة لا يمكن تعريبها حتى ولا تحويلها إلى اللغة الفرنسية العادية وأرى أن كل ترجمة للمقبرة البحرية أو ملكة آجال البشر الشابة أو نرسيس أو سواها من أشعار فالري نصيبها الفشل. ومن الأسباب التي تجعل البحث عن فالري متعذراً في اللغة العربية هو أن سحر أشعاره ليس فقط في المعاني ولكنه كائن أيضاً في انتخاب العبارات والألفاظ حتى والحروف فقد استطاع أن يرتب الألفاظ في الشعر بصورة موسيقية وموسيقى الأشعار تضيع إن نقلت إلى لغة أخرى وفالري يعتقد بقوة العدد وينظم قصائده كمهندس يبني القصور والهياكل. وهو في فرنسة أول من حدد العلاقات القوية الموجودة بين الشعر والرياضيات فغاية الشعر الجمال والجمال في تناسب الخطوط وتناسب الخطوط يقتضي دقة الرياضيات وروح الشاعر المبدعة. وأن أردنا أن نعرف أهمية هذه النظرية عند فالري فما علينا إلا أن نفتح أحدث كتبه النثرية المشهورة وبالينوس. أو بالينوس المهندس بنى هيكلاً جميلاً للإله هوميس ولما سئل عن غايته من بناء هذا الهيكل أجاب: أردت عندما رفعت هذا الأثر أن أحفظ ذكر يوم مضيء من حياتي. يا لها من استحالة عذبة! لا أحد يعلم أن هذا الهيكل الجميل هو صورة رياضية لفتاة أحببتها وكنت بحبها سعيداً فالهيكل يمثلها لي فالعامي لا يدرك كيف يمثل صورة الفتاة أما الشاعر فله حاسة يستطيع بواسطتها العثور على العلاقات الخفية التي تربط كل صورة تمثل الجمال ببقية صور الجمال.
لا نريد أن نطيل البحث في هذا الموضوع خوفاً من الوقوع في الغموض أو الإبهام وغايتنا من هذه الملاحظات بيان الصعوبات التي تمنع الكاتب العربي من التكلم عن فالري باللغة العربية وسنأتي فيما بعد ببعض ما نستطيع التعبير عنه لشاعر من أشهر شعراء الغرب.
حياة فالري وتطور أفكاره
стр. 670
من يرى فالري لأول مرة يصعب عليه أن يرفع النظر عنه فهيئته الخارجية تستدعي النظر: قصير القامة ضعيف البنية يمشي ببطء وهو منحني الظهر قليلاً، شعره على وشك البياض، متدل على وجهه من جبهته اليمنى، يغطي حاجبه، فمه عريض يكلله شاربان كثيفان قصيران، خداه أجوفان تقطعهما تجعدات عميقة، عيناه صغيرتان لا أذكر لونهما ولكنك تشعر أن أطلت النظر فيهما بأنهما موجهتان إلى داخل فكره لا إلى العالم الخارجي فكأن أنظار فالري تنفى وجود كون خارج عن الكون الذي في نفسه.
ولد فالري في مدينة على البحر المتوسط تدعى سيت في ٣٠ أكتوبر من سنة١٨٧١ وكان والده من أصل كورسيكي وأمه ايطالية تنتسب إلى إحدى عائلات مدينة جنوى وفي السنة السابعة من عمره رحل إلى انكلترا ثم عاد إلى بلدته وبدأ تحصيله في مدرسة مرتفعة فوق المرفأ على مصعد جبل بالقرب من حقل الأموات ذلك السطح الهادئ بين أشجار الصنوبر والقبور الذي سيخلد ذكره في المقبرة البحرية.
وكان فالري الصغير تلميذاً متوسطاً في اجتهاده ومطالعته، بعيداً عن رفاقه ميالاً إلى الانفراد ولم يتخذ رفيقاً غير البحر المتلألئ المتغير الألوان حسب أشعة الشمس المتقلب فوق درره الثمينة المستترة، البحر الذي سيشبهه في المستقبل بنفسية الإنسان ولما بلغ السنة الثالثة عشرة من عمره أرسل فالري إلى مونبلييه ليكمل تحصيله وهناك أهمل دروسه، فشعر بوحشة البحر وقضى الليالي العديدة يحلم بدخوله في سلك البحارة نظير أجداده الكورسيكيين ولكن ضعفه في ذلك الزمان في الرياضيات حال دون مساعيه وقد انكب على مطالعة فيكتور هوكو وتيوفيل غوتييه ثم أحب فن البناء وبدأ يختصر معجم البناء الضخم الذي وضعه أحد المهندسين الإفرنسيين المشهورين في القرن التاسع عشر المدعو فيوله ليدوك - ولما شعر بأنه لا يستطيع اتخاذ مهنة معينة باشر مثل أكثر شبابنا اليوم بدرس الحقوق في معهد مونبلييه الذي سيكون عميده بعد بضع سنين شقيق فالري الأكبر جول فالري.
وبالطبع فإن شاعرنا نام في أغلب محاضرات أساتذة الحقوق ومما لاشك فيه أنه لم يجد أقل لذة من تلك الدروس الثقيلة الهضم ولم تلهه المدرسة عن الرياض والجبال والغابات. وقد بدأ بقراءة كاتب من أغرب كتاب فرنسا اسمه هو يزمنس واضع كتاب في الطريقو
следующие страницы →