Полный текст (812 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الديمقراطية الصحيحة. ورأيهم أن النظام الديمقراطي في شكله الحاضر قائم على خطأ في إدراك وظيفة الديمقراطية الأصلية. ويرون أن هذا الخطأ منبعث من تسرب فكرة التضاعف القديمة التي اعتنقها الإنسان دهراً طويلاً ففرق الباطن عن الظاهر والروح عن الجسد والغاية عن الواسطة والنظري عن العملي والخ. والخطأ في النظام الحاضر يظهر لهم في التفريق بين الغاية الشيئية والعمل لإدراكها. فالأنموذج المتبع في هذا النظام الحاضر هو أن يضع الخبراء الغايات والأهداف ثم تؤخذ موافقة الشعب عليها.
يعترض المحدثون على هذه الطريقة في مرحلتها الأولى والثانية وقولهم في ذلك أن الغايات والأهداف التي يحددها الخبراء ليست في الواقع أكثر من غايات الخبراء أنفسهم فهي إذن غريبة عن الأفراد الذين وضعت لأجلهم والذين يطلب إليهم العمل لتحقيقها. أما موافقة الشعب على ما أقر الخبراء فلا تعني أنه أخذ على نفسه التقيد بما وافق عليه. لأن هذه الموافقة تحصل في المستوى الفكري بينما التنفيذ والعمل يقعان في مستوى العادة.
إن هذه الانتقادات الموجهة لشكل الديمقراطي لإصلاحه لم تكن ممكنة بالأمس لعدم توفر الشروط ولضيق نطاق المعرفة، فهي كما يظهر للقارئ مستندة للسكلجة الحديثة وللفلسفة البراغمية ولتقدم وسائط الاتصال والنقل (الراديو والطيارة) تقدماً لم يحلم به أحد قبل جيل واحد.
فالسكلجة الحديثة تشير إلى أن المثل العليا لا أثر لها في حياة الأفراد اليومية إلا بمقدار ما يفهمونها ويحيطون بها. وإن الأفراد لا ينفذون بغير استعمال العنت والشدة خطة مرسومة إلا بقدر اشتراكهم في وضعها واتصالها بحياتهم العادية وأن كل رأي أو وجهة نظر مهما كان مصدرها لا تترك أثراً في حياة الفرد الخاصة إلا بمقدار مامحصها بذاته وأحاط بما يترتب عليها بنفسه. وإن المثل الأعلى لا يكتسب تأثيراً وقوة إلا على نسبة تطبيقه في حالات وأوضاع متنوعة.
وتتفق تلك الانتقادات المستنبطة من السكلجة الحديثة مع وجهة نظر البراغمية في تفسير الديمقراطية وتحديد مرماها وبما أن النتائج التي توصلت إليها السكلجة قائمة على درس الحياة كما يعيشها الأفراد تكون مهمة المحدثين تحويل الأنظمة الديمقراطية لجعل هذه نسخة طبق الأصل عن الحياة كما أدركها العالم. هل يوفقون لاكتشاف الطرق الناجعة لتحقيق
стр. 667
ذلك؟ هذا موضع والدرس الآن والجهود المنصرفة في هذا السبيل عظيمة. والنتائج التي وصل إليها الدرس تحمل على التفاؤل والاطمئنان.
شاكر العاص
стр. 668
ما فهمته من بول فالري
إلى أستاذنا الفاضل المسيو غوستاف كوهين
بقلم الدكتور أنور حاتم
غموض فالري وبعض أسبابه
قرأت تقريباً جميع الكتب التي وضعها فالري (وعددها نسبة لما وضعه غيره من الكتاب محدود جداً) فظننت أني فهمت القليل منها وقرأت الدراسات والتحليلات والانتقادات والتفاسير والترجمات (الترجمات باللغة الفرنسية وبغيرها من اللغات) التي وضعت عن تآليف بول فالري فلم أفهم منها شيئاً أبداً والظاهر أن غموض شاعر المقبرة البحرية داء سار وقع فيه كل من عاشره مدة من الزمن والحقيقة أن شخصية فالري الأدبية غريبة في تطورها، شبيهة بالزئبق، يستحيل القبض عليها والوصول إليها وهو القائل عن المسيو تست ذلك الشخص النادر الذي خلقه في نشوة من نشوات شبابه: لا يمكن أن يقال عنه مالا يكون في البرهة نفسها مخالفاً للحقيقة. ولا شك أن أجهل الناس بفالري هو فالري نفسه وقد كثر شراحه في أيامنا هذه واعتقد أن فالري لم يفهم شرح أشعاره أكثر من أشعاره نفسها التي تحتمل كثيراً من المعاني ولا يدري هو أيها الأصح، وأن كان له فلسفة فتمتاز بتحركها وتحولها فهي لا تنفك تتركب بقالب جديد كل يوم والألفاظ برأيه ليس لها قوة ثابتة ولا تحتوي على أفكار جامدة فالألفاظ تقلب حسب النفوس وتأخذ القالب أو الصورة التي يريد الكاتب أو القارئ أن يمنحها إياها وإذا استطاعت الكلمات أن تسجن الفكرة وترفع أمامها كأسوار تمنعها من السير قتلتها وقد وجدنا تصريحات المسيو تست موافقة لنظرية فالري. قال المسيو تست: يعيبون غموض أقوالي ولكنني أن نظرت إلى الكون لا أرى إلا غموضاً. . . يفهم الأمور من يفحصها فحصاً سطحياً. . . أثمن ما في شخصيتي غامض علي ولو تمكنت من إدراك كل ما في نفسي لحرمت من الوجود. . . أشبه الألفاظ التي بواسطتها تجتاز مسافة فكرة بألواح خشبية سريعة الانكسار طرحت فوق هاوية يستطيع الإنسان المرور عليها لا الوقوف فوقها. فالرجل المستعجل يمر عليها ويسلم وأن أراد أن يتأخر تنكسر ويقع في أعماق الهاوية. هكذا من استعجل في فحص الألفاظ يدركها (أو يظن أنه أدركها) ومن أراد أن يطيل البحث فيها يتدهور في أعماق نفسه ويتيه. . .
стр. 669
إذاً فلا عجب إن صعب على كل قارئ إدراك بول فالري ومن المستحيل تعريف كل ظاهرة من ظواهر نفسيته باللغة العربية ولذلك لأسباب عديدة أهمها:
أن فالري اكتشف ميداناً جديداً للأدب ما اعتاد عليه النطق البشري فقد درس تطورات النفس في حالة الإبداع ونزاع الوجود والعدم وتوغل في الأنحاء المظلمة من روحه يستنبط منها كنوزاً ظهرت لنا وله غريبة وقد عجز النقاد وعجز الشاعر عن وصفها فأعطى فالري للألفاظ حياة جديدة وإبداع لأفكاره لغة جديدة لا يمكن تعريبها حتى ولا تحويلها إلى اللغة الفرنسية العادية وأرى أن كل ترجمة للمقبرة البحرية أو ملكة آجال البشر الشابة أو نرسيس أو سواها من أشعار فالري نصيبها الفشل. ومن الأسباب التي تجعل البحث عن فالري متعذراً في اللغة العربية هو أن سحر أشعاره ليس فقط في المعاني ولكنه كائن أيضاً في انتخاب العبارات والألفاظ حتى والحروف فقد استطاع أن يرتب الألفاظ في الشعر بصورة موسيقية وموسيقى الأشعار تضيع إن نقلت إلى لغة أخرى وفالري يعتقد بقوة العدد وينظم قصائده كمهندس يبني القصور والهياكل. وهو في فرنسة أول من حدد العلاقات القوية الموجودة بين الشعر والرياضيات فغاية الشعر الجمال والجمال في تناسب الخطوط وتناسب الخطوط يقتضي دقة الرياضيات وروح الشاعر المبدعة. وأن أردنا أن نعرف أهمية هذه النظرية عند فالري فما علينا إلا أن نفتح أحدث كتبه النثرية المشهورة وبالينوس. أو بالينوس المهندس بنى هيكلاً جميلاً للإله هوميس ولما سئل عن غايته من بناء هذا الهيكل أجاب: أردت عندما رفعت هذا الأثر أن أحفظ ذكر يوم مضيء من حياتي. يا لها من استحالة عذبة! لا أحد يعلم أن هذا الهيكل الجميل هو صورة رياضية لفتاة أحببتها وكنت بحبها سعيداً فالهيكل يمثلها لي فالعامي لا يدرك كيف يمثل صورة الفتاة أما الشاعر فله حاسة يستطيع بواسطتها العثور على العلاقات الخفية التي تربط كل صورة تمثل الجمال ببقية صور الجمال.
لا نريد أن نطيل البحث في هذا الموضوع خوفاً من الوقوع في الغموض أو الإبهام وغايتنا من هذه الملاحظات بيان الصعوبات التي تمنع الكاتب العربي من التكلم عن فالري باللغة العربية وسنأتي فيما بعد ببعض ما نستطيع التعبير عنه لشاعر من أشهر شعراء الغرب.
حياة فالري وتطور أفكاره
стр. 670
من يرى فالري لأول مرة يصعب عليه أن يرفع النظر عنه فهيئته الخارجية تستدعي النظر: قصير القامة ضعيف البنية يمشي ببطء وهو منحني الظهر قليلاً، شعره على وشك البياض، متدل على وجهه من جبهته اليمنى، يغطي حاجبه، فمه عريض يكلله شاربان كثيفان قصيران، خداه أجوفان تقطعهما تجعدات عميقة، عيناه صغيرتان لا أذكر لونهما ولكنك تشعر أن أطلت النظر فيهما بأنهما موجهتان إلى داخل فكره لا إلى العالم الخارجي فكأن أنظار فالري تنفى وجود كون خارج عن الكون الذي في نفسه.
ولد فالري في مدينة على البحر المتوسط تدعى سيت في ٣٠ أكتوبر من سنة١٨٧١ وكان والده من أصل كورسيكي وأمه ايطالية تنتسب إلى إحدى عائلات مدينة جنوى وفي السنة السابعة من عمره رحل إلى انكلترا ثم عاد إلى بلدته وبدأ تحصيله في مدرسة مرتفعة فوق المرفأ على مصعد جبل بالقرب من حقل الأموات ذلك السطح الهادئ بين أشجار الصنوبر والقبور الذي سيخلد ذكره في المقبرة البحرية.
وكان فالري الصغير تلميذاً متوسطاً في اجتهاده ومطالعته، بعيداً عن رفاقه ميالاً إلى الانفراد ولم يتخذ رفيقاً غير البحر المتلألئ المتغير الألوان حسب أشعة الشمس المتقلب فوق درره الثمينة المستترة، البحر الذي سيشبهه في المستقبل بنفسية الإنسان ولما بلغ السنة الثالثة عشرة من عمره أرسل فالري إلى مونبلييه ليكمل تحصيله وهناك أهمل دروسه، فشعر بوحشة البحر وقضى الليالي العديدة يحلم بدخوله في سلك البحارة نظير أجداده الكورسيكيين ولكن ضعفه في ذلك الزمان في الرياضيات حال دون مساعيه وقد انكب على مطالعة فيكتور هوكو وتيوفيل غوتييه ثم أحب فن البناء وبدأ يختصر معجم البناء الضخم الذي وضعه أحد المهندسين الإفرنسيين المشهورين في القرن التاسع عشر المدعو فيوله ليدوك - ولما شعر بأنه لا يستطيع اتخاذ مهنة معينة باشر مثل أكثر شبابنا اليوم بدرس الحقوق في معهد مونبلييه الذي سيكون عميده بعد بضع سنين شقيق فالري الأكبر جول فالري.
وبالطبع فإن شاعرنا نام في أغلب محاضرات أساتذة الحقوق ومما لاشك فيه أنه لم يجد أقل لذة من تلك الدروس الثقيلة الهضم ولم تلهه المدرسة عن الرياض والجبال والغابات. وقد بدأ بقراءة كاتب من أغرب كتاب فرنسا اسمه هو يزمنس واضع كتاب في الطريقو
стр. 671
بالعكس ودخل فالري في الخدمة العسكرية قبل أن يبلغ السنة التاسعة عشرة من عمره وتعارف في هذا الوقت مع الشاعر بيير الويس مؤلف افرودتيه وأناشيد بيلتيس.
وأسس بيير لويس بمساعدة بعض شباب ذلك الوقت ٠واسمهم اليوم اندره جيد وليون بلوم وهنري بيرانجه) مجلة أدبية عنوانها الصدفة نشر فالري أول أشعاره فيها ومن اشتراكه في تحرير الصدفة بدأت شهرته وقد تعرف بالشاعر الذي سيحدث تغييراً عميقاً في روحه ويساعده على اكتشاف شخصيته وقوته وهذا الشاعر هو ستيفان مالرمه مبدع الغموض الشعري. قرأ فالري أشعار مالرمه في ديوان استعاره من اندره جيد وشرع في زيارته كل أسبوع يوم الثلاثاء حيث كان يستقبل ضيوفه من الساعة مساءً إلى نصف الليل في داره الكائنة بشارع روما رقم٨٩
وكان يجتمع في دار مالرمه بشارع روما أشهر أدباء فرنسا ومن أحاديثهم ومحاوراتهم انتشر مذهب الشعر المحض
كان تأثير مالرمه في فالري عظيماً جداً وقد اعترف به في مقالات عديدة ومالرمه أول من قاوم تلك العقيدة الابتدائية التي اشتهرت في عهد فيكتور هوكو والتي تختصر بجمل كهذه: الشاعر نبي والشاعر رسول وللشاعر رسالة إلهية على الأرض والشعر الهام إلهي والشاعر يكتب شعره في نشوة وهيجان حينما تحل به الآلهة أو الشياطين ابتعد فالري عن هذه الآراء المبتذلة وأحس بأن الشعر يولد من تضييق الفكر وقهره بتفكير عميق متواصل والشاعر يستخلص الشعر من الحياة كالمعطر يستخلص من الورد روحه. الشاعر كيماوي يركب من تلك الأجسام التي نسميها الألفاظ مادة أن دخلت على النفس من حاستي السمع والنظر تسحرها. والشاعر صائغ يصوغ الجمال بصبر ودقة وطول بال حسب قواعد دقيقة هي شرط كيان الشعر. الشعر المحض هو الشعر الخالي من الفصاحة والبلاغة والحب والبغض والأمل واليأس ومن جميع الأهواء الإنسانية والتعاليم الأخلاقية فالشعر المحض موسيقى قوية تتولد من كلمات منتخبة أن سمع العقل رنتها يضطرب ويتلذذ حتى ولو لم يفهم معنى الكلمات ولستيفان مالرمه قصائد يستحيل على أي كان إدراك معانيها تلك هي الآراء التي استولت على فالري بالقرب من سنة ١٨٩٢ وقد كتب قصائده في ذلك الوقت تحت إشراف مالرمه واستوطن باريس في غرفة حقيرة كائنة في (الحي اللاتيني) واستطاع
стр. 672
بمساعدة صديقه هويزمنس أن يتوظف في الوزارة الحربية وقد كان يقضي ساعات الفراغ كسولا (الكسل آفة من آفات الشباب) يتنزه في حديقة (الحي اللاتيني) الكبرى برفقة أحد أصدقائه إلى أن تزوج بفتاة اسمها جان كوبيلار في ٣١ أيار سنة ١٨٩٣.
ولما أتى عام ١٨٩٣ ترك فالري وظيفته في وزارة الحربية وعين أمين السر لرئيس شركة هافاس ثم انتقل إلى لوندرا حيث ترفع إلى مديرية مكتب الأخبار الإفرنسي وفي فرصة الصيف عاد إلى مونبلييه وكتب في الدار التي ولد فيها الفيلسوف أوغست كونت السهرة مع المسيو تست.
كتب فالري السهرة مع المسيو تست بعد أن دخل في حياته الأدبية شاعر آخر هو الأميركي ادكاربو ومن هذا الوقت تعشق فالري العلوم الطبيعية ودرس الأحلام وتأثيرها في تطور الأفكار قبل أن تلبس ثوب الألفاظ وقد درس فالري تحت تأثير ادكاربو حالة الحالم اليقظان وتلك النغمات الشجية المسكرة التي يصدرها بعض الرجال من أعماق نفوسهم دون أن يستطيعوا التعبير عنها.
المسيو تست صورة من صور فالري العديدة وهو مخلوق غريب أبعدته تأملاته ويأسه وعجرفته عن قوانين الوجود البشري فأضحى آلة مفكرة هدامة لجميع مظاهر الحياة فلا شيء خارجاً عن فكره وحياة فكره ذاتها ضعف لأن الكمال بالعدم (يوجد شيء قليل من مذهب الفيلسوف الألماني شوبنهور عند فالري) ومذهب فالري الأدبي هو لاشك مذهب العدم وقال مالرمه يوماً إن أجمل صفحة قرأها هي الصفحة البيضاء العذراء المنزهة عن كل دنس أي التي لم يكتب فيها شيء،. . . . . ولم يتوصل المسيو تست إلى التهرب من بشريته لأنه متزوج وامرأته أميلي تست رمز حي للقلب البشري في أسمى عواطفه وقد دعاها الواحة يلتجئ المسيو تست إلى واحته ليستريح من العناء الذي يقاسيه في الصحراء التي تمتد في أعماق نفسه. . . .
وامتنع فالري عن الكتابة وأخذ يدرس الرياضيات والهندسة وعلوم الطبيعة وما وراء الطبيعة وتوفي مالرمه سنة ١٨٩٨ وأحدث موته صدمة قوية في عقل وقلب فالري وأعلنت الحرب الكبرى ولم يشترك فيها إلا بضعة أسابيع ثم أتى عام ١٩١٧ وفي يوم من عام ١٩١٧ رجع فالري إلى ميدان الأدب بعد أن احتجب أكثر من عشرين سنة ونشر في
стр. 673
المجلة الفرنسية الجديدة قطعة شعرية أهداها إلى اندره جيد وعنوانها: ملكة آجال البشر الشابة فكان لهذه الأشعار صدى عظيم في فرنسا وفي الخارج ومن ذلك الحين انتشر اسم فالري وحاز الدرجة الأولى بين شعراء فرنسا المعاصرين ثم نشر السحر وفيه المقبرة البحرية (١٩٢١) وكان قد جمع أشعار صباه ونشرها تحت عنوان مجموعة أشعار قديمة (١٩٢٠) ثم نشر (النفس والرقص) (١٩٢١) (واوبالينوس) (١٩٢٣) وزار انكلترا وبلجيكا واسبانيا وقابل موسوليني ودانونزيو في ايطاليا وألقى محاضرات عديدة في أوروبا الشمالية وفي هولندا وفي سويسرا وفتحت أمامه أبواب المجمع العلمي الفرنسي بعد موت أناتول فرانس في سنة ١٩٢٧ وآخر كتبه نشرها هي (الفكرة المستقرة) (وأشياء مكتومة) (وحكم) (ونظرات في العالم الحديث) وقد أسس مجلة اسمها (تجارة) نشر فيها مقالات مهمة وتوقف عن نشرها من مدة وجيزة.
وفي اليوم الذي نكتب فيه هذا المقال (٢٧ آذار سنة ١٩٣٤) بلغ فالري من العمر اثنتين وستين وأربعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً ولم يزل حياً يرزق ضعيف الصدر والصوت قليل النوم صاحب عائلة وأولاد يعاشر السياسيين والنبلاء والأمراء وقد أصبح كاتباً سياسياً أوروبياً رسمياً يمثل الجمهورية الفرنسية في لجنة التعاون الفكري الدولي في جنيف ويعاضد بأدبه المشتغلين في بث روح السلم والإخاء بين دول أوروبا ومرشحاً لجائزة نوبل التي يبلغ قدرها مليون فرنك تقريباً.
هكذا هبط من السماء التي كان محلقاً فيها المسيو تست ورجع بين البشر. فهل أراد كسواه من مخلوقات الله الحية أن يتعلق بالحياة بكل ما فيه من قوى حينما شعر باقتراب الموت؟
أنور حاتم
стр. 674
وربيع القلب لو يشرى
لماري عجمي
أروها بالدمعة الحرى ... فالأسى قد ينعش الذكرى
روضة ما كان أروعها ... وهي في أيدي الصبا سكرى
ما ترى الريحان مكتئباً ... وأجما لا ثغر مفترا
قلقاً السحب تغمره ... وهو لا شمساً ولا قطرا
نمت والأزهار ساهرة ... ترتعي في سهدها البدرا
وسكون الليل منتشر ... في مطاوي الثورة النكرا
ثم لاح الفجر منبثقاً ... دون شدوٍ يملأ الفجرا
فإذا الأغصان لا ورق ... وقضاء الدهر أن تعرى
وعيون الورد جاحظة ... لا ضيا فيها ولا بشرا
فكأن الروض مقبرة ... عريت أمواتها جهرا
لو ترى الفيحاء زاهية ... روضة معسولة خضرا
خلتها الفردوس مزدهراً ... وشهدت الآية الكبرى
فالدوالي وهي مثقلة ... تترامى حولنا سكرا
ولآلي الزهر ناثرة ... فوقنا أمجادها نثرا
أنجم لو رحت تسألها ... بعضها جادت به كثرا
غرر كالجمر لاهبة ... حين لا ماء ولا جمرا
ولجين فاض عن كثب ... دفقت أمواجه تترى
شاقها النبع الذي هجرت ... فعدت تستغفر البحرا
فتخال النهر مرتحلاً ... ومقيماً تارة أخرى
وكأن الوجد يقعده ... والمنى تجري به قسرا
من لأيام لنا سلفت ... وربيع القلب لو يشرى
يوم كان الظل يجمعنا ... لا نوى نشكو ولا غدرا
يوم كنا السيل هرولة ... والنسيم الطلق إذ أسرى
стр. 675
وأغاني ود سامعها ... لو نغنيها له الدهرا
نغرس الأزهار في سحر ... ثم نجني طيبها عصرا
ورياض العيش وارفة ... وجراح القلب ما تبرا
نستلذ الحب مرتجلا ... وأحاديث الهوى جهرا
وأفانين منوعة ... وجنون يزدري الكبرا
وقلوب ملؤها نغم ... ورفيف يا لها وكرا
روعة غاضت منابعها ... دون أن ندري لها عذرا
روضتي، أواه من ذكر ... أصبحت محزونة صفرا
عقد التبريح منطقها ... فهي لا سلكاً ولا درا
إنما الأطياب زفرتها ... كلما جدت بها الذكرى
روضتي والبين فرقنا ... فرغت كأسي فلا قطرا
أنت تشكين الجوى مللا ... وأنا أعيا به صبرا
وكأني والأسى لججٌ ... قارب يستعتب الغمرا
كلما استعطفت جانبه ... لج في طغيانه كبرا
اعطفي يا ريح لا تذري ... في الربى زهراً ولا عطرا
وابعثي الأنفاس باردة ... جمداً يستوقف النهرا
وأثيري الوجد كامنه ... واهصري آمالنا هصرا
فأنا يا ريح باقية ... للمنى، للشوق، للذكرى
اغرس الأزهار في حلمي ... عل من أرواحها نشرا
عادت الورقاء هاتفة ... بلقا أحبابها بشرا
عادت الأدواح وارفة ... وهفت ريح الصبا فجرا
وزكت في الشمس نضرتها ... وأنا غصني بها يعرى
وأؤم الروض شاحبة ... علني اكسي بها زهرا
فأرى شمسي مهاجرة ... وأرى كأسي ولا خمرا
قيل لي والعين ذاهلة ... إن تغني تلهمي سحرا
стр. 676
أتغني الطير من طرب ... وهي في أقفاصها أسرى
ما تركت الشعر عن ملل ... غير أني لا أرى شعرا
فجناح هاج هائجه ... وجناح قد وهى كسرا
ليلى
стр. 677
الفرق بين الوصف والقصص
إن الوصف العارف يميز بين الوصف والقصص فلا يكاد يجمع بينهما في عنوان واحد إذ لكل منهما عنوان خاص هو به أليق، وبحقيقته أشبه، فإذا أراد أن يصف حريقاً حدث في الحي، أو فرحاً مباغتاً بعد ترح لم يعنون ما صوره من هاتين الحادثتين بقوله: وصف الحريق، أو وصف الفرح، بل يعنونهما بقصة الحريق أو حكايته وحكاية الفرح بعد الترح مثلاً، ذلك لأن الوصف الدقيق غير مرادف للقصص، وقد قال تاين النقادة الكبير فيما كتبه على أمثال لافونتاين:
الوصف شبيه بالقصص، وإنما الفرق الوحيد بينهما أن القصص تتوإلى فيه التفاصيل بحسب توالي صفحات الحادثة، وفي الوصف تكون هذه التفاصيل مجتمعة.
وقد يقال: ليس في الوصف عمل معين لأن ترتيب أجزائه اختياري، والأمر بعكسه في القصص الذي لا بد أن يكون العمل فيه معيناً محدوداً، ويراد بهذا العمل تتابع وقائع الحادثة وتوالي أجزائها توالياً ليس للاختيار يد في ترتيبه: إذ لها فاتحة وواسطة وخاتمة تتعاقب تعاقبها في الروايات التمثيلية، والأمثلة التالية تبين الفرق واضحاً بين الوصف والقصة:
قصة الزلزال ... وصف مدينة خربها الزلزال
قصة نزهة في الغوطة ... وصف الغوطة أيام الربي - ع
قصة العيد في دمشق ... وصف دمشق في العي - د
وخلاصة القول انه ينبغي لنا أن لا نخلط بين الوصف والقصص وإن نعلم مما ضربناه من الأمثلة أن الوصف لا يشتمل على حادثة، وإنه لا بد في الحكاية منها، وإنك في الوصف على خطتك حاكم وفي القصة أنت لها محكوم.
بيد أن القصة قد تشتمل على حوادث تتعلق بالوصف كما أن الوصف قد يشتمل على حادثة صغيرة تضيع في موضوع الوصف ولا تخرجه عن كنهه لكنهما في الجملة متباينان. فالأفضل أن يخلط بينهما بالنظر إلى الخطة وإلى الشرح والبيان.
اعتماد الوصف على المشاهدة
إن سكان البادية هم في الغالب أوصف من قطان الحاضرة فيما يحتاج إلى الاستعانة بالتحديق، وإلى معاودة المشاهدة التي تقف بصاحبها على جميع مميزات الموصوف
стр. 678
وخصائصه لكثرة رؤيته ولفرط ألفته وذلك كوصف البوادي والمفاوز، والكثبان والوديان، والخيل والأنعام والمها الأرام والسماء والكواكب والغمام، يدل عليه شعر العرب في الجاهلية البعيد عن التكلف والكذب والممتاز بدقة الوصف وسلاسة الوصف، وبدل عليه أيضاً ما حدث به أبو العالية عن أبي عمران المخزومي قال: أتيت مع أبي والياً كان بالمدينة من قريش وعنده ابن مطير الشاعر وإذا مطر جود فقال الوالي:
- صف لي المطر فأجابه ابن مطير:
- دعني أشرف عليه.
أي دعني اصعد على شرف ورابية فلا تخفي عني منه خافية، فأصفه لك وصفاً صادقاً، وبعد أن أشرف كما طلب على المطر، وصفه للوالي وصفاً حسياً كثير الوشي والصور.
كذلك كان الوصف في صدر الإسلام دقيقاً ومبنياً على المشاهدة، فكانت الصفات المصورة والألفاظ النقاشة تبين الموصوف ولو كان غير معروف، يدل على ذلك ما رواه ابن عساكر عن أبي عمامة: أن رجلاً من بني عامر بن صعصعة جاءه وقال له:
- يا أبا إمامة، إنك رجل عربي، إذا وصفت شيئاً شفيت منه، فصف لي رسول الله ﷺ ، فوصفه له وصفاً بلغ من دقته وصحته في نفس العامري أن قال له:
- لقد وصفته لي صفة لو كان الناس جميعاً لعرفته بها!
ثم أن هذا البدوي استقرى الناس حتى رأى الرسول فعرفه بتلك الصورة الكاملة الواضحة التي صورت له هامته وقامته لباسه، وصفاً صادقاً أزال ارتيابه والتباسه وهل أجاد ليت شعري أبو زبيد الطائي وصف الأسد إلا بعد أن شهد منه بعيني رأسه مشهداً رهيباً، يقول عنه لسيدنا عثمان (ض) إذ يلومه على الإكثار من ذكره: ولكني رأيت منه منظراً وشهدت منه مشهداً لا يبرح ذكره يتجدد ويتردد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم!
ويحكى عن ابن الرومي أن لائماً لامه بقوله لِمَ لم تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ فقال له: أنشدني شيئاً من شعره أعجز عنه، فأنشده في صفة الهلال:
انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال له ابن الرومي زدني، فأنشده:
كأن آذريونها ... والشمس فيه كالية
стр. 679
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غالية
فقال: واغوثاه! لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ذاك يصف ما عون بيته لأنه من أبناء الخلفاء. وأنا مشغول بالتصرف في الشعر: أمدح هذا مرة، واهجوا هذا مرة، وأعاتب هذا تارة، واستعطف هذا طوراً.
هذا ولعدم التمكن من مشاهدة الموصوف، وعلماً بأن الوصف لا يتم إلا برؤية موضوعه بكى بشار بن برد حينما وصفه حماد عجرد بقوله:
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد!
فقال بشار: ويحي! يراني فيصفني، ولا أراه فأصفه. وهذا الوصاف الفرنسي الكبير شاتوبريان الملقب بفاتح الطبيعة لما كشف بأوصافه من محاسنها يقول عن نفسه مبيناً مواضع الوصف:
في الغابات غنيت الغابات، وعلى السفن وصفت البحر المحيط، وفي ميادين الكفاح تعلمت وصف السلاح، وفي المنفى تعلمت حقيقة النفي، وفي القصور والمرافق العامة ومحافل المجتمعين درست ما درسته عن الأمراء والسياسة والقوانين.
ومما نصح به الأستاذ ماريو روستان في كتاب الوصف والصورة:
الوصف لوح تصوير أجل مزاياه الحقيقية، فلا جل الظفر بها يجب على الواصف أن يآلف النظر إلى الموصوف، وكثيراً ما كان فلوبر الوصافة الكبير يقول ناصحاً: حدق البصر لتحسن النظر واضرب بالكتب عرض الحائط أي لا تتعلم الوصف من الكتب وحدها، إذ لا يكفي أن نلقي على ما يحيط بنا من الأشياء نظرة المسكال، يمر بالشيء فلا يراه إلا لمحا فتلتبس عليه المرئيات وانطباعاتها ويعجز عن تمييز بعضها من بعض، وعن ترتيبها ونقشها في لوح ذاكرته
إن المشاهدة الصحيحة لا يتم تصويرها إلا للقوة الفعالة والإرادة الصحيحة، فهي التي تجبر الطبيعة على الدخول في العين وهي التي تكسب الإحساسات وضوحاً وتبين ما بينها من الفروق، وترتبها وتحفظها في الذاكرة عدة وذخيرة للمستقبل، فالنظر الجيد والحفظ الجيد والإنشاء الجيد ثلاث شرائط لابد منها لتجويد الوصف الصحيح.
ويقول الأستاذ فانيه في كتابه البيان الفرنسي:
стр. 680
إن كثيراً من الناس لا يحسنون النظر. لأنه يقتضي ملاحظة نبيهة نيرة، وقوة تميز في الأشياء بين الجوهر والعرض وكأن هذا الأديب الفرنسي يريد ما أراد أديبنا العربي أبو الطيب المتنبي إذ يقول:
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضاءها فالحسن عنك مغيب
التنوخي
стр. 681
مائة نقلة
من كتاب نقل الأديب
وهي ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب
مؤلفه محمد إسعاف النشاشيي
حق الطبع والنشر ونقل شيء من هذه النقل محفوظ
أهدي مائة النقلة هذه إلى مجلة (الثقافة)
٧٧ - وقف ودار ثلاث دورات
قال العلامة البقاعي: حدثني الشيخ محيي الدين الأقصرأي - وكان ممن لازم الشيخ عز الدين محمد شرف الدين - أنه رأى رجلاً تكرورياً، اسمه (الشيخ عثمان ماغفا) وله عشرة بنين رجال أتى بهم إلى الشيخ عز الدين للاستفادة فقرأ عليه كتاباً فكان إذا قرر مسألة وقف ودار ثلاث دورات على هيئة الراقص ثم انحنى للشيخ على هيئة الراكع، فإذا جلس قام بنوه العشرة ففعلوا مثل فعله. . . .
٧٨ - يفديه بالعجوز السوامة
لما قال ابن زهر الحفيد الموشحة التي أولها:
هات بنت العنب وأشرب
إلى قوله:
وافده بأبي ثم بي
سمعها أبوه فقال: يفديه بأمه السوامه: وأما أنا فلا. . .
٧٩ - وهذا منك كثيراً
أمر عبد الله بي الزبير لأبي الجهم العدوي بألف درهم. فدعا له وشكر. فقال: بلغني أن معاوية أمر لك بمائة ألف درهم فسخطتها، وقد شكرتني!
فقال أبو الجهم: بأبي أنت أسأل الله أن يديم لنا بقاءك فأني أخاف أن فقدناك أن يمسخ الناس قردة وخنازير. كان ذلك من معاوية قليلاً، وهذا منك كثير. . . فأطرق عبد الله ولم ينطق
٨٠ - حامى على أمه
стр. 682
قال الزمخشري: قلت مرة لبعض أشياخي: إن فلاناً يبخل، وكان مبخلاً.
قال: حامى على أمه أن تزن بغير أبيه. . .
وهو
من الكلام المتباري في الحسن لفظه ومعناه.
٨١ - اكتف بالبلاغة
كتب عبيد الله بن زياد الحارثي إلى المنصور رقعة بليغة يستميحه فيها. فوقع عليها أن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا لرجل أبطراه، وإن أمير المؤمنين مشفق عليك، فاكتف بالبلاغة. .
٨٢ - لو رآه ابن ليون لاختصره
كان ابن ليون التجيبي - وهو من شيوخ لسان الدين بن الخطيب - مولعاً باختصار الكتب، وتآليفه تزيد على المائة٠
ومما يحكى عن بعض كبراء المغرب أنه رأى رجلاً طوالاً فقال لمن حضر: لو رآه ابن ليون لاختصره. . . (إشارة إلى كثرة اختصاره للكتب)
٨٣ - أرى الدعوات قد صارت قروضاً
ذكر بعض الكتاب أنه كان يعاشر سوقياً فاتفق أن دعاه يوماً.
قال: فلما تمكنت اشتغل عني صاحب الدعوة فعثرت على رقعة بخطه فيها:
فلاني دعاني مرتين ودعوته ثلاث مرات فعليه دعوة. وقد ذكرنا على هذا أسامي كل من يعاشرنا فلما انتهيت إلى اسمي فرايته قد حصل له على دعوات خرجت وقلت له: لا أتناول طعامك حتى أرد ما علي.
وقلت في ذلك:
أرى الدعوات قد صارت قروضا ... وديناً في البرية مستفيضاً
فأكره أن أجيب فتى دعاني ... ولا أدعو فيلقاني بفيضا
إذا كنت تدعوني لأدعوك مثله ... ففعلك منحول إلى فعل تاجر
٨٤ - فإن لم ينتهوا راجعت ديني
كان أبو المطرب من لصوص الحجاز فتاب، فظلم فقال:
стр. 683
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت، فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابرٍ إلا قليلاً ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني
٨٥ - وما كان قصدي غير صون حديثكم
يعلم الشيخ البوريني اللغة الفارسية حتى صار يتكلم بها كأنه أعجمي وفي ذلك يقول:
تعلمت لفظ الأعجمي وأنني ... من العرب العرباء، لا أتكتم
وما كان قصدي غير صون حديثكم ... إذا صرت من شوقي به اترنم
وإن كنت بين المعجمين فمعرب ... وإن كنت بين المعربين فمعجم
فأغدو بأشواقي إليكم مترجماً ... وسركم في خاطري ليس يعلم
٨٦ - ظهر الفساد في البر والبحر
قال المجي: كان قاضي العسكر محمد بن عبد الغني (المعروف بغني زاده) يرمي بتعاطي المدام، واتفق له من النكات البديعة أن أحمد باشا الحافظ كان حاكم البحر فاجتمعا وتذاكرا شيئاً من مباحث التفسير.
وكان ابن عبد الغني إذ ذاك مشتغلا بتحشية التفسير فقال له الحافظ: ما كتبت على قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر.
فقال: أنا الآن اكتب قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر
٨٧ - كأنها رؤوس رجال حلقت في المواسم
قال الأغر النهشلي لابنه لما بعثه لحضور ما وقع بين قومه فقال:
يا بني، كن يداً لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف فأنه ظل الموت، وإياك والرمح فأنه رشاء المنية، ولا تقرب السهام فإنه رسل تعصي وتطيع.
قال: فيم أقاتل؟
قال: بما قال الشاعر:
جلاميد أملأ الأكف كأنها ... رؤوس رجال حلقت في المواسم
فعليك بها، وألصقها بالأعقاب والسوق
٨٨ - إن الله أعدل
من أن يجمعكم علينا والطاعون
стр. 684
قال المنصور لبعض أهل الشام: ألا تحمدون الله إن دفع عنكم الطاعون منذ وليناكم؟!
فقال الشامي: إن الله أعدل من أن يجعلكم علينا والطاعون. . . . . .
٨٩ - هذا من خاطر الجن
قال الصولي: حدثني علي بن عيسى قال: كان البحتري معي جالساً فسلم عليّ ابن لعيسى بن المنصور فقال لي من هذا؟
قلت هذا ابن عيسى بن المنصور الذي يقول ابن الرومي في أبيه:
يقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخر واحد
فقال لي: أف وتف! هذا من خاطر الجن لا من خاطر الأنس. ووثب ومضى.
٩٠ - أف على النرجس والآس
قال العباس بن علي بن نور الدين المكي: كتب الشاه إسماعيل ملك العجم إلى الملك الأشرف قايتباي - ملك مصر - هذين البيتين:
السيف والخنجر ريحانتا ... أفٍ على النرجس والآس
شرابنا من دم أعدائنا ... وكأسنا جمجمة الراس
٩١ - ومن يزيد الماءي
قال أبو بكر الجفاني: دخلت يوماً على القاضي حسين بن أبي عمرو وهو مهموم حزين فقلت: لا يغم الله قاضي القضاة فما الذي أراه؟
قال: مات يزيد الماءي!!!
فقلت: يبقى الله قاضي القضاة أبداً. ومن يزيد الماءي حتى إذا مات يغتم عليه قاضي القضاة هذا الغم كله؟
فقال: ويحك، مثلك يقول هذا في رجل أوحد في صناعته، وقد مات ولا خلف له يقاربه في حذقه. وهل فخر البلد إلا أن يكون رؤساء الصناع، وحذاق أهل العلوم فيه. فإذا مضى رجل لا مثل له في صناعة لابد للناس منها، فهلا يدل هذا الأمر على نقصان العلم، وانحطاط البلدان. . .
٩٢ - يا جاهل
стр. 685
هل رأيت أحداً يهب ولده؟
قال جحظة: قال علي بن الهجم: قلت لخالد الكاتب: هب لي بيتك الذي تقول فيه:
ليت ما أصبح من ... رقة خديك بقلبك
فقال: يا جاهل، هل رأيت أحداً يهب ولده؟
محمد إسعاف النشاشيبي
стр. 686
صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام
تابع لما قبله
للأستاذ وصفي زكريا
قال القلقشندي: وقد تشعب آل فضل شعباً كثيرة منهم آل عيسى وآل فرج وآل سميط وآل مسلم وآل علي وينضاف إليهم قبائل كثيرة كبني كلب وبعض بني كلاب وآل بشار وخالد حمص وغيرهم. وأسعد بيت في آل فضل آل عيسى وقد صاروا بيوتاً: بيت مهنا بن عيسى وبيت فضل بن عيسى وبيت حارث بن عيسى وأولاد محمد بن عيسى (الذي عثرت على قبره في شمال سلمية) وأولاد حديثة بن عيسى. قال ابن فضل الله العمري: وهؤلاء آل عيسى في وقتنا هم ملوك البر فيما بعد واقترب بمشارف الشام والعراق وبرية نجد وسادات الناس ولا تصلح إلا عليهم العرب. وأما الإمرة عليهم فقد جرت العادة أن يكون لهم أمير كبير منهم يولى عن الأبواب السلطانية ويكتب له تقليد شريف بذلك ويلبس تشريفاً أطلس أسوة بالنواب إن كان حاضراً أو يجهز إليه إن كان غائباً ويكون لكل طائفة منهم كبير قائم مقام أمير عليهم وتصدر إليه المكاتبات من الأبواب الشريفة إلا أنه لا يكتب له تقليد ولا مرسوم.
ولم يصرح لأحد منهم بإمرة على العرب بتقليد من السلطان إلا من أيام العادل أبي بكر أخي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر منهم ماتع بن حديثة بن عقبة بن فضل بن ربيعة. ولما توفي ماتع سنة ٦٣٠ ولي عليهم بعده ابنه مهنا وحضر مع المظفر قطز قتال جيش التتر سنة ٦٥٨ في عين جالوت (غور بيسان) فأجازه قطز بسلمية نزعها من الملك المنصور بن الملك المظفر صاحب حماة وأقطعها له (أبو الفداء ج٣ ص٢١٤) ثم ولى الملك الظاهر بيبرس ابنه عيسى ووفر له الإقطاعات على حفظ السابلة.
قلت وعيسى هذا على ما ذكره ابن إياس في تاريخه (ج١ ص١٠٢) هو الذي جاء بالإمام أحمد العباسي بعد حادثة هولاكو في بغداد وكان مختبئاً عند أناس من قبيلته وأوصله إلى مصر إلى الملك الظاهر بيبرس وشهد هو وقومه انه من نسل العباسيين فبويع له بالخلافة واستمرت هذه الخلافة فيه وأعقابه إلى أن استخلصها منهم السلطان سليم العثماني سنة ٩٢٣ وقضى عليهم. وذكر ابن تغرى بردى في المنهل الصافي أن الأمير شرف الدين
стр. 687
عيسى بن مهنا أمير آل فضل كان ملك العرب في وقته وكان له منزلة عظيمة عند الملك الظاهر بيبرس ثم تضاعفت عند الملك المنصور قلاوون بحيث ضاعف حرمته وإقطاعه وملكه مدينة تدمر بعقد البيع والشراء وأورد عنه ثمنها لبيت المال ليأمن غائلة ذلك. وكان عيسى كريم الأخلاق حسن الجوار مكفوف الشر لم يكن في العرب وملوكها من يضاهيه وعنده ديانة وصدق لهجة لا يسلك مسالك العرب في النهب وغيره وكان به نفع للمسلمين، منها أنه كان يكف العدو عن حلب ومعاملتها ومنها في وقعة الملك المنصور قلاوون مع التتار بحمص سنة ٦٨٠ فأنه جاء وقت الوقعة واعترض التتار من خلفهم فتمت هزيمة التتار به. وكانت البلاد في زمنه في غاية الأمن إلى أن توفي سنة ٦٨٣ اه -. وذكر حيدر الشهابي في تاريخه (ص٤٥٠) أن عيسى بن مهنا وسماه ملك العرب اشترك بهذه المعركة مع أولاد عمه (يعني آل مرا الذين تقدم ذكرهم) وأبلى لياء حسناً وأيد هذا القول أبو الفداء أيضاً مما يدل على أنه كان له الفضل في تلك النصرة التي كادت تميل على المسلمين لولاه ولولا ثبات الملك قلاوون. ولعل عيسى هذا هو الذي قال عنه كاتب جلبي في جغرافيته أنه كان في هذه المعركة حاملاً ريشة على رأسه فلقب بأبي ريشة وبقي هذا اللقب إلى يومنا، وإنه هو الذي نال من ذلك الملك عطاءً عظيماً فاشترى به عبيداً ومماليك اعتقوا بعد حين ودعوا بالموالي وبقيت أعقابهم إلى يومنا ملتفة حول هؤلاء الأمراء آل أبي ريشة وانضم إليهم بعد عدد غير يسير من شذاذ الأعراب اندحروا في لفيفهم وحلفهم فصارت من مجموعهم قبيلة الموالي التي سوف نبحث عنها.
ولما توفي عيسى في سنة ٦٨٣ دفن في جبانة الشيخ فرج شمالي سلمية قبل ابنه محمد على ما جاء في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج٦ ص٢٢) وكان عيسى أعقب عدة أولاد أخصهم مهنا وفضل وسليمان وحارث وموسى ومحمد. ولى الملك المنصور قلاوون منهم مهنا في الإمارة فلقب بحسام الدين وصار كبير آل عيسى النازلين في براري سلمية وحماة وتدمر بل أمير البادية طراً.
قال ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار يصف آل عيسى وصفاً نقتطف بعضه لنستدل على ما كانت عليه حالتهم في تلك العصور: هؤلاء آل عيسى في وقتنا هم ملوك البر ما بعد واقترب، قد ضربوا على الأرض نطاقاً وتفرقوا فجاجاً تقارعوا على قرى
стр. 688
الضيفان وسارعوا إلى تقريب الجفان حفظوا البر من كل جهاته وحرسوه من سائر مواقعه وآفاته، ولهم سجايا مالكية وعطايا برمكية ووهائب حاتمية وصوارم تنسحب بذيلها الرقاب ومكارم يحتبس على أثرها السحاب. لا يخلو ناديهم من سيد ومسود ووافد آمل وصارخ ملهوف وهارب مستجير ولا ينطفئ لهم نار قرى، يسرح عدد الرمل لهم أبل وشاة، تطل منهم على بيوت قد بنيت بأعلى الربى وبلغت السحاب وعقد عليها الخبا قد اتخذت من الشعر الأسود وتبطنت بالديباج ودبجت بالعسجد وفرشت بالمفارش الرومية والقطائف الكرخية ونضدت بها الوسائد وشدت أطنابها وأرخيت سجفها وتزايد ظرفها وشرعت أبوابها إلى الهواء ورفعت عمدها وقرر وتدها وطلعت البدور في كلتها ورتعت الظباء في مشارق أهلها. . . الخ
وقد ردد أبو الفداء وابن الوردي وحيدر الشهابي في تواريخهم ما كان للأمير مهنا بن عيسى بن مهنا في أواخر القرن السابع وأوائل الثامن من المكانة لدى سلاطين مصر ونوابهم في الشام - وذلك يؤيد مؤلف مسالك الأبصار - وذكروا تداخله في بعض أمور الدولة وعدوا وثباته وغاراته والخراب والدمار الذين أتى بهما أولاده وأولاد أخوته وأعقابهم مما أدى لدثور سلمية وأعمال حماة والمعرة وحلب وكان له أثر كبير في تاريخ القرنين المذكورين وما بعدهما رأيت أن انقله من مختلف الصحائف ليكون عبرة وذكرى.
ذكر المؤرخون في حوادث سنة ٦٩٢ إن الملك الأشرف خليل بن قلاوون لما توجه من دمشق إلى حمص أضاف الأمير مهنا بن عيسى ثلاثة أيام بلياليها ثم أن السلطان بداله أن يقبض عليه وعلى أخويه محمد وفضل فقبض عليهم وأرسلهم معتقلين إلى قلعة الجبل في مصر وولى الأمير علي بن حديثة عوضاً عن مهنا. ولم يذكروا سبب هذا الاعتقال ولعله كان لازدياد عتو مهنا في ذلك الحين. ثم قالوا في حوادث سنة ٦٩٤: لما جلس الملك العادل زين الدين كتبغا أفرج عن المذكورين وعاد مهنا إلى سلمية - وكان مقره في قرية تل اعدا - واخلد إلى السكينة وحسنت سيرته فسمت منزلته لدى الملك الناصر محمد بن قلاوون الذي عاد إلى السلطنة سنة ٦٩٨ للمرة الثانية وأصبح مهنا ممن يتوسل به في الملمات. شفع في سنة ٧٠٧ بنابغة الإصلاح الديني تقي الدين أحمد بن تيمية وقد كان مسجوناً في مصر في الجب بقي في غياهبه نحو ستة أشهر ولم يجد مريدوه طريقة لإنقاذه
стр. 689
غلا بالتوسل لمهنا بن عيسى فجاء وشفع به وأخرجه. وكان مهنا صديق أبي الفداء قبل أن يصير ملكاً، حضر سنة ٧٠٩ لما تولى اسندمر على حماة ونزلها لم يرض مهنا بتوليته فسافر إلى مصر وطلب من الملك الناصر نصب أبي الفداء على حماة فأجابه ونقل اسندمر إلى حلب وعين أبي الفداء ملكاً على حماة فعادت المملكة بتعينه إلى البيت التقوى الأيوبي.
على أن طبع البداوة عاد يوحي إلى مهنا بإقلاق الراحة والمكانة اللتين ظل ينعم بهما خمس عشرة سنة. فقد قيل في سنة ٧١١ أن قراسنقر كبير الأمراء في حلب قصد مهنا وكان على مسيرة يومين من حلب يستنصره على الملك الناصر زاعماً أنه يريد البطش به. فركب مهنا - وما كان أغناه عن ذلك - فيمن أطاعه من أهله واستنفر من الغرب نحو خمسة وعشرين ألفاً وقصدوا حلب واحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها واستخلصوا منها مال قراسنقر ومن بقي من أهله ولم يتعدوا إلى سوى ذلك، فسير عليهما الملك عسكراً فخاماً عن لقائه إلى جهة الفرات.
وعن أبي الفداء: وفي سنة ٧١٢ قوي استيحاش مهنا لما اعتمد من مساعدة قراسنقر ولغير ذلك من الأمور وكاتب خربندا ملك التتار ثم أخذ منه أقطاعاً في العراق في مدينة الحلة وغيرها واستمر أقطاعه من السلطان بالشام وهو مدينة سرمين وغيرها على حاله وعامله السلطان بالتجاوز ولم يؤاخذه بما بدا منه وحلف على ذلك مراراً فلم يرجع عما هو عليه وجعل مهنا ابنه سليمان منقطعاً إلى خدمة خربندا ومتردداً إليه واستمر ابنه الثاني موسى في صداقة السلطان ومتردداً إلى الخدمة واستمر مهنا على ذلك يأخذ الإقطاعين بالشام والعراق ويصل من الفريقين وخلعهما وأنعامهما وهو مقيم بالبرية ينتقل إلى شط الفرات من منازله لا يروح إلى أحد الفئتين وهذا أمر لم يعهد مثله ولا جرى نظيره فإن كلاً من الطائفتين لو أطلعوا على أحد منهم أنه يكتب إلى الطائفة الأخرى سطراً قتلوه بساعته ولا يمهلونه ساعة ووافق مهنا على ذلك سعادة خارقة اه -. (أي أراد أبو الفداء أن يقول عن مهنا بلسان أهل زمتنا أنه كان يلعب على الحبلين شأن بعض أبناء جلدته من أمراء البادية الذين أدركنا عملهم هذا في الحرب العامة وما بعدها). وفي سنة ٧١٥ أغار سليمان بن مهنا بجماعة من التتار والعرب على التراكمين والعرب النازلين قرب تدمر ونهبهم ووصل في إغارته إلى قرب البيضاء بين القريتين وتدمر وعاد بما غنمه إلى الشرق. ثم قال: وفي
стр. 690
سنة ٧٢٠ تقدمت مراسيم السلطان بقطع أخباز (لعلها رواتب مقننة) آل عيسى وطردهم بسبب سوء صنيعهم فقطعت أخبازهم ورحلوا عن بلاد سلمية وساروا إلى جهات عانة والحديثة على شاطئ الفرات فلحقهم جيش السلطان فهربوا إلى وراء الكبيسات وأقام السلطان موضع مهنا أحد أبناء أعمامه محمد بن أبي بكر من آل علي. وفي سنة ٧٢١ عدى مهنا بن عيسى الفرات وتوجه إلى أبي سعيد ملك التتار مستنصراً به على المسلمين وأخذ معه تقدمة برسم التتار سبعمائة بعير وسبعين فرساً وعدة من الفهود وفي سنة ٧٢٤ وصل الأمير فضل بن عيسى أخو مهنا إلى مصر داخلاً ومستشفعاً فرضي عنه السلطان وأقره على أمرة العرب موضع محمد بن أبي بكر. وفي تلك السنة نزل الأمير مهنا في ظاهر سلمية عند تل اعدا وكان له ما يزيد على عشر سنين لم ينزل بأهله هناك وكان الأمر والنهي إليه في العرب وخبز الإمرة لأخيه فضل. وفي سنة ٧٢٦ أمر السلطان بطرد مهنا وعربه وأمرني بإرسال عسكر إلى الرحبة لحفظ زرعها من المذكورين فجردت إليها أخي بدر الدين ومحموداً ابن أخي واسنبغا مملوكي فساروا إليها وأقاموا بها ثم عادوا اه -.
قلت وبقيت هذه الحالة القلقة نحو عشر سنوات، ومن الغريب أن أبي الفداء لم يف خلالها بالواجب نحو من كان سبب ملكيته فلم يتوسط بإصلاح ذات البين وإزالة هذا الضيم عن صديقه مهنا إلى أن قام بذلك بعد مماته في سنة ٧٣٢ ابنه الملك الأفضل محمد، فإنه ذهب ونصح الأمير مهنا وأخذه معه إلى السلطان فرضي عنه وأعاد أمرته إليه ورجع إلى أهله. قال ابن خلدون: وذكر لي بعض أمراء الكبراء بمصر فيمن أدرك وفادة منها أول حدث بها إنه تجافى في هذه الوفادة قبول شيء من السلطان حتى إنه ساق عنده النياق الحلوبة والخيل العراب وإنه لم يغش باب أحد من أرباب الدولة ولا سأل منهم شيئاً من حاجته ثم رجع إلى أحيائه اه -.
قلت: وبعد أن زالت وحشة مهنا وأطمأن قضى ثلاث سنوات طيبة في شيخوخته أميراً على البادية كلها يكرم كلما ذهب إلى مصر إلى أن مات في سنة ٧٣٥. قال ابن الوردي في تاريخه: وحزن عليه وأقاموا مأتماً بليغاً ولبسوا السواد أناف على ثمانين وله معروف من ذلك مارستان جيد بسرمين. وقد أعقب مهنا ستة أولاد: موسى وسليمان وأحمد وفياض وجبار وقناره كما أن أخيه فضل أعقب ثلاثة: سيف وعيسى ومعيقل.
стр. 691
ويظهر أن الإمارة انتقلت بعد مهنا إلى ابنه موسى الذي غزا العرب والتركمان في ضواحي تدمر ومات فيها سنة ٧٤٢ فانتقلت الإمرة إلى أخيه سليمان وكان ظالماً صادر أهل سرمين وربط بعض النساء في الزناجير وهجم عبيدة على المخدرات فأغاثهم الله وسط الشدة فعزل في سنة ٧٤٤ وولى مكانه ابن عمه سيف بن فضل. ويظهر أنه كان لكل من أولاد مهنا خبز أي راتب مقنن يقطع عند حدوث سبب كما جرى لفياض بن مهنا فصار هذا يقطع الطرق وينهب. وفي سنة ٧٤٦ عزل سيف عن إمارة العرب ووليها ابن عمه أحمد بن مهنا وعفى عن أخيه فياض وأعيد خبزه إليه ولكن استعيد من أيدي هؤلاء الأعراب من الإقطاعات والملك شيء كثير وجعل خاصاً لبيت المال. ويطهر أن أبناء مهنا بن عيسى وأبناء أخيه فضل بعد أن نالوا تلك الخسارة ولم يبق بأيديهم سوى أسم الإمارة صاروا يتقاتلون عليها ويخربون في طريقهم، قال ابن الوردي: وفي سنة ٧٤٨ قطعت الطرق وأخيفت السبل بسبب الفتنة بين العرب لخروج أمرة العرب عن أحمد بن مهنا إلى سيف بن فضل. فقد اقتتل سيف وأبناء عمه أحمد وفياض في جمع عظيم قرب سلمية فانكسر سيف ونهبت جماله وماله ونجا بعد اللتيا والتي في عشرين فارساً وجرى على بلد المعرة وحماة وغيرهما في هذه السنة من هؤلاء الأعراب من النهب وقطع الطريق ورعى الكروم والزرع والقطن والمقاتي ما لا يوصف اه -. قلت وهذه الكوائن هي التي قضت على براري حماة والمعرة وأدت لخرابها ودثور سلمية معها لاسيما وقد أعقب تلك الفتن الطاعون الجارف الذي فتك إذ ذاك في دمشق وحماة وحلب فأخلى الدور وأقفر القرى من أهلها.
قال في صبح الأعشى (ج٤ ص٢٠٧) وبقي أحمد بن مهنا بن عيسى حتى توفي في سنة ٧٤٧ في سلطنة الناصر حسن بن محمد بن قلاوون المرة الأولى، وولي مكانه أخوه فياض فبقي حتى مات سنة ٧٦٠ وولى مكانه أخوه جبار (وفي إحدى طبعات ابن خلدون حيار) من جهة الناصر حسن في سلطنته الثانية، ثم حصلت منه نفرة في سنة ٧٦٥ وأقام على ذلك سنتين إلى أن تكلم بسببه مع السلطان نائب حماة يومئذ فأعيد إلى أمارته ثم حصل منه نفرة ثانية سنة ٧٧٠ في الدولة الأشرفية شعبان بن حسين فولي مكانه ابن عمه زامل بن موسى بن عيسى فكانت بينهم حروب قتل في بعضها قشتمر المنصوري نائب حلب.
стр. 692
فصرفه الأشرف وولى مكانه ابن عمه معيقل بن فضل بن عيسى ثم بعث معيقل في سنة ٧٧١ يستأمن لجبار (أو لحيار) المتقدم ذكره من السلطان الملك الأشرف فأمنه، ووفد جبار على السلطان في سنة ٧٧٥ فرضي عنه وأعاده إلى أمرته فبقي حتى توفي سنة ٧٧٧، فولي مكانه أخوه قناره وبقي حتى مات سنة ٧٨١ فولى مكانه معيقل بن فضل بن عيسى وزامل بن موسى بن عيسى المتقدم ذكرهما شريكين في الإمارة، ثم عزلا في سنتهما وولي مكانهما محمد بن جبار بن مهنا وهو نعير، ثم وقعت منه نفرة في الدولة الظاهرية برقوق فولى مكانه بعض آل زامل ثم أعيد نعير المذكور وهو باق على ذلك إلى الآن اه - قلت ويظهر من كلام آخر للقلقشندي أضربت عن نقله ومن كلام غيره من المؤرخين الذين نوهوا بأخبار نعير أي محمد بن جبار بن مهنا المذكور أن الإمرة بقيت في أعقابه دون غيرهم من أعقاب أخوته آل مهنا وأبناء أعمامه آل عيسى بل آل فضل كلهم فخمل ذكر هؤلاء وضاع اسمهم تدريجياً وخلفه اسم أولاد جبار أو آل جبار ردحاً من الزمن إلى أن ظهر اسم أولاد أبي ريشة أو غلب كما هي العادة عند أهل البادية تتغير أسماؤهم في كل قرن أو قرنين تبعاً للسائد عليها.
ولمحمد بن جبار هذا ترجمة في (المنهل الصافي) لابن تغرى بردى ننقلها عن (تاريخ حلب لراغب الطباخ ج٤) قال: محمد بن جبار بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن ماتع بن حديثة شمس الدين أمير فضل بالشام ويعرف بنعير ولي الإمرة بعد أبيه ودخل القاهرة مع يلبغا الناصري ولما عاد الظاهر برقوق من الكرك رافق نعير منطاشاً حلب في الفتنة الشهيرة وكان معه لما حاصر حلب، ثم أرسل نعير نائب حلب إذ ذاك كمشبغا في الصلح وسلمه منطاش، ثم غضب الظاهر برقوق على نعير وطرده من البلاد فأغار نعير على بني عمه الذين قرروا بعده وطردهم. فلما مات برقوق أعيد نعير إلى أمرته، ثم كان ممن استنجد به دميرداش لما قدم اللنكية (التتار) فحضر بطائفة من العرب فلما علم أنه لا طاقة له برح إلى الشرق فلما برح التتار رجع نعير إلى سلمية، ثم كان ممن حاصر دميرداش بحلب ثم جرت بينه وبين حكم نائب حلب وقعة فانكسر نعير ونهب وجيء به إلى حلب فقتل في شوال سنة ٨٠٨ وقد نيف على السبعين وكان شجاعاً جواداً مهيباً إلا أنه كثير الغدر والفساد وبموته انكسرت شوكة آل مهنا وكان الظاهر خدعه ووعده حتى تسلم
стр. 693
منطاش وغدر به ولم يف له الظاهر بما وعده بل جعل ذلك ذنباً عليه وولى بعده ابنه معجل ذكره شيخنا في أنبائه وهو في المقريزي مطول.
يتبع
وصفي زكريا
стр. 694
الحركة الفلسفية المعاصرة في مصر والشام
للأستاذ جان لوسرف - تعريب عز الدين التنوخي
تعرض الأستاذ جان لوسرف للبحث في
برنامج الدروس ونظام التعليم في دمشق وبيروت
وبيت المقدس وبغداد ثم قال:
إن مطبوعات التربية والتعليم كثيرة، كذلك كتب التربية الموجزة قد أخذ يزداد وعددها وكلا النوعين يقتبس من المطبوعات الأجنبية، وأما المجلات فأنا نذكر منها في بغداد مجلة التربية والتعليم التي ينشئها الأستاذ ساطع الحصري وهي مجلة تقتبس عن الانكليزية والأمريكية، وهي مطلعة على مجاري الإصلاحات الأخيرة المسماة بمقاييس الذكاء، وفي بيت المقدس مدير دار المعلمين الأستاذ أحمد سامح فقد نشر قبل ذلك في سنة ١٩٢٨ بحثاً في التربية بعنوان (إدارة الصفوف)، وفي مصر نذكر علي فكري مؤلف كتاب في التربية الاجتماعية، وموجز في تربية الأحداث مرآة الأشياء وفيه كثير من الكلمات التي تستمد لمعجم المفردات. ومن المختصين بأبحاث التربية أحمد فهمي العمروسي الذي يعرف عنه ما أرسله إلى مؤتمر التربية المنعقد في القاهرة سنة ١٩٢٥ من أبحاثه عن تربية الذوق ومحاضراته الأربع عن التربية القياسية بين البلاد اللاتينية والسكسونية.
إن موجزات التدريس منها ما هو تأليف مرتجل، وما هو تعريب منتحل، يمتاز به أدب الترجمة غي هذا العصر، ولا ريب في حكمنا على كلا النوعين بتأثرهما بالأدب الغربي، ومع ذلك فأن نجد المؤلفين الذين نذكرهم مرتبطين بحركة اللاتجدد، والمعربات تنقسم إلى قسمين: الأول قوامه الموجزات الأوروبية كموجز مبادئ الفلسفة تأليف رابويور وتعريب أحمد أمين وهو عبارة عن ١٧٦ صفحة منها تسع في علم النفس، ومثله ترجمة إسماعيل مظهر لمحاضرات جون تيودور، ومما عرب من ذلك في دمشق كتاب علم النفس لسعيد البحرة، فقد ترجمه عن وجيز طوماس الفرنسي.
والصنف الثاني تعريب المؤلفات الغربية التي يقصد بتأليفها تعميم التعليم كمؤلفات غوستاف لوبون التي نالت شهرة واسعة وحظوة لدى القراء كبيرة، وقد نقل منها الأستاذ طه حسين كتاب روح التربية، ومنها تعريب كتاب هيكل فلسفة النشوء والارتقاء بقلم حسن
стр. 695
حسين.
وثمت نوع من التعريب جدير بالذكر وهو المعرب عن أصل فرنسي أو انكليزي ومؤلف الأصل عربي، وهي حالة في التعريب غير نادرة الوقوع شأن أمين الريحاني الكاتب العربي الأمريكي، فأن تأليفه الانكليزي بخطورة العربي.
وفي حظيرة الفلسفة نذكر لطه حسين كتابه فلسفة ابن خلدون الاجتماعية الذي عربه محمد عبد الله عنان. وهذا الصنف من التعريب ليس عليه مسحة الاقتباس من الحضارة الأوروبية. وأن موضوع الأطروحة نفسه عبارة عن بيان موضع فلاسفة العرب في تاريخ الفكرة الإنسانية وهو غرض تأليف فلسفي آخر كبير القدر، أعني تاريخ الفلسفة لمحمد بدر عضو اكاذيمية ادمبرغ والمؤازر في المعلمة الإسلامية. ومن هذا التاريخ الذي ألف في الانكليزية ليس بأيدينا سوى تعريب حسن حسين - القاهرة ١٩١١ - وقد ذكرناه في قائمة المؤلفات.
إن غاية المؤلف والمعرب المزدوجة بيان مابين الفلسفة الحديثة وبين العقائد الموروثة وفلسفة القرون الوسطى العربية من الاتصال فهي إذن الرجعى إلى الفكرة الأصلية للبلدان المشرقية. وهذه هي النزعة التي سنعرض الآن لذكر أهم ممثليها، وقد بين جيداً مركزهم في الخلاصة التي تقدمت مقدمة حسن حسين. ونحن نقتبس عنها عبارة أكمل بيان من بحث جميل صليبا على فلسفة نيقو ماخوس الأخلاقية المنشورة في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق. وهذا البحث هو شرح لنقل كتاب أرسطو من الترجمة الفرنسية لبارتلمي سانت هيلير، وقد نقله إلى العربية أحمد لطفي السيد.
إن حزب القديم يخضع لعاطفة طبيعية مشروعة حينما يحاول إيجاد التوفيق بين أحدث المعارف وعناصر الشعور القومي القديمة، وهو يرغب كذلك في العودة إلى درس فلاسفة الإسلام في العصر المدرسي. وتراه يرجو أن لا يجد في ماضي مدنيته عناوين مجد ونبل فحسب بل أن يجد حلولاً للمعضلات الحاضرة. إن المرحلة الأولى تقوم بتمجيد الأبحاث العلمية عن فلاسفة العرب وهو ما يلح أبداً في اقتضائه الأستاذ محمد كرد علي في مجلة المجمع العلمي العربي، لأنه لا يظهر كتاب حديث إلا نبه مؤلفه إلى أن في رجال العرب أناساً أحرياء بأن يكونوا عبرة لأحفادهم اليوم وعند العرب من هذه العلوم المادية والفلسفية
стр. 696
بحسب أعصارهم ما يجب أحياؤه، والتنظير بينه وبين ما عرف المحدثون من نوعه، فما كل قديم بال ولا كل جديد حال. وهذا النداء تلبيه مؤلفات حديثة كأطروحة الأستاذ جميل صليبا في بحث (ما بعد الطبيعة لابن سينا)، ولكن اتقتصر بعثة القدماء هذه على نبش بقاياهم وآثارهم النفسية؟ هذا ما ناقشه الأستاذ جميل صليبا في البحث الذي كتبه على كتاب الأخلاق لنيقو ماخوس، فقد عدد أحمد لطفي السيد معرب هذا الكتاب أسباب سقوط الفلسفة العربية، وبين أن الغربيين في هذا العصر يعرفونها أكثر مما يعرفها العرب أنفسهم، غير أنهم لا يدرسونها ليقتبسوا منها أصولاً. لأنها في نظرهم قد أصبحت من التاريخ ثم يسترسل في ذلك إلى أن نقول ما معناه: فإذا كنا اليوم نريد فلسفة مصرية تلتئم مع علمنا الحاضر فما علينا إلا أن نجدد الدرس لفلسفة أرسطو التي بنيت عليها الفلسفة العربية، وهنا يناقشه الأستاذ جميل صليبا ويخالفه في تفسيره الفلسفة العربية قائلاً ما معناه: لا ريب أن البلاد العربية في أشد الحاجات إلى فلسفة، ونحن لا نعارض في كونها يجب أن تتفق مع مطالبنا ورغائبنا، ذلك أن العصر الحاضر كما يقول ليبنيز ناهض بحمل الماضي وأعباء المستقبل معاً، غير أن المنفعة التي يجب الحصول عليها مجدداً من الفلسفة العربية هي منفعة تاريخية محضة، وأن هذه الفلسفة العربية لا ينبغي أن تبنى على الأسس التاريخية وحدها، إذ يعوزها أن تقتبس أيضاً من فلاسفة العصر أمثال ديكارت ولوك وليبنتز وسبينوزا وسبنسر ما يمكن أن يوائم البيئة، ونحن نعتقد أنا في الحقيقة على اتفاق تام مع المؤلف في الإعراب عن هذا الرأي، إذ ليست الفلسفة العربية في حملتها عبارة عن فلسفة أرسطو فحسب، فقد بينا في مبحث ما وراء الطبيعة لابن سينا تأثير أفلاطون عليها، كذلك يبرهن غوتيه في صدد البحث عن ابن سينا أن الاتصال بين مبادئ أرسطو وعقائد الإسلام قد كان الشغل الشاغل لفلاسفة العرب من ابن سينا حتى ابن رشد، وذلك مشاهد جداً في نظريتي العقل الفعال والفيض المتين اقتبسهما فلاسفة العرب من مدرسة الاسكندرية. . .
إن فلسفة ابن سينا قد ارتوت من معين التصوف، وذلك ما يؤيده ابن الطفيل في رسالة حي بن يقظان، وثمت من جهة أخرى طائفة من الفلاسفة كالمناطقة المتكلمين الذين يخالفون ارستطاليس في مسألة الجواهر الفردة، فإذا ما عددناهم من جملة فلاسفة العرب كانت فلسفة
стр. 697
هذه أعم وأشمل من فلسفة أرسطو، فلنا أن نقول إذاً أن فلسفته هذه ليست في الواقع إلا جزءاً من الفلسفة العربية.
إلى أن يقول: ونرى من جهة عملية أن رغائب أنصار القديم الحاضرة قد بردت جذوتها حتى في الحظيرة الخيالية من الفلسفة، ذلك أنها قد اقتصرت تقريباً على تأويل الفلسفات الغربية لكيلا تصادم العقائد الدينية والخلقية المهددة بأزمة نمو الفلسفة السريع.
إن نشاط الحركة الفلسفية يبدو في إنتاج الأبحاث المعدة للجمهور أقل مما تبدو في موجزات الفلسفة، وعلى سبيل المثال نذكر تاريخاً صغيراً للفلسفة تأليف حنا أسعد فهمي، وقد كتب مقدمته الأستاذ محمد فريد وجدي مؤلف المعلمة الموسومة بكنز العلوم واللغة، وهذه المقدمة تدافع عن الإسلام مؤيدة كونه لا يقاوم حرية الفكرة الفلسفية. وهذه الفكرة مشروحة في مؤلفات فريد وجدي مثل كتابه المدنية والإسلام وفي الوجديات ودائرة معارف القرن التاسع عشر وغيرها.
(يتبع)
جان لوسوف
стр. 698
مياه الغوطة
ملخصة عن مقال للأستاذ ر. ترس
لم يبحث المؤرخون في دمشق وغوطتها إلا قليلاً مع أنها أقدم مدن العالم ولم يمح الدهر شيئاً من جمالها مع أن بابل ونينوى وصور وجبيل وغيرها من المدن المشابهة لها قد اندثرت أعلامها ولم يبق منها إلا الذكرى حتى أن بعضها زال بتمامه أو انقلب إلى قرية، أما دمشق فقد بقيت على عين الدهر وستبقى خالدة بالرغم من اختلاف شرائط حياتها، والسبب في بقائها لا يرجع إلى أسباب سياسية ولا أسباب اقتصادية، بل يعود إلى تأثير مياهها وخصب غوطتها. وليست تمتاز دمشق على غيرها من البلدان ببرداها فحسب - وهو ينقل إليها من لبنان الشرقي مياهاً عذبة - بل تمتاز أيضاً بتوزيع هذه المياه ونشاط سكان الغوطة وانصرافهم إلى استثمار الأرض استثماراً حسناً.
الوسط الطبيعي
إن الملاحظات الجوية التي قام بها العلماء منذ خمس عشرة سنة أثبتت لنا أن منطقة دمشق وما يجاورها من الراضي الشرقية محرومة من قسم كبير من الأمطار لأن سلسلة الجبال الشرقية تمنع عنها الغيوم فتهطل الأمطار في الجهة الغربية وإذا بقي قسم من هذه الغيوم فإنه لا يقطع الجبال الشرقية إلا إذا ارتفع كثيراً فيمر بالغوطة من غير أن يتكاثف ويصل إلى جبل الدروز وغيره من المناطق البعيدة. وليست قلة الأمطار هذه خاصة بالزمان الحاضر بل كانت قليلة أيضاً في الماضي وكانت هضاب دمشق يابسة وكانت مياه بردى موزعة في مستنقعات فقيرة ليس فيها ما في الغوطة اليوم من الأشجار الباسقة والخمائل الزاهرة. فليس خصب الغوطة إذن هبة من مواهب الطبيعة بل هو نتيجة لعمل الإنسان وما بذله في سبيل استثمار الأرض وأعمارها. لقد ألف الناس منذ القدم رؤية هذه الجنان فظنوها طبيعية والحق عن ذلك بعيد، لأن هذه الجنان لم تتولد على الأرض إلا بجهود الإنسان ولو استطعنا أن نعود بخيالنا إلى الماضي لرأينا الشعوب الأولى التي استوطنت هذه الأرض في صراع دائم مع الطبيعة حتى تغلبت عليها وجففت مستنقعاتها وغرست فيها الكروم وأشجار التين والزيتون.
عمل الإنسان
стр. 699
نريد أن نذكر شيئاً عن قنوات بردى وتاريخها إذ لعلنا بعد هذا البحث نستطيع أن نعرف الزمان الذي بنيت فيه ونطلع على اسم الذي بناها. إن البحث في هذه المسائل صعب جداً، لأن شبكة الأنهر كشبكة الطرق لا تبقى إلا إذا تعهدها الناس بالعناية الدائمة. إن البحث في الأطلال والخرائب أسهل من البحث في الآثار الحية لأن الأجيال المتتابعة قد أثرت فيها وأضافت إليها أشياء كثيرة حتى صارت مركبة بعيدة عن حالتها الأولى. فأنهار دمشق من الآثار الحية التي أضاف إليها كل جيل شيئاً من عمرانه.
إن جميع الأمم التي انتقلت من الفرات إلى النيل أو هاجرت من شواطئ النيل إلى شواطئ الفرات تركت أثراً في سوريا. فهل نستطيع أن نستدل بهذه الآثار على الشعب الأول الذي امتاز على غيره بحفر هذه القنوات؟ لاشك أن أول من فكر في الاستفادة من المياه هو الإنسان الحضري ولكن تاريخ سوريا بقي زماناً طويلاً مفعماً بالوقائع العديدة التي كانت تجري بين البدو والحضر. فالغوطة لم تتولد من جهود شعب منفرد ولا هي نتيجة زمان واحد، بل تولدت من جهود أمم عديدة لأنها كانت طريقاً للفاتحين في ذهابهم وإيابهم. وكلما مر بها فاتح تغلبت عليه بجمالها وطبيعتها فانصرف إليها وأضاف جهوده إلى جهود غيره ممن سبقه وهكذا تجمعت الأمم المتعاقبة بعضها فوق بعض حتى وصلت الغوطة إلى ما هي عليه اليوم من توزيع المياه وخصب التربة. وكلما كان نصيب الأرض من الماء أكثر كان إنتاجها أحسن ولذلك تجد سكان الغوطة كثيري الحرص على الأراضي التي يمكن سقيها بالماء ولعل الإنسان الأول كان أكثر حرصاً على الماء من الإنسان الحاضر لاقتصاره على الأرض في معاشه واقتصاره على الماء في استثمار الأرض وخوفه من الفاتحين في كل صباح ومساء.
لم يختلف سكان الغوطة الأقدمون عن غيرهم من الأوائل في حياتهم ومعاشهم فقد بدأوا أولاً بصيد الحيوانات ثم انتقلوا من الصيد إلى الرعي فلما صاروا رعاة وجدوا في مروج الغوطة ما تحتاج إليه قطعانهم من الحشيش والكلأ فالتجأوا إليها عند اشتداد الحر. ولا يزال البدو في أيامنا هذه يأوون إلى هذه المروج الخضراء في أيام الحر من شهر أيار إلى شهر أيلول ولما التجأ الرعاة إلى الأرض وأقاموا فيها أخذوا يعنون يزرعها ليطعموا قطعانهم فتوزعوا الأرض وعمروها.
стр. 700
يمكن تقسيم الأرض التي أقام بها الأقدمون إلى ثلاث مناطق:
أولاً الوادي ومجرى النهر. ثانياً منحدرات جبل قاسيون الوطيئة. ثالثاً الهضبة الواقعة بين الجنوب والغرب على الشاطئ الأيمن من النهر. ولعلنا إذا قايسنا سكان هذه المناطق المختلفة استطعنا أن نرجع بالفكر إلى الماضي، ونستنتج من هذه المقايسة انقسام الأولين على الأرض وتوزعهم إياها. فالقرى الواقعة في الجهة الشمالية من شرقي جبل قاسيون أكثر هذه المناطق سكاناً ثم يتلوها في عدد السكان قرى الهضبة الواقعة بين الغرب والجنوب لأن أكثرها يحتوي على أربعة آلاف أو ثمانية آلاف نسمة. أن قرى السهل القريبة من شواطئ النهر لا تحتوي على أكثر من ٥٠٠ أو ١. . . نسمة. فالأقدمون إذاً هجروا شواطئ النهر واستوطنوا الأراضي المرتفعة. ومما يؤيد ذلك أيضاً أن النهر قبل انقسامه إلى القنوات الأنهر الصغيرة الحاضرة كان غزير المياه فكان يفيض في أيام الشتاء ويجرف التراب ويغطي الأرض أشهراً عدة، فلا يتمكن الناس من إقامة المساكن بالقرب منه فلما أنشأوا هذه القنوات لري الأراضي العالية صارت هذه المرتفعات صالحة للزراعة وأمكن تجفيف بعض المستنقعات التي كان يحدثها طوفان النهر. ويغلب على الظن أن العمران الأول حصل في مدخل الوادي على أنه من الصعب أن تصور للداخل إلى دمشق حالة النهر الأولى وعمران شواطئه القديمة لأنه قد تبدل كثيراً. ويمكن أن يقال أن دمشق كانت في العصر الحجري ضيقة الحدود. أننا نتصور حالة الغوطة القديمة بمجموعها ولكننا لا نستطيع أبداً أن نجد فيها آثاراً تاريخية واضحة تدل على عمل الإنسان الأول واستثماره للأرض وكيفية استفادته من مياهها.
يتبع ج. ص
قال شرف الدين بن محسن يصف دمشق:
دمشق بنا إليها مبرح
وأن لج واش أو الح عذول
بلاد بها الحصباء در وتربها
عبير وأنفاس الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق
стр. 701
وصح نسيم الروض وهو عليل
стр. 702
بعد حصار ١٩ مرة المسلمون في القسطنطينية
للقسطنطينية ميزات كثيرة على غيرها من بلدان الأرض لا سيما من الجهتين الطبيعية والسياسية فإن موقعها الجغرافي يجعلها تسيطر على البحرين الأبيض والأسود اللذين لهما مكانة تجارية عظيمة كما أنها حلقة الاتصال بين قارتي أوروبا وآسيا أو بالأحرى بين الشرق والغرب وهي تقوم على ضفاف البوسفور ذلك المضيق التاريخي الذي شهد أعظم المآسي. وقد أنشئت هذه العاصمة سنة ٦٥٨ قبل الميلاد من قبل حاكم (هدغارا) التي هي في جوار برزخ (قوربنت) في بلاد اليونان. أما خليجها المسمى بالقرن الذهبي فهو واسع عميق ومن الخلجان التي تلجأ إليها السفن وقد كان يسد بسلسلة طولها ٢٥٠ ذراعاً فلا يستطيع الأعداء دخوله وسميت (بيزانس) وأصبحت قبلة أنظار الأمم العظيمة.
خضعت القسطنطينية تباعاً لأقوام شتى بسطت سيطرتها عليها في القرون الغابرة فقد حكمها السبرطيون ثم اليونان ثم استولى عليها القيصر (قلود) الروماني الذي حكم من سنة ٤٥: ٤١ ق. م وفي سنة ٣٣٠ ميلادية أصبحت عاصمة للقيصر قسطنطين الكبير الذي نقل إليها بلاطه من روما وسماها باسمه سنة ٣٣٧ م وقد بقيت في أوج مجدها حتى فتحها محمد الثاني العثماني في ٢١ أيار سنة ١٤٥٣ فدانت للحكم العثماني وقلبت كنيستها العظيمة أيا صوفيا مسجداً وهو من أهم المساجد في العالم اليوم.
ولا ننس جمال موقعها الطبيعي الذي قلما يوجد مثله وهي تليق أن تكون عاصمة الدنيا كما يروى عن نابليون الكبير الذي قال لو كانت الكرة الأرضية مملكة واحدة للزم أن تكون عاصمتها القسطنطينية. فلذلك كانت ولم تزل مطمح أنظار الفاتحين.
ولهذا طمع فيها المسلمون منذ أول قيام مملكتهم وتكرر حصارهم لها المرة بعد الأخرى حتى فتحت في المرة التاسعة عشرة.
وفيما يلي ذكر جميع المحاضرات الإسلامية حصرناها في مكان واحد حتى يرى القارئ بوضوح جسامة الجهود المتوالية التي صرفها المسلمون قبل الاستيلاء على هذه الدرة الثمينة:
١ - في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان خرج والي الشام معاوية بن أبي سفيان سنة ٣٢ هـ - لغزو القسطنطينية بجيش من الفرسان فنازلها وحاصرها ثم عاد بعد أن غنم وبعث الرعب في قلوب الروم.
стр. 703
٢ - في عهد معاوية بن أبي سفيان سنة ٤٣ هـ - وصل جيش العرب بقيادة (يسر ابن ارطاة) إلى القسطنطينية ورجع بعد غزو ضواحيها.
٣ - ٤ - جهز معاوية في خلافته جيشاً عظيماً لفتح القسطنطينية بقيادة سفيان بن عوف الأزدي فخرج إليها سنة ٤٨ هـ - في أسطول كبير خاض به بحر الأرخبيل ومضيق الدردنيل وبحر مرمره ولما وصل إليها أخرج جيشه على ضفة مرمره من غربي المدينة وضرب عليها الحصار وبقي أسطوله محاصراً لها من جهة الجنوب مدة أربع سنين إلى أن سير معاوية إليها جيشاً آخر بقيادة ولده يزيد وفيه العبادلة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم فأوغل في بلاد الروم وفتح المدن والحصون ودام في المسير حتى بلغ القسطنطينية واشترك في حصارها وأبرز الجيشان المحاصران من الشجاعة والأقدام ما بعث الدهشة في قلوب المحصورين لكنهما لم يتمكنا من الاستيلاء عليها لمتانة أسوارها ومنعة موقعها وبعدهما عن مركز الخلافة وفتك النار الإغريقية في السفن العربية فاضطر المسلمون لقبول الصلح الذي عرضه عليهم البيزنطيون وكان في مصلحة الطرفين. وفي أثناء هذه المحاصرة بنى العرب في الحي المسمى بالغلطة الآن المسجد المعروف بالجامع العربي وتوفي أبو أيوب الأنصاري ودفن قريباً من السور ولا يزال قبره هناك يزار وعليه مسجد يدعى باسمه وفيه كان يتوج خلفاء آل عثمان.
هذا وقد اعتبر بعض المؤرخين هذه المحاصرة محاصرتين الأولى من قبل سفيان بطريق البحر والأخرى من قبل يزيد بطريق البر وعلى هذا القول تكون المحاصرات تسع عشرة.
٥ - أرسل الوليد بن عبد الملك أخاه مسلمة عدة مرات لحرب الروم ففتح كثيراً من المدن والحصون ثم تقدم في إحدى غزواته حتى وصل إلى ضفة البوسفور (اسكدار) فهدد القسطنطينية وأحرق السفن التي كانت راسية في مينائها دون أن يصاب بضرر.
٦ - في سنة ٨٨ هـ - جهز سليمان بن عبد الملك جيشاً مؤلفاً من ١٢. . . جندي بقيادة أخيه مسلمة لفتح القسطنطينية فسار مسلمة حتى وصل إليها فحاصرها حصاراً شديداً ولما دخل فصل الشتاء زرع العرب وبنوا مدينة من الخشب دعوها (مدينة القهر) فلما رأى الروم ذلك استولى الرعب على قلوبهم فطلبوا الصلح على جزية يؤدونها كل سنة فأبى مسلمة حتى بئس الروم فخلعوا ملكهم (ته ئودوسيوس) الثالث وقتلوه ووعدوا البطريق
стр. 704
(ليون) بتتويجه إذا استطاع صرف العرب عنهم فأستأمن (ليون) لنفسه وتظاهر لمسلمة بالمودة والإخلاص ثم خدعه وأتلف طعام العرب حتى كادوا يهلكون من الجوع واضطروا إلى أكل الدواب والجلود وأصول الأشجار وأوراقها وكل شيء غير التراب وهم صابرون تجاه أعدائهم ينتظرون المدد من خليفتهم وكان الخليفة عازماً على اللحاق بهم بنفسه فما أمكن ذلك لمفاجأة فصل الشتاء البارد حتى توفي في مرج دابق في شمال حلب والجيش على أبواب القسطنطينية يكاسر الجوع عزائمه وتفتك النار الإغريقية به فلما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز رأى من الحكمة رفع الحصار ورجوع الجيش فكتب إلى مسلمة بذلك وأرسل إليه مؤونة كثيرة وخيلا عتافاً فوصلته وهو قافل في الطريق سنة ٩٩ هـ -.
٧ - وهذه المحاصرة كانت على يد عبد الله البطال الإنطاكي من قواد مسلمة بن عبد الملك في عهد أخيه هشام وفيها أحرزت العرب انتصارات عظيمة قرب القسطنطينية حتى اضطر القيصر إلى توقيع معاهدة كانت في مصلحة المسلمين.
٨ - كانت هذه المحاصرة في عهد المهدي العباسي إذ أرسل ولده هارون الرشيد سنة ١٦٥ هـ - في جيش مؤلف من (٩٥) مجهز بكامل العدد فأوغل هارون في بلاد الروم حتى بلغ البوسفور وهدد المدينة فكان الذي يقوم بأمر الروم القيصرة (اربنى) والدة القيصر قسطنطين السادس فهادنت هارون على (٧) دينار في السنة وأن تقيم في طريقه الإدلاء والأسواق فأجابها إلى ذلك ورجع مكللاً بأكاليل العز والنصر فمدحه مروان بن أبي حفصة بقوله:
أطفت بقسطنطينية الروم مسنداً ... إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها
ومازحتها حتى أتتك ملوكها ... بجزيتها والحرب تغلي قدورها
٩ - كانت هذه المحاصرة في خلافة الرشيد وسببها أن الروم ثارت سنة ١٨٧ هـ - على القيصرة (اري) فخلعوها وتوجوا أحد القواد (نقفور) فكتب هذا إلى هارون كتاباً يهدده فيه ويقول له (أردد ما حصل من قبلك من الأموال وإلا فالسيف بيني وبينك) ولما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب فكتب على ظهره قد قرأت كتابك والجواب ما ستراه لا تسمعه والسلام ثم شخص من وقته في جيش عرمرم حتى أناخ بباب (هرقلة) ففتحها وغنم ولما رأى ذلك (نقفور) طلب المهادنة على خراج يؤديه كل سنة فأجابه الرشيد إلى ذلك وقفل
стр. 705
راجعاً حتى وصل الرقة فبلغه هناك أن (نقفور) نقض العهد فعاد غير مبال بالثلوج وشدة البرد حتى نزل على مضيق القسطنطينية وهدد المدينة فارتاع (نقفور) وأخذ الرعب من قلبه كل مأخذ حتى صار يتذلل للرشيد ويحلف له أنه لن يتأخر عن دفع الجزية ولا ينقص العهد أبداً فقبل الرشيد وعاد ظافراً ولكن ابن نقفور لم يترك أباه ثابتاً على عهده بل أغراه وشجعه على جيش الرشيد والفتك به فجمع جيشه وسار في أثره حتى لحق به وحصلت بين الفريقين وقعة هائلة جرح بها (نقفور) وتشتت جيشه بعد أن قتل كثير منه وافترض عليه الرشيد غرامة سنوية قدرها (٢) دينار واشترط عليه أن تنقش باسمه واسم أولاده.
١٠ - والمحاصرة العاشرة كانت حين نهوض الدولة العثمانية فقد طلب إذ ذاك قيصر القسطنطينية الحماية من محمود غازان ملك المغول بتبرير وأرسل له هدايا كثيرة من جملتها ابنته فبوصولهم إلى (تبريز) كان محمود غازان قد توفي وجلس مكانه ولده (خدا بنده محمد خان) فرغب في بنت القيصر وأرسل إلى جميع ملوك الطوائف الناهضة على أنقاض دولة السلاجقة المنقرضة بعدم التجاوز على مملكة القيصر فشق ذلك على عثمان شاه أحد ملوك الطوائف هذه ومؤسس الدولة العثمانية فتجاوز حدود الملكة البيزانتية سنة ٧٠٨ هـ - واستولى على مدينتي (قوجحصار) و (لفكه) وأغار على قرية استاوروز من البوسفور.
١١ - في عهد السلطان أورخان ثاني ملوك العثمانيين سنة ٧٢٨ هـ - حين سار جيش بقيادة (اقجه قوجه) و (قو كورالب) و (اقباش محمود) إلى بكفوز على البوسفور واضمحل جيش القيصر هناك وقبل الهدنة.
١٢ - كان (ياني) قيصر القسطنطينية قد دخل في الحلف مع الأمم البلقانية ضد العثمانيين على أثر غزو العثمانيين لسهل المريج (مارتيزا) فأرسل جيشاً بقيادة ولي عهده (مانوئل) إلى جهات (ازمير) فانقض عليه السلطان مراد الأول ملك العثمانيين ومزق ذلك الجيش شر ممزق وفي الوقت نفسه أرسل جيشاً بقيادة (لالا شاهين باشا) و (اورانوس بك) سنة ٧٧١ هـ - فأغار على أملاك القيصر في جوار القسطنطينية وتقدماً حتى وصلا (اياستفانوس) ولما فرغ السلطان من تهدئة الأمور في آسيا الصغرى عبر إلى شبه جزيرة البلقان واستولى على أطراف القسطنطينية وهددها، ولما رأى القيصر ذلك خاف على
следующие страницы →