← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وصح نسيم الروض وهو عليل

стр. 702

بعد حصار ١٩ مرة المسلمون في القسطنطينية للقسطنطينية ميزات كثيرة على غيرها من بلدان الأرض لا سيما من الجهتين الطبيعية والسياسية فإن موقعها الجغرافي يجعلها تسيطر على البحرين الأبيض والأسود اللذين لهما مكانة تجارية عظيمة كما أنها حلقة الاتصال بين قارتي أوروبا وآسيا أو بالأحرى بين الشرق والغرب وهي تقوم على ضفاف البوسفور ذلك المضيق التاريخي الذي شهد أعظم المآسي. وقد أنشئت هذه العاصمة سنة ٦٥٨ قبل الميلاد من قبل حاكم (هدغارا) التي هي في جوار برزخ (قوربنت) في بلاد اليونان. أما خليجها المسمى بالقرن الذهبي فهو واسع عميق ومن الخلجان التي تلجأ إليها السفن وقد كان يسد بسلسلة طولها ٢٥٠ ذراعاً فلا يستطيع الأعداء دخوله وسميت (بيزانس) وأصبحت قبلة أنظار الأمم العظيمة. خضعت القسطنطينية تباعاً لأقوام شتى بسطت سيطرتها عليها في القرون الغابرة فقد حكمها السبرطيون ثم اليونان ثم استولى عليها القيصر (قلود) الروماني الذي حكم من سنة ٤٥: ٤١ ق. م وفي سنة ٣٣٠ ميلادية أصبحت عاصمة للقيصر قسطنطين الكبير الذي نقل إليها بلاطه من روما وسماها باسمه سنة ٣٣٧ م وقد بقيت في أوج مجدها حتى فتحها محمد الثاني العثماني في ٢١ أيار سنة ١٤٥٣ فدانت للحكم العثماني وقلبت كنيستها العظيمة أيا صوفيا مسجداً وهو من أهم المساجد في العالم اليوم. ولا ننس جمال موقعها الطبيعي الذي قلما يوجد مثله وهي تليق أن تكون عاصمة الدنيا كما يروى عن نابليون الكبير الذي قال لو كانت الكرة الأرضية مملكة واحدة للزم أن تكون عاصمتها القسطنطينية. فلذلك كانت ولم تزل مطمح أنظار الفاتحين. ولهذا طمع فيها المسلمون منذ أول قيام مملكتهم وتكرر حصارهم لها المرة بعد الأخرى حتى فتحت في المرة التاسعة عشرة. وفيما يلي ذكر جميع المحاضرات الإسلامية حصرناها في مكان واحد حتى يرى القارئ بوضوح جسامة الجهود المتوالية التي صرفها المسلمون قبل الاستيلاء على هذه الدرة الثمينة: ١ - في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان خرج والي الشام معاوية بن أبي سفيان سنة ٣٢ هـ - لغزو القسطنطينية بجيش من الفرسان فنازلها وحاصرها ثم عاد بعد أن غنم وبعث الرعب في قلوب الروم.

стр. 703

٢ - في عهد معاوية بن أبي سفيان سنة ٤٣ هـ - وصل جيش العرب بقيادة (يسر ابن ارطاة) إلى القسطنطينية ورجع بعد غزو ضواحيها. ٣ - ٤ - جهز معاوية في خلافته جيشاً عظيماً لفتح القسطنطينية بقيادة سفيان بن عوف الأزدي فخرج إليها سنة ٤٨ هـ - في أسطول كبير خاض به بحر الأرخبيل ومضيق الدردنيل وبحر مرمره ولما وصل إليها أخرج جيشه على ضفة مرمره من غربي المدينة وضرب عليها الحصار وبقي أسطوله محاصراً لها من جهة الجنوب مدة أربع سنين إلى أن سير معاوية إليها جيشاً آخر بقيادة ولده يزيد وفيه العبادلة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم فأوغل في بلاد الروم وفتح المدن والحصون ودام في المسير حتى بلغ القسطنطينية واشترك في حصارها وأبرز الجيشان المحاصران من الشجاعة والأقدام ما بعث الدهشة في قلوب المحصورين لكنهما لم يتمكنا من الاستيلاء عليها لمتانة أسوارها ومنعة موقعها وبعدهما عن مركز الخلافة وفتك النار الإغريقية في السفن العربية فاضطر المسلمون لقبول الصلح الذي عرضه عليهم البيزنطيون وكان في مصلحة الطرفين. وفي أثناء هذه المحاصرة بنى العرب في الحي المسمى بالغلطة الآن المسجد المعروف بالجامع العربي وتوفي أبو أيوب الأنصاري ودفن قريباً من السور ولا يزال قبره هناك يزار وعليه مسجد يدعى باسمه وفيه كان يتوج خلفاء آل عثمان. هذا وقد اعتبر بعض المؤرخين هذه المحاصرة محاصرتين الأولى من قبل سفيان بطريق البحر والأخرى من قبل يزيد بطريق البر وعلى هذا القول تكون المحاصرات تسع عشرة. ٥ - أرسل الوليد بن عبد الملك أخاه مسلمة عدة مرات لحرب الروم ففتح كثيراً من المدن والحصون ثم تقدم في إحدى غزواته حتى وصل إلى ضفة البوسفور (اسكدار) فهدد القسطنطينية وأحرق السفن التي كانت راسية في مينائها دون أن يصاب بضرر. ٦ - في سنة ٨٨ هـ - جهز سليمان بن عبد الملك جيشاً مؤلفاً من ١٢. . . جندي بقيادة أخيه مسلمة لفتح القسطنطينية فسار مسلمة حتى وصل إليها فحاصرها حصاراً شديداً ولما دخل فصل الشتاء زرع العرب وبنوا مدينة من الخشب دعوها (مدينة القهر) فلما رأى الروم ذلك استولى الرعب على قلوبهم فطلبوا الصلح على جزية يؤدونها كل سنة فأبى مسلمة حتى بئس الروم فخلعوا ملكهم (ته ئودوسيوس) الثالث وقتلوه ووعدوا البطريق

стр. 704

(ليون) بتتويجه إذا استطاع صرف العرب عنهم فأستأمن (ليون) لنفسه وتظاهر لمسلمة بالمودة والإخلاص ثم خدعه وأتلف طعام العرب حتى كادوا يهلكون من الجوع واضطروا إلى أكل الدواب والجلود وأصول الأشجار وأوراقها وكل شيء غير التراب وهم صابرون تجاه أعدائهم ينتظرون المدد من خليفتهم وكان الخليفة عازماً على اللحاق بهم بنفسه فما أمكن ذلك لمفاجأة فصل الشتاء البارد حتى توفي في مرج دابق في شمال حلب والجيش على أبواب القسطنطينية يكاسر الجوع عزائمه وتفتك النار الإغريقية به فلما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز رأى من الحكمة رفع الحصار ورجوع الجيش فكتب إلى مسلمة بذلك وأرسل إليه مؤونة كثيرة وخيلا عتافاً فوصلته وهو قافل في الطريق سنة ٩٩ هـ -. ٧ - وهذه المحاصرة كانت على يد عبد الله البطال الإنطاكي من قواد مسلمة بن عبد الملك في عهد أخيه هشام وفيها أحرزت العرب انتصارات عظيمة قرب القسطنطينية حتى اضطر القيصر إلى توقيع معاهدة كانت في مصلحة المسلمين. ٨ - كانت هذه المحاصرة في عهد المهدي العباسي إذ أرسل ولده هارون الرشيد سنة ١٦٥ هـ - في جيش مؤلف من (٩٥) مجهز بكامل العدد فأوغل هارون في بلاد الروم حتى بلغ البوسفور وهدد المدينة فكان الذي يقوم بأمر الروم القيصرة (اربنى) والدة القيصر قسطنطين السادس فهادنت هارون على (٧) دينار في السنة وأن تقيم في طريقه الإدلاء والأسواق فأجابها إلى ذلك ورجع مكللاً بأكاليل العز والنصر فمدحه مروان بن أبي حفصة بقوله: أطفت بقسطنطينية الروم مسنداً ... إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها ومازحتها حتى أتتك ملوكها ... بجزيتها والحرب تغلي قدورها ٩ - كانت هذه المحاصرة في خلافة الرشيد وسببها أن الروم ثارت سنة ١٨٧ هـ - على القيصرة (اري) فخلعوها وتوجوا أحد القواد (نقفور) فكتب هذا إلى هارون كتاباً يهدده فيه ويقول له (أردد ما حصل من قبلك من الأموال وإلا فالسيف بيني وبينك) ولما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب فكتب على ظهره قد قرأت كتابك والجواب ما ستراه لا تسمعه والسلام ثم شخص من وقته في جيش عرمرم حتى أناخ بباب (هرقلة) ففتحها وغنم ولما رأى ذلك (نقفور) طلب المهادنة على خراج يؤديه كل سنة فأجابه الرشيد إلى ذلك وقفل

стр. 705

راجعاً حتى وصل الرقة فبلغه هناك أن (نقفور) نقض العهد فعاد غير مبال بالثلوج وشدة البرد حتى نزل على مضيق القسطنطينية وهدد المدينة فارتاع (نقفور) وأخذ الرعب من قلبه كل مأخذ حتى صار يتذلل للرشيد ويحلف له أنه لن يتأخر عن دفع الجزية ولا ينقص العهد أبداً فقبل الرشيد وعاد ظافراً ولكن ابن نقفور لم يترك أباه ثابتاً على عهده بل أغراه وشجعه على جيش الرشيد والفتك به فجمع جيشه وسار في أثره حتى لحق به وحصلت بين الفريقين وقعة هائلة جرح بها (نقفور) وتشتت جيشه بعد أن قتل كثير منه وافترض عليه الرشيد غرامة سنوية قدرها (٢) دينار واشترط عليه أن تنقش باسمه واسم أولاده. ١٠ - والمحاصرة العاشرة كانت حين نهوض الدولة العثمانية فقد طلب إذ ذاك قيصر القسطنطينية الحماية من محمود غازان ملك المغول بتبرير وأرسل له هدايا كثيرة من جملتها ابنته فبوصولهم إلى (تبريز) كان محمود غازان قد توفي وجلس مكانه ولده (خدا بنده محمد خان) فرغب في بنت القيصر وأرسل إلى جميع ملوك الطوائف الناهضة على أنقاض دولة السلاجقة المنقرضة بعدم التجاوز على مملكة القيصر فشق ذلك على عثمان شاه أحد ملوك الطوائف هذه ومؤسس الدولة العثمانية فتجاوز حدود الملكة البيزانتية سنة ٧٠٨ هـ - واستولى على مدينتي (قوجحصار) و (لفكه) وأغار على قرية استاوروز من البوسفور. ١١ - في عهد السلطان أورخان ثاني ملوك العثمانيين سنة ٧٢٨ هـ - حين سار جيش بقيادة (اقجه قوجه) و (قو كورالب) و (اقباش محمود) إلى بكفوز على البوسفور واضمحل جيش القيصر هناك وقبل الهدنة. ١٢ - كان (ياني) قيصر القسطنطينية قد دخل في الحلف مع الأمم البلقانية ضد العثمانيين على أثر غزو العثمانيين لسهل المريج (مارتيزا) فأرسل جيشاً بقيادة ولي عهده (مانوئل) إلى جهات (ازمير) فانقض عليه السلطان مراد الأول ملك العثمانيين ومزق ذلك الجيش شر ممزق وفي الوقت نفسه أرسل جيشاً بقيادة (لالا شاهين باشا) و (اورانوس بك) سنة ٧٧١ هـ - فأغار على أملاك القيصر في جوار القسطنطينية وتقدماً حتى وصلا (اياستفانوس) ولما فرغ السلطان من تهدئة الأمور في آسيا الصغرى عبر إلى شبه جزيرة البلقان واستولى على أطراف القسطنطينية وهددها، ولما رأى القيصر ذلك خاف على

стр. 706

عاصمته فطلب الصلح من السلطان فصالحه لعلمه أن وقت الفتح لم يئن بعد. (يتبع) محمد صادق آل النقشبندي

стр. 707

الحيرة إن نفسي تريد أمراً ولكن ... لست أدري يا قوم ماذا تريد قد عرضت المنى عليها ولكن ... لم يرقها قديمها والجديد وعرضت الفنا لها فأبته ... وخلوداً فلم يرقها الخلود لم ترقها حرية سئمتها ... مذ جنتها ولم ترقها القيود حيرتني فلا اهتمامي أرضاها ... بحال ولم يفدها الصدود وإذا رمت بالسكوت أداويها ... عراني من وخزها التنكيد صار جسمي يروم عنها انفصالاً ... إذ عراه منها العناء الشديد وإذا قلت أنت ترضين بالفصل ... رأيت السكوت منها يزيد هي خرساء لا بنطق تؤدي ... ما أرادت ولا بلمح تفيد وهي إما خيرتها بين نفي ... وثبوت جوابها الترديد إن ترديدها يولد ترديدي ... فبئست أماً وبئس الوليد هي لا ترضى برأي ولا تأتي ... برأي فهل عراها الجمود لم أجد مثلها ومثلي فمني ... نعم جمة ومنها جحود.

стр. 708

العلاقة بين مدن الشرق وقراه القرى تلد الأهليين والمدن تتوفاهم لو حاولنا أن نعرف هل وجدت القرية قبل المدينة في سوريا وغيرها من بلدان الشرق الأدنى أم بالعكس ورجعنا في هذه المحاولة للأدلة التاريخية وللاستنتاج النطقي لوصلنا إلى هذه النتيجة وهي أنه في الشرق على الأغلب وجدت المدن، قبل وجود القرى فيه لأن التاريخ يؤيد أن أكثر المدن الشرقية قديمة جداً وإن مواقع المدن الطبيعية ومراكزها الجغرافية يشيران إلى أن فيهما من الخصائص ما ليس في غير مراكز المدن مما من شأنه اجتذاب الإنسان القديم عند بدء استقراره بعد أن سئم حياة البداوة وابتدأ بالاشتغال بالزراعة. وبقليل من التأمل يلاحظ المرء أن المدن في الشرق تقوم بالقرب من مجاري أحد الأنهر الكبيرة التي تمكن من يستقر بجانبها من ري الأرض بواسطتها بكل سهولة كما يرى بالقرب من هذه الأنهر السهول الواسعة التي يمكن ريها كلها نظراً لانبساطها ولوفرة المياه. ثم أن هذه المدن تقوم بجانب أحد الطرق الهامة التي توصل الأقطار البعيدة بعضها ببعض وربما كانت هذه الطرق السبب الأكبر في جعل بعض المدن ذات شأن كما هي الحال مع تدمر والبتراء وصنعاء والكوفة فأنه عند تحول الطرق الكبرى التي كانت تمر بها إلى جهة أخرى تأخر جل هذه المدن أو اضمحلت بالكلية. وبما أن أول دور من أدوار الحياة الاقتصادية التي تتلو دور رعاية المواشي هو دور الزراعة وبما أنه ليس للقرى في الشرق من مياه الري وسهولة الزرع ما للمدن فإنه يمكننا الجزم أن المدن في الشرق بوجه عام أقدم من القرى فيه وأن هذه الأخيرة ما أهلت بصورة جدية إلا بعد أن استولت على جميع السهول المجاورة للمدن واستعملت مياه الأنهر الكبيرة للري وقلت منابع الرزق بالنسبة لعدد السكان وتزاحم الخلق على امتلاك الأرض الزراعية القريبة ومن طاف بقرى سورية ورأى أن الكثير منها تعتمد بزراعتها على الغيث وأن عدداً كبيراً منها أيضاً قد تكبد مشقات جسيمة في حفر القنوات للحصول على مياه الري يتحقق صدق النظرية السالفة. . . وبعد هذا التمهيد نريد أن نبين العلاقة بين المدن وبين القرى بعد نشأة هذه الأخيرة وازدحام

стр. 709

الأولى ولا يظن أحد أن العلاقة بينهما ضعيفة وغير هامة بل هي رابطة ذات أهمية عظمى إذ أنه لولا القرى لما نمت المدن ولما تجددت جيوشها ومتنت أخلاقها كما أنه لولا المدن لاشتدت وطأة التزاحم في القرى وقلت موارد العيش وتدنى مستوى المعيشة وضاق أفق الحياة وحرم الناس من درجة الرقي العالية ورقة الطباع اللتين وصلوا إليهما بواسطة المدن. قلت أنه لولا القرى لما نمت المدن بعد وصولها إلى هذه الدرجة من الضخامة. أن القرى تمد المدن بما يتزايد فيها من السكان وهي تستوعب هذه الزيادة لا بل تتطلبها لنموها واحتفاظها بالعدد الكبير الذي بلغه سكانها ولاستعادة القوة والنشاط إليها وتجديد الدم فيها. إن هواء القرى عكس هواء المدن جيد نقي يدعو لنشاط الجسم وتقويته ولتوسيع الرئتين فيقل بها مرض السل كما تؤدي فيها محافظة الأخلاق إلى ندرة الأمراض التناسلية وهكذا فالهدوء فيها يحفظ الأعصاب سليمة وقوية. فتتحسن الصحة وتخصب البطون ويزداد عدد المواليد وينتج عن ذلك أيضاً قوة النسل والأعمار الطويلة فتقل الوفيات وتنقص وقائعها عن وقائع الولادات نقصاً بيناً فلا يلبث أن يتزايد سكان القرية وتضيق أبواب العيش في وجه البعض فينزلون للمدن، حيث تكثر الأعمال وتتعدد أبواب الرزق ويقصد البعض الآخر المدن لتحصيل العلوم العالية والاحتكاك بطبقة من الناس أعلى مما اعتادوا عليه وبعد إذ يحصل الشبان علومهم في المدن يترفع طموح أكثرهم عن الرجوع للقرية والعيش بمحيطها الضيق ويفضلون البقاء في المدينة ليخوضوا بحر عراكها ويروا مقدار نشاطهم في السباحة فيه، كما أن الذين تتحسن اقتصادياتهم في القرية يروق لهم الانتقال للمدينة حيث مجال العمل أوسع والأمن أشد، فالمدن مركز المعامل الكبيرة والمشاريع الجسيمة. والثروات الطائلة وسوق النزعات الجديدة ففيها نظراً لكثافة السكان وشيوع قراءة الصحف واحتكاك الأفكار تظهر الثورات الفكرية وتنتشر وتتشكل الأحزاب السياسية وتتألف الجمعيات والنقابات وتتحفز كل فئة ضد مناوئيها فالمدينة ميدان تزاحم اجتماعي وسياسي واقتصادي وعلمي فيتقدم لخوض مختلف ساحاته الكثير من أهل القرى كل بحسب عدته وأهليته وبهما يقاس فوزه بين منافسيه وهكذا فأهل القرى يهجرونها للمدن دون أن يحدث العكس إلا ما ندر فتستعيد المدن بهذه الجماعات الوافدة من القرى ما فقد منها من نفوس

стр. 710

ويدخلون في مختلف طبقاتها وتستعيد بهم الأيدي النشيطة والأفكار الثاقبة والقوة على العمل التي هي بحاجة دائمة إليها. وهكذا تتجدد العائلات في المدن وتحتفظ بحيويتها بمجيء العائلات الجديدة من القرى وبمصاهرة هذه العائلات. ومن يمحص الأنساب في مدن هذا الشرق يرى أن كثيراً من العائلات فيها قدمت من القرى وبعضها لم يمض على قدومها للمدن جيلان أو جيل واحد. وأن أسماء عائلات كثيرة تدل دلالة ظاهرة على أصلها القروي فنجد في دمشق مثلاً آل الحلبوني والصحناوي والقاري والمهايني والنبكي والدوماني والقرواني والصيدناوي والتناوي والقساطلي والرحيباني والشويري وهلم جرا وكل هذه العائلات كما تدل أسماؤها من أصل قروي وهكذا قل عن المدن الأخرى غير دمشق وكثيراً ما تجد أن حياً من أحياء المدينة يسمى باسم سكان إحدى القرى كحارة السخانة في حلب وحماة وحمص ودمشق المأهولة بمهاجري السخنة وتدمر والقريتين وكذا فإن كثيراً من عائلات طائفة السريان القديم في المدن السورية من أصل صدي وبعض هذه العائلات قد اشتهرت بغناها وبوجاهتها. وستظل صدد القرية معقل الطائفة اليعقوبية المنيع في سوريا ومنبعها الدائم. وعليه فلنشبه المدينة بالبحر والقرى بالينابيع التي تنساب دوماً مياهها نحو البحر لتعوض عليه ما فقده وهي كالينابيع حلوة يتدفق منها الماء النقي ليمنح البحر ما فقده من المياه النقية التي بخرتها حرارة الكدح والمزاحمة ويلطف ما بقي فيه من المياه الكثيفة الملوثة بالأملاح التي جادت بها سكنى المدينة الغنية بماديتها وأذواقها ومغاويها، وهي كالينابيع هادئة تدفق الماء بكل تؤدة وسكون ثم تدفعها للبحر وسط هديره وصخب أمواجه، وهي كالينابيع دائمة تسير نحو البحر في حال اليسر والعسر وفي حال السلم والحرب فهي ينابيع الأرحام الدائمة تدفق مياه الحياة نحو بحر القبر الدائم. ويمكننا أيضاً أن نضيف للمقابلات الأنفة الذكر المقابلات التالية وهي أنه في القرية يكون الخيال بعيداً وسامياً ويراعى الدين والفضائل على قدر الإمكان فترى الشجاعة والتعبد والكرم والاهتمام بالغير ومساعدتهم متجلية بأوضح مظاهرها. أما في المدينة فالتواكل قليل والضيافة غير معتادة فلا يهتم أحد بغير نفسه وعائلته الخاصة فتضعف أواصر القربى والعصبية النسبية في القرية تعيش مع مواطنين يعدون بالمئات وتتعارف مع كل واحد

стр. 711

منهم وتشعر معه ويشعر معك إن حباً أو بغضاً أما في المدينة فأنك تعيش مع الألوف ولا تتعارف حق المعرفة وتعطف بعض العطف إلا على عائلات وأفراد قليلي العدد. في القرية يهتم للمعنويات في هذه الحياة وللأنفة والشمم والسمعة الطيبة ويكثر فيها القال والقيل الفارغ أما في المدينة فينظر للحياة نظرة جدية ويهتم بالمادة فوق كل شيء، فيتفانى أهل المدينة في سبيل نيل القوت الضروري أو إحراز الغنى ليمتع أنفسهم طالبوه بكماليات الحياة المعروضة أمامهم للبيع. وكذلك فإن أهل القرية محافظون والفرد فيهم أسير للعادة وللتقاليد بينما نجد أهل المدينة نزاعين إلى التجديد والتبديل والفرد فيهم مستقل وحر بتصرفاته وأفكاره. على أن القرويين يميلون للتشبه بأهل المدينة ويسعون لتقليدهم إلا أن أغلب ما يقلدونهم فيه هو الظواهر دون الجواهر لأن الظاهرة أقرب للعين وأرغب للهوى وأسهل تناولاً لليد. إذن فموقف المدينة من القرية موقف المادي الطموح من الرواقي القانع بالخيال والمتمسك بالمبادئ العالية، وموقف العالم من الساذج، والمعلم من التلميذ، والأب المتبني من الابن المتبنى، والغني من الفقير، ورب العمل المكافئ من العامل النشيط والملجئ من الملتجئ والقبر من الرحم. ليس كل ما ذكرناه من المقابلات في هذا المقال يختص به الشرق دون الغرب بل أن كثيراً منها يصدق في الاثنين على السواء. على أن بعض المقابلات التي لا تنطبق على الغرب والتي هي لب الموضوع يبرر حصر العنوان بمدن الشرق فالمدن الغربية من الوجهة الصحية ومن حيث مقابلة عدد المولودين بعدد المتوفين غير مدننا. وإذا أغفلنا ما تزيده القرى في عدد سكان المدن قلنا أنها نظراً لنظافتها وللوسائط الصحية المتبعة فيها ولحداثة عهد الكثير منها لا تنطبق عليها بعض النعوت التي نعتنا بها مدننا ويمكنها أن تتزايد وتحتفظ بنشاطها بقطع النظر عن القرى قد تمدها بالحياة والنشاط كما أن الرقي الفكري ميسور في قرى الغرب فوق ما هو ميسور في قرانا بسب حسن المواصلات وثراء الشعب وغيره، ولقد كانت باريس ولندن قبل مائة وخمسين عاماً كما هي مدننا اليوم ولكن الغرب يخطو خطوات واسعة في سبيل التقدم كل عام بينما نحن نرقى ببطء وتغلب فينا روح المحافظة على حب التجديد وكذا فالنظافة العامة والشعور بواجب الفرد نحو المجتمع لم

стр. 712

يصلا عندنا إلى درجة عالية. ومقابلة صغيرة بين إحدى مدننا الداخلية وبين أصغر مدن الغرب تدل على صدق ما ذكر من الفرق بينهما. وطالما بقيت مدننا على ما هي عليه الآن دون أن تطبق فيها القواعد الطبيعية والهندسية تبقى مقابر لدفن النشاط والحياة اللذين تبعث بهما أرحام القرى دمشق شكري جبور

стр. 713

أنا زنجي بقلم الكاتب الجاماييكي الأسود روى كوفرلي لا أعلم كيف أدركت فجأة أن كون الرجل أسود وتحمله عذاب ذلك يتطلب نفساً كبيرة وفضيلة أعظم من فضيلة الملائكة من أبيات للشاعر الأميركي الأسود كونته ولن لا أدري كيف أبدأ هذا المقال، أما أتمامه فهو مشكلة أخرى. أنني رجل أسود وأني لا أسأل نفسي كم من الرجال البيض يعرف ما معنى كون الإنسان أبيض؟ وأنا كما أنا، على أني موقن أنه ليس لجلدي اللون الذي لجلد أكثر الناس وإنه ينظر إلي من وجهة عامة كمخلوق غريب يميل الناس لمعرفة كيف يفكر، وكيف يعمل، وماذا باستطاعته أن يعمل. لقد اعتقدت بكل هذا قبل مجيئي إلى كوبنهاغ لأنني عشت في أمريكا حيث اعتاد الناس أن يعتبروا أبناء قومي السود كمخلوقات على حدة لها شأنها الخاص. وفي أمريكا، وأن شئت فقل في نيويورك يوجد حي من الأحياء يسمى هارلم وفي هارلم يختلط الرجل الأسود بالألوف من أبناء جنسه فيرى بوضوح وجلاء تام أن الحياة فيه تشذ عن القواعد العامة. والشعب الأمريكي الذي اعتاد كثيراً رؤية الزنوج يعد وجودهم طبيعياً رغم أنه يكرههم ولعل في حوادث طفولتي مواد كثيرة للموضوع الذي أعالجه في هذا المقال. لم أكن في أيام طفولتي في الجاماييك أشعر بأني، كما أذكر ذلك جيداً، أحد أفراد قوم خاص، إنما كنت أعرف أن البعض من الناس أسود والبعض الآخر أبيض. هذا كل ما في الأمر وفي بعض الأحيان كان سماع جملة أو قراءة سطر يجعلني أشعر أنه ينظر إلي كزنجي ولكن هذا الشعور لم يكن ليدوم أكثر من بضع دقائق لأن الزنوج في الجزيرة كانوا يبلغون أكثر من أربعة أخماس السكان ولأن مسألة عدم اختلاط الزنوج بالبيض كانت مسألة جنسيات. فمعظم البيض كانوا يشغلون وظائف كبرى ومراكز أخرى ذات شأن كبير وإذا كانت طريقة معيشتي تختلف عن طرق معيشتهم فذلك يعود إلى أنهم أغنياء ولأن مراكزهم الاجتماعية كانت تتطلب ذلك ولعل هذا كل ما كان يخيل لي بهذا الصدد. وقضيت أعوام حياتي الأولى كإنسان مستقل بذاته فخور بعائلته. ولم يكن ليدور في خلدي

стр. 714

أنه سيأتي يوم أرى فيه نفسي مخلوقاً غريباً عن بقية الناس. وجاءت الحرب الكبرى. وكنت في التاسعة من عمري عند ابتدائها وأني لأذكر حزني إذ ذاك لأن عمري لم يكن يسمح لي بالذهاب إلى الجبهة الحربية والقتال في سبيل انكلترا. لقد تعلمت في المدرسة أنه يجب على المرء أن يفخر بأنه تابع للإمبراطورية البريطانية وأن بريطانيا أعظم دول الأرض وتعاليم أخرى كهذه لا اعتقدها الآن بعد أن أصبحت رجلاً وسافرت إلى بلدان كثيرة. وأطلقت العنان لنفسي يجرفها تيار الحماس الحزبي فاشتركت في فرقة الكشافة وفعلت كل ما استطيع في سبيل انكلترا ولقد وصلت الأخبار عن الذين سافروا إلى ساحة الحرب وأذكر أني قرأت في الجرائد إذ ذاك جملاً من هذا النوع. لقد عادت إلى الجنود الجامابيكين السود طبائعهم الوحشية الأصلية أثناء المعركة فانقضوا على الأعداء. . لم أكن لأفهم معنى هذا ولم أكن أعرف لماذا يطلقون على أبناء قومي اسم زنوج الجاماييك، ولا لماذا يقولون عنهم أن طبائعهم الوحشية الأصلية قد عادت إليهم. . . ومن أين لي أن أدرك؟؟ كنت عائشاً في عالم يقضي سكانه، من البيض كانوا أم من السود، أوقاتهم في لعب (الكريكت) وشرب الشاي والتحدث عن حكم النفس بالنفس محتقرين الفقر، متعلمين اللهجة الانكليزية الصحيحة في أحاديثهم. فأية علاقة للطباع الوحشية بكل هذا؟؟ لقد كانت كلمة زنجي تؤذي نفسي لأنها كانت تطلق في نظري على أقوام تعيش في أفريقيا حياة همجية وليس في وسع أحد الاتصال بها أو التعامل معها. وكم كنت غبياً مجنوناً!!. لقد عينت الحكومة الانكليزية في أحد الأيام مديراً جديداً لسكة حديد الجاماييك، ولقد كان يشغل وظيفة مماثلة في جنوب أفريقيا من قبل، فأخذ يتكلم بعد وصولي لبلادنا عن وجوب تسيير خاصة بالزنوج. فتألف في الحال وفد ذهب إلى المدير في مكتبه وأفهمه أن سكان الجاماييك وأن كانوا زنوجاً فهم راقون لدرجة لا يحلم هو نفسه بالوصول إليها، وأنهم لا يقبلون بأي وجه معاملتهم كمتوحشين، إنه من الأصح أن لا يعود إلى التكلم عن العربات الخاصة ونصحه البعض بالاستقالة. وبعد ذلك بمدة قصيرة رأى هذا المدير أن يلفت نظر أبي الذي كان إذ ذاك رئيس

стр. 715

المهندسين في سكة الحديد، إلى وجوب احترامه أكثر مما يفعل. فاستقال والدي في الحال وأعلن ذلك في الجرائد. وهذه حملت بدورها على المدير حملة شعواء جعلت من المدير هدفاً لسخط الرأي العام مما دعا حكومة لندن لدعوة المدير لبلاده. ولقد كانت نشأتي في محيط يشعر لهذه الدرجة بقوة قوميته الدافع الحقيقي لعدم إدراكي معنى كوني زنجياً تجاه نفسي وتجاه البيض من البشر. لماركوس غارفي الرجل الأسود المعروف شخصية قوية، وذكاء حاد ولقد أثار حوله قبل ذهابه إلى أميركا قليلاً من الضجة بتأليفه جمعية غرضها الدفاع عن حقوق الزنوج وتحسين أحوالهم الاجتماعية. ولكنه لم يلق النجاح الكبير لن زنوج الجاماييك إذ ذاك لم يروا أن حالتهم تدعو للإصلاح ولأن أكثر السكان كما قلت قبلاً، لم يكونوا يشعرون بأنهم زنوج يختلفون عن بقية الناس ولكن غارفي لم ييأس فسافر إلى أميركا، واستطاع بقوة شخصيته وبراعته في فن الخطابة أن يجعل (الجمعية العامة التي ألفها لإصلاح الزنوج) تزدهر ازدهاراً لم تر له أميركا مثيلاً من قبل! ولقد كان لهذه الجمعية في جميع المدن الأمريكية، وكانت ذات أثر كبير في نفوس الملايين من الزنوج الذين سحرتهم خطب غارفي النارية فقدموا عن طيبة خاطر كل ما اقتصدوه في سبيل الدفاع عن غاياتها التي كانت كثيرة الغلو بعيدة المرمى، ترتكز على نظرية مهاجرة جميع زنوج العالم إلى أفريقيا لإنشاء دولة قوية من الأمة السوداء. وفي سبيل هذه الغاية، بدأت الجمعية بشراء عدد من البواخر الكبيرة استعداداً لمنافسة باقي ملاحي العلم. وحينما أعلن خبر قدوم باخرة (حظ النجمة السوداء) إلى كنجستون سمعت لأول مرة سكان الجاماييك يتكلمون عن أنفسهم كزنوج. وصرح والدي إذ ذاك أنه سعيد أن برى أبناء جنسه وقد بدؤا يشعرون بوجودهم ويخرجون من الحمأة التي هم فيها. لقد بدا لي كل هذا كثير الغموض، ولكنه مع ذلك أثر بي تأثيراً عميقاً. وفي كتاب إلى رفيق مدرسة سافر إلى أميركا كتبت: إن وصول الباخرة فريدريك دوغلاي يدل على أن أبناء جنسنا قد بدؤا العمل وشرعوا بمجابهة العالم. كانت هذه الباخرة تحمل غارفي. فذهبت إلى لنجستون لأسمع خطبه. لقد كان في الواقع

стр. 716

خطيباً ساحراً، فأنه صور ببراعة كبيرة مدن أفريقيا في المستقبل وتكلم بحماس شديد عن الجيوش القوية التي ستدافع عن أفريقيا السوداء. . . . ولكنه لم يذكر شيئاً عن كيفية استيلاء الزنوج على هذه القارة، ولا عن كيفية طردهم الأمم القوية البيضاء المحتلة لأكثر أقسامها. مما جعلني أدرك أن هذا الرجل يتلاعب بسلسلة من الألفاظ النارية ليستولي على عقل شعب ساذج. ومع ذلك، فقد سرى السم في عروقي. لأني منذ سمعت غافي يتكلم، لم يعد في وسعي أن أنسى أنني زنجي وأن البيض ينظرون إلي كرجل منحط وأني مدين بهذا وبهذا فقط لغارفي. كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما سافرت إلى أميركا حيث ذقت مرارة العيش وعرفت سريعاً أن كون الإنسان أسود يكلفه شقاءً كثيراً. وأردت أن أمتهن صناعة رسم الخرائط التي تعلمتها في وطني، ولكنني كنت كلما طلبت العمل تلقوني بابتسامات الهزء والسخرية. وبعد أن هزؤوا بي كثيراً، وتحملت إهانات كثيرة بدأت أفهم حقيقة الأشياء ولقد تقدمت إلى رجل على غاية من اللطف فقال لي: يا بني. أنا لا أشك في مقدرتك على الرسم وأرى أنك شاب متعلم ومهذب. ولكنك لن تستطيع العمل هنا، لأننا لا نقبل رجلاً ذا لون في عمل كهذا. وانتهى بي الأمر إلى أن أصبحت خادم رافع (اسانسور) في أحد الفنادق. ولكنني كنت اجتهد دائماً للتفرغ إلى العمل الذي صممت عليه فقد رأيت أمريكا بلاداً قوية فعزمت أخيراً على أن أكون زنجياً من نيويورك. ولقد كان لي في هذا بعض التعزية. لأني اكتشفت أنني أجيد الرقص، وأنه يمكنني ترك نفسي تسير في تيار من الألحان القاسية الوحشية الجميلة التي يهتز لها جسمي ويضطرم بتأثيرها. أنني أفضل مئة مرة أن آتي إلى أميركا وألقى كل أنواع الألم والعذاب من أن أحرم هذه الموسيقى السوداء المتأججة! وأني لأرضى أن آتي إلى أميركا وأرى شيئاً يستحق الأهمية. ولكن هذه المهنة كانت عسيرة عليّ، وسببت لي كثيراً من اليأس. فكنت أقوم بمهن حقيرة لأكسب قوتي ثم أسعى لأن أكون كاتباً. وأحياناً كثيرة كنت ألعن هذا الجلد، هذا الغشاء الأسود الذي يكسو جسدي ويضع أمامي العراقيل والعقبات، ويسبب لي أنواع المصائب والألم. ولا أستطيع أن أقول أنني أحرزت

стр. 717

شهرة كبيرة في الكتابة، فإذا عدت إلى أميركا، فعلي أن أقارع وأطاحن. إن شهرة كبيرة يحرزها فنان، تمهد أمامه كل سبيل، ولكن أمامه وحده، دون أن يكون منها أي أثر يعود على أبناء جلدته. ولهذا السبب فقد اعتقدت كأكثر الشبان المفكرين من الزنوج، بالمساواة في التفكير وذلك لأننا ندل على أنفسنا بنوع إنتاجنا. وإذا نشرت غداً رواية كبيرة أنال الشهرة وأدعى للسهرات والحفلات والمجتمعات الخاصة بالبيض فأصبح وكأني اوروزماك كلومندن أو كاني هايز، فيتحدثون بنبوغي الشخصي ويثنون على عبقريتي ولقد أسمع أحدهم يقول: إنه من دواعي الأسف أن لا يكون جميع الزنوج مثلك وموضع السخرية في هذا القول أن الزنوج ليسوا جميعهم مثلي وهل يتأتى لقوم من الأقوام أن تكون جميع أفراده شعراء وفنانين. إن ذلك كله سخافة تامة والحل الوحيد الذي يلجأ إليه الفرد للخلاص من ذلك هو مغادرة أمريكا والعيش في بلاد أقل همجية منها وهذا هو ما فعلته. ولكن الحال ظلت على ما هي عليه بشأن أبناء قومي السود وكما كتبت مؤخراً في إحدى قصصي: لقد تركت أنا الزنجي أمريكا فراراً من شيء هو أعظم قوة مني لم استطع احتماله تاركاً أخواني هنالك هدفاً للألم والعذاب ولعل هذا هو عاطفة قومية أكثر منه حقيقة واقعة لأني كالكثيرين من الزنوج رأيت الغاية في أن أكون أنا كما أنات وأني أؤمل أن لا يحمل كلامي هذا على محمل الشكوى لأن في الزنوج أناساً أدنى مني ينجحون بينما أجد جميع كل أبواب الأعمال التي أجيدها مغلقة في وجهي وأتحمل عذاب ذلك بدلاً من أن أحرم من هذه الأنغام التي تشعر كأنها قطعة من روحي. إن في أميركا عزاءً كبيراً. فقد تعلمت فيها أشياء كثيرة. ولقد علمت عندما كنت أعمل كخادم رافع، وحزام بضائع (ايرا الدردج) الزنجي وهو يعد من بين أبين الروائيين الكبار في أوروبا وأن (بوتشكين) كان نصف زنجي وأن أم (دوماس الروائي) كانت سوداء، وإن صناعة النحت الأفريقية تعد فناً راقياً، وإن الأناشيد الروحية الزنجية هي موسيقى أمريكا الوطنية الوحيدة. وعرفت أيضاً أن لون جلدي الأسود، هو خطيئتي الوحيدة التي لا تغتفر. على أن مدير المكتب كنت أعمل فيه كحزام بضائع، كان يعهد إلي دائماً أن أتكلم بالتلفون لأنه كان للهجتي الانكليزية ورنة صوتي تأثير حسن في الزبائن ولأنه لم يكن في لهجتي وفي صوتي ما يدل على لوني. وذقت المرارة أيضاً، تلك

стр. 718

المرارة التي يعاني مضضها كل من يشعر بعلائم الكره وإشارات الاحتقار موجهة إليه. وعرفت أيضاً الألم الذي يصاب به كل من يقرأ في الجرائد وفي كل يوم أن واحداً أو اثنين أو ثلاثة من أبناء قومه أحرقوا أحياء بسبب هذا الكره نفسه وذقت مرارة الاعتقاد أيضاً أنه لولا هذا الجلد، لولا هذا الغشاء من اللون الأسود، لاستطاع المرء النجاح أو على الأقل لاستطاع أن يفعل شيئاً. ليس في وسعي أن أنسى أبداً ذلك اليوم الذي وقفت فيه أمام أحد المطاعم وقد عرضت في مقدمته أنواع كثيرة من الأسماك اللذيذة وكنت جائعاً وجيوبي مفعمة بالدنانير فدخلت وفي الحال شعرت بيد قوية تنقض عليّ وتدفعني خارجاً فترمي بي على رصيف الشارع. . لا أدري نوع العاطفة التي خامرتني إذ ذاك ولا أدري كيف عدت إلى مسكني لأني لم أعد أرى شيئاً وكنت عاجزاً حتى عن التفكير. إنما أحسست بظلمة حالكة تغمر كياني ولذلك فقد بقيت أسبوعاً كاملاً في غرفتي دون أن أرى إنساناً أو أتكلم مع إنسان منطرحاً على سريري ذاهلاً عن نفسي شقياً معذباً. ولقد عدت بعد هذا إلى رافعي، وجعلت، وأنا أرفع الناس وأنزلهم ادرس طباعهم والسبب الذي يدعوهم لاحتقار الآخرين وكنت أدرس حركاتهم وأتفحص وجوههم، فتحول رافعي الكهربائي إلى قاعة درس أحلل فيها كل نماذج الشعوب الأمريكية. وكانت نتيجة هذه الأسابيع من الدرس، أن ارتسمت على وجهي ابتسامة صفراء، فيها مرارة، وفيها استهزاء. . . لست شاكياً من هذا ولا متضجراً، فالزنجي الذكي لا يشكو، بل يستعد للعمل هادئاً ساكناً، منتظراً الفرصة السانحة يوماً ما. إن جامعات نيويورك وباقي الولايات الأمريكية تعج بالشبيبة السوداء التي تتعلم وتستعد للوقوف في وجه التيارات والعواصف. . ومعظم هؤلاء الشبان من الزنوج، يقومون بشتى الأعمال القاسية لكسب القوت الضروري، في نفس الوقت الذي يملأ ون فيه أدمغتهم. لأن القوي في أميركا والذي يعرف ما يريد يجد المكافأة من أميركا نفسها: فكونته كالن يعد من أكبر شعرائها مع أن الوحي الذي رفعه إلى ذروة الشهرة، هو نفسه الذي دفعه يوماً من الأيام إلى كتابة وعندما تمثل روز ماك كلوندن في أحد المراسح، تراه يعج بالناس. ومن المستحيل أن تجد محلاً فارغاً في المسرح

стр. 719

الذي يغني فيه (رونالد هايز) وعندما بدأت الكتابة، وكان ذلك منذ عدة سنوات، رأيت أن أميركا كانت تظهر لي وجهاً أقل تهجماً وكما كتبت مؤخراً في إحدى قصصي: لقد تركت أنا الزنجي أمريكا فراراً من شيء هو أعظم مني لم استطع احتماله تاركاً أخواني هنالك هدفاً للألم والعذاب ولعل قولي هذا هو عاطفة قومية أكثر منه حقيقة واقعية لأني كالكثيرين من الزنوج رأيت الغاية في أن أقول أنا كما أنا وأني أؤمل أن لا يحمل كلامي هذا على محمل الشكوى لأن الزنوج لا يشكون ولا يتذمرون بل يضحكون ويرقصون ويغنون حتى في أعظم ساعات المصاب وفي أوقات الشقاء والألم. أنهم يخلقون لهم عالماً خاصاً بهم ويتمتعون بكل ما فيه من نشاط وقوة. فهارلم هو حي من أحياء نيويورك كثير النشاط عظيم الضجيج تعصف في أجوائه دائماً أنغام الموسيقى والأناشيد والقهقهة تلك القهقهة القاتمة العميقة، تلك القهقهة الخاصة بالشعب الأسود القاتم. إن قضاء بعد ظهر يوم من أيام الصيف في هارلم، ذلك الحي المزدحمة شوارعه بالوجوه المستبشرة الضاحكة، ذلك الحي الذي تشع في طرقاته وممراته الألوان السوداء اللامعة هو مما ينطبع في النفس ويترك فيها ذكرى خالدة. أن الكثيرين من سكان نيويورك البيض يأتون إلى هارلم، يأتون هذا الحي لاكتساب شيء من قوة الحياة المرحة الضاحكة ويتركون لأنفسهم حرية الاستسلام إلى هذه الموسيقى المتأججة القوية التي تكتسح كل شيء. نعم نحن من عنصر غير عنصركم ولا أظن أنه في وسع أحد من البيض أدراك أي إكسير حار مضطرم يغلي في عروقنا ولا أي استعداد للشعور والحياة قد منحتنا الطبيعة. أننا نستطيع أن نتمثل حضارة العنصر الأبيض ونندمج فيها وأن نحتفظ في الوقت ذاته بتلك الثورة النفسية المتأججة التي ورثناها. ومن هذا تنشأ الصفة التي نمتاز بها. وأننا مابرحنا نردد في أنفسنا خلال كل ما أصابنا من الشدائد والمحن معاني الأبيات التي أوردتها في أول هذا المقال فنعرف أن أداء ما وجب علينا من العمل في هذه الحياة يحتاج حقيقة لنفوس فاضلة كبيرة. تعريب: ع. ج

стр. 720

أيتها الضعيفة هاهو ذا الفجر ينشر على الكون الهادي غلائله الفضية ويبعث بنسماته العطرة تهز أوراق الحور. وها هو خيالك القديم الشاحب، ينتصب بجانبي في هذه الشرفة القائمة على سفح قاسيون، فننظر معاً إلى مدينة دمشق التي نشأنا وترعرعنا فيها، فنراها وقد انبسطت أمامنا يحيط بها البحر الأخضر، فينسينا منظرها الفخم البهيج ما كاد يستولي على نفوسنا من يأس قاتل. أيتها الضعيفة تشجعي فالصبح لا يلبث أن ينبلج. ألا ترين وخيالك معي، هذه المآذن الذاهبة في أجواز الفضاء كيف تلمع تحت أضواء الفجر وتنفض عن أردانها غبار الليل لتستقبل أشعة الشمس؟ إن نور النهار سينحدر عما قليل رويداً رويداً من أعاليها، فيتغلغل في كل ناحية من نواحي هذه المدينة الجبارة التي قيدتك بسلاسل العرف وأغلال العادة ورمت بك في زاوية من زوايا الغابر المظلم فأصبحت وأنت كما أراك إلى جانبي منهوكة القوى، يحول الضعف بينك وبين نصرائك فتكادين لا تصغين لندائهم، ويكادون لا يسمعون أنينك. . . تشجعي أيتها الضعيفة فقد آن لهذا الليل هؤلاء الأقوياء الغاشمين الذين ما أحبوا فيك إلا نفوسهم. إن قواهم أوهى من أن تحجب النور، وأن ظلمهم أضعف من أن يقف في وجه الحق طويلاً. أيتها الضعيفة تشجعي فقوة الإيمان أعظم القوى ويكفيك أن تؤمني أنك مهضومة الحق وإن القوم من ذويك ظالمون. أيتها الضعيفة استأسدي فذئاب الحي جياع. أيتها الضعيفة استبسلي ولا يغرنك ما ينفثونه في روعك مما لم يمله عليهم إلا الأنانية ولم يدفعهم إليه إلا حب الذات. لقد أنزلوك منزلة السلع ووقفوا منك موقف القوي الظالم من الضعيف المخلص فلم يرعوا لك ذمة ولم يحفظوا لك عهداً. لقد كذبوا على الله فتناسوا لباب الدين واتخذوا من قشوره حبالاً يخنقونك بها. وسخروا التقاليد والخرافات لإرادتهم لا يحتفظون منها إلا بما يؤيد قوتهم ويسد ثغره نهمهم ويدعو لضعفك وتذليلك. لقد فهموا الشرف كما أرادوا لا كما يفهمه الحق أو العدل وأنهم ما برحوا يغضبون الله ويعصونه فينسبون ذلك إليك، ويرتكبون

стр. 721

الجرائم للتحكم بك زاعمين أنهم ارتكبوها للدفاع عنك، ويسمحون لأنفسهم مفاخرين بكل ما يعيبونه عليك ويرمونك به، ومازالوا وهذا شأنهم حتى إذا أنهكت المظالم قواك وضعضع الألم آمالك ورجاءك قالوا عنك ضعيفة لا نصيب لك من الحياة إلا الرحمة بك والإشفاق عليك. لقد عرفتك في كل الأدوار والمراحل ضعيفة خاضعة مستسلمة صابرة، وعرفتهم في كل الأدوار أقوياء لا حد لظلمتهم ولا نهاية لما أنزلوه بك من عسف واضطهاد. أيتها الضعيفة لا تجزعي ولا يتأسي بل روحي عنك وأرجعي بخيالك إلى ماضي الحياة البعيدة وتاريخها الغابر المتراكم في هاوية العدم. إنك لا تجدين بين طياتها إلا صراعاً قائماً بين الظلم والعدل وعراكاً يكاد لا ينقطع بين الحق والقوة. هذه سنن الحياة ونظمها أيتها الضعيفة فلا يهولنك ما ترين. تمر العصور وتنقضي حقب الدهر وتنازع البقاء لا يبرح ثابتاً في أصوله لا تتغير إلا صوره وألوانه. أيتها الضعيفة تشجعي فأنت سليلة الأماجد ممن أبوا الضيم ولقد آن لك أن تؤمني أن الحق حقك فتستنبطي من الضعف قوة ومن اليأس أملا ورجاء. أيتها الضعيفة استبسلي فالحرية لا ينالها إلا طالبها والمجد لا يحرزه إلا الجسور المقتحم. هاهي الشمس قد نشرت أشعتها فوق الأرض وها هو النور يملأ المنازل ويغمر الروابي والبطاح وهاهي المدينة الجبارة وقد نهضت من نومها العميق تعجب لجهدك وتعتز بمجدك.

стр. 722

جمعية دوحة الأدب النسائية ومشروعها الجديد جمعية دوحة الأدب النسائية في دمشق عنصر من العناصر الاجتماعية التي يمكن وصفها كما هي في الواقع ثم تحليلها ودراستها بطريقة الاستقراء والاستنتاج لبيان صورة واضحة من صور التطور الاجتماعي الأخير ليس في سورية فقط بل في جميع أقطار الشرق العربي، وهذا ما لا نستطيعه في هذه العجالة لأنه يحتاج لبحث خاص ربما أفردنا له فصلاً خاصاً في أعداد الثقافة، على أن غاية ما نود أن ننبه القارئ إليه في هذه الكلمة هو أن هنالك رأياً إذا أيدناه فإنما نذهب به مذهب أستاذ كبير من أساتذة التربية والتعليم السوريين الذين يعملون اليوم في العراق بعد أن عملوا طويلاً في سورية. وخلاصة هذا الرأي أن النساء السوريات هن أشد ذكاء وفطنة وأكثر استعداداً للعلم والتعليم وأقرب للتقدم والنجاح في العمل من الرجال السوريين، وهو رأي أبانه صاحبه منذ عشرات السنين فجاءت أدلة الواقع تؤيده وتثبت صحته، ولعل أظهر هذه الأدلة وأبرزها جمعية دوحة الأدب النسائية هذه التي لا نعرف من جمعيات الرجال المدنية في سورية من استطاعت أن تجاريها في ثباتها وصحة برنامجها وإخلاصها ومثابرتها على العمل بكل ما يتطلبه نجاح العمل في الجماعة من صفات يجب أن يتصف بها الفرد والتي من أهمها سلامة القلب وشرف النفس وسمو الروح والمفاداة بكثير من المنافع الخاصة التي تمليها الأنانية والأثرة وحب الذات. لم تكد تؤسس جمعية دوحة الأدب النسائية في دمشق منذ سنين خلت حتى كنابين المتفائلين خيراً بتأسيسها ومن الأملين ببقائها ونجاحها فقد نشأت دون أن تثير حولها شيئاً من الضجيج الذي اعتادت جمعيات الرحال في سورية أن تبرز به في بادئ أمرها، ثم لم يمض عليها شهور حتى وفق مؤسساتها لجمع مبلغ من المال أنشأنا به مدرسة للبنات الصغيرات أجمع جميع من عهدوا بتربية بناتهم إليها أنها من خيرة المدارس السورية إن لم تكن أصلحهن في برنامجها وترتيبها وتنظيمها، وفكر القائمات على شؤون الجمعية بعدئذ رغم ما تعانيه البلاد من ضيق وفقر بجمع ما يكفي لبناء مدرسة فوضعن مشروع القرش السوري وطبعن مليوناً من الطوابع كل طابع منها بقيمة قرش سوري واحد وشرعن بتوزيعها وبيعها، وأنك لو درست هذا المشروع الجديد الذي أخذن على أنفسهن القيام به في

стр. 723

مدينة فقيرة كدمشق وعرفت ما عانينه في سبيل إيصاله إلى ما وصل إليه رغم الحجاب الكثيف الذي يحجب وجههن ورغم حب الذات المتأصل في نفوسنا نحن الرجال، لعرفت أن هنالك جهداً جباراً قد يضيق به ذرعاً من لم يكن مخلصاً في عمله، سامياً في مبدئه، شريفاً في نفسه وروحه، وإنك إذا بحثت الأمر أيضاً ووقفت على كثير من شؤون جمعية دوحة الأدب وأعمالها الهادئة الرصينة لا يبقى مجال للشك في نفسك بنجاح مشروعها الجديد ولأيقنت أن المال المطلوب سيجمع أن لم يكن عاجلاً فآجلاً وأن بناء المدرسة سيقام بعد حين في قلب عاصمة الأمويين ضخماً فخماً شاهداً على جهد المرآة السورية وعظمتها، ويؤيد يقينك ما تراه ويتناوله سمعك في كل يوم وفي كل ساعة من دعوة الشقيقة شقيقها وإلحاح الزوجة على زوجها ورجاء القريبة قريبها لمناصرة هذا المشروع وبيع طوابعه وبذل الهمة في سبيله كأنه عمل خاص بهن وكأن المال الذي سيجمع من وراء ذلك سيمنح إليهن ولذويهن. إن هذه العاطفة السامية المتأججة في نفوس هؤلاء النسوة أعضاء جمعية دوحة الأدب هي الشرط الأول في نجاح عمل الجماعات وهي عاطفة أن لم نتعدها بالتشجيع والمناصرة أصبحت بعد حين كغيرها من تلك العوامل الروحية التي لا تلبث أن تخمد شعلتها في هذه البيئة الخشنة من الدعائم التي يبنى عليها مجد الأمم وسلطانها. إذا شكرنا أعضاء جمعية دوحة الأدب على جهودهن ومساعيهن رغم ما يعترضهن من مصاعب التقاليد والعادات التي يرزحن تحت أثقالها، فإنما نؤدي فرضاً هو أقل ما يمكن في باب التشجيع والمعاضدة، وإذا دعينا لمناصرة مشروع الجمعية الجديد ومساعدته، فإنما نذكر قرأنا بواجبات وطنية ليس بين الناس من يعجز عن القيام بها أو يجد عذراً في تقاعسه عن أدائها. والعمل الصالح في سبيل الجماعة هو عمل شريف مجيد مهما صغرت قيمته وقلّ شأنه. ك. د

стр. 724

القراءة والحياة القراءة والحياة خلاصة مقال نشره (أدمون جالو) في صحيفة الطان الفرنسية يدعو فن النقد لتقسيم القراء لدرجات، وإذا ابتدأنا بالدرجة الأخيرة، نلقي قراء الأخبار المحلية الذين لا يودون إلا معرفة ما صار حولهم وما وقع في جوارهم، ويأتي في الدرجة التي فوقها القراء الذين يقرأون لأحياء عامل التأثر في نفوسهم، ويدخل عادة في هذه الطبقة النساء والشبان ويتبع هؤلاء الذين يقرأون ليستفيدوا ويتعلموا ثم الذين يقرأون ليتلذذوا بجمال الأسلوب وبراعة الإنشاء. وليس بين هؤلاء جميعاً من يصح أن يطلق عليه اسم قارئ، لأن القارئ الحقيقي في نظرنا هو من يقرأ ليعيش أكثر من مرة واحدة وإن هذه الرغبة التي هي ثورة على طبيعة الحياة ونظامها قد يكون ما يفسر برغبة الابتعاد عن الحقيقة والواقع والتخلص من السآمة التي تورثنا إياها الحياة التي نحياها في كل يوم. ولكن الحقيقة غير ذلك فمظاهر هذه الثورة النفسية هي مظاهر تستتر تحتها غاية سامية شريفة من شأنها أن تحدو بالذات لمعاناة المصاعب والانغماس في تجارب الحياة العديدة والتوصل لمعرفة أشياء كثيرة لا تساعد طبيعة الكون على الوصول إليها. فقراء شكسبير ومونتيين وبول فيفال مثلاً لهم صفة عامة تجمع بينهم وهي رغبتهم بأن يزيدوا في عدد الحياة الواحدة التي يحيونها لأن ما تمنحه الطبيعة لهم من المدارك في كل يوم مما يجري حولهم لا يطفئ ظمأ نفوسهم وهم يعرفون أن ما يستطيعه الإنسان محدود بسيط فيأسفون لذلك ويتألمون من جرائه. حينما رسم ميشيل آنج في سقف قاعة سيكستين أولئك الأنبياء المنصرفين إلى القراءة والذاهلين بها عن سواها، أولئك الأنبياء الذين لا يستطيع ميشله أن يتكلم عنهم إلا ويضطرب صوته بالبكاء فإنه لم يخطئ بتقديره أهمية العمل الذي صورهم منصرفين إليه ومأخوذين به عن أنفسهم. لقد كان يعلم ولاشك أن أسمى ما كان يرمي إليه ذلك العصر هو تخليص الإنسان من الطراز الوحيد الذي يعيش عليه وإفهامه أن هنالك عيشاً أخر يجب اكتشافه ومعرفته. وهذا أعظم ما رمت إليه مدرسة أثينا وفلسفة الإغريق القدماء ولقد جاء عصر التجدد الغابر من بعد ذلك يعارك ويجالد ليوسع في الإنسان مداركه وتجاريه فيفسح

стр. 725

مجالاً كبيراً في قلبه لعاطفة البشرية وفكرتها الواسعة المترامية الأطراف ولكنه لم يستطع أن يغير من طبيعته شيئاً كثيراً. على أن أقرب ما يساعد على الوصول إلى تلك الغاية التي عمل لها الأقدمون ومن جاء من بعدهم هي القراءة أيضاً والقراءة التي أقصدها هنا هي القراءة الحقيقية التي تزيد في تجارب العيش وتنميها بدلاً من أن تقوم مقامها. ك. د موت اللغات خلاصة مقال نشر في مجلة لموا الشهرية نشر المسيو فاندريس عضو المعهد العلمي الفرنسي والأستاذ في الصوريون مقالاً ممتعاً في مجلة الدروس والمحاضرات الفرنسية عن موت اللغات قال فيه ما ملخصه: إن اللغات تموت إذا لم يبق من يتكلم بها وهذا كثيراً ما يصيب اللغة التي تضمحل بعامل لغة أقوى منها تستولي عليها فتغمرها وتبتلعها كما وقع للغة البروسية القديمة واللغة البولابية اللتين خنقتهما اللغة الألمانية وقضت عليهما تماماً وهكذا شأن اللغة الغالية أيضاً تجاه اللغة الفرنسية التي أبادتها وهضمتها فإذا التقت لغتان تموت الضعيفة الفقيرة منهما شأن تنازع البقاء ولكن من أين ينشأ هذا الضعف والتأخر اللذان يجعلان هذه اللغة دون اللغة الأخرى ومن هو الذي يحدد ويعين مكانتها الاجتماعية بالنسبة للغة الثانية التي تناظرها؟ يقول الأستاذ فاندريس أن لذلك أسباباً وعوامل كثيرة من أهمها أن إحدى هاتين اللغتين تكون أغنى وأقدر من الثانية على إيضاح ما يجول في نفس المتكلم بها ولذلك تصبح الثانية في نظر المتكلمين دون الأولى التي تتقدم عليها بصرف النظر عن قيمة اللغة ومكانتها بحد ذاتها فاللغة اللاتينية واللغة اليونانية القديمة رغم مجدهما القديم ومكانتهما التاريخية والذاتية تلاشياً أمام اللغة الانكليزية والفرنسية وكذلك اللغة الغالية فهي لغة ذات مجد وآداب وأن تكن شفهية فهي غنية لكنها لم تستطع أن تقف طويلاً أمام اللغة اللاتينية التي غمرتها وأبادتها بسبب أنها لم تكن لتعادلها وتساويها في مجدها الأدبي واستطاعتها على إيضاح ما يجول في نفوس أبناء العصر ومجاراتها للفكرة العصرية ومكانتها العالمية التي نشأت عن ذلك فهي قد استغوت الكثيرين من الفاتحين الذين انصرفوا إليها لما رواه في معرفتها من حسنات مادية ومعنوية ولما أورثهم الإطلاع عليها من تيه وفخر فبقيت اللغة السلتية بعد

стр. 726

ذلك خاصة بالطبقة العامة الجاهلة من الناس وكادت أن تنحصر بهم وحدهم. واللغة العامية هي دائماً دون اللغة الأدبية التي يتكلمها كبار الناس وأصحاب المكانة العليا والمثقفون في الأمة ولذلك فاللغة العامية لا تلبث أن تضمحل وتترك المكان للغة الأدبية التي تصبح أقوى وأشد منها وذلك لأنها أي اللغة العامية، لغة لا ثقافة ولا تاريخ ولا آداب مكتوبة لها ثم أنها لم تؤلف وترتب بصورة يستطيع المتكلم بها أن يوضح عن جميع ما يخامر نفس الرجل المتعلم من أفكار وصور ومعان وهي منحصرة أيضاً بأشياء ومعان خاصة تقوم في نفس الرجل العامي الجاهل وجميعها تتعلق بالحياة المادية العلمية والتي تعود أكثر ما يكون للقرى والأرياف وهي تستطيع بهذه الميزات والصفات أن تبقى ثابتة وأن تعيش طويلاً ولكنها لا تستطيع أن تجاري لغة المثقفين المتعلمين من الطبقة العليا في الأمة تلك اللغة التي هي أوسع في التعبير عن الفكر وأغنى في إيضاح ما يجول في النفس من شتى المعاني والصور ومما تقدم يتضح أن هنالك عراكاً يكاد لا ينقطع بين اللغات والغلبة دائماً تتم للقوية على الضعيفة هي التي يتكلمها عدد قليل من الناس بالنسبة للأخرى وجلهم من رجال الطبقة العامة. وتموت اللغة حينما يشعر المتكلمون بها بعدم الحاجة إليها وعدم الميل والإرادة للتكلم بها لعجزها عن إيفاء جميع ما يريدون قوله وينتج من هذا أن اللغة لا تعيش بذاتها بل تعيش بإرادة أبنائها وحرصهم عليها بالعمل في سبيل إصلاحها المستمر وجعلها وافية بكل ما يتطلبه تفكير العصر الذي يعيشون فيه ويذكر الأستاذ فاندريس لذلك أمثلة كثيرة نأسف لضيق المجال هنا عن إيرادها جميعها ويستنتج من مجمل تلك الأمثلة والشواهد أن اللغة لغتان لغة تحكى ولغة تكتب ولا يمكن مهما تقدمت اللغة أن تكون هي هي كتابة وتكلماً وأن هنالك خطراً متى تباعدت اللغة المحكية عن اللغة المكتوية فيجب دائماً السعي لتوثيق الصلة بين اللغتين وتقريبهما من بعضهما ما أمكن وذلك بإدخال ما صلح من اللغة المحكية في اللغة المكتوبة وهذا لابد عنه في تطور اللغة الأدبية فمن يحاول أن يكتب بالفرنسية مثلاً في هذا العصر بلغة فولتير الكاتب الفرنسي فلا مندوحة له وهو يعالج موضوعاً لم يعالجه ذلك الكاتب من إدخال بعض مصطلحات عصرية رغماً عنه تمثل الزمن الذي يعيش فيه فاللغة هي شيء ذو حياة فإن جمدت ولم تسر مع ما يتطلبه التجدد ماتت والويل للأمة التي تحاول أن تبقى بلغتها حيث هي فالزمن يتقدم جارياً مع

стр. 727

حركة الحياة الدائمة ثم لا تلبث الصلة أن تنقطع بين حركة الحياة وبين هذه اللغة فيقضى عليها بالجمود والموت. وهذا التجدد والإصلاح في اللغة لا يفيدان وجوب إبدال اللغة المكتوبة وجعلها كاللغة المحكية ولا يفيان لزوم الكتابة باللغة العامية لأن في ذلك ما يدعو لموت اللغة أيضاً كما تقدم فالإصلاح المنشود هو إصلاح اللغة المكتوبة بتوسيع مفرداتها وتحديد معانيها والمحافظة على تراثها القديم وهذا لا يتأتي إلا عن طريق الثقافة العامة فالثقافة وحدها هي التي يمكنها أن تحافظ على التوازن بين احترام القديم والحرص عليه وبين حب الجديد والأخذ بالأسباب التي يتطلبها العصر الذي نعيش فيه. والكاتب المثقف هو الذي يمكنه أن يوفق بين الحاضر القريب والماضي البعيد فيحبهما ويحترمهما معاً. ك. د

стр. 728

الكتب والصحف سلمان الفارسي لو لم يكن الأستاذ لويس ماسينيون من أساتذتنا الذين يمكننا. إن شئنا التفاخر أن نفاخر بهم، ومن العلماء الذين نعتز إذا عددنا أنفسنا بين أصدقائهم ومريديهم، لما اجمعنا على القول بأننا لا نعرف بين مستشرقي هذا العصر وعلماء العلوم الاجتماعية فيه من هو أغزر مادة وأدق بحثاً وأقدر على تتبع الموضوعات العلمية واستقصاء أصولها وجمع مصادرها ومساندها من الأستاذ ماسينيون ضيف عاصمة الأمويين في الشهر الغابر. ولعل نظرة بلقبها الباحث المنصف في أي كتاب من كتب هذا العلامة الكبير ليقابل ويقايس مع أحدث ما يخرجه علماء هذا العصر من مؤلفات تكفي لأن تجعله يرى هذا الرأي ويعتقد العقيدة نفسها. قد يختلف العلماء وتتضارب مذاهبهم وتتباين ولكن هنالك أصولاً واحدة في الاستقصاء والاستقراء والتتبع وجمع المساند يكاد الاتفاق يتم عليها وهي أساس كل الأبحاث والعلوم في هذا العصر وهي وحدها مقياس التفاضل إذا اختلفت الآراء والمذاهب على أن الوصول للبراعة في هذه الأساليب والتجويد في عملها ليس بالمطلب السهل فإنه يحتاج، عدا غزارة العلم، لعبقرية فائقة ومقدرة وجلد وثبات وغير ذلك من المزايا التي قل أن تجدها مجموعة إلا في هؤلاء العلماء الأفذاذ. ولعل أوضح مثال نقدمه على هذه الأصول لندل عليها، هذا الكتاب الصغير الجديد الذي وضعه في هذه السنة الأستاذ المستشرق لويس ماسينيون عن الصحابي الكريم سلمان الفارسي ﵁. وهو كراس يقع في اثنين وخمسين صفحة من القطع العادي وقد تجد فيه، رغم قلة صفحاته، من الأبحاث الممتعة والمساند والمصادر والوثائق القديمة والجديدة ما تضيق به المجلدات الضخمة وكلها مرتبة بطريقة واضحة تغري بالتتبع وتشوق على التعمق والرجوع إلى الأدلة والحجج في مظان وجودها وإن في ذلك كله من براعة الأسلوب وغزارة العلم ما يعرفه جميع من عرفوا مباحث مستشرقنا الكبير وألفوا طريقته في الاستقصاء والتعمق والتحقيق. بحث المؤلف في مقدمة الكتاب عن (المدائن) التي توفي فيها الصحابي الكريم سلمان الفارسي ﵁ وعن الكوفة وعن الأصول التي يجب أتباعها في درس سلمان

стр. 729

الفارسي. وخصص الفصل الأول من الكتاب لدرس تاريخ حياة سلمان الفارسي بشكلها المعروف وتحليل نظرية هوروفيتز بنقد هذا التاريخ وتفنيده وفي الفصل الثاني عالج المؤلف حديث إسلام سلمان الفارسي كما رواه سلمان نفسه ثم الحديث الشريف (سلمان منا أهل البيت) ثم القول المشهور (عملتم وما عملتم) وأصل هذا القول ومنشأه. والفصل الثالث من الكتاب خصص لدرس وفاة سلمان الفارسي ﵁ في (المدائن) وما ورد من الأدلة على صحة مجيئه للعراق كحليف لعبد قيس ثم الإسناد السلمانية في بعض النظم الدينية. ويحتوي الفصل الرابع على علاقة سلمان التاريخية بصاحب الرسالة ﷺ وشأنه بعد ذلك مع الإمام علي ﵁ ثم خاتمة الكتاب وفيها ما يمكن تلخيصه وعرضه من مجمل الفصول المتقدمة وقد أتبع الأستاذ العلامة هذه الموضوعات بنصوص قديمة لم تنشر بعد عن المذاهب الشيعية المتطرفة المسماة سلمانية أو سينية وبفصل آخر في تعيين المصادر لهذا البحث سواء كانت في اللغات الشرقية أو في اللغات الأوربية وتبويبها وتقسيمها. هذا ما حواه الكتاب أجملنا عناوين أبحاثه في هذه العجالة على أن تعود الثقافة لمعالجة موضوعه الهام في عدد آت أعان الله مؤلفه على عمله وأمد بحياته. ك. د أخلاق المسلمين وعاداتهم لعل اعتقاد الغربيين أن حياة المسلم وما فيها من تقاليد وعادات ترجع في منشئها إلى الدين، وأن الثقافة العربية بمعناها القديم هي ثقافة دينية أي لابد للأديب وهو الآخذ من كل شيء بطرف أن يدرس القرآن ويطلع على عدة كتب هي دينية بمادتها وروحها كالحديث والفقه وغيرها، وأن امتزاج السلطتين الروحية والزمنية وما يتبعهما من الأنظمة في أصول الحكم تقوم على قواعد دينية فرضها الإسلام منذ ظهوره، وأن وقوع أغلب البلاد الإسلامية تحت النفوذ الأجنبي، كل هذه الأسباب جعلت الإسلام موضوعاً خطيراً في أعين المستشرقين تدور حوله جل أبحاثهم اليوم. التاريخ يعيد نفسه، فالحضارة الإسلامية سائرة بحكم القوانين التاريخية في طريق الانحطاط وستضمحل عما قريب بتأثير صدمات الشعب الغربي الجديد كما سقطت من قبل الحضارة

стр. 730

اليونانية أمام هجمات الرومان والحضارة الفارسية أمام صدمات العرب، وما هذه الحركات التجديدية المزعومة التي يتمخض بها العالم الإسلامي اليوم إلا شبيهة بحركات الجسم العنيفة التي يعقبها الموت عادة أو بقرقعة البناء قبل الانهيار تلك هي الفكرة التي خرجت بها بعد قراءة هذا الكتاب ومؤلفه يزاول التدريس في كلية الآداب بالجزائر وهو أحد الذين اتخذوا المغرب الأقصى موطناً لهم وعاشوا في محيط أسلامي ودرسوا نفسية المسلمين وطرق معيشتهم ولذا غدا كتابه جديراً بالدرس والمطالعة لما حواه من الآراء الجريئة والتكهنات الغربية. نأخذ على المؤلف تسرعه في تعميم نظرياته (التي تشتمل على معلومات أولية مقتبسة عن أوضاع الهيئة الاجتماعية في أفريقيا الشمالية) على بقية البلاد الإسلامية بدون أن ينظر إلى الشوط الذي قطعته الشعوب الإسلامية في مضمار التطور لاسيما في السنين الأخيرة، حتى أنه لم يتردد عن نفي كل حركة تجديدية كما تقدم معنا وإنكاره على العالم الأميركي ستودارد تسمية كتابه بالعالم الإسلامي الجديد أما أن لا حركة تجديدية في العالم الإسلامي فالمستقبل كفيل بإظهارها وأما أن يبحث المؤلف عن أسباب تأخر الشرق وعن عوامل الانحلال فهذا ما نود معرفته والإطلاع عليه. عرض المؤلف لكثير من الفوارق التي تميز الهيئة الاجتماعية الغربية عن الشرقية الإسلامية وحاول إظهار ما في الأولى من العوامل التي تدفعها في طريق التقدم وما في الثانية من عوامل التأخر والجمود التي تعرض هذه الحضارة للسقوط والاندثار ولعل أهم هذه العوامل هي نظرة القداسة في الإسلام إذ تختلف هذه النظرة عنها في المسيحية فالقداسة في بلاد الإسلام وراثية لها مميزات خاصة زد عليها تضامن الفطرة الارستقراطية مع القداسة وغدا كل من يتصل بنسب شريف يكتسب درجة تجعله في مكانة اجتماعية فوق ما تسمح له به مواهبه وكفاءته واستعداده الفطري ولا يخفى ما لهذه النظرة من التأثير السيء في سير أفكار المساواة وقتل الكفاءات بعد أن رأينا الديمقراطية في الغرب تفتح الأبواب للمواهب ولقيمة الفرد الشخصية. وعامل آخر لا يقل أهمية عن الأول هو تدخل تعاليم القرآن في كل مظاهر حياة المسلم حتى العادية منها وقد تعدت هذه التعاليم الدينية الشخص إلى الدولة ولذا يعجب الأوروبيون

стр. 731

هذه الحياة العلمانية عندنا ويطلقون على النظام الحكومي في بلاد الإسلام الحكم الإلهي لأن الدول الأوربية كما يقول أحد المستشرقين لم تتوصل إلى شكلها المدني الحاضر وفصل الدين عن الدولة إلى بعد جهاد عنيف وجهود كبيرة أما في الشرق فقد بقيت السلطتان الروحية والزمنية ممزوجتين معاً ويجب أن نفتش هنا عن أسباب المشادة الواقعة بين الأوربيين والأمم الإسلامية ومن جملة الفوارق التي نراها بين العقيدتين المسيحية والإسلامية هذه المسحة الدينية الغالبة على أنظمة الإسلام إذ لم تفسح الديانة المسيحية يوماً ما المجال للحكم الإلهي أن يتسلط على كل شؤون الدولة وإذا استعرضنا التاريخ رأينا تجاه طبقة الاكليروس طبقة أخرى علمانية لها قوانينها السياسية والإدارية التي تفرق تماماً عن الأنظمة الأكليرية فقد تشاهد القانون المدني إلى جانب الروماني وقانون التعرف والعادات ولم تكن القرون الوسطى إلا شبه معارك دموية بين سلطة الباباوات الدينية وسلطة الإمبراطورة المدنية المسيحية نفسها السلطة الزمنية حتى أن الإنجيل أوصانا أن نرد ما لقيصر لقيصر. . والحقيقة أن الأديان تتفق بروحها وتختلف بتقاليدها وطقوسها غير أن المسيحية لم تتمكن من فرض الحكم الإلهي إلا في بلاد معينة وطرق خاصة. ولعل انتقال المسيحية إلى الغرب وابتعادها عن محيطها الشرقي هما اللذان جعلاها تفرق عن الديانة الإسلامية من حيث نظام الحكم وأصوله حتى إذا صادقت محيطاً يختلف عن المحيط الشرقي وعقلية تختلف عن عقلية الشرقي تكيفت بتأثير هذا المحيط وإلا لو بقيت في الشرق لما كان مستبعداً أن يكون شكل الحكم عندها شبيها بمثله في الإسلام. ولا يتسرب إلى البال أن الدين الإسلامي هو الذي دشن الحكم الإلهي في الشرق إذ قد وجد هذا النوع من الحكم قبل أن يثب العرب من الصحراء وثبتهم المعروفة فقد نصب الاسكندر المقدوني بعد خلعه الملك داريوس نفسه ملكاً ونائب الإله عند اليهود وينتظر الشعب اليهودي رغم تشتته رجوع المسيح المنقذ وما هذا المسيح المنتظر إلا رئيس ديني يجمع السلطتين الدينية والسياسية معاً. ولما كان الفن صورة الحياة وهو الشيء الوحيد الثابت في هذا العالم رأينا أن المسحة الدينية غالبة على الفن الشرقي، فالفن الفرعوني القديم هو فن ديني والآداب العبرانية دينية بحتة والآداب الفارسية القديمة هي دينية بروحها ووحيها.

стр. 732

بعد أن درس المؤلف أصول الحكم في الإسلام وأثره في تطور الدول الإسلامية عرض للبحث عن الدولة وعلاقتها بالشعب ثم انتقل بعدئذ إلى الكلام عن صفات الشرقيين الخلقية وقال أن نقص التعاضد والتبلبل الجنسي هما من الأسباب القوية في تأخر الشرقيين وسد منيع في وجه كل الحركات التي من شأنها إيقاظ الروح الوطنية في الشرق إذ من السهل عليك أن تشاهد آثار التعاضد عند الأفراد في الغرب لأنهم تضمهم وحدة مدنية مرتكزة على فكرة استقلال الشخص وقيمته المطلقة زد عليها عاطفة غريزية نحو الاتحاد فطر عليها الغربيون منذ صغرهم، أما في الشرق فأنك ترى شعوباً وأجناساً مختلفة بينهم التركي والأرمني والفارسي واليوناني واليهودي والشركسي يعيشون سوية لا عاطفة قومية تجمعهم ولا وحدة جنسية تضمهم وقد يدلك على هذا الاختلاف كثرة ما نشاهده في الأسواق الشرقية من الأشكال والأزياء المختلفة ولا أجمل في نظر الأوروبيين من هذه الألوان التي تجعل للسوق الشرقية جمالها وطابعها الخاص. والخلاصة أن الشرق أمام قياس ذي حدين: أما أن يقتبس الحضارة الأوروبية بلا قيد ولا شرط وأما أن يدخل الأوروبيين هذه الحضارة بواسطة الاستعمار ويرجح المؤلف أن الشرقي حفظاً لكيانه قد فضل اقتباس هذه الحضارة عن طوع وإرادة ولا أدل على هذه الفكرة مما نشاهده من غزو الحضارة الغربية للشرق في ميادين العلم والثقافة والفكر والعادات والأخلاق. إبراهيم الكيلاني

стр. 733

أخبار العلم والأدب تكريم العلامة ماسينيون أقامت مجلة الثقافة في اليوم الثالث عشر من الشهر الغابر حفلة شاي في قصر أمية تكريماً للعلامة المستشرق المسيو لويس ماسينيون بمناسبة مروره بدمشق. وقد حضر هذه الحفلة رئيس الجامعة ومستشار معارف المفوضية العليا ومستشار المعارف في الجمهورية السورية ورؤساء المعاهد العلمية العليا وأعضاء المجمع العلمي العربي والمستشرقون أعضاء المعهد الفرنسي ولفيف من أساتذة الجامعة السورية وطائفة من أصحاب الشهادات العليا والمثقفين والكتاب والأدباء في دمشق. وتكلم باسم المجلة أحد أصحابها الدكتور كاظم الداغستاني فرحب بالمحتفى به وذكر ماله من المكانة في أقطار الشرق العربي والعالم الإسلامي وما تحمله نفوس السوريين وعلى الأخص تلامذته وأصدقاؤه من حبه واحترامه واعترافهم بجميله. وقد أجاب على ذلك الأستاذ ماسينيون بخطاب ممتع ارتجله باللغة العربية أوضحنا موضوعه في المقال الذي افتتحنا به هذا العدد. وقد تحدث المدعوون بعد ذلك إلى المستشرق الكبير بمختلف الشؤون العلمية والاجتماعية واللغوية وانصرفوا سعداء بهذا اللقاء محتفظين منه بأجمل الذكرى. استعمال القطن في تعبيد الشوارع وتزفيتها لقد أوضح الأستاذ جورج كارير الفائدة المتأتية من استعمال القطن في تعبيد الشوارع العامة ورصفها وتزفيتها وذلك لتقويتها وجعلها أشد مقاومة وتحتاج المواد الزفتية المعدة لرصف الطرق والممرات إلى مقدار من القطن يعادل ثلاثة ونصف في المائة من مقدارها وعلى هذا الحساب فإن كل مسافة ميل أي ما يعادل كيلو متر ونصف من طريق متوسط العرض تحتاج لأربعين رزمة عادية من القطن. تجربة صعود جديدة تنتهي بحادث مؤلم صعد بتاريخ ٣٠ كانون الثاني في الساعة التاسعة صباحاً المنطاد الروسي اوسو افاكيم للقيام بتجربة جديدة وتبعاً لإشعار الراديو البرقي الذي بعث به في الساعة الحادية عشرة ونصف فقد بلغ ارتفاع ٢٦، ٦٠٠ متراً عن سطح الأرض لكنه لم يلبث في الساعة ١٧ زوالية حتى تمزق غلافه وسمع منه صوت انفجاريين هائلين فهوى وأودى بحياة الطيارين

стр. 734

الثلاثة الذين كانوا فيه وهم واسانكو واوسيكين ويديرنكو من مشاهير رجال الطيران في روسيا. العصافير والزلازل أنبأ الأستاذ سكينير أنه لحظ قبل الزلزلة التي وقعت في بياك في اليوم العاشر من الشهر الغابر أن كثيراً من العصافير أبدت قلقاً واضطراباً شديداً وذلك قبل أن تعرف الناس وتدل الآلات الخاصة بقرب وقوع الهزة الأرضية وقد رأى أن هذه العصافير أثناء الزلزال لم تعد تنزل من الفضاء لتقف على أغصان الأشجار التي كانت عليها بل ظلت طائرة على شكل عامودي بارتفاع يقرب من أربعين متراً بعيداً عن تلك الأشجار التي تطير فوقها. أصغر عصفور اكتشف الدكتور الكساندر في المنطقة الجبلية من مقاطعة هايتين عصفوراً صغيراً يساوي حجمه حجم النحلة ولقد ذكر الدكتور في تقريره أن هذا العصفور هو كبقية العصافير الصغيرة شديد الدفاع عن نفسه محب للهجوم قوي الأجنحة والأعضاء حتى أنه لا يتأخر رغم صغره عن مهاجمة غيره من العصافير الكبيرة والتغلب عليها. سرعة الضوء قام العلماء في الشهر الماضي بتجارب جديدة في جبل ويلسون لمعرفة سرعة الضوء الحقيقية بالدقة والضبط بعد أن تبين لهم أن هنالك أخطاء في تحديد سرعة الضوء في السابق وذلك بسبب ما يطرأ على الآلات التي يقاس بها الضوء من الاختلاف والتعبير بالنسبة للموسم والفصول ولقد كانت النتيجة في هذه التجارب العديدة أن سرعة الضوء الصحيحة هي ٢٩٩، ٧٧٤ كيلو متراً في الثانية الواحدة. معرض كبير للتصوير في تركيا أقام بعض المصورين الذين يمثلون التصوير الفني الحديث في تركيا معرضاً كبيراً في (خلق أوى) الواقع في (بيره) باستانبول عرضوا فيه كثيراً من الصور الفنية. تأسس هذا النادي منذ ثلاثة أشهر تقريباً وهذا المعرض الذي أقامه في الشهر الماضي هو المعرض الثاني. وكان اهتمام سكان استانبول بكل من هذين المعرضين عظيماً جداً.

стр. 735

ومن مشاهير أعضائه الذين لم يتجاوزوا الثلاثين جمال سعيد ونور الله جمال والنحات زهدي. لم تشاهد تركيا قبل هذا المعرض معرضاً حديثاً من هذا النوع تعرض فيه آثار فنية متطرفة كالصور العارية والصور التي هي من نوع السور ياليست التي يبتعد بها المصور عن الواقع. وصور أخرى غير هذه مما استحسنه الزائرون. كل ذلك يدل على النزعات الحديثة السائدة الآن في تركيا سواء كان في الأدب والفن أو التربية والاجتماع. وقد رحبت الصحافة بهذا الإبداع الفني الحديث وخصصت جريدة تركيا ملحقاً أسبوعياً لمعرض المصورين المجددين لم تكن تركيا القديمة تهتم بالتصوير كما تهتم اليوم ولم يكن المصورون يقدمون قبل النظام الجديد على عرض صور من هذا النوع وأكثر هؤلاء المصورين درسوا في فرنسا وتأثروا بالأساتذة المشهورين أمثال (ماتيس) و (فرنان ليجه) و (دوفن) وغيرهم. وقد انتشر اسم المصورين الأتراك المجددين وذاع صيتهم حتى بلغ روسيا ثم أن اثنين من أعضاء نادي (خلق أوى) وثلاثة غيرهم يعرضون الآن قسماً من آثارهم في لينينغراد وفي موسكو وقد لحق بهم أيضاً المصور الهزلي جمال نادر وسيشترك قسم منهم أيضاً في المعرض الذي سيفتح في آثينا. عبد الحق حامد احتفلت تركيا في الشهر الماضي في القسطنطينية ببلوغ شاعرها الأكبر عبد الحق حامد السنة الثانية والثمانين من حياته. إن الشبيبة المثقفة عامة وطلاب الجامعة خاصة يعدون عبد الحق حامد أستاذهم الأكبر لأنه أجمل صورة لا بل أعظم شخصية تمثل الأدب التركي الحديث فلا عجب إذا تجمعوا حوله واحتفوا به هذا الاحتفاء العظيم. لاشك أن عبد الحق حامد هو فخر تركيا الحديثة. وهو صاحب كتاب مقبر وكتاب طارق وكتاب زينب وكتاب فينتين يعيش حياة ارستقراطية إلا أن حياته أشبه بقصيدة شعرية منها بحقيقة واقعية، إذا قرأته أثر في خيالك وفي قلبك وملك عليك مشاعرك حتى لقد أصبحت حياته شبيهة بأسطورة ووجوده خيالاً يعجب الناس من اجتماعهم به في هذا العالم فلا يصدقون إذا رأوه كيف هبط هذا البطل من عالم الخيال وكيف هجر الملأ الأعلى وعاد إلى الأرض. وقد نشرت زوجته (لوسيانة) في الصحف مقالات مؤثرة لمناسبة يوبيله وهي سويسرية

стр. 736

اقترنت بالشاعر الكبير يوم كان سفيراً لتركيا في بروكسل وجاءت معه إلى تركيا بعد ذلك العهد. وقد أثرت رواية حياتهما في الكاتب الفرنسي هنري بوردو ونشرت منذ سنين بعنوان (رسائلي إلى عبد الحق حامد) وهي تحتوي على حديث هذه الزوجة الشابة التي جعلت نفسها رفيقة لهذا الشاعر الشيخ. ذكرى أحمد هاشم الشاعر أحمد هاشم من الشعراء الذين يذكرهم الأتراك دائماً ويحترمونهم وقد توفي في السنة الماضية فأقام أصدقاؤه منذ شهر تقريباً في بيت الشاعر الراحل حفلة تأبين لمرور سنة على وفاته وقرئت في هذه الحفلة كثير من الأشعار الرنانة التي نشرت في الصحف التركية، وكلها تدل على ما في نفوس أصدقائه الأدباء والشعراء من الإجلال لشخصه والتقديس لذكراه.

стр. 737

العدد ١٠ - بتاريخ: ١٥ - ٦ - ١٩٣٤

стр. 738

ظاهرة سورية بقلم الدكتور كاظم الداغستاني لقد أوشك علماء الاجتماع جميعاً أن يتفقوا وكثير من الفلاسفة والشعراء من قبلهم على أن الماضي لا يموت، فهو لا يبرح ظاهراً بارزاً بآثاره تحمله الأفراد والجماعات فوق أكتافها وكثيراً ما تضيق به ذرعاً وتنوء تحت أثقاله فلا تجد سبيلاً للخلاص منه. وكما أن للفرد ماضيه الذي لا يكاد ينفصل عنه فللجماعة أيضاً ماضيها الذي تنطبع بطابعه وتجري على غراره وتخضع لحكمه شأت أو أبت. فحاضر الجماعة لا يفسره إلا ماضيها وماضيها هو الأرومة التي تتفرع عنها جميع ما يتألف منه كيانها الاجتماعي من عادات وأخلاق وعقائد وأوهام وحقوق ووجائب. وشأن هذا الماضي مهما كان بعيداً هو الذي حدا بالباحثين عن سر تطور الجماعات والشعوب وتحليل أوضاعها الاجتماعية الحاضرة إلى الرجوع لدرس تاريخ الأمم البعيدة وتفهم ما يمثله ويعيد ذكراه من أحوال تلك القبائل التي تعيش على الفطرة الأولى في مجاهل الصحارى وأقاصي العمران. ودرس الجماعة السورية الحاضرة لا يشذ عن هذه القاعدة ولا يختلف في طريقة التحليل والاستقراء عن تلك الأصول. فالسوريون لهم ماضيهم الذي لا يموت، والسوريون لهم حاضرهم الذي لا يبرح منطبعاً بطابع ذلك الماضي البعيد وفي ثنايا هذا الحاضر كثير من الظواهر الروحية والصفات النفسية التي لا يفسرها إلا ما انتقل إلى نفوسهم وامتزج بأرواحهم من عوامل الغابر. فلقد كانت سورية منذ عرفها التاريخ وتحدث عنها المؤرخون صلة بين جهتين من جهات العالم الأربع، ومرحلة لابد من أن يجتازها ابن الغرب في طريقه إلى الشرق في طريقه إلى الغرب. ولقد حدت عوامل البيئة والإقليم والوضع الجغرافي بأبناء هذا القطر الضيق المتطاول أن ينشطوا إلى العمل ودعتهم غرائزهم إلى أن يستثمروا من موطنهم ما منحه إياه موقعه من هبات بعد أن رأوا البحر من أمامهم ورمال الصحراء من ورائهم فاندفعوا إلى البحر يركبون أمواجه ويصارعون أنواءه، فينقلون من الشرق ما يبيعونه إلى الغرب ويتاجرون في الشرق بما ابتاعوه من الغرب وينتقلون بين الشرق والغرب فيجعلون بلادهم المتوسطة محطة يستريحون ويريحون ركبهم بها ويحسبون خلال راحتهم مرابحهم ومكاسبهم التي جمعوها، ثم لا يلبثون إلا القليل حتى يعودوا إلى أسفارهم وإلى مرابحهم

стр. 739

ومكاسبهم منها، واستمروا على ذلك إلى أن أصبحوا تجار العالم ليس من يجاريهم في جلب الأرباح ومعرفة أساليبها وحساب فوائدها والعمل على أنماء ودرء ما قد يحول دون ذلك. وتأصلت هذه الظاهرة الروحية في أنفسهم ومرت الأجيال وتعاقبت الأنسال وهي لا تزداد إلا رسوخاً حتى أصبحت التجارة وحساباتها غريزة من غرائزهم تكاد تغمر ما عداها من صفات نفسية، فأحبوا المال أكثر مما يحبه الناس جميعاً وتهافتوا على جمعه وادخاره حتى جعلوه غايتهم الأولى وهدفهم الأسمى. وكان من شأن تلك الصلة بين الشرق والغرب التي اختص بها موطنهم إن غزت بلادهم مختلف الأقوام وحلت بين ظهرانيهم أنواع الشعوب، ولكنها جميعها لم تلبث بعد أن مضى عليها حين من الدهر معهم أن تطبعت بطبائعهم ونسجت على منوالهم، فقلدت أساليبهم واقتدت بهم في مراميهم التجارية وأصولهم في العد والحساب وتشبهت بهم في كل شأن من شؤونهم حتى أصبحت وإياهم على سواء في حب المال والتهافت على جمعه وادخاره وظهرت الأديان في سورية متعاقبة فلون كل منها هذه الظاهرة السورية بلون خاص ولكنها لم تستطع جميعها أن تأتي عليها أو تمحوها. وكان من شأن هذه الظواهر القديمة الراسخة أن حرفت هي نفسها كثيراً من وجوه الأديان وأحكامها وشوهتها واستخدمتها في أغراضها وجعلتها ترمي لغير الهدف الذي دعا إليه أصحابها. واختلاف بعض مظاهر الدين الواحد بالنسبة لأمزجة الشعوب التي فرض عليها أو ظهر بينها واصطباغ الكثير من أحكامه بصبغة الوسط والبيئة والجماعة حادث اجتماعي مقرر معروف لم يعد من حاجة للجدل فيه. وبالرغم عن الأديان وتعاقبها في سورية ودعوتها للانصراف عن متاع الدنيا وحطام المادة، فقد ظلت هذه الظاهرة التي بنيت على النفع المادي وما ينشأ عنه من حب الكسب واتخاذ الربح غاية في الحياة، تعمل عملها في تكوين تلك العقلية التجارية ذات الحساب الدقيق في كل وجه من وجوه العيش حتى أبعدت السوري عما يسمونه المثل الأعلى الذي أصبح في هذا العصر مبعث النشاط الفكري وأقصت من روحه حب العمل للعمل نفسه الذي هو مصدر العبقرية الخالدة والعامل الأول في إنمائها. وليس من الصعب على المولع بدرس طبائع الأفراد والجماعات وتفهم سر تطور العقلية فيها واستقصاء عواملها الاجتماعية والروحية أن يلمس هذه الظاهرة البارزة في الجماعة السورية ويتعرف أسبابها البعيدة، على أننا مع ذلك لا ننكر أن التعرض لمثل

стр. 740

هذا البحث الخطر تعرضاً علمياً لا شيء من الشعر والخيال فيه يدعو لكثير من التحليل والدرس ويتطلب تعليلاً قائماً على الاستقراء مستنداً على وصف الواقع في مختلف الأوساط والجماعات السورية وتفهم أوضاعها الروحية والاجتماعية مما لا نستطيع أن نوجزه جميعه في هذه العجالة، على أن ذلك يجب أن لا يمنعنا من أن نشير في مقالنا هذا إلى بعض تلك الوجوه الظاهرة السورية القديمة التي أوشكت أن تتصل بكل منحى من مناحي حياتنا الاجتماعية وتطفو عليها. ويخيل إلينا أن أهم ما يدل عليها هو البحث عما ينافي وجودها في مختلف الأوساط والجماعات السورية وليس من شيءٍ ينفي وجودها مثل ظاهرة التهافت على العمل حباً بالعمل نفسه أو العمل في سبيل الجماعة مجرداً عن الغاية الفردية والنفع الذاتي. وإذا شرعنا بدرس الأوساط والجماعات التي نعيش فيها، فاخترنا منها بادئ ذي بدء أوساطنا العلمية والفكرية، وعرضنا حياة أصحابها الخاصة والعامة على التحليل والدرس، تحليلاً صادقاً بعيداً عن العاطفة والهوى ومجرداً عن النزعة القومية والدينية، لعز علينا أن نجد فيهم ما ينفي هذه الظاهرة المتأصلة في النفوس أو ما يدل على ضدها من حب العمل للعمل نفسه والانصراف إليه حرصاً على تقدمه وإصلاحه أو الإقدام عليه في سبيل الجماعة أو في سبيل الخير العام. وإذا عن لك أن تردد بخاطرك ذكرى جميع من عرفتهم من مواطنيك من رجال العلم والفكر في هذا الزمن الذي تعيشه من علماء وشعراء وفنانين وأساتذة وأطباء ومحامين ومهندسين وغيرهم من أرباب الحرف الحرة المنتشرين في طول هذا الوطن وعرضه لتبين لك بوضوح وجلاء أن القوم، ونحن في مقدمتهم، على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، تجار قدماء أرغموا أنفسهم على أعمالهم أرغاماً سعياً وراء الربح لا حباً بهذه الأعمال ولا ولعاً بذاتها، فغايتهم الأولى المال، وهدفهم الأسمى النفع المادي، لا يخطون خطوة إلا ويحسبون ما يحنون من ورائها من كسب، ولا يفكرون بمشروع إلا وأنفسهم في المقدمة وربحهم قبل كل حساب، سواء كان ذلك مما يعود على العمل نفسه بالنفع أو بالضرر وسواء لديهم خسر العمل أو ربح، فالعلم والأدب والصنعة والمسلك والحرية وحتى الفن والشعر والجمال في نظرهم، واسطة من وسائط الغنى وجمع المال لا أكثر ولا أقل. لقد بلغت هذه العاطفة من نفوسهم مبلغاً أماتت فيها كل عبقرية خالدة تنشأ من حب العمل والولع به والانصراف إليه بسائق الهوى والشغف، فليس بينهم من
следующие страницы →