الفصل الثاني
عمر بن الخطاب
(١٣ - ٢٣ هـ) (٦٣٤ - ٦٤٣ م)
حياته في الجاهلية:
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، من بني عدي بن كعب، وهم بطن صغير من قريش، لم يكن في جاهليته صاحب مركز أو شهرة، بل كان فرداً عادياً، ولولا الإسلام لما اشتهر، ولا عرفه أحد بعد ذلك. وعُرِف بالجلافة والقسوة والشجاعة المفرطة، كما عرف عنه عناده للإسلام، وشدة إيذائه للمؤمنين في جاهليته، أسلم في السنة السادسة من البعثة، فيكون عاش ٣٥ سنة في الجاهلية، و ٣٠ سنة في الإسلام.
* * *
حياته في الإسلام: -
قصة إسلامه: اتجه يوماً غاضباً إلى الرسول ﷺ ليقتله، فقابله نعيم بن مسعود، وهو مؤمن ومن قومه، فلما عرف قصده خاف على الرسول ﷺ ، فقال لعمر: هلا بدأت بأهل بيتك إن أختك فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما، فاتجه إليهما وهو في أشد الغضب، فلما وصل سمع تلاوة داخل البيتِ، وقد كان عندهما خباب بن الأرت
стр. 107
يتلو سورة طه، فدخل وبطش بسعيد بن زيد فقامت أخته تدافع عن زوجها، فلطمها، فسأل الدم منها، فلما رأى ذلك رق قلبه، فطلب الصحيفة التي فيها الآيات، فرفضا إلا أن يغتسل فاغتسل، فقرأها، فقال: ما أحسن هذا الكلام!!
فقال خباب: أرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته يقول: " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين " عمرو بن هشام (أبو جهل)، أو عمر بن الخطاب.
فقال عمر: دلني على محمد. فذهب به إليه، وكان عنده الصحابة، فأسلم، فسُرَّ الرسولُ ﷺ بذلك أعظم السرور.
قال عبد الله بن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، فصلينا معه، وسماه الرسول ﷺ الفاروق، ولم يكن يجرؤ أحد من قريش على إيذائه.
كان جريئًا شجاعًا، لما عزم على الهجرة إلى المدينة طاف بالكعبة، وصلى ثم قال: من أراد أن تثكله أمه فليلقني خلف هذا الوادي، فخرجا ولم يلقه أحد، وكان من الصحابة الذين يستشيرهم الرسول ﷺ ، ولربما نزل الوحي بما يؤيد رأيه. فبعد غزوة بدر استشار النبي أصحابه فيما يفعل بالأسرى، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بفدائهم، فأخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر، فأنزل الله وحيه مؤيدًا لرأي عمر، ومعاتبًا رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧].
стр. 108
كان يتمنى تحريم الخمر، فنزل القرآن بذلك فطابت نفسه، كذلك كان يتمنى فرض الحجاب وبخاصة على نساء النبي، وطابت نفسه عند نزول آية الحجاب.
وعندما تُوفي رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وأراد النبي الصلاة عليه، جادله عمر وناقشه، فنزل الوحي بعد ذلك مطابقًا لرأي عمر. قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. وقد حضر عمر المشاهد كلها مع الرسول ﷺ ، وكان من الملازمين له في المعارك لا يفارقه أبدًا، يدافع ويذود عنه، وكان لا يجتهد بل ينفذ كلام الله ورسوله حرفيًا، ويُعد عمر الصحابي الثاني بعد أبي بكر الصديق. وفي عهد الصديق، كان عمر مستشاره، واليد اليمنى له، والمشارك له في تسيير شؤون الدولة.
مبايعته: -
عندما مرض أبو بكر وشعر بالموت، أراد أن يولي خليفة على المسلمين حتى لا يقع الخلاف بينهم، فوقع اختياره على عمر، فاستشار كبار الصحابة، فأيدوه، فبايعه، وبايعه المسلمون، ومات أبو بكر بعد ذلك بأيام.
* * *
الفتوحات: -
تمت في عهد عمر أعظم الفتوحات الإسلامية على مر العصور، فقد تم طرد الروم وإنهاء وجودهم في الشام، وتم القضاء على الإمبراطورية الفارسية تمامًا، ثم انتقل القتال إلى مصر وشمال أفريقية وجزر البحر المتوسط.
стр. 109
أولًا: الجبهة الغربية (فتوحات بلاد الشام): -
* معركة اليرموك (١٤ هـ/٦٣٥ م):-
عندما تولى عمر الخلافة، كان المسلمون بقيادة ابن الوليد مجتمعين أمام جموع الروم الهائلة، (تجاوزوا ٢٠٠ ألف مقاتل، والمسلمون حوالي ٢٤ ألف فقط) نشب القتال، فكانت معركة حامية، زلزل الله فيها الكفار، ففر الروم وتابعهم المسلمون فأسروا وغنموا الكثير.
* * *
* فتح دمشق وبقية مدن الشام:-
ثم تقدمت الجيوش الإسلامية بقيادة أبي عبيدة ومعه خالد نحو مدن الشام، فاستولت على فحل بيسان ثم دمشق فحمص، وبعدها قنسرين وقيسارية والبقاع وبعلبك. ثم فتحوا أجنادين. ومدن الجزيرة (الرها ونصيبين) وغيرها.
* * *
* فتح بيت المقدس عام ١٥ هـ/٦٣٦ م (١):-
حاصرت الجيوش الإسلامية بيت المقدس، فطلب حكامها أن يقدم عليهم عمر بنفسه ليستسلموا له، فقدم إلى الشام، فسلموا له مفتاح بيت المقدس، وصالحهم على الجزية، وصلى بالمسلمين في المسجد الأقصى.
وتم فتح حلب ومنبج وإنطاكيه وحران والرها وباقي المدن صلحًا.
стр. 110
* فتح سواحل بلاد الشام:-
تولى معاوية بن أبي سفيان فتح المدن الساحلية بأمر أبي عبيدة، ففتح صور وصيدا وبيروت وطرابلس. بذا أصبحت بلاد الشام كلها بيد المسلمين وتم طرد الروم منها. وهكذا تم فتح سوريا وفلسلطين.
* * *
* فتح مصر ٢٠ هـ/٦٤٠ م:-
كان لا بد من الزحف لفتح مصر، بعد فتح سوريا وفلسطين، فهي كانت خاضعة للروم، ولن يستقر الأمر للمسلمين إذا لم يتم فتحها، فكان ذلك.
لما فتح عمرو بن العاص فلسطين، استأذن من عمر أن يفتح مصر، فوافق فسار إليها، وعرض الإسلام أو الجزية أو القتال (كما يفعل المسلمون قبل كل قتال) نشب القتال، وانتصر المسلمون، وفُرِضت الجزية عليهم، ثم تقدم المسلمون، وفتحوا الإسكندرية (مقر المقوقس) وكانت عاصمة مصر، وبنوا هناك مدينة الفسطاس (مكان خيمة عمرو بن العاص). وفتحوا بقية المدن وفرضوا الجزية عليها، وهكذا أصبحت مصر تابعة للخلافة الإسلامية.
* * *
* فتح برقة (ليبيا):-
ثم سار عمرو بن العاص غربًا وفتح برقة ثم زويلة، فطرابلس وصبراته وشروس، ومنعه عمر أن يتقدم أكثر من ذلك غربًا.
стр. 111
ثانيًا: الجبهة الشرقيهَ (مع الفرس): -
بعد فتح دمشق عاد جيش خالد إلى العراق بأمر الخليفة، كما أرسل جيشًا بقيادة أبا عبيد بن مسعود الثقفي، ثم أضاف مددًا بإمرة جرير البجلي، ساروا باتجاه الكوفة، وتلاقيا، والتقيا بجيش من الفرس، فهزمهم المسلمون.
* * *
* معركة النمارق ١٣ هـ/٦٣٤ م:-
التقى أبو عبيد الثقفي بالفرس في النمارق (بين الحيرة والقادسية) فألحق بهم هزيمة منكرة، ففروا إلى المدائن.
* * *
* معركة الجسر: ١٣ هـ/٦٣٤ م:-
أرسل الفرس جيشًا كثيفًا لقتال المسلمين، فجرت معركة عنيفة، استشهد فيها القائد أبو عبيد، والقواد الذين بعده، فتولى القيادة المثنى بن حارثة وواصل القتال، ثم انسحب بالمسلمين، وقد جرح جرحًا بليغًا، وقد قتل وغرق من المسلمين كثير.
معركة البويب: رمضان ١٣ هـ/٦٣٤ م:-
كانت قرب الكوفة، وبقيادة المثنى، وانتصر فيها على الفرس انتصارًا ساحقًا، ثم جاء مدد بقيادة سعد بن أبي وقاص، وأمر بتعيينه قائدًا عامًا.
* * *
* معركة القادسية الكبرى: محرم ١٦ هـ/٦٣٧ م:-
قدم سعد مع الجيوش الإسلامية، فعسكر في (القادسية) وأرسل يزدجرد كسرى الفرس قائده رستم على ١٢٠ ألف مقاتل، ومثلهم مددًا، أرسل سعد رسلًا إلى رستم
стр. 112
فقاموا بعرض الإسلام أو الجزية أو القتال، وقد تجلى في هؤلاء الرسل أنفة الإسلام وعزته، فمما قالوه: جئنا لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة الله، وقالوا " جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم وسبي نسائكم وذراريكم وأخذ أموالكم. ونحن على يقين من ذلك ". وقد أضعف هذا الكلام معنويات الفرس. نشب القتال. واستمر عنيفًا لمدة أربعة أيام، استخدم الفرس فيلة ضخمة ففقأ المسلمون عيونها، فرجعت على الفرس وقتلتهم، انتهت المعركة بانتصار عظيم للمسلمين، فقد قتل قائد الفرس ومعظم جنده، وغنم المسلمون غنائم هائلة جدًا، وبشروا الخليفة بذلك.
* * *
فتح العاصمة وبقية المدن وإنهاء الإمبراطورية الفارسية:-
تقدم المسلمون نحو المدائن، التقوا بعدة جيوش من الفرس فسحقوهم فتحصن الفرس أخيرًا بمدينة (بهرسير) الحصينة في المدائن. ثم فروا إلى داخل المدائن، فتبعهم المسلمون (١).
* * *
* فتح المدائن: صفر ١٦ هـ/٦٣٧ م:-
دخل المسلمون المدائن وهي عاصمة الفرس ومركز حكمهم، وكانت خالية فقد فرَّ كسرى فارس (يزدجرد) وفرَّ أهلها، سكن سعد في القصر الأبيض (قصر يزدجرد) واتخذ الإيوان مصلى، وغنم المسلمون غنائم هائلة من خزائن كسرى، فتلا سعد قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا
стр. 113
فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩]. وهكذا سقطت العاصمة الفارسية العريقة في أيدي المسلمين. ولا شك أن سقوطها آذن بالإنهيار الكامل للإمبراطورية الفارسية.
* * *
* فتح جلولاء:-
وهي المدينة التي فرَّ إليها يزدجرد، وتجمع معه الفرس هناك، فتحصنوا بها، فتقدم إليها المسلمون وفتحوها، وانتصروا انتصارًا عظيمًا، ولم تقل غنائمها عن المدائن.
ثم فتح المسلمون حلوان، تكريت، الموصل، ماسبذان، الأهوز، تستر، السوس، جنديسابور.
وقبض المسلمون على الهرمزان وهو من أكابر الأمراء وأرسلوه إلى عمر مع الغنائم.
* * *
* فتح إصطخر ١٧ هـ/٦٣٨ م (١):-
سار إليها العلاء بن الحضرمي (والي البحرين) بحرًا بدون إذن الخليفة، وحقق بعض الانتصار فحاصرهم الفرس، أرسل عمر مددًا، فتحقق الانتصار الرائع، وفتحت المدينة.
стр. 114
* فتح نهاوند (فتح الفتوح) ٢١ هـ/٦٤١ م:-
أراد عمر أن يسير بنفسه لإكمال قتال الفرس، فمنعه الصحابة، فسير النعمان بن مقرن المزني إلى نهاوند على ٣٠ ألف. ووصلت جموع الفرس إلى ١٥٠ ألف مقاتل نشبت المعركة، وكانت حامية، قتل فيها من الفرس أكثر من ١٠٠ ألف، وتجلل وجه الأرض بجثثهم، وقتل قائدهم (الفيرزان) واستشهد النعمان في المعركة، وتولى بعده حذيفة بن اليمان، ففتحت نهاوند، وكان نصرًا عظيمًا مبينًا. ثم واصل المسلمون تقدمهم، وفتحوا أصبهان، وقاشان (قم) وكرمان.
* * *
انسياح المسلمين في فارس (٢٢ - ٢٣ هـ) (٦٤٢ - ٦٤٣ م):-
كان عمر يرفض انسياح المسلمين في فارس الواسعة، خوفًا عليهم من الضياع حتى أقنعه الأحنف بن قيس بذلك. بعدها انساحت الجيوش الإسلامية على أرض فارس.
١ - فتح نعيم بن مقرن همدان ثم الري (طهران)، وصالح أهل (جرجان) وطبرستان، ووصل إلى بعض بلاد أذربيجان.
٢ - فتح سراقة بن عمرو باب الأبواب (دربند) على سواحل بحر الخزر الغربية.
٣ - فتح الأحنف بن قيس بلاد خراسان.
٤ - فتح عثمان بن أبي العاص بقية إصطخر وشيراز وأرمينيا.
٥ - فتح عاصم بن عمرو التميمي سجستان.
стр. 115
٦ - فتح سهيل بن عدي كرمان.
٧ - فتح الحكيم التغلبي مكران.
٨ - وفتح عتبة بن فرقد شمال غرب بلاد فارس.
وهكذا قضي على الإمبراطورية الفارسية من على الوجود. يخيل للإنسان كأن الجزيرة العربية تحولت إلى جيش يجاهد في سبيل الله لنشر الإسلام في بقاع الأرض.
ملاحظة:-
وهكذا سقطت فارس عسكريًا، ولكنهم ظلوا يصارعون الإسلام فكريًا، وكان ذلك من أهم أسباب ضعف العالم الإسلامي. - فهم كان سبب الانحراف في بعض الاتجاهات الشيعية، وهم وراء معظم الحركات الهدامة التي أرادت تدمير الإسلام مثل حركات الزنادقة والزنج والقرامطة وسنباذ والمقنع المروزي وبابك الخُرَّمي وغيرهم (١).
* * *
استشهاد الخليفة: -
استشهد ﵁ في مؤامرة دبَّرها بعض أعداء الإسلام من اليهود والفرس (الحاقدين عليه، لأنه سبب زوال ملكهم).
فمات نتيجة طعنات تلقاها أثناء صلاته من أبي لؤلؤة المجوسي (مولى فارسي) بخنجر مسمومة، وقبل موته اختار ستة صحابة من المبشرين بالجنة وهم عثمان وعلي
стр. 116
وطلحة والزيير وابن عوف وابن الوقاص، وأوصى هؤلاء الستة أن يختاروا واحدًا من بينهم خليفة.
كانت وفاته في ذي الحجة ٢٣ هـ/٢٦٤ م، ودامت خلافته عشر سنوات.
من أعماله: -
- الخليفة عمر ﵁ أول من تلقب بأمير المؤمنين.
- وهو أول من دون الدواوين، فكان دايوان الجند وديوان العطاء (الديوان كالوزارة حاليًا) ورتب البريد، وصك النقود.
- وهو الذي رتب التاريخ العربي، فجعله بالهجرة النبوية الشريفة.
- وقام بتوسعة الحرم.
استشهد عمر مخلفًا سيرة من أعظم السير التي يرويها التاريخ ويسجلها بمداد الفخر.
стр. 117
الفصل الثالث
عثمان بن عفان
(٣٣ - ٣٥ هـ) (٦٤٤ - ٦٥٦ م)
حياته: -
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، فهو من بطن بني أمية، ومن ساداتها، وكان تاجرًا كريمًا جوادًا. وكان من كبار الأثرياء قبل الإسلام وبعده.
* * *
إسلامه وفضله: -
أسلم على يد أبي بكر، وكان من السابقين، فهو من العشرة الأوائل الذين أسلموا، وكان يمتاز بصفتين:
الحياء: فما كان إنسان أشد حياءً منه، حتى كان النبي يستحيي منه. ويقول: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.
الكرم: فلم يكن في قريش من هو أكرم منه.
تزوج عثمان ابنتي الرسول ﷺ رقية ثم أم كلثوم، فسمي (ذو النورين) شهد مع
стр. 118
الرسول ﷺ الشاهد كلها، بعثه الرسول ﷺ إلى قريش في عام ٦ هـ/٦٢٧ م، ليبلغهم أنهم قدموا للعمرة فقط، وكان الرسول ﷺ نازلًا بالمسلمين في الحديبية قرب مكة. فقام عثمان بمهمته خير قيام، وقد رفض إغراء قريش عندما رغبوه بالطواف، فقال: " ما كنت أفعل حتى يطوف رسول الله ". وأشيع أنه قتل في مكة، فقال الرسول ﷺ : لا نبرح حتى نناجز القوم.
فبايعه المسلمون على عدم الفرار، وسميت بيعة الرضوان، وكانت من أجل عثمان. وفي غزوة تبوك حين كان الناس في شدة وعسر، تبرع عثمان بـ ٩٥٠ بعيرًا، و٥٠ فرس، وجاء بـ ١٠٠٠ دينار للرسول ﷺ ، فقال الرسول ﷺ : " ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ". وتُوفي الرسول ﷺ وهو عنه راضٍ، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وقد أثر عن الرسول ﷺ قوله: " لكل نبي رفيق. ورفيقي في الجنة عثمان ". وفي عهد الصديق كان يعد ثاني اثنين بعد عمر في تسيير شؤون الدولة.
وفي عهد عمر كان الرجل الثاني في الدولة، فاجتمع لين عثمان مع شدة عمر.
* * *
خلافته: -
بعد أن طُعِن عمر جعل الشورى في ستة من الصحابة -كما مر معنا-، اجتمع هؤلاء الستة بعد دفن عمر، وكل منهم يريد أن ينخلع منها، حتى اختاروا عثمان من بينهم، ولم يكن حريصًا عليها أبدًا، وكان عثمان في السبعين من عمره حين توليته.
* * *
الفتوحات في عهده: -
كان عهده ﵁ مليئًا بالفتوحات تتمة لفتوحات عهد عمر، وكانت
стр. 119
فتوحاته مستمرة برًا وبحرًا، فمضى ينفذ سياسة عمر في الجهاد.
أولًا: الجبهة الغربية: -
نقضت الإسكندرية عام ٢٥ هـ/٦٤٥ م فأخضعهم عمرو بن العاص.
أفريقية: سمح عثمان للجيوش بالانسياح في أفريقية، فسار عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاجتاز طرابلس، والتقى بجيوش بيزنطة في سبيطله، وحقق الانتصار عليهم عام ٢٧ هـ/٦٤٧ م. وبذلك انضم للدولة الإسلامية: برقة وطرابلس وغرب مصر وجزء من بلاد النوبة.
غزا معاوية بن أبي سفيان قبرص، وفتحها عام ٢٨ هـ/٦٤٨ م، وكان عمر قد رفض دخول المسلمين في البحر، وسمح عثمان بذلك.
* * *
* معركة ذات الصواري ٣١ هـ/٦٥١ م:-
أول معركة بحرية يخوضها المسلمون (فقد أصبح للمسلمين بحرية في عهد عثمان) وكانت ضد الروم على شواطئ كيليكيا، وقاد المسلمين عبد الله بن أبي السرح من قبل معاوية بن أبي سفيان، وهزم فيها الروم شر هزيمة، وقتل قائدهم الإمبراطور قسطنطين.
غزا معاوية الروم ووصل إلى حدود عمورية (قرب أنقرة) عام ٣٣ هـ/٦٥٣ م.
* * *
الجبهة الشرقية: -
وصل القائد عمير بن عثمان إلى فرغانة عام ٢٩ هـ/٦٤٩ م، ووصل عبد الله
стр. 120
الليثي إلى كابل، وعبيد الله التميمي إلى نهر السند، فتح سعد بن العاص جرجان.
إنتفضت فارس، فأخضعها عبد الله بن عامر، فهرب يزدجرد إلى كرمان ثم خراسان حيث قتل هناك.
وأعيد فتح المناطق التي نقضت عهودها.
وهكذا فالفتوحات أيام عثمان واسعة، إذ أضيفت بلادًا جديدة في أفريقيا،
وقبرص، وأرمينيا، وبلاد السند وكابل وفرغانة، وبلخ وهراة، وتم إخضاع البلاد التي نقضت الصلح في فارس وخراسان وباب الأبواب.
стр. 121
الفتنة ٣٤ هـ/٦٥٤ م:-
سبب الفتنة:-
هناك أعمال قام بها عثمان، كانت هي الشرارة التي انطلقت منها الفتنة، وقبل ذكرها نشير إلى أنه قام بها عن فكر واجتهاد هداه إلى أن من حقه أن يقوم بما قام به.
وهذه الأعمال ذات شقين: من ناحية الحكم، ومن الناحية الأقتصادية.
فمن ناحية الحكم: استكثر من توليه أقاربه، نظرًا لشيخوخته، وحاجته لمن يساعده، وأقاربه أكثر من يثق بهم ويعتمد عليهم، كما أنهم معروفين بالكفاءة والمقدرة.
أما من الناحية الاقتصادية: فمعروف أن عثمان كان من قبل غنيًا جدًا، ومبسوط اليد، لا يعرف البخل أبدًا وأنفق ماله كله في الإنفاق والعطاء في سبيل الله. ولكنه وجد أمامه بيت المال، فأخذ منه لنفسه وأعطى أقاربه وسائليه، وأسرف أحيانًا كما تروي بعض الروايات وهو يرى أنه أنفق كل أمواله في سبيل الإسلام. وأن شئون المسلمين وشئون الخلافة هي التي ذهبت بثرائه الواسع، ومن حقه -كما يرى- أن يتسع له بيت المال حتى لا يعيش في عسرة (١).
وهذه هي النقاط التي استغلها مشعلوا الفتنة والثورة ضد عثمان ﵁.
فاشتعلت الفتنة العمياء، أشعلها عبد الله بن سبأ (وهو يهودي يمني ادعى
стр. 122
الإسلام)، وكان قد دار في الأمصار، ثم استقر في مصر، وبدأ يشكك الناس في عقيدتهم، ويطعن في عثمان وولاته، ويدعو إلى خلافة علي، لبذر الفتنة والفرقة فبدأت فتنته في الكوفة عام ٣٤ هـ/٦٥٤ م، حيث طالبوا بتغيير الوالي، فغيره عثمان مجاراة لهم لمنع الفتنة.
قدمت الجموع الساخطة إلى المدينة لمجادلة الخليفة (وقد قدموا من الكوفة والبصرة ومصر في آن واحد) وتصدى لهم عليًّا، وشرح لهم خطأ تصرفاتهم، كما دافع الخليفة عن نفسه دفاعًا مقبولًا، فقفل الثائرون راجعين.
أدرك ابن سبأ أنه هزم. وأن الفرصة التي عمل لها سنوات أوشكت أن تضيع. فأعمل الحيلة وتدبر أمرها فزور خطابات وأختام على لسان الخليفة، وعليًّا وعائشة ﵃ تتضمن نداءات بخلع الخليفة، وتولية علي، وقتل المتمردين.
* * *
استشهاد الخليفة ٣٥ هـ/٦٥٦ م:-
فعاد هؤلاء المتمردون إلى المدينة، فحاصروا دار عثمان، أرسل عثمان إلى الولاة يطلب إرسال جند إلى المدينة.
اختل النظام في المدينة، طلب عثمان من الصحابة الذين معه ألا يقاتلوا، وألح عليهم في ذلك، فقد أراد أن لا يحدث شيء بسببه.
وصلت الأخبار بقرب وصول المدد، فخاف المنحرفون، ودخلوا دار عثمان، عبر السور، فقتلوه بالسيوف، ونهبوا بيت المال، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في ذو الحجة عام ٣٥ هـ/٦٥٦ م فكانت مدة خلافته اثنا عشر عامًا.
стр. 123
ملاحظة: ولعل من المناسب أن نذكر أن القتلة الحقيقيين كانوا قلائل عرف منهم الغافقي الذي فر، ولم يعرف الآخرون. ولهذا أسند قتل عثمان إلى الثائرين المتمردين، مما وسع الهوة وسبب ألوانًا من النكبات عانى منها العالم الإسلامي.
من فضائل عثمان ﵁ -:-
- اشترى بئر أرومة وجعلها للمسلمين.
- وهو أول من وسع مسجد الرسول ﷺ ، استجابة لرغبة الرسول ﷺ حين ضاق.
- جمع القرآن الكريم.
- اختلفت القراءات في الديار الإسلامية، فجمع عثمان آكد القراءات الثابتة عن الرسول ﷺ في دفتي مصحف، وأمر بحرق باقي المصاحف. والرسم العثماني هو الذي يسير عليه المسلمون في قراءاتهم إلى الآن (١).
- وله أفضال كثيرة لا يسع المجال لذكرها.
* * *
стр. 124
الفصل الرابع
علي بن أبي طالب
(٣٥ - ٤٠ هـ) (٦٥٦ - ٦٦١ م)
حياته وإسلامه: -
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن عم الرسول ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
تربى منذ طفولته في بيت الرسول ﷺ ، وأسلم ولم يبلغ العاشرة، فكان أول من أسلم من الأولاد، فنشأ على الإسلام. بات في فراش الرسول ﷺ عند هجرته مع علمه أن الموت محيط بهذا الفراش، فكان بذلك أول فدائي في الإسلام. ثم سلم الودائع التي كانت عند النبي ﷺ لأصحابها، فهاجر إلى المدينة - كان في كل معاركه مع الرسول ﷺ من الأبطال الكبار، وكانت شجاعته مضرب الأمثال، وكان بالغًا الغاية في الفصاحة، ولا يشق له غبار في العلم.
في عهد الصديق، كان ملازمًا له، وتوفي الصديق وهو عنه راضٍ.
وعندما تولى عمر، كان عليٌّ أشد الملازمين له، وكان عمر يستشيره في كل شأن. وبعد أن طُعن عمر، كان علي أحد الستة من أصحاب الشورى الذين اختارهم
стр. 125
عمر ليولوا أحدهم أمر المسلمين.
فتولى عثمان الخلافة، وكان علي بجانبه، يساعده في تسيير شؤون الدولة، وأثناء الحصار كان أبناء عليٍّ من المدافعين عن عثمان.
* * *
خلافته: -
بعد مقتل عثمان اختاره المسلمون أميرًا لهم، فلم يقبل، فأصر الصحابة عليه، للخلاص من المأزق الذي وقعوا فيه، وكانت أوضاع المدينة قد تدهورت وسيطر المنحرفون عليها، فقبل الإمارة وهو زاهد بها، غير راغب فيها، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائله.
* * *
سياسة عليٍّ: -
معروف عن عليٍّ -كرم الله وجهه- الصرامة والحزم والصلابة والشدة في الحق، وقد بادر عقب بيعته، فأصدر أمرين في منتهي الصرامة وهما:
عزل ولاة عثمان (وهم من بني أمية)، واسترداد القطائع والهبات الكبيرة التي منحها عثمان لأقاربه من بيت المال، وتصرفه هذا نتج عنه تمرد بني أمية عليه وعدم مبايعته، وتمثل ذلك في معاوية بن أبي سفيان (والي الشام).
أما باقي الأمصار الإسلامية فقد بايعت عليًّا، واستتب الأمر فيها.
* * *
* معركة الجمل (البصرة) ٣٦ هـ/٦٥٦ م:-
لم يبايع معاوية بن أبي سفيان والي الشام عليًّا، إذ كان يطالب بدم عثمان،
стр. 126
وكان عليٌّ أجل هذا الأمر لعدم استقرار الأوضاع، بذا خرجت الشام عن الطاعة واستقل بها معاوية، فقرر الخليفة قتاله. فخرج إليه علي على جيش من أهل الكوفة وكان علي نقل العاصمة من المدينة إلى الكوفة في هذه الأثناء خرجت عائشة ومعها الزبير وطلحة وجماعة من مكة إلى البصرة ليستقروا بها، فوصلوا إلى هناك وسيطروا عليها، وتمكنوا من قتل قتلة عثمان، وكتبوا إلى بقية الأمصار أن يفعلوا كذلك.
فغير علي خط سيره من الشام إلى البصرة، وأرسل لعائشة ومن معها يبين لهم سوء عاقبة فعلهم، وتسرعهم، فاقتنعوا بكلامه، وساروا إلى معسكرة لإجراء المصالحة.
كاد الفريقان أن يصطلحا، فخاف ابن سبأ وجماعته المنحرفة، ورأوا ضرورة نشوب القتال، ونجحوا في إشعال الحرب بين الفريقين لأسباب تافهة.
التحم الفريقان، ولم يستطع عليٌّ إيقاف القتال، وقد اشتدت المعركة أمام الجمل الذي يحمل هودج عائشة (فسميت معركة الجمل).
هزم جيش البصرة، وأكرم علي عائشة وأعادها إلى مكة، وكانت هذه أول معركة بين طرفين مسلمين، وقد قتل الكثير من المسلمين (يقدره بعض المؤرخين بعشرة آلاف). تمت البيعة لعلي في البصرة، فواصل بعدها مسيره إلى الشام.
* * *
معركة صفين (شرق الشام) ٣٧ هـ/٦٥٧ م:-
حدثت بين علي ومعاوية، فقد سارت الرسل بين على ومعاوية بدون نتيجة، حتى عسكر الفريقان في صفين، ونشب القتال، وقتل الكثير من الطرفين، وكاد علي
стр. 127
أن ينتصر، فرفع أهل الشام المصاحف، وطلبوا تحكيم كتاب الله، وهذه حيلة دبرها عمرو بن العاص (قائد جيش معاوية) لإيقاف القتال فنجح في ذلك، وتوقف القتال، والتقى حكما الفريقين، ولم يصلا إلى اتفاق، وكتبت صحيفة التحكيم. وعادت الجيوش إلى بلادها.
* * *
* الخوارج ومعركة النهروان (٣٨ هـ/٦٥٨ م):-
الخوارج هؤلاء كانوا من ضمن جيش علي، فخرجوا عليه بعد التحكيم واعتزلوه، لأنه قبل التحكيم، والعجيب أن أكثرهم كانوا قد أرغموا عليًّا على قبول التحكيم، وطالب هؤلاء بالعودة لقتال معاوية، فرفض طلبهم فانحازوا إلى منطقة حروراء، وصمموا على القتال، ثم إن هذه الجماعة أخذت تزداد وتتجمع في منطقة النهروان، فأخذوا يقتلون المسلمين، ويعيثون فسادًا في الأرض. فخرج إليهم علي وجادلهم طويلًا، وبين لهم خطأ مذهبهم بكل طريقة، فارتدع بعضهم. أما الأكثرية فصمموا على القتال، فنشب القتال، وأبادهم علي تمامًا، ولم ينج منهم إلا عدد أقل من عشرة، ومن النتائج الخطيرة لهذه المعركة تفرق هؤلاء البقية: فاثنان إلى عمان واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى اليمن، وكونوا جماعاتهم هناك (١).
стр. 128
خروج مصر:-
هذه الأمور شجعت أهل الشام أكثر على عدم المبايعة، وعلى التوسع، فسار عمرو بن العاص إلى مصر، واحتلها، وحكمها عام ٣٨ هـ/٦٥٨ م، وبذلك اتسع سلطان معاوية.
استطاع معاوية أن يحتل المدينة، ومكة، واليمن، فاسترجعتها جيوش علي، وقتل علي ﵁ أثناء ذلك.
مقتله: -
قتله الخارجي عبد الرحمن بن ملجم (من الخوارج) أثناء خروجه من صلاة الفجر في رمضان عام ٤٠ هـ/٦٦١ م، فكانت خلافته خمس سنوات.
* * *
* مبايعة الحسن بن عليٍّ: -
بايع الناس الحسن بن علي، فاستمر ٦ أشهر، رأى خلالها تخاذل أصحابه وضرورة اتفاق الأمة، ففضل الصلح، وتنازل لمعاوية عن الخلافة في ربيع أول عام ٤١ هـ/٦٦١ م (وسمي عام الجماعة لاجتماع الأمة على خليفة واحد).
انتهت بمقتل عليٍّ الخلافةُ الراشدةُ التي سارت على نهج الله تمامًا، وبدأت زاوية الانحراف تزيد تدريجيًا.
стр. 129
الباب الرابع
العهد الأموي
(٤١ - ١٣٢ هـ) (٦٦١ - ٧٤٩ م)
قال الرسول ﷺ :-
" خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم "
أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه وابن حنبل
стр. 130
الفصل الأول
تاريخ بني أمية
تعريف ببني أمية: -
تنسب الدولة الأموية إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان أمية هذا سيدًا من سادات قريش في الجاهلية. وكان هو وعمه هاشم بن عبد مناف متنافسين على الرياسة والشرف.
وبعد أن جاء الإسلام انقلب التنافس إلى عداء ظاهر، فبنو أمية وقفوا ضد الرسول ﷺ ودعوته، أما بنو هاشم فقد عاونوا الرسول ﷺ وحرسوه، ولم يدخل بنو أمية الإسلام إلا بعد أن لم يبق طريق غير الدخول فيه، وذلك بعد فتح مكة.
стр. 131
تشويه تاريخ بني أمية: -
وتاريخ بني أمية أصابه الكثير من التشويه، وكان ذلك من قبل العباسيين خصومهم السياسيين (الذين دُوِّن التاريخ في أيامهم)، ومن الشيعة والخوارج أعدائهم التقليديين، ومن قبل العوام الذين يتناقلون التاريخ بالألسن، فتعرضوا لاتهامات اتخذت عدة أشكال:-
١ - الاهتمام بالأحداث التاريخية التي تضع من مكانتهم، وتحط من قدرهم كمعاداتهم للإسلام في البداية، وتأخرهم في دخول الإسلام، ونسوا دورهم العظيم بعد إسلامهم كدورهم في الفتوحات.
٢ - تسليط الأضواء على النكبات التي حصلت في عهدهم، مثل فاجعة كربلاء ومقتل الحسين وأهلها ووقعة الحرة، واستباحة حرمة المدينة، وضرب مكة والكعبة بالمنجنيق، وقتل عبد الله بن الزبير، وثورة زيد بن علي بن الحسين ومقتله، وإغفال ما حصل في تلك الأحداث من خطأ، وخروج على الخليفة، وشق عصا الطاعة.
٣ - التركيز على نقاط ضعف النفس البشرية، من بعضهم، وترك كل جوانب الخير، ويتجلى ذلك بالذات في حق عثمان، وأبو سفيان، ومعاوية، وتصوير بعض ولاتهم بكل صور التعصب والباطل، كما حصل مع الحجاج وزياد بن أبيه.
٤ - أشيعت شائعات سامة ضد بعض الخلفاء أمثال يزيد بن معاوية والوليد بن يزيد.
والذي نقوله أن المنهج الإسلامي تدهور قليلًا بعد العهد الراشدي، وبدأت زاوية
стр. 132
الإنحراف تزيد مع الزمن، والمجتمع المسلم عاش حياة قريبة من العهد الراشدي، وإن تأثر قليلًا نتيجة ما جاء من الغنائم والأموال، ودخول الإماء والسبايا للقصور والبيوت.
* * *
بنو أمية لهم فضائل كثيرة ، أغفلها المؤرخون، منها:-
١ - كان معاوية صحابيًا جليلًا، وإن اجتهد في خروجه على الخليفة علي بن أبي طالب، ولم يوفق في اجتهاده، فإنه يبقى عدلًا، والصحابة كلهم عدول.
وكان مروان بن الحكم من الطبقة الأولى من التابعين، وروى عن كثير من الصحابة كعمر بن الخطاب وعثمان وغيرهم، وعبد الملك كان من أهل العلم والفقه وقد كان من علماء المدينة قبل أن يتولى الخلافة، وكان عمر بن عبد العزيز من أئمة الاجتهاد، ويُعد من الخلفاء الراشدين.
٢ - كان بنو أمية يقدمون أهل العلم والفضل غالبًا، ولا يتدخلون في شؤون القضاء.
٣ - تمت على أيديهم أعظم الفتوحات الإسلامية، فوصلوا إلى الصين شرقًا، وبلاد الأندلس وجنوب فرنسا غربًا، فبلغت الدولة الإسلامية في عهدهم أقصى اتساع لها عبر التاريخ (١).
стр. 133
٤ - وتميز عهدهم بإحياء الأرض، وشق القنوات، وبناء المدن، وازدهار العمران والتنمية، ويجب أن لا ننسى حديث الرسول ﷺ : " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .. ". وهم عاشوا في القرن الذي يلي قرن الرسول ﷺ .
* * *
الخلافة الأموية (٤١ - ١٣٢ هـ) (٦٦١ - ٧٤٩ م):-
- قامت بعد انتهاء الخلافة الراشدة بمقتل علي في رمضان ٤٠ هـ/٦٦١ م. ويعد بدء الدولة الأموية من تنازل الحسن بن علي لمعاوية بن أبي سفيان في ٢٥ ربيع الأول ٤١ هـ/٦٦١ م.
- وانتهت الدولة بهزيمة الخليفة مروان بن محمد في معركة الزاب في جمادى الأولى عام ١٣٢ هـ/٧٤٩ م.
فدامت الدولة ٩١ عام، وتوالى عليها أسرتان، وحكمها ١٤ خليفة. وكانت دمشق هي عاصمة الأمويين.
* * *
خلفاء بني أمية
* الأسرة السفيانية:
١ - معاوية بن أبي سفيان ٤١ - ٦٠ هـ/٦٦١ - ٦٧٩ م.
٢ - يزيد بن معاوية ٦٠ - ٦٤ هـ/٦٧٩ - ٦٨٣ م.
٣ - معاوية بن يزيد ٦٤ هـ/٦٨٣ م (٤٠ يومًا فقط).
стр. 134
(٦٤ - ٧٣ هـ/٦٨٣ - ٦٩٢ م) فترة تداخل إمارة الأمويين مع خلافة عبد الله بن الزبير.
* * *
* الأسرة المروانية:-
٤ - مروان بن الحكم ٦٤ - ٦٥ هـ/٦٨٣ - ٦٨٤ م.
٥ - عبد الملك بن مروان بن الحكم ٦٥ - ٨٦ هـ/٦٨٤ - ٧٠٥ م.
٦ - الوليد بن عبد الملك ٨٦ - ٩٦ هـ/٧٠٥ - ٧١٤ م.
٧ - سليمان بن عبد الملك ٩٦ - ٩٩ هـ/٧١٤ - ٧١٧ م.
٨ - عمر بن عبد العزيز بن مروان ٩٩ - ١٠١ هـ/٧١٧ - ٧١٩ م.
٩ - يزيد بن عبد الملك ١٠١ - ١٠٥ هـ/٧١٩ - ٧٢٣ م.
١٠ - هشام بن عبد الملك ١٠٥ - ١٢٥ هـ/٧٢٣ - ٧٤٢ م.
١١ - الوليد بن يزيد بن عبد الملك ١٢٥ - ١٢٦ هـ/٧٤٢ - ٧٤٣ م.
١٢ - يزيد بن الوليد بن عبد الملك ١٢٦ - ١٢٦ هـ/٧٤٣ م.
١٣ - إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ١٢٦ - ١٢٧ هـ/٧٤٣ - ٧٤٤ م.
١٤ - مروان بن محمد بن مروان ١٢٧ - ١٣٢ هـ/٧٤٤ - ٧٤٩ م.
стр. 135
الفصل الثاني
خلفاء بني أمية
معاوية بن أبي سفيان (٤١ - ٦٠ هـ) (٦٦١ - ٦٧٩ م):-
نسبه: هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس.
* * *
حياته:-
حضر غزوة الخندق مع المشركين، وفرَّ معهم بعد هبوب الريح، أسلم عام الحديبية ٦ هـ/٦٢٧ م، وأخفى إِسلامه، وأظهره عام الفتح ٨ هـ/٦٢٩ م عندما أسلمت قريش، شهد مع رسول الله حنين والطائف، وأعطي من غنائمها الكثير، وعُد يومها من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه.
وكان أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ روى عن الرسول ﷺ ١٦٣ حديث، قال له الرسول ﷺ : " اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهديه " رواه الترمذي.
تُوفي الرسول ﷺ وهو عنه راضٍ. شهد اليرموك، وفتح دمشق تحت راية أخيه يزيد، وفتح قيسارية وبعض سواحل بلاد الشام.
جعله عمر بن الخطاب واليًا على بلاد الشام كلها، واستأذن عمر في غزو الروم بحرًا فرفض، غزا أرض الروم ووصل إلى عمورية (قرب أنقرة)، سمح له عثمان بالغزو
стр. 136
بحرًا بعد إلحاح منه، فغزا قبرص وفتحها عام ٢٨ هـ/٦٤٨ م، انتصر على الروم في أعظم معركة بحرية خاضها المسلمون وهي معركة ذات الصواري عام ٣١ هـ/٦٥١ م.
* * *
خروجه على الخليفة:-
عندما بويع علي بن أبي طالب بالخلافة، عزل جميع الولاة، فرفض معاوية العزل، ورفض البيعة، فجرت حروب بينه وبين الخليفة، انتهت بمقتل علي على يد أحد الخوارج، فبويع ابنه الحسن، الذي ما لبث أن تنازل لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين، وتوحيدًا لكلمتهم، فأصبح معاوية هو الخليفة الشرعي بدءًا من عام ٤١ هـ/٦٦١ م (الذي سمي بعام الجماعة).
استقرت الأمور، واستتب الأمن الداخلي، وعادت الفتوحات بعد توقفها بسبب الخلافات الداخلية.
* * *
الفتوحات الأموية:-
شملت الفتوحات في العهد الأموي ثلاث ميادين:-
- ضد الروم في آسيا الصغرى: وقد امتدت فشملت حصار القسطنطينية وبعض جزر البحر المتوسط.
- الشمال الأفريقي: وقد امتدت حتى المحيط ثم عبرت مضيق جبل طارق وامتدت إلى أسبانيا.
- الميدان الشرقي: امتد شرق العراق، ثم تفرع شمالا تجاه ما وراء النهر وجنوبًا فشمل بلاد السند.
стр. 137
ويلاحظ أن التوسع الإسلامي توقف بعد بني أمية. فلم تتقدم الدولة العباسية عسكريًا خطوة واحدة للأمام (رغم أن الإسلام واصل انتشاره عن طريق الدعاة والتجار).
وقد استؤنفت بعد ذلك حركة التوسع الحربي في ظل الغزنونيين والعثمانيين (١).
* * *
الفتوحات في عهد معاوية:-
كانت الفتوحات في عهده واسعة، وعلى جبهتين رئيسيتين:-
أولًا - الجبهة الغربية:-
- بلاد الروم (تركيا): عُمِلت ثغور دائمة هناك، وكانت الحملات مستمرة، وكان الهدف فتح القسطنطينية، حوصرت عام ٥٠ هـ/٦٧٠ م - ثم من ٥٣ - ٦١ هـ/٦٧٢ - ٦٨٠ م ولم تفتح.
كون معاوية أسطولًا ضخمًا مجهزًا في البحر المتوسط (١٧٠٠ سفينة)، وحقق به عدة انتصارات، ففتح جزيرة جربا (بصقلية) عام ٤٩ هـ/٦٦٩ م، وجزيرة رودوس عام ٥٣ هـ/٦٧٢ م، وجزيرة كريت عام ٥٥ هـ/٦٢٤ م، وجزر بحر إيجه قرب القسطنطينية عام ٥٧ هـ/٦٨٠ م.
- في أفريقيا: فتحت بنزرت عام ٤١ هـ/٦٦١ م، وفتحت قمونية (قرب القيروان) عام ٤٥ هـ/٦٦٥ م، وسوسة في العام نفسه، وفتح عقبة بن نافع سرت
стр. 138
ومغداس وطرابلس وأعاد فتح ودان، ودخل فزان وقفصة، وبنى مدينة القيروان سنة ٥٠ هـ/٦٧٠ م. وفتح كورًا من بلاد السودان، وأخيرًا وصلت الفتوحات إلى الغرب الأوسط (الجزائر). فكان عقبة بن نافع الفهري من أعظم القادة في هذا الميدان.
* * *
* ثانيًا - الجبهة الشرقية:-
الجبهة الشرقية تشمل:- بلاد ما وراء النهر، والسند
أما بلاد ما وراء النهر (أو ما بين النهرين) فهي البلاد الواقعة بين نهري سيحون وجيحون، وأهم ممالكها:-
طخارستان (عاصمتها بلخ)، صفانيان (عاصمتها شومان)، الصغد (سمرقند وبخارى)، فرغانة (عاصمتها جخندة)، خوارزم (عاصمتها الجرجانية)، أشروسنه (عاصمتها بنجكث)، الشاش (عاصمتها بنكث) (١).
ومعظم سكان تلك الجهات أمم وثنية، غزا المسلمون بلاد ما وراء النهر عام ٤١ هـ/٦٦١ م، ففتحوا سجستان عام ٤٣ هـ/٦٦٣ م، وبعض طخارستان في ٤٥ هـ/٦٦٥ م، ووصلوا إلى قوهستان، وفي عام ٥٥ هـ/٦٢٤ م، وصل عبيد الله بن زياد إلى تلال بخارى، وفي عام ٤٤ هـ/٦٦٤ م غزا المسلمون بلاد السند والهند. وكان سكان تلك البلاد ينكثون مرة بعد أخرى، ولم تستقر الأوضاع نهائيًا إلا في عهد الوليد بن عبد الملك.
стр. 139
الخوارج:-
هم الذين أجبروا عليًّا على وقف القتال في صفين لتحكيم القرآن، ثم رفضوا التحكيم، فخرجوا على عليٍّ في حروراء، وأفسدوا في الأرض فأبادهم علي في معركة النهروان، وبقي منهم الكثير في جيشه. وقد تمكن أحدهم من قتل علي ﵁.
في عهد معاوية قامت لهم عدة ثورات في الكوفة والبصرة، فقُضِيَ عليها، وكان والي البصرة زياد بن أبيه وابنه عبيد الله شديدين جدًا عليهم.
والخوارج بدو أجلاف، شديدو الإيمان، شديدو البأس، يرون أن الناس اثنين مؤمن وكافر، فمن رأى رأيهم مؤمن، ومن خالفه كافر، ورموا عثمان وعليًّا ومعاوية بالكفر، فهم حاربوا كل من ليس من جماعتهم، واستباحوا دماء المسلمين، وتسببوا في الكثير من الويلات. ويلاحظ أن أزهي انتصاراتهم كانت خلال عهد الدولة الأموية. وأهم فرقهم الأزارقة، النجدات، الإباضية، العجاردة، والصفرية (١).
* * *
بيعة يزيد
أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد في حياته، فكان أول خليفة مسلم يفعل ذلك، وكان أهم من عارضه من الصحابة الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، وواجهته مصاعب جمة ومشاكل
стр. 140
ومعارضات شديدة. حتى تمكن من هذا الأمر، وهذا التصرف الذي بدأ به معاوية لا يجوز شرعًا، فالخلافة إمامة للمسلمين جميعًا. يتولاها الكفء منهم، ولا يجوز جعلها وراثية.
* * *
وفاته:-
سار معاوية في الناس سيرة حسنة، وحرص على جمع الكلمة. ولم يبق معارضًا إلا عدد من الخوارج وتأثيرهم ضعيف. كان عهد معاوية طويلًا ولكنه كان عريضًا أيضًا. فقد كان من أنضر عهود الخلافة الإسلامية، كان الأمن الداخلي مستتب، وكل العناصر المعادية له مغلوبة، وفتوحاته الخارجية مستمرة على كل الجبهات، مجلله بالانتصارات، كما كانت سابقًا.
وما أخذه الصحابة وأبنائهم على معاوية أخذه البيعة لابنه يزيد. تُوفي في رجب ٦٠ هـ/٦٧٩ م، فكانت خلافته عشرين عامًا. وهو أول من وضع البريد في الإسلام، وأول من اتخذ ديوان الختم.
* * *
* يزيد بن معاوية ٦٠ - ٦٤ هـ/٦٧٩ - ٦٨٣ م:-
هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. نشأ على شيء من الرفاهية والدلال، وعندما شب انصرف إلى اللهو والصيد، وقد وصلته الخلافة بعهدٍ من أبيه، فبايعته الأمصار في حياة أبيه، ما عدا نفر من المدينة، وقد حاول يزيد إجبارهم، فبايع ابن عمر وابن أبي بكر وابن عباس، أما الحسين وابن الزيير فقد رحلا إلى مكة، ولم يبايعا، وكانا يطمعان في الخلافة.
стр. 141
الفتوحات:-
حدثت فتوحات في أفريقية فقط، وهدأت في باقي الجهات بسبب الأحداث الداخلية والفتن. ففي أفريقيا واصل عقبة بن نافع الفتوحات غربًا ففتح بلاد الغرب كلها ووصل إلى المحيط الأطلسي، ويروى أن عقبة صعد على ربوة مقابل المحيط وقال: يا رب لولا هذا البحر لمضيت مجاهدًا في سبيلك. ولو كنت أعلم بعده أرضًا وناسًا لخضته إليهم.
* * *
الأحداث الداخلية:-
ثورات الشيعة:-
ثورات الشيعة كانت ثورات متصلة خلال العهد الأموي، بواعثها كراهية الأمويين، وهدفها إسقاطهم، بل وإضعاف المسلمين جميعًا.
* * *
فاجعة كربلاء ١٠ محرم ٦١ هـ/٦٨٠ م (١):-
لم يبايع الحسين بن علي يزيدًا، وطلبه أهل العراق ليبايعوه وألحوا عليه، فخرج إليهم، وأخذ معه أهل بيته وخاصة جماعته، وقد نصحه كثيرون من أصحاب الرأي والمعرفة بعدم الخروج فلم ينتصح (ولعله اجتهد في ذلك فأخطأه التوفيق في اجتهاده) لقيته خيل عبيد الله بن قلاد والي البصرة والكوفة، فعدل إلى كربلاء، وهناك خيروه بين الاستسلام أو القتال فاختار القتال، فنشب القتال، فقاتل الحسين وأصحابه قتالًا
стр. 142
مستميتًا، إلى أن قتل وكل أصحابه ومعظم أهل بيته، وحمل رأسه مع أهل بيته إلى يزيد، فبكى لما حدث، وأكرم نساء الحسين، ورحلهم إلى المدينة.
وكانت هذه فتنة أيسر ما نقول عنها إنها وسعت باب الفرقة والتهمت الآلاف والملايين من المسلمين، ولا يزال بابها مفتوحًا حتى كتابة هذه السطور.
* * *
وقعة الحرة واستباحة المدينة (ذو الحجة ٦٣ هـ/٦٨٣ م):-
وصل خبر كربلاء إلى المدينة، فأعلن عبد الله ابن الزبير خلع يزيد، وأخذ البيعة لنفسه، فبايعه أهل المدينة، فأرسل يزيد جيشًا دخل المدينة بعد إمهالها، فاستباح حرمتها وقتل المئات من الصحابة وأبنائهم فانهزمت، وواصل الجيش إلى مكة، وكان ابن الزبير قد فر إليها، فحوصرت مكة ورمي البيت بالمنجنيق وأُحْرِق بالنار، ثم مات يزيد أثناء حصار مكة، فرحل الجيش الأموي إلى الشام.
* * *
وفاته:-
كانت في ربيع أول ٦٤ هـ/٦٨٣ م، دامت خلافته ٤ سنوات.
* * *
* معاوية (الثاني) بن يزيد ٦٤ هـ/٦٨٣ م:-
تولى بعد أبيه، ولمدة ٤٠ يومًا فقط، ثم تنازل لمرضه وضعفه، واعتزل في بيته، حتى مات بعد ٣ أشهر.
* * *
* انقطاع مؤقت للخلافة الأموية.
стр. 143
و خلافة عبد الله بن الزبير ٦٤ - ٧٣ هـ/٦٨٣ - ٦٩٢ م:-
حياته:-
هو عبد الله بن الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولد بالمدينة، بعد الهجرة بسنة، وهو أول مولود للمهاجرين، لذا فرح به المسلمون، فقد كان هناك إدعاء أن عقمًا أصاب المهاجرين، وهو صحابي جليل، روى عن الرسول ﷺ ٣٣ حديثًا، شهد اليرموك، ودافع عن سيدنا عثمان يوم مقتله وجرح آنذاك. شارك في غزو القسطنطينية، وكانت له فتوحات في أفريقية في أيام معاوية، كان كثير العبادة، وكان فارس الخلفاء لا يوازيه أحد في شجاعته.
بعد مقتل الحسين في كربلاء، خلع بن الزيير الخليفة يزيد، ودعا لنفسه، فبايعته المدينة ومكة فقاتلها يزيد -كما ذكرنا- واستباح حرمتها، ومات يزيد أثناء حصار مكة عام ٦٤ هـ/٦٨٣ م فاستقرت الأمور لابن الزبير، وبايعته جميع الأمصار، ولم يبق لبني أمية إلا جزء من الشام فقط. فصار هو الخليفة الشرعي.
وبناءً عليه فخلافة معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان (في مدته الأولى) خلافتهم باطلة (هؤلاء حكموا في الشام في فترة ابن الزبير) وهذا ما ذهب إليه أغلب أهل العلم (١).
стр. 144
الأحداث:-
* نشاط مروان بن الحكم:-
بعد موت يزيد تولى ابنه معاوية الذي تنازل فاعتزل، فبايع الأمويون مروان بن الحكم عام ٦٤ هـ/٦٨٣ م، فاستطاع أن يخضع الشام كلها لسيطرته، ثم استولى على مصر من ابن الزبير، وتُوفي عام ٦٥ هـ/٦٨٤ م، بعد أن عهد لابنه عبد الملك.
* * *
حركة المختار الثقفي ٦٤ - ٦٧ هـ/٦٨٣ - ٦٨٦ م:-
كان من أتباع ابن الزبير بمكة، ثم تمرد ورحل للكوفة، ودعا بإمامة المهدي من آل البيت، وكان ضالًا منحرفًا، قاصدًا الجاه والمال، فاستولى على الكوفة والموصل وهاجم مكة، فقاتله عبد الملك فغلبه المختار، وقتل قتلة الحسين ونكَّل بهم إرضاء للشيعة وقتل عبيد الله بن زياد، ثم قضى عليه مصعب بن الزبير، والي البصرة من قبل أخيه عبد الله سنة ٦٧ هـ/٦٨٦ م.
* * *
استيلاء عبد الملك على العراق والمدينة:-
خرج عبد الملك بنفسه لقتال مصعب بن الزبير، فانهزم مصعب وقتل سنة ٧١ هـ/٦٩٠ م فخضعت العراق لعبد الملك، ثم قدم الجيش إلى المدينة المنورة، فأخضعها.
* * *
مقتل ابن الزبير وإخضاع مكة:-
سير عبد الملك جيشًا كبيرًا إلى مكة بقيادة قائده الشهير الحجاج بن يوسف
стр. 145
الثقفي، وكان ابن الزيير متحصنًا بها، حاصر الحجاج مكة، وضرب الكعبة بالمنجنيق، وتخاذل الناس عن ابن الزبير، فقاتل مع خاصته بشجاعة نادرة عند الكعبة، حتى سقطت عليه إحدى شرفات الكعبة فقتلته في عام ٧٣ هـ/٦٩٢ م.
فخضعت مكة لعبد الملك، وهكذا خضعت له الأمصار كلها فصار هو الخليفة الشرعي في عام ٧٣ هـ/٦٩٢ م.
دامت خلافة عبد الله بن الزبير ٩ سنوات تقريبًا.
* * *
(عودة الخلافة الأموية)
* عبد الملك بن مروان ٧٣ - ٨٦ هـ/٦٩٢ - ٧٠٥ م:-
حياته وخلافته:-
هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، ولاه معاوية على المدينة وعمره ١٦ عامًا. وكان قبل خلافته عابدًا زاهدًا فقيهًا، ومن علماء المدينة، شارك في فتوحات أفريقيا عام ٤١، ٤٥ هـ.
في سنة ٦٥ هـ/٦٨٤ م تولى الأمر بعد وفاة والده مروان بن الحكم، (وكان الخليفة ابن الزبير) فانتزع العراق من ابن الزبير، ثم أخضع الحجاز كلها بعد أن قتل ابن الزبير، فبايعته باقي الأمصار، وغدا الخليفة منذ عام ٧٣ هـ/٦٩٢ م، فاستقر له الوضع تمامًا.