يثرب يومها بمدينة الرسول أو المدينة المنورة. وكان المسلمون يلتقون في هذا المسجد للعبادة والتعلم والقضاء والبيع والشراء والاحتفالات، وكان عاملاً كبيراً في التقريب بينهم.
* * *
٢ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:-
آخى النبي ﷺ بينهم، فاقتسموا البيوت والنساء والأموال، وكانت لهذه المؤاخاة قوة أخوة النسب، وبهذه المؤاخاة خلق الرسول ﷺ وحدة دينية بدل الوحدة القبلية.
* * *
٣ - معاهدة التعاون بين المسلمين وغير المسلمين:-
كان بالمدينة ثلاث طوائف: المسلمون، والعرب الغير مسلمين، واليهود (بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع)، فوضع الرسول ﷺ معاهدة لضمان الأمن والسلام، ولخلق جو من التعاون والتسامح بين هذه الطوائف.
* * *
٤ - وضع الأسس السياسية والإقتصادية والإجتماعية:-
الإسلام دين ودولة. فكان لزاماً وضع هذه الأسس، فاتجهت آيات كثيرة من القرآن في هذه الفترة إلى التشريع في كافة هذه الجوانب، كما شرح الرسول ﷺ كل ذلك بقوله وعمله (١).
فعاشت المدينة الحياة الفاضلة، السامية، فأخوة صادقة، وتكافل تام بين أفراد المجتمع. تكون بذلك أول مجتمع إسلامي وضع الرسول ﵇ أسسه الخالدة.
стр. 72
الفصل الرابع
الجهاد في سبيل الله
سبب الجهاد والقتال:-
لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم، أو حادثة واحدة في تاريخ صدر الإسلام تشير إلى أن الإسلام انتشر بالقوة، أو أن القتال في الإسلام كان لحمل الناس على اعتناقه وسبب القتال ينحصر في رد العدوان وحماية الدعوة وحرية الدين.
بعد مضي ستة شهور من الهجرة كان الرسول ﷺ قد وطد الجبهة الداخلية، ونظم أمورها، وبدأ يستعد للجبهة الخارجية، والقتال المنتظر.
* * *
تدرج الجهاد: -
في البداية كان يأمرهم بالكف والصفح عن المشركين، فلما قويت شوكتهم أذن لهم ولم يفرضه عليهم. قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. ثم فرض عليهم قتال من يقاتلهم. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. ثم فُرِض قتال المشركين كافة ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
يقول المؤرخون إن الرسول ﷺ اشترك في ٢٧ غزوة، وقاتل في ٩ منها، وأنه أرسل
стр. 73
ما يقرب من ٦٠ سرية.
وسنكتفي هنا بالحديث عن الغزوات والسرايا ذات الأثر في سير الإسلام.
* * *
أول لواء في الإسلام (١):-
كانت بقيادة حمزة ﵁ في ٣٠ مهاجراً، وقد اعترضوا عيراً لقريش، ولم يتقاتلوا، ثم بعث لواء بقيادة عبيدة بن الجراح، ثم لواء عليه سعد بن أبي وقاص. وكانت عير قريش تفوتها. وكان ذلك في عام ١ هـ.
* * *
الغزوات في عام ٢ هـ/٦٢٣ م:-
غزوة الأبواء: أول غزوة خرج فيها ﷺ بنفسه مع مجموعة من المهاجرين يعترض قافلة لقريش ففاتته، ثم خرج في غزوات بوط وودان والعشيرة لاصطياد قوافل قريش ففاتته كلها، وأبقى بعض الصحابة لانتظار عودة قافلة أبو سفيان العظيمة من الشام.
* * *
بعث عبد الله بن جحش:-
بعثه الرسول ﷺ في ١٨ مهاجراً إلى نخلة (بين مكة والطائف) يرصدون عير قريش، فمرت بهم عيراً، فقتلوا أميرها عمرو بن الحضرمي، وأسروا اثنين. واستولوا على القافلة، فكان ذلك أول قتل وأسر في الإسلام. فأنكره الرسول ﷺ لكونه في الأشهر الحرم. واشتد إنكار قريش فقالوا أحل محمد الشهر الحرام، فأنزل الله:
стр. 74
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ... ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
* * *
وقعة بدر الكبرى (١٧ رمضان ٢ هـ/٦٢٣ م):-
سبب المعركة:-
كان لا بد من هذه المواجهة بين محمد وصحبه وبين قريش فهو بالإضافة إلى تهديد أوثان قريش وزلزلة مكانتها الدينية، يهدد أيضاً تجارتها الصاعدة والهابطة بين مكة والشام.
وحدثت حادثة صغيرة كانت هي السبب المباشر لهذه المعركة. عادت قافلة أبي سفيان من الشام، فخرج الرسول ﷺ في ٣١٤ مهاجراً لملاقاتها. فعلم أبو سفيان وحث قريشاً على إنقاذ قافلتهم. ولما علم الرسول ﷺ استشار الصحابة، فتكلم المهاجرون وأحسنوا فكررها، فعلم الأنصار أنه يعنيهم. فقال سعد بن معاذ: " امضِ بنا حيث شئت. فوالله لئن استعرضت بنا البحر لخضناه، وتكلم غيره. فأشرق وجه الرسول. وخرجوا. غيَّر أبو سفيان طريق القافلة فنجا. ولكن أبا جهل صمم على الخروج ومعه ٩٥٠ كافراً. عسكروا في بدر، استنصر الرسول ﷺ ربه، وبالغ في التضرع ومما قال: " اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد .. " فأنزل الله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] [آل عمران: ١٢٥]. ذكر الرسول ﷺ أصحابه بالصبر والثبات.
стр. 75
فعاليات المعركة ونتائجها:-
ونشبت المعركة وقد بدأت بالمبارزة. أنزل الله ملائكته تقاتل مع المؤمنين. فنصر الله جنده، وقتل فيها أكابر صناديد قريش كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة وغيرهم. فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، واستشهد من المؤمنين أربعة عشر. فقسَّم الرسول ﷺ الغنائم، وأما الأسرى فقد أشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بمفاداتهم، فأخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر، فنزل الوحي معاتباً الرسول ﷺ ، موافقاً لرأي عمر. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧]. ونزلت سورة الأنفال في وصف هذه الغزوة.
أهمية غزوة بدر:-
- غزوة بدر هي الغزوة الوحيدة التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً حقيقياً حاسماً فكانت أساساً متيناً لمستقبل الإسلام، ولذلك سماها القرآن (يوم الفرقان) لأنها فرقت بين الحق والباطل. فأعزت أهل الحق وأذلت أهل الباطل.
- وقد وضعت سورة الأنفال التي نزلت في هذه المعركة أدق التعاليم الإسلامية للحروب مثل: الاستعداد لملاقاة العدو، الوحدة وعدم التنازع، الثبات في المعركة، ذكر الله عند الشدائد خاصة.
- وهناك تشريعات إسلامية ارتبطت بغزوة بدر: كالشورة، والتحذير من البحث عن الأهداف المادية في الحروب، والحرص على إعلاء كلمة الله، وتشريع توزيع الغنائم، لكل هذا كانت لغزوة بدر أهمية خاصة.
стр. 76
ظهور المنافقين:-
ظهر المنافقون بعد معركة بدر، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، واستمر عملهم الخفي ضد الإسلام.
خروج السرايا:-
خرج في عدة سرايا لتأديب من تحدثه نفسه بغزو المدينة أو الاستيلاء على قوافل قريش.
* * *
غزوة بني قينقاع: -
وهم من يهود المدينة. نقضوا العهد فهددوا المسلمين فحاصرهم الرسول ﷺ ، فقذف الله في قلوبهم الرعب ثم استسلموا فأجلاهم عن المدينة دون سلاح.
* * *
من أحداث سنة ٢ هـ:-
شرع الأذان فكان بلال هو مؤذن الرسول ﷺ ، وفرض الصوم والزكاة. وصرف الله قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وكان الرسول ﷺ يتمنى ذلك. قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ولم يعجب ذلك اليهود، فأخذوا يتقولون على الرسول ﷺ فأنزل الله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٥]. كذلك قامت الحدود في هذه السنة، وفرض الله الحلال والحرام.
стр. 77
حوادث عام ٣ هـ/٦٢٤ م:-
* غزوة أحد في شوال ٣ هـ:-
سببها:-
رغبة قريش في الانتقام لأنفسهم وأخذ الثأر لقتلاهم في بدر، خرج أبو سفيان على ثلاث آلاف مقاتل فعسكروا قريباً من جبل أحد. فاستشار النبي صحبه، فأشار أكثرهم بالخروج، فخرج في ألف مقاتل، وأثناء الطريق انخذل المنافق ابن أبي سلول بثلث الجيش بحجة أن الرسول ﷺ عصاه وخرج، ولم يأخذ رأيه. فعسكر الرسول ﷺ عند جبل أحد (شمال المدينة) وجعله خلفه، وجعل عليه خمسين رامياً بقيادة عبد الله بن جبير، وأمرهم بعدم النزول مهما حصل، ثم نظم الجيش، وأعطى اللواء لمصعب بن عمير.
قاتل أصحاب رسول الله ﷺ بشجاعة، وأبلى أبو دجانة (الذي أعطاه الرسول ﷺ سيفه)، وطلحة، وحمزة، وعليٌّ وغيرهم، فانتصر المسلمون في أول النهار مظهرين بطولة رائعة، وانهزم الأعداء. فنزل أكثر الرماة مخالفين أمر الرسول ﷺ لجمع الغنائم، فالتف خالد بن الوليد مع فرقة الخيالة من خلفهما فكانت مفاجأة مفجعة حيث اضطرب المسلمون وعمهم الذعر، فأثخن الكفار فيهم، فاستشهد عدد منهم (أكثر من ٧٠) وولى البعض، وجرح الرسول ﷺ وكسرت رباعيته. وممن استشهد مصعب (حامل اللواء)، وحمزة بن عبد المطلب الذي قتله العبد وحشي بحربة، وحنظلة بن أبي عامر، وكان جنباً، فأخبر الرسول ﷺ أن الملائكة تغسله.
стр. 78
انسحب المسلمون بأمر الرسول ﷺ نحو الجبل انسحاباً منظماً. ثم تحصنوا بهضبة عالية فعجز عنهم المشركون، فقال أبو سفيان: إن موعدكم بدر للعام المقبل. فقالوا له بأمر الرسول ﷺ : هو بيننا وبينكم موعد. فكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص اختبر الله المؤمنين، وفضح المنافقين، وأكرم من أراد بالشهادة.
ونزل تصوير هذه المعركة في سورة آل عمران. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩، ١٤٠].
وقفة عند غزوة أحد:-
إن هزيمة المسلمين المشرفة في هذه المعركة أبرزت أنبل الصفات عندهم من ثبات وتضحية وصمود وعزيمة وإيمان وبطولة.
ووقف الرسول ﷺ كالطود الأشم لا يتزعزع، وعندما تجمعت قوى الشر كلها ضده وقف سبعة من الأنصار يذودون عنه، وصارعوا صراعاً مريراً حتى قتلوا جميعاً. وبرزت الكثير من الأدوار البطولية العظيمة. فكانت هزيمة مشرفة فُتِّت عضد العدو، حتى أنه لم يجرؤ بعدها على الهجوم.
стр. 79
غزوة حمراء الأسد: -
بعد أُحد خرج الرسول ﷺ مع من اشترك في أحد في مكان حمراء الأسد (١٣ كيلو عن المدينة)، ليبين لليهود والأعراب ما يتمتعون به من معنويات عالية، فخافت قريش وعادت إلى مكة، وقد كانت تريد المدينة.
* * *
حوادث سنة ٤ هـ/٦٢٥ م:-
يوم الرجيع: -
أرسل الرسول ﷺ ستة من الصحابة بأمرة مرثد الغنوي، إلى الأعراب بطلب منهم ليعلموهم الدين، فلما صاروا قريباً من مكة. غدروا بهم وقتلوا أربعة. وباعوا الاثنين في مكة وهما زيد بن الدثنة. وخبيب بن عدي حيث قُتِلا هناك.
* * *
* حادثة بئر معونة: -
أرسل ٤٠ صحابياً أميرهم المنذر بن عمرو إلى أهل نجد ليعلموهم الدين، فلما نزلوا في بئر معونة (جنوب شرق المدينة) هوجموا. وقاتلوا حتى استشهدوا جميعاً.
* إجلاء يهود بني النضير: -
غدروا بعهدهم. وحاولوا قتل الرسول ﷺ . فحاصرهم حتى استسلموا فأجلاهم عن المدينة بدون سلاح. ونزلت فيهم سورة الحشر.
стр. 80
* غزوة ذات الرقاع:-
خرج فيها إلى غطفان في نجد، وكانوا يريدون غزو المدينة. ولم يحصل قتال. وكان الغرض إرهاب الأعراب.
* غزوة بني أسد:-
أرادوا غزو المدينة بقيادة طليحة بن خويلد. فأرسل لهم سرية إلى ديارهم، ففروا وغنم المسلمون.
* * *
تأديب هذيل:-
جمع خالد الهذلي الجموع لغزو المدينة (هذيل قرب مكة) فأرسل له الرسول ﷺ من يقتله، فقُتِل، وانفضت جموعه وانتهى أمره.
* * *
* غزوة بدر الآخرة:-
خرج أبو سفيان بثلاث آلاف مقاتل (حسب الموعد المحدد) ورغب في نفسه عدم القتال. وخرج الرسول ﷺ في ألف وخمسمائة. فخافت قريش وعادت. فكانت هي المتحدية وهي الفارة.
* * *
* غزوة دومة الجندل:-
هاجمهم الرسول ﷺ تأديباً لهم، ففروا وتركوا الغنائم للمسلمين.
стр. 81
حوادث عام ٥ هـ:-
* غزوة المريسيع: -
أراد بنو المصطلق غزو المدينة، فغزاهم الرسول ﷺ وملك ديارهم وأموالهم ونسائهم.
ثم تزوج الرسول ﷺ جويرية بنت الحارث (بنت زعيم القوم) فأطلق المسلمون أسراهم. وقالوا أصهار رسول الله. بعد هذه الغزوة حصلت حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة ﵂ في عفتها، فأنزل الله براءتها.
* * *
* غزوة الأحزاب (الخندق) سنة ٥ هـ/٦٢٦:-
سبب الغزوة:-
تجمعات قصد منها القضاء على الإسلام والمسلمين.
خرجت قريش وغطفان والأحزاب إلى المدينة في أكثر من عشرة آلاف بتحريض من اليهود (خيبر وبنو النضير)، فاستشار الرسول ﷺ أصحابه. فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة لحمايتها. فنفذوا (كان عدد المسلمين ٣٠٠٠) استمر الحصار شهراً. ونقضت بنو قريظة العهد واتفقت مع الأحزاب. أسلم حينها نعيم بن مسعود الغطفاني، واتفق مع الرسول ﷺ على تفريق الأحزاب. فخرب بين قريظة وقريش وغطفان بحيلة بارعة فبين لكل فريق أن الآخر ضده، فتفرقوا، فأرسل الله على المشركين جنداً من الريح فقوضت خيامهما وأكفأت قدورهم ففروا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 82
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
وكانت هذه آخر غارة على المدينة. إذ أصبح المسلمون بعدها هم الأقوياء والأسياد.
* * *
* غزوة بني قريظة (١):-
نقضوا عهدهم وغدروا في أحرج الأوقات فحالفوا قريشاً في الأحزاب، فحاصرهم بعد غزوة الخندق حتى استسلموا، فحكَّم الرسول ﷺ فيهم سعد بن معاذ، وكان حليفهم في الجاهلية. فحكم بقتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم وهذا يتناسب جدا مع عظم جريمتهم. فقال له الرسول ﷺ : " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ".
* * *
* تأديب الأعراب:-
بعد الإنتهاء من قريش واليهود، بقي العدو الثالث وهم الأعراب. وهؤلاء أرسل إليهم الرسول ﷺ العديد من السرايا، أرعبتهم وكفَّت شرهم، وأذاهم للمسلمين.
стр. 83
حوادث عام ٦ هـ/٦٢٧ م (١):
* صلح الحديبية وبيعة الرضوان: -
خرج الرسول ﷺ بـ ١٥٠٠ من أصحابه، يريد العمرة، ونزل الحديبية، وفزعت قريش. بعث إليهم عثمان يخبرهم قصده. ثم أشيع أن عثمان قتل، فدعا الرسول ﷺ إلى البيعة، فتبادر إليه أصحابه وهو تحت الشجرة (لذا سميت بيعة الشجرة أو بيعة الرضوان) بايعوه على ألا يفروا، ثم عاد عثمان.، فتصالح مع قريش. وتم الاتفاق على هدنة عشر سنوات بينهم. وأن من يأتي محمد من قريش يرده إليهم، ومن جاء قريش من محمد لا يردوه، ومن أراد عهد محمد دخله، ومن أراد عهد قريش دخله. (فدخلت خزاعة في عهد محمد وبكر في عهد قريش)، وأنهم سيعودون العام القادم لأداء العمرة. وفي الطريق أنزل الله سورة الفتح، فبشرهم الرسول ﷺ بفتح مكة.
وقفة عند صلح الحديبية:-
كثير من الصحابة امتعض من هذا الصلح واستاء لهذه النتيجة. وعد نفسه مغلوباً ذليلاً، ومن بينهم عمر بن الخطاب. على أن المدقق المنصف يدرك أن هذه المعاهدة كانت عظيمة الخير للمسلمين. كبيرة النفع لهم. ومن مزاياها:-
- اعتراف قريش بكيان المسلمين.
стр. 84
- إعطاء المسلمين فرصة لنشر الدعوة والتفرغ لها.
- دخول خلق كثير في الإسلام بعد هذا الصلح (من هؤلاء بعض عظماء قريش كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة). كذلك أرسل الرسول ﷺ للملوك والحكام يدعوهم للإسلام.
- أعطت هذه المعاهدة للمسلمين فرصة ليفرغوا لليهود، لذا غزا الرسول ﷺ بعدها خيبر، وانتصر واكتملت معظم التشريعات الإسلامية خلال هذه الفترة.
- أما شرط إعادة من يسلم من قريش إلى قريش. ولا تلتزم قريش برد من يعود لها من المسلمين، فذاك وضحه الرسول ﷺ بقوله: " إن من ذهب منا إليهم فقد أبعده الله. ومن جاءنا منهم فرددناه، فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ". وهكذا كان هذا الصلح فتحاً مبيناً كما وصفه القرآن الكريم.
* * *
حوادث عام ٧ هـ/٦٢٨ م:-
* غزوة خيبر:-
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] برهنت الأحداث طوال القرون على شدة عداوة اليهود للمسلمين حتى عندما أحسن المسلمون إليهم.
كانت خيبر (في شمال المدينة) من أقوى حصون اليهود وأخطرها. وكان خطرهم
стр. 85
محدقاً على المدينة.
وكان يهود خيبر حرضوا على غزو المدينة، وجمعوا الأحزاب في غزوة الخندق، سار إليهم الرسول ﷺ ، وحاصرهم، حتى استسلموا، فصالحهم على شطر ثمرها وزرعها، قالت عائشة: " لما فتحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من التمر "، بعد الغزوة أهدت زينت بنت الحارث اليهودية للرسول شاةً مسمومة، فأشعره الله بذلك فكف عنها، وأكل منها بشر بن البراء، فمات فقتلها الرسول ﷺ قصاصاً، كان ذلك في محرم سنة ٧ هـ.
ثم أخضع يهود وادي القرى على شطر نخيلهم. وقبل الفدية من يهود فدك ويهود تيماء وعدهم ذميين.
بعد خيبر أصبح المسلمون أكبر قوة في جزيرة العرب، كما انكسرت بذلك شوكة اليهود، وإن كانت لم تزل نهائياً.
* * *
* دعوة الملوك والحكام إلى الإسلام: -
رأى الرسول ﷺ أن الوقت أصبح مناسباً لذلك، فاليهود انتهوا، وقريش في هدنة معه، والأعراب لا بد من غزو ديارهم باستمرار، فكتب الكتب، وأرسل الرسل إلى:
- هرقل إمبراطور الروم، والمقوقس حاكم مصر، وقد خافا على ملكهما منه.
- المنذر بن ساوي حاكم البحرين، النجاشي ملك الحبشة، الحارث الحميري حاكم اليمن، وملكي عمان جيفر وعياد ابنا جلندي، وهؤلاء دخلوا في الإسلام.
- الحارث بن أبي شمر ملك الغساسنة بالشام، وقد قتل رسول رسول الله وسب
стр. 86
المسلمين وهدد بغزو المدينة.
- كسرى ملك الفرس، غضب ومزق الخطاب. فدعا عليه الرسول ﷺ ، فمزق الله ملكه.
* * *
* عمرة الحديبية:-
خرج الرسول ﷺ مع أصحابه لأداء العمرة حسب صلح الحديبية، وكان عددهم (٢٠٠٠) فيسرها الله لهم، فقاموا بأدائها وعادوا بسلام وطمأنينة.
* * *
حوادث عام ٨ هـ/٦٢٩ م:-
إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص: قدما إلى الرسول ﷺ في المدينة ومعها عثمان بن طلحة، فأسلموا على يديه، وفرح الرسول ﷺ كثيراً بإسلامهما، وصارا بعد ذلك من أعظم قواد الفتوحات الإسلامية.
* * *
* غزوة مؤتة:-
سبب الغزوة:-
قتل الغساسنة (عمال الروم) دعاة المسلمين إلى الشام، وقتلوا الحارث بن عمير رسول رسول الله إليهم. وهدد ملكهم الحارث الغساني بغزو المدينة. فأراد الرسول ﷺ أن يعطي الروم وعملائهم الغساسِنة الصورة الحقيقية عن قوة المسلمين وأهدافهم.
стр. 87
سير المعركة ونتائجها:-
أهمية المعركة:-
أحس المسلمون أن هناك عدواً عنيداً في الشمال، وأن الإسلام لا أمن له إلا بالقضاء على هذا العدو. وكانت هذه أول حلقة في النضال للفتوحات الإسلامية خارج جزيرة العرب.
أرسل جيشاً قوامة ٣٠٠٠ مقاتل يقودهم زيد بن حارثة، فإن قتل فالأمير جعفر بن أبي طالب، وإن أصيب فعبد الله بن رواحة. فنزلوا في معان (شمال الجزيرة العربية على حدود الشام). وقدم الروم في مائة ألف مقاتل وحلفائهم قضاعة في مائة ألف، فتشاور المسلمون ورأى الأغلبية القتال وعدم الانسحاب، استمر القتال سبعة أيام، وقتل القواد الثلاثة واستشهد عدد كبير من المسلمين، فتولى القيادة خالد بن الوليد، فانسحب بالجيش انسحاباً منظماً. وقد أثنى عليهم الرسول ﷺ ودعا لهم.
* * *
* معركة ذات السلاسل (١):-
انزعج الروم من قوة المسلمين، فأرادوا القضاء عليهم في عقر دارهم، وكلفوا حليفتهم قضاعة بذلك، فأرسل لهم الرسول ﷺ ٣٠٠ مقاتل بقيادة عمرو بن العاص، وبينهم من كبار الصحابة، ثم أمدهم بـ ٢٠٠ بأمرة أبي عبيدد بن الجراح. التحم الفريقان ففرت قضاعة، رغم جموعهم الهائلة، ومساعدات الروم لهم.
стр. 88
* غزوة فتح مكة (رمضان ٨ هـ/٦٢٩ م):-
ظروف مهدت لفتح مكة:-
- القضاء على اليهود خلال فترة الهدنة والصلح. وقد كانوا أكبر نصير لقريش.
- امتداد نفوذ المسلمين وإحاطته بمكة من كل جانب.
- ورأت قريش نفسها تقف وحيدة ضد كل العرب. إضافة إلى انهيار تجارتها.
- كما أن أحوال قريش تغيرت فقد هلك كفارها الصناديد. ودخل كثير من أبطالها المغاوير في الإسلام كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
كل هذه الظروف فتت من عضد قريش وجعلتها تيأس من النصر.
سبب الغزو:-
أن قبيلة بكر (حليفة قريش) تعدت على خزاعة (كانت حليفة الرسول ﷺ ثم أسلمت كاملة)، فأعانت قريش حليفتها، فنقضت بذلك صلح الحديبية، فاستنجدت خزاعة بالرسول ﷺ فخافت قريش، وأرسلت زعيمها أبي سفيان ليعتذر ويطيل مدة الهدنة ففشل وعاد خائباً. وأمر الرسول ﷺ المسلمين بالجهاز لفتح مكة.
كتب الصحابي حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يعلمها وأرسل الرسالة مع امرأة فأخبر الله رسوله بذلك. فكلف عليًا والزبير فعادا بالكتاب. فبكى حاطب، وأخبر الرسول ﷺ أنه فعل ذلك ليتخذ عندهم يدًا فلا يأذوا أهله، فسامحه، وحاطب من أهل بدر.
стр. 89
فمضى المسلمون (وهم أكثر من ١٠.٠٠٠ مقاتل) وعسكروا قرب مكة، وقدم أبو سفيان زعيم قريش إلى الرسول ﷺ وأسلم فدعا له الرسول ﷺ قائلاً: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل في المسجد فهو آمن " ولم يسمح له بالمغادرة حتى رأى مواكب الجيوش الإسلامية.
ثم دخل الرسول ﷺ في مكة من أعلاها وهو واضعاً رأسه تواضعاً لله بما أكرمه.
ولم يلق المسلمون مقاومة تذكر. واستسلمت مكة فدخل الرسول ﷺ المسجد، حوله المسلمون، فطاف وفي يده قوس، وحول البيت أكثر من ٣٦٠ صنم فجعل يطعنها ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل " والأصنام تتساقط على وجوهها، فالتفت إلى أهل مكة وقال: " يا معشر قريش. ما ترون أني فاعل بكم " قالوا: خيرًا. أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء (وهذا منتهي العفو والتسامح والكرم من الرسول ﷺ ) ثم بايعته قريش، وأسلمت كلها. وأمر الرسول ﷺ بقتل نفر ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فقتل بعضهم وأسلم البعض، ثم أرسل الصحابة لهدم الأصنام في مكة وحولها.
* * *
أهمية فتح مكة:-
استسلام مكة مهد الطريق لاستسلام الجزيرة العربية كلها. فقد أصبح المسلمون سادة الكعبة وحماة البيت الحرام. ووصلت سيرتهم الطيبة إلى كل مكان. فكان ذلك مطلع عهد جديد سعيد على الإسلام والمسلمين، وكان هدف الرسول ﷺ بعد فتح مكة تطهير الجزيرة كلها من أعداء الإسلام وخلق وحدة إسلامية موحدة مترابطة. وهذا ما تحقق.
стр. 90
* غزوة حنين: -
سبب الغزوة:-
خضعت أغلب الجزيرة العربية لنفوذ الإسلام. ولم يبق خارجاً عليه إلا قبائل هوازن وثقيف. وكان لا بد من المواجهة بينهم وبين المسلمين.
حنين موقع بين مكة والطائف:-
بعد ما سمعت هوازن بفتح مكة، خرجت لقتال الرسول ﷺ بقيادة مالك بن عوف ومعهم نسائهم وأموالهم لكي يستميتوا في الدفاع عنهم، فخرج إليهم الرسول ﷺ في ١٢٠٠٠ مقاتل. فاغتر المسلمون يومها بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة فنشب القتال في حنين، حيث انقض الكفار على المسلمين من الشعاب والمرتفعات، فاضطرب المسلمون وتفرقوا وانهزموا، ولم يثبت إلا قلة مع الرسول ﷺ . فنادى الرسول ﷺ : يا أصحاب بيعة الرضوان. يا للأنصار. فاجتمعوا وثبتوا حتى انتصروا وانهزم الأعداء، وتركوا أموالهم ونسائهم وفروا إلى الطائف وتحصنوا بها مع ثقيف، وكانت غنائم هائلة. وأعطى الرسول ﷺ المؤلفة قلوبهم الكثير منها ومنهم أبو سفيان وأبنائه.
فكانت حنين درساً لمن قال: لن نغلب اليوم من قلة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ
стр. 91
سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦].
* * *
* غزوة الطائف: -
وهي امتداد لغزوة حنين، حيث سار الرسول ﷺ إلى الطائف لقتال هوازن وثقيف، وكانت حصونهم منيعة جداً، ومؤنهم كثيرة. فلم يأذن الله بفتحها، وطال حصارها، فدعا الرسول ﷺ قائلاً: اللهم إهد ثقيفاً وأت بهم مسلمين. وعاد بعدها للمدينة.
وبعد زمن قصير أسلمت هوازن وأسلم زعيمها مالك بن عوف، ورد لهم الرسول ﷺ أموالهم وسباياهم. وبعد غزوة تبوك أرسلت ثقيف وفدها معلنة إسلام أهل الطائف.
* * *
أهمية غزوة حنين والطائف:-
بعد هذه الغزوة أصبحت الجزيرة العربية لأول مرة في التاريخ دولة متحدة قوية تدين بدين واحد، ولها مبادئ وحضارة.
* * *
حوددث عام ٩ هـ/٦٣٠ م:-
* غزوة تبوك:-
سبب الغزوة: تناهى إلى الرسول ﷺ أن الروم جمعت جموعها الهائلة بالشام لغزو المدينة، والقضاء على الإسلام والمسلمين. فأمر الناس بالتجهز للخروج، وسمى ذلك
стр. 92
الجيش بجيش العسرة لجدب الأرض وشدة الحر، حتى إن المنافقين أعلنوا نفاقهم وتخلفوا عن ركب الجيش، وأنفق المسلمون بسخاء على هذا الجيش، فجهز عثمان نصف الجيش لوحده، وتصدق أبو بكر بكل ماله، وتصدق عمر بنصف ماله، فخرج الرسول ﷺ إلى تبوك، وكان تعداد الجيش ثلاثين، وقيل أربعين وقيل سبعين ألف مقاتل. ولم يجد أثراً للروم، فقد ارتاعوا وتقهقروا إلى داخل بلادهم مدافعين. وعسكر الرسول ﷺ بجيشه عند تبوك حيث أرهب الأعداء، ثم آتاه أهل آيلة وجربا وأذرح وأعطوه الجزية، وعاد للمدينة بعد بضع عشرة ليلة، وكانت آخر غزوة غزاها الرسول ﷺ بنفسه.
* * *
خبر المتخلفين (عن غزوة تبوك): -
في غزوة تبوك كانت قصة تخلف كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وهم ممن شهدوا بدراً. ولم يكن لهم عذر في التخلف، فقاطعهم الرسول ﷺ والمسلمون حتى أنزل الله فيهم ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ... ﴾ ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨].
* * *
وفود العرب (عام الوفود):-
أنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣].
بعد إسلام قريش وهي سيدة القبائل أسلمت كل قبائل الجزيرة، فأرسلت وفودها
стр. 93
إلى الرسول ﷺ لإعلان إسلامها وسمي ذلك العام (٩ هـ) عام الوفود.
وهكذا عمت الدعوة الإسلامية شبه الجزيرة العربية، ونعم محمد ﷺ بأن رأى زرعه يثمر، ودين الله ينتشر على يديه.
* * *
* حجة ٩ هـ:-
بعث الرسول ﷺ أبا بكر أميراً على الحج، ونزلت سورة براءة (التوبة) في نقض ما بين الرسول ﷺ والمشركين من عهود، فأعلن أنه لا يحج بعد العام مشرك. ومن له عند رسول عهد فهو إلى مدته.
* * *
حوادث عام ١٠ هـ/٦٣١ م:-
* حجة الوداع: -
حج الرسول ﷺ بالمسلمين في هذه السنة (وهي حجته الوحيدة) وخرج معه قريباً من مائة ألف حاج، فعلم الناس مناسكهم وسنن حجهم وهو يقول: " خذوا عني مناسككم فلعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا " وخطب خطبته التي بين فيها منهاج المسلمين.
ومنها: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم "، ومنها: " إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي "، ومنها: " أيها الناس إن ربكم واحد. وأباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى "، وعاد بعدها للمدينة وبدأ به مرض الموت.
стр. 94
حوادث عام ١١ هـ/٦٣٢ م:-
بعث أسامة بن زيد: -
جهز الرسول جيشاً لقتال الروم في البلقاء (الأردن) بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة (وعمره ١٨ عاماً) وفي الجيش كبار الصحابة، ولم يخرج الجيش لمرض الرسول ﷺ .
* * *
مرض الرسول ﷺ ووفاته: -
بدأ به الوجع والحمى، فاستأذن نسائه أن يُمَرّض في بيت عائشة، فأذنّ له، وفي آخر مرة صعد فيها المنبر، كان مما قاله: " أوصيكم بالأنصار خيراً. فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم. فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ". ولما اشتد به المرض قال: مروا أبا بكر، فليصلِّ بالناس.
ثم تُوفي ﷺ في ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام ١١ هـ/٦٣٢ م، وكان ﵇ في الثالثة والستين من عمره.
وأصاب المسلمين حزن عظيم. ولم يصدق عمر بموت الرسول ﷺ ، فخطب فيهم أبو بكر وقال: " يا أيها الناس إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت. ثم تلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. فأفاق الناس، وأفاق عمر حتى إن عمر قال: " والله ظننت أنه ليس في القرآن هذه الآية حتى ذكرنيها أبو بكر "
стр. 95
أسس الرسول ﷺ الدولة الإسلامية الأولى في المدينة. وقامت هذه الدولة على أسس العدل والمساواة والحب والتكافل الاجتماعي التام، فاكتمل منهجها، وضبط نظامها، الذي يجب أن يسير المسلمون على خطاه.
رحم الله محمداً ﷺ لقد كان نفحة سماوية أمدها الله بالتأييد، حباها كريم الصفات ونبيل السجايا. ومنح العالم على يده ديناً جديراً بأن يكون خاتم الأديان لما يكفله للبشرية من تنظيم أمور الدين والدنيا (١).
* * *
стр. 96
الباب الثالث
عهد الخلفاء الراشدين
(١١ - ٤١ هـ) (٦٣٢ - ٦٦١ م)
قال الرسول ﷺ :
" فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ "
رواه أبو داود والدارمي والترمذي وابن ماجه وابن حنبل
стр. 97
تقييم هذه المدة:-
لم تتجاوز الخلافة الراشدة ٣٠ عاماً، وقد تميزت بأن الخلفاء ساروا على نهج رسول الله تماماً، حسب الطريق المستقيم الذي ارتضاه الله لعباده، فكانت هذه الفترة هي الصورة الصحيحة للحكم الإسلامي، وللدولة الإسلامية. وهذه الصورة يجب أن تكون القدوة لكل حاكم يريد لنفسه السعادة في الدارين، ولشعبه الصلاح والحياة السعيدة.
وقد بلغت الحضارة في هذه المدة أوجها، والمقصود هنا الحضارة الإنسانية النابعة من العقيدة، والتي تسعى لتحقيق سعادة الإنسان.
حيث حصل الأفراد على السعادة التامة في المساواة والعدل والأمن والطمأنينة، والحاجات الأساسية.
وفي أواخر هذه المدة، ظهرت الفتن التي عصفت بالمسلمين، وفرقتهم إلى أحزاب وفرق، ولا زالوا إلى الآن على هذا الحال، فالله المستعان.
стр. 98
الفصل الأول
أبو بكر الصديق
(١١ - ١٣ هـ) (٦٣٢ - ٦٣٤ م)
حياته في الجاهلية: -
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وبنو تيم أحد بطون قريش الاثنى عشر وهي ليست من البطون الكبيرة.
يلقب بالعتيق، ويكنى بأبي بكر، ويعرف بالصديق، وكان في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم، وكان أعرف قريش بالأنساب، وكان تاجراً يرتحل البلاد، حرَّم على نفسه الخمر في الجاهلية، ولم يسجد لصنم قط، وكان صديقاً ونديماً للنبي ﷺ في الجاهلية، دخوله في الإسلام وسبقه رفعه عمن سواه وأشهره، وهو يعد الشخص الثاني في الإسلام بعد رسول الله ﷺ .
* * *
حياته في الإسلام: -
كان أول من أسلم من الرجال، قال الرسول ﷺ : " ما حكمت في الإسلام أحداً إلا أبي عليّ، وارجعني الكلام، إلا ابن أبي قحافة، فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه "، وصحب أبو بكر النبي ﷺ -
стр. 99
من حين أسلم إلى أن تُوفي، وهاجر معه وكان صاحبه في الغار أثناء الهجرة ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وشهد مع الرسول ﷺ المشاهد كلها، وثبت يوم أحد وحنين، وقد فرَّ الناسُ، وكان من أشجع الناس، يثبت في المعارك، ولا يحيد خطوة عن الرسول ﷺ ، يدافع ويذود عنه، وكان كريماً، أنفق معظم ماله في سبيل الله، وهو المقصود بقوله تعالى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ قال الرسول ﷺ " ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال أبي بكر ".
في غزوة تبوك تصدَّق بكل ماله لتجهيز الجيش، وكانت راية المسلمين في يده في هذه الغزوة، أسلم على يده عدد كبير من كبار الصحابة، منهم عثمان بن عفان، والزيير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وقد اشترى وأعتق عددا من المعذبين منهم بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وزنيرة وغيرهم، بعثه الرسول ﷺ أميراً على الحج في عام ٩ هـ/٦٣٠ م. وعندما مرض الرسول ﷺ مرض الموت، قال: " مروا أبا بكر فليصل بالناس ".
بيعته: -
بعد وفاة الرسول ﷺ ، شعر الأنصار، وهم أهل المدينة، أنهم بحاجة إلى اختيار خليفة يتولى شؤون المدينة، وأمر المسلمين، وإلا تعرضت المدينة للتهديد، وقد ظنوا أن المهاجرين ربما يعودون إلى موطنهم مكة، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وتشاوروا بينهم، واتفقوا على اختيار سعد بن عبادة، فبايعوه بالخلافة. علم المهاجرون، فجاء أبو بكر وعمر والزبير وغيرهم، فخطب أبو بكر ومما قاله: إن العرب لا تعرف هذا
стр. 100
الأمر إلا لقريش، وأكد عمر على ذلك. فاقتُرِح أن يتولاها مهاجري ثم أنصاري وهكذا. وقوبل هذا بالرفض، ثم اقترح بعض الأنصار: أن يكون من المهاجرين أمير، ومن الأنصار أمير، ورفض هذا الرأي، وعندما رأى الأنصار أن المهاجرين سيبقون في المدينة، ولن يغادروها، اقتنعوا بأنهم أولى بهذا الأمر، فوافقوا، فتقدم عمر وبايع أبا بكر، ثم بايعه كل أهل السقيفة، وفي اليوم الثاني بايعه الناس البيعة العامة، وخطب في المسجد، فكان مما قاله: " أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم ".
* * *
أعماله وفتوحاته: -
كانت فترته قصيرة (سنتين و٣ شهور)، وكانت مليئة بالأعمال الجليلة، أهمها:-
إنفاذ جيش أسامة بن زيد: -
اقترح الكثيرون عدم إرسال هذا الجيش، نظراً لردة أغلب سكان الجزيرة، وإحداق الخطر بالمدينة، ورغم ذلك أنفذه أبو بكر، تنفيذاً لأمر الرسول ﷺ مهما كانت النتائج، وفي إرسال هذا الجيش بيان للجميع بقوة المسلمين المادية والمعنوية، وعاد الجيش منتصراً، وكان ذلك سبباً في ثبات الكثيرين على الإسلام.
* * *
حروب الردة:-
بعد وفاة الرسول ﷺ ارتدت كل الجزيرة عن الإسلام، ما عدا مكة والمدينة والطائف، فقسم من المرتدين عادوا إلى الكفر واتباع مدّعي النبوة، وقسم امتنعوا فقط عن دفع الزكاة، فأشار الصحابة بعدم قتالهم نظراً للظروف الحرجة،
стр. 101
ولخروج جيش أسامة بن زيد فرفض بكل شدة، وقال قولته المشهورة " والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لجاهدتهم عليه ".
بمجرد أن شيَّع أبو بكر جيش أسامة جعل الصحابة على منافذ المدينة لحراستها، وأمر المسلمين بالتواجد في المسجد للطوارئ خوفاً من مهاجمة المدينة، وحصلت غارة فردوها، وكان يخرج بنفسه إلى المنافذ.
جاءت بعد فترة قصيرة صدقات كثيرة، ومن جهات عديدة، وبعد شهرين عاد جيش أسامة منتصراً كما أسلفنا. فعقد أبو بكر (١١) لواءً لقتال المرتدين في كل الجزيرة. انطلق خالد وقاتل أسد وغطفان وعامر، وكان يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي (مدعي النبوة)، فالتقاهم خالد عند بئر بُزاخة، فنكَّل بهم، حتى انهزموا وتابوا.
ثم سار إلى منازل بني يربوع وبني تميم بالبطاح، وقد تنبأت فيهم سجاح، وقاتلهم، فقتل قائدهم مالك بن نويره وأخضعهم.
* * *
* معركة اليمامة (١١ هـ/٦٣٢ م):-
ثم سارت الجيوش إلى بني حنيفة في اليمامة، وقد تنبأ فيهم مسيلمة الكذاب، نشب قتال ضاري. وانتصر المسلمون أخيراً. وقتل مسيلمة، وتاب القوم وعادوا إلى الإسلام، وقد استشهد في المعركة عدد كبير من الصحابة، ومن حملة القرآن. وهذا ما حمل أبو بكر فيما بعد إلى التفكير في جمع القرآن بين دفتي مصحف.
أرسل أبو بكر جيوشاً بقيادة حذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة وعكرمة إلى
стр. 102
أهل عمان ودبا ومهرة، فأخضعا تلك الجهات.
ثم أخضعت بحران وحضرموت واليمن، وكان قد تنبأ فيها الأسود العنسي. ومن قوادها المشهورين المهاجر بن أبي أمية، وعكرمة بن أبي جهل.
أرسل العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، فأخضعها ودانت له. ثم أخضعت باقي الجهات بالقتال أو عادت إلى الحق بدون قتال، فاستقرت الأمور في الجزيرة العربية، ودانت أطرافها، ورفرف الإسلام عليها.
стр. 103
الفتوحات الإسلامية: -
انتهت حروب الردة، وكان لا بد من الجهاد، وأعداء الدولة كانوا الفرس والروم، وهما أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت، ولحسن الحظ إنهما كانتا على خلاف وعدم اتفاق وهذا ما سهل مهمة المسلمين، فقاتلوا على جبهتين في وقت واحد.
١ - الجبهة الشرقية (الفرس): -
سيطر الفرس على مناطق واسعة، تشمل العراق، وغرب الشام، وشمال الجزيرة، وخضعت لهم كثير من القبائل العربية، وكانت هذه القبائل تعمل على توطيد سلطان الفرس في مناطقها.
قاد الجيوش الإسلامية في تلك الجهات خالد بن الوليد، والمثنى بن حارثة، فحققوا انتصارات، ففتحوا الحيرة وبعض المدن العراقية، منها الأنبار ودومة الجندل والفراض وغيرها. بعدها أمر الخليفة خالداً بالتوجه للإنضمام إلى جيوش الشام.
٢ - الجبهة الغربية (الروم): -
سيَّر أبو بكر إلى الشام الجيوش التالية:-
١ - جيش بقيادة يزيد بن أبي سفيان إلى دمشق.
٢ - جيش بقيادة عمرو بن العاص إلى فلسطين.
٣ - جيش بقيادة شرحبيل بن حسنه إلى الأردن.
стр. 104
٤ - جيش بقيادة أبو عبيدة بن الجراح إلى حمص (وله القيادة العامة)، وكان مجموعها (٢١٠٠٠) مقاتل، وعكرمة بن أبي جهل احتياطي في الخلف ومعه (٦٠٠٠) مقاتل.
تعبأت جيوش الروم، فوصلت أعدادهم إلى ٢٤٠ ألف مقاتل.
* * *
* بداية مكركة اليرموك (١٣ هـ/٦٣٤ م):-
فأمر الخليفة خالد بن الوليد -كما ذكرنا- بالتوجه بجيشه إلى الشام، وتولي القيادة العامة، فنفذ الأمر، وقام برحلة تاريخية متخطياً الصحاري الشاسعة الغير مأهولة. فوصل إلى الشام بعد ١٨ يوم، تجمع المسلمون، ووصل عددهم إلى ٣٦ ألف. ونظم خالد الجيش وقسمه، وكان ذلك على رافد من روافد نهر الأردن ويسمى (اليرموك)، نشب القتال، وكان عنيفاً، وأثناء ذلك جاء البريد بموت الخليفة أبو بكر وتولية عمر، وعزل خالد عن القيادة، وتأمير أبي عبيدة، وذلك في جمادى الآخرة عام ١٣ هـ/٦٣٤ م.
ملاحظة: مما يذكر بالفخر والإعجاب لخالد تلقيه خبر العزل برضا وقبول مع أنه كان في أوج نصره، واستمر يقاتل بجد وإخلاص تحت إمرة القائد الجديد. وقد سبق أن وقف أبو عبيدة نفس هذا الموقف الرائع عندما طلب منه أبو بكر أن يسلم القيادة العامة لخالد.
إنها في الحقيقة نماذج إسلامية رائعة، ستظل ذكراها عطرة على مر السنين.
стр. 105
نرى قلة الفتوحات في عهد أبي بكر، للأسباب التالية:
١ - قصر مدة خلافته (سنتين، وثلاثة أشهر).
٢ - الانشغال بحروب الردة التي شملت كل الجزيرة العربية.
٣ - ومع ذلك فإن المعارك التي جرت في عهده ضد الفرس والروم، دوخت أعداء الإسلام، وأظهرت قوة المسلمين وإمكاناتهم.
ومن الأعمال الجليلة التي تمت في عهده جمع القرآن الكريم .
* * *
جمع القرآن الكريم عام ١٢ هـ/٦٣٣ م:-
أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللحاف والعسب وصدور الرجال، وذلك بعد استشهاد عدد كبير من القراء في معركة اليمامة، بقصد المحافظة على القرآن من الضياع، وكان عمر قد أشار عليه بذلك، فجمع القرآن بين دفتي مصحف واحد، فكان هذا أول جمع للقرآن.
* * *
وفاته: -
لما شعر أبو بكر بمرض الموت واشتد عليه، أراد أن يولي خليفة بعده حتى لا يختلف المسلمون، فوقع اختياره على عمر، فاستشار كبار الصحابة، فكلهم أيد ذلك فكتب وصيته بذلك، ثم بايع عمر، ومات الصديق بعدها بأيام. وكان ذلك في جمادى الآخرة عام ١٣ هـ/٦٣٤ م، رحم الله أبا بكر، لقد قام بأعمال جدُّ جليلة، وتمثلت فيه كل المعاني الإسلامية السامية.
стр. 106
الفصل الثاني
عمر بن الخطاب
(١٣ - ٢٣ هـ) (٦٣٤ - ٦٤٣ م)
حياته في الجاهلية:
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، من بني عدي بن كعب، وهم بطن صغير من قريش، لم يكن في جاهليته صاحب مركز أو شهرة، بل كان فرداً عادياً، ولولا الإسلام لما اشتهر، ولا عرفه أحد بعد ذلك. وعُرِف بالجلافة والقسوة والشجاعة المفرطة، كما عرف عنه عناده للإسلام، وشدة إيذائه للمؤمنين في جاهليته، أسلم في السنة السادسة من البعثة، فيكون عاش ٣٥ سنة في الجاهلية، و ٣٠ سنة في الإسلام.
* * *
حياته في الإسلام: -
قصة إسلامه: اتجه يوماً غاضباً إلى الرسول ﷺ ليقتله، فقابله نعيم بن مسعود، وهو مؤمن ومن قومه، فلما عرف قصده خاف على الرسول ﷺ ، فقال لعمر: هلا بدأت بأهل بيتك إن أختك فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما، فاتجه إليهما وهو في أشد الغضب، فلما وصل سمع تلاوة داخل البيتِ، وقد كان عندهما خباب بن الأرت
стр. 107
يتلو سورة طه، فدخل وبطش بسعيد بن زيد فقامت أخته تدافع عن زوجها، فلطمها، فسأل الدم منها، فلما رأى ذلك رق قلبه، فطلب الصحيفة التي فيها الآيات، فرفضا إلا أن يغتسل فاغتسل، فقرأها، فقال: ما أحسن هذا الكلام!!
فقال خباب: أرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته يقول: " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين " عمرو بن هشام (أبو جهل)، أو عمر بن الخطاب.
فقال عمر: دلني على محمد. فذهب به إليه، وكان عنده الصحابة، فأسلم، فسُرَّ الرسولُ ﷺ بذلك أعظم السرور.
قال عبد الله بن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، فصلينا معه، وسماه الرسول ﷺ الفاروق، ولم يكن يجرؤ أحد من قريش على إيذائه.
كان جريئًا شجاعًا، لما عزم على الهجرة إلى المدينة طاف بالكعبة، وصلى ثم قال: من أراد أن تثكله أمه فليلقني خلف هذا الوادي، فخرجا ولم يلقه أحد، وكان من الصحابة الذين يستشيرهم الرسول ﷺ ، ولربما نزل الوحي بما يؤيد رأيه. فبعد غزوة بدر استشار النبي أصحابه فيما يفعل بالأسرى، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بفدائهم، فأخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر، فأنزل الله وحيه مؤيدًا لرأي عمر، ومعاتبًا رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧].
стр. 108
كان يتمنى تحريم الخمر، فنزل القرآن بذلك فطابت نفسه، كذلك كان يتمنى فرض الحجاب وبخاصة على نساء النبي، وطابت نفسه عند نزول آية الحجاب.
وعندما تُوفي رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وأراد النبي الصلاة عليه، جادله عمر وناقشه، فنزل الوحي بعد ذلك مطابقًا لرأي عمر. قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. وقد حضر عمر المشاهد كلها مع الرسول ﷺ ، وكان من الملازمين له في المعارك لا يفارقه أبدًا، يدافع ويذود عنه، وكان لا يجتهد بل ينفذ كلام الله ورسوله حرفيًا، ويُعد عمر الصحابي الثاني بعد أبي بكر الصديق. وفي عهد الصديق، كان عمر مستشاره، واليد اليمنى له، والمشارك له في تسيير شؤون الدولة.
مبايعته: -
عندما مرض أبو بكر وشعر بالموت، أراد أن يولي خليفة على المسلمين حتى لا يقع الخلاف بينهم، فوقع اختياره على عمر، فاستشار كبار الصحابة، فأيدوه، فبايعه، وبايعه المسلمون، ومات أبو بكر بعد ذلك بأيام.
* * *
الفتوحات: -
تمت في عهد عمر أعظم الفتوحات الإسلامية على مر العصور، فقد تم طرد الروم وإنهاء وجودهم في الشام، وتم القضاء على الإمبراطورية الفارسية تمامًا، ثم انتقل القتال إلى مصر وشمال أفريقية وجزر البحر المتوسط.
стр. 109
أولًا: الجبهة الغربية (فتوحات بلاد الشام): -
* معركة اليرموك (١٤ هـ/٦٣٥ م):-
عندما تولى عمر الخلافة، كان المسلمون بقيادة ابن الوليد مجتمعين أمام جموع الروم الهائلة، (تجاوزوا ٢٠٠ ألف مقاتل، والمسلمون حوالي ٢٤ ألف فقط) نشب القتال، فكانت معركة حامية، زلزل الله فيها الكفار، ففر الروم وتابعهم المسلمون فأسروا وغنموا الكثير.
* * *
* فتح دمشق وبقية مدن الشام:-
ثم تقدمت الجيوش الإسلامية بقيادة أبي عبيدة ومعه خالد نحو مدن الشام، فاستولت على فحل بيسان ثم دمشق فحمص، وبعدها قنسرين وقيسارية والبقاع وبعلبك. ثم فتحوا أجنادين. ومدن الجزيرة (الرها ونصيبين) وغيرها.
* * *
* فتح بيت المقدس عام ١٥ هـ/٦٣٦ م (١):-
حاصرت الجيوش الإسلامية بيت المقدس، فطلب حكامها أن يقدم عليهم عمر بنفسه ليستسلموا له، فقدم إلى الشام، فسلموا له مفتاح بيت المقدس، وصالحهم على الجزية، وصلى بالمسلمين في المسجد الأقصى.
وتم فتح حلب ومنبج وإنطاكيه وحران والرها وباقي المدن صلحًا.
стр. 110
* فتح سواحل بلاد الشام:-
تولى معاوية بن أبي سفيان فتح المدن الساحلية بأمر أبي عبيدة، ففتح صور وصيدا وبيروت وطرابلس. بذا أصبحت بلاد الشام كلها بيد المسلمين وتم طرد الروم منها. وهكذا تم فتح سوريا وفلسلطين.
* * *
* فتح مصر ٢٠ هـ/٦٤٠ م:-
كان لا بد من الزحف لفتح مصر، بعد فتح سوريا وفلسطين، فهي كانت خاضعة للروم، ولن يستقر الأمر للمسلمين إذا لم يتم فتحها، فكان ذلك.
لما فتح عمرو بن العاص فلسطين، استأذن من عمر أن يفتح مصر، فوافق فسار إليها، وعرض الإسلام أو الجزية أو القتال (كما يفعل المسلمون قبل كل قتال) نشب القتال، وانتصر المسلمون، وفُرِضت الجزية عليهم، ثم تقدم المسلمون، وفتحوا الإسكندرية (مقر المقوقس) وكانت عاصمة مصر، وبنوا هناك مدينة الفسطاس (مكان خيمة عمرو بن العاص). وفتحوا بقية المدن وفرضوا الجزية عليها، وهكذا أصبحت مصر تابعة للخلافة الإسلامية.
* * *
* فتح برقة (ليبيا):-
ثم سار عمرو بن العاص غربًا وفتح برقة ثم زويلة، فطرابلس وصبراته وشروس، ومنعه عمر أن يتقدم أكثر من ذلك غربًا.