قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣].
اشتد ظلم فرعون وطغيانه فأمر الله نبيه موسى أن يهاجر بقومه إلى الشام، فلحقهم فرعون وجنوده، فألجأوهم إلى البحر، فضرب موسى البحر بعصاه بإذن الله، فأصبح طريقاً سهلاً فعبر وقومه. وعندما حاول فرعون وجنده العبور عاد ماءً. فغرقوا وأهلكهم الله. وأما موسى ومن معه فقد وصلوا إلى الضفة الأخرى بأمان.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩]. ثم طلب اليهود من موسى طعاماً فأنزل الله لهم المن والسلوى وواصل المسير بهم حتى وصلوا إلى منطقة جبل سيناء.
صعد موسى الجبل وأقام عليه ٤٠ يوماً، حيث كلمه الله وأنزل عليه التوراة والوصايا مكتوبة في ألواح من حجر. ثم عاد إلى قومه فوجدهم يعبدون عجلاً صنعوه من حليهم الذهبية، فغضب غضباً شديداً، وتخلص منه. وأمرهم أن يقتل بعضهم بعضاً عقاباً لهم، بأمر من الله. كما أخبرهم أن الله كتب عليهم التيه والضياع في صحراء سيناء ٤٠ عاماً. وتُوفي هارون ثم موسى خلال هذه الفترة -كما ذكرنا سابقاً-.
стр. 37
* مصر بعد الفراعنة:
بعد هلاك فرعون ضعفت دولة الفراعنة. فاحتل الفرس مصر سنة ٣٠٥ ق. م ثم أخضعها الإغريق بقيادة الإسكندر المقدوني، ثم حكمها البطالمة، وبعدهم الرومان، وانتشرت فيها النصرانية وعرف سكانها بالأقباط، واستمروا كذلك حتى جاءهم الفتح الإسلامي، وأنقذهم من الضلال.
стр. 38
الفصل الخامس
جزيرة العرب
العرب هم الجنس الأول الذي تلقى الإسلام. وحمل ألويته ودعوته. فجدير بنا أن نتعرف عليهم. يطلق مسمى العرب على الأقوام التي عاشت في شبه الجزيرة العربية.
* * *
* وهذه الجزيرة يمكن أن نقسمها إلى قسمين (١):-
- قلب الجزيرة: وهي بادية، وأهم مناطقها نجد.
- دائر الجزيرة: وسكانها حضر، وأهم مناطقها: اليمن جنوباً، وغسان شمالاً، الإحساء والبحرين شرقاً، الحجاز غرباً.
* * *
* أقسام العرب:-
الجنس العربي هو أحد الأجناس السامية، ولعله أكثرها محافظة على خصائص الساميين، واللغة العربية هي أحد اللغات السامية. وقد قسم المؤرخون العرب إلى:-
- عرب بائدة وعرب باقية.
стр. 39
أولاً: عرب بائدة: -
أي المندثرة والفانية. ومنهم عاد وثمود وطسم وجديس وأصحاب الرس وأهل مدين.
* * *
أنبياء الله إلى العرب البائدة هم: -
* هود ﵇: -
أرسله الله إلى قوم عاد وهم عرب، سكنوا في منطقة الأحقاف (حضرموت) وهي أول قبيلة عبدت الأصنام بعد الطوفان، وكانوا أصحاب قوة ومال. فعمروا وشادوا وزرعوا. ثم عتوا عن أمر ربهم، فأرسل لهم هوداً وهو منهم. فكذبوه. قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٥، ٦٦]. كثروا وانتشروا حتى إن قحطان بن عاد وذريته انتشروا في اليمن وعرفوا بـ (عاد الثانية) واستمروا في طغيإنهم وعتوهم حتى أهلكهم الله. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨].
* * *
* صالح ﵇: -
أرسله الله إلى قبيلة ثمود، الذين سكنوا في منطقة العلا (بين المدينة وتبوك)، وقد كانوا بعد هلاك عاد. وهم عرب أيضاً. وعبدوا الأصنام. أرسل الله إليهم نبيه
стр. 40
صالحاً فدعاهم إلى التوحيد، فرفضوا، ثم طلبوا منه سخرية أن يخرج لهم ناقة من صخرة صماء، فحقق الله المعجزة، ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر. فقتلوا الناقة وبعد ثلاثة أيام جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفلهم فأهلكتهم.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١١ - ١٥].
* * *
* شعيب ﵇: -
أرسله الله إلى أهل مدين (أصحاب الأيكة)، وقد سكنوا شمال غرب جزيرة العرب (تبوك وجنوب الأردن)، وكانوا فاسدين عرفوا بقطع الطريق. وإنقاص الكيل والميزان وعبدوا شجرة ضخمة وسط الأيكة، فعرفوا بأصحاب الأيكة.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤].
فاستمروا في تكذيبهم فأباد الله جماعة منهم بعذاب الصيحة، وجماعة أخرى بعذاب يوم الظُّلَّة. قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]. وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤].
من الأمم التي أهلكها الله في جزيرة العرب أهل حضورا (وسكنوا بحضرموت أو اليمامة)
стр. 41
وهم أصحاب الرس. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ [ق: ١٢].
* * *
* ثانياً: عرب باقية: -
وهم الباقون حتى الآن، وهم بنو قحطان وبنو عدنان.
فبنو قَحطان: هم العرب العاربة (العرب الأصليين)، وموطنهم الأصلي جنوب الجزيرة ومنهم ملوك اليمن، والمناذرة والغساسنة، وملوك كنده، ومنهم الأزد (الذين تفرع منهم الأوس والخزرج).
أما بنو عدنان: فهم العرب المستعربة (الذين اكتسبوا اللسان العربي). وهم عرب الشمال، وموطنهم الأصلي مكة المكرمة، وهم ذرية إسماعيل بن إبراهيم، وأهم أبناء إسماعيل عدنان، ومنه انحدرت القبائل العربية:-
إسماعيل
|
عدنان
|
معد
|
نزار
|
• ربيع:
عبد القيس - بكر - تغلب - حنيفة
• مضر:
هوزان - غطفان - تميم - قريش
стр. 42
التاريخ السياسي للعرب (قبل الإسلام): -
كان العرب -كما ذكرنا- بدو وحضر. والفكر السياسي عند البدو يختلف عنه عند الحضر.
* * *
* قبائل البدو: -
البدو عاشوا كقبائل صغيرة متفرقة في الصحاري، ووحدة القبيلة تربط بينها الدم والعصبية. ولم يكن سهلاً قيام ارتباط بين عدد من القبائل لتكوين ممالك، لطبيعة التمرد وعدم الخضوع عند البدو.
* * *
* مملكة كندة (٤٨٠ - ٥٢٩ م):-
وهي المملكة الوحيدة التي قامت في أواسط الجزيرة العربية بين الحكم القبلي. وكانت قصيرة العمر، وأول ملوكها (حجر آكل المرار) وكان تابعاً لملوك حمير في اليمن. واستطاع حفيده الحارث بن عمرو أن يمد نفوذه إلى الحيرة. ثم انهار ملكهم وعادت الحياة القبلية. وينسب امرؤ القيس (أحد شعراء المعلقات الجاهليين) إلى ملوك كنده، وقد حاول إعادة ملك آبائه ففشل.
стр. 43
ممالك الحضر: -
تركزت في ثلاث مناطق: اليمن - الشمال - الحجاز.
١ - ممالك اليمن: -
- مملكة معين " مملكة قتبان: (١٢٠٠ ق. م - ٧٠٠ ق. م)، وهما متعاصرتان تقريباً. وهما أقدم ممالك اليمن. والمعلومات المتوفرة عنهما قليلة.
* * *
- مملكة سبأ: (٩٥٥ - ١١٥ ق. م):-
قامت سبأ على أنقاض معين وقتبان. وانضمت لها حضرموت، وكانت عاصمتها مأرب، وترجع شهرة سبأ إلى سببين هامين هما:-
أ - ملكة سبأ (بلقيس) وقصتها مع النبي سليمان (سورة النمل).
ب - سد مأرب العظيم الذي كانت نتيجته أن كثر الرخاء باليمن وعمت الخيرات. ثم ضعف هذا السد وانهار أخيراً. فكان سيل العرم. فهاجر كثير من السكان إلى الشمال، وآذن ذلك بسقوط سبأ، وقيام حمير.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ... ﴾ الآية [سبأ: ١٥، ١٦].
* * *
- مملكة حمير: (١١٥ ق. م - ٥٠٠ م):-
قامت بعد انهيار نفوذ مملكة سبأ. واتخذت ظفار عاصمة لها. وكان ملوكها يلقبون بالتبابعة. وقد خلفت سبأ وحمير آثاراً تدل على العظمة والرقي.
стр. 44
ضعفت هذه الدولة في أواخر عهدها، مما أدى إلى احتلال اليمن من قبل الروم ثم الفرس.
سيطرة الروم على اليمن:-
خَير (ذو نواس) ملك حمير الذي اعتنق اليهودية خير المسيحيين في نجران بين اعتناق اليهودية أو الموت، فاختاروا الموت، فحفر لهم أخدوداً وأحرقهم فيه. قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٤ - ٦]. ففر بعضهم، واستنصروا بحاكم الحبشة المسيحي (النجاشي) الذي طلب مساعدة قيصر الروم (حامي المسيحية) والذي أرسل السفن والسلاح، فاستطاع النجاشي إخضاع اليمن بواسطة قائده (أرياط)، الذي سرعان ما تمرد عليه (أبرهة) أحد مساعديه، فقتله، وأصبح هو حاكم اليمن، وكان ذلك في زمن عبد المطلب بن هاشم (جد الرسول محمد ﷺ ).
* * *
سيطرة الفرس على اليمن:-
ثم فر أحد أولاد ملوك حمير واسمه (سيف بن ذي يزن) إلى فارس، وطلب نجدتهم لإخراج الأحباش من بلاده، فاستجاب الفرس، فقدموا وانتصروا على الروم، ثم أمر كسرى أن يتوج سيف ملكاً على اليمن. وبعد مقتل سيف، أرسل كسرى (وهرز) ليكون حاكماً لليمن تابعاً للفرس، وبعد وهرز حكم أبناؤه وأحفاده. وعند بعثة محمد ﷺ كان حاكم اليمن الفارسي (باذان) وهو من ذرية وهرز، وقد دخل باذان في الإسلام عندما دُعِيَ إليه.
стр. 45
٢ - ممالك شمال الجزيرة: -
أ - مملكة الانباط (٤٠٠ ق. م - ١٠٥ م):-
هم قبائل بدوية. استقروا جنوب سوريا. وامتدت مملكتهم من غزة شمالاً حتى العقبة جنوباً، فاتخذت موقعاً هاماً في طريق التجارة بين الشمال والجنوب. وكان لها إتاوة على التجارة الصاعدة والهابطة. وعاصمة الانباط مدينة (البتراء).
بلغت غاية مجدها في القرن الأول الميلادي. حيث امتد نفوذها إلى دمشق، وامتدت جنوباً حتى مدائن صالح (ولهم آثار معمارية عظيمة هناك حتى الآن). وأشهر ملوكهم: الحارث الثالث، وعبيدة الثاني. استولى عليها الرومان سنة ١٠٥ م.
* * *
ب - مملكة تدمر:-
وهي عريقة في القدم. وقد ورد لها ذكر قبل الميلاد بأكثر من ألف عام، وبلغت ذروة مجدها في القرن الثاني والثالث الميلادي. وكان لها موقع تجاري واستراتيجي هام بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وكانت مرتبطة بالرومان. لذا خاضت حروباً مدمرة ضد الفرس، وانتصرت فيها انتصارات مؤزرة، وذلك في عهد ملكهم (أذينة) الذي بسط نفوذه على سوريا كلها، ثم تولت بعده زوجته زنوبيا (الزباء)، التي تحدت الروم. وخاضت معهم صراعات عنيفة، إلى أن هزمت، ودمرت مملكتها. وقد عبد الأنباط والتدمريون الأوثان وقوى الطبيعة.
стр. 46
ج - مملكة الحيرة:-
هم من عرب اليمن المهاجرين قامت مملكتهم في شمال الجزيرة (جنوب العراق) تابعة للفرس، تحميهم ويحمونها وأشهر ملوكهم: عمرو بن عدي والنذر بن ماء السماء والنعمان بن المنذر، وبعد النعمان عين كسرى أياس بن قبيصة على الحيرة. وأشرك معه رجلاً فارسياً، وفي هذا العهد قدم المسلمون وفتحوا الحيرة بقيادة خالد بن الوليد سنة ١٢ هـ/٦٣٣ م فصالحهم أياس على الجزية، ثم دخلوا في الإسلام بعد ذلك.
* * *
د - مملكة غسان:-
هم من عرب اليمن الهاجرة بعد انهيار سد مأرب - مثل مناذرة الحيرة - وقد استقروا ببادية الشام، فأصبحوا تابعين للروم يحمونها من هجمات العرب. وكان الحكم في البداية لقبيلة (الضجاعمة) وأشهر ملوكهم: زياد بن الهيولة. ثم حكمت قبيلة بني جفنة واتخذوا دمشق عاصمة لهم، ومن أشهر ملوكهم: الحارث بن جبلة، والمنذر بن الحارث، وجبلة بن الأيهم، وهو آخر ملوك الغساسنة، وفي عهده دخل المسلمون بلاد الشام، ويقال أن جبلة أسلم ثم ارتد وهرب إلى الروم في عهد عمر بن الخطاب.
الأهمية الحضارية للمناذرة والغساسنة:-
أهم دور لعبته هاتان الملكتان هو أنهما كانتا جسراً عبرت عليه ألوان من حضارة الفرس والروم إلى الجزيرة العربية.
وأهم هذه الألوان الحضارية: الأديان وضرورب من المعارف العامة، والفنون الحربية وغيرها.
стр. 47
٣ - الحجاز: -
الحجاز هو الموطن الأول للدعوة الإسلامية، فيه ولد الرسول ﷺ ونشأ، وهو منزل الوحي، ومشرق النور، ومن الحجاز انطلقت صيحة الإصلاح ودعوة الإسلام. وقد نقل الإسلام الحجاز من مكان عربي إلى مكان إسلامي عالمي.
نشأة مكة (وقصة إسماعيل ﵇:-
كما ذكرنا سابقاً - قدم إبراهيم بزوجه هاجر وابنه إسماعيل، وتركهما في مكة وقد كانت صحراء قاحلة وكان الله قد أمره بذلك، ودعا إبراهيم ربه أن يجعل مكة دار أمان وعمار.
تدفقت بئر زمزم. ومرت قبيلة جرهم اليمنية حول مكة، فسمحت لهم هاجر بسكناها، ونشأ إسماعيل بينهم وتعلم لغتهم العربية، ثم تزوج منهم، وكان إبراهيم يزورهم بين حين وآخر.
وفي إحدى الزيارات أمره الله بذبح إبنه إسماعيل، فاستسلما لأمر الله وعند التنفيذ فداه الله بكبش عظيم. وكان ذلك ابتلاء من الله، ثم قاما ببناء الكعبة تنفيذا لأمر الله. وبعث الله إسماعيل رسولاً لقبيلة جرهم ومن حول مكة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨].
بعد إسماعيل تغلبت جرهم على مكة فحكمتها، ثم أفسدت فيها، ثم خضعت
стр. 48
مكة لخزاعة وهم من اليمن أيضاً، وكان بنو إسماعيل على الحياد. ودخلت عبادة الأصنام إلى مكة في أيام خزاعة، ادخلها زعيمهم عمرو بن لحي حيث جلبها من الشام فعبدها. ثم عبدها أهل مكة.
تكاثر بنو إسماعيل ومنهم كنانة (وقريش فرع من كنانة) فاستطاع سيدهم قصي بن كلاب (الجد الرابع للرسول ﷺ ) أن يطرد خزاعة من مكة ويتزعمها، فأصبحت سيادة مكة لقريش، وحكمها بعده ابنه عبد مناف، وتقاسم الزعامة من بعده أبناؤه هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل.
وكان عبد المطلب بن هاشم (جد الرسول محمد ﷺ ) هو سيد مكة يوم حاول أبرهة غزوها فرده الله. وعرف هذا العام بعام الفيل، وهو عام مولد الرسول ﷺ في ٧٥٠ م/٥٢ ق. هـ.
* * *
عام الفيل ومحاولة هدم الكعبة: -
بنى أبرهة الأشرم (حاكم اليمن الحبشي) كنيسة ضخمة مزخرفة في صنعاء وأسماها (القليس) ودعا الناس للحج إليها بدلاً من الكعبة (لأسباب دينية وسياسية واقتصادية) ففشل فشلاً ذريعاً (ولم يحج إليها أحد) فغضب وقرر هدم الكعبة، فسار إليها على جيش ضخم تتقدمه الأفيال. ولم يتصدى له أحد. وعندما دخل مكة وهم بهدم الكعبة أهلكه الله وجيشه. والقصة مذكورة في سورة الفيل.
وكانت حادثة الفيل كبيرة الأهمية عند لعرب، فأخذوا يؤرخون بها، وهو العام الذي ولد فيه الرسول ﵇.
стр. 49
اقتصاديات العرب: -
أهم مصادر الثروة عند العرب ارتبطت بالتجارة، وقد اشتهر العرب في الجاهلية بالتجارة شهرة واسعة.
وكانت التجارة عند قريش عصب الحياة، وقد ورد في القرآن ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ١، ٢]. وكانت رحلة الشتاء إلى اليمن. ورحلة الصيف إلى الشام.
* * *
زمن الفترة: -
نلاحظ أن الرسالة انقطعت عن الجزيرة العربية مدد طويلة (من زمن إسماعيل إلى بعثة الرسول ﷺ ، وانقطعت عن العالم عموماً منذ أن رفع الله عيسى حوالي عام ٦١٠ ق. هـ/٣٣ م.
وسميت هذه المدة زمن الفترة (فترة انقطاع الرسل).
فتخبط المجتمع أيما تخبط. وكان بأشد الحاجة إلى نبي، يعيده إلى الحق والصواب، وخاصة بعد أن حرفت الديانات السماوية، وضاعت فكانت رسالة محمد ﷺ إلى البشر كافة.
* * *
موجز التاريخ القديم (قبل الإسلام): -
- خلق الله البشر وبعث الرسل، لعبادته، وإقامة شريعته في الأرض.
- وكان آدم هو أول البشر وأول الأنبياء.
- تتابعت الحضارات وتوالى الأنبياء والرسل وأقدم الحضارات ظهرت في العراق ومصر والشام وجزيرة العرب.
стр. 50
- أهم حضارات العراق: السومرية، الأكادية، العيلامية، البابلية، الآشورية، والكلدانية. وأنبياء هذه البلاد: نوح وإبراهيم ويونس ﵈.
- وأهم حضارات الشام: العمورية، الفينيقية، الكنعانية، الآرامية، ثم حضارة الأنباط وتدمر، ثم الغساسنة والمناذرة.
وأغلب الأنبياء والرسل ظهروا في بلاد الشام، فمنهم: لوط، إسحاق، يعقوب، أيوب، اليسع، يس، إلياس، داود، سليمان، زكريا، يحيى وعيسى ﵈، وهم من بني إسرائيل وأرسلوا إليهم وإلى غيرهم.
- وقامت في مصر الحضارة الفرعونية وحضارة الهكسوس، وظهر فيها من الأنبياء يوسف، موسى ﵉.
- وظهر في جزيرة العرب قوم عاد وثمود وأهل مدين، وحضارات اليمن (معين، سبأ، حمير قتبان) والقبائل المهاجرة بعد انهيار سد مأرب، والأحباش وذرية إسماعيل بن إبراهيم. وأنبياء جزيرة العرب هم: هود، صالح، شعيب، إسماعيل ﵈.
- وظهرت حضارات أخرى وسادت على وجه الأرض كحضارة الفرس ثم الإغريق ثم الرومان.
* * *
* النتيجة:-
معظم هذه الممالك والجماعات كذبت برسلها، وتمادت في غيها وانحرافها، وما آمن إلا قليل. ثم بعث الله آخر رسله (محمد ﷺ ) إلى البشر كافة في جميع أصقاع الأرض وعلى يديه كانت هداية البشرية الضالة.
مقدمة
وصل البشر في فترة انقطاع الرسل (بين عيسى ومحمد) إلى درجة كبيرة من التخبط والضياع، فكانت رسالة محمد ﷺ ، وهي جامعة الرسالات وخاتمتها، وناسخة لما قبلها، وكانت لبني البشر كافة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وهي لكل زمان ومكان، لذا لا بد أن يكون صاحبها على درجة تؤهله لحمل هذه الرسالة، فاختاره الله بمميزات خاصة.
مميزات محمد ﷺ - (١):-
١ - اختاره الله من العرب وهي أمة وسط، وجعله في قريش أفضل قبائل العرب، وجعل نسبه في أشرف قريش (بنو هاشم).
٢ - بلاده في موقع وسط، يمكن أن تنطلق منها الدعوة إلى جميع الجهات.
٣ - اختاره الله من أمة قل أنبياؤها، لتكون له قيمة عظيمة.
٤ - بعثه الله على فترة متباعدة من الرسل، لتتهيأ له النفوس، وتنتظره. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩].
٥ - أخبر الله في الكتب السماوية بمبعث محمد.
стр. 53
٦ - اختاره الله من شعب أقرب إلى البداوة التي لم تفسده المدنية والحضارة.
٧ - اختاره الله من شعب أمي، لم يعرف الفلسفة والمعارف والعلوم.
٨ - جعل الله سيرته معروفة تماماً بكل تفاصيلها، حتى يكون قدوة لغيره.
٩ - سيرته جامعة تشمل جميع نواحي الحياة.
١٠ - سيرته عملية، وواقعية، ويستطيع الناس ممارستها في كل زمان ومكان.
стр. 54
الفصل الأول
النشأة الشريفة
* فترة الطفولة: -
نسبه ﷺ : هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (قريش) بن مالك بن النضر بن كنانه. من ولد نزار بن معد بن عدنان وهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، وأمة آمنة بنت وهب الزهرية القرشية.
مولده: ولد في مكة، في عام الفيل حوالي عام ٥٧٠ م/٥٢ ق. هـ وهو نفس العام الذي حاول فيه أبرهة حاكم اليمن هدم الكعبة فأهلكه الله وجنده بالطير الأبابيل التي رمتهم بحجارة من سجيل، والقصة في سورة الفيل.
تُوفي أبوه وهو جنين لم يخرج للدنيا بعد، وبعد مولده سماه جده عبد المطلب محمداً، أخذته حليمة السعدية إلى مضارب بني سعد وتولت رضاعته، ثم توفيت والدته قبل أن يكمل ست سنوات.
لقد شاء الله فيما يبدو أن يتولى هو تربية محمد، وأن ينزعه من أسرته ليصبح
стр. 55
في رعاية الله تمهيداً للأسرة الكبيرة التي سيكون محمد زعيمها. وقد عبر القرآن عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦]. وقال الرسول ﷺ عن نفسه: " أدبني ربي فأحسن تأديبي ".
رعاية جده عبد المطلب: هو من سادات قريش. وهو الذي أعاد حفر بئر زمزم، ونازعته قريش، فعز عليه ذلك، ونذر إن رزقه الله بعشرة بنين وبلغوا أن يمنعوه أن ينحر أحدهم لله، فلما تحقق ذلك، وقع الاختيار على عبد الله (والد الرسول ﷺ )، فأراد التنفيذ، فمنعته قريش، واقترع إبلاً بدلاً من عبد الله حتى وصل عددها إلى المائة فنحرها وفدى عبد الله، فكان الرسول ﷺ يقول عن نفسه: " أنا ابن الذبيحين " عبد الله وإسماعيل.
تولى جده رعايته حتى بلغ الثامنة، فتُوفي، فتولى عمه أبو طالب رعايته.
رعاية عمه: تولى رعايته منذ الثامنة من عمره، وإلى السنة العاشرة من البعثة. وكان عمه قليل المال، كثير العيال، فعمل راعياً ليساعده، قال الرسول ﷺ : " ما بعث الله نبياً قط إلا رعي الغنم، فقالوا: وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " (١).
لما بلغ الثانية عشر من عمره خرج به عمه إلى الشام في تجارة، فرآه بحيرا (الراهب) وأمر عمه أن لا يقدم به إلى الشام خوفاً عليه من اليهود، حيث سيكون له شأن عظيم، فأعاده وازداد حرصه عليه. واستمر محمد ﷺ بعدها في رعي الغنم.
стр. 56
* مرحلة الشباب: -
شارك مجتمعه في الأمور العامة:
١ - حروب الفجار:-
جرت بين قريش وقيس في الأشهر الحرم، وشارك بها وهو في سن العشرين.
٢ - حلف الفضول:-
تعاهدت فيه قريش ألا تجد بمكة مظلوماً إلا نصروه، واشترك مع عمومته في ذلك الحلف.
٣ - التجارة والزواج:-
لما بلغ الخامسة والعشرين، خرج إلى الشام في تجارة لخديجة وبعد عودته طلبته للزواج، لما رأت فيه من رجولة وصدق وأمانة، فتزوجها، فهي أول زوجاته، وأم أبنائه، وأول امرأة أسلمت، ولم ينكح عليها غيرها في حياتها، أمره جبريل: " أن يقرأ ﵍ من ربِّها ، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب " ولها فضائل كثيرة ﵂.
* * *
٤ - تحنثه في غار حراء:-
حبب إليه ﷺ الخلاء فكان يكره أوثان قومه، فيخلو بغار حراء يتعبد ويتفكر في هذا الكون، أنبته الله نباتاً حسناً فكان أفضل قومه في خلقه حتى أطلقوا عليه: " الصادق الأمين ".
стр. 57
٥ - سلوكه ﷺ وأخلاقه:-
وقد عُرف محمد ﷺ في جميع مراحل حياته بالخلق الطيب والبعد عن الشبه والخمر ومجالس اللهو. تقول عائشة ﵂: " كان خلقه القرآن ".
* * *
٦ - بناء الكعبة:-
لما بلغ الخامسة والثلاثين، قامت قريش ببناء الكعبة من جديد لما تضعضعت فتجزأتها القبائل بينها، فبنوا حتى بلغوا موضع الحجر الأسود، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد رفعه إلى موضعه، ثم اتفقوا أن يحكموا بينهم أول داخل إلى المسجد، فكان محمد ﷺ ، فأمر بإحضار ثوب، وأن ترفع كل قبيلة بناحية، ففعلوا، حتى إذا بلغوا موضعه، أخذه ووضعه بيده الشريفة، وبنى عليه، وكان ينقل معهم الحجارة.
* * *
٧ - ديانة أهل مكة:-
كانوا يعبدون الأصنام وكان يعبدها معظم سكان جزيرة العرب، وأول من أدخلها إلى مكة هو عمرو بن لحي الخزاعي عندما كانت خزاعة تحكم مكة، وقد أحضرها من الشام، فعبدها أهل مكة، ثم عبدتها العرب، ولم يبق من دين إبراهيم سوى تعظيم البيت.
стр. 58
الفصل الثاني
البعثة
بدء الوحي:-
قالت عائشة ﵂: " أول ما بدأ برسول الله من الوحي: الرؤيا الصادقة، فلا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ". جاءه جبريل وهو يتحنث بالغار، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فكررها. ثم قال في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ... ﴾ الآية [العلق: ١ - ١٩]. فرجع إلى خديجة مسرعاً يرجف فؤاده وهو يقول: زملوني .. زملوني. فطمأنته، وأكدت له أن ربه لن يخذله لكرم خلقه، وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية. فأخبراه. فقال: " هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى. ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك ". كان ذلك في رمضان ١٣ ق. هـ. انقطع الوحي ٤٠ يوماً، فحزن الرسول ﷺ ، ثم عاد إليه جبريل جالساً على كرسي بين السماء والأرض في هيئته الحقيقة، فارتعب ﷺ ، وعاد إلى خديجة وهو يقول: " دثروني. . دثروني. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ ... ﴾ السورة. فتتابع الوحي بعدها (١).
стр. 59
أنواع الوحي وتدرج الرسالة:-
على شكل رؤيا أو الإلقاء في الروع، أو يتمثل له رجلاً فيخاطبه أو يأتيه مثل صلصلة الجرس (وهو الأشد عليه)، أو على صورته الحقيقية (وهذا حصل مرتين)، وما أوحى الله إليه فوق السموات ليلة المعراج (١).
وقد تدرجت الرسالة، فنبأه الله بـ (اقرأ) ثم أرسله بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فأمره أن ينذر أقاربه، ثم قومه، ثم العرب ثم العالمين.
* * *
مراحل الدعوة
* الدعوة في مكة:-
المرحلة السرية (الفردية):-
كان أول من آمن به من الرجال صاحبه أبو بكر الصديق، ومن النساء زوجه خديجه بنت خويلد، ومن الصبيان علي بن أبي طالب. ومن الموالي زيد بن حارثة. استمرت هذه المرحلة ثلاث سنين. كان الرسول ﷺ يجتمع بالمؤمنين في دار الأرقم بن أبي الأرقم يعلمهم أمور دينهم، وبدأت عداوة قريش فحمى الله رسوله ﷺ بعمه أبي طالب. وأما أصحابه فمن له عشيرة أو جيرة حمته، وأما الآخرين فقد تعرضوا لأشد أنواع العذاب فكان أمية بن خلف يلقي عبده بلال على رمضاء مكة في شدة الحر، ويقول له اكفر. فلا يزيد أن يردد: أحدٌ .. أحدٌ. وكان أبو جهل يسوم عمار ووالديه سوء
стр. 60
العذاب حتى قتل أمه سمية، فكانت أول شهيدة في الإسلام. وكان الرسول ﷺ يقول لهم: " صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ". وكان أبو بكر يشتري العبيد المعذبين فيعتقهم، فأعتق بلالاً، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، وغيرهم.
* * *
الدعوة الجهرية (العامة):-
أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. فصعد الرسول ﷺ إلى الصفا ودعا جماعته، فقال: " أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي، قالوا: نعم. ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ثم دعاهم إلى الإيمان بالله. فقال عمه أبي لهب: تباً لك. ألهذا جمعتنا؟، فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... ﴾ السورة [المسد: ١ - ٥]. أخذ الرسول ﷺ يدعو أقاربه وجماعته. ثم أنزل الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. فدعا الناس عامة.
* * *
مقاومة قريش للدعوة:-
أسباب المقاومة:
- كان الصراع في الجزيرة يدور لأتفه الأسباب. وظهور دين جديد يهاجم معتقداتهم سبب وجيه لمحاربته.
- لم تفرق قريش بين النبوة وبين السيادة والملك. وظنوا أن الدين الجديد يسلم الزعامة لمحمد ﷺ .
стр. 61
- ولأن الإسلام ساوى بين السادة والعبيد وهذا ما لم يتقبلوه.
- إنكار البعث. حيث أنكروا أن تعاد الحياة للإنسان فيحاسب على أعماله.
- تقليد الآباء. فقد قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤].
- كما ظن أهل مكة أن الكساد سيصيبهم. إذا بطلت عبادة الأصنام وأعرض الحجيج عن مكة (١).
رأت قريش في دعوة محمد ﷺ غير ما توقعت، فقد بدأت الدعوة تنتشر بين مختلف الفئات والطبقات، فبدأت تشن عليه حرباً شاملة، فكان الرسول ﷺ يدعو الناس في الأسواق والمنازل والأندية والمواسم، ويغتنم موسم الحج فيدعو القبائل. فكانت قريش توجه وراءه من يقول عنه أنه مجنون وساحر. فكان يلقى الصد ممن يدعوهم. اشتد أذى الكفار على أصحاب النبي ﷺ فقال لهم: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد " فكانت الهجرة إلى الحبشة.
* * *
الهجرة الأولى إلى الحبشة (٢):-
وكانت في السنة الخامسة من البعثة. وكانوا عشرة رجال وخمسة نسوة. وكان أميرهم عثمان بن مظعون.
ولقوا هناك حسن المعاملة، وأقاموا عدة شهور، ثم عادوا
إلى مكة، لما سمعوا أن قريش أسلمت، فعادت قريش إلى أذاهم.
стр. 62
إسلام حمزة بن عبد المطلب (عم الرسول ﷺ ):-
أسلم في السنة السادسة من البعثة، حيث علم بعد عودته من رحلة صيد، أن أبا جهل شتم محمداً، فذهب إليه غاضباً، وشج وجهه بقوسه وقال له: تشتم ابن أخي وأنا على دينه. لما أسلم حمزة عرفت قريش أن محمداً ﷺ عزَّ، فقد كان حمزة أعزَّ فتًى في قريش.
* * *
إسلام عمر بن الخطاب:-
أسلم في نفس العام، وكان الرسول ﷺ قد دعا: " اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك " عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام (أبو جهل)، وبعد إسلامه صار المسلمون يصلون ويطوفون حول الكعبة.
* * *
طلب المعجزات:-
كان الكفار يطلبون منه المعجزات والآيات لتعجيزه ﷺ ، فمن ذلك طلبوا منه شق القمر، فتحقق ذلك فقالوا: سحر. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١، ٢]. وسألوه أن يجعل الصفا ذهباً، قال تعالى على لسانهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. وهذه لم تتحقق لحكمة أرادها الله. فلو
стр. 63
أنها تحققت ثم كذبوا بها، لأتاهم عذاب الاستئصال كما حصل للأمم السابقة.
وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب، يسألونهم عن أمره. قالت لهم اليهود: سلوه عن الروح، وعن رجل طواف، وعن أهل الكهف. فنزلت سورة الكهف وفيها الإجابة. واستمر العناد والضلال.
* * *
قول الوليد بن المغيرة في القرآن:-
استمع إليه فقال عنه: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر. وإن أسفله لمغدق ... الخ، وقال ما هو بمجنون، ولا كاهن، ولا شاعر، هو ساحر، فأنزل الله ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦].
كانوا يعلمون صدقه ونبوته، ولكنهم كفروا حجوداً. قال أبو جهل: تنازعنا وبنو عبد مناف الشرف، وكنا كفرسي رهان. فقالوا: منا نبي. فمتى ندرك هذا. والله لا نسمع له أبداً.
* * *
صور من أذى الكفار للنبي ﷺ :-
أخذت قريش تفكر في كل وسيلة للتخلص منه، حتى إنهم جاءوا إلى عمه أبي طالب بعمارة بن الوليد، وهو أحسن فتيان قريش. فقالوا: خذه وادفع إلينا محمد نقتله. فرفض بكل شدة. فهددوا بالحرب إن لم يفعل. فبعث إلى الرسول ﷺ ، وأخبره بأمرهم، ونصحه بالكف عنهم. فقال الرسول ﷺ : " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه "، فقال له عمه: والله لا أسلمك أبداً.
стр. 64
حصار بني هاشم في الشعب:-
اجتمع بنو هاشم على نصرة محمد، فقررت قريش مقاطعتهم، فلا بيع، ولا شراء، ولا زواج، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، فدخل بنو هاشم شعب أبي طالب. ولبثوا ثلاث سنين حتى اشتد عليهم البلاء، حتى أنهم أكلوا من أوراق الشجر، ثم اتفق نفر من قريش على وجوب نقض الصحيفة فواجهوا بذلك قريشاً، وبعث الله (الأرضة) على الصحيفة فأتت عليها ولم تدع إلا: (باسمك اللهم) وأخبر الله رسوله ﷺ بذلك فأخبر عمه. فأخبر قريشاً واشترط عليهم إنهاء الحصار إذا كان الأمر كذلك، فأخرجوها، ووجدوا كما أخبر، فانتهي الحصار، وعادوا إلى مكة.
* * *
الهجرة الثانية إلى الحبشة وإسلام النجاشي:-
لما دخل بنو هاشم في الشعب طلب الرسول ﷺ من المستضعفين الهجرة، فهاجروا بأمرة جعفر بن أبي طالب، وكانوا ٨٣ رجل و١٩ امرأة. وأرسلت قريش برسالة وهدايا ورسل إلى النجاشي تطلب ردهم فاستمع إلى دفاعهم، فاقتنع أنهم أصحاب حق ورفض ردهم. وكتب الرسول ﷺ إلى النجاشي يدعوه للإسلام فأسلم.
* * *
وفاة خديجة ﵂ وأبي طالب:-
كانت وفاتهما، بعد انتهاء الحصار بأشهر (في السنة العاشرة من البعثة)، وقد حزن الرسول ﷺ حزناً شديداً لذلك. واشتد أذى قريش للرسول بعد ذلك؛ إذ كانا يحميانه من كل أذى. وكان أشد قريش إيذاء للرسول ﷺ عمه أبي لهب وامرأته، وأبو جهل، وعقبة بن أبي معيط. وكان أذاهم يصل إلى درجة ضرب الرسول ﷺ وإلقاء القاذورات عليه أثناء صلاته.
стр. 65
خروجه ﷺ إلى الطائف:-
أخذ الرسول ﷺ يفكر في قاعدة تحمي هذا الدين، فخرج إلى الطائف ودعاهم، فرفضوا وآذوه أشد الإيذاء، وأغروا به سفهائهم، فسبوه ورموه بالحجارة حتى دميت قدماه، فلجأ إلى حديقة لشيبة وعتبة ابني ربيعة، ثم خرج من الطائف فأرسل الله إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الجبلين على أهل مكة، فرفض، وقال: " بل استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً ".
* * *
الجن تؤمن برسول الله ﷺ (١):-
عندما صار الرسول ﷺ بمنطقة نخلة (وادي بين مكة والطائف) قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن فاستمعوا إلى تلاوته، فلما فرغ من صلاته، ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. وأنزل الله في ذلك سورة الجن.
* * *
حادثة الإسراء والمعراج:-
أُسري به ﷺ إلى بيت المقدس راكباً على البراق، يصحبه جبريل، وصلى بالأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - إماماً، ثم عُرج به إلى السموات، فقابل الأنبياء. ثم صعد إلى سدرة المنتهي، ثم إلى البيت المعمور ورأى جبريل على صورته، وكلمه ربه وأعطاه ما أعطاه. وفرض الصلاة على أمته. فلما أصبح في قومه وأخبرهم، اشتد تكذيبهما فوصف لهم بيت المقدس.
стр. 66
وأخبرهم عن عير لهم في الطريق. فأبى الظالمون إلا كفوراً. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١ - ١٨].
وهذه الحادثة تعتبر تكريم للرسول، وتخفيف معاناة أذى الكفار عنه، وقد تعددت الروايات حول هذه الحادثة.
والذي نراه هو ضرورة أن نؤمن بالإسراء والمعراج بصورتها الإجمالية الواردة في القرآن، دون الدخول في التفصيلات.
* * *
موافاة المواسم:-
يئس الرسول ﷺ من إيمان قريش، فبدأ يذهب إلى المواسم التي تقام في الأسواق مثل عكاظ وذي مجنه وغيرها فيعرض نفسه على القبائل، ويدعوها إلى الله وإلى نصرة دينه، وكذلك يعرض نفسه في مواسم الحج. وكانت قريش تحذر هذه القبائل.
* * *
بيعة العقبة الأولى:-
كان الأوس والخزرج (سكان يثرب) سمعوا من اليهود بخروج نبي في هذا
стр. 67
الزمان. فلما رأوه في الموسم عرفوا أنه المقصود. فلقيه ستة من الخزرج وأسلموا على يده ﷺ ، ثم رجعوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام. وفي العام المقبل، قدم منهم ١٢ رجلاً وامرأة واحدة، فبعث الرسول ﷺ معهم مصعب بن عمير ليعلمهم القرآن والإسلام، فأسلم على يديه أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ سيدا الأوس. وبعد فترة لم تبق داراً في المدينة إلا وفيها مسلمون، وقرروا دعوة الرسول ﷺ إلى المدينة ونصرته في الموسم المقبل.
* * *
بيعة العقبة الثانية وهجرة المسلمين إلى المدينة:-
قدموا إليه، فقال لهم: " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ولكم الجنة "، فبايعوه جميعاً ودعوه ﷺ للهجرة إلى المدينة وكانوا ٧٣ رجل وامرأتين، ثم عادوا إلى المدينة.
أذن الرسول ﷺ للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا جميعاً فلم يبق إلا الرسول ﷺ ومعه أبو بكر وعلي. وهو ينتظر إذن الله.
* * *
عوامل ساعدت على دخول الإسلام إلى يثرب:-
وقبل الحديث عن هجرة الرسول ﷺ نقف وقفة صغيرة. لننظر للظروف التي ساعدت على دخول الإسلام إلى يثرب. ويبدو أن أهمها:-
- عرب يثرب كانوا أقرب العرب إلى الأديان السماوية لكثرة ما سمعوا من مجاوريهم اليهود.
- كان يهود المدينة يهددون العرب بقرب ظهور نبي وأنهم سيتَّبعونه ويبيدونهم، لذا كان العرب الأسرع إلى إتباع هذا النبي ﷺ .
- كان عرب المدينة (الأوس والخزرج) على عداء فكانت كل فئة تسارع إلى الإسلام لتقوى به على الأخرى.
стр. 68
الفصل الثالث
الهجرة وبناء الدولة الإسلامية
التآمر على قتل الرسول ﷺ :-
انزعجت قريش من هجرة المسلمين وخافت أن ينضم محمد إلى أتباعه. فيقيم لهم مركزاً حصيناً هناك، فاجتمعت قريش في دار الندوة، وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد وتشاورت في قتل الرسول ﷺ . فأشار أبو جهل باختيار شاب من كل قبيلة من قريش ومعه سيف ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل وتقبل بنو عبد مناف الدية. فقبلوا وهنأه إبليس. فيحكي الله خبر هذه المؤامرة فيقول: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
* * *
مراحل الهجرة إلى المدينة:-
الخروج من مكة:-
جاء جبريل وأخبر النبي ﷺ بما اتفق عليه القوم، وأمره بالهجرة تجمع الكفار حول بيته، فخرج إليهم ﷺ وذر التراب على رؤوسهم فغشيوا. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩].
стр. 69
ذهب الرسول ﷺ إلى أبي بكر ﵁ وخرجا معاً. ونام عليٌّ ﵁ مكانه ﷺ فلما استيقظ الكفار دخلوا فوجدوا عليًّا ﵁. مضى الرسول ﷺ وصاحبه إلى غار ثور، وجدَّت قريش في طلبهما، حتى وصلوا إلى باب الغار. فقال أبو بكر: لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، قال الرسول ﷺ : " ما ظنك باثنين الله ثالثهما. لا تحزن إن الله معنا ". قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
كان عبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة يأتيانهما بالأخبار. وأسماء بنت أبي بكر تأتي بالطعام والشراب، ولبثا في الغار ثلاث أيام ثم سارا إلى المدينة.
* * *
قصة سراقة بن مالك:-
جعلت قريش لمن يأتي بالرسول ﷺ مائة ناقة، فجد الناس في طلبه، وكان منهم سراقة، وكان قصاص أثر، فوجد الرسول ﷺ ولما اقترب منهم، دعا عليه الرسول ﷺ فغاصت قدما فرسه في الأرض. وتكرر ذلك، فقال: " إن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي ولكما أن أرد الناس عنكما "، فدعا له الرسول ﷺ . ووعده حينها بسواري كسرى، (وتحققت له هذه النبوءة بعد فتح فارس).
* * *
قصة أم معبد:-
مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، ولم يكن عندها طعاماً أو شراباً. فمسح الرسول ﷺ بيده ضرع شاةٍ عازبة مريضة جاهدة، فتدفقت حليباً فسقاهم وشرب، ثم واصلوا السير.
стр. 70
دخول الرسول ﷺ إلى يثرب (سنة ١٣ من البعثة، ١ هـ، ٦٢٢ م):-
كان الأنصار وهم الأوس والخزرج يترقبون وصول الرسول ﷺ بشوق. ولما وصل خرجوا إليه فرحبوا به فما فرحوا بشيء كفرحهم به. نزل الرسول ﷺ بقباء خمسة أيام. فأسس مسجد قباء وهو أول مسجد أسس بعد النبوة. ثم ركب نحو يثرب، وواصل، والقبائل تأخذ بخطام راحلته، وهو يقول: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " حتى بركت في موضع بني النجار، فنزل عند أبي أيوب، وأقام عنده.
* * *
التسمية الجديدة ليثرب والتأريخ بالهجرة:-
أصبحت يثرب منذ ذلك اليوم تعرف بالمدينة، وأصبح العام الذي هاجر فيه الرسول ﷺ بدءاً للتاريخ الإسلامي، أو التاريخ الهجري. وتؤكد أكثر الروايات أن عمر بن الخطاب هو أول من أرخ بالهجرة بشكل رسمي ثابت. وكان ذلك في زمن خلافته.
* * *
وضع أسس المجتمع الإسلامي:-
لم يقم المسلمون مجتمعاً إسلامياً في مكة. لكونهم قلة مغلوبة، وبدأ الرسول ﷺ في المدينة بوضع هذه الأسس العظيمة لخير مجتمع يترقبه التاريخ.
وأهم أسس هذا المجتمع الجديد:-
١ - بناء المسجد النبوي:-
بركت الناقة عند موضع المسجد، فأمرهم ببنائه، وبنى معهم، وكان ينقل اللبن والحجارة بنفسه، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل عُمده الجذوع، وسقفه الجريد، وبنى حُجَر أزواجه ﷺ إلى جانبي المسجد، فلما انتهي بنى بعائشة ﵂ في شوال، وعرفت
стр. 71
يثرب يومها بمدينة الرسول أو المدينة المنورة. وكان المسلمون يلتقون في هذا المسجد للعبادة والتعلم والقضاء والبيع والشراء والاحتفالات، وكان عاملاً كبيراً في التقريب بينهم.
* * *
٢ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:-
آخى النبي ﷺ بينهم، فاقتسموا البيوت والنساء والأموال، وكانت لهذه المؤاخاة قوة أخوة النسب، وبهذه المؤاخاة خلق الرسول ﷺ وحدة دينية بدل الوحدة القبلية.
* * *
٣ - معاهدة التعاون بين المسلمين وغير المسلمين:-
كان بالمدينة ثلاث طوائف: المسلمون، والعرب الغير مسلمين، واليهود (بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع)، فوضع الرسول ﷺ معاهدة لضمان الأمن والسلام، ولخلق جو من التعاون والتسامح بين هذه الطوائف.
* * *
٤ - وضع الأسس السياسية والإقتصادية والإجتماعية:-
الإسلام دين ودولة. فكان لزاماً وضع هذه الأسس، فاتجهت آيات كثيرة من القرآن في هذه الفترة إلى التشريع في كافة هذه الجوانب، كما شرح الرسول ﷺ كل ذلك بقوله وعمله (١).
فعاشت المدينة الحياة الفاضلة، السامية، فأخوة صادقة، وتكافل تام بين أفراد المجتمع. تكون بذلك أول مجتمع إسلامي وضع الرسول ﵇ أسسه الخالدة.
стр. 72
الفصل الرابع
الجهاد في سبيل الله
سبب الجهاد والقتال:-
لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم، أو حادثة واحدة في تاريخ صدر الإسلام تشير إلى أن الإسلام انتشر بالقوة، أو أن القتال في الإسلام كان لحمل الناس على اعتناقه وسبب القتال ينحصر في رد العدوان وحماية الدعوة وحرية الدين.
بعد مضي ستة شهور من الهجرة كان الرسول ﷺ قد وطد الجبهة الداخلية، ونظم أمورها، وبدأ يستعد للجبهة الخارجية، والقتال المنتظر.
* * *
تدرج الجهاد: -
في البداية كان يأمرهم بالكف والصفح عن المشركين، فلما قويت شوكتهم أذن لهم ولم يفرضه عليهم. قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. ثم فرض عليهم قتال من يقاتلهم. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. ثم فُرِض قتال المشركين كافة ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
يقول المؤرخون إن الرسول ﷺ اشترك في ٢٧ غزوة، وقاتل في ٩ منها، وأنه أرسل
стр. 73
ما يقرب من ٦٠ سرية.
وسنكتفي هنا بالحديث عن الغزوات والسرايا ذات الأثر في سير الإسلام.
* * *
أول لواء في الإسلام (١):-
كانت بقيادة حمزة ﵁ في ٣٠ مهاجراً، وقد اعترضوا عيراً لقريش، ولم يتقاتلوا، ثم بعث لواء بقيادة عبيدة بن الجراح، ثم لواء عليه سعد بن أبي وقاص. وكانت عير قريش تفوتها. وكان ذلك في عام ١ هـ.
* * *
الغزوات في عام ٢ هـ/٦٢٣ م:-
غزوة الأبواء: أول غزوة خرج فيها ﷺ بنفسه مع مجموعة من المهاجرين يعترض قافلة لقريش ففاتته، ثم خرج في غزوات بوط وودان والعشيرة لاصطياد قوافل قريش ففاتته كلها، وأبقى بعض الصحابة لانتظار عودة قافلة أبو سفيان العظيمة من الشام.
* * *
بعث عبد الله بن جحش:-
بعثه الرسول ﷺ في ١٨ مهاجراً إلى نخلة (بين مكة والطائف) يرصدون عير قريش، فمرت بهم عيراً، فقتلوا أميرها عمرو بن الحضرمي، وأسروا اثنين. واستولوا على القافلة، فكان ذلك أول قتل وأسر في الإسلام. فأنكره الرسول ﷺ لكونه في الأشهر الحرم. واشتد إنكار قريش فقالوا أحل محمد الشهر الحرام، فأنزل الله:
стр. 74
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ... ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
* * *
وقعة بدر الكبرى (١٧ رمضان ٢ هـ/٦٢٣ م):-
سبب المعركة:-
كان لا بد من هذه المواجهة بين محمد وصحبه وبين قريش فهو بالإضافة إلى تهديد أوثان قريش وزلزلة مكانتها الدينية، يهدد أيضاً تجارتها الصاعدة والهابطة بين مكة والشام.
وحدثت حادثة صغيرة كانت هي السبب المباشر لهذه المعركة. عادت قافلة أبي سفيان من الشام، فخرج الرسول ﷺ في ٣١٤ مهاجراً لملاقاتها. فعلم أبو سفيان وحث قريشاً على إنقاذ قافلتهم. ولما علم الرسول ﷺ استشار الصحابة، فتكلم المهاجرون وأحسنوا فكررها، فعلم الأنصار أنه يعنيهم. فقال سعد بن معاذ: " امضِ بنا حيث شئت. فوالله لئن استعرضت بنا البحر لخضناه، وتكلم غيره. فأشرق وجه الرسول. وخرجوا. غيَّر أبو سفيان طريق القافلة فنجا. ولكن أبا جهل صمم على الخروج ومعه ٩٥٠ كافراً. عسكروا في بدر، استنصر الرسول ﷺ ربه، وبالغ في التضرع ومما قال: " اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد .. " فأنزل الله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] [آل عمران: ١٢٥]. ذكر الرسول ﷺ أصحابه بالصبر والثبات.
стр. 75
فعاليات المعركة ونتائجها:-
ونشبت المعركة وقد بدأت بالمبارزة. أنزل الله ملائكته تقاتل مع المؤمنين. فنصر الله جنده، وقتل فيها أكابر صناديد قريش كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة وغيرهم. فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، واستشهد من المؤمنين أربعة عشر. فقسَّم الرسول ﷺ الغنائم، وأما الأسرى فقد أشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بمفاداتهم، فأخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر، فنزل الوحي معاتباً الرسول ﷺ ، موافقاً لرأي عمر. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧]. ونزلت سورة الأنفال في وصف هذه الغزوة.
أهمية غزوة بدر:-
- غزوة بدر هي الغزوة الوحيدة التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً حقيقياً حاسماً فكانت أساساً متيناً لمستقبل الإسلام، ولذلك سماها القرآن (يوم الفرقان) لأنها فرقت بين الحق والباطل. فأعزت أهل الحق وأذلت أهل الباطل.
- وقد وضعت سورة الأنفال التي نزلت في هذه المعركة أدق التعاليم الإسلامية للحروب مثل: الاستعداد لملاقاة العدو، الوحدة وعدم التنازع، الثبات في المعركة، ذكر الله عند الشدائد خاصة.
- وهناك تشريعات إسلامية ارتبطت بغزوة بدر: كالشورة، والتحذير من البحث عن الأهداف المادية في الحروب، والحرص على إعلاء كلمة الله، وتشريع توزيع الغنائم، لكل هذا كانت لغزوة بدر أهمية خاصة.