Полный текст (608 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
غول شنيع لأنه لا يريها وجهه وما زالتا بها بها حتى جعلتاها تقوم في إحدى الليالي وقد أوى زوجها إلى مضجعها فتشعل مصباحا دون صوت، وتقربه من وجهه، ويا لعجب ما رأت! إنه أجمل وجه في الدنيا وهو وجه إيروس بعينه الذي أغفى وقد ترك أقواسه وجعبته إلى جانب السرير، وعندها لم تعد تملك بسيشه نفسها من الفرح فسقطت من المصباح نقطة زيت على كتف الإله، فهب من نومه مرتاعا وقرّع بسيشه على حنثها بيمينها واختفى فلم تعد تراه.
وتوارى كذلك القصر عن عيني بسيشه ووجدت نفسها على الصخرة التي حملت منها، فلم تستطيع أن تعتاد عل فقدان ما فقدت فألقت نفسها في مياه نهر يجري بالقرب من الجبل، بيد أن المياه حملتها إلى الضفة الثانية برفق زائد، ولما أعيتها الحيل في الموت سارت هائمة على مجهها، وهنا تصبح عرضة لغضب إفروديت فتبلى بمصائب كثيرة كانت تتخلص منها بفضل معاونة (إيروس) السرية لها، وأخيرا توجب عليها الآلهة أن تنزل إلى الجحيم فتكفر عن ذنوبها، ويتأثر زوجها من ندمها لأنه لم يكف عن حبها، فيطير إلى (زوث) ويتضرع إليه أن يعفو عنها وأن يأذن له بالإتحاد بها، فيرضى رب الأرباب ويمنح بسيشه الخلود وننسى أفروديت حقدها ويزف إيروس إلى التي هام بها ويقيم وإياها في الأولمب.
وقد ساهم الفن الإغريقي في إيضاح مفهوم بسيشه وعبر عن كل الأفكار الفلسفية التي نشأت منها أسطورتها بأشكال وألوان جمعت فكانت من أجمل ما تخيلته العبقرية الهلنية، وأول ما مثل كانت النفخة غير المرئية التي تفارق الجسم الإنساني عند الموت فصورت على جذوع الآنية الفخارية المطلية بلون مقتول، ولم يكن شكلها هذا يختلف كثيرا عن أشكال بعض الكائنات الميثولوجية الثانوية كال (سيرين والهاربي) التي كانت تمثل على شكل عصافير لها رؤوس بشرية، ولم تعط بسيشه في الفن غير هذه الصورة حتى حان العهد الهلنسي فجعل الفنانون يمثلون حوادث الأسطورة على أشكال شتى، فكانوا يتصورون على شكل امرأة شاحبة حالمة قلقة، الروح التي نزلت من مستواها الإلهي وأصبحت فريسة للأهواء والنزوات النفسية. وقد افتنوا في التعبير عن هذا الموضوع بأشكال مختلفة، ففي أحد التماثيل الفخارية الصغيرة ترى امرأة شابة لها جمال رائع قد صففت شعرها ورفعته
стр. 107
على صدغيها وجمعته في قمة رأسها، وفي تمثال آخر تشاهد وقد جلست على صخرة وأدارت رأسها ووضعت أحدى ساقيها على الأخرى وسترت جسمها بثوب فضفاض ينزلق قليلا عن كتفيها، وترى أيضا على شكل امرأة واقفة وممسكة بعنقود من العنب أو بثمرة أخرى، وتمثل كذلك بامرأة راكعة متضرعة تمديدها مسترحمة، ويمكن معرفتها في كل الحالات التي ذكرناها من أجنحة الفراشة التي تخرج من كتفيها، وقد صارت أجنحتها تخرج في التماثيل الصغيرة المتأخرة من صدغيها، ويوجد في متحف جنيف خمسة أحجار منقوشة تمثلها على هذا الشكل مع اختلافات بسيطة، كما يوجد حجر آخر منقوش في متحف برلين يمثلها وهي نصف عارية وقد أمسكت بيدها فراشة وألصقتها على يديها.
ولم تلبث هذه المواضيع أن أخذت تغري النحاتين الكبار، ففي متاحف اللوفر والكابتيول وفلورانس ونابولي وبرلين تماثيل كبيرة يرجع تاريخها إلى العهد الروماني تمثل بسيشه وهي حالمة أو متوسلة. وكلها دقيقة الصنع ذات جمال فني باهر يخيل للمتأمل فيها أن (برا كزتيل) المثال العظيم قد منحها كل ما في عبقريته من لطف ورشاقة وكل ما في يديه من افتنان وصنعة. فسماؤها رقيقة ناعمة يغشيها شيء من الكآبة، وأشكال جسمها الفني متناهية في الظروف كان الشباب الذي تطفح به أو شك أو قارب أن يبلغ الدرجة المثلى من إيناعه أضف إلى هذا كله أنها تجبرك على العجاب بلطفها الإلهي وعلى الرثاء لهذه الفتاة الممثلة فيها والتي حكم عليها أن تجتاز المصاعب وتمر في التجارب.
وقد عبر الفن الهلنسي عن انحطاط الروح المؤقت بأشكال وأوضاع تطفح بالنبل. فرمز إلى تجارب الروح بمشاهد تدل على كبر في النفس واقتصاد في التعبير وهدوء في إيضاح العواطف، فأحيانا يمسك (إيروس) بيده اليمنى فراشة ويضع يده اليسرى على صدره، وأحيانا يمثل كيف فتنت الروح بالحب، وليس من مشهد شعري يعدل المشهد الذي يمثله التمثال الصغير المعروف باسم تمثال (ميكار).
إذ يرى فيه (إيروس) وقد وضع على رأسه إكليلا من أوراق النبات وعقد شالا على كتفه الأيمن وأمسك مزمارا وبدا يعزف عليه وهو مستند على سارية إلى جانبها ركيزة فوقها بسيشه بجناحيها المبسوطين ويديها الموضوعتين على صدرها.
ويرمز هذا التمثال إلى عاطفة مركبة ويمثل التقاء الروح بالحب الذي بدأ يغويها بموسيقاه
стр. 108
فجعلت ترقص على نفحاتها الإلهية.
بيد إن التقاء الروح بالحب لا يجري على الأرض دوما على هذا الشكل الشعري فلدينا في متحف دمشق تمثال صغير من الفخار قد تحطم جزء منه، وهو يمثل بسيشه جالسة وشبه عارية وقد وقف (إيروس) إلى جانبها وهو يشد وثاق يديها خلف ظهرها، وقد أحب الفنانون كثيرا موضوع عذاب الروح بالحب فنوعوا فيه، وجعلوه أحيانا مشهدا فاجعا، فأحجار العصر الاسكندري المحفورة ترينا بسيشه موثقة وإيروس يقبض عليها من شعرها، أو أنه يحرقها على لهيب مشعلة، وترى أيضا موثقة إلى عربة يقودها معذبها أو مربوطة على عمود وتحوم حولها فراشة، وقد امسك إيروس بقضيب وهم بأن يجلدها.
ولم يلبث فن نحت التماثيل الكبيرة إن تأثر بهذه المواضيع فجعل يمثل عذاب الروح في أوضاع مسرحية تدل على عواطف العصر الزاخرة، ومتاحف اللوفر واللاتران والفاتيكان وطولوز تحوي نماذج رومانية ترينا بسيشه راكعة ومتوسلة وايروس يدوسها بكبرياء أو يقف بقربها صامتا لا يحير، وهو يخفي ما يجول في خلده ويختلف تعبير ملامحه بين القسوة والرحمة.
وعندما تبلغ آلام الروح والحد الذي يجب أن تبلغه وتطهر على لهيب النار تظهر المعجزة، فيدير معذبها رأسه متألما ويمسح دموعه المنحدرة على خديه. ولا يلبث أن يحيطها بذراعيه فتستسلم إلى مداعباته وقبلاته السماوية.
وعندها تتوصل الروح إلى أن تتأمل الجمال السماوي وجهاً إلى وجه وأن تبلغ السعادة النهائية بامتزاجها مع أجمل وأنبل العواطف التي شعرت بها. ويعبر في الفن عن هذه اللحظة المثلى بشكلي أيروس وبسيشه وهما متعانقان، ويوجد لوحة برونزية عهدها من القرن الثالث قبل الميلاد محفوظة في متحف برلين تمثل (ايروس) على شكل شاب مستند إلى صخرة وإلى يمينه بسيشه وقد لفت ذراعها الأيمن حول عنقه، أما ذراعها الأيسر فتستند به على كشحها، وهي تدير رأسها الذي يحاول أن يمسكه ايروس بيده. فهي تتهرب هنا مما يعرضه عليها من حب وغرام. بيد أنه وجدت تماثيل فخارية في مدينة (ابفيز) القديمة وفي غيرها من مدن آسيا الصغرى يرجع تاريخها إلى القرن الثاني والأول قبل الميلاد، يشاهد فيها الحبيبان معتنقين وتكاد شفاههما تلتصق على الرغم من الحياء الذي ما
стр. 109
برح ينتاب بسيشه.
وسيأخذ هذا المشهد في التماثيل المتأخرة صفة عاطفية مهتاجة فترى بسيشه وهي تضم إليها ايروس وتمنحه القبلة المنتظرة والتي هي السعادة المثلى. ففي حنجور وجد في مدينة منفيس وفي أحجار منحوتة ولوحات وسلسلة من التماثيل المرمرية محفوظة في متاحف الكابيتول ودرسد وفلورنس ولندن ويمثل الحبيبان على شكل شابين أو مراهقين أو طفلين وهما يقبلان بعضهما بشغف لا يوصف.
ويعقب القبلة الزواج، فتري في آثار كثيرة من العصر الاسكندري مناظر حفلة زفافهما وأشهرها دست وجد في الفيوم يشاهد فيه ايروس وبسيشه وهما قائمان في عربة، تمشي أمامهما ربة النصر وهي تحمل طبلاً تضرب عليه، ويرفع الآلة باخوس كأسه الطافح بالخمر ويشرب متمنيا لهما السعادة. وعثر في الاسكندرية على حجر كريم منقوش يظهر فيه مشهد عرس حقيقي. فيظهر الاثنان على شكل طفلين مجنحين وقد لف رأس كل منهما بمنديل. وحملت يداهما زوجاً من الحمام ويمشي أمامهما جني صغير، وإلى طرف المشهد جني ثان يحمل سلة مليئة بالفواكه، وجني ثالث يهيأ سرير الزفاف.
وأختم هذا البحث لوحة حجرية منحوتة نحتا شديد البروز، فيها صنعة دقيقة وأسلوب واقعي ظريف، قد حملت من محافظة اللاذقية إلى متحف دمشق منذ عام ونيف. وهي من نوع اللوحات الحجرية التي كانت تنحت على المدافن القديمة كمدافن روما القديمة في العصر الروماني لتمثيل اتحاد الروح والحب الصوفي، وللرمز إلى خلودها وصعودها إلى السماء بواسطته. وتمثل أربعة مشاهد متعاقبة من أسطورة ايروس وبسيشه، فيرى فيها من اليمين إلى اليسار: أولاً ايروس حزينا قد اتكأ على مسند بذراعه الأيسر، وثانيا ايروس موثق اليدين خلف ظهره وخلفه بسيشه ومرتدية ثوبا ايونيا تنحدر ثنياته كأمواه الشلال، وثالثاً ايروس طليق اليدين وهو يقابل صورته المتقدمة ويكفكف دموعه بطرف رداءه الذي يستر نصفه العلوي فقط ووراءه بسيشه منحنية قليلا إلى الأمام تستعطفه وقد انكشف نصفها العلوي وتجمع ثوبها حول كشحيها، ورابعا ايروس وبسيشه واقفين جنبا إلى جنب كأنهما قد التقيا بعد طول فراق.
وهي مصنوعة من المرمر الذي استحال لونه الأبيض من لفح الشمس إلى لون وردي
стр. 110
جميل وهي ناقصة من الجهة اليسرى ومشوهة قليلا في بعض أجزائها، على أنها من أجمل الآثار التي وصلت إلينا من القرن الثاني أو الثالث الميلادي.
سليم عادل عبد الحق
стр. 111
أريحية محافظ
يسر المعرفة أن تعلن اغتباطها لما تلاقيه من ضروب التشجيع والتأييد، مما يقوي العزم لمتابعة الجهد في تحقيق رسالتها الثقافية والتربوية، وأنه ليسوؤها أن تأتي بمثل عن هذا التشجيع الذي خصها به عطوفة محافظ اللاذقية الأستاذ عادل بك العظمة فتنشر له كتابه لالمعرفة شاكرة له حسن تشجيعه:
حضرة الفاضل الأستاذ السيد خالد علي محاسب مجلة المعرفة المحترم.
تصفحت أحد أعداد مجلتكم الناشئة فتلمست مبلغ الجهد الذي يبذله الأساتذة القائمون على تحريرها، وتبين لدي الفائدة التي يجنيها الجيل الجديد من الأبحاث القيمة التي تعالجونها. فرأيت أن أساهم بواجبي في تشجيع أمثال مجلتكم الغراء بإرسال حوالة بمبلغ (١٢٨) ليرة سورية كبدل اشتراك عن عام كامل لمدارس محافظة اللاذقية المذكورة في القائمة ربطا كهدية شخصية مني راجيا قيد هذه الاشتراكات لديكم وإعلامي ودمتم
محافظ اللاذقية عادل العظمة
стр. 112
دراسة الأدب
للأستاذ محمد روحي فيصل
في المقدمة الرائعة التي مهّد الأستاذ غوستاف لانسون لمؤلفه الكبير [تاريخ الأدب الفرنسي] بحث عميق عن خير المناهج العلمية في دراسة الأدب الفرنسي وإنماء الذوق. نقتطف من هذا البحث الفصل التالي:
زوّر بعض المؤلفين، في السنوات الأخيرة، صورة الأدب دراسة وتدريسا حين اتخذوه مادة لبرنامج مدرسي يجب أن يجوزه الطالب بأجمعه على كل حال، وأن يلتهمه كيفما اتفق، وبأسرع ما يستطيع، كيلا يسقط في فحصه. . . فإذا انتهى منه كما ينتهي من كل شيء في المدرسة، لم يعد يحظر على باله في حياته. وعلى هذا النحو من الحرص على تدريس الطالب كل شيء، ودراسة كل شيء، نصل إلى ضرب من المعرفة الحرفية ليست على شيء من القيمة الأدبية، ويصير الأدب بذلك إلى مجموعة جافة من الحوادث والصيغ خليقة أن تحدث القرف في العقول الناشئة حيال المؤلفات التي تصطنعها.
هذا الخطأ التربوي العميق الشائع يتصل بخطأ آخر أشد عمقا وأكثر شيوعا. فقد أراد بعضهم أن يتخذ الأدب شكلا علميا، فلا ينظر إليه إلا على أنه نحو من المعرفة الموضوعية. وليس العلم نفسه ولا العلماء أنفسهم هم المسؤولون عن ذلك. ويؤسفني أن أذكر هنارينان كواحد من أصحاب ذلك الخطأ الذي ألاحظه. فقد سجل في كتابهمستقبل العلم هذه العبارة التي أحب أن لا أرى فيها إلا صورة من حماسة الشاب الذي تغمر الطراءة بداءاته في التحريات العلمية: إن دراسة تاريخ الأدب من شأنها أن تحل محل القراءة المباشرة لآثار العقل الإنساني.
فهذه العبارة تعني أن لا مكان للأدب نفسه على الإطلاق، أو تعني أن له مكان الفرع من فروع التاريخ، تاريخ العادات أو تاريخ الأفكار.
وإنما أولى بنا أن نقف على الآثار الأدبية نفسها، نقرؤها مباشرة وعلى الفور من أن تقف على الملخصات أو الكتب التي ندرسها. فما نفهم كيف يمكن أن يغنيتاريخ الفن عن النظر إلى اللوحات والتماثيل. وأمر الأدب في ذلك كأمر الفن لأغنية فيه عن النظر إلى الأثر ذاته وهو الذي يسجل وينفض شخصية صاحبه. فإذا كانت مطالعة النصوص الأصلية ليست
стр. 113
مصوّر التاريخ الأدبي، ولا هي مناطه وغايته فما يمكن أن يفيد منه المرء إلا معرفة جدباء لا قيمة لها. والذين يريدون لنا أن لا نعرف أكثر مما في المجموعات والكتب إنما يرجعون بنا القهقرى. باسم التقدم الذي يدعون، إلى أسوأ النقائص التي كان عليها العلم في القرون الوسطى. وما كان عصر النهضة الرينسانس رائعا ذا أثر عظيم إلا لأنه، كما ينبغي أن لا ننسى، قد بدأ عمله بالذهاب إلى النص القديم، وطرح الشروح التي بين يديه.
ليس من شك في أن دراسة الأدب اليوم قد أصبحت لأغنية فيها عن الإطلاع الواسع الشامل، فما تستوي أحكامنا الأدبية، أو تتجه وجهة قويمة، إلا إذا تزودنا بطائفة من المعارف الصحيحة الموضوعية. هذا، ولسنا نعرف شيئا يفيد الباحث في الأدب مثل هذه المحاولات التي تصطنع طرائق العلم لتربط خواطرنا وانطباعاتنا بعضها ببعض، ولتمثل الدب في سيره ونموه وتطوره. بيد أن أمرين اثنين يجب أن لا نغفل هنا عن ذكرهما، أولهما أن تاريخ الأدب غايته رسم الأشخاص: وثانيهما أن تاريخ الأدب أساسه البصائر الفردية. كل همه كما ترى أن يبرزهما بالتجارب أو الطرائق التي يستطيع كل إنسان أن يعيدها ويتوسل بها، والتي تسوق واحدة عند الجميع، إنما يبرزهما باستخدام الملكات التي تسوق بالضرورة، لاختلافها بين إنسان وإنسان، إلى نتائج نسبية موقتة. وإذن فالمعرفة الأدبية ليست غايتها ولا وسائلهاعلمية في أدق ما لهذه الكلمة من المعاني.
والشأن في الأدب كالشأن في الفن، لا غنية فيه عن النظر إلى الآثار، وهي - لقابليتها التي ليست بذات انتهاء ولا حدود - لا يستطيع امرؤ أن يجزم أنه أتى عليها واستهلك فحواها واستخلص دستورها. وهذا معناه أن الأدب ليس مادة علمية، إنما هو مران وذوق ولذة، لا نتدارسه ولا نتعلمه، لكن نمارسه ونتثقف به ونحبه. إن أصدق كلمة قيلت بحق الأدب هي كلمة ديكارت: مطالعة الكتب الجيدة أشبه بالحديث مع أشرف رجالات القرون الغابرة، وهو حديث لا يمنحوننا فبه إلا خير أفكارهم.
فالرياضيون الذين أعرفهم يتسلون بالآداب، ويتفرجون على التمثيل، ويتصفحون الكتاب يجددون به خلق أنفسهم، هم عندي أصح فهما وأقوم سبيلا من أولئك الأدباء الذين أعرفهم لا يقرؤون الكتاب، لكن يعرّونه ثم يحسبون إنهم يحسنون صنعا حين يحيلون المطبوع الذي استولوا عليه إلى ما يشبه البطاقات واللوائح.
стр. 114
ذلك إن مناط الأدب أن يحدث قينا لذة، ولذة نفسية هي بمثابة إلهية عند ملكاتنا الفكرية، تخرج منها هذه الملكات وهي موفورة النشاط والمرونة والخصب. وكذلك يكون الدب أداة ثقاف باطني، فتلك وظيفته التي لا وظيفة له غيرها.
للأدب مزية رائعة عليا، هي أنه يعودنا على التلذذ بالأفكار. إنه يجعل المرء يرى في مران عقله البهجة والراحة والتجدد، لقد ينشط بصاحبه إلى مشاغل المهنة. ويرتفع بالذهن فوق جميع المعارف والمنافع والمعتقدات المسلكية، وهو على الجملة يخرج بالاختصاصين إلى نطاق الإنسانية العام. ولعل العقول أحوج ما تكون اليوم إلى منازع الفلسفة منها في أي زمن مضى، ولكن الدراسات الفلسفية الخالصة لن يتلقاها الناس جميعا بالرضى والقبول. وإنما الأدب في اسمي معاني الكلمة، هو الذي يشيع الفلسفة بين الناس. فمن خلاله وبواسطته تتصل الجماعات البشرية بأعظم التيارات الفلسفية التي تحدّد مدى الرقي والتقدم أو تحدد مدى التبدلات الاجتماعية على الأقل، ثم إن الأدب هو الذي يبث في النفوس التي أنهكتها ضرورات العيش، وغمرتها مشاغل المادة، روح القلق إزاء كبريات المسائل والمشاكل التي تتصل بالحياة فتجعل لها معنى أو هدفا، وكثير من العاصرين يرون الدين إلى ذبول، والعلم نائيا، فليس لهم غير الأدب وحده من مشاركات تنتزعهم من تلك الأنانية الضيقة أو من تلك المهنة القاسية.
إذا تقرر هذا كله، فما أقهم إذن كيف يدرسون الأدب لشيء غير التثقيف ولأمر غير اللذة. لا ريب في أن الذين يهيئون أنفسهم للتدريس إنما ينبغي لهم أن ينظموا معارفهم، وإن يخضعوا دراستهم للمناهج، يوجهونها وجهة المبادئ التي تفوق بدقتها وصحتها، وأن شئت فقل بروحها العلمية، ما يرضاه منها عادة هواة الآداب. بيد أن أمرين اثنين يجب أن لا نغفل هنا عن ذكرهما، أحدهما أن صاحب هذا العمل العلمي ربما صار أسوأ أستاذ أدب، لا يعمل على تنمية الذوق الأدبي عند الطلاب، ولا يدفع بهم إلى أن يجدوا في الأدب أقوى باعث على الفكر، وأدق منشط للعمل. وهذا ما يجب إن نرمي إليه من وراء دراسة الأدب، بدلا من أن نزود الطلاب بأجوبة يلفظونها في ساعة الفحص. أما الثاني فهو أن أحدا من الأساتذة لن يعرف كيف يكون لتدريسه أثر ومفعول، إذا لم يكن هو من هواة الأدب قبل أن يكون من علمائه. ثم إذا لم يكن قد ابتدأ بتثقيف نفسه بهذا الأدب الذي سيتخذه بعد حين أداة
стр. 115
ثقاف للآخرين، ثم إذا لم يكن أخيرا - في تحريه العلمي، وجمعه للمعارف المتعلقة بالآثار الأدبية - قد تحرى وجمع ليعمق فهمه ونقوى متعته.
محمد روحي فيصل
стр. 116
نفسيّة مراهق
للدكتور: جميل محفوظ
تجتاح البلاد أزمات كثيرة، مختلفة الأسباب، متباينة الجوهر، يحاول المخلصون من أبناء هذه الأمة على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم حلها كل حسب مهنته واختصاصه ونشاطه، ومن المشاكل التي استعصى حلها هي مشكلة - المراهقة - ونحن في دراستنا هذه نحاول معالجة المظاهر المختلفة لهذه الفترة من الحياة بصورة موضوعية، مبتعدين عن استحسان أو نقد، وغايتنا من هذه الدراسة:
١ - معرفة طبيعة ونفسية من يمر بهذه المرحلة الصعبة من الحياة كي نتقدم إليه بتربية حكيمة، نتلاءم وروحه الثائرة، وتساعده في نموه الطبيعي عوضا عن معاكسته وقتل مواهبه إذا جهلنا ما انطوت عليه نفسه.
٢ - توجيه أنظار المربين، والآباء، وقادة فرق الشباب، إلى ضرورة المراهقين والعناية بهم عناية خاصة.
لقد كثرت دراسة نفسيات المراهقين منذ الحرب العالمية الأولى وبصورة خاصة قبيل الحرب الأخيرة، لن الشباب هو ركن متين في تشييد كيان الأمم. وعلى سواعده تبنى سيادتها وقواتها، أما المماليك التي ساهمت في هذه الدراسات وكثرت عنايتها بمنظمات الشباب فهي: أمريكا وفرنسا وايطاليا وسويسرا وألمانيا وإنكلترا ولا شك بأن عظمة الأمم وحيوتها تتجلى بروح النظام السائدة والاندفاع الموجه نحو غايات سليمة.
إن كثرة هذه الدراسات في البلاد الغربية أتت بنتائج طيبة، وعلى أساسها نظمت البرامج الدراسية، وعولجت الأمراض، وقام أولو الأمر بتشكيلات تتماشى مع روح الشباب فساعدتهم في نموهم الجسمي والعقلي، وبالمقابل فقد استفادت من قواهم الكامنة واستخدامها في الأعمال العامة.
أما نحن فإننا لا نزال في طور التجارب والتخمين إذ لم يتقدم علماؤنا بدراسة من هذا النوع، ولم يستند المسؤلون في تنظيم شبابنا حينما حاولوا ذلك على المبادئ العلمية التي عرفت وأصبحت نورا يقتبس منه من يرغب في الإصلاح وإن لم تكن ثابتة نهائيا.
وسأحاول فيما يأتي معالجة نفسية الشباب وإظهار مدى الفوائد تجنيها البلاد إذا اهتمت بهم
стр. 117
الاهتمام اللازم، ولا داعي وصف نفسية المراهق، في هذا البحث بصورة دقيقة، ومعرفة خفاياها، إنما أرغب على الأقل أظهار بعض صفات بارزة خاصة بهذه المرحلة من النمو.
ولنحدد قبل البدء بالبحث سن المراهقة: لقد اختلفت آراء العلماء في تحديدها كماً ولم يختلفوا في تحديدها كيفياً. فهي فترة الأزمة في الميل إلى الغريب - تبدأ هذه الأزمة منذ البلوغ أي بعد انتهاء سن الطفولة وتضمحل حوالي الثامنة عشرة إلى الحادي والعشرين أي مع ابتداء سن الرشد، وهي اضطرابات نفسية تنتج عن تغير عميق في الحيلة العقلية، تزول حينما يتمكن المراهق من التكيف مع المحيط.
تطول مدتها أو تقصر بالنظر للأشخاص وطرز حياتهم، تقصر مدتها لدى الفتيان الذين يدخلون معترك تدفعهم الحياة بصورة مبكرة، تدفعهم إلى ذلك حاجة ماسة (كسب الرزق مثلاً). وتطول مدتها حينما يمدد الطالب أيام دراسته. ومع ذلك فإن كل اضطراب يزول منهما امتدت الأزمة.
تبدأ الأزمة مع تكون الوظيفة التناسلية فتنقبض النفس انقباضا عذباً ويتطلع المراهق إلى المستقبل. تتفتح آفاق الثقافة والحياة الاجتماعية، وتزيد الحساسية التناسلية وتتكامل في سكون تأملي يرافقه تفكير ساذج. يتولد لديه ذوق في الأحلام، والحياة الشاعرة، التجرد، ويصبح إحساساً لدرجة مرضية.
ظهور الأزمة وتطورها
يمكن تحديد ظهور الأزمة في سن / ١٥ / عند الشباب و / ١٤ / عند الفتيات. ولقد دلت أجوبة الشباب وما سجلوه في مذكراتهم وذكريات الراشدين بعد مرورهم بمرحلة المراهقة على حقيقة ما ذكرناه. وهناك حالات شاذة، إذ تظهر الأزمة متأخرة حوالي (١٦ - ١٨) أو متقدمة حوالي (١١) وتظهر إذن مع البلوغ ونطلق عليها اسم - البلوغ العقلي أو الروحي. فالمراهقة تبدو لنا على شكلين أولهما فيزيولوجي، أي تكامل الوظائف التناسلية والثاني نفسي وعناصره هي ظهور الشخصية، والميول الاجتماعية واكتشاف القيم الروحية.
ولا شك بأن البلوغ النفسي هي تكوين للإنسان، وليس للأزمة من ضرورة إذا لم تظهر الشخصية والشعور بالذات. إن احتكاك المتبادل بين الأفراد وملاحظة الواحد الآخر والحب والنفور، والخوف أو الرضى كلها عوامل في تكوين البلوغ الروحي، ولا تكون هذه
стр. 118
الأزمة، إلا صورة خاصة وضرورية لهذه المرحلة من الحياة.
أما انبثاق هذه الأزمة الفجائية فترجع إلى أسباب متباينة، منها المهم ومنها التافه:
موت شخص عزيز أو بعده أو تغير فجائي في الحياة أو خيبة أمل، أو إخفاق في فحص، أو حب مخذول، أو ملاحظة أستاذ، أو نزهة في الهواء الطلق والحقول.
إن تحديد ظهور الأزمة وإرجاعها إلى أسباب يفيدنا في معرفة الزمن الذي انفجرت به وأصبحت مرئية ظاهرة. غير أن الأسباب الجوهرية هي أعمق وأبعد من أن تكون ظاهرة عرضية، فهي اضطرابات نفسية سابقة وداخلية. وعندما تصادف المراهق صعوبة ما وصدمة تنفجر نفسه بصورة فجائية وعنيفة عن أزمة غريبة. .
كتب شاتوبريان في مذكراته بأن المرء ينام طفلاً ويستيقظ رجلاً. لا شك في ذلك، إذ أن الأزمة تنمو بصورة خفية قبل بزوغها يدعمها شعور ذاتي ضعيف يستولي بصورة تدريجية على ساحة الشعور، ويهز كوامن النفس العميقة والمستترة وحينذاك يسمح لنا بالكلام عن أزمة حقيقية. وما قول نيتش بأنها تتولد أنياً إلا محض وهم يتصوره تفكير الراشد الذي ابتعد عن حياة المراهقة.
ويمكننا أن نجمع الأشكال المختلفة التي تظهر بها الأزمة بفكرتين أساسيتين:
- الرغبة في إدهاش الغير - الشعور بالذات وتكوين الشخصية.
أما الميل إلى إدهاش الناس فإنه يظهر بين ١٤ و ١٦ سنة. يختلف المراهق في تفكيره عن غيره ويتكلم لغة خاصة فيها تعابير مصطنعة تعجب من حوله. وبعد انتهاء هذه المرحلة تبدأ مرحلة التثقيف الذاتي وهي سن الرجوع إلى النفس، والخلوة، حيث يكتشف المراهقون والمراهقات، وهم معجبون، تلك الثروة الفكرية الثمينة التي يملكونها.
تتلاشى الأزمة رويداً رويداً حوالي التاسعة عشرة حتى الواحدة والعشرين، ليحل محلها توازن جديد، ويرجع المراهق على الحال الطبيعي.
ثم قوي، ولا تظهر الرغبة الأولية على شكل حب في الانفراد فحسب بل هي هوىّ ننتقل بعد إن تكلمنا عن الناحية الذاتية للازمة إلى ما يرافقها من ثورة ضد كل من يقف عثرة في سبيل تكوين الشخصية أي ضد البيئة وهذا ما نسميه الشكل الاجتماعي، يقابله الشكل الفردي.
стр. 119
إن دراسة الأزمة من الناحية الاجتماعية ضروري لاسيما وأن كثيرا من المراهقين يكبتون عواطفهم الفردية، ولولا ثورتهم ضد التقاليد الاجتماعية وحنقهم على المجتمع لظنَ بأنهم هادئون، رغم الأزمة التي تقض مضاجعهم.
ثورة الشباب
تظهر بعد علائم الثورة في نهاية مرحلة الطفولة وعلى عتبة مرحلة المراهقة.
فترى مظاهر الغضب تطغي على سلوك الولد الهادئ الساكن، يجيب بلهجة تهجمية قاسية على حديثنا مهما كان هادئا، ن وتثور حفيظته بدون سبب، ويتألم لأمر يتلقاه من أستاذه أو أهله، ويظن بأنها أمور لا يمكن تحملها، لا يرضى عن حديث والده المملوء بالحنوّ كي لا يعامل كطفل، بينما هو شاب ذو شخصية وكيان.
ينفرد بنفسه ويلتزم الصمت فيتخيل للراشد بأن المراهق كثير الاحترام بينما هو ساخر حانق على كل ما يتراءى له قوة وضغطا أي حانق على والديه وأساتذته.
ولا ينتبه إلى النصائح إلا بغية التخلص بسرعة ممن ينصحه، ويعكف على نفسه ضاربا بما سمع عرض الحائط.
إن الأشكال التي يظهر بها هذا العصيان هي: ثورة ضد العائلة، والمدرسة، والطقوس الدينية، والحكومة، والبلدة، والتقاليد، وبصورة خاصة ضد الحياة الاجتماعية، هي مقاومة سلبية. وتختلف حسب الأفراد وحسب أعمارهم. نجد إذن عند المراهق هذا الشعور الحانق ضد الضغط والميل نحو الحرية لدرجة المبالغة والسرور في مقاومة الراشد فهم غريبون عن هذا المجتمع الذي لا يعرفونه جيدا وهم ثائرون.
الثورة ضد العائلة
لقد بين العلماء - وكابو - شدة الثورة على العائلة بأمثلة نذكر منها ما يلي:
كتبت فتاة في مذكراتها: إن والدي قاسيان جداً، أشعر بخوف غريزي نحو والدي، وإنني لا أجرا على الاقتراب منه، أما والدتي فهي طيبة غير أنها لا تفهمني، تعاملني كطفلة.
وكتبت أخرى: كنت أشعر في سن / ١٢ إلى ١٥ سنة / بأنه لا يوجد شيء في العالم لا يمكني معرفته، أما محاكمتي فهي أفضل من محاكمة والدتي، كنت ثائرة، وقد تؤدي هذه المشاحنة بين الفتيان أو الفتيات وأهلهن إلى الهرب من الدار. .
стр. 120
ولقد لوحظ بأن الهرب يكون غالبا لدى المراهقين في سن الأزمة.
عدد لانكاستر أمثلة كثيرة عن الفتيان الأميركيين الذين كانوا يشعرون بنقص في الهواء في دورهم ويرون ضرورة تركها.
وهناك عوامل مختلفة تسبب هذا الهرب يمكن أن نذكر منها بعض الحالات، كهرب ناتج عن صدمة عاطفية ولدت هذا الميل إلى الابتعاد عن العائلة وعن الناس أجمع. وهذا ما يشاهد على أثر اختلاف بين الفرد وعائلته أو عن فضول قوي يدفعه إلى المخاطرة أو عن هيمان عنيف. ومهما كان السبب نرى بان العامل الأول هو رد فعل ناشئ عن ضغط غير محتمل. وهو بادرة يقصد منها الدفاع عن النفس أمام خطر مداهم، فالهرب يكون في سبيل التفتيش عن ملجأ هادئ ساكن.
ويظهر لنا من هذا التحليل السريع بأنه واسطة لبروز الشخصية التي تصمد للغير وتشعر باستقلال ذاتي.
جميل محفوظ
стр. 121
قصة أم
تأليف: الكاتب الدنمركي العالمي أندرس
تعريب: الأستاذ خالد قوطرش
جثت الم على مقربة من مهد طفلها المحتضر، تراقب وجهه المصفر وعينيه المغمضتين، وتستمع، قلقة، إلى تنفسه البطيء الشبيه بالأنين، فكانت في حالها هذه
تبعث الرأفة في القلوب أكثر من المخلوق الصغير.
طرق الباب ودخل عليها شبح تزيا بزي رجل هرم، قد عضه الفقر بنابه وقوست الأيام ظهره وكلل الشيب شعره، متدثرا بدثار غليظ خشن، يرد عنه برد الشتاء القارس، وكان الثلج يعطي وجه الأرض ويجلبب الجبال والروابي بغلائل بيضاء ناصعة، والريح الزمهرير تعتو عتوا وتصفع الوجه صفعا.
نهضت الأم، بعد أن رأت ابنها قد غفا إغفاءة قصيرة، ووضعت على المدفأة أبريق شراب ليرسل الدفء في جسم الزائر الفقير. جلس الفقير الهرم على مقربة من الطفل وشرع يهلل، وجلست الأم أيضا تتأمل طفلها الشاحب المريض، واضعة يده الصغيرة بين راحتيها. ثم سألت:
- ألا تظن باني سأحتفظ بولدي! ألا تظن بأن الله الكريم لن يأخذه مني؟ فأشار الزائر، وهو الموت، إشارة برأسه، تدل في وقت معا على النفي والإثبات، وعلى حين غرة، أخذت الأم سنة من النوم، استيقظت بعدها مرتعشة، ترتجف من البرد، كعصفور لطمته عاصفة جامحة، تنظر إلى حولها، وتصيح:
- ما هذا؟!
لقد ذهب الموت بالطفل. وهناك في زاوية الغرفة ترسل ساعة الجدار عالية رتيبة، ووهلة سقط رقاصها، فلم يرفعه أحد وصمتت الساعة إلى الأبد. .
هجرت الأم الدار هائمة تنادي طفلها، فصادفتها امرأة متشحة بوشاح أسود فاحم، تفترش الثلج وتقول لها:
- أيتها الأم المسكينة! رأيت الموت يدخل دارك، ثم يخرج حاملا طفلك، يعدو عدو الريح ومن عادته ألا يرد فريسته.
стр. 122
فارتمت الأم على قدميها متوسلة متضرعة وهي تقول:
- إلى أية جهة اتجه! دليني بربك إلى طريقه. سأدركه وان خال أن المنتأى عنه واسع.
فأجابت المرأة المتشحة بالسواد:
- أعلم الطريق التي سلكها الموت، ولكن قبل أن أرشدك إليه، أريد أن أسمع الأناشيد التي كنت تنشدينها لطفلك. فأنني أحبها وأحب صوتك الرخيم. أنا الليل فطالما أرهفت سمعي إلى أغانيكن ولمحت العبرات تتماوج في مآقيك وأنت تهللين.
- آه! سأغنيها لك! سأغنيها جميعا ولكن ليس الآن. دعني الحق الموت وأجد ولدي.
سكت الليل. فبسطت الأم ذراعيها وأخذت تغني، باكية منتحبة، تنهمر من مآقيها مدامع حارة، كانت تحفظ أغاني كثيرة ولكن نفسها جاشت بالبكاء أكثر من الغناء. وأخيرا تكلم الليل:
- سيري إلى الأمام واجنحي على الغابة الظلماء، فمن هنا فر الموت بولدك وفلذة كبدك، أو غلت الأم في الغابة، مسرعة، فانتهت إلى مفرق طرق احتارت أيها تسلك ولم تبصر أمامها شيئا تستعين به على الخلاص من حيرتها الأشحيرات شائكة جرداء عديمة الورق والزهر، قد أحرقها القر ولحفها الجليد. فسألتها الأم:
- ألم تبصري الموت حاملا ولدي؟
فأجابها الشوك:
- أجل رأيته! ضميني إلى صدرك وأنعشيني بحرارة أنفاسك لأرشدك إلى طريقه.
لقد كفاني ما أعاني من البرد وما أكابد من الجليد.
فضمت الشوك إلى صدرها وأدفأته بأنفاسها فاخترق لحمها وأراق دمها. ولكن الشوك أخضر وأزهر وسط هذه الليلة الليلاء الباردة لكثرة الحرارة التي استمدها من قلب أم ثكلى.
وحثت خطاها في طريق الموت تطلب لقيانه، فبلغت شاطئ بحيرة مترامية الأطراف بعيدة الغور لا سفينة فيها ولا قارب. ولم تكن متجمدة تجمداً قوياً عاماً لتجتازها مشيا على الأقدام. ولكنها في الوقت ذاته، مضطرة إلى قطعها مهما بلغ بها الأمر لتجد ولدها. فانطرحت إلى الأرض يدفعها الحب النبوي. محاولة ابتلاع ماء البحيرة. كانت تعلم أن ذلك مستحيل ولكنها كانت واثقة أيضاً بأن الله الرحيم سيضع معجزة، فقال البحيرة:
стр. 123
- عبثاً تحاولين. كوني عاقلة، وإذا كنت ترغبين في مساعدتي فاذرفي الدمع سخيناً، حتى تسقط عيناك من شدة البكاء، لأني أريد أن أحصل إلى جانب اللآلئ المودعة في أعماقي، على حدقتيك البراقتين التين لا يضاهيهما أسمى اللآلئ. فأحملك عندئذ إلى شاطئي الآخر، حيث يعنى الموت بأشجار وأزهار مغروسة هناك، تدل كل واحدة منها على حياة مخلوق آدمي.
فأجابت الأم:
- معاذا لله أن أضن بشيء في سبيل ولدي!
من كان يظن بأنها تستطيع أن تبكي أيضاً وتسكب الدموع؟ ومن كان يظن؟ ولكنها بكت أكثر مما بكت، فسقطت عيناها من محجريهما واستقرتا في أعماق البحيرة، وقد تحولتا إلى لؤلؤتين ما ملكت البحيرة أكرم منهما ولن تملك.
فرفعت البحيرة الأم وإذا بها تقف على الشاطئ الآخر حيث يقوم عليه صرح يبلغ طوله فرسخاً أو أكثر، يتراءى من بعيد كدر شيدتها يد فنان ماهر أو كطود شامخ رفيع تظلله الأشجار وتعبقه الأنوار. ولكن الأم المسكينة لم تستطع أن ترى شيئاً لأنها جادت بعينيها. فصاحت واليأس آخذ منها مأخذه:
- أني لي أن أجد الموت الذي نزع مني طفلي؟
فأجبتها عجوز طيبة تجوس حول الطود وتعني بالنباتات:
- وكيف وصلت إلى هنا ومن ذلك على الطريق؟
فأجابت:
- لقد ساعدني الله الذي يساعد البائسات أمثالي. وأنت أيضاً ستشفقين علي وتساعدينني. حدثيني، أين أجد ولدي العزيز؟
فأجابت العجوز:
- لا أعرفه. وأنت عمياء لا تستطيعين أن تبصري ما في هذه الحديقة من أزهار ونباتات وأشجار، قد ذبل بعضها هذه الليلة، وسيأتي الموت بعد هنيهة ليقلعها.
إنك تعلمين ولا شك أن لكل مخلوق آدمي في هذا المكان شجرة أو زهرة تدل على عمره وهي تموت بموته.
стр. 124
إن منظر هذه النباتات يدل على أنها نباتات عادية ولكن عندما يمسكها المرء يشعر بأن لها قلوبا تخفق. مري بيدك فوقها فلعلك تعرفين دقات قلب ولدك.
- ثم ماذا تعطيني إذا علمتك أشياء أخرى يجب أن يكون لك علم بها؟
فقالت الأم المحزونة:
- لا شيء عندي أهديه ولا نظر. ولكنني مستعدة أن أطوف العالم وأحمل إليك ما يرضيك.
فأجابت العجوز:
- أعطيني شعرك الأسود الفاحم لأستبدله بشعري الأبيض، فأنت تعلمين كم هو جميل هذا الشعر!
- أهذا كل ما تطلبينه؟ هاك خذيه.
فقلعت شعرها الأفحم الجميل الطويل، شعرها الذي كان مصدر خيلائها اذ كانت بهيجة. واستضاعت عنه بشعر أبيض قصير قبيح.
فأمسكت العجوز يد الأم وأدخلتها إلى الصرح العظيم الذي جمعت حوله نباتا غريبة متشابكة وأجراس براقة كأنها الياقوت، وصلبان بعضها صغير وبعضها ضخم منتفخ. ومستنقع حوى مزروعات خضراء ونصف خضراء، التفت حول جذورها الأفاعي. وهناك إلى الجانب الأخر تنتصب أشجار البلوط والدلب والنخيل وفي جهة أخرى يمتد نبات البقدونس والسعتر وغيرها من النباتات المفيدة، وشجيرات زرعت في أصص ضيقة تحاول أن تنفجر. وزهور شيطانية مغروسة في أوان فخارية عني بها عناية تامة. جميع هذه النباتات تدل على حياة البشر الذين يعيشون الآن على أديم الأرض من أقاصي الصين إلى جزر غروآنلاند.
كانت العجوز تريد أن تشرح للأم كل ما في هذا المكان من أشياء غريبة ولكن الأم كانت تتلهف إلى لقاء ولدها. فرجتها أن تقودها إلى مقربة من النباتات الصغيرة. وبدأت تمر بيدها من فوقها. وأخيرا وبعد أن جاست يدها حول آلاف الشجيرات، عرفت الأم خفقان قلب ابنها، فصاحت باسطة يدها المقوصة الهزيلة:
- هذا هو!
فقالت العجوز:
стр. 125
- لا تمسيها. قفي مكانك. وعندما يعود الموت عما قريب دافعي عن هذه النبتة وهدديه بقطع جميع الزهرات المغروسة حولها. سيخاف لأنه مسئول عنها أمام الله. ولا يجب أن تقلع نبتة دون أذن منه.
وهبت في تلك الأثناء ريح قاسية. تنبأت الأم على أثر هبوبها بأن الموت يقترب.
- كيف وصلت إلى هنا؟ سألها الموت. لقد وصلت أيضاً قبلي؟ كيف حصل ذلك؟ كيف حصل ذلك؟
- إنني أم! أجابت المرأة.
ومد الموت يده الطويلة العقفاء نحو النبتة الصغيرة الصفراء. فبادرت الأم لتحميها وقبضت عليها بيديها، قبضة قوية متحاشية في الوقت نفسه إيذاءها، أو قطع ورقة من أوراقها. فنفخ الموت على يديها نفخة باردة كبرودة رياح الشتاء أو أشد. فشعرت بشلل يدب فيهما وتراختا بغير عناء.
فقال الموت:
- إنك لا تستطيعين مقاومتي!
- إن الله أقوى منك.
- أجل! ولكن لا أعمل عملا بدون إرادته. فأنا بستاني عند الله. أتعهد هذه النباتات، وعندما تيبس أقلعها من هنا لا غرسها هناك في الجنة الكبرى أو جنائن أخرى. إنها بقاع قصية مجهولة تستطيع أن أفصل لك عنها أي تفصيل.
فصاحت الأم:
- الرحمة! الرحمة! لا تسلبني ولدي.
ولما رأت الموت لا يصغي إلى توسلاتها، قبضت فجأة على زهرتين جميلتين وقالت:
انظر، سأقلعهما وأقلع كل ما حولهما، إنك تدفعني إلى اليأس.
فصاح الموت:
- إياك أن تقلعي شيئاً. تقولين أنك حزينة وتريدين أن تحزني قلب أم ثانية.
- أم ثانية؟! قالت ذلك وتركت الزهرات في الحال.
- خذي! هاهما عيناك. التقطتهما من البحيرة. إنهما تشعان شعاعاً نافذاً، فقد كشفت عنهما
стр. 126
الغطاء وبصرك اليوم حديد. انظري إلى أعماق هذه البئر، لتعلمي أية سعادة تقوضين، إذا قلعت الأزهار. وستبصرين على صفحة الماء المصير المقدر لكل زهرة، بل المصير الخبيء لولدك إذا امتدت به الحياة.
وحنت على البئر، فآنست صوراً من السعادة والفرح والضحك، ثم عقبتها صور من البؤس والحزن واليأس.
فقال الموت:
- هذه وتلك مشيئة الله.
- ولكن لم أستبن فيما استبان لي ما سيقدر لولدي.
- لا أقول لك شيئاً. ولكن أطلعتك على كل ما سيحصل لابنك في الدنيا من سعادة وشقاء.
فارتمت الأم على أقدام الموت تتمرغ باكية صائحة:
- أرجوك. قل لي. هل نصيبه ذاك المصير المفجع؟ كلا، أليس كذلك؟ قل لي! ألا تريد أن تجيب؟ آه! خذه إذا لم توضح لي عن مصيره الوضوح الكافي. فلا أريد أن يخاطر ولدي في فواجع كهذه. إني أحبه أكثر من نفسي. ولا أتألم وحدي خذه إلى عالم السماوات. وانس دموعي وتوسلاتي. وانس كل ما قلت وما فعلت.
- لا أفهمك أيتها الأم! فماذا تريدين: نعم أم لا؟ هل تريدين أن أطير به إلى عالم مجهول لا أستطيع أن أحدثك عنه؟
فركعت الأم مذعنة، باسطة ذراعيها نحو السماء وقالت: لا تسمع قولي يا إلهي! إذا كان يخالف إرادتك الرحيمة. لا تسمع قولي ولا تقبل عذري.
وهوى رأسها على الضلوع بعد طول العذاب، أصفر الوجه، هامد الأهداب، كميت لم يغيب بلحده، يظللها ليل من الهم أيهم.
ثم اقتلع الموت النبتة الصغيرة وطار بها ليغرسها من جديد في الروضة المجهولة.
خالد قوطرش
стр. 127
مدرسة نجوم الأطفال
شاعت في أوروبا وأمريكا منذ حين، فكرة إقامة معاهد خاصة لتدريب الأطفال على فنون التمثيل والقص والغناء، وتعهد ذوي المواهب والنابغين منهم بالتوجيه الفني لتهيئتهم للظهور على الشاشة أو لاعتلاء خشبة المسرح.
وقد نجحت الفكرة وصادفت تشجيعا كبيرا من الكثيرين والكثيرات، فأنشئت عدة مدارس من هذا النوع في بعض العواصم الأوروبية والأمريكية ومن أهم هذه المعاهد مدرسة عايدة فوستر بلندن.
ولا يقبل الطفل بالمدرسة إلا إذا جاز اختبارا خاصا لمعرفة ميوله الفنية ومدى استعداده وعلى ضوء هذا الاختبار يدر به فريق من الأخصائيين والأخصائيات في الناحية التي تتفق ومواهبه. . . ويتوقع القائمون بأمر هذه المعاهد إلا تمضي سنوات حتى تتلألأ في سماء الفن نخبة جديدة من الكواكب اللامعة.
الهلال
стр. 128
الموسيقا في مدارسنا
للأستاذ نعيم الحمصي
قلت في العدد السابق أن تذوق الأدب لا يتم لمتأدب إلا إذا كان ذوقه العام سليماً نامياً، وان ضعف ذوق الطلاب الأدبي راجع إلى ضعفهم في تذوق وممارسة الفنون الجميلة الأخرى، وفي قدر كبير منه، إلى جانب عدم تعلمهم العربية بطريقة صحيحة طبيعية. وقلت أيضاً أن البيئة المحيطة بأكثر الطلاب لا تساعد على نمو الروح الفنية وبالتالي لا تساعد على رقي الفنون الجميلة وإرهاف الحس، وأن واجب المدرسة والحالة ما ترى أن تقوم مقام الأسرة أيضاً في تنمية الذوق الفني فيكون واجب المدرسة نحو الطفل مضاعفاً.
ولكن المدرسة نفسها لم تقم بواجبها في هذا السبيل، فيا اعتقدت أنا ويعتقد غيري أيضاً، ولم تسلك السبيل القويم إلى تربية ملكات الطفل والملكات الفنية منها خاصة وسأكتفي في مقالي الحاضر بالحديث عن الموسيقا مرجئاً الكلام على الفنون الجميلة الأخرى إلى الأعداد القادمة فأقول:
إن كثيراً من الطلاب فقراء فليس في بيوتهم مذياع يسمعون منه قطعاً موسيقية وغنائية بل الحقيقة الواقعة إن كثيراً من الأدباء يرون في سماع الموسيقا والغناء ضرباً من اللهو المكروه لم يكن يسمح لهم به لما كانوا بدورهم صغارا وقد ينكر بعض الناس وجود مثل هؤلاء الآباء ولكني أؤكد له أنهم موجودون وكثير عددهم أيضاً. وسواء أكان الباعث على هذا فقرهم الذي يدفعهم إلى الترويج عن النفس بالعصبية الدينية أم حب الحافظة على التقاليد والإيمان بمخالفة الفنون الجميلة للدين إيماناً صادقاً حقاً فالذي يعنيني هو أثرهم في خنق الروح الفنية في أطفالهم إن لم تتلاف المدرسة ذلك وتستأصل بروز الضعف من أساسها. والأسر التي يتوفر في أفرادها الموهبة الفنية والعزف على إحدى الآلات الموسيقية قليلة لا يعني وجودها أن الذوق الموسيقي منتشر في أوساط الناس إلى حد يرضى عنه.
ومن المفيد أن ننتبه إلى أنه ليست كل قطعة موسيقية أو غنائية تعزف على أي آلة من آلات الطرب تساعد على رقي الذوق الفني بل إن لحسن الاختيار أثره والنقد الفني الموسيقي لم ينضج بعد في بيئتنا النضوج الكافي فالموسيقا الراقية الملائمة لبيئتنا هي
стр. 129
وحدها القادرة على بعث الفن وتنمية المواهب فينا. ويجب أن نراعي الطور الدقيق من أطوار حياتنا الذي نجتازه اليوم فليس هو بالشرقي الصرف ولا هو بالغربي فلا أرى أن القطع الشرقية اللدنة ترضي نفوسنا بل هي تملها وتنميها كما لا أرى أن الموسيقا الحديثة الأمريكية التي تمثل الح٠ياة الصاخبة في تلك البيئة بما فيها من معامل ودوي آلات مما يلائم نفوسنا التي تحيا في بيئة مشرقة هادئة، وأعتقد أن خير ما يلائمها في هذا الطور هو القطع الكلاسيكية الغربية وبعض القطع الشرقية الموفقة.
ولأرجع الآن إلى نفس النقطة التي بدأت منها فأتساءل ماذا عملت المدرسة في هذا السبيل؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد من معرفة ما يلي:
١ - ما هو هدف الوزارة المعارف من تدريس الموسيقا في المدارس؟ وما هي المناهج والمواد التي وضعتها لبلوغه - فغاية كل مدرس موسيقا أن يستطيع بلوغ هذا الهدف بإتباع ما توصيه الوزارة به وما تخطه له - وهل هذا الهدف كاف في تربية الذوق الفني لدى التلاميذ؟.
٢ - كيف تدرس الموسيقا فعلاً في المدارس؟ وهل يؤدي وجود ساعات لدراسة الموسيقا في جدول الميقات الأسبوعي إلى تحقيق غاية المعارف أولاً وإلى تحقيق التربية الفنية التي نريدها ثانياً.
وبعد الكلام عن هاتين النقطتين أقدم من الاقتراحات ما أراه صالحاً لبعث الروح الفنية وتقويتها.
هدف الوزارة المعارف ومناهجها
لم يتناول المربي الكبير الأستاذ ساطع الحصري في تقاريره نقد الحالة التي تدرس فيها الفنون الجميلة في المدارس الرسمية. ولم تنل قسطها من الإصلاح في البرنامج الجديد، فبقيت كما هي في البرنامج القديم وهذا البرنامج لم يذكر في المقدمة الغاية التي من أجلها تدرس الموسيقا في المدرسة بل قال: الموسيقا بما فيها من نواح مختلفة يجب أن ترافق الطفل من صفوف الحضانة وحدائق الأطفال حتى نهاية حياته المدرسية وهي كلغة من اللغات يجب أن يبدأ بها كما يبدأ بالتهجي بطرق جذابة تتضمن قسطا وافراً من التربية الحديثة يلقنها معلم اختصاصي بهذا الفن ولكن عدم وجود نص على الهدف في البرنامج لا
стр. 130
يعني أن هذا الدرس لا هدف له. ويمكننا من قراءة البرنامج أن ندرك أنه يهدف إلى تربية الذوق الفني الموسيقي عند التلاميذ وإن لم ينص على ذلك صراحة وهو يبغي تحقيق هدفه بوسيلتين:
آ) أولاهما تهذيب أذن الطالب وصوته وحنجرته وهذا يتضح في برنامج صف الحضانة إذ نص على أن الطلاب يتلقون أناشيد بسيطة التلحين مصحوبة بإشارات تقليدية تلقن بالسماع، وفي برنامج الصف الأول: سماع الأغاني والأناشيد والقطع الموسيقية بالأسطوانات، وفي برنامج الصف الثاني ففيه: تهذيب الصوت والأذن وتدريب الحنجرة على لفظ الأصوات السبعة في ارتفاعها وهبوطها تدريجيا ويقتصر على العلامات المستديرة فقط.
ب) وثانيتهما تعليم الطالب نظريات الموسيقا تعليما نظريا بحيث ينتهي الطالب من دراسته الابتدائية وهو يعرف القراءة الموسيقية الموزونة بالمقاييس وقراءة الأناشيد والألحان. . . وإيضاح بعض المصطلحات ونبذة من تاريخ الموسيقا وفكرة بسيطة عن النغمتين البالغة والقاصرة الخ. . . وبالاختصار ينتهي الطالب من دراسته الابتدائية وعنده ثقافة موسيقية كافية، ولكن الناحية النظرية مع الأسف هي الغالبة فيها. والمفروض أن الأستاذ سيعلمه كل هذه الدروس مستعيناً بالآلات الموسيقية وحمل التلاميذ على محاكاتها بأصواتهم وبحفظها في صورتها الجافة العلمية عن ظهر قلب، ولكن يظهر بوضوح من تلاوة البرنامج كله أن دور الطالب حين تعلمه نظريات الموسيقا هو دور سلبي ينفر التلميذ من الموسيقا أكثر مما يحببه بها وهو لن يجبها إلا إذا مارسها بصورة عملية واستطاعت يده أن تعرف ما يتلقاه نظريا ويتم له الانسجام والتجاوب النفسي والحسي بين أنامله وأذنه وحنجرته ومعلوماته الموسيقية النظرية. فالناحية العلمية الإيجابية التي لها القيمة العظمى في تطوين الذوق الفني لدى الطفل هي مفقودة ولكني أقول حتى لا أغمط البرنامج حقه أنه طلب من المعلم في الصف الخامس أن يعلم طلابه أناشيد مع مرافقة الآلات الهوائية (كالفيفرة) وهي جملة غامضة قد يفهم منها أن الطلاب أنفسهم يجب أن يرافقوا بهذه الآلات الأناشيد فبعضهم ينشد وبعضهم ينفخ، ويكون البرنامج في هذه الحالة قد أوصى بالناحية العملية أيضاً ويكون حقاً كاملاً أو قريباً من الكامل، وقد يفهم منا أن الأستاذ هو الذي يرافق بآلته التلاميذ وهم
стр. 131
ينشدون وأرجح أن واضع البرنامج يريد هذا المعنى الأخير.
فالذي يلاحظ على البرنامج هو إهماله الناحية العملية وإسرافه في الناحية النظرية إسرافاً يجعل من الصعب جداً على التلميذ حفظ مواده من دون أن يشعر بلذة مداعبة الأوتار في تطبيقها وأنه لم يراع أن الطالب لابد أن تتبخر هذه المعلومات النظرية من ذاكرته فينساها سريعاً، وإذا فرضنا المستحيل وزعمنا أنه استطاع حفظها وفهمها فلا يكون لنا من تحقيق هدفنا إلا الأسف على وقته وجهده الضائعين. وكل ما يستفيد الطالب هو تربية إذنه بسماع الأغاني والأناشيد والقطع الموسيقية، وتربية صوته بحفظ بعض الأناشيد.
٢ - كيف تدرس الموسيقا في المدارس الرسمية؟
أرى أن أجعل الكلام على هذه النقطة وفق مراحل التعليم الموسيقا في المدارس الرسمية فأذكر حالة الموسيقا في الحضانة وفي المدارس الابتدائية وفي المدارس الثانوية، فليس الأمر واحد في ثلاثتهن ففي الحضانة يطبق البرنامج فيما اعتقد تطبيقاً صحيحاً فالطفل فيها يتعلم كما يقول البرنامج أناشيد بسيطة التلحين مصحوبة بإشارات تقليدية تلقن بالسماع وأظن أن الوسائل كافية لتعليم الطفل هذا البرنامج ولكن النقص هنا يأتي من قلة مدارس الحضانة نفسها فهي ليست موجودة في كل حي وليست معممة في كل سورية وعدد هذه المدارس الذي لا يتجاوز في سورية عدد أصابع اليد لا يعني أنه عندنا مدارس حضانة تهدف، فيما تهدف إليه، إلى تربية الذوق الفني لدى الطفل فأغلب أطفالنا متروكون حتى نهاية السنة السادسة من أعمارهم إلى أمهاتهم الجاهلات وهم غي هذا العهد أحوج ما يكونون إلى مدارس الحضانة التي تتعهد ملكاتهم وقواهم وأذواقهم بالتربية الصحيحة وتجنبهم اكتساب عادات سيئة. وواجب معلمات الحضانة أن يتصلن بأمهات الأطفال الجاهلات في دورهن وإلقاء محاضرات عليهن تعلمهن الخطة المثلى التي يجب عليهن إتباعها مع أطفالهن كيلا يحصل تضارب بين البيت والمدرسة فيضيع ذاك ما تكسبه هذه ومنها هذه الناحية الموسيقية الفنية.
أما في المدارس الابتدائية فيلاحظ مايلي:
١ - لا وجود لمعلم الموسيقا المختص الذي يطلبه البرنامج لتلقين الطلاب دروسها، ونظام التعليم الابتدائي يجعل للصف الواحد معلماً واحداً ويطلب من المعلم تعليم الموسيقا في جملة
стр. 132
ما يتعلم وأكثر المعلمين يجهلون الموسيقا جهلاً تاماً أو يلمون فيها من الناحية النظرية إلماماً بسيطاً. أما الذين يتقنونها نظرياً ويحسنون العزف على إحدى الآلات فقليل ما هم فلا ينتظر من المعلم والحالة ما ترى أن يؤدي واجبه على وجه مرضي وهو مضطر في الغالب أما إلى أن يضرب صفحاً عن درس الموسيقا وأن يشغل ساعته بدروس أخرى وإما أن يستعين بأحد معلمي المدرسة الأخرى، وكثيراً ما يلجأ المعلم إلى أن يترك طلابه يتعلمون بعض الأناشيد بسماع من إخوانهم في الصباح حين الاصطفاف والدخول إلى الدرس الأول بل كثيراً ما يكون المعلم نفسه عاجزاً عن أن يغني أنشودة ما بأمانة ودقة لعجزه الفني بينما هو يطالب تلاميذه بإجادة حفظها.
ولست مبالغاً فيا أقول فأنا نفسي أكذب على نفسي وعلى الناس إذا ادعيت الآن أنني كنت أعلم الموسيقا لتلاميذي في صورة مرضية حينما كنت معلماً في المدرسة الابتدائية رغم أنني درست الموسيقا بصورة نظرية في المدارس الابتدائية وفي التجهيز وفي دار المعلمين الابتدائية ولكني لم أكسب من هذه الدراسة إلا الفشل والنسيان وهذا ما أكسبه كل زملائي أيضاً إلا إذا حاول بعضهم أن لا يقول الحق وكنت ألحظ أن جل المعلمين كانوا مثلي عاجزين عن تعليم الموسيقا. وأما المعلمون القادرون على تعليمها والذين أوتو نعمة العزف على آلة موسيقية فهم يحببون الموسيقا إلى طلابهم ولا شك ولكن هذا التحبيب لا يتعدى أن يقبل الطالب البلب=با على حفظ دروسهم النظرية ثم ينسوها سريعاً بعد أن يتركوا المدرسة وإنما يحبون الفائدة الكبرى من تهذيب أذانهم وأصواتهم. فإذا كان هؤلاء المعلمون قلة استطعنا أن نقول أن تعليم الموسيقا لا يؤدى في المدارس التربوية ولن يؤدها إلا إذا تعلم التلميذ الموسيقا في صورة فن لا في صورة علم وكانت تحت تصرفه في المدرسة آلة موسيقية.
٢ - إن المدرسة الناجحة في العزف ولدى المراجع الرسمية هي المدرسة التي ينجح طلابها في فحص الشهادة الابتدائية بأكثر نسبة لا المدرسة التي تحسن تطبيق قواعد التربية الحديثة وتعني بتنمية ملكات الطلاب ولهذا ترى معلمي المدرسة عامة ومعلم الصف الخامس الابتدائي خاصة يعنون بالدروس التي تدخل في فحص الشهادة الابتدائية فقط ويلغون في الغالب غيرها ومنها الموسيقا فيعطون ساعاتها لتلك الدروس العلمية ولا يمكن
стр. 133
أن تنمو الروح الفنية في مثل هذه النزعة فلا يستغرب أن نرى الموسيقا يهمل تدريسها حتى من قبل المعلمين القادرين عليه.
٣ - لا أعتقد أن وزارة المعارف قد جهزت مدرسة من مدارسها الابتدائية باسطوانات وآلة حاكٍ أو آلة موسيقية مهما حقرت ليعزف عليها المعلم نفسه قبل أن يعزف التلميذ وكيف يستطيع معلم الصف الأول أن يطبق البرنامج الذي يوصيه بإسماع الأطفال الأغاني والأناشيد والقطع الموسيقية بالاسطوانات في مثل هذه الحالة؟
أما تعليم الموسيقا في الثانوي فلا يؤدي إلى نتيجة أيضاً وليس ذلك ضعف الأساتذة أو عجزهم أو عدم رغبتهم في إفادة الطلاب فهم أساتذة مختصون قديرون ولكن الطلاب يأتونهم وقد ضمر فيهم الذوق الفني وضعفت فيهم الثقة بأنفسهم في تعلم الموسيقا فهم ضعاف فاقدو الميل للتعلم ولكنهم شديدو الرغبة في السماع حباً في إضاعة الوقت أمثر منه حباً في إشباع ميلهم البديعي. ثم إن مواد البرنامج وطريقة تدريه تدعو الطلاب إلى أن ينظروا إلى الموسيقا نظرتهم إلى علم جاف نظري مجرد تجريد الرياضيات ولكن ليس له فائدتها وقيمتها في الحياة فهم لا ينظرون أبداً إلى الموسيقا في تعلمها نظرتهم إلى فن جميل لأنهم يتعلمونها كعلم لا يتعلمونها كفن وكل ما يعجبهم من درس الموسيقا هو أن الأستاذ يعزف لهم في آخر الدرس قطعة لبتهوفن أو ستراوس أو غيرهما بناء على طلبهم أو تبرعاً من الأستاذ الذي يجد راحة في هذا من الجهد العقيم في تنمية الميل مات من الطلاب ومضى عهد تنميته حين كانوا صغاراً فهو يحار أين وكيف يبدأ؟ وأين وكيف ينتهي؟
أستطيع أن أنتهي من كل ما قدمت إلى أن المدرسة لم تؤد للأمة رسالتها الفنية التي يجب أن تؤديها في الناحية الموسيقية وأن الفنون إذا كانت تسير إلى الأمام الآن بخطوة وئيدة متثاقلة فالفضل في ذلك لا يرجع إلى المدرسة بل إلى السينما والمذياع واسطوانات الحاكي وإلى تقدم الحياة العامة الطبيعي المطرد الذي لا يعد تقدماً إلا إذا قسناه بحياتنا الفنية الماضية منذ عشرات السنين خلت ولكنه يعد تأخراً إذا قسناه بتقدم الأمم الناهضة التي تسير إلى الأمام بخطوات جبارة.
نعيم الحمصي
стр. 134
روضة الأطفال
للأستاذ: رشاد الأسطواني
كان الآباء والأمهات والمعلون والمعلمات - إلى عهد قريب - يعتقدون أن الغاية من تربية الأطفال هي شحن أدمغتهم بالحقائق التي يفرض عليهم خزنها واستظهارها.
مع أن السر في تقدم الأمم هو العناية بأمر تربية النشء تربية صحيحة مبنية على طبيعة الطفولة ومعرفة ما تحتاج إليه للوصول إلى نموها العقلي والخلقي والجسمي بطريق التشويق كي يتمكن الطفل في المستقبل أن ينمو ويعيش ويحيا حياة كاملة.
إن هذه الحقيقة دعت المربين روسو وباستالوتزي وفروبل وغيرهم أن يتطلبوا إتباع الحكمة في معاملة الأطفال وتعليمهم بطرق ترغيبية لا ترهيبية كيلا يسأموا العلم من أول نشأتهم ويحاولوا الابتعاد عن المدرسة والتجافي عن المعلمين. وعلى هذه المبادئ أسست رياض الأطفال في العالم المتمدين.
كانت سورية مفتقرة إلى رياض الأطفال وخالية منها تقريباً، إلا أن وزارة المعارف وجدت الحاجة ملحة إلى أن تعنى بهذا النوع من المدارس لأن الطفل اليوم غير طفل الأمس ولأن مطالبه ورغباته، فأحدثت منذ سنتين في دمشق روضة سمتها بـ زهرة الأطفال.
وإليك لمحة بسيطة عن روضة الأطفال بعد زيارة قصيرة قمت بها مع مفتشة المعارف الآنسة صبرية يحيى التي نشكر لها وللقائمات على الروضة معونتهن الصادقة في إخراج هذا المقال.
دخلت بهو المدرسة، فأعجبت بالصور المعلقة على جدرانه والتي تمثل الطبيعة وما فيها من مظاهر ساحرة، من حيوان ونبات، تدل على الذوق السليم والفن الجميل.
وكان الأطفال وقتئذ معتصمين في البهو من شدة البرد، يلهون ويمرحون ويقفزون ومنهم من يحاكي القطار في مشيته، ومنهم من يحاكي الحصان وسائقه، ومنهم من يلتهم قطعة من الحلوى، أو الشوكولاته، ومنهم من يقلب دميته بين يديه. والمعلمة منخرطة في زمرتهم، تشاركهم في ألعابهم وأعمالهم، تشجع ضعيفهم، وتنشط قويهم برقة وعطف ورحابة صدر، فحياة الطفل هذه بين أقرانه ومعلمته تكسبه فوائد جمة، إذ تتربى فيه العواطف الاجتماعية، ويتعود ضبط النفس وإنكار الذات، وينشأ على احترام ما لغيره من حقوق. فهو ليس في
стр. 135
مدرسة؟ بل في حياة عامة نشيطة، موافقة لميوله.
ولما حان وقت الدرس، قرع الجرس، فاصطف الأطفال وبعد التفتيش على نظافة ثيابهم وأجسامهم وأسنانهم وأظافرهم، عزفت إحدى المعلمات على البيانو النشيد السوري ورافقها الأطفال في الإنشاد بأصوات ملائكية وألحان شجية أعقب بتحية الروضة فالدخول إلى الحجر الجميلة، الواسعة النظيفة التي يتخللها النور والهواء والشمس من كل جانب، ويتناسب لون أثاثها مع لون جدرانها وما فيها من صور ورسوم، ولا تخلو من أزهار جميلة بديعة التنسيق. فالروضة تربي في الطفل حب الجمال وتقديره والإعجاب به من حيث لا يشعر.
دخلت والمفتشة حجرة الأطفال الذين تتراوح أسنانهم بين الثالثة والرابعة، فوجدتهم جالسين على كراسيهم الصغيرة وراء مناضدهم المناسبة لقاماتهم. والمعلمة واقفة بينهم تستميل انتباههم لتلقي عليهم حكاية إطاعة الوالدين ولما تم لها الأمر بإلزامه السكوت، ابتدأت تقص عليهم بصوت متغير، ممزوج بالعذوبة، ومملوء بالروح والنشاط، مع مجاراة سويتهم بالحركات والأقوال، والاستعانة بالرسوم تسهيلاً لرسوخ الحكاية في دائرة مخيلتهم.
لقد وجد الأطفال لذة عظيمة في سماع هذه الحكاية، ودخل السرور قلوبهم وكادو يسحرون وينسون كل شيء، كما كدت أسحر معهم لأن وقع الحكايات في التربية لا يعرفها إلا من ذاق حلاوتها، وعاشر الأطفال أنفسهم ورأى ما يخامرهم من السرور والفرح عند سماع الحكاية. فالحكاية تضيف شيئاً من القوة الحيوية إلى روح الأطفال. وتكسبهم تمريناً مفيداً لقواهم النفسية، وتفتح أمامهم باباً لإحساساتهم الخيالية، وتقوي رابطة المحبة بينهم وبين معلماتهم، وتتخذ وسيلة للحصول على أغراض شتة في التربية قد لا يمكن الوصول إليها بغيرها.
ثم انتقلنا إلى حجرة ثانية، فيها أطفال بين الرابعة والخامسة، يتعلمون القراءة. ولكن كيف يتعلمونها؟
إن الطفل ميال إلى حب اللعب بالأشياء اللينة القابلة للتحول إلى أي شكل في وقت قصير مثل العجين، ويجد لذة عظيمة عندما يعمل بيديه. فقد وضعت المعلمة بين يدي كل طفل قطعة من المعجونة يشكل منها الصوت الحرف الذي تطلبه منه. وكان يزداد حب الطفل
стр. 136
إلى قطعة المعجونة كلما طلب إليه تحويلها وتغييرها، فهو يفكر أنه يلعب، ولكنه في الحقيقة يقرأ ويكتب ويرسم، ويتعود الطلاقة في التعبير، والاعتماد على النفس، والإقبال على العمل بهمة ونشاط أثناء اللعب.
ثم انتقلنا إلى غرفة علق الأطفال فيها معاطفهم، ومنها إلى حديقة مرتبة، منظمة، حاوية على أزهار مختلف الفصول وعلى أشجار منوعة يستطيع الأطفال أن يستظلوا بها ويلعبوا تحتها. . فالطفل يوجه نظرة إلى الجميل حتى في الحديقة كما يتعلم آداب المائدة في غرفة الطعام التي لم تقل العناية بها عن العناية ببقية الحجر من حيث الأثاث واللون والرسوم.
وفي الروضة أيضاً أصونة كثيرة تحوي ألعاباً تكوينية منوعة توضع بين أيدي الأطفال وقت الحاجة، وجميع الوسائل التي لها علاقة بتربية أعضاء الحواس عند الطفل حتى تكون أنواع الإحساس التي تصل إلى النفس صحيحة صالحة لأن تكون أساساً للمعلومات.
فروضة الأطفال هذه تربي الطفل جسمياً وعقليا وخلقيا واجتماعيا وجماليا بطريقة ظاهرها لهو ولعب وباطنها عمل وجد. رأيت فيها حركة مستمرة، تدل على عمل منتج مثمر، ونشاط دائب، وتعاون ظاهر، وتقدم محسوس، ونجاح باهر.
لقد ذكرتني بأيام طفولتي، وبالسجن (المدرسة) الذي كنت أدخله صباحاً مكرهاً وأخرج منه مساءً فرحاً، لأنه كان يحصر فيه عقلي، وتكبل يدي، ويقيد جسمي. ذكرتني بالظلم الذي كنت أقاسيه، والعصا الغليظة التي كانت تنهال علي، والكلمات النابية التي كنت أسمعها من معلمي، والحقائق من المعلومات التي كانت تملى علي. فتألمت! ولكن سرعان ما ذهب الألم لما تذكرت أن ابني في الروضة يرتع ويمرح وكأنه يثأر لطفولة أبيه التي قضاها في الظلام في مدرسة تسير سيراً مطرداً في سبيل النجاح، وتتقدم تقدماً مستمراً لبلوغ أسمى الغايات.
فعسى أن تهتم وزارة المعارف بتعميم رياض الأطفال وتغذيتها بالعناية وبالمال وبالأثاث وتهيئة الوسائل الحديثة التي تفتقر إليها هذه المؤسسات الحيوية النافعة، وتنشئ عدداً كبيراً منها في جميع أنحاء الوطن ليتمتع أبن الفقير بما يتمتع به أبن الغني.
فرياض الأطفال ترعى الأحداث الرعاية التامة، وتدير شؤونهم في السنوات الأولى من حياتهم، وتؤهلهم للحياة في المدارس الابتدائية، ولا سبيل إلى إصلاح المدارس إلا بتأسيس
стр. 137
رياض للأطفال وتربيتهم تربية تلائم طبائعهم وتوافق غرائزهم.
رشاد الاسطواني
стр. 138
النشاط المدرسي
للأستاذ لطفي الصقال
المفتش في معارف حلب
كل ما يقوم به التلاميذ بين جدران المدرسة أو خارجها من أعمال - في غير أوقات التدريس - كتنظيم المسابقات والحفلان والرحلان وإنشاء جمعيات الرسم والتصوير والموسيقا، وتأليف لجان التعاون والتوفير والحانوت وسواها من كل ما يقتضي عملاً حراً وتفكيراً في الغايات والوسائل يمكن أن يدعى بـ الأعمال الحرة.
فالاستظهار درس يحفظ التلاميذ خلاله المقطوعات الشعرية والنثرية، ويتذوقون معانيها، أما في ساعات العمال الحرة، إذا قامت لجنة من التلاميذ في إعداد مباراة خطابية، ووزعت الأعمال على أفراد صف أو أكثر في المدرسة، وكلفت معلمي المدرسة أو الأولياء لحضور هذه المباراة، وكان ذلك كله بإرشاد أحد المعلمين وتحت إشراف المدرسة، كانت هذه الأعمال حرة وليست درس استظهار.
والأشغال اليدوية والرسم درسان يشتغل خلالهما التلاميذ ويرسمون، فيكتسبون المهارة في اليد، وتمييز الأبعاد والنسب في العين، أما إذا قامت لجنة من التلاميذ في تهئية معرض لأشغال تلاميذ المدرسة ورسومهم ونسقتها خير تنسيق، ورتبتها ترتيباً في ذوق وطرافة، وقرنت أعمال التلاميذ ببطاقات عليها أسماء أصحابها، وخصصت يوماً من أيام السنة لعرض هذه الأشغال والرسوم على من أراد من سكان الحي أو المدينة، وأعدت كل الأسباب لنجاح هذا المعرض، كانت هذه الأعمال حرة وليست درساً للأشغال والرسم.
والرياضة والموسيقى درسان يتمرن فيهما التلاميذ على الحركات، والغناء، لتقوية الأبدان وإرهاف الشعور والوجدان. فإذا عملت لجنة من التلاميذ على إجراء الحركات المشتركة والألعاب المنوعة، وعقدت لذلك جلسات نظمت فيها هذه الأعمال بإرشاد المعلم وتحت إشراف المدرسة، وحرصت على تدريب من اشتراك في هذه الألعاب حتى يشمل معظم التلاميذ، وهيأت مسابقات يشترك فيها مدرسة أو مدرستان أو أكثر كان هذا من الأعمال الحرة وليس درساً للرياضة والموسيقى.
هذه هي نماذج من الأعمال الحرة التي تتصل بالدروس مباشرة، وتكاد تكون تطبيقاً لها
стр. 139
ووسيلة، فيها روح وحياة، غير أن الأعمال الحرة تتعدى ما ذكرناه ويتسع نطاقها اتساعاً يتناسب مع نشاط المدرسة، والبيئة الاجتماعية والطبيعية والاقتصادية التي توجد فيها. وهناك بعض الأمثلة:
١ - لجنة الدكان
يستطيع التلاميذ فتح [دكان] وتأسيس شركة مساهمة، يحدد المبلغ اللازم لها، ثم يقسم أسهماً صغيرة لا يزيد الواحد منها على نحو [٥٠] قرشاً سورياً ويشتري التلميذ من هذه الأسهم ما يستطيع شراؤه، ثم تكون لجنة من التلاميذ لإدارة هذا الدكان بإرشاد المدرسة وتحت إشرافها. ويباع في هذا الدكان جميع الأشياء التي يحتاج غليها التلاميذ، وترصد حساباتها بشكل منظم في دفاتر يمسكونها بمنتهى الدقة، وهي توزع أرباحاً لا باس بها للأسهم.
٢ - صندوق التوفير
يستطيع التلاميذ أن يوفروا مبالغ صغيرة من موردهم الضئيل، بتكوين لجنة منهم تضع خطة للعمل، فتطبع استمارة خاصة تسمى تذكرة صندوق البريد وتسجل القروش عليها باسم التلميذ المشترك حتى إذا باغت الحد الأدنى لما يقبله صندوق التوفير في البريد، أو المصارف أودعت المبالغ هناك، وأخذ الطفل بدلها دفتران، بعد يقيد به المبلغ لحسابه. وكل استمارة جديدة تقدم لقلم صندوق البريد مصحوبة بالدفتر ليقيد به المبلغ الجديد.
٣ - جمعيات التعاون
يستطيع التلاميذ في مدرسة صالحة لتربية الدجاج أو الأرانب أو غيرها من الحيوانات، أن تقوم لحنة منهم بإعداد الأخمام والأمكاء، وشراء الحيوان المراد تربيته، وتقديم الطعام لها، والعناية بها، ومراقبة نموها وتكاثرها، حتى إذا ازداد عددها فكرت في بيع الفائض منها في الأسواق، والحصول على فوائد اقتصادية.
وقد يكون في المدرسة ارض يمكن استثمارها من قبل التلاميذ فتؤلف لجنة تدرس تربتها وتختار المزروعات التي تصلح لها، وتبحث عن وقت زراعة هذه الأنواع، وكيفية زراعتها، وطريقة ريها، وتقيس الأرض لمعرفة مساحتها وتقسيمها على أفراد الصف أو المدرسة، حتى إذا ما حان أوان المحصول فكرت بتصريفه وفوائده الاقتصادية. وقد يجر هذا إلى دراسة بعض الصناعات أو الأعمال التجارية ووسائل النقل وطرق المواصلات
стр. 140
في المنطقة التي توجد فيها المدرسة.
٤ - صحيفة المدرسة
يستطيع التلاميذ إن يقوموا بتحرير صحيفة مدرسية صغيرة، تتضمن أخبار الدراسة، وبعض المواضيع الاجتماعية والأدبية والعلمية بلغة سهلة يحررها التلاميذ أنفسهم ويطبعونها أو ينسخونها ويصححونها ويوزعونها ويحيون الاشتراكات من تلاميذ مدرستهم أو مدارس أخرى، وتجري هذه الأعمال كلها بانتظام وبإرشاد المدرسة وتحت إشرافها.
٥ - الرحلات المدرسية
والرحلات المنتظمة للمعالم الشهيرة في بيئة المدرسة أو ما يجاورها كالجسور، والآثار، والحدائق، والمصانع وغيرها. . . تنظم من قبل لجنة من التلاميذ بإرشاد المعلم وتحت إشراف المدرسة، ويخرج تلاميذ المدرسة يوم الرحلة كلهم أو يخصص يوم لتلاميذ كل صف حسب الظروف.
هذه بعض الأمثلة للأعمال الحرة وهو قليل من كثير. إذ أن هناك أعمالاً أخرى لا تقل أهمية عما ذكر. منها: فرق الكشافة وفرقة الرائد والجوالة ولجان التمثيل والخطابة والتصوير، واللجان الاجتماعية والصحية، ولجان المكتبة، والنوادي المدرسية، ولجنة الحدائق المدرسية. . . إلى غير ذلك من الأعمال النافعة التي تعود التلاميذ على الاضطلاع بأعباء الحياة، واحتمال المسؤوليات المختلفة وتكسبهم الشجاعة والثقة بالنفس والتعاون والرجولة وغيرها من خلال الخير وهي من وسائل التربية الخلقية الهامة التي يجدر بكل مدرسة أن توسع أمام التلاميذ مجال هذه الأعمال وتشرك أكبر عدد منهم فيها.
غير أننا يجب ألا ننسى أن نجاح الأعمال الحرة يتوقف على شيء واحد وهو رغبة المعلم وإيمانه، وتعاونه مع المدير وزملائه المعلمين فإذا كان المعلم مؤمناً بالفكرة القومية راغباً في تنفيذها بالأعمال الحرة متحمساً لها استطاع التغلب على الصعوبات ونجح في مهمته. ويحسن بالمعلم أن يقوم بعمل واحد أو أكثر حسب مقدرته، وقد يتولى هو القيام بالعمل بادئ الأمر حتى يتمرن التلاميذ ثم ينسحب تدريجياً ويترك العمل لهم يجرونه بإرشاده وتحت إشرافه.
لطفي الصقال
стр. 141
تكافؤ الفرص والتعليم الصحي
في توصيات مؤتمر جنيف
للأستاذ سعيد القضماني
نشر الأستاذ عزة النص في العدد الماضي مقالاً رائعاً عن المناقشات التي دارت في مؤتمر التعليم الدولي المنعقد في جنيف سنة ١٩٤٦ وننشر هنا، تتمة لذلك، التوصيات التي أقرها المؤتمر ووجها إلى وزارة المعارف في جميع الدول حول مبدأ التكافؤ الفرص ونشر التعليم الصحي.
تكافؤ الفرص
أقر المؤتمر الدولي للتعليم المدعو إلى الاجتماع في جنيف من قبل المكتب الدولي للتربية في دورته التاسعة للتوصية التالية بتاريخ ٥ آذار سنة ١٩٤٦:
إن المؤتمر:
لما كانت الاتجاهات الحديثة تلعب دورا هاماً في توجيه وتنظيم جهاز التعليم وخاصة فيما يتعلق بمبدأ المساواة في فرص الدخول للتعليم الثانوي الذي يقوم بمهمة إعداد الصفوة المختارة.
ولما كان هذا المبدأ في المساواة قد عولج في مؤتمر العمل الدولي وأشير إليه في ميثاق الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اونيسكو) إذ جاء في هذا الميثاق: إن من جملة الأغراض التي تهدف إليها المنظمة لتحقيق التعاون بين الشعوب تقرير مبدأ التكافؤ الفرص في التعليم أمام الجميع دون تمييز في العرق أو الجنس أو أي اعتبار آخر في الشرائط الاقتصادية أو الاجتماعية
ولما كان من الضروري أيضاً مواجهة هذه المشكلة ودراستها من جميع وجوهها وخاصة من الوجهتين التربوية والاجتماعية.
وبما أن تكافؤ الفرص في المدارس الثانوية قد اتخذت أشكالاً مختلفة حسب الوضع هذا التعليم، فاقتصر على فئة محددة من الطلاب في بعض الأحيان، واتسع، ولو شكلياً، في أحيان أخرى، فأصبح في متناول الطلاب كافة.
فالمؤتمر، على ضوء هذه الاعتبارات، يضع بين يدي وزارة المعارف في مختلف البلدان
стр. 142
التوصيات التالية:
١. - يجب أن يكون قبول الطلاب، كما هو الحال في بعض البلدان، مرتبطاً بفعاليتهم ورأي المعلمين فيهم أكثر من ارتباطه بنتائج الفحوص.
٢. - يجب أن يكون توزيع الطلاب على أنواعه المدارس، في البلدان التي يكون فيها التعليم الثانوي إجبارياً، وفق استعداداتهم الخاصة لا حسب رغبتهم ورغبة أوليائهم وذلك بعد دراسة هذه الاستعدادات دراسة فنية.
٣. - يجب أن يسود مبدأ التوجيه المسلكي في التعليم وخاصةً في السنين الأولى من التحصيل الثانوي فيقدم للطالب مجالاً واسعاً من التجارب والاختبارات وسهولة الانتقال من نوع إلى نوع آخر من التعليم.
٤. - يجب أن يرافق هذا التوجيه فحص دقيق للاستعدادات مبني على طرائق علم النفس التي يعتمد على الملاحظات والدوافع النفسية أكثر من اعتمادها على نتاج الطالب الظاهري.
٥. - ويجب أن يبذل الاهتمام الكافي لتقديم المساعدات المادية إلى المبرزين والموهوبين من فقراء الطلاب، ليس بمنحهم المجانية في التعليم فحسب، بل بتخصيص المبالغ التي تنهض بجميع نفقات الدراسة والتي تهيأ لهم الجو الملائم لنمو ثقافتهم مما لا تهيأ لهم في محيطهم الخاص.
٦ - يجب تسهيل سبل الدراسة للطلاب النابغين، الذين اضطرتهم ظروفهم للعمل وكسب الرزق، لكي يستطيعوا متابعة الدرس وإنهاء تحصيلهم الثانوي.
٧ - ويجب، أخيراً، منح مساعدات خاصة للطلاب الذين اضطروا لقطع دراستهم بسبب ظروف الحرب.
التعليم الصحي
إن المؤتمر:
لما تبين له أن حفظ الصحة، بالنسبة للفرد والمجتمع، قد أخذ يتراءى، في كثير من البلدان، كمظهر من مظاهر التربية بالإضافة إلى فوائده العملية للفرد والمجتمع.
وأن انتشار التعليم الصحي يزيد في القيمة المعنوية للاعتبار الإنساني ويزيد في نحسس
стр. 143
الفرد للواجب نحو نفسه ونحو الآخرين وان تطبيق مبادئ حفظ الصحة أضحى ضرورة ماسة بعد الخروج من الحرب. . .
لهذا كله قرر المؤتمر توجيه التوصية التالية لوزارات المعارف في جميع البلدان:
١ - يجب تدريس التعليم الصحي بصورة إجبارية في جميع مراحل التعليم، الحضانة، الابتدائي، والثانوي ودور المعلمين، دون أن يتخذ تدريسه شكلاً علمياً تقريرياً.
٢ - يكون تدريس حفظ الصحة بصورة عملية في المرحلة الأولى من التعليم، ويمكن تدريسه يومياً في المناسبات المختلفة للحياة المدرسية، وذلك عند معالجة قضايا النظافة وحسن الهندام. . .
٣ - ويجب أن يتعدى التعليم الصحي في الصفوف العليا للمدرسة الابتدائية الوسط المدرسي إلى الوسط العائلي والمهني والاجتماعي.
٤ - أما في الصفوف الأولى من المدارس الثانوية، فيجب أن يرتكز التعليم الصحي على علم التشريح وعلم منافع الأعضاء. ويكون متمماً لهما، وفي الصفوف العليا، يدرس بشكل علمي منظم مستقل على أن يصطبغ بصبغة أخلاقية واجتماعية سامية تخلق في نفس الطالب شعوراً قوياً بواجباته الفردية والعائلية والاجتماعية.
٥ - ويجب أن يشمل التعليم الصحي، عدا عن صحة وظائف الجسم الهامة وأمور التغذية والألعاب، يجب أن يشمل صحة الولادة وتربية الطفل ومبادئ الإسعاف وذلك عندما يدرس إلى كبار الطلاب من الجنسين. يجب أيضاً صرف الاهتمام للعناية بالصحة النفسية.
٦ - يجب تدريس الشؤون الصحية بصورة عملية خلال المدة التي يقضيها الطلاب في المعسكرات والمخيمات الصيفية.
٧ - يجب أن تدخل التربية الجنسية في التعليم منذ المدرسة الابتدائية، وأن يشرح الطبيب للشبان والشابات، في المدرسة الثانوية، ملابسات المسألة الجنسية وأن تدرس أعراض الأمراض البولية تدريساً خاصاً إجبارياً في نهاية مرحلة التعليم الثانوي على شكل أحاديث طبية مصحوبة بالصور أو الأفلام العلمية كما يجري الآن في بعض البلدان.
٨. - يجب أن يسود التعاون القوي بين الهيئات الطبية والتعليمية ومؤسسات الخدمة الاجتماعية حتى تتحقق الغاية من أن تؤتي التعليم الصحي ثماره المرجوة في جميع مراحل
стр. 144
التعليم.
٩ - مهمة الهيئة الطبية المدرسية هي الإشراف والسهر المتواصل على صحة الأطفال والمعلمين، ولكن يجب أن يكون لها مهمة رسمية أخرى هي التفتيش على سير التعليم الصحي وذلك بأن تقوم بتوجيه المعلمين الابتدائيين وإسداء النصح لهم، وبأن يتعاون الأطباء مع أساتذة المكلفين بتدريس علم الصحة في المدارس الثانوية على تنظيم المحادثات الطبية للطلاب وعرض الأفلام وإعداد المناظرات وأخيراً، بأن يلقوا على المربين دروساً في أصول التعليم الصحي.
١٠ - ويجب أن يكون الأطباء المكلفين بالتفتيش الصحي في المدارس أخصائيين في شؤون التربية ومشاكلها ولهم الاستعداد ومقدرة على توجيه التعليم الصحي في شتى مراحل التعليم، وعليهم أن يتعاونوا مع المربين لتنظيم وتوجيه نشاط الطلاب خارج المدرسة لتطبيق مبادئ الصحة الفردية والعائلية والاجتماعية.
١١ - يجب على المدرسة لأن تعد جميع الوسائل العلمية وتضعها تحت تصرف المعلمين حتى يكون التدريس الصحي عملياً ومنسجما مع طرائق التدريس الحديثة.
١٢ - يجب تشجيع الأطباء والمربين على نشر التعليم الصحي خارج المدرسة إلى الشبان والآباء وذلك بإشراك أولياء الطلاب في معسكرات التربية الصحية، والتربية العائلية والتربية الاجتماعية، وعلى تنمية اتصال الأطفال بالحياة الواقعية.
١٣ - يجب ترك قسم من التعليم الصحي إلى فرق من الطلاب تعمل بحرية وبصورة مشتركة وفق مبادئ التربية الحديثة كالعمل في مؤسسة الصليب الأحمر للشباب وفي المنظمات الكشفية. . .
١٤ - وأخيراً فإن التعليم الصحي يجب أن يفضي بطبيعة الحال إلى تحسين الشرائط الصحية في مدارس العالم من حيث البناء والأثاث.
سعيد القضماني
стр. 145
العظماء
هؤلاء الذين لا يريدون استعلاء ولا تكبراً، ولا يريدون فساداً واستبداداً بالناس، بل يريدون سلام الإنسانية وخيرها، وصلاح البشر وسعادة الأمم، هم بحق العظماء.
أحمد لطفي السيد
следующие страницы →