Полный текст (608 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
٤_الخدمة الاجتماعية الطبية.
٥_الأندية والساحات الشعبية.
٦_الروابط الاجتماعية بين الأمم العربية.
٧_الطفولة المشردة.
٨_مشكلة البطالة.
٩_مشاكل العمال.
لبنان
توسيع التعليم الرسمي
كانت الطوائف والجمعيات هي التي تنهض بالعبء الأكبر من التعليم في لبنان ولكنه صحب الطور الاستقلالي توسع في إنشاء المدارس الرسمية والإقبال عليها من جميع الطوائف. فقد جاء في إحصاء رسمي لوزارة التربية للسنة الماضية أن عدد المدارس الرسمية بلغ (٣٠٨) للبنين والبنات وعدد الطلاب بلغ (٣٠١٢٢) طالباً وطالبة وكانت نسبة الإقبال موزعة بين الطوائف على الشكل التالي:
مسلمون سنيون (٢٨) بالمائة
مسلمون شيعيون (٢٣) بالمائة
مسلمون دروز (٨) بالمائة
مارونيون (١٧) بالمائة
روم ارثوذكس (١٤) بالمائة
روم كاثوليك (٥) بالمائة
طوائف مختلفة (٥) بالمائة
المؤتمر الدولي في أميركا
التبادل الثقافي
_ عالج مؤتمر التعليم الدولي بنيويورك ضرورة التبادل الثقافي بيت الأمم، فاقترح المندوب الأميركي تبادل الزيارات للأساتذة والطلاب فيقوم (٥٠) ألف جامعي من الولايات
стр. 72
المتحدة (٥٠) ألف جامعي من هذه البلاد.
وأوضح مندوب (ايكوسيا) أن التبادل الشخصي له من الأثر أكثر ما للتعليم في بطون الكتب، وأن إشاعات التبادل في الزيارات من شأنه أن يجعل الأساتذة والطلاب يطلعون على الجميع المدارس ويعيشون في الوسط الثقافي للبلدان الأخرى، وختم كلمته بقوله: أننا سنواجه ذلك التسابق بين التربية وتدهور الحضارات فكل معلم يجب أن يكون رسول الإسلام
مشروعات هيئة الأمم
فرغت الجنة التحضيرية للهيئة العلمية التابعة لمنطقة الأمم المتحدة من أعداد المشروعات العلمية: عقد المؤتمرات الدولية الثقافية، مساعدة الفنانين، تشجيع الأبحاث، تبادل الطلبة والمعلمين والعلماء، إصلاح المتاحف، الكتب المدرسية، حقوق التأليف، نشر كتاب سنوي عن التعليم في مختلف الأمم، إنشاء مؤسسة لمعونة المؤلفين.
النروج
النهاية الصحية
تعني في النورج عناية الكبرى في إعداد جيل إعداداً صحيحاً قوياً فالآن مع استحكام أزمة الغذاء، يستطيع جميع الطلاب يستطيعون أن يتناولوا وجبة دسمة تتألف من كأس من اللبن وشطيرة من كبد الحوت، ومن الجبن وتفاحة أو برتقالة، وفي جميع المدارس النروجية وطوال مدة الدراسة تشرف هيئة طبية على نمو الأطفال وتقوم هيئة أخرى بالعناية بأسنانهم مجاناً وتقام المعسكرات الصيفية في الغابات على نفقة الدولة حيث يتعاطى الطلاب فيها جميع أنواع الألعاب الرياضية.
اليابان
توجيه التاريخ
سمحت السلطات الأمريكية المحتلة في اليابان للمدارس باستئناف تدريس التاريخ بعد توقف تدريسه منذ كانون الأول سنة ١٩٤٥. وقد أشرف على إعداد كتب التاريخ الجديدة
стр. 73
لجنة من الاختصاصيين الأمريكيين بعد تطهيرها من الفصول المتعلقة بسلالة الآلهة والنظريات المفرقة الخاصة بفكرة السيطرة اليابانية. أما الجغرافيا فسمح بتدريسها منذ آخر تموز من السنة الحالية.
بريطانيا
المدرسة أساس الاستقلال
من أهم عوامل التربية في بريطانيا أنها تطلق يد المدير والمدرس والأستاذ في أسلوب تعليمه وفقاً لحاجيات المحيط. فلا سيطرة مركزية شديدة الوطأة تبين على الأسلوب والمنهاج فتجعل منها آلتين جامدتين لا تتأثران بعوامل المحيط ولا تلقي الحبل على الغارب محدثة الفوضى. بل تشرف أشرافاً بعيداً مقدمة النصح والإرشاد تاركة للمعلم في صفه انتقاد أفضل الطرق لمعالجة مشاكله وتلقين طلابه على اختلاف مشاربهم وميولهم وبيئاتهم بأفضل الأساليب الموافقة لهم ليكون منهم شخصية مستقلة لا آلة عمياء تكبس على زر حيويتها فتطيع طاعة عمياء.
هذا هو العامل الأساسي التربوي في بريطانيا العظمى الذي يعد أشخاصاً ذوي استقلالية. والاستقلال ليس بثوب يلبس أو رداء يرتديه المرء إنما هو نتيجة التربية المدرسية الحقة_تلك التربية التي يزاول فيها الطلاب أموره بينما أستاذه وذووه يشجعونه على القيام بأمور نفسه وعلى الاستقلال في التفكير والعمل. فالمدرسة هي أساس الاستقلال وأساليب التعليم دعامته، وبوسع المعلم أن يجعل من تلميذه آلة مسيرة لا روح استقلالية فيها أو شخصية مفكرة مستقلة في أمورها متعاونة مع الغير في كل ما يؤول على الخير.
فرنسا
شؤون الطفولة
تعد الجنة الوطنية للطفولة في فرنسا برئاسة الدكتور لبسن العدة لسلسلة هامة من المحاضرات لموسم ١٩٤٦_١٩٤٧ تدور حول وضع الطفولة الاجتماعية من الوجهة التشريعية وهذه. بعض موضوعات المحاضرات:
نقص المواليد، الهجرة، الحماية الاجتماعية، التبني، الطفولة قبل المدرسة، التدريب المهني،
стр. 74
التوجيه المسلكي، عاهات الطفولة، الطفولة المجرمة، الخدمة الاجتماعية، مكافحة الأمراض الاجتماعية (السل الزهري الكحولية).
روسيا
الثقافة الشعبية
يحتوي نظام التعليم في الاتحاد السوفيتي على قسم خاص بمكافحة الأمية وتثقيف العامة.
ولقد كانت نسبة المتعلمين قبل الحرب الكونية لا تزيد على ١٠ % في القسم الأوروبي من روسيا، وتنقص عن ٢ % في القسم الشرقي منها أما الآن فقد انمخت في القسم الأوربي ولم تعد تجاوز ٢٠ % في القسم الشرقي.
وعلى هذا فأن برامج التعليم في الاتحاد السوفيتي لا تقف عند التعليم المعطى في المدارس ذات الدوام الكامل بل أنشئت مراكز لمكافحة الأمية في كافة أنحاء بلاد الاتحاد: في العمال والمزارع والثكنات.
وأرقى مدارس الأمية هذه المدارس التي أنشئت للعمال والفلاحين الذين تجاوزوا السابعة عشرة من عمرهم والذين يقضون في هذه المدارس ثلاث سنين يداومون خلالها عشرين ساعة الأسبوع فيحصلون على المعلومات نفسها التي يحصل عليها طالب يداوم وقتاً كاملاً على مدارس الدرجة الثانية. وبرنامج هذا المدارس محتو على عمل تطبيق ذي علاقة بمهنة الطلاب ودراسات ذات صلة وثيقة بالحياة بقصد منها الأخذ بيد الطلاب إلى تقدير معنى العمل كما يحتوي في المخابر والمكتبات وزيادة المزارع والصانع والمتاحف.
стр. 75
مع الكتب والصحف
مكتبة الأطفال
جاءنا العدد الأخير من مكتبة الأطفال المصورة التي يشرف على إصدارها الأستاذ لطفي الصقال مفتش المعارف في حلب. وهذا الجزء الأخير عن زينب ملكة تدمر أهداه للمكتبة الأستاذ المربي السيد بهجة الشهبندر مدبر معارف محافظة حلب.
وتلقينا أيضاً العدد السادس من مجلة الطفل التي تصدرها لجنة التأليف والنشر بحلب بإدارة الأستاذ عبد الله الخطيب مفتش المعارف بالشهباء ولا حاجة للقول بأن كلاً من مكتبة الأطفال وومجلة الطفل قد سد فراغاً عظيماً ولي حاجة ملحة في مدارسنا وفي عالم الطفولة فالمعرفة تقدر للأستاذين الصقال والخطيب ورفاقهما الجهد الصادق وتأمل من الزميلات والزملاء الإفادة من هذين المشروعين الجليلين.
وقد ذكر الأستاذ سيد قطب في مجلة علن النفس الفوائد المتوخاه من مكتبة الأطفال في النقاط التالية:
١. تنمية معجم الطفل اللفظي بتزويده بطائفة صالحة من الألفاظ والتراكيب والأساليب.
٢. تهذيب ذوقه الفني للأساليب الأدبية المناسبة والصور والألوان المصاحبة.
٣. إرهاف حسه الإنساني والخلقي بجمال الأساليب والصورة بطبيعة الموضوعات التي تختار تثيره في النفس من انفعالات واستجابات.
٤. تزويده بطائفة صالحة من المعلومات الثقافية في كل اتجاه بما يناسب مستواه.
٥. إشارة شوقه ونشاطه وإيقاظ ميوله واستعداداته وإدخال البهجة على حياته مع تحقيق كل ما مر من الأغراض.
تربية الفرد
قال أحد الكبار المربين الأستاذ وليم أرنست هوكنح
جرت العادة أن نرى الدولة حقيقية عظيمة تأتي بأجل الأعمال وأخطرهما ولكن هناك في نظر التربية حقيقية أعظم من الدولة، وهي الفرد، فمنه تتكون الدولة، ومن أجلة توجد الدولة، ولم يخلق الأفراد من أجل الدولة فكل ما في الدولة من حياة ذكاء ومن نشاط مستعد منه فالفرد هو القوة المحركة التي تنبعث منها كل قوى الدولة.
стр. 76
وتنطوي تحت الفرض العام مباحث لا حصر لها، وقد تشعبت فيها آراء المفكرون والمربين، وإن كان اتجاههم جميعاً واحداً. فما معنى المجتمع؟ ذلك المجتمع الحر المتضامن الذي نسميه في هذه الأيام بالمجتمع الديمقراطي؟ وما هي غاية الحياة الاجتماعية؟ وما حدود الحياة الاجتماعية ومدى الواجبات التي يجب على الأفراد أن يلتزموها نحوها؟ ثم إلى أي حد تكون للأفراد الحرية في تصرفهم؟ وهل تعارض بين الفرد ومصلحة المجتمع؟
وقد تأثرت مباحث التربية بهذا التفكير، فكل هم المربين في هذه الأيام أن يلمسوا الرسائل التي تنمح للأبناء فرص إنماء فرديتهم، بحيث يكونون أماماً صالحاً للمجتمع الذي يعيشون فيه، وللعالم الواسع بوجه عام.
فما هي المناهج التي تحقق هذه الغاية؟ وما هي الأساليب التي تتبع في تعليمها؟ وكيف تكون خطة الحياة المدرسية في مجملها كفيلة بتحقيق كل هذا.
هذه وغيرها من المباحث لا محل لها في مثل هذا الحديث العام، ولكنا لا نجد غنى عن التعرض لبعض الجوهريات في نظرنا هي التي تكاد تكون متفقاً عليها في اتجاهات التربية في عصرنا الحاضر.
فإذا كان أول ما تحرص عليه التربية هو نمو الفرد من جميع نواحي وجوده، كان معنى ذلك أم هذا الكائن الحي ينبغي أن ينمو نموه الطبيعي الذي ترسمه الأبناء. وهذا ما جعل التربية الحديثة تقوم على أساس مباحث علم النفس، الذي أصبح اليوم الرائد الأول في ميادين التعليم. وقد نشأت من هذا اتجاهات جديدة في أساليب التعليم تكاد تبلغ حد الثورة، ولاسيما في الأدوار من حياة الأبناء
стр. 77
علم النفس
لمفتش المعارف الأستاذ فاخر العاقل
يحوي الكتاب على منهاج علم النفس لطلاب المدارس الثانوية.
وقد اقتصرت مباحثه على الوظائف العقلية العليا، ودراسة الانفعالات النفسية، وأشار إلى الناحية العلمية في توجيه الانفعالات وعلاج مظاهرها المنحرفة أو العنيفة.
وقد عمد إلى تلخيص المباحث واختصارها على قدر المستطاع ليسهل درس علم النفس على الطلاب المدارس الثانوية باعتبارهم مبتدئين في هذه المادة.
стр. 78
العدد ٢ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩٤٧
стр. 79
الطيران السوري
في حديث لمعالي وزير الدفاع الوطني
الأستاذ أحمد الشرباتي
شهدت دمشق في الشهر الماضي الحفلة الرائعة، التي رعاها فخامة الرئيس الأول، لتدشين باكورة أعمال جمعية الطيران السوري، وقد رأت المعرفة أن تتحدث إلى معالي وزير الدفاع الوطني ورئيس جمعية الطيران السوري السيد أحمد الشرباتي في موضوع الطيران السوري ومدى مساهمة أسرة التعليم في هذا المشروع القومي. فانتدبت المجلة سكرتير تحريرها لهذه المهمة فظفر من معالي الوزير بالحديث القيم التالي:
نادي الطيران
ترتكز أسس الطيران السوري على ثلاث دعائم: نادي الطيران، جمعية الطيران السوري، وسلاح الطيران.
أما نادي الطيران فقد قام على أنقاض الطيران الفرنسي في ضاحية المزة، والغاية من هذا النادي، العمل على نشر فكرة الطيران والترويج لها في جميع الأوساط، وينظر أعضاء النادي إلى الطيران كلون من ألوان الرياضة سبور لذلك فهو يضم (١٢٠) شابا من الهواة الغواة يتمرنون على قيادة الطائرات والقيام برياضة جوية، ويتولى السيد طريف كرد علي أمانة سر النادي كما أتولى رئاسته بصفتي الشخصية.
جمعية الطيران السوري
أما الدعامة الثانية في جمعية الطيران السوري التي شهدت العاصمة السورية منذ مدة جهدها الأول في حقل الطيران السوري، وهذه الجمعية لها مثيلات في أكثر الدول الناهضة الناشئة ومهمتها دعم سلاح الطيران بجمع التبرعات وشراء الطائرات للجيش وعمل كل ما من شأنه مساعدة الطيران وتعزيزه، أن موازنة الدولة تنوء مهما تضخمت، عن النهوض بأعباء شراء الطائرات لدولتنا الحديثة الناشئة، فجمعية الطيران السوري التي تضم نخبة صالحة من مختلف طبقات الأمة وهيئاتها أخذت على عاتقها النهوض بهذه المهمة المقدسة فهي تقوم من جهة في تزويد الجيش السوري بما يحتاج من الطائرات وتكون من جهة أخرى مثالا حيا على نجاح مشروعات الخدمات العامة التي لا غنى لكل دولة تنشد التقدم،
стр. 80
إن نجاح جمعية الطيران في مهمتها يشجع كثيرا على قيام جمعيات أخرى تقوم بالخدمات العامة التي تفتقر البلاد إليها الآن كالعناية بالناحية التعليمية والصحية وغيرها من المرافق العامة لأن موارد الدولة لا تستطيع أن تلبي رغبة الشعب الملحة للعلم وحاجته القصوى للعناية الصحية.
سلاح الطيران
والدعامة الثالثة هي سلاح الطيران الذي أصبح يقوم بخدمة جلي في توطيد الأمن الداخلي في سائر أنحاء البلاد، فالطيران هو أرخص وأسرع السبل للقضاء على كل ما يعكر أمن الدولة ويخل في هدوئها. . . وهناك مدرسة الطيران تعمل على إعداد الطيارين لسلاح الجو وتسير وفق أحدث مناهج مدارس الطيران في العالم ولها شعب لسائر فروع الطيران وشعبة خاصة للأرصاد الجوية.
معونة أسرة التعليم
أن معونة أسرة التعليم والطلاب المادية لتعزيز مشروع الطيران، مهما زادت، لا تعدل المعونة الأدبية التي بمقدور الأساتذة أن يقدموها لجمعية الطيران، فالأساتذة بحكم عملهم، قادرون على الدعاية للمشروع ونشر الفكر بين أوساط الطلاب الذين ينقلونها بدورهم إلى أوساطهم العائلية، إننا نريد منكم أن تكونوا رسل دعاية وتبشير وعاملا من عوامل الضغط المعنوي حتى يسهل على جمعية الطيران القيام بمهمتها عند جمع التبرعات وذلك عندما تصبح الفكرة مقبولة لدى الشعب، وبإمكان الأساتذة الطواف بطلابهم في المطارات ليتحسسوا الطائرات ولتزول من نفوسهم الرهبة من الطيران والطائرات، إن جمعيتنا تهدف في الدرجة الأولى إلى أن تسود بين أوساط الشعب عقلية الطيران وتصبح هذه الفكرة سائغة مقبولة لدى الجميع، فيقدم الشخص على ركوب الطائرة بنفس الرغبة والسهولة وعدم المبالاة التي يشعر بها عندما يهم بركوب السيارة أو التزام، ومتى عمت هذه الفكرة وانتشرت، أقبل الشعب عن طواعية وبدافع غريزي على التبرع لشراء الطائرات ولدعم سلاحنا الجوي وتعزيزه.
стр. 81
الإكراه في الذوق
للدكتور: عادل العوا
انظر أيها القارئ إلى نفسك وإلى الناس حولك، تجدك وتجدهم على إيمان بالحرية التامة، وفي كل شيء، بل على الأقل في كل شيء من نطاق الفن والذوق، ولكنك واهمم في ذلك، مثلهم ومثلنا ونحن كلنا واهمون.
نساؤنا
بعض نسائنا يرتدين زاهيا، ويسفرن عن وجه جميل صبوح، وبعضهن يلبسن الحجاب كثيفا أو بعض كثيف، وبعضهن يرفلن في متحف من الألوان المتحركة الواضحة من الرأس إلى القدم، فإذا عرض لك منهن جمع غفير وجدت شبكة لونية تتماوج في الشارع تحت ناظريك، وسمعت همسا متفاوتا في الانسجام، وخيل إليك إن المرأة ليست ذاك الإنسان الوديع العاجز القاصر، الذي كنت ترجو، فلا الدار معبد المرأة، ولا المغزل سلاحها، ولا تربية الصغار غرامها، بل هي موجود يعنى بالظهور، ويعنى بالحركة، ويعنى بالاجتماع، وهي على كل حال موجود ينتج الاستهلاك في حقل الاقتصاد.
قد لا تروقك هذه الحرية عند المرأة، إن كنت تكره مبدأ المساواة، وقد لا تكفيك هذه الحرية الابتدائية بل الأولية إن كنت ممن يعشقون الرقي والحضر في المدينة، ولكنك في الحالتين واهم إذا ظننت أن الحرية تامة لك فيما ترفض أو تريد، أو للمرأة فيما هي أو فيما تعمل، وإنك في الحالتين لن تجد المجال واسعا رحبا، ولا الحرية حقيقة صحيحة، إلا في ميدان الفكر والنظر فحسب.
شبابنا
والشباب من رجالنا، أي الأحياء من قومنا، اقتحموا حريتهم اقتحاما، وغزوا بالجهد وبالمناسبة وباغتنام الفرص السعيدة عالمهم الذوقي، وانطلاقهم الفني، فقد كنا نتزك الحرية لكل شخص مثلا فيضع طربوشه مائلا إلى الأمام، أو متداعيا إلى الوراء، أو متكئا على إحدى الأذنين ذات اليمين وذات اليسار، وقد كنا نرغم كل يافع وشاب على احترام ذوق الناس بلباس رأس فارغ أحمر قاني، غير أن الحرب الثانية قد أتت، ثم ذهبت، فتحررت رؤوس من الظاهر عند الشباب، وأصبحنا نؤمن بحرية الإنسان التامة في الزي، وأصبح
стр. 82
الأصل سفور سطح الرأس في صيف آب ورياح آذار وتقلبات شهر شباط!. . .
غير أن نظرة اتفاقية إلى سكان مدننا وسواحلنا تطلعك على عجب من التفاوت والاختلاف، فتجد النماذج كونية تترى، فيها اللباس الأوروبي الناقص، وفيها الثوب المختلط الغريب، وفيها الزي البالي القديم.
وعن كل هذا تجد بعضنا راضيا عن بعض من التجديد، وهو من أنصارالحرية التامة في الذوق، وتجد بعضنا الآخر غير راض عن أي شيء من هذا التبديل،
وهو من أعداء الحرية، أي حرية كانت، إن كانت الحرية هي غير التقليد القديم.
الأسرة
ثم تصل الأسرة فتسمع - أو ترى - فتاة ترغب في زوج تتمنى أن تختاره قبل أن تزف إليه، وتعمل قليلا أو أقل من القليل في سبيل التفاهم قبلا وإياه، وهذه هي المتحررة التامة الوثابة، أو إنك تحدّث عن أخرى قانعة بالنصيب، يساوم على ثمنه وثمنها واضعو المهر المهرة الحاذقون، فإذا تمت الصفقة تم العقد، واقترب الفؤادان، وما أكبر التفاوت الذوقي بينهما أحيانا، وأشد التفاوت في العمر أحيانا أخرى، فتنجب ورود الحياة الدنيا، وتتحقق سعادة القناعة بالعادة، وهذا حال الفتاة غير المتحررة في قول المتحررين، ترضى من القلادة بأي قلادة، ومن الزواج بأي زوج، ومن الروّاد بأول - بل بأغنى - طارق ليل، وإنك لتحار حتما - أو تحار مثلي على الأقل - في تفضيل أحد الحلين، هل ترى أنك تفضل مذهب المتحررين، أم تنصر أنصار التقاليد؟ وفي الأمرين إنك تؤمن - على عكس مني - بالحرية التامة للإنسان في خلق الأسرة، وتصورها، وبنائها، وإحكامها، وتريد أن يكون الذوق هو القاضي العدل، والحاكم الوحيد.
تقر صعوبة اختيار الإنسان لوالديه قبل ولادته، ونتمنى أن يعوّض عن المستحيل بالممكن، فيعمل على انتخاب شريكته في الحياة، ولكن ذوقك في الإيمان بالحرية هو غير حريتك في تحقيق هذا الذوق الممتاز الرائع السليم، وهذا ما تتبينه إذا صحبتي حتى نهاية هذا المقال.
المجتمع
وإذا شاء لك القدر وصلت إلى معرفة الحياة الاجتماعية وإلى فهمها، ولكنك حين تعرف الحياة الاجتماعية وتفهمها الفهم العلمي الصحيح تحسب القدر يحتم عليك أن تكون حرا في
стр. 83
تفكيرك طليقا، ولكن القدر يحتم عليك في الواقع ألا تجد المجتمع يحقق أية حرية تامة سواء في القول أو العمل أو الذوق.
راقب سلوك المواطنين حولنا، ففي دائرة البريد يسحقك المستبقون إلى نافذة بيع الطوابع، لأنهم يعتقدون بحريتهم الأدبية التامة في سحقك دونما خصام، وفي نفيك دونما حكم أو عقاب، يصدمك أحدهم ويجتازك ويتجاوزك وتصل رسالته إلى هدفها وربما تعود وأنت لا تزال في إقامتك الإجبارية تنتظر فرصة وصولك إلى هدف مقبول من غير أن تسيء إلى حرية غيرك، على حساب حقك وكرامتك.
وإذا رأيت هذا كله، علمت أنه يحمل إليك النفع المعقول، ووجدت أن سلوك المواطنين يفيدك هناك، لأنه تدريب وتمرين لما تلاقي من صعاب إذا أردت الصعود إلى قاطرة كهربائية، وبقيت على الرصيف من الربيع إلى الخريف، وأنت لا تزال تؤمن بحرية غيرك التامة، وتصبح على تمام الإيمان بعدم حريتك أبدا.
وربما تأنف العيش عندها في عالم الواقع، فتطلب الخيال، وتتمنى لحظة راحة من النفور والعناء، فتبحث عن صالات الشاي أو الموسيقى أو التمثيل أو معارض الصور والرسوم والتماثيل، وأنت ترجو في ذلك إرضاء حريتك في الذوق.
والسلامة من الدنيا إلى الدنيا، ومن الواقع إلى الفن، ولكنك واهم في ذلك عندنا، فلست تبلغ ما يتعذر، لأن مجتمعنا ليس له الحرية التامة في إعطائك ما تطلب، وليس لك الحرية التامة في وجود ما تريد.
والنتيجة أنك تعود إلى الانطواء على النفس، وفي نفسك وحدها تجد وهمك وحدة بالحرية التامة، فتأسف قليلا، ولكنك ترضى كثيرا بعد حين، حين تتحدث مع عقلاء الناس فيطالعك بعضهم، وهم من أعداء الحرية والتجدد، بأن هذه الترّهات الفنية أمور كمالية زائدة زائفة، وربما صفعك بقوله أنها مفسدة أيضا. ويطالعك آخرون بأن كل الإمكان هو كل ما يوجد الآن.
وما دام لا شيء، فالإمكان والوجود سواء!. . .
الحرية
ففي رأي العقلاء إذن لنا الحرية تامة في سفور المرأة أو عدم سفورها أو شبه السفور، ولنا
стр. 84
الحرية في اختلاف النزعة في الملبس والمأكل والمشرب والعمل والنشاط، ولنا الحرية في التأدب واللطف أو الثقل وعدم المبالاة، ولنا الحرية في الاقتصار على حياة المخلوقات غير الإنسانية من غذاء وحركة ونوم، وإهمال الابتسام والسمو والفن. وقد تكون عقلية هؤلاء العقلاء أقلّ مما يدعون، أو أعظم مما نعرف وعندها نقبل آراءهم على الإطلاق، ولكن هل لك الحرية التامة في قبول هذه الآراء، أم لك الحرية التامة في انتقاد هذه الآراء.
إننا مكرهون في كل شيء، أيها القارئ العزيز، وقد نظن إن الحرية المطلقة أمر معقول، وتحسب أن ما هو معقول موجود، ولكننا نخطئ في الحسبان.
ونأثم في الظن، ولكننا مرغمون على هذا الخطأ، ليست لنا حرية عدم الوقوع فيه لكي نصنع حرية سليمة ليس فيها إكراه.
العبودية المشتركة
والحق أن فكرة الحرية في رأيي هي فكرة اجتماعية، من حيث هي فكرة، على الأقل، خلقها الإنسان حينما كان عبدا يسترقه القوي من الإنسان، وأبدعها حينما كانت الطبيعة هي الملك المستبد، فجاءت فكرتنا عن الحرية هي التحرر في الدرجة الأولى، وصرنا نتوق إلى النهايات العظمى، ففتن الإنسان بالحرية، وآمن بها، ووصفها قبل رؤيتها، وخلقها فبل وجودها، وأصبحنا جميعا نفتش عنها ونعبدها قبل فهمها، ومن غير فهمها، ولسنا أحراراً في كل ذاك.
وعندي أن نرجع لحظة إلى الصواب، فنعترف بأن ما يوجد في الواقع ليس الحرية لأنه غير الحرية التامة، إن ما يوجد فعلا عندنا وعند الناس أجمعين هو ما يصطلح بعض المفكرين ورجال القانون على تسميته بالحرية النسبية، والأصح أن ننظر إلى الحرية عند ذاك في حقيقة ثوبها، فنجدها عبودية مشتركة، وهي عبودية من نوع جميل محبوب، عبودية كل الأفراد على التساوي فيها، عبودية أبناء المجتمع من حيث هم نسغ المجتمع، بل هي عبودية الإنسان مع الإنسان لا فوق الإنسان، هي عبودية يرضى فيها الناس مرغمين ما داموا مكرهين على العيش المشترك، وهدفهم من كل ذلك البقاء في الوجود، وخلق المدينة الإنسانية كهدف لهذا الوجود.
أو الإكراه. . .
стр. 85
وقد كان مجتمعنا في عصوره الأموية والعباسية يعنى بالأدب والموسيقى، والفن والمناظرات. . . والجدل، إلى جانب العناية بالجيش والعلم والاقتصاد والسياسة، غير أن مجتمعنا بالأمس لم يكن حرا في كل ذاك، لأنه كان مجتمعا راقيا متمدنا، وكل مجتمع راق حقيقي لا يستطيع أن يهمل حياة الفن والأدب ويقتصر على حياة الطعام والشراب، كيفما اتفق الطعام والشراب لقد كان أسلافنا أكثر جدية ونشاطا في واجب الجد والنشاط، وكانوا أقل جمودا في حقل الرقي الفني وإصلاح الحياة، ووضعهم يلخص في إنهم كانوا على درجة كبرى من التمدن والإنسانية، لا تضيق أفكارهم حتى تخنق ذاتها، ولا تضيق صدورهم حتى تفني الذوق في القلوب، وكان اضطرارهم إلى طلب المجد عبودية رائعة، ورقا محببا، وهذا الإكراه تفرضه سنة الطبيعة، وناموس الكون.
أما اليوم فصرنا نخشى الكلام عن الفن، لأننا نحسب إن الفن زائد ضار، وصرنا نرغم على قبول الصمت والهدوء، لأن الموسيقى لا تلاقي تشجيعا، والنشاط غير مستحب، وصرنا لا نعقل ما نريد، فنحار في أمر المرأة وفي أمر الرجل، ولا ندري أن سلامة الأسرة في تعارف ذوي العلاقة المباشرة في عقد الزواج، وأصبحنا نشك في أن السفور يجب أن يبلغ العقول وراء الوجوه أو الرؤوس، وغدونا نرى من الطبيعي أن نبقى على الرصيف دهرا لعدم الانتظام وقلة الاحترام وقصور الوسائل والقاطرات، وأصبح البقاء في الظلام مألوفا كالبقاء في ظلام الجمود.
العظمة والحقيقة
ولعل الإنسان أكثر فلسفة مما يظن، فيحسب إنه يرضى بما يصادفن ولكنه إذا فكر في سبب الرضى وجد أنه غير راض أبدا، يرضيك أن تعيش فلا تموت، ولكن فكر لحظة تشاهد أنك تعمل على الرقي بالعيش وتود أن تعيش إلى أبعد وقت، وأن تعيش على أكمل حال، وعندها تتمنى أن تكون حرا في بلوغ الرقي، وتعتقد أنك مرتفع بمواطنيك إلى أعلى عليين.
والحق أنك مكره على ذلك ما دمت تحترم إنسانيتك في نفسك، وقد تطلب عندئذ الظهر في منتصف الليل، والضياء في حلكة الظلام، وأنت واهم في الواقع، ولكنك سعيد بهذا الوهم، ونحن نؤمن بوهم السعادة عند الإنسان، ونجد إن هذا هو الأصل في الحياة، ونود قبل كل
стр. 86
شيء أن يدوم ويستمر كيما يتطلب الإنسان السمو بالإنسان فتعمل الشعوب راغبة ومكرهة في سبيل تحررها وتنال حريتها عن طريق قانون الوجود، ويسعى الأفراد على تحررهم فيرقون بالعلم والأدب والفن، عن طريق العبودية المشتركة أو الإكراه.
ثم نصل إلى عالم الجمال والذوق. . . فنؤمن بأن الجمال قد يكون أحسن مما نرى، فالموسيقى خير من الصياح، والتصوير أجمل من الكتابة، والغناء أبهى من الكلام، والانطلاق خير من التقاعس، وتجاذب الأرواح أسمى في الإنسانية وأبقى. هذه عظمة الإنسان.
ولكنك فطنت أيها القارئ اللبيب إلى العالم الذي لا نتحدث عنه في هذا المقال، وهو عالم الدين الصحيح، وأنت مع الاعتذار مكره حتما على أن تجد لنا عذرا، لأننا نؤمن وإياك أن لا إكراه في الدين!. . .
عادل العوا
стр. 87
أهداف التربية
للدكتور: كامل عياد
إن أهداف التعليم والتربية التي يجب أن يسعى إليها الأمة العربية يمكن تلخيصها فيما يلي:
١ - إثارة الروح الوطنية ونشر الوعي القومي
فإن البلاد العربية، رغم تحرر بعضها واستقلاله، ما زال قسم كبير منها تحت سيطرة الاستعمار أو خاضعا لنفوذه، والأمة العربية رغم تأسيس جامعة الدول العربية، ما زالت بعيدة عن الوحدة الحقيقية، وليس من الممكن الخلاص من خطر الأجانب كافة والدفاع عن كيان العرب إلا إذا توثقت الصلات بين سكان الأقطار العربية المختلفة وتكونت أمة واحدة، متجانسة، متضامنة، قادرة على الحياة، متوثبة إلى التطور والتقدم، ولا بد لذلك من روح وطنية ووعي قومي.
لا شك في أن الروح الوطنية الجديدة في البلاد العربية لم تضعف منذ مبدأ انبثاقها قبل أكثر من ربع قرن بل إنها آخذة في النمو، تزداد كل يوم قوة وعمقا.
ولكن لا نكران أن أيضا في أنها لا تزال تحتاج إلى عناية كبيرة حتى تعم كافة الأقطار العربية وتشمل جميع أفراد الشعب وتتغلب على النزعات الإقليمية والنعرات الطائفية والعصبات القبلية والإمتيازات الطبقية والتحزبات العائلية والمصالح الشخصية.
حقا إن أول شيء وأهم شيء تحتاج إليه في نهضتنا هو الوعي القومي، وقد أصبحنا في المدة الأخيرة نسمع هذه الكلمة كثيرا، على أن الوعي القومي ليس مجرد كلمة تلوكها الألسن وتتشدق بها الأفواه، بل هو شعور يتغلغل في أعماق النفوس فيسيطر على العقول ويثير العواطف ويحرك الإرادة، إنه إدراك جلي للصلات التي تربطنا بتاريخ أمتنا والروابط التي تجمع بيننا وبين سكان كافة القطار العربية وتجعلنا نعتبر أنفسنا جميعا كتلة طبيعية ووحدة عضوية، إنه معرفة واضحة عميقة للواجبات المفروضة علينا تجاه أمتنا في الحاضر والأعمال التي تنتظرنا في المستقبل.
هذا الوعي القومي وما يتضمنه من شعور عميق وإدراك واضح ومعرفة بينة، قد بدأ يظهر عند العرب منذ سنوات، ولكنه لا يزال في دور التكوين والتكامل، مقتصرا على عدد قليل من الشبيبة، وتدل جميع الظواهر على إننا لا نزال في تلك اللحظة المقدسة من تاريخ كل
стр. 88
أمة وهي التي تستيقظ فيها من غفوتها وتنهض من مهاوي التفسخ والانحلال وتدرك بغبطة وبهجة أنها ما فتئت تجري في عروقها الحياة وأنها خلقت للخلود، وهذه اللحظة هي فجر اليوم الذي سوف تحتفل به أمتنا كعيد بعثها، لا يجوز أن يقتصر الوعي القومي على الشبيبة المتعلمة بل ينبغي أن نعمل على إيقاظه في عامة الشعب وتنميته وتقويته، يجب أن نشعر جميعا بأننا نحن العرب أمة واحدة تجمع بيننا ذكريات تاريخنا المجيد وتربط بيننا مصالحنا المشتركة في الوقت الحاضر وتقرب بيننا أهدافنا وآمالنا في المستقبل، يجب علينا جميعا أن نجعل مصلحة العرب العامة فوق مصلحة الأفراد والجماعات والأقطار المختلفة وأن نضحي بكل شيء قي سبيل هذه المصلحة.
ليست الوطنية والقومية من المفاهيم المجردة والأفكار النظرية التي يكفي البحث فيها والدعوة إليها حتى تضيء نفوسنا وتغمر حياتنا بل لا بد لذلك من انقلاب في تفكيرنا وفي نظرتنا إلى الكون وفي علاقاتنا مع أبناء أمتنان ومن هنا ننتقل إلى الهدف الثاني وهو.
٢ - الإصلاح الأخلاقي - الاجتماعي
فإنه لا سبيل إلى النهضة القومية ما دامت تسود بيننا الفردية والأنانية والنفعية ولا حاجة لسرد الأمثلة التي تبرهن على أننا لم ندرك بعد معنى الواجب والمسؤولية والتضحية والتعاون والنظام والطاعة وغير ذلك من الصفات الضرورية لحياة المجتمع، هذه الصفات أيضا ليست مفاهيم مجردة يمكن تعليمها بصورة نظرية، بل إنها تكتسب بالتجربة من الحياة العملية المشتركة، فمن الضروري لذلك أن نسعى إلى إصلاح هذه الحياة العملية وأن نجعل من أهدافنا.
٣ - الإنعاش الاقتصادي
ولا نقصد بذلك التكالب على المادة ووسائل الترف وإنما تأمين الشروط الضرورية للحياة الإنسانية، فمن الواضح إننا لا نستطيع نشر العلم وتحسين أحوالنا الصحية وإصلاح أوضاعنا الاجتماعية قبل أن نبدأ بإنعاش حياتنا الاقتصادية وزيادة الثروة العامة، وهل يمكننا أن نكافح مثلا جرائم السرقة والاختلاس والاحتيال والسلب أو أن نتخلص من التزلف والتملق والخنوع دون أن نهيئ إمكانيات العمل لجميع أفراد الشعب ونوفر لهم أسباب المعيشة الشريفةـ؟ فالشاب المتعلم الذي يبقى عاطلا عن العمل يتسكع في الطرقات
стр. 89
ويغشى المقاهي والملاهي أو الذي يضطر إلى عمل لا يرضى طموحه ولا يساعد على انكشاف مواهبه ولا يشبعه من جوع ولا يؤمنه من خوف - مثل هذا الشاب لا يمكن أن يصبح عضوا نافعا في المجتمع.
والفلاح أو العامل الذي يعتاد حياة الكسل أو الذي ينهك قواه بالأعمال الشاقة من غير أن يحصل على أجر يكفي لرفاهه ويضمن مستقبل أولاده - إن هذا الفلاح أو العامل لا يمكن أن يشعر بالمسؤولية أو الواجب أو التضامن الاجتماعي ويصعب عليه أن يدرك معنى الوطنية والقومية والتضحية والطاعة والنظام، بل ليس عجيبا إذا شك في أنه إنسان بالمرة.
لا فائدة من التربية والتعليم إذا لم نهيئ الجيل الناشئ لحياة العمل المنتج والمشاريع النافعة المشتركة وإذا لم ننفخ فيهم روح الإقدام والمبادرة ثم إذا لم نجهزهم بالمعلومات والملكات اللازمة للنجاح في عالم الاقتصاد. . .
إن مهمة التوجيه التربوي وسياسة التعليم هي البحث في الأسباب التي تجعلنا نوجه كل اهتمامنا في الوقت الحاضر إلى هذه الهداف الرئيسية الثلاثة ونقدمها على غيرها ونعتبرها حلقات في سلسلة واحدة مرتبطة بعضها ببعض ثم بيان الوسائل لتحقيقها من برامج تعليمية وأساليب تربوية ومؤسسات مدرسية وأنظمة وأعمال.
لا تقتصر التربية العامة، كما هو معروف، على هذه الهداف الثلاثة. فهي ترمي إلى غرس الفكرة الإنسانية مثلما تعنى بإثارة الروح الوطنية القومية، وهي تهتم بالأخلاق الاجتماعية دون أن تهمل الأخلاق الشخصية، ونريد أن ترعى صحة الحسم ونشاطه كما تغذي العاطفة وتقوي الإرادة، وليست عنايتها بتثقيف العقل وتهذيب الذوق وتنمية المواهب الفكرية البديعية بأقل من اهتمامها بالمهارة العملية.
إن الهدف الأسمى للتربية هو تكوين الشخصية الإنسانية وتهيئتها إلى الحياة الكاملة.
والتربية في البلاد العربية أيضا لا بد لها من السعي إلى تحقيق هذا المثل الأعلى، ولكن ينبغي لها في المرحلة الحالية من تطورنا التاريخي أن تمركز جهودها العملية حول النواحي التي نحن في حاجة إليها أكثر من غيرها.
وفي الحقيقة لا نستطيع مثلا خدمة الفكرة الإنسانية إذا لم نصبح أمة قوية لها مكانتها الدولية، ولا يمكننا أن نفكر في الانصراف إلى المباحث العلمية المحضة والعناية بالثقافة
стр. 90
العالية والآداب الراقية والفنون الرفيعة إلا بعد أن يتاح لنا التصرف بمقدراتنا واستثمار خيرات بلادنا وتنظيم شؤوننا، كذلك لا يجوز لنا إطلاق العنان للحرية الفردية والسعي إلى تنمية الشخصية المستقلة قبل أن يسود التضامن والانسجام في حياتنا الاجتماعية.
وبكلمة واحدة: إنه من واجبنا تقديم الأهم على المهم، واعتقد أن الأهداف الثلاثة التي ذكرتها تحتل المكانة الأولى من الخطورة ويجب أن تسخر كافة الجهود لخدمتها.
هكذا إذا اشتغلنا بالبحث العلمي فلا يجوز أن نعتبر ذلك غاية مقصودة بالذات وإنما كما عد لنشر الوعي القومي أو لتحقيق الإنعاش الاقتصادي، ومثل ذلك الرياضة البدنية، فأن الغاية منها في مدارسنا وفي نوادي الشباب يجب أن لا نقتصر على التسلية أو المهارة أو الرشاقة بل ينبغي أن تستخدم في الوقت نفسه كوسيلة لإثارة الروح الوطنية ولتنمية العناية بها لذاتها ولكن في سبيل الفكرة القومية والإصلاح الاجتماعي.
كيف السبيل إلى تحقيق الأهداف الثلاثة للتربية والتعليم التي يجب أن تتمركز جهودنا حولها في الوقت الحاضر؟
ليس من الممكن إنعاش الحياة الاقتصادية وتأمين الوسائل المادية الضرورية لمشاريع الإصلاح جميعها إلا بزيادة الإنتاج، وهذا يقتضي أن يوجه الشباب والشعب كله إلى العمال الإنشائية، المنتجة أي إلى الزراعة والصناعة، فمن الضروري الإكثار من المدارس الزراعية والصناعية وقلب المدارس الابتدائية في القرى أو أكثرها إلى مدارس ريفية والعناية بالعلوم العلمية في كافة المدارس الابتدائية والمتوسطة، ثن لا بد من تأسيس المعاهد والمخابر والمشاتل وإقامة المعارض الزراعية والصناعية، أليس من المؤلم، بل المفجع أن لا تكون في سورية كلها سوى مدرسة زراعية واحدة، أسستها وزارة الاقتصاد الوطني هذه السنة في السلمية، لا تتسع لأكثر من ثلاثين طالبا؟ أليس من المؤسف أن لا يكون في سورية كلها سوى ثلاث مدارس صناعية أحداها للإناث ومدرستين تجاريتين لم يزد عدد المتخرجين منها جميعا في السنة الماضية على (٧٠) طالبا وطالبة لم يجد أكثرهم سبيلا إلى المعيشة إلا بترك مهنتهم والانتساب إلى سلك التعليم؟.
أما المعاهد والمخابر للبحث والمشاتل للتجربة والمعارض للدعاية والتشجيع فلا أثر لها بالمرة. إن نظام التعليم عندنا كان وما زال يقتصر على تهيئة الناشئين لامتحانات البكالوريا
стр. 91
العامة ولدراسة الحقوق - أي على تهيئة موظفين يتقاضون الرواتب ولا ينتجون شيئا.
لقد أصبح من الضروري تبديل هذا الوضع الخطر، ويحتاج الأمر إلى كثير من الجهود المخلصة والشجاعة والإقدام.
ثم يتطلب التوجيه القومي والإصلاح الأخلاقي - الاجتماعي تغييرات جوهرية في برامج التعليم من جهة وفي تنظيم الحياة المدرسية من جهة ثانية.
لا شك في إن المواد المدرسية التي تساعد على تنمية الروح الوطنية والوعي القومي والشعور الأخلاقي - الاجتماعي، مثل اللغة العربية والتاريخ والجغرافية والمعلومات المدنية قد زادت الساعات المخصصة لها في المناهج الجديدة ولكن ليس بالمقدار المطلوب، ولا تزال الدروس الأخرى وعلى الأخص الرياضيات تشغل جزءا كبيرا جدا من الوقت والجهد، أما الموضوعات المتعلقة ببلاد العرب وتاريخهم وحضارتهم ومشاكلهم الاجتماعية فقد أدمجت في البرامج بالاسم فقط، ولكن في الواقع ما زال التاريخ الأوروبي والحضارة الأوروبية والمسائل المجردة طاغية على هذه الموضوعات بسبب فقدان الكتب الصالحة والمراجع اللازمة وبسبب تمسك المعلمين والأساتذة بعاداتهم المكتسبة.
ولا ننسى أن المهم في كل البرامج ليس مفردات المواد المنصوص عليها بل كيفية فهمها وعرضها والاستفادة منها، وهذا يتوقف على إدراك المعلمين والأساتذة لروح البرنامج وقدرتهم على إحياء هذه الروح ونفخها في نفوس الناشئين.
هنا نصطدم بأهم مشكلة من مشاكل التربية والتعليم في سورية ونعني بها نقص المعلمين والأساتذة الصالحين، ومن الصعب جدا القيام بالإصلاحات اللازمة ما دام عدد المعلمين والأساتذة في مدارسنا أقل بكثير مما نحتاج إليه بالنسبة إلى عدد التلاميذ من جهة وما دام هؤلاء المعلمون والأساتذة ليست متوفرة فيهم الشروط الضرورية للقيام بمهمتهم من جهة ثانية، ويكفي أن نذكر أن أقل من ثلث المعلمين فقط في المدارس الابتدائية يحملون شهادة أهلية التعليم وأن نسبة أصحاب الشهادات العالية - الاختصاصية بين أساتذة التعليم الثانوي دون ذلك بكثير - حتى نعرف السبب الأساسي في فساد التعليم وتأخر حالة المدارس.
وقد حان الوقت لندرك أن كل محاولة لإصلاح التربية والتعليم في بلادنا ستظل محموما عليها بالفشل إذا لم نبدأ عملنا بتهيئة المعلمين والأساتذة الصالحين سواء بالإكثار من دور
стр. 92
المعلمين الريفية والابتدائية والعالية أو من البعثات العلمية.
وأخيرا فإن تحقيق أهدافنا في التربية والتعليم يتطلب تنظيم الحياة المدرسية على أسس جديدة تجعل من المدرسة مجتمعا حقيقيا يعتاد فيه التلاميذ على الحياة المشتركة ويكتسبون الفضائل الأخلاقية - الاجتماعية عن طريق القدوة والتمرين. ويجب الاعتراف بأن ما نسميه النشاط المدرسي والأعمال الحرة ليس له في الحقيقة أي أثر ملموس في مدارسنا لآن الوقت المخصص لهذه الغاية في البرامج قليل جدا ولأن معظم الأساتذة ليس لديهم من أوقات الفراغ والكفاءة التربوية من يساعدهم على الاشتراك في ذلك. وما زال هم المعلمين والأساتذة أن ياقوا دروسهم ويتمموا مواد البرنامج وينهكوا أذهان التلاميذ بالمعلومات الفارغة، الغامضة دون أن يؤدوا المهمة الأولى الملقاة على عواتقهم وهي تربية الناشئين وتكوين شخصياتهم ودون أن يفكروا في خلق جو مدرسي يحبب إلى التلاميذ المطالعة والبحث وتتهيأ لهم فيه الفرصة للعمل المشترك والتفاهم والتعاون والتضامن والتنظيم، وكيف يستطيع الأساتذة القيام بهذا الواجب وأكثرهم مضطرون إلى إعطاء دروس إضافية في المدارس الرسمية أو الخاصة تبلغ أحيانا ضعف نصابهم القانوني؟ ذلك لأن رواتبهم لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من ضرورات المعيشة.
إنه ليس من السبيل إلى إصلاح حالة المعارف وتحقيق الهداف القومية للتربية والتعليم إلا إذا بدأنا بتهيئة المئات بل الآلاف من المعلمين والأساتذة القديرين واتخذنا العدة لفتح أكبر عدد ممكن من المدارس الزراعية والصناعية في أبنية صالحة، مجهزة بالآلات والوسائل اللازمة وقمنا بتأليف الكتب الحديثة وجعلنا شعارنا الإخلاص والإتقان وتقديم الأهم على المهم ثم ابتعدنا عن الارتجال والترقيع والتضليل والدعاية الفارغة. . .
كامل عياد
стр. 93
التربية الروحية
للأستاذ: محمد المبارك
إن وظيفة التربية أن تخدم المجتمع بأن تهيئ له الأفراد القادرين بتعاونهم المنسجم أن ينتجوا أكبر إنتاج معنوي (خلقي، فكري) ومادي.
يدأب المربي على تهيئة هذه المادة الأولية الحية للمجتمع فيعمل على تنمية ما غرس الله في الإنسان من ملكات ومواهب ويعنى بها جميعا ويعمل على تقوية الميول والاستعدادات الصالحة وتوجيهها وجهة نافعة.
١) فهو يعنى بالناحية الجسمية من تلاميذه ويراقب نموهم الطبيعي ثم يسعى بالتعاون مع الأسرة لتقوية أجسامهم وتنشيطها وتهيئتها - قدر استطاعتها الأصلية، الموروثة - لخدمة العملية القوية ولتحمل أنواع النشاط العقلي الذي يكون الجسم إطارا له وركيزة يستند إليها.
٢) وهو يعنى بعد هذا بسائر ملكات التلميذ فيقوي فيه الملاحظة الدقيقة والذاكرة والخيال حتى يصل به إلى قوة الاستنتاج والاستنباط ثم إلى القدرة على الإبداع الفكري والفني.
٣) ويتوجه المربي في الوقت نفسه بهمة قوية دقيقة إلى تكوين شخصية تلمذة الخلقية وتنمية الاستعدادات الطيبة والميول الصالحة، بل وبعثها وإيجادها فيوجد فيه مثلا روح التعاون مع الجماعة بأن يشرك عددا من التلاميذ في عمل واحد يشعر كل واحد منهم إنه قام بجزء منه كالاشتراك في لعبة رياضية أو حل مسألة حسابية أو صنع أداة من الأدوات أو تحليل رحلة جغرافية يتناول كل منهم جانبا منها وكذلك الشعور بالتبعة أو المسؤولية فإن المربي يستطيع أن يوجد هذا الشعور أو بعثه في النفس فيعمل على إن يشعر التلميذ بمسائل متعددة كالمدح والترغيب والزجر والتأنيب والإشارة والتنبيه وغيرها إنه مكلف أن يقوم بهذا العمل أو ذاك أو ممنوع أن يقوم بذلك العمل الآخر لأنه ليس من شأنه أو لأنه عمل لا يليق به، ولا يجوز فعله. وهكذا الشأن في سائر الميول والعواطف الأخلاقية كمحبة الغير ومواساة الرفيق المجاور ومساعدة الضعيف ودفع الرغبة غير المحقة بالإدارة القوية وحب النظام ولا شك أن هذا العمل دقيق يحتاج إلى معرفة نفسية عميقة وإلى لباقة في التصرف ورحابة صدر ووسعة تفكير وهو كذلك خطير جداً عظيم النتائج فخطيئة مرب تكفي أحيانا ولاسيما إذا تكررت أن توجد لك من الولد المستعد بطبعه - بما أوتي من قوة
стр. 94
- لأن يكون نابغة ينفع المجتمع ويبذل راحته في سبيل خدمته رجلاُ ناقما على المجتمع حاقدا عليه تكمن في نفسه عواطف الحقد والبغض. نعم إن الولد نفسه قادر على أن يكون هذا أو ذاك والحكم الفاصل للموضوع يكون في كثير من الأحيان سلوك المربي - بوجه عام سواء أكان أباً أو أماً أو معلماً.
٤) لست أريد في هذا الكلمة أن أبحث عن مدى تحقيق مدارسنا سواء منها الابتدائية أو الثانوية لهذه النواحي المتقدمة ولا عن مبلغ التقصير فيها وأسبابه وعلاجه وإن كانت كل واحدة من النواحي التي ذكرتها في حاجة إلى مثل هذا البحث. ولكنني أريد أن أتعرض لناحية أخرى مهملة كل الإهمال ولموهبة من المواهب المغفلة المتروكة دون أن تنمى مطلقا ولجانب هو أسمى جوانب النشاط الإنساني إلى جانب النشاط الجسمي والعقلي والخلقي وبذلك يكون في تربيتنا ثلمة كبيرة وفعالية معطلة نعمل على إعدامها بدلا من تنميتها وتوجيهها وهي بالنسبة للفعاليات الأخرى كالنسغ للنبات والأثير للمادة والكهرباء للآلات المتحركة وهذه الفعالية هي الفعالية الروحية.
يقول (ألكسيس كارل) في كتابه الذي كان له في عالم الفكر الحديث صدى كبير الرجل ذلك المجهول إن المدينة الحاضرة أهملت في نظمها هذه الناحية الهامة من نواحي النشاط الإنساني وقد عقد في كتابه فصلا جليل القيمة عالج فيه هذه الناحية بعد أن عالج في الكتاب نفسه نواحي النشاط الفيزيولوجي والفكري والبديعي والخلقي مبينا خطورة هذه المرحلة وآثارها ونتائجها.
ولئن كانت المدينة الحاضرة في العالم الحديث ناقصة كل النقص من هذه الناحية ومقصرة في ذلك تقصيراً له أثره في فساد الوجهة التي تتجه إليها وفساد التكوين الذي تبنى عليه فإننا نحن بوجه خاص أشد تقصيراً ونقصاً حتى ليبدو بنائنا التربوي مثلوماً متداعياً متهدما من ناحية يبني على صلاحها صلاح بقية الجوانب والآفاق وعلى فسادها وضعفها ضعف البناء كله.
أليس من الممكن أن نشعر الطالب بجمال الطبيعة والكون فننمي في نفسه الشعور بالجمال ثم ننتقل به إلى الشعر بمصدر الجمال وخالقه والإعجاب بمخلوقاته ومن النظر في منافع الطبيعة والكون إلى مصدر النفع ومبدعه ومن النظر في الأخلاق الاجتماعية إلى مصدر
стр. 95
الرقابة الأخلاقية الأعظم ومن التفكير في مظاهر الطبيعة المتنوعة الزائلة إلى الحقيقة الواحدة الخالدة. . . وبالجملة أليس من الممكن أن نجعل من قلب الإنسان الصغير صورة مصغرة لعالم الكون الأكبر وخالق هذا العالم وأن نعمل على انبثاق هذه العواطف الروحية العميقة بالتدريج وإشعاره بالصلة بينه وبين العالم وخالقه كما يشعر بالصلة بينه وبين الأسرة والمدرسة وكما نحاول أن نشعره بالصلة بينه وبين المجتمع.
قد يبدو أن الوصول إلى هذه الغاية عسير ولاسيما بالنسبة لصغار التلاميذ ولكن الحقيقة أن الوصول إليها على صعوبته ممكن كإمكان الوصول إلى تنمية الملاحظة والاستنتاج والتفكير إذا استعملت الوسائل والطرق التربوية الناجعة.
إن تنمية هذه الموهبة الروحية كما سميناها لا تختص بدرس دون درس شأنها في ذلك شأن الأخلاق ممكن أن يستفيد الأستاذ من شتى المناسبات في الدروس المختلفة خارج الدرس لخلق هذا الجو ولكن الدرس الذي يمكن أن يكون لمس هذه الناحية هو درس الدين وهو الآن درس مهمل إهمالا كبيرا وهناك أسباب كثيرا لإهماله أبرزها أن كثيرين من المعلمين يجهلون قيمته التربوية والجانب الذي يشغله ويقومه ويغذيه من الحياة الإنسانية وتلتبس في أنفسهم حقيقته ووظيفته التربوية الأساسية بطرائقه القديمة البالية التي لا تزال شائعة وهذا هو السبب في أن بعض المعلمين السطحيين والذين ليس لديهم ثقافة كافية أو الذين تولد لديهم رد فعل ضد هذه الطرائق القديمة العقيمة ظنوا أن لا فائدة من هذا الدرس بل حمل السخف بعضهم على أن يروا حذفه من المدرسة مطلقا. وقد أذاعت وزارة المعارف تعميما في هذه السنة على المدارس الابتدائية بضرورة العناية بهذا الدرس الذي يعد من الدروس الأساسية.
ولكن الحقيقة أن هذا الدرس لا بد له حتى يؤتي ثمرته من فهم وظيفته التربوية فهما عميقا ومن تحديد طرقه وتطبيق كثير من الأساليب الحديثة المطبقة في المواد الأخرى في هذه المادة أيضا.
إن لدرس الدين مشكلات تربوية خاصة لابد من حلها كما أن لكل مادة مشكلاتها الخاصة وإذا كانت هذه الناحية مهملة في دور المعلمين فلا تبحث بحثا كافيا في مادة التربية الخاصة فمن الضروري أن تعمد الوزارة إلى محاضرات دورية في مراكز المحافظات
стр. 96
تبين فيها الطريق التربوية المجدية لتدريس هذه المادة تدريسا نافعا مثمرا أو أن تذيع على المعلمين تعليمات مفصلة في هذا الموضوع.
ذلك إن الطرائق العامة المتبعة في التدريس من التدرج من المحسوس إلى المجرد ومن السهل إلى الصعب ومن الجزئي إلى الكلي والاعتماد على الطرق الجذابة كالقصص وعلى وسائل الإيضاح كالأشياء الطبيعية والصور الملونة والرسوم كل أولئك مما يمكن تطبيقه في تدريس الدين حتى يصبح درسا تتجلى فيه الحياة والحركة والنشاط ويشارك مجموعة الدروس في تنمية الملاحظة والخيال والذاكرة والاعتماد عليها في الوقت نفسه لفهم كثير من الاعتقادات والإيمان بها والشعور بالعواطف السامية المتصلة بها والتهيؤ لفهم أعمق وشعور أسمى في مراحل الدراسة التالية.
ونكتفي بضرب مثل واحد آملين العودة إلى التفصيل في هذا الموضوع الذي لا يزال بكراً ولم تتناوله كتب التربية في البلاد العربية.
يأتي المعلم بلوحة أو لوحات فيها صورة سفينة تمخر عباب البحر وفيها إن أمكن صورة صيد السمك أو استخراج اللؤلؤ صورة ملونة تذخر بالحياة وتفيض بنعم الكون يعلقها أمام الطلاب ثم يأخذ بطريقة الأسئلة الموجهة حتى يصل إلى ما يريد من نتائج عن طريق الطلاب أنفسهم:
١) إن في البحر - ثم ينتقل إلى سائر أجزاء الطبيعة - منافع ونعم كثيرة يستطيع الإنسان أن يستفيد منها أو أن يتخذ منها زينة له.
٢) إن لهذا البحر بما فيه من منافع - ثم كذلك لسائر أجزاء الكون - خالقاً ومسخراً إليه يرجع الفضل في هذه المنافع والنعم التي تفيض على الإنسان.
٣) إن هذه المنافع موجودة ومعروضة ولكن لا بد أيضا من عمل الإنسان وجهده حتى يحصل عليها.
وما أقوى تأثير هذه الآية التي يكتبها حينئذ بخط جميل وأحرف كبيرة ليحفظها التلاميذ بعد أن فهموها: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا، وتستخرجوا حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون وما أرسخ عاطفة الشكر لله هذه التي تنشأ وتتولد بعد هذه الصور الجذابة الخصبة بالحياة ولا نشك أنها الأقوى أثرا بما
стр. 97
لا يقاس مما ينشأ عن طريق التقليد الجاف والمظاهر الخارجية.
نعتقد أنه إذا سلكت أمثال هذه الطريقة في تدريس الدين فسيكون هناك مجال خصب للاستفادة من أقوى وأعمق وأنبل العواطف الإنسانية واستمد التلميذ في حياته الفكرية والخلقية والبديعية بأقوى مادة وسيربط بينها برباط عام يشملها جميعا وستكون الحياة الإنسانية أخصب مادة وأسمى غاية.
محمد المبارك
عضو لجنة التربية والتعليم
стр. 98
فن الكذب
للأستاذ: عزة النص
قال الناس قديما وما زالوا يقولون: أعذب الأدب أكذبه: وكان الناس قديما وما انفكوا إلى اليوم يحرمون الكذب في الحياة ويستسيغونه في الأدب.
فالأديب الذي يكشف طوايا النفوس ويستحلي خفاياها ويعرض الأمور كما هي ويصور الوقائع كما يراها، قلما يجد أدبه رواجا ونفاقا، أما ذلك الذي يصدف الناس عن واقعهم الذميم وينسيهم وجودهم الحقيقي فهو الأديب المبدع الرائع.
فكأن الناس تواضعوا على تسمية الأدب بفن الكذب.
وليس في نيتي أن أزعم العكس وأدافع عن النقيض، وإنما أود أن ألفت الأنظار إلى علم قد لا يقل عن الأدب صدقا. . . والناس يطمئنون إليه ويثقون به ويؤمنون بصحته ويركنون إلى نصحه وموعظته، وهم يحسبون أنه سفر الحقيقة وسجل الواقع. . إلا وهو علم التاريخ، فإذا كان الأدب فن الكذب السافر فالتاريخ فن الكذب المستتر. . .
على أني لم آت بشيء جديد: ولم ألهم هذه الحقيقة كما ألهم (أرخميدس)، فللتاريخ منذ وجد التاريخ مشايعون مناصرون كما له مناوئون مندودن، وهؤلاء وأولئك كثر.
ولعل من الخير أن لا أفجاك بادئ بدء بأقوال الجادين الوقورين من خصوم التاريخ والغامزين فيه، وأن أبدأك بجد يشبه الهزل وهزل يشبه الجد حتى تتهيأ نفسك لما أريد أن أهيئها له.
لقد عرف الكاتب الأمريكي (مارك تواين) بأسلوبه العابث المستملح في جميع ما يتناوله من مواضيع، وهو في دعابته الناعمة المرحة وهزئه الساخر الضاحك يبلغ في قوة النقد ما لا يبلغه أولئك الذين يتصنعون الجد والوقار فيجمعون إلى جفوة النقد خشونة الأسلوب. والكلمات التالية مقتبسة عن محاضرة عنوانها: (فن الكذب في انحطاط)، يزعم الكاتب إنه ألقاها على جمع مهيب من شيوخ المؤرخين وهو - على رأي الكثيرين - حملة لواء الكذب الفني المرتب المشروع. . . وإنك مستنتج من هذه الكلمات أمرين جوهريين:
١ - أن الناس جميعا يكذبون في أعمالهم وأقوالهم.
٢ - أن المؤرخين يدونون أعمال الناس وأقوالهم فهم لا يدونون إلا كذبا. . . ثم ليتهم
стр. 99
يصدقون في التسجيل والتدوين!. . . إنهم يجمعون أفكا على إفك ومينا على مين.
يقول مارك تواين:
لست أزعم أن عادة الكذب تعاني ضعفا أو تشكو انحطاطا، فالكذب هو مبدأ خالد وفضيلة أزلية. وفي الكذب تسلية للمكروب وعزاء للعاني وملجأ أمين للبائس. إن الكذب صديق الإنسان الأول ورفيقه الأمثل.
ولا خوف على الكذب من الزوال وأنتم في الوجود، معشر المؤرخين. . وإن كنت أشكو فما أشكو سوى انحطاط فن الكذب، وأي إنسان رزق الكياسة في التفكير والصدق في العاطفة يرى الكذب السمج يروج في عصرنا هذا ولا تأخذه سورة الغضب وتثور به النخوة والمروءة؟!. أي عاقل مهذب لا يسوءه هذا الفن الرفيع أن يتبذل؟!.
وإذا عالجت أمامكم هذا الموضوع، فأنا أعالجه على تهيب واستحياء، فأنتم معشر المؤرخين سادة هذا الفن وأشياخه. . . ومثلي معكم كمثل العانس لم تلا بس الحياة تتصدى لتدريب قهرمانة عركها الدهر من نبات إسرائيل. . .
ولست، أيها السادة، ممن يستبيح لنفسه التعرض لكم بنقد، وإذا تراءى لكم شيء من ذلك في بعض حديثي، فما النقد أو المعارضة أردت، وإنما أنا واثق بأني لم أقصد سوى التعبير عني الإعجاب والإكبار.
وفي الحق، لو كان لهذا الفن - أجمل الفنون الجميلة - أنصار مخلصون مثلكم كثيرون، يشجعونه ويرعونه ويغذونه ويمارسونه ممارسة دائبة صادقة. . . لو أتيح له أندية كثيرة كناديكم هذا، لما اعتراني الجزع وغلبني الدمع. . . ولا أقول ذلك ممألاة ونفاقا، وإنما هو الحرص على تقدير الناس حق قدرهم.
أيها السادة: ليس شيء أكد من الحقيقة التالية: هنالك ظروف يتحتم فيها الكذب، وبما أنه ضرورة محتمة فهو إذن فضيلة محمودة. . . والفضيلة لا تبلغ الكذب مرتبة الكمال إذا لم تزودها ثقافة دائبة، فلا حاجة إذن للقول بأن فضيلة الكذب يجب أن يرعاها ويتعدها المعلمون في المدارس والآباء في الأسر والمفكرون في الصحف والكتب، وأي حظ لكاذب جاهل مغفل تجاه كاذب مثقف محنك؟ إن ما يعوزنا أيها السادة، هو كذب حاذق. . . بل يخيل إلي أنه خير للإنسان أن لا يكذب مطلقا من أن يكذب كذبا غير موفق، إن كذبا أخرق
стр. 100
غير علمي هو غالبا شر من الصدق.
لنذكر المثل القديم السائر: الصبيان والمجانين يقولون الحقيقة دائما: والنتيجة المنطقية لذلك واضحة وهي: إن الكهول والعقلاء لا يقولون الحقيقة أبدا.
يقول المؤرخ (باركمان): من الحقائق الراسخة أن الحقيقة لا يحسن أن تقال دوما، وإن من يدفعهم ضميرهم المريض إلى مخالفة هذا المبدأ هم حمقاء خطرون، هذا هو الكلام المتزن المتين، فلا أحد يستطيع أن يعيش مع من اعتاد قول الصدق، والحمد لله على أن كائنا مثل هذا غير موجود، فالإنسان الذي يقول الصدق دائما هو مخلوق خيالي لم يوجد ولن يوجد، ولا شك أن هنالك أفرادا يعتقدون إنهم لا يكذبون قط، ولكنهم واهمون وإن جهلهم الفادح لما تخجل منه مدينتنا الحاضرة، كل الناس يكذب، في كل يوم وفي كل ساعة، نائما ومستيقظا، في الحزن وفي الفرح، وإذا لم ينطق اللسان فإن الأيدي والأرجل والعيون والوضع العام تحاول أن تخدع عن سابق تصميم وتعمد.
وبعد ماذا يأخذ النقاد الجادون الوقورون على التاريخ حتى تتنازعهم فيه الشكوك وتتجاذبهم فيه الظنون؟ إنهم يأخذون عليه أسسه التي يرتكز إليها ومادته التي يتكون منها وأسلوبه الذي يعتمد عليه ونتائجه التي يصل إليها. . . فهم إذن صناعا مهرة (يفبركون) الوثائق الأصلية. . . والمخطوطات النادرة. . . ويصفعون بها أنف التاريخ.
٣ - وما العمل إذا انعدمت الوثائق أو صمتت؟ ما الحيلة في معرفة تاريخ مالا تاريخ له؟. هنالك في سلسلة الحوادث التاريخية (حلقات مفقودة)، يعمد المؤرخون إلى إيجادها بالاجتهاد العقلي. فما هو نصيب هذا الاجتهاد الفرضي من الصحة؟ مثل المؤرخين في ذلك كمثل من لا يستطيع الوصول إلى مجاهل إفريقية الوسطى فيفرض أنها حلقة متممة لافريقية الشمالية والجنوبية ويتكهن عن أوصافها الطبيعية والبشرية بالاستناد إلى هذا الافتراض!. . وقد أثار الأستاذ حسن عثمان في كتابه (منهج البحث الاجتماعي) مسألة من هذا النوع وهي مسألة سكوت المصادر عن تنازل المتوكل العباسي عن الخلافة للسلطان العثماني سليم الأول عام ١٥١٧، وأقر بتعذر البت في هذا الأمر.
٤ - ولاختيار الحوادث في التاريخ مشكلة أشد إغفالا، ذلك إن المؤرخ يجد نفسه أمام حوادث لا حصر لها وكلها متشابكة متساندة، فلها جدير بالذكر؟ وما هي الأسس التي تفرق
стр. 101
بين الحادث الهام والحادث التافه؟ وإذا كان كلام نثرا فكل عمل تاريخ، فهل على المؤرخ أن يسجل كل عمل؟ إنه لا شك ملزم بالاصطفاء والانتقاء، والأمر يعود أولا وآخراً إلى تقديره الشخصي، وكم من مؤرخ أخذ بالعظيم من الأمور وأهمل ما ظن إنه جزئي لا وزن له وكان الذي ظنه جزئيا لا وزن له بالغ الأثر خطير النتائج! قد يكون لهيئة الأمير أو الحاكم أو لبزته وهندامه أو لابتسامته وطلاقة محياه أثر في سياسته لا يعدله أثر بلائه أو درايته أو دهائه!.
وطالما في الأمر اصطفاه فقد خرج التاريخ عن أن يكون صورة للواقع واضحي تجريدا مصطنعا يضلل ولا يرشد ويشوه ولا ينور، وجميع الكتب المدرسية في التاريخ هي من هذا القبيل.
وشبيه بهذا تلك التقسيمات (الاعتباطية) التي جرى عليها المؤرخون والتي تجعل التاريخ مقسما مبوبا مرتبا كأن الحوادث وضعت للتاريخ لا التاريخ للحوادث، فنحن نقول مثلا: السياسة الاقتصادية للمأمون والتنظيمات الإدارية للمنصور كأن مثل هذه الأمور يمكن التفريق بينها، ونحن نقول: العصور الوسطى والعصور القديمة والعصور الحديثة فيظن القارئ إن جداراً حاجزاً حقيقا يفصل بينها، مع إن التاريخ تسلسل لا انقطاع فيه، ولو سلمنا جدلا بصحة هذه التقاسيم بالنسبة إلى أمة ما فهل يجوز أن تعمم على سائر الأمم؟ والاعتراض نفسه يرد عندما نقول مثلا تاريخ سورية أو مصر في عهد الأمويين أو تاريخ ألمانيا أو بلجيكا في القرون الأولى فهل كان لسورية ومصر أو ألمانيا أو بلجيكا كيان بارز مستقل حتى يمكن تمييزه وتحديده؟ وهل لا يتوهم القارئ عندما يقرأ اشتباه ذلك أن سورية اليوم هي سورية الأمس عينها؟.
ومثل هذا أيضا تلك التعابير الاصطلاحية التي نستعملها اليوم وندرك مدلولها الحقيقي دون عناء، ونستعيرها للماضي أيضا كان المفاهيم لا تتبدل، وكان ألفاظ الحكومة والوزارة والأمة والموازنة والموظف الخ. . . هي اصطلاحات أزلية الوجود! والأمر أغرب إذا لم يراع المؤرخ المصطلحات المجازية الخاصة بكل زمن فأخذ بحرفية النصوص وتقيد المدلول الحالي للألفاظ! وهل بوسعه دائما أن يراعي؟
٥ - ولعل قاصمة الحجج للطاعنين في التاريخ هي اعتماد المؤرخ على الأسباب القاهرة
стр. 102
المعلنة وتعذر وصوله للسباب الوجدانية العميقة! فالحادث التاريخي هو في جوهره حادث نفساني يصدر عن إرادة وعاطفة، ولكن الإرادة والعاطفة تظل مقنعة محجبة بينما تبرز عوامل غيرها يراد إبرازها وإظهارها وهي التي يقبض عليها المؤرخ ويتعلق بها ويجعل منها عماد بنيانه.
تسقط اليوم وزارة وتخلفها أخرى ويتساءل الناس عن الدوافع ويختلفون بين مهاجم ومدافع، وتنشر الصحف الوثائق الرسمية فإذا فيها. . . أسباب صحيةّ أما الأحقاد والمنافع وما يختلج في النفوس من حب وكره وتعاطف ونفور فهي لا تدخل في حساب التاريخ لأنها عناصر هوائية غير مرئية، لا واضحة ولا مصرحة.
بيد أنها - كما تعلم - لب الباب من سياسة بلادنا الداخلية.
وتتعالن الدول عن رغبتها الأكيدة في العدل والحرية والمساواة وتعقد المؤتمرات على هذه الأسس وتوقع الوثائق والمواثيق فيتقبلها المؤرخون نهمين شرهين. . . ويلهم من مغفلين! أو ليس باسم الحرية والعدل والمساواة تتحكم اليوم فرنسا برقاب أبناء عمومتنا في المغرب الدامي؟! قد يقول لك المؤرخون: نحن يعنينا الحادث نفسه، فهل سقطت الوزارة أو لم تسقط؟ أما الأسباب فليس من شأننا الخوض فيها ما قيمة الحادث في ذاته أيها السادة؟ وما التاريخ إذا لم يكن أسبابا ونتائج؟
هؤلاء النقاد الجادون الوقورون لا شك أنهم مغالون بعض الشيء فليست الركائز التي يستند إليها التاريخ متأرجِجة غير موطدة إلى هذا الحد، على أن الحيطة في تقبل كل ما يسطره التاريخ واجبة، والحذر ضروري. وإن كان لهؤلاء النقاد من فضل فهو في إقامتهم الدليل على أن التاريخ لا يمكن أن يكون علماً ثابتاً يمكن صوغه في قوانين ومعادلات. على أن (الطعن في التاريخ أسهل من الاستغناء عنه) - كما يقول هالفن - وسيظل التاريخ (ذاكرة البشرية) تستمد من تجربته وتستنير بسوابقه، لك عظته لا يصح أن تؤخذ دستورا لا يخطئ بل لعل دستور التاريخ الوحيد هو إن ليس له دستور وإن الحادث الواحد لا يتكرر أبدا.
وجل ما قصدت إليه في هذا المقال أن ألفت الأنظار إلى (نسبية) الحقائق التاريخية، ولولا ذلك لما وجدنا التناقض بيننا واضحا بين كتابين في التاريخ لأمتين متعاديتين، ولولا ذلك
стр. 103
لما وجدنا التناقض واضحا بينا بين مؤرخي الأمة الواحدة أن (ميشليه) الأفرنسي يجعل من الثورة الفرنسية مشعل حضارة وضياء حرية وينساق في العاطفة المشبوهة حتى يقف كتاباته (أنا تول فرانس) بأنها (غضب ورضى، عويل طفل وصراخ امرأة تضع، زفرات وأنات أما حوادث فلا٠٠٠) ٠ بينما (دودة) و (برنتانو) و (كاكسوت) الافرنسيون أيضاً لا يرون في الثورة الفرنسية إلا قذارة ودماء مراقة٠
والأمثلة أقرب إليك من ذلك، خذ صحيفتين في بلد واحد من حزبين مختلفين وحاول أن تتلمس الحقيقة التاريخية بينهما٠
وشيء آخر قصدت إليه في هذا المقال هو أن ألفت الأنظار إلى كتب تاريخنا العربي بما جمعت من تناقض وتعارض في الأسماء والأرقام والتواريخ وبما فيها من أساطير مروية عن الأولين وحكايات دسها الوضاعون.
فحتى متى يخلص تاريخنا من أمثال هذا:
سام بن نوح كانت حياته ٦٠٠ سنة وأرفخشد بن سام عاش ٤٦٥ سنة وشالم بن أرفخشد عاش ٤٣٠ سنة وعابر بن شالخ عاش ٤٣٠ سنة وقيل ١٦٤ سنة الخ. .
أو من أمثال هذا:
دمشق أول من بناها دمشاق بن قاني بن لامك بن أرفخشد بن سام وقيل إن الذي بناها جيرون بن سعد بن عاد بن ارم - وقال وهب بن منبهان العازر غلام إبراهيم بني دمشق. وقال غيره سميت بدماشق ابن عزود بن كنعان وهو الذي بناها. وقال آخرون سميت بدمشق بن أرم بن نوح وهو أخ لفلسطين وإيليا وحمص والأردن، بنى كل واحد موضعا فسمي به الخ. . .
ولا تفوق كتب المستشرقين الغربيين عن تاريخنا ما كتبناه نحن إلا بسوء الفهم وما القول برجل يكتب عشرات المؤلفات عن تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده ويزعم في أحد كتبه أن في الكعبة حجرين، يعين موضعهما وأبعادهما، أحدهما الحجر الأسود وهو للمس فقط وثانيهما الحجر الأسعد وهو للتقبيل!. . .
حتى متى يخلص تاريخنا من الترهات والأباطيل والأساطير؟!
عزة النص
стр. 104
الروح . . .
في الفلسفة والآداب والفنون الإغريقية
للدكتور سليم عادل الحق
محافظ دار الآثار
ومدرس التاريخ القديم بكلية الآداب
لكلمة (بسيشه) في اللغة الإغريقية معنيان، يدل الأول منهما على الروح أو المبدأ الذي يسير حياة الإنسان والكائنات والعالم، ويشير الثاني إلى نوع من الفراشات التي يجذبها لمعان النور فتحرق أجنحتها على لهيبه. وقد امتزج هذان المفهومان في الفكر الإغريقي منذ أقدم عصور المدنية الهلنية، وهذا ما جعل هوميدوس والفلاسفة الذين عاشوا قبل القرن السادس قبل الميلاد، ينظرون إلى الروح ككائن حي يعيش في جسم الإنسان مدى الحياة. ثم ينفصل عنه بعد الموت ويظل يطوف هائما محلقا فوق مملكة الأحياء حتى تفتح أمامه مملكة الأموات وتضمه نهائيا إليها. ولا يكون ذلك إلا إذا تخلصت الروح من شرائط الحياة الدنيا وتطهرت من أدرانها، وعندها تصبح حرة وتعيش كالإله الذي تنحدر منه.
ولما أتى أفلاطون تمثل كل هذه الآراء وأوضح بمنطقه البارع وظيفة الروح المتوسطة وطبيعتها المركبة. فهي في نظره جني من الجان شبيهة بالحب، ومادتها علوية وآلهية ووظيفتها أن تكفل دوام الحياة وتؤمن سير الصيرورة، ولعرض هذه النظرية لجأ أفلاطون إلى طريقه الفلسفية التي تستخدم للتعبير عن غاياتها عناصر ميثولوجية قصصية فزعم أن الروح تهبط على الأرض وتحل في الجسم الإنساني فتفقد جناحيها اللذين كانا لها عندما كانت من طبيعة الآلهة وذلك لأنها لامست الجسم الفاني، فيتأمن من هذه الملامسة الاتصال بين المحسوس والمجرد وينشأ الحب من هذا الاتحاد وهو ضروري للروح لأنه التعبير الحي عن العاطفة الدينية، على أن طبيعة الروح الآلهية تأبى عليها أن ترضى بانحطاطها الموقت فتوجه أنظارها إلى السماء وتنزع إلى الانطلاق في الفضاء كأنها العصفور على أنها قبل خلاصها من سجنها الأرضي، وقبل استعادتها جناحيها يتحتم عليها أن تتطهر وتنقشف وتكفر عن الأخطاء التي ارتكبتها في حياة الدنيا، ويضيف أفلاطون إلى ذلك في كتابه (فيدر) أن الحب ضروري لها خلال تطهرها وتقشفها، فيجب أن تكتوي بنار الميول
стр. 105
والأهواء، ويلزم أن تتعذب بلذتها الطيبة قبل أن تعود إلى أصل الجمال الآلهي الذي انفصلت عنه، ثم يصفها في هذه المرحلة فيقول عنها أنها متأثرة وقلقة وفريسة لآلام تشبه آلام الطفل الذي يعانيها لدى ظهور أسنانه الأولى، وأخيرا تتحول آلامها إلى اختبارات وتجارب لها، وينقلب الحب البشرى إلى حب آلهي ولا تلبث أن تمتزج به، واجتماعهما هو السعادة التي يحلم بها الناس بعد الموت.
وقد انتشرت هذه الآراء الفلسفية انتشارا كبيرا منذ القرن الرابع ويضيق المقام عن ذكر جميع الإضافات التي أتتها من الفلاسفة ومن المذاهب الفلسفية المتأخرة، ونكتفي بذكر ما زعمه (أرسطو) في نظريته (العقل المفكر) بأن الروح تتصل بالفكر لطبيعتها الخالدة وبما لها من قرابة مع الآلهة، ولكنها تبقى مستقلة أبدا، ويضيف الفلاسفة الرواقيون: إنها تستمر على اتصالها بالقانون العالمي الذي هو الآلهة وأنها تبقى جنياً للحياة الإنسانية.
وفي العصر الهلنستي أصبح شيوع هذا الاعتقاد يعادل شيوع المذاهب الدينية الكبرى ويدل على ذلك قصائد الشاعر (ماليا كر). وقد نشأت بعد ذلك بقليل أسطورة إيروس وبسيشه التي نجملها بما يأتي:
كانت بسيشه أميرة ذات جمال بارع لم لامرأة بشرية أن تمنح مثله فحسدتها أفروديت ربة الجمال وكلفت ابنها (إيروس) آلهة الحب أن يقتص منها. فأوحى إلى أبي بسيشه، وهو ملك، أن يقود ابنته إلى قمة جبل ليفترسها وحش كاسر، وإلا فتنصب على مملكته مصائب ليس له قبل بها. وكان أن نقل بسيشه إلى حيث طلب أن تكون، وجعلت تنتظر على صخرة، خائفة مذعورة، دنو أجلها، حتى شعرت بأن النسيم يحملها إلى قصر فخم البناء أقامت فيه حتى حان الليل، وعندما أوشكت أن تستسلم إلى الكرى، إذا بكائن غريب تلفه الظلمات الدامسة يظهر إليها ويخبرها أنه زوجها الذي قسمته لها الأقدار، ولم تستطع أن ترى وجهه غير أن صوته كان عذبا مكلماته مملوءة بالحنان، وقبل أن ينبلج الفجر اختفى الزائر العجيب بعد أن جعل بسيشه تقسم أنها لن تحاول أن ترى وجهه أبدا.
وتمر الأيام فتألف بسيشه الإقامة في هذا القصر الذي لا ينقصه إلا وجود الذي أصبح زوجها، لأنه لم يكن يأتي إليها إلا في الليالي السوداء الحالكة، وتوشك سعادتها أن تدوم لولا شقيقتها اللتين تريد الأسطورة أن تتصلا بها وتطلعا على حياتها، فيقولان لها إن زوجها
стр. 106
غول شنيع لأنه لا يريها وجهه وما زالتا بها بها حتى جعلتاها تقوم في إحدى الليالي وقد أوى زوجها إلى مضجعها فتشعل مصباحا دون صوت، وتقربه من وجهه، ويا لعجب ما رأت! إنه أجمل وجه في الدنيا وهو وجه إيروس بعينه الذي أغفى وقد ترك أقواسه وجعبته إلى جانب السرير، وعندها لم تعد تملك بسيشه نفسها من الفرح فسقطت من المصباح نقطة زيت على كتف الإله، فهب من نومه مرتاعا وقرّع بسيشه على حنثها بيمينها واختفى فلم تعد تراه.
وتوارى كذلك القصر عن عيني بسيشه ووجدت نفسها على الصخرة التي حملت منها، فلم تستطيع أن تعتاد عل فقدان ما فقدت فألقت نفسها في مياه نهر يجري بالقرب من الجبل، بيد أن المياه حملتها إلى الضفة الثانية برفق زائد، ولما أعيتها الحيل في الموت سارت هائمة على مجهها، وهنا تصبح عرضة لغضب إفروديت فتبلى بمصائب كثيرة كانت تتخلص منها بفضل معاونة (إيروس) السرية لها، وأخيرا توجب عليها الآلهة أن تنزل إلى الجحيم فتكفر عن ذنوبها، ويتأثر زوجها من ندمها لأنه لم يكف عن حبها، فيطير إلى (زوث) ويتضرع إليه أن يعفو عنها وأن يأذن له بالإتحاد بها، فيرضى رب الأرباب ويمنح بسيشه الخلود وننسى أفروديت حقدها ويزف إيروس إلى التي هام بها ويقيم وإياها في الأولمب.
وقد ساهم الفن الإغريقي في إيضاح مفهوم بسيشه وعبر عن كل الأفكار الفلسفية التي نشأت منها أسطورتها بأشكال وألوان جمعت فكانت من أجمل ما تخيلته العبقرية الهلنية، وأول ما مثل كانت النفخة غير المرئية التي تفارق الجسم الإنساني عند الموت فصورت على جذوع الآنية الفخارية المطلية بلون مقتول، ولم يكن شكلها هذا يختلف كثيرا عن أشكال بعض الكائنات الميثولوجية الثانوية كال (سيرين والهاربي) التي كانت تمثل على شكل عصافير لها رؤوس بشرية، ولم تعط بسيشه في الفن غير هذه الصورة حتى حان العهد الهلنسي فجعل الفنانون يمثلون حوادث الأسطورة على أشكال شتى، فكانوا يتصورون على شكل امرأة شاحبة حالمة قلقة، الروح التي نزلت من مستواها الإلهي وأصبحت فريسة للأهواء والنزوات النفسية. وقد افتنوا في التعبير عن هذا الموضوع بأشكال مختلفة، ففي أحد التماثيل الفخارية الصغيرة ترى امرأة شابة لها جمال رائع قد صففت شعرها ورفعته
стр. 107
على صدغيها وجمعته في قمة رأسها، وفي تمثال آخر تشاهد وقد جلست على صخرة وأدارت رأسها ووضعت أحدى ساقيها على الأخرى وسترت جسمها بثوب فضفاض ينزلق قليلا عن كتفيها، وترى أيضا على شكل امرأة واقفة وممسكة بعنقود من العنب أو بثمرة أخرى، وتمثل كذلك بامرأة راكعة متضرعة تمديدها مسترحمة، ويمكن معرفتها في كل الحالات التي ذكرناها من أجنحة الفراشة التي تخرج من كتفيها، وقد صارت أجنحتها تخرج في التماثيل الصغيرة المتأخرة من صدغيها، ويوجد في متحف جنيف خمسة أحجار منقوشة تمثلها على هذا الشكل مع اختلافات بسيطة، كما يوجد حجر آخر منقوش في متحف برلين يمثلها وهي نصف عارية وقد أمسكت بيدها فراشة وألصقتها على يديها.
ولم تلبث هذه المواضيع أن أخذت تغري النحاتين الكبار، ففي متاحف اللوفر والكابتيول وفلورانس ونابولي وبرلين تماثيل كبيرة يرجع تاريخها إلى العهد الروماني تمثل بسيشه وهي حالمة أو متوسلة. وكلها دقيقة الصنع ذات جمال فني باهر يخيل للمتأمل فيها أن (برا كزتيل) المثال العظيم قد منحها كل ما في عبقريته من لطف ورشاقة وكل ما في يديه من افتنان وصنعة. فسماؤها رقيقة ناعمة يغشيها شيء من الكآبة، وأشكال جسمها الفني متناهية في الظروف كان الشباب الذي تطفح به أو شك أو قارب أن يبلغ الدرجة المثلى من إيناعه أضف إلى هذا كله أنها تجبرك على العجاب بلطفها الإلهي وعلى الرثاء لهذه الفتاة الممثلة فيها والتي حكم عليها أن تجتاز المصاعب وتمر في التجارب.
وقد عبر الفن الهلنسي عن انحطاط الروح المؤقت بأشكال وأوضاع تطفح بالنبل. فرمز إلى تجارب الروح بمشاهد تدل على كبر في النفس واقتصاد في التعبير وهدوء في إيضاح العواطف، فأحيانا يمسك (إيروس) بيده اليمنى فراشة ويضع يده اليسرى على صدره، وأحيانا يمثل كيف فتنت الروح بالحب، وليس من مشهد شعري يعدل المشهد الذي يمثله التمثال الصغير المعروف باسم تمثال (ميكار).
إذ يرى فيه (إيروس) وقد وضع على رأسه إكليلا من أوراق النبات وعقد شالا على كتفه الأيمن وأمسك مزمارا وبدا يعزف عليه وهو مستند على سارية إلى جانبها ركيزة فوقها بسيشه بجناحيها المبسوطين ويديها الموضوعتين على صدرها.
ويرمز هذا التمثال إلى عاطفة مركبة ويمثل التقاء الروح بالحب الذي بدأ يغويها بموسيقاه
стр. 108
فجعلت ترقص على نفحاتها الإلهية.
بيد إن التقاء الروح بالحب لا يجري على الأرض دوما على هذا الشكل الشعري فلدينا في متحف دمشق تمثال صغير من الفخار قد تحطم جزء منه، وهو يمثل بسيشه جالسة وشبه عارية وقد وقف (إيروس) إلى جانبها وهو يشد وثاق يديها خلف ظهرها، وقد أحب الفنانون كثيرا موضوع عذاب الروح بالحب فنوعوا فيه، وجعلوه أحيانا مشهدا فاجعا، فأحجار العصر الاسكندري المحفورة ترينا بسيشه موثقة وإيروس يقبض عليها من شعرها، أو أنه يحرقها على لهيب مشعلة، وترى أيضا موثقة إلى عربة يقودها معذبها أو مربوطة على عمود وتحوم حولها فراشة، وقد امسك إيروس بقضيب وهم بأن يجلدها.
ولم يلبث فن نحت التماثيل الكبيرة إن تأثر بهذه المواضيع فجعل يمثل عذاب الروح في أوضاع مسرحية تدل على عواطف العصر الزاخرة، ومتاحف اللوفر واللاتران والفاتيكان وطولوز تحوي نماذج رومانية ترينا بسيشه راكعة ومتوسلة وايروس يدوسها بكبرياء أو يقف بقربها صامتا لا يحير، وهو يخفي ما يجول في خلده ويختلف تعبير ملامحه بين القسوة والرحمة.
وعندما تبلغ آلام الروح والحد الذي يجب أن تبلغه وتطهر على لهيب النار تظهر المعجزة، فيدير معذبها رأسه متألما ويمسح دموعه المنحدرة على خديه. ولا يلبث أن يحيطها بذراعيه فتستسلم إلى مداعباته وقبلاته السماوية.
وعندها تتوصل الروح إلى أن تتأمل الجمال السماوي وجهاً إلى وجه وأن تبلغ السعادة النهائية بامتزاجها مع أجمل وأنبل العواطف التي شعرت بها. ويعبر في الفن عن هذه اللحظة المثلى بشكلي أيروس وبسيشه وهما متعانقان، ويوجد لوحة برونزية عهدها من القرن الثالث قبل الميلاد محفوظة في متحف برلين تمثل (ايروس) على شكل شاب مستند إلى صخرة وإلى يمينه بسيشه وقد لفت ذراعها الأيمن حول عنقه، أما ذراعها الأيسر فتستند به على كشحها، وهي تدير رأسها الذي يحاول أن يمسكه ايروس بيده. فهي تتهرب هنا مما يعرضه عليها من حب وغرام. بيد أنه وجدت تماثيل فخارية في مدينة (ابفيز) القديمة وفي غيرها من مدن آسيا الصغرى يرجع تاريخها إلى القرن الثاني والأول قبل الميلاد، يشاهد فيها الحبيبان معتنقين وتكاد شفاههما تلتصق على الرغم من الحياء الذي ما
стр. 109
برح ينتاب بسيشه.
وسيأخذ هذا المشهد في التماثيل المتأخرة صفة عاطفية مهتاجة فترى بسيشه وهي تضم إليها ايروس وتمنحه القبلة المنتظرة والتي هي السعادة المثلى. ففي حنجور وجد في مدينة منفيس وفي أحجار منحوتة ولوحات وسلسلة من التماثيل المرمرية محفوظة في متاحف الكابيتول ودرسد وفلورنس ولندن ويمثل الحبيبان على شكل شابين أو مراهقين أو طفلين وهما يقبلان بعضهما بشغف لا يوصف.
ويعقب القبلة الزواج، فتري في آثار كثيرة من العصر الاسكندري مناظر حفلة زفافهما وأشهرها دست وجد في الفيوم يشاهد فيه ايروس وبسيشه وهما قائمان في عربة، تمشي أمامهما ربة النصر وهي تحمل طبلاً تضرب عليه، ويرفع الآلة باخوس كأسه الطافح بالخمر ويشرب متمنيا لهما السعادة. وعثر في الاسكندرية على حجر كريم منقوش يظهر فيه مشهد عرس حقيقي. فيظهر الاثنان على شكل طفلين مجنحين وقد لف رأس كل منهما بمنديل. وحملت يداهما زوجاً من الحمام ويمشي أمامهما جني صغير، وإلى طرف المشهد جني ثان يحمل سلة مليئة بالفواكه، وجني ثالث يهيأ سرير الزفاف.
وأختم هذا البحث لوحة حجرية منحوتة نحتا شديد البروز، فيها صنعة دقيقة وأسلوب واقعي ظريف، قد حملت من محافظة اللاذقية إلى متحف دمشق منذ عام ونيف. وهي من نوع اللوحات الحجرية التي كانت تنحت على المدافن القديمة كمدافن روما القديمة في العصر الروماني لتمثيل اتحاد الروح والحب الصوفي، وللرمز إلى خلودها وصعودها إلى السماء بواسطته. وتمثل أربعة مشاهد متعاقبة من أسطورة ايروس وبسيشه، فيرى فيها من اليمين إلى اليسار: أولاً ايروس حزينا قد اتكأ على مسند بذراعه الأيسر، وثانيا ايروس موثق اليدين خلف ظهره وخلفه بسيشه ومرتدية ثوبا ايونيا تنحدر ثنياته كأمواه الشلال، وثالثاً ايروس طليق اليدين وهو يقابل صورته المتقدمة ويكفكف دموعه بطرف رداءه الذي يستر نصفه العلوي فقط ووراءه بسيشه منحنية قليلا إلى الأمام تستعطفه وقد انكشف نصفها العلوي وتجمع ثوبها حول كشحيها، ورابعا ايروس وبسيشه واقفين جنبا إلى جنب كأنهما قد التقيا بعد طول فراق.
وهي مصنوعة من المرمر الذي استحال لونه الأبيض من لفح الشمس إلى لون وردي
стр. 110
جميل وهي ناقصة من الجهة اليسرى ومشوهة قليلا في بعض أجزائها، على أنها من أجمل الآثار التي وصلت إلينا من القرن الثاني أو الثالث الميلادي.
سليم عادل عبد الحق
следующие страницы →