Полный текст (608 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأرض المربعة الوحة الخشبية بوضع قائم. يقسم اللاعبون إلى فريقين متساويين في القوة والعدد، يسمى الفريق الأول فريق الرماة. والثاني فريق المدافعين. ويأخذ كل من الفريقين أرقاماً متسلسلة، وتجري قرعة بين الفريقين لأخذ دور الرماة، حيث يقف الرماة خارج المربع على طرف من اللوحة الخشبية بحب أرقامهم المتسلسلة بينما ينتشر المدافعون في أرض الملعب.
طريقة اللعب: يقف أحد الرماة وراء اللوحة الخشبية ويقذف الطابة عالياً ويتركها حتى تقع على الأرض لترتفع مرة أخرى في الفضاء وعندئذ يضربها براحة يده اليمنى ضربة قوية ليرسلها باتجاه عالٍ في الفضاء لتقع على الأرض في أبعد نقطة ممكنة.
يحاول المدافعون التقاط الطابة بأسرع ما يمكن، أما وهي طائرة أو وهي على الأرض. وفي الحالة الثانية تسدد الطابة لإصابة اللوحة الخشبية.
قواعد اللعب:
١ - عندما يلتقط المدافعون الطابة وهي طائرة يحرم اللاعب الرامي اللعب ويتقدم اللاعب الذي يليه ليأخذ دوره في اللعب.
٢ - يحرم اللاعب الرامي من اللعب إذا أصاب أحد المدافعين اللوحة الخشبية بتسديد مباشر.
٣ - يحق للرامي الاستمرار بإرسال الطابة إذا لم تطبق بحقه إحدى المادتين السابقتين.
٤ - يحرم الرامي من اللعب إذا فشل ثلاث مرات متتاليات بإرسال الطابة تسجل علامتان في كل مرة يصيب فيها المدافعون اللوحة الخشبية وإذا أخطؤوها تسجل علامة واحدة إلى فريق الرماة.
٦ - يجب أن تسدد الطابة لإصابة اللوحة الخشبية في الأحوال الآتية:
آ - من المكان الذي استقرت فيه الطابة داخل الأرض المحددة للعب أو أوقفت فيه.
ب - إذا دفع أحد الرماة الطابة إلى الحد المقابل للوحة، تسدد الطابة أيضاً من المكان الذي استقرت أو أوقفت فيه.
ج - إذا تجاوزت الطابة أحد الحدين الجانبيين ترمى الطابة من قبل المدافع الذي أوقف الطابة وذلك داخل المربع على امتداد الخط الذي يشكل زاوية قائمة من النقطة التي
стр. 177
اجتازتها الطابة.
د - يغير الفريقان أمكنتهم عندما لا يبقى لاعب في معسكر الرماة.
هـ - يأخذ كل فريق دور الرماة مرتين في معسكر الرماة والفريق الرابح هو الذي حاز على علامات أكثر.
وعندما تعاد اللعبة مرة ثانية يقف الفريق المغلوب في معسكر الرماة أولاً.
أخطاء عامة: تعتبر الإصابة لاغية إذا أصابت اللوحة وهي متدحرجة.
стр. 178
طريقة مس ماسون
مس تشارلون ماسون، مربية إنكليزية كبيرة أنشأت جماعة الآباء للعمل على النهوض بتربية الطفل، وأنشأت مدرسة نموذجية في (آمبلسيد) وأخذت تنفذ كل المبادئ الصالحة في التربية بمدرستها، نذكر منها:
١ - إيجاد روح التعاون في المدرسة وتعاون التلميذ مع المدرس.
٢ - العمل بقاعدة الحرية المعقولة في التعليم.
٣ - عدم إرهاق الطفل بأوامر ونواه لا حاجة إليها.
٤ - تعويد الطفل الاعتماد على نفسه في التعلم والبحث.
٥ - تشويقه إلى العمل وترغيبه فيه.
٦ - مراعاة عالم الطفل وطبائعه وغرائزه دائماً.
٧ - العمل بنظرية الحكم الذاتي في المدرسة.
٨ - التفكير في الطفل قبل أي شيء آخر، والعمل لإعداده للحياة التي تنتظره، بالجمع بين التعليم النظري والعملي.
عن التربية الإنكليزية للأبراشي
стр. 179
العدد ٣ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩٤٧
стр. 180
الذكرى
صورة حلم
للدكتور: عادل العوا
لو كنت شاعراً لأنشدت الخلود في صورة الذكرى، ولقلت مع شاعر لا أعرف أن الذكرى صورة حلم، فهي حلم الوجود الجديد يبدو في صورة لحن تنشد صغيرات بريئات في شفق الشمس على ذرى لبنان، وهي الحلم بالبقاء في صورة اصفرار يعلو وجوه سفَرْ يغرقون، وهي صلاة المستجير بآلهه والأنبياء والقديسين، وهي اندفاع اللقاء بين غائب وحاضر، وصلة الترابط بين القديم والجديد، تنسج الحاضر من خيوط الماضي، وتبقى على الحياة الحياة، فهي الثغر الجميل يدعوك إليه، والبريق في عين تصرح قتلاها بين الرصافة والجسر، إنها نزهة في ليلة حارة قمراء، وغرفة تشريح تفقد الخائف شجاعته، وهي مبضع الجراح، وزاد التلميذ، وألوان الشاعر، وحرارة تنعش أصابعك فتوحد باللمس الشفة والجبين، فالذكرى وجود الموجود، وكل مالا يتذكر وجوده لا يعود إلى وجودك، وهي نور وعاطفة وخوف ورجاء.
الذكرى بعض من الإله في روح الإنسان، فهي الهبة العليا، والمنحة السماوية. بعض القلوب تذكر فتعشق. وبعض الحب يذكر فلا يموت. وبعض النفوس تذكر ضعفها فتتسامى، ونقصا فتتكامل، ذكر (ديموستين) الألكن عجزه عن الإفصاح فأقسم ليخطبن في الناس حتى أصبح المفوَّه المصقع ذائع الصيت. وذكر (بيتهوفن) صممه فهز البشرية بأصواته وموسيقاه. بعض الأفكار تذكر ذاتها فتنسجم، وبعض الأرواح تذكر الآله فتحيا بذكراه، وتطمئن إليه، وتنزع نحوه، والذكرى عند الإنسان عاطفة وفكر معاً، لا يحيا فؤادان إلا بها، ولا يخاف عقل إلا فناءها، ولا تطلب النجاة نفس إلا بدافعها، ولا يتم بدونها وجود ولا خلود.
يأس وأمل
غير أن الذكرى في صورة البكاء مريرة سامية، تهدم وتدك، وهي عذبة منعشة في صورة الأمل، ترفع وتشيد. وأنا لا أطيق من الذكرى البكاء على الحلم. حلم ترك فلم تبق وإياه كما وددت. أو حلم تركته لأنك لم تبقيه لديك كما وددت. والبكاء وقوف بالأثافي. وجمود أمام
стр. 181
الأطلال. وهو تواكل ويأس ثم قنوط وفناء.
أستميح القارئ معذرة إذا أسمعته في هذه الأسطر ألحان ذكريات شعرائنا البكائين. فتلك سمة أولى من سمات نفسيتنا التاريخية. ولون قديم قائم من ألوان شرقيتنا الباقية. هذه كبد السادة والسيدات من شعرائنا وشاعراتنا، السابقين والسابقات، تنفطر تحرقا وألماً في ذكراهم، وعلى ذكراهم، وهذه أفئدتهم تهلك أسىً ولوعة، ودموعهم لؤلؤ أسود في عقد حزين، يعصف وجودهم لذكرى الحلم البادي كباقي الوشم في ظاهر اليد، انه حلم بعيد يرجع إليه زهير بعد عشرين عاماً فلا يعرف الدار إلا لأيا، ولكنه يعرف سكان الدار. لا بلمسه وسمعه وشمه وذوقه، بل يراهم في نفسه فيحلم بعاطفته وقلبه، فذكراه حلم وتوهم:
وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيا عرفت الدار بعد توهم
يبكي زهير بعد التحية، تحية العرب. وبعد السلام، سلام الصباح لأم أوفى. ويمتشق عنترة الحسام، فيقتل ويشفي بالقتل من يشكو سرور الحياة، ولكنه ينعطف إلى ذكرى عبل، ويركع أمام التي في معبد الهوى، فيبكي مع الحمام منشداً:
أيا عبلَ كم يشجى فوادي بالنوى ... ويروعني صوت الغراب الأسود
كيف السلو وما سمعت صائحاً ... يندبن إلا كنتُ أول منشد
ثم يبكي الشاعر الملك امرؤ القيس، ويأمر بالبكاء، ويقف على مطيته في مسرح البادية الفسيح، ويأمر بالوقوف، فتملئ دنيا الجاهلية بالجاهليين، وتبكي الملكة الشاعرة، ولم تتوج، الخنساء تماضر، فتدوب وتسمو وتبقى خالدة فلا تموت:
يا عين جودي بدمع منك مسكوب ... لؤلؤ جال في الأسماط مثقوب
إني تذكرته، والليل معتكر ... ففي فؤادي صدع غير مشعوب
يبكي هؤلاء الناس ذكراهم، ولكل عاشق حبيب، كما بكى ابن ساعدة خليليه، سحابة عمره كاملاً، وأقام على قبريهما ليس بارحاً طوال الليالي أو يجيب صداهما.
نحن
يبكون حلماً كأن الحقيقة المثلى، وهم الناس أسلافنا، ونحن بعض منهم نتمم أجسامهم وعبقريتهم، وقوميتهم في أرواحهم، وأرواحهم في قوميتهم، زال من أحدهم واقع راهن، وحبيب مرتحل، وبقيت ذكرى الحبيب الغائب، فبكى صورة الحلم الماضي عندما وعى
стр. 182
الطلل والرماد، وما نحن العرب اليوم إلا لفتة نحو الماضي، هذا الحلم المجيد نستعيد ذكراه، لننهض به ونجعله الذكرى في الدهر كله، واللحن في سمع الوجود، بدأ عند أمتنا الوعي لأنها بدأت تذكر الماضي الحبيب، وتحن إليه، وتعيش صورته الجليلة من جديد، أو تحاول. الآن على وجودنا_عفواً أقول_نطلع على آثاره القليلة التي لا تزال، لسعد حظنا، ماثلة لم يقف كل رسمها. وكأننا جميعاً زهير بن أبي سلمى الحكيم يتفرس مجدنا الغابر بعد غياب وفراق، وبعد وبعاد، وهجر وإغفال، ندرك حلمنا الرائع، ونعرف ذكرى أمتنا الباقية، وكأننا جميعاً عنترة يبحث عن أسلحة لجيشه، ومعامل لطائراته، وطائرات لرمحنا، نحمله إلى صدر الأعداء، لنروع الغربان بعد أن راعنا الاستعمار ويرجع أحدنا الفارس العنيد وهو قد انقلب حمامة وديعة فقدت أليفها فانهارت أدمعها تترى. . .
البكّاؤون
وعى الشعراء مصاباً وذكروا حلمهم في صوره الباقي، فبكوا الفردوس، ووعى مفكرونا الصادقون مصاب تاريخنا فذكروا لنا حلماً جميلاً، وفقط بعضهم فكانوا البكائين من الدرجة الأولى، دأبهم عبادة الذكرى، والجمود أمامها، والتصلب حتى الموت، أو الذوبان حتى الفناء، يقدسون الأثافي، ولا يرجعون القدر فوقها، يتلمسون الظل ولا يقبلون الجسم، يلمسون الأحجار ولا يعيدون البناء، هم التقليديون المفكرون، يفكرون بما زال، ولكن يضيقون عما يحدث. فكرهم ذكرى، وأملهم حلم وحلمهم فناء.
وهم رجعيون في اعتبار، يتمنون الخلود في السكون، وخلودهم أدنى وأرخص من الحياة. غير أني لا أود تخليد الذكرى في الموتى والموت، فالأفراد هم الفانون. والوطن يستقل عن أبنائه الزائلين، وأنا أطلب الخلود للوطن الذي لا يزول، ولو قلت شعراً لطلبت بالشعر حياة الوطن، وجعلت الذكرى حقيقة الحلم، بل أبهى وأصح.
العاملون
والذكرى صورة حلم إليه تعود قوته، وطلل ماض يكتسب كماله، ووشم يد يغزو جماله، وينمي جمالها، والصورة التي تفقد نورها لا تستحق نفحة الحياة، والحلم الذي يقصر عن تدارك حرارته سلب وانتقاص، وهو جدير بالسلب والانتقاص، والقلبان اللذان ألف بينهما قدر فتفاهما واتحدا عليهما البقاء في التفاهم والاتحاد، عليهما العمل على زيادة التفاهم
стр. 183
واشتداد الاتحاد، أما إذا افترقا وهزلا وزال كل شيء سوى الذكرى، فالذكرى الجامدة تأكل نفسها، وتزول لأن الأيام تمحوها، ويجب لها أن تزول لأنها وحدها حياة اليأس المريرة، وليس قلب يعيش باليأس، وليس شعب يحيا بالبكاء، وليست امة تخلد بالنواح والتقليد.
الذكرى قدسية في قدسية العمل والتطور والتقدم والارتقاء، والعاملون في امتنا هم المفكرون التقدميون، فكرهم عاطفة وعقل، إيمان وذراع، يطلبون الحركة في صميم الجاد، ويبغون السير بمركب المواطنين والإنسان، ويحرصون على معاقرة الوجود، ويسعون إلى إتراع الكأس، وتنظيم التاريخ، وتوجيه الأمة في التاريخ، وخلقه وخلقها، وإعادة المجد، وإرجاع الذكرى وتحقيق الحلم.
الكتلة السوداء
وبين هذين التيارين يشاهد السواد الجاهل، وهو المصدر الغامض، والعجلة الثقيلة، والجمهور الغافل، الأمي عن الوعي، الأكثر عدداً، والأقل عدة، الراقي رقماً، والأدنى قيمة، الضال عن العلم، والمضل بالجهل، وكان الأحرى به الرقي والتقدم والذكاء والعلم ولعل الأمة العربية حيث يسود الجهل في أوساط كثيرة منها_مع الأسف الأليم_أشبه برأس ضخم، تتجاذبه أذنان صغيرتان واعيتان، الأولى تعي ذات اليمين، والأخرى ذات اليسار، وبينهما الكتلة السوداء تسوقها دعاية، ويستفزها ضلال، وكأنها حجر صلب في منصف أنبوب، ليس يفسح للنور مجالاً، ولا للحياة نوراً، كيما ينضح ويثمر بعد أن يستفيق.
وكشف المصاب في رأينا طريقة النهضة، والنهضة الواعية الصادقة، التي هي غير ذات اليمين فحسب، وغير ذات اليسار المطلق، بل هي نهضة أمة حاجة هذه الأمة، ويقظة شعب حسب ميول هذا الشعب، ونزوة تاريخ حسب هدف هذا التاريخ، ورجوع حلم حسب فلسفة هذا الحلم، والأصل في كل ذاك أن ترتكز إلى دعامة العرب الصحيحة، ومجد العرب الصحيح، وتلك ذكرانا الأولى.
الذكرى العربية
لنفتح إذن قلب الأمة العربية ونشاهد حياة الذكرى فيه.
لقد كانت هذه الذكرى حاضراً صحيحاً، وكانت في العصر الجاهلي تمخضاً، بزغت عنه القوة العربية في النهضة الإسلامية المتحررة الواثبة، والقوية المنطلقة من قيود الجهل
стр. 184
والتفرقة، فكانت أمة انتهى البيان إليها، وسارت في غلاب الجهل والتفكك ركبانها، وأتيح للعرب جمع عناصر المدنية الإنسانية في توحيد جديد، ودخلت العناصر الرومية والفارسية والشرقية والإفريقية في تفاعل إنساني طريف، وامتزجت في قصور الشام أبهة الروم، وأنس الحب، ووداعة الاعتقاد مع فخر التوسع ولذة الانتصار. فكانت أمية في الطليعة، وكانت الإمبراطورية العربية
ينبوعاً لذكريات مجيدة، يخطب طارق في الغرب على جبله، ويغني عمر بن أبي ربيعه هواه، ويفتح التراجمة أسفارهم، وتتفتح أكمام الفكر العربي، فتلد العلوم تلو العلوم، وتنمو الدراسات تلو الدراسات، وتنفجر الفلسفة العربية من ينابيع الدين والعقل، فهذه حركة الفقه والتفسير، وأبحاث اللغة واللسان، وهذه حركة القصص والتاريخ والاجتماع، وهذه حركة تمازج الثقافات، يلتئم فيها النمو العلمي والنمو الأدبي والنمو الفكري في روح عربية شرقية جامعة، وينجلي ذاك عن علم بالفلسفة، وفلسفة بالعلم، وكلام فيهما وفي الدين، وهذا هو علم الكلام تلقى بذوره في الشام فتنبت أصوله في مساجد البصرة، وتزهر أغصانه في مدارس بغداد، ويأتي أكله في بلاط العباسيين، وتردد رجعة العجوز في دارها، والتاجر في حانوته، وهذا الفارابي يصنع السعادة في مدينته الصنعية الفاضلة، وهذا ابن سينا يداوي الجسم والروح، فيضع القانون ويستهدف النجاة عن طريق الإشارات والتنبيهات والشفاه. ويجرب الرازي سيمياه وكيمياه، وينظر ابن الهيثم في رياضياته ومناظره بعد أن جال البيروني في علوم الهند، ومقولاتها ومعقولاتها، ويضع الخوارزمي أسس اللوغاريتمات، ويؤلف في الجبر، وينطلق التحرر، فلا التنجيم سحر، بل علم، ولا الشعر بكاء على الأطلال، بل تجدد وانبعاث، ويتحدث عن كل ذاك إخوان في موسوعة. وهذه موسوعة إخوان الصفاء، عربية وحيدة في النوع، يقرؤها الغزالي، ويتأثر منها، ويثور عليها لأنه انتهى بالثورة على الفلسفة جميعا، وألقى في الشرق النداء الأخير، فجاء مزيجاً من العقل والنقل، ودك الفكر بسلاح الفكر، فانصرف الناس إلى الأكل قبل الفلسفة، وتحولوا من الإبداع إلى الإتباع فدهمتهم الحروب الصليبية، وعانت الأمة العربية ما عانت ولكنها صمدت صميدة بإباء، ورسمت آخر الألوان القوية في لوحة ذكرياتها المثلى، ثم نكبت بالتفرقة والانقسام وطغا جنكيز وأهلك هولاكو، واستعلى الترك من بني عثمان، حتى كانت
стр. 185
خلافة في غير أهلها من العرب، ولم يتقلص ظل العثمانيين رسميا قبل عام ١٩٢٢.
واجبنا
هذه أرض ذكرانا وسماؤها، هذا تراثنا ورأسمالنا، فما عسانا نفل في الأرض وفي السماء؟ بعضنا وفيهم السواد منا ناعم البال قرير العين يعيش عيش الإنعام ويموت موت البعير، فلا كان احترام للأنعام ولا مجد للبعير، الهناء لديهم جهل وخلو من الذكريات، والإنسانية عندهم طعام واجترار، لا وطنية يفهمونها مع الإيمان، ولا قومية يقدمونها مع الوجود، تباً لهم ورحمى، إنهم كالمادة أعماها الاستعمار، فهي ترجو النور، وكالمعدن أثقله التراب فهو يأمل الخلاص، وهذه الشعوب من جماهير الأمة العربية ترسف وتتألم، وقد آن لها أن تقدس وتحب وتنقذ، إن حياة الأمم لا تحتمل الإهمال، ونهضة البلاد لا تقوم على القيد وبالقيد، حارسها أخلاقها الطبيعية، والطبيعية فحسب، وسلاحها العلم، والعلم من غير السحر، أما منقذوها فهم أبناؤها، وأبناؤها العاملون، المفكرون المتقدمون، يفهمون الذكرى، ويجدون فيها هواهم وصوتهم وعقلهم، ويحيون مجداً عربياً ليس المجد العربي السالف غير أصله وصداه، ويطلبون نهضة ترتكز إلى الماضي من غير أن تكتفي به، ويرمون إلى الحياة بالحياة، وإلى الشعر بالأمل، يتوسعون في فتح مغالق الإنسانية، واكتساح ظلمات الجهل والضيق، صدورهم معامل تنقية لا منافخ العبث وإلا فساد، وقلوبهم انبساط بعد تقلص لا انقباض على ضيم، المعلم عندهم حجيرة ينمو عنها الدماغ، والتاجر عندهم جسر للتقدم لا بئر للاحتكار، ليست أقوالهم ألفاظا، ووعودهم سرابا، وشعرهم صياحا، وصياحهم بكاء.
الوجود كتلة الحب في الفؤاد، وروح الحلم في النفس، وصورة الذكرى المتجددة بالود، والمتقدة بالعاطفة، والمنتهية إلى اليمن والإقبال، والأمة وجودها عقل في القلوب، وشعرها ابتسامة في القومية، وأدبها جوهر في العقد، وإما تاريخها. . . فهو الذكرى في صورة حلم مجيد.
عادل العوا
стр. 186
التربية والسلام العام
للأستاذ عبد الحميد الحراكي
مدير معارف حمص
لا أعتقد أني بحاجة إلى الأسباب وإطالة الكلام وإيراد الأدلة والبراهين لإثبات أن الحياة قد تغيرت عن ذي قبل تغيراً كلياً بارزاً وظاهراً للعيان وأنها بتغير دائم مستمر بكل ما فيها من قوانين وأنظمة وعادات وأخلاق وتربية وما شاكل ذلك، وأنها لا تزال تتغير وتتطور وفقاً لحاجات العصور التي مرت عليها فما كان يصلح في الأمس البعيد أو القريب لم يصلح اليوم. وما هو صالح اليوم سيصبح عديم الصلاح في الغد وهكذا دواليك إلى ما شاء الله، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا. لذلك وجب على أبناء هذه الأمة أن ينبذوا الجمود ويألفوا الحركة ويتتبعوا سنن النشوء والارتقاء الكونية، ويدرسوا سير الأمم الغابرة والمعاصرة ويكيفوا حياتهم بمقتضى حركتها الدائمة وسيرها المتواصل السريع ويرافقوها ولا يتخلفوا عنها ولو قيد خطوة كيلا تسبقهم إلى الأهداف المقصودة وتستأثر بها كما شاهدناه وشاهده غيرنا من الأمم من قبل أو كما نشاهده اليوم في حياتنا الدنيا هذه لأن الطبيعة لا تعرف الوقوف بله الجمود، فمن لا يتقدم إلى الأمام يتأخر إلى الوراء، وحرام، بل إجرام، التخلف عن ركب الحضارة إذ بينما نرى بعض الأمم في عصرنا الحاضر تسير السير الطبيعي المعتاد، وتتمكن من القبض على أزمة العالم وموارده الحيوية كلها تقريباً، نرى بعض الأمم الأخرى تسير السير المخالف للقوانين والنواميس الطبيعية ولا تسايرها المسايرة التي تتطلبها الحياة الحقيقية، فتتأخر وتتأخر حتى تصل إلى آخر دركات التأخر والانحطاط والجمود من الفقر والجهل والغباوة، حتى تصل إلى درجة الذل والمسكنة والاستعباد ويستولي عليها غيرها من الأمم القوية المسايرة لروح العصر بحجج مختلفة ودواعي باطلة وأدلة غير معقولة ما أنزل الله بها من سلطان ولا يرضى ولا يقول بها إنسان فيبدأ الصراع الدائم بين الحق والباطل ويدوم ما شاء الله أن يدوم حتى تتبدد الغيوم الكثيفة وتزول الظلمة وتهدأ العاصفة ويصفو الجو ويظهر الصبح لذي عينين وتستيقظ الأمة من سباتها العميق وتشرع بإتباع سنن النشوء والارتقاء وتساير الحركة الكونية وتوفق حركاتها على قوانينها وسننها وتنهض لاسترداد حقوقها المغتصبة فتصول وتجول
стр. 187
وتكافح وتناضل وتبذل الأموال والمهج في سبيل خلاصها حتى تتخلص من الكابوس الجائم فوق صدرها وتبرأ، ولكن إلى حد محدود، من المرض الذي استولى عليها وأنشب مخالبه فيها ردحاً من الزمن، يطول أو يقصر، بحسب استعدادها للمرض وإلا بلال منه، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهكذا دواليك كما قلنا آنفاً، حتى أدت الحال إلى نزاع دائم بين الأمم كاد يقضي على معالم البشرية والحضارة ويدكها من أساسها إن لم يكن اليوم فغداً كما هو مشاهد في الماضي وكما نشاهده اليوم بأم عيننا. مما دعا المفكرين والمصلحين في كافة العصور منذ ابتداء الخليفة وفجر التاريخ إلى السعي وراء إصلاح البشرية وتخليصها مما يحيق بها من الويلات والعصائب وأسباب الاندثار والانقراض، بدعوتها إلى السير في الطريق السوي المستقيم، ونبذ الأحقاد والتنافس والخصام وتسوية القضايا المختلف عليها بالتشاور والتراضي بدلاً من اللجوء إلى القوة والحروب وزوج البشرية في أتونها اللاهب. وتخليصها من الويلات التي تحل بها من جراء ذلك والسعي وراء إيجاد إخاء عام وسلام دائم، ووضع قوانين وأنظمة تؤمن معيشة الجميع وأمنهم ورفاهيتهم. وقد ظهر كثير من المصلحين والفلاسفة والمفكرين دعوا الناس بأساليب شتى للوصول إلى هذا الغرض الأسمى، حتى انتهى بهم الأمر إلى التفكير بتوحيد العالم وتأليف جمعية واحدة تضم كافة أفراد البشرية تحت لوائها وتعاملهم معاملة واحدة تؤمن لهم حياتهم وحاجاتهم على اختلاف أنواعها ليسود السلام العام وينتشر لواء الإخاء والمحبة والعدل والمساواة بين الناس وتزول المطامع من أذهان البشر ويصل الجميع إلى الغاية الإنسانية القصوى، والهدف الإنساني الأسمى، والمثل الأعلى المقصود من الحياة ضمن نطلق أسرة واحدة، كما سأبينه إلا إنهم اختلفوا على الطريق الواجب سلوكها للوصول إلى هذه المثل العليا والأهداف السامية التي لا حياة للبشرية بدونها، فمنهم من اتخذ الوعظ والإرشاد وسيلة لذلك، ومنهم من اتخذ العلم وافتتاح المدارس ونثر الثقافة واسطة لهذا الغرض، ومنهم من استعمل القوة والسيطرة على الأمم بواسطتها للتمكن من تسيرها حسب أغراضه بدعوى إيصالها إلى هذه الأمنية الغالية، ومنهم من استعمل أو فكر باستعمال طرق وأساليب مختلفة أخرى لا تعد ولا تحصى فشلت كلها ولم يكتب لها النجاح، حتى فطن في المدة الأخيرة وبعد طول التجارب بعض المصلحين إلى طريقة جديدة يعتقد أنها هي الطريقة المثلى التي تخلص البشرية من هذه
стр. 188
الفوضى وتوصلها إلى أهدافها السامية ومثلها العليا التي خلقت لأجلها، إلا وهي تغير أساليب ومناهج فني التربية والتعليم وسن قوانين وقواعد وطرائق جديدة وتأليف الكتب اللازمة لها ونشرها في كافة أنحاء العالم لتسير بموجبها مدة كافية من الزمن، علَّ البشرية تصل إلى ما تصبو إليه من الطمأنينة والرفاهية والسعادة، وتحقق ما أخفقت في تحقيقه منذ فجر التاريخ.
وبالفعل فقد شرع في تأسيس الجمعيات الثقافية وعقد المؤتمرات التعليمية الخاصة والعالمية لبث الدعاية لهذا الغرض الأسمى الذي يقضي بأن يتجه التدريس في العالم كافة نحو تأكيد أهمية السلام والتعاون بين الأمم، وإشراك الطلاب وأساتذتهم في دروس تعالج الشؤون العامة، ونشر المقالات والمناهج المتضمنة التعليمات والأساليب في الاتجاهات الدولية الجديدة، وتبادل بعثات الطلاب والأساتذة وتسهيل كافة الطرق واتخاذ جميع الوسائل التي تؤول فائدتها إلى الوصول إلى هذه الغايات الإنسانية ووقاية الأجيال القادمة من توارث الحروب وويلاتها ومصائبها، وقد وجد بالفعل اتجاه جديد للتعليم تبحث أسسه ومناهجه الحديثة الجمعيات الثقافية التربوية وتنشر المقالات الصافية بما تبحثه هذه الجمعيات من المشاكل الأساسية لتنظيم المدارس والمناهج والأساليب الدراسية لما لها من الأهمية العظمى والفائدة المتوخاة في تنظيم
السلم العام في المستقبل، وقد ثبت وتأكد مؤخراً أن المدرسة هي الوسط الملائم الذي يقوم الأستاذ فيه بتعيين وتوجيه العلاقات الإنسانية بين التلاميذ ويضطلع بمسؤولية توجيه الأجيال القادمة الجديدة من المجتمع، وفيها تعين الأفكار والغايات المنتظرة الحديثة للتعليم والتربية، سواء في الدروس أو في طرائق التعليم والتهذيب أو في تنظيم المدرسة أو في اختيار الكتب المدرسية التي تؤمن التعاون العالمي الذي يتوقف عليه تنظيم السلم بمنع تدريس الكثير من الكب المدرسية والمواد الدراسية لاشتمالها على أشياء كثيرة لا تتلائم مع هذا الغرض الأسمى واستبدال غيرها بها من كتب وموارد دراسية جديدة تبذر وتغرس في أدمغة التلاميذ ونفوسهم المبادئ والتعاليم الحديثة التي تتطلبها القومية الصحيحة المبنية على حب وطنها واحترام وطنية الأمم والشعوب الأخرى وتحقيق التعاون والتقدم وازدهار مبادئ الإنسانية والمحبة والعدالة والإخاء والمساواة. وفي النتيجة توطيد أركان الإنسانية
стр. 189
والحضارة واطراد تقدم مبادئ الإنسانية الحقيقية.
وعليه ولأجل ذلك كله، أرجو أن لا تنتظروا مني البحث عن أساليب التعليم المتبعة في كافة المعاهد الثقافية في أنحاء العالم وفقاً لنظريات ابن خلدون والغزالي وبستالوتزي وفروبل وهربرت سبنر ومونتسوري ودالتن وغيرهم من أساطين فني التعليم والتربية ممن عنوا العناية التامة بأصول تدريس المواد الدرسية من لغات وتاريخ وجغرافيا وفيزياء وكيمياء وهندسة وحساب وسواها، فهذه طرائق ونظم ومناهج معرفة عند الأساتذة والمعلمين الأخصائيين ومن مارسوا مهنة التعليم وستعالج من قبلهم، بل القصد هو السعي وراء ابتكار أساليب وطرائق ونظم جديدة لإيجادهم علاقات البشر بعضهم مع بعض، أثناء تدريس المواد الدرسية على اختلاف أنواعها، ليتمكن البشر من العيش بسلام ووئام، وبذلك تصبح الدروس والعلوم التي يتعلمها الإنسان في المدارس أداة خير لا أداة شر، يتلقنها الطفل منذ نعومة أظفاره فيشب عليها ويحصر جهده وجهوده في سبيل نشرها والسير على غرارها وضمن نطاقها باعتبار أن القضية هي قضية الإنسانية المعذبة التي ضلت الطريق المستقيم ولم تهد إليه حتى الآن، والتي آن لها أن تحطم تلك القيود والأغلال التي تشل حركتها وأن تلقي عن كاهلها تلك الأحمال الثقيلة التي عاقت تقدمها وازدهارها، وأن تنطلق من عقالها وتتنسم نسمات الحياة العليلة الحقيقية وتتمتع بما حبتها به الطبيعة من النعيم الإلهية التي حرمت منها أحقاباً طويلة من الدهر لعدم اهتدائها حتى الآن إلى الطريق المستقيمة المؤدية إليها. وقد لفت نظري بهذه المناسبة جملة قرأتها في إحدى الجرائد وهي كما يلي:
(إن المدنية لا تعيش بعد حرب ذرية)
كتبت الجريدة هذه العبارة بخط ثلث لافت للنظر، وبعبارة أوضح، كتبها بالقلم العريض للفت الأنظار إليها، ولا شك في أنها ذلك لما تضمنته هذه العبارة والمغازي العسيفة التي توجب على كل إنسان أن يفكر فيها تفكيراً جدياً ويفهم ما ترمي إليه من المقاصد والأهداف البعيدة المرمى، ولا سيما وأن هذه العبارة قيلت في خطاب ألقى في حفلة مرور مئة عام تأسيس إحدى الجمعيات وإليكم موجز نص الخطاب:
نيويورك_شهد الرئيس ترومان احتفالات جامعة فورد بمرور مئة سنة على تأسيسها وتلقى
стр. 190
من رئيسها شهادة فخرية بلقب دكتور في القانون وألقى خطاباً مهماً دع فيه أهل العلم إلى إيجاد الوسائل الدفاعية ضد القنبلة الذرية وقيادة الولايات المتحدة وسائر الدول إلى إقرار سلم عالمي. وقالإن العصر الجديد عصر القوة الذرية يشدد علينا ضغطه. انتبهوا لذلك جيداً. إن ما كان كافياً أمس لم يبق اليوم كافيا، فهناك ضرورات جديدة هائلة وتبعات جديدة هائلة ألقيت على عاتق التعليم فالجهل، وأدواته التعصب وعدم التسامح والاشتباه ضد الآخرين، هو ما يخلق الطغاة المسيطرين، وهؤلاء يخلقون الحرب. إن المدنية لا تعيش بعد حرب ذرية لن يبقى بعدها شيء سوى الأنقاض والخرائب يضمحل ويزول أمل الإنسان في الحشمة واللياقة، ويضيع رجاؤنا بأعظم عصر في التاريخ البشري_العصر الذي يستطيع أن يحول القوة الذرية لفائدة الإنسان_ثم أشار ترومان إلى المرحومالرئيس فرنكلان روزفلتفقال في خطاب كتبه قبل وفاته ولم يتسن له أن يلقيه قال: نحن نواجه حقيقة واقعية عظيمة وهي. إن كان لابد للمدنية أن تبقى حية وجبت علينا تنشئة علم العلاقات البشرية أي مقدرة جميع الشعوب على العيش والعمل معاً في عالم واحد بسلام. فإلى إن يتعلم أهالي أميركا وسائر العالم هذا العلم_علم العلاقات البشرية_الذي تكلم عنه الرئيس روزفلت ستبقى القنبلة الذرية سلاحاً مروعاً يهددنا جميعاً بالفناء.
ولكن هناك وسيلة واحدة للدفاع ضد القنبلة الذرية تقوم بإتقاننا علم العلاقات البشرية في كل أقطار العالم، وهو الدفاع عن التساهل والتفاهم والتعقيل والتفكير فإذا تعلمنا هذه الأمور أمكننا أن نثبت أن هيروشيما لم يكن نهاية التمدن بل بداية عالم جديد أفضل من ذي قبل.
يتضح من هذا الخطاب أن الرئيس ترومان قلق على مستقبل المدنية وإن هذه المدنية لا تعيش فيما إذا أنشبت حرب ذرية، وأن كان كافياً بالأمس أصبح غير كاف اليوم، وأنه توجد ضرورات وتبعات هائلة وعلى غاية من الأهمية ألقيت على التعليم (وهذا هو بيت القصيدة الذي سأوجه إليه الأنظار في كلمتي من خطاب الرئيس ترومان وما أشار إليه من أن المرحوم الرئيس فرنكلان روزفلت كان قاله في خطاب كتبه قبل وفاته ولم يتسن له أن يلقيه) وهو أننا نواجه حقيقة واقعية وهي: إن كان لابد للمدنية أن تبقى حية وجبت علينا تنشئة علم العلاقات البشرية_أي مقدرة جميع الشعوب على العيش والعمل معاً في عالم واحد بسلام.
стр. 191
قرأت هذه العبارة الموجزة التي ربما لا تكون لفت أنظار الكثيرين من أبناء هذا العصر المادي، الذي طغت فيه المادة على كل شيء وضربت سداً من الحديد تجاه العقول الجبارة والساذجة. والأدمغة المفكرة والخامدة على حد سواد لمنعها من رؤية أي شيء غيرها في كل نواحي هذه الحياة، وتوجيهها في كل عام عمل يقوم به مخلوق ما على وجه البسيطة، فهي منقوشة في دماغ كل مخلوق على اختلاف أنواعه حتى أصبحت الحركة المحركة لكل ما يحدث في الكون من حركات وسكنات وما يتبعا من أعمال مختلفة لا يمكن عدها.
ولا أريد أن أبحث عن اشتباك مصالح الناس المادية الاقتصادية ببعض بصورة
مفصلة، ولا عن علاقات الأمم والدول والشعوب ومصالحها مع بعض وما ينشأ عن ذلك من التنافس والتطاحن والتناحر والمساعي التي يبذلها كل منهم للحصول على القسم الأعظم من الفائدة وجمع وما يمكنه جمعه من المادة على أية صورة كانت. مما أدى بالبشرية إلى هدم هذه الحياة التاعسة التي يحياها كل من أبنائها بشق الأنفس، وإلى هذه الحالة البائسة التي هم فيها من كد وعمل ودأب متواصل أناء الليل وأطراف النهار، والتوسع في اختراع وابتكار الوسائل المختلفة المؤدية إلى استيلاء كل منها على ما في أيدي الآخرين جميعه وإدخاله في ملكيته وجعله تحت تصرفه، وإيجاد هذا التناحر وهذا التكالب وهذا الحرص على المادة باسم الاقتصاد حباً في الحياة التي ستؤدي بهم جميعاً إلى الدمار والهلاك والفناء والاندثار والاضطراب إلى استعمال القنبلة الذرية التي ستكون سبب نهاية هذا العالم إذا لم يحفل البشر ويفكر التفكير العميق، ويستعمل العقل والحكمة لإيجاد الوسائل الفعالة الموصلة إلى تنشئة علم العلاقات البشرية كما قال المرحوم الرئيس روزفلت، وإذا لم ينتبه إلى الضرورات والتبعات الجديدة الهائلة التي ألقيت على التعليم كما قال الرئيس الحالي ترومان.
نقرأ من يوم لآخر على صفحات الجرائد والمجلات أخبار عقد المؤتمرات والاجتماعات، وتأسيس الجمعيات المختلفة في أكثر أنحاء العالم، ولا سيما بعد انتهاء الحرب الأخيرة، للمذاكرة والسعي وراء الوصول إلى إيجاد حل سلمي للمسائل المشتركة بين الدول والشعوب، وتأمين المصالح بإزالة الخلافات الكثيرة في المسائل والقضايا المختلفة عليها وإيجاد سلم علم يعيش الناس فيه براحة واطمئنان على أنفسهم وأولادهم وذرا ريهم، كما
стр. 192
قرأنا سابقاً في الكتب والتواريخ أخبار عقد مؤتمرات واجتماعات وتأسيس جمعيات عديدة من هذا القبيل، ولنفس الغاية، وهي الوصول إلى حلول مناسبة تؤمن مصلحة الجميع وتزيل الخلافات وتنشر راية السلام في ربوع العالم، إلا أن النتائج التي نتجت في الماضي وتنتج في الحال وستنتج في المستقبل من هذه المؤتمرات والاجتماعات والمباحث كانت عكس المطلوب تماماً. فلا يكاد عقد المؤتمر ينفرط إلا وتبدأ الخلافات والمنافسات من جديد، هذا إذا لم يختلف المؤتمرون أثناء انعقاد المؤتمر ويخرجوا منه بدون نتيجة ويعودوا إلى التناحر والتنافس الذي أدى ويؤدي في أغلب الأحيان إلى امتشاق الحسام وزج البشرية من جديد في حروب وقودها الناس والأنفس البشرية البريئة والأموال الكثيرة، ونتائجها تخريب المدن وتهديم المصانع والمدارس، وتيتيم الأطفال، والقضاء على الملايين العديدة من البشر وتأخير سير البشرية آلاف السنين إلى الوراء وهكذا إلى ما شاء الله حتى أصبح قسم عظيم من الناس_حتى الذين أوتوا نصيباً وافراً من العقل والإدراك والدراية، وعلى رأسهم مالتوس شيخ المتطيرين والمتشائمين_يعتقدون اعتقاداً جازماً إن الحرب سنة طبيعية لازمة وضرورية للبشرية لزوم الماء والهواء للحياة، وإنها من السنن الطبيعية الكونية التي ترتكز عليها الحياة البشرية والتي لا يمكن تغييرها ولا تبديلها، ويوردون أدلة وبراهين شتى لإثبات نظريتهم هذه. ولا يقنعون بما يسرد لهم من الأدلة القاطعة والبراهين الجازمة المعاكسة لتلك النظرية الراسخة في أدمغتهم رسوخاً قوياً منذ أقدم الأجيال، بالنظر للتربية المادية الاقتصادية النظرية التي تلقوها في المهد من أمهاتهم، وعلى مقاعد الدرس من أساتذتهم، وفي صفحات الكتب التي يقرؤونها، والمبادئ التي يتثقفونها في محيطهم وبيئتهم ووسطهم وفي كل مكان وكل مناسبة تاريخ ولادتهم حتى تاريخ وفاتهم، أي من المهد إلى اللحد، لذلك لم يحصل حتى يومنا هذا من كافة الاجتماعات والمؤتمرات التي عقدت منذ فجر التاريخ بنتيجة توصل البشرية إلى سلم عام يعيش فيه الجميع على السواء براحة واطمئنان حاصلين على ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء وسكن وعلاج، وما تتطلبه الحياة من الاحتياجات الضرورية الأخرى ولم تنجح البشرية رغم ما قدم إليها من نصائح وما نشأ فيها من مصلحين وما سن فيها من قوانين وأنظمة على اختلاف أنواعها، في الوصول إلى الهدف الأسمى والغاية الحقيقية التي خلقت من أجلها وهي العيش بسلام واطمئنان كما
стр. 193
أسلفنا، مما حدا ببعض المصلحين والمفكرين إلى ابتداع طرق شتى ومذاهب مختلفة وقوانين وأنظمة لا تعد ولا تحصى لإيصال البشرية إلى ما تصبوا إليه من الهدوء والسكينة وحال الاستقرار، وقد ذهب ذلك كله أدراج الرياح ولم يأت بالنتيجة المنتظرة، وفي اعتقادي إن الأسباب الجوهرية لهذا الفشل المريع هو عدم العناية بالضرورات والتبعات الجديدة التي ألقيت على التعليم وعدم توجيهه التوجيه الإنساني الصحيح وعدم السعي وراء إنشاء علم العلاقات البشرية وتدريب جميع الشعوب بلا تفريق على العيش معاً في عالم واحد بأمان عن طريق إصلاح التعليم ووضع أسس وقواعد إنسانية جديدة له تلتئم مع روح العصر الحديث والتطورات الجديدة وتلقينها للأطفال منذ سن الحداثة والسهر على تنفيذها بكل أمانة وإخلاص والانتظار مدة كافية من الزمن ريثما يتعلم الجيل الجديد مبادئه الجديدة وهي أصول علم العلاقات البشرية ومن ثم يشرع بوضع الأسس اللازمة لتأسيس جمعية عالمية واحدة وعالم واحد، وتوحيد هذا العالم وجعله أسرة واحدة كبرى تعيش كما تعيش الأسرة الواحدة في دارها المشتركة لا فارق بين إنسان وإنسان إلا بالمقدرة على العمل الذي خلق له والذي تؤهله مواهبه للاضطلاع به ضمن نطاق أنظمة وقوانين تؤمن مصلحة الجميع لا يتسرب إليها الخلل ولا تعتورها الفوضى ولا تدع مجالاً لنفس ما للطمع والتطلع إلى ما في أيدي نظيراتها من النفوس التي من حقها أن تنال حاجتها مما تحتاج إليه من ضروريات الحياة بصورة عادلة لا توجب تذمراً ولا عدم رضاء ولا خوفاً من عدم الحصول على ماهية بحاجة إليه من مقومات الحياة التي لا يمكن الاستغناء عنها. يتبع
حمص // عبد الحميد الحراكي
стр. 194
أسس الثقافة العربية المشتركة
التاريخ والجغرافية
للأستاذ: عزة النص
توطئة
رأت اللجنة الثقافية للجامعة العربية إن يكون من أول أعمالها معالجة أمر الثقافة العربية والبحث في أسسها ومقومّاتها، حتى إذا ما وفقت لتعيين مقدار أدنى مشترك للثقافة العربية التي يجب أن يزوّد بها الطلاب العرب في مراحل التعليم الثانوية والابتدائي_وضعت بذلك الأسس المكينة لتوحيد العواطف القومية وتقريب الاتجاهات العقلية بين أبناء البلاد العربية.
ووجدت اللجنة أن خير السبل لتحقيق هذه الغاية دعوة مؤتمر عام يتناول هذه الأمور بالبحث، يمهد له بتأليف لجان تحضيرية في مصر لتهيئة الأسس التي تصلح لأن يعتمد عليها في المذاكرة والمناقشة وقد ضعت اللجان التحضيرية المذكورة تقارير قيمة عن اللغة العربية والتاريخ والجغرافية والتربية الوطنية، وأشفقت ذلك بأسئلة معينة تطلب إلى اللجان الثقافية القومية في كل بلد عربي الإجابة عليها، مستعينة بآراء الأخصائيين والهيئات العلمية والأدبية، وأوصت بنشر تلك الأسئلة في الصحف والمجلات ليجيب عليها كل من آنس في نفسه القدرة على ذلك.
ولما كنت عضواً في اللجنة الثقافية السورية وفتشاً للتاريخ والجغرافية في المدارس السورية فقد درست مقررات لجنتي التاريخ والجغرافية ووجدت أن الناهج الجديدة للدولة السورية_وقد اشتركت في وضعها_قد توافرت فيها الشيء الكثير مما أشار إليه اللجان التحضيرية وأوصت به، على أنها مع ذلك لا تزال بحاجة إلى بعض تعديل وتحوير. وقد ذكرت في البيان التالي ما تراءى لي من تعليقات على مقررات اللجنتين المذكورتين وأجبت من ثم على الأسئلة التي وجهتاها.
١_في التاريخ
١_ذكرت لجنة التاريخ العربي في مستهل تقريرها ما يلي:
يرى علماء التاريخ في هذا العصر إن تدرس التاريخ ينبغي أن يقوم على اعتبار التاريخ
стр. 195
تصويراً لسلسلة من التجارب الإنسانية لا تقتصر نتائجها على البلد الذي تقع فيه بل تتجاوب بها البلاد القريبة والبعيدة، وانه أداة لتكوين المواطن الصالح. وعل هذا تجب العناية في تدريس التاريخ بمعرفة التاريخ القومي الخاص والتاريخ العام معا.
إن البرنامج السوري الجديد قد راعى هذه الناحية كل المراعاة فجعل تدريس تاريخ الأمة العربية مقروناً بتدريس الحوادث الهامة من تاريخ الدول العام. وقد جاء في التوجيهات العامة لمنهاج التاريخ في المدارس الثانوية السورية ما يشير إلى ذلك فهو ينص مثلا:
. . . إن تدريس التاريخ في المدارس الثانوية يستهدف من حيث الأساس إكساب الطلاب فكرة واضحة عن ماضي البشرية وعن نظام توطيدها. . .
. . . إن تاريخ الأمة العربية يجب أن يشغل المكانة الأولى بين جميع مباحث التاريخ التي تدرس في المدارس الثانوية كما إن تاريخ العصر الحاضر وماضي أهم الدول المعاصرة يجب أن يكون موضع عناية خاصة في هذه التدريسات. . .
. . . إن فهم امة من الأمم ودولة من الدول فهما جيداً وتصور أحوال عصر من العصور وحضارة من الحضارات تصوراً واضحاً مما لا يمكن أن يتم إلا عن طريق المقارنة والقياس: مقارنة الماضي ومقارنة أمة بأمة ودولة بدولة وحضارة، بحضارة. . .
٢_أشارت اللجنة إلى ضرورة ترتيب التاريخ العربي ترتيباً معقولاً قائماً على أساس الأحداث الخطيرة الفاضلة لا على مجرد تغير الأسر الحاكمة أو تبدل الملوك، فهي تقول:
(وتدرس التاريخ العربي في معظمه حتى الآن قائم على أنه مرحلة مستقلة أختص بها جزء معين من الأرض، ومجموعة خاصة من الشعوب، كما أنه مقسم تقسيما يراعي فيه أسر معينة، كالأمويين والعباسيين على حين يمكن المؤرخ إن يقول أنه لم يحدث في الدولة العربية حدث خطير فاصل بقيام الأمويين أو العباسيين مثلاً، بل أن الحدث الفاصل في التاريخ العربي الأول هو الانتقال من دور النبوة إلى دور الخلافة، ثم انتقال السلطان من العرب إلى الأعاجم).
وهي ملاحظة قيمة دون ريب وإنما يبدو لي أن تاريخ العرب والإسلام منقسم بطبيعته إلى أدوار هامة متميز بعضها عن بعض وهو التقسيم الشائع المألوف. فمما لاشك فيه أن الإسلام هو الحادث الجليل في حياة العرب ولذلك يجب أن يفرق تاريخ العرب قبل الإسلام
стр. 196
عن تاريخ العرب بعده، ثم أن تاريخ العرب في عهد الخلافة الراشدة يتميز بجلاء عن عصر النبي بحدوث الفتوحات الكبرى وتأسيس الإمبراطورية العربية وظهور الأحزاب والاختلاف السياسية بين العرب أنفسهم. والعصر الأموي جدير بالإفراد أيضاً لانتقال مركز إلى بلاد الشام وتأثر الخلفاء والإفراد والجماعات والنظم البيزنطية ونشأة الملكية الوراثية وشيوع حياة الترف والنعيم، عدا ما كان للأمويين من سياسة قومية عربية أدَّت إلى جهرة الصراع الذي كان مستسراً بين العرب والموالي. وكذلك الأمر في العهد العباسي فهو عصر له خصائصه وصفاته سياسياً واجتماعياً وعقلياً: من ازدهار حركة الترجمة والتأليف وفوز الأعاجم بالسلطان وظهور الفرق والبدع والمذاهب الجديدة وانقسام الإمبراطورية العربية وانفصال بعض أجزائها، ومن غزوات الصليبيين وغارات التتر والمغول. . . الخ. . وهكذا فإن التقسيم المعروف لتاريخ العرب ينطوي على حقائق جوهرية لا لبس فيها فتاريخ العرب القديم يصح أن يسمى (عصر النظام القبلي) وعصر النبوة هو دون شك عصر (يقظة العرب) ووحدة قلوبهم وسيوفهم بينما عهد الأمويين هو (عصر الملكة الوراثية وتوطيد الإمبراطورية العربية) وحكم العباسيين يمتاز (بنماذج الثقافات وسيطرة الأعاجم وتفكك الدولة).
٢_وجاء في تقرير اللجنة أيضاً:
ثم أن تدريس التاريخ العربي في المدارس الابتدائية يتبع الترتيب الزمني، ويعنى بالإحداث السياسية وتعاقب الخلفاء والملوك والدول المختلفة على حين يبدو إن العناية بإبطال التاريخ العربي وعظمائها من ملوك وقادة ومصلحين أجدي على المتعلم في المرحلة الابتدائية وانفع في تعريفه بتراثه وماضيه. أن المنهاج السوري للمدارس الابتدائية قد أخذ بهذه الملاحظة:
فهو أولا يضع التاريخ العربي في المقام الأول وقد نصت توجيهاته العامة على ما يلي:
إن الغرض الأصلي من تدريس التاريخ في المدارس الابتدائية هو تعليم تاريخ الوطن العربي وماضي الأمة العربية، والغاية القصوى من ذلك تقوية الشعور الوطني والقومي في نفوس الطلاب. . .
وهو ثانياً ينص على العناية بتاريخ الأبطال والنابهين من العرب خاصة: فسير مشاهير
стр. 197
العرب القدامى والمحدثين يؤلف في المنهاج السوري مادة صف كامل تقريباً هو الصف الثالث. وقد ذكر في التوجيهات الخاصة بهذا الصف: يقتصر تدريس التاريخ في هذا الصف على ما يلذ للتلاميذ سماعه في هذه السن من مآثر العظماء وسير النابهين وقصص الأبطال ووصف المعارك وغرائب الرحلات الخ. . . والقصد من ذلك تربية التلاميذ على تقديس الأمجاد القومية وتحليتهم بالأخلاق الفاضلة والصفات النبيلة، وإنما خيالهم وإذكاء عاطفتهم وتقوية إرادتهم وتهيئة أذهانهم للدراسة التاريخية المنظمة.
أما تدريس التاريخ العربي في الصفوف الأخيرة من المدارس الابتدائية على شكل قصص الأبطال والعظماء فيبدو لي انه كان لا يكتسب التلميذ فكرة التطور الزمني ولا يهيئه لدراسة التاريخ المنظم في المرحلة الثانوية، واعتقد انه من الممكن في هذه الصفوف المحافظة على تسلسل الأعصر والدول والاكتفاء ضمنها بذكر الدول ذات الشأن والشخصيات ذات الأثر والأحداث ذات الخطر، وهذا ما جنح إليه المنهاج السوري.
واعتقد أيضاً أنه من الضروري عند ذكر الأبطال ومآثرهم الإشارة إلى الجهود جمهرة الشعب وتضحياته وميزاته، فقد ثبت إن الأفراد وحدهم مهما سمت مواهبهم وقويت عزائمهم لا يمكن أن يقدر لهم النجاح إذا لم يجدوا بيئة مواتية مطاوعة وأمة متهيئة مستعدة.
٤_وتختم اللجنة تقريرها بما يلي:
وصفوة القول: إن الحد الأدنى الذي يجب توافره للمواطن العربي من التاريخ في مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي هو تعريف المتعلم ماضي بلده على انه بيئة لها مقوماتها المهمة ثم على أنه جزء من بيئته أوسع وهي العالم العربي الذي كان له آثار بينة في تنمية الحضارة الإنسانية والمدنية العامة، ثم على انه جزء من العالم الإنساني بأجمعه.
وأعتقد أن هذه الخلاصة تحتاج إلى بيان أوفى من ناحيتين:
آ_هل يقتصر في المدارس الابتدائية على التاريخ العربي فحسب أم يدرس فيها أيضاً بعض أبحاث ذات طابع خاص من تاريخ الدول العام؟
ب_هل يدرس تاريخ الأقوام القديمة التي ظهرت على مسح الوطن العربي الحالي من غير العرب أم يكتفي بالأمة العربية وحدها؟.
стр. 198
إن المنهاج السوري قد نص صراحة على تخصيص المرحلة الابتدائية بتاريخ العرب العام دون تمييز بين قطر وآخر وأضاف في الصف الأخير من المدارس الابتدائية بعض أبحاث عن الدول الأجنبية المعاصرة لما لها من صلة بتاريخ الأمة العربية أو لما لتاريخها من أثر في إذكاء العاطفة القومية وتنمية الإرادة والحماسة وبعث الرغبة في التقليد الاقتباس والمحاكاة. فقد جاء في التوجيهات الخاصة بدرس التاريخ في الصف الخامس من المدارس الابتدائية السورية:. . . ولما كانت بعض الشعوب غير العربية قد مرت خلال تاريخها بادوار عصيبة من التأخر والانحطاط والتفكك ثم نهضت من كبوتها وجمعت شملها وأسست خلال القرن التاسع عشر دولاً قوية متحدة ومستقلة_كان من الضروري استعراض تاريخ نهضة هذه الشعوب أيضاً بشكل مختصر جداً.
كما أن منهاج سير العظماء في الصف الثالث يشمل قصة بعض عظماء العالم قديماً وحديثاً (مثل بطرس الأكبر_واشنطن_نابوليون).
والمناهج السوري لم يتعرض لذكر الشعوب القديمة غير العربية التي ظهرت على أرض الوطن العربي كالمصريين والعبرانيين وغيرهم. . وإنما اكتفى في الصف الثالث الابتدائي بسير بعض الأنبياء والمرسلين (النبي موسى_السيد المسيح) كما تطلب معرفة قصص بعض أبطال الشعوب القديمة (كرعمسيس الثاني).
الإجابة على أسئلة لجنة التاريخ العربي:
س_١_في مرحلة التعليم الابتدائي، هل يدرس تاريخ القطر العربي الذي يعيش فيه التلميذ فقط أو يدرس تاريخ الأمة العربية كلها من غير تمييز قطر خاص أو يجعل تاريخ القطر الخاص محوراً لدراسة التاريخ العربي العام؟.
ج: إن تاريخ العربي العام هو تاريخ مشترك بين جميع الأقطار العربية فلا مبرر مطلقاً لتجزئته محلية، بل يكون من الأجدى على استقرار فكرة الأمة العربية الواحدة في ذهن الأحداث أن يدرس تاريخ هذه الأمة موحداً دون تفريق أو تمييز، لاسيما وإن الدول التي تعاقبت على البلاد العربية تكاد تكون واحدة في أكثر مراحل التاريخ.
س_٢_ما الذي ترون أن يدرسه التلميذ من التاريخ العربي في مرحلة الدراسة الابتدائية وفي أي الصفوف يدرس ذلك التاريخ وما المنهج الذي تقترحونه وما عدد الدروس التي
стр. 199
تخصص له في كل صف؟
ج:_لما كانت سورية مركز الدعوة إلى توحيد العربية وكانت قد أقدمت مجدداً على تغيير مناهجها بعد تخلصا من سيطرة الأجنبي، فإنها راعت فكرة التاريخ العربي الموحد. وأعتقد إن منهاج التاريخ في المدارس الابتدائية السورية_مع بعض تعديل_يمكن أن يؤخذ كأساس لبرامج التاريخ في العالم العربي. والخطوط الأساسية لهذا المنهج هي:
١_في السنة الأولى والثانية من المدارس الابتدائية: ليس في هذين الصفين ساعات خاصة بالتاريخ لان التلميذ فيهما لا يزال محدود الملكات ولا يكاد يعرف القراءة والكتابة. وإنما يستعان بالدروس المختلفة لتهيئة أذهان التلاميذ إلى فهم معنى الماضي وتصوره مع ألفات أنظارهم إلى بعض الوقائع التاريخية الهامة فيجب أن يكتسب التلاميذ في هذين الصفين_خلال الدروس وأثناء الجولات والملاحظات المتنوعة_فكره حدسية عن تطور الأحوال بمرور الزمان.
٢_في السنة الثالثة: درسان في الأسبوع_سير الأبطال والعظماء.
٣_في السنة الرابعة: درسان في الأسبوع: آ_فكرة إجمالية عن مراحل تطور الإنسان وحضارته.
ب_تاريخ العرب منذ أقدم عصورهم حتى سقوط الدولة الأموية.
٤_في السنة الخامسة: درسان في الأسبوع: تاريخ العرب منذ العصر العباسي وازدهار الحضارة العربية ثم تسلط العناصر الأعجمية وتفكك الإمبراطورية العربية وتجزئتها ثم سيطرة الأتراك العثمانيين على العالم العربي وتأخر الحضارة العربية وتدخل الدول الأوربية في شؤون الشرق واستعمارها للبلاد العربية في آسية وأفريقية ويقظة العرب الحديثة وجهادهم لاستعادة مجدهم السابق وإنشاء كيانهم القومي من جديد.
س_ماذا ترون في إن يكون تدريس التاريخ العربي في مرحلة الدراسة الابتدائية قائماً على سير أبطال العرب وعظمائها وتاريخ المدن ونحو ذلك؟.
ج: سبق الجواب على هذا السؤال. وتاريخ المدن قد قصره المنهاج السوري على الناحية الوصفية فقد جاء في منهاج الصف الثالث: وصف تصويري لمظاهر الحياة في بابل والشام واليمن والحجاز ودمشق وبغداد والقاهرة. . . وتتم هذه الدراسة في مباحث
стр. 200
الجغرافية.
س_٤_هل ترون في درس التاريخ العربي سواء أكان خاصاً بقطر واحد أم عاماً أن يبدأ بالعصر الحديث أو القديم؟.
ج_إن البداءة بالعصر الحديث ضرورية في الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية وخاصة في سير الأبطال، فالانتقال من القريب إلى البعيد يسهل فهم التاريخ على الأحداث، وهم اقرب اتصالاً بالحوادث الأخيرة لما يسمعونه من شيوخ بلدتهم أو ما يقضيه عليهم آباؤهم وأقاربهم ولما يشاهدونه في بيئتهم من آثار باقية،
أما في الصفوف الأخيرة من المدارس الابتدائية فالأولى تتبع التسلسل الطبيعي للزمن والتطور الواقعي للحوادث بعد أن تهيأت أذهان التلاميذ لذلك.
س_٥_في مرحلة الدراسة الثانوية، هل ترون أن يكون محور دراسة التاريخ العربي الملوك والعظماء والأحداث التاريخية أم النواحي الاجتماعية وما مقدار العناية بكل منها؟
ج:_يجيب المنهاج السوري على ذلك إجابة وافية فقد ورد في توجيهاته العامة: إن المعرفة التاريخ تعنى الإحاطة بمجموعة من الحقائق والوقائع، وتثبيت هذه الحقائق والوقائع يتطلب ذكر سلسلة من الأسماء والتواريخ، فيجب على مدرس التاريخ أن ينتخب الوقائع والحقائق المذكورة من التي تكون ابرز صفات الدور وأهم عوامل التطور وعليه أن يكتفي من الأسماء والتواريخ بما هو ضروري لتصور تلك الحقائق وتثبيتها في الأذهان.
يميل الكثيرون على اعتبار الحروب والفتوحات بمثابة (المحور الأساسي) في التاريخ وهو خطأ يجب تجنبه، إن الأحوال الاجتماعية والعمرانية والثقافية والمدنية يجب أن تكون وموضع عناية خاصة في التدريسات، وأما الحروب والفتوحات فالعناية بها يجب أن تكون متناسبة مع تأثيرها في نشوء الأمة وتطور الحضارة وانتشار الثقافة.
وعلى هذا فائدة مطلقاً من سرد تواريخ الملوك في كل أسرة والإحاطة بجميع الحوادث حقيرها وجليلها، وحشو أدمغة الطلاب بأسماء وأرقام لا جدوى منها، بل يجدر اختيار ماله نتائج ملموسة في تطور التاريخ وماله أثر ظاهر في تنمية مدارك الطلاب وتقويم سلوكهم.
стр. 201
حول حركة الإصلاح
للدكتور نور الدين حاطوم
لم تكد تهب علينا من ديار الغرب نسمات الحرية في أواخر القرن التاسع عشر حتى قامت في بلادنا العربية حركة الاستقلال والتحرر من نير الترك بعد أن رزحت تحته طويلاً. غير أن هذا الغرب لم يكن ليأخذ بيدنا في سبيل الحرية للتخلص من العثمانيين إلا ليوقعنا في قيود القسر والعسف والاستعمار.
على أن نفوسنا وقد استيقظت من سباتها العميق وتفتحت للحياة وآمنت بحقها،
لم يعد من السهل الضغط عليها، ونهضت تكافح في فترة ما بين الحربين حتى كانت حوادث مايس ١٩٤٥ التحررية وكان منها أن توج النضال بالفوز وحرزنا على الاستقلال.
وكما أن ربان السفينة بعد هبوب العاصفة وتلاطم الأمواج يتفقد رجاله وما
أبقت ثورة الطبيعة من أجهزته وأدواته، فمن الطبيعي أيضاً أن نتساءل ونحن في وضعنا الحاضر عما سلم من تراث الماضي بعد أن نالته أيدي الدخيل بالسلب والنهب والتهديم. ومن الطبيعي جداً أن يفكر كل منا وخاصة قادة الفكر حملة المشاعل في حل المشاكل المعلقة والصعوبات التي نجتازها ككل أمة ناشئة تتطلع إلى الحياة من جديد. وليس ذا بغريب لأن تاريخ كل أمة من الأمم كجسم الإنسان لا يكون سليماً في غالب الأحيان، فكثيرا ما تعترضه عقبات وأزمات وحوادث تضعف جسمه فيمرض إلا أن هذا المرض يمكن شفاؤه إذا أحسن تشخيصه وأعطيت إليه الإسعافات والأدوية الناجعة.
ودراسة التاريخ ترينا أن ما من حرب أو مقاومة وطنية أو حركة قومية مرت بأمة إلا وكانت مسبوقة ومتبوعة بحملات صحفية منظمة يقوم بها طائفة من رجال العلم والفلسفة والأدب، حفظه التقاليد وحارسو الكيان الوطني من الضياع.
وأسند هذه الحملات قوة يتجلى عندما يداهم الوطن خطر أو تنزل به نازلة تفقده وعيه فيضل السبيل. هنالك يقوم أهل الرأي يشمرون عن سواعدهم ويعمدون إلى قرائحهم تملي على أقلامهم ما يهيب بنشاط الشباب ويستفز حماسه ويرفع همته، نراهم ينظمون جهود هذه العناصر الفتية في أقنية ويوحدونها طبقاً لبرنامج قومي نبيل شأنه استرجاع الماضي أن فقد أو دعمه إذا تداعى أو بناؤه إذا انهار. هذه الحملات نراها تتجه لا في سبيل الدفاع
стр. 202
عن نظام معين أو مبدأ خاص بل لينهض هذا الوطن ويبقى حيا.
وكم كنا نتمنى منذ أن جلا الأجنبي عن بلادنا أن تقوم عندنا حركة فكرية وحملة أصلاحية مماثلة، تتناول مرافق حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إننا لم نر في صحافتنا على كثرة عددها حملة من هذا النوع تدعو إلى التفاؤل. ومن النادر النادر جداً أن ترى بين حين وآخر مقالاً يعالج ناحية معينة ويقتلها درسا وتمحيصا متبعاً في ذلك البحث العلمي المفيد، هذا البحث الذي يعود على الشعب بالنفع ويرفع مستواه، وينير رجال الحكم ويعبر لهم عن إرادة صحيحة.
أن كل ما رأيناه منذ استلام الصلاحيات حتى يومنا هذا هو هذه المقاومة السلبية والاشتغال بالسياسة والدفاع عنها أو مناوأتها. ولقد مضى عهد الفرنسيين ولكن حكمهم ما زال ممتد الظلال، وكأن المقاومة السلبية أصبحت فينا عادة واستحكمت وغدا من الصعب الخلاص منها.
غير أن العمل المجدي المثمر هو هذا العمل الدائب الصامت، هو الإنشاء والإصلاح وفقاً لغايات قومية تستهدف النهوض بالوطن والسير به في الطريق السوي الذي سارت فيه الأمم من قبلنا. وهذا لا يكون إلا بتأسيس منظمات اجتماعية ذات برامج وطنية معينة، فإذا ما استلم الحزب مقاليد الأمور، باشر في تطبيق هذه
الخطط المرسومة من قبل. أما سياسة النقد والتجريح للوصول إلى الحكم والعمل بعد على حل المشاكل بطريق ارتجالي فذلك منهج عقيم والحلول الناجمة عنه لا تكون إلا بمثابة مسكات لا يدوم تأثيرها إلا إلى حين.
نحن الآن في بلبلة فكرية: فمن الناس من يشكو أن ساسة الأمور لم يحققوا الآمال التي عقدت عليهم، ومنهم من استنكف وارتد منطوياً على نفسه صامتاً لم يعجبه كل شيء، ومنهم من يود العمل مخلصاً فأطاحت به أمواج الأنانية فقعد يائساً يغص بريقه، ومنهم من أغرق في المبالغة يضلل نفسه والناس معه بأننا انتهينا إلى ما نصبوا إليه وكفى الله المؤمنين القتال، كأنما يعتقد أن حياة الأمة مرحلة إذا اجتازتها ووصلت إلى نهايتها بلغت كل شيء، وذهب عن باله أن هذا التحول الدائم الذي هو حياتنا إنما هو سلسلة من التعاقب مستمرة لا تقف عند حد. وكمحصلة لكل ما ذكر جمود في التفكير وضعف في الإنتاج.
стр. 203
ليست المشاكل التي نتخبط بها غريبة من نوع خاص، فهي كأكثر المشاكل التي اعترضت الأمم الفتية من قبلنا، وكما استطاع الأبناء الخلص لتلك الأمم أن يخطوا بها وينشلوها من وهدة الحيرة والتردد، فنحن الآن مفتقرون إلى الاستنارة بآراء أمثال هؤلاء القوم.
ولعل رجال التعليم قبل غيرهم الذين شعروا بالحاجة الماسة إلى من يعبر عن آلامنا وآمالنا فلفتوا النظر إلى النقص الذي نلمسه في تربيتنا على اختلاف أنواعها. ولكن هل هذا التحسس كاف لحل المشكل الذي نشكو منه. أنني لم أتحدث إلى رجل من أبناء وطني إلا وصور لي أمراض مجتمعنا أبدع تصوير، ونحن مجتمعون إن مجتمعنا فاسد وتربيتنا ناقصة وإن هذه الحال يجب أن تبدل بما هو أحسن وأكمل. غير أننا نقف عند هذا الحد تنقصنا الجرأة والإقدام على الإصلاح، يذكيهما شعور بالنقص وضعف في الإيمان. وأنانية مسكينة تقعدنا عن العمل خشية فقد امتياز أو ضياع منفعة خاصة. ولذا فنحن نحوم دوماً حول دائرة سقيمة، نشكو آلامنا وأوجاعنا ونشخصها تشخيصاً قل إن يأتي بمثله نطس الأطباء، وأغرب من هذا وذاك إننا نعرف الوصفة التي إذا عملنا بها أوصلتنا إلى النقاهة فالشفاء. ولكننا نأبى العمل، وإذا أقدمنا عليه فما أكثر المثبطات ونرجع القهقرى ولا نعمل شيئاً.
لقد اعتدنا أن ننظر إلى آراء الخارج وصفحه ومجلاته نظرة أعجاب وتقدير، فنحن نقبل على قراءتها بلهف وشوق ونبذل في الحصول عليها الغالي والرخيص، غير أننا أن قامت في بلادنا مجلة فقلما تلقى من التحبيذ والتشجيع ما يكفل لها البقاء ولا تكاد تظهر إلى عالم الوجود حتى تنثال عليها أقلام الكتاب طعنا ونقدا وحزا كأننا لسنا أهلاً لأن يكون عندنا آراء ومفكرون. ولعل هذا السبب هو ما يحدو بكثير من رجالنا إلى اليأس والنفور. ولو أنصفنا وبدلنا مفاهيمنا وأخذنا بيد كتابنا وأدبائنا لكان لدينا مجلات قيمة ومفكرون يؤخذ برأيهم ويستفاد من تجاربهم وخبرتهم.
وفي الحقيقة، ليس كل ما يأتينا من الخارج قيماً مفيدا كما أن أكثره لا يعبر عن حاجاتنا النفسية وأهدافنا الوطنية، إنما يعبر عن الإقليم الذي كتب فيه وحاجات النفوس البشرية التي يكتب لها. ولست أعني أن مطالعة هذه الآثار لا تجدي نفعا ولكني أقول إنها تفيد كزاد ثقافي لمن يود الاطلاع وكدليل لمن يحب العمل، غلا إنها لا تكفي لسد رغباتنا. ونحن الآن
стр. 204
بحاجة ماسة إلى أقلام من صنع بلادنا تعبر عن نزعاتنا وأهوائنا.
وشبيه بذلك النهج الذي يجب أن يسلك في تطبيق الإصلاح إذ ليس من الضروري أن نأخذ البرامج الأجنبية ونطبقها بحذافيرها فهي وليدة بيئة ليست بيئتنا، ووضعت لا ناس هم في وضع مغاير لوضعنا فإن نجحت هذه البرامج فلأنها اعتمدت في وضعها وتطبيقها على حاجات البيئة التي أوجدتها. على إن هذا لا يمنعنا من الاستنارة بها في تطبيق الإصلاح عندنا.
ولسنا نشك في قيمة النظريات التي يأتي بها فلاسفة الغرب ومُربوه إلا إن معظم هذه النظريات يفقد قيمته التطبيقية في مدارس كمدارسنا لاختلاف الشروط المحيطة. وما يقال في إصلاح المدارس صحيح في إصلاح المجتمع. فهل فكر كتابنا وقادة الرأي فينا في حل المشاكل التي نجابهها وفي الطريق الناجعة لتذليل الصعوبات التي نصطدم بها إذا ما سرنا في تحقيق برنامج أصلاحي معين ولنورد لذلك مثلاً:
تجابه وزارة المعارف في وقتنا الحاضر أزمة نستطيع أن نسميهامشكلة التعليموتشمل هذه البرامج والأساتذة والطلاب والمدارس. وتزداد تفاقماً عاماً بعد عام. فهل فكر رجال التعليم في حل لها لأنهم يتحملون مشاقها قبل غيرهم؟ وكيف الوصول إلى حلها بوسائل عملية فعالة بعيدة عن كل حشو نظري ولفظي؟ كلنا تقول إن الفردية داؤنا الوحيد وان لا تقدم ولا نهوض لبلادنا إذا ما بقيت الأنانية السياسية والاجتماعية والأخلاقية رائد أعمالنا. وكلنا نقول إننا نريد أن نشيد بناء الوطن وان فاتحه كل بناء تكون بتقويض الفردية الهدامة التي تلعب في مجتمعنا دور الطفيلي تعيش على حسابه وتأخذ عنه فلا تعطيه، ونصرح علنا أن تربيتنا الاجتماعية ناقصة وإن النشء الجديد يجب أن يشبع بالأفكار الاجتماعية والوطنية والقومية. فهل فكرنا في مكافحة النقائص وعملنا على نشر المبادئ الصحيحة بالطرق التي تكفل نجاحها في مجتمع كمجتمعنا ضل السبيل في تيه الحياة. وهل فكر المثقفون من أبناء الوطن في الجهاد الأكبر قبل أن يحملوا من دونهم ثقافة على الكفاح؟
لست ممن يعتقد أن مجتمعنا ابتدائي وان ليس باستطاعتنا أن تكون أمةكما يزعم الكثيرون، أو انه راق بلغ مرحلة الكمال، بل أقول انه مريض بحاجة إلى معالجة. فعلى محتكري الأدوية التي هيئتنا الاجتماعية من آلامها أن يتذكروا دوماً وأبداً إن واجبهم الوطني
стр. 205
والقومي يفرض عليهم إلا يبخلوا عليه بما يخفف عنه ويعيد له نضارة الصحة.
نور الدين حاطوم
стр. 206
وأطلّ النبي فيضاً من الرحمة
للشاعر الأستاذ عمر أبو ريشة
نقتطف بعض المقاطع من القصيدة الرائعة التي ألقاها الشاعر العبقرية والعروبة الأستاذ عمر أبو ريشة في النادي العربي بمناسبة ذكرى المولد النبوية وهي المقدمة الشعرية للملحمة الكبرى التي ينظمها شاعرنا الكبير عن حياة الرسول العربي
أي نجوى مخضلة النعماء ... ردتها حناجر الصحراء
سمعتها قريش فانتفضت ... غضبي وضجت مشبوهة الأهواء
ومشت في حمى الضلال إلى ... الكعبة مشي الطريدة البلهاء
وارتمت خشعة على اللات ... والعزى وهزت ركينهما بالدعاء
وبدت تنحر القرابين نحرا ... في هوى كل دمية صماء
وانثنت تضرب الرمال اختيالا ... بخطى جاهلية عمياء
هللي يا ربي المدينة وأهمي ... بسخي الأظلال والأنداء
واقذفها الله أكبر حتى ... ينتشي كل كوكب وضاء
واجمعي الأوفياء إن رسول الله ... آت لصحبة الأوفياء
واطل النبي فيضاً من الرحمة ... يروي الظما تلو الظماء
والصلاة الطهور عالية الأصداء ... جوابه بكل فضاء
هزت الجاهلي فاهتز إنساناً ... نجي الرسالة العذراء
وقريش في يقظة وهج ... من عناد ولفحة من عداء
كلما مر مؤمن بحماها ... قذفته بطعنة نجلاء
خسة تترك المروءة غضبي ... وترد الحلوم صرعي حياء
ضاق ذرعا بها النبي فنادي ... فإذا الصافنات رجع النداء
وإذا الصيد فوقها يحملون الشهب ... أسياف نخوة شماء
وتخطاهم النبي فساروا ... في ركاب الهدى إلى الهيجاء
لم يرقه سفك الدماء ولكن ... عجز الحلم في انتزاع الداء
درن النفس ليس يمحى إذا لم ... تجر فيه مباضع الحكماء
стр. 207
وإذا الحلم لم تجد منه بناء ... فأكرم بالسيف من بناء
وقف الحق وقفة عند بدر ... شحذت في الغيوب سيف القضاء
ووراء التلال ركب أبي سفيان ... يحمي سرية الفيحاء
وقريش في جيشها اللجب تسعى ... بين وهج القنا وزهو الحداء
بلغت منحنى القليب ولفت ... من عليه ببسمة استهزاء
وأرادت كفاءها فتلقاها ... على ذؤابة الأكفاء
جز بالسيف عنق شيبة وارتد ... إلى صحبة خضيب الرداء
فطغى الهول والتقى الند بالند ... وماجا في لجة هوجاء
وعيون النبي شاخصة ترقص ... في هدبها طيوف الرجاء
ودنت منه عصبة الإثم والموت ... على راحها ذبيح عياء
فرماها بحفنة من رمال ... ورنا ثائر المنى للعلاء
ودعا شاهت الوجوه فيا أرض ... اقشعري على اختلاج الدعاء
قضى الأمر يا قريش فسيري ... للحمى واندبي على الأشلاء
واحذري الطبيب أن يمس غلاماً ... في ندى أو غادة في خباء
واعدي للثأر حمر السرايا ... واحشيها للوثبة الرعناء
يوم بدر يوم أغر على الأيام ... باق إن شئت أو لم تشائي
стр. 208
أزمَةُ المراهَقَة
للدكتور جميل محفوظ
ولنتساءل عن مصير حب الولد لوالديه بعد هذه العواطف والثورات؟ لا يزول بل يتبدل. ينتقد المراهق حركات والديه ويهزا من بعض عادات غير إن الحب باقٍ رغم الأشكال الجديدة التي يظهرها بها هذا الحب. ويخجل، في بعض الأحيان، هؤلاء المراهقون من الأوضاع الشاذة التي قاموا بها أمام أهليهم، ويندمون ندما كبيرا.
ينبثق من هذه الحملة، على الأهل، ونقدهم، شغف بشخص علويّ، يشبه ولا شك الصورة التي يكونها المراهق عن نفسه، وتتلو ذلك عاطفة نحو صديق أو رفيق والخلاصة فإن حب المراهق لأهله يدوم حتى من الخامسة عشرة ثم يتحول هذا الحب اعتباراً من هذا السن حتى نهاية الأزمة نحو أفراد أخر.
الثورة ضد المدرسة: يقول طالب إن التربية هي ضلال رهيب: ومهمتها إخماد وقتل الميول، يرغب الأهل والمجتمع في جعل الناشئة كالنماذج المفروضة. لا يمكن تبديلها أو تحويرها، لا تظهر قيمة وشخصية المرء إلا بالتخلص من تأثير التربية العقيمة. يقول آخر التربية سذاجة، والمدرسة عديمة النفع، الأساتذة هم من عامة الناس، تحرم المدرسة الصبي حريته وجماله، نريد تهديمها.
تشتد هذه الثورة ضد المعيدين والإدارة لأنهم مكلفون في حفظ واحترام النظام. كتبت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها في مذكراته ما يلي ينقلب العدل الكثير إلى ظلم، وأرى نفسي مضطرة أن أقول كغيري: كفى، كفى، كفى، إذ أشعر الآن بثورة داخلية عنيفة. إن هذه الأجوبة وغيرها تظهر مدى ثورة الطلاب على المجتمع اعتقادا منهم بان حريتهم مسلوبة، ولا يفهمهم أحد.
أما الثورة على الأستاذ فهي اقل عنفا، لأنه يسعى لتنمية الملكات العقلية لدى طلابه ويربي النفس ويوقظ الروح. يرى الطفل، قبل سن الخامسة عشرة، معلمه ذلك الهبل الذي يطلب كثيراً من الوظائف. ويصبح بالنظر للمراهق بعد هذا السن القائد الروحي، هذا إذا تمكن الأستاذ من فهم طلابه ومن تحبيبهم في درسه وإلا فإن العلم شيء مزعج.
إن الثورة على المدرسة كالثورة على العائلة تؤدي إلى هرب غير إن هذا الهرب أقل
стр. 209
أهمية. ورغم عن المدرسة بالنظر للمراهق هي المأوى البغيض فإنهم لا بد واجدون فيها، على اختلاف الطلاب، واختلاف طباعهم، نفسا رضية يأنسون إليها ويسمونها بالنفس الشقيقة.
يجب أن لا يظن بأن الأزمة كلها ألم واضطراب، إذ هناك أويقات عذبة يشعر فيها المراهق بسرور شديد لأنه غريب عن العالم، يغلق عينيه لترفرف أجنحة أحلامه في سماء الخيال.
والخلاصة إن للمحيط تأثيراً في انبثاق الثورة، سيما إذا بالغ الراشد في ضغطه وزادت شقة الخلاف بينه وبين المراهق. هذا وإن العصيان يفترض وجود شخص يقاوم، في سن معين من حياته، العالم الخارجي ويفرض نفسه، لذا يجب أن ندرس الشخص ذاته، ليتسنى لنا التعمق في دراسة الأزمة لأننا حتى الآن تكلمنا فقط عن المظهر الخارجي وسننتقل إلى المظهر الداخلي.
فرض النفس_الغرابة
قلنا بأن الصفة الأساسية للحياة النفسية للمراهق هي شغفه بكل ما هو غريب، والانفراد بمزايا تفرقه عن باقي الناس، ينفر من كل تافه ويرغب في الشذوذ. يقول را يندرانات تاغور: بأنه كان يشعر، حينما كان مراهقاً، بميل عجيب إلى القيام بكل ما هو غريب، حتى أنه تعمد ألا ينام ليالٍ كاملة، قاصدا بذلك السلوك خلافاً للمعتاد.
يقول مراهق في مذكراته: الغرابة هي الجديد. يجب لن يكون الإنسان مخالفاً دائماً لما كان ولما هو كائن. يزعجني كل ما هو قديم. أهزأ غالباً بالحقيقة الموجودة في فكر ما، وكل ما يهمني منها هو غير المنتظر أي المفاجئ. أشعر في نفسي بشيء من الغرابة، أحب اللهو وحينما ألاحظ بأنني السبب في استغراب الناس أسر ضمنا.
تظهر الغرابة في انتقاء اللباس وكيفية ارتدائه، وفي الأوضاع التي يأخذها المراهق، وفي اللغة وفي الكتابة وأخيراً في تفكيره وعواطفه. تظهر الغرابة في كثير من هذه الأمور أو في جميعها وما تحليها على هذا الشكل إلا لتسهيل البحث.
اللباس: يرى المراهق أنه من الضروري مخالفة رفاقه، فيرتدي ألبسة ينفرد باقتنائها وتصبح لديه بغيضة إذا ارتداها غيره فيخلعها ويفتش عن ثانية. أما الفتيات فأنهن ميالات إلى تغيير الألوان والتفتيش عن الغريب منها. ولقد دلت أجوبة المراهقين على بعض أسئلة
стр. 210
بأن حب الغرابة في الألبسة يكون غالباً حوالي سن ال١٤ إلى ال ١٦ سنة.
يُلاحظ بان حب الظهور بواسطة الألبسة يضمحل ويتلاشى تماماً من سن ال ١٧ سنة ويحل محله حب ما هو عائد للشخص ولحياته الخاصة: العواطف، العقائد، والفكر. فيحتقر الطالب ضيق تفكيره السابق ويقذف بكل ما هو ظاهري وخارجي عن النفس، ويسعى لفرض شخصه بواسطة المعارف والمحاكمة وكثيراً ما يرتدي بعضهم ألبسة بسيطة لا تجلب النظر. يقول طالب بسن ١٩ سنة: اكره الألبسة والأوضاع الخارجية التي من شأنها أن تعرضني للأنظار.
الأوضاع: يقوم المراهق بما هو غريب منها، يدفعه على ذلك عاملان: أولهما الرغبة في إدهاش الناس والثاني الحصول على لذة وطمأنينة بقطع النظر عن المحيط. يصفر أحدهم بأصابعه، ويقوم آخر بحركات رياضية غريبة أو صعبة بالنسبة لرفاقه، ويغني البعض الآخر بشكل خاص. وهناك من ينفرد في أمكنة منعزلة للتدخين، أو يترك المدرسة لنزهة ليلية في بستان أو حديقة الخ. . .
اللغة والكتابة: لا يقل حب الغريب من الكلام أهمية عنه في الأوضاع، إذ يحتاج إلى خيال واسع. يحفظ الفتيان أمثلة ويستعملونها في مناسبة كأجوبة مقتضبة. يتلاعبون بالألفاظ أي يستهدفون من الكلمة معنىً ظاهراً وآخر مجازياً. يخترعون بعض الرموز للتفاهم بها كتابيا. أليست كل هذه المحاولات هي مخالفة للمعتاد وهي فرض النفس بالقيام بأمور تميزهم عن باقي الناس؟ يلاحظ تغير ظاهر في الكتابة عند الطلاب بسن ١٣_١٥ سنة فيتركون الكتابة المعوجة التي تشاهد عند الأطفال لينتقلوا إلى كتابة شخصية، فيها طابع الفرد. وتظهر الغرابة أيضاً في شكل التواقيع. يجاوب الكثير منهم عن سبب اختيارهم هذا الشكل دون غيره: بأنهم يحبون أن يتفردوا بما لا يعرفه أحد، ويبتدعون دون أن يفرض عليهم شي:
التفكير والعواطف: أما الناحية الفكرية والعاطفية فإنها لا تقل عن غيرها بطابعها الغريب، إذ يعمد المراهقون إلى التفكير بأمور لم يعالجها غيرهم، ويأخذ لهذا التفكير اتجاهين: المحاكمة المنظمة، والأحلام. يتمركز انتباههم نحو مسألة يحاولون حلها. ويقومون بمناقشات حول المبادئ، باستنتاجات تقودهم في بعض الأحيان إلى قبول ما هو غير
стр. 211
منطقي، فيعتدون عن الحقيقية وما ذلك إلا لتفضيلهم ما هو ناتج عن تفكير شخصي.
نرى الميل إلى الغريب أيضاً من العواطف، غير إن هذه تحاول أن تختبئ على عكس باقي الأمور، وتظهر غرابتها بشدتها وبعنفها وبلذتها وبكرمها وبخلودها، أي تتحلى بصفات خارقة للعادة.
يظهر لنا مما مر بأن المراهقين يشغفون بالغريب ويعرضون عن التافه ويؤكدون بأن جمال الغريب وروعته تنحليان ببعدهما عنه. ويرون في التافهة ضعفاً للشخصية ومرضاً قتالاً.
لم نبحث حتى الآن إلا المظهر الفردي للأزمة ولا شك بأن هناك مظهراً آخر
هو حب العمل الاجتماعي وهو / سن الفرق /. يبدأ بالظهور لدى الفتى اعتبارا من السنة الحادية عشرة حتى السادسة عشرة.
إن دراسة هذه الجمعيات الصغيرة تكشف لنا القناع عن رغبة المراهقين في استعمال رموز وإشارات يدهشون بها الناس غير أن هذا الشكل من الأزمة يتحول في سن السابعة عشرة إلى الابتعاد عن كل ما هو جماعي، حتى محاربته إذا اضطر المراهق إلى البقاء فيه. إنها لمشكلة كبيرة لا حظها جميع قادة الكشفية في العالم. وطرحت على بساط البحث والنقاش في المؤتمر الدولي للكشفية الذي عقد في لاهاي سنة ١٩٣٧ وكنت ممن خدمهم الحظ بحضوره. لقد عولجت هذه المشكلة بتنظيم فرق النجادة على أساس جديد. فهي تسمح للمراهق أن يقوم بأعماله بصورة فردية أو مع واحد أو اثنين من رفاقه.
إن الملاحظة تسمح لنا بإبراز صفتين تتعلقان بغرض النفس: أولهما أن الطالب يظهر بمظهر الرجل في الخامسة عشرة من عمره، لأنه يرغب في الانتقال من سن الطفولة إلى الجولة، وثانيهما ظهوره بمظهر الطفل في سن العشرين. ويفسر بعضهم هذا الحادث وهذا الرجوع إلى الوراء بكره الطالب سلوك جميع الناس، إذ يرى صعوبة في قبول عاداتهم وتطبيقها. وهناك بادرة يمكن ذكرها بهذه المناسبة هي: إن المراهقات يبتعدن عن المظاهر الغريبة التي يقوم بها المراهق غير أنهن يملن إلى كل ما هو غريب من الناحية الفكرية والعاطفية، فهن شاعرات أكثر من الذكور.
سن الأنا أو الشعور بالشخصية
١_اكتشاف الذات
стр. 212
هي مرحلة من الحياة شديدة الاضطراب. تبدأ في سن ١٣_١٤ سنة فيشعر الطالب بأنه تعرف إلى نفسه وإن شعوره بوجوده أصبح قوياً وعميقاً، فيتفتح أمامه عالم مجهولاً ويتراءى له الكون رائعاً مرتدياً أجمل الألوان. تمتد هذه المرحلة حتى سن العشرين وتكون عنصراً أساسياً للفعالية العقلية في سن السادسة إلى الثامنة عشرة.
أما الأسباب التي تؤثر في انبثاق الشخصية فهي خارجية وداخلية، ذكرنا الخارجية منه مطلع البحث ونذكر فيما يلي الداخلية منها:
القراءات: تسهل القراءات معرفة النفس والشعور بها، كقراءة روايات فيها مغامرات وأشعار حماسية وحوادث غرامية، يكون البطل فيها بالنظر للطالب الشخص المحبوب الذي يشبهه بل يعبر عن خلجات صدره ومشاعره، وبهذا يكتشف في نفسه حساسية قوية، فيعجب بها.
يكتشف الطالب نفسه بالتأمل الباطني أيضاً فيطلع على ثروته الفكرية وحصافة عقله، وكثرة آرائه، فيشعر بطمأنينة وراحة لهذه المنابع الدفاقة التي تنفجر عن روح غنية بالعاطفة النبيلة.
ويجب أن لا نظن بأن رجوعه إلى نفسه يفسح له المجال لمعرفتها وفهمها حق المعرفة والفهم. لا يرى هذه الصورة التي يكونها عن نفسه على حقيقتها إلا حينما يقترب من النضوج أي في نهاية المراهقة. أما الوحدة فإنها تعقب بصورة مباشرة الشعور بالأنا. ونرى هذه الظاهرة على شكلين: إما أن يبتعد المراهق عن الناس أجمع وإما أن يبقى معهم، غير أنه لا يشاركهم في أحاديثهم بل يحلق بخياله وتنتابه في كلتا الحالتين أويقات راحة وطمأنينة وأخرى فيها قلق وحنق.
ينمو عنه الطالب علاوة على حب الخلوة ميل إلى ما هو سر ولذا يصعب جداً معرفة ما يدور بخلد طالب ما عندما يُسأل عن بعض أمور، وهذا ما جعل دراسة سن المراهقة صعباً ودقيقاً.
٢_الاعتكاف على النفس
هو الرجوع إلى النفس والتفكير في العالم الداخلي مع الابتعاد عن الأشياء وعن الحوادث
стр. 213
الخارجية وعن كل ما هو ظاهريّ، أي هو الحياة مع أسرار النفس. نشاهد طلائعه في سن الثانية عشرة عند الفتيات والرابعة عشرة عند الفتيان، أي أنه معاصر للشعور بالأنا. ويمكننا القول بأن الحادثين متداخلان متشابكان رغم هذا التقسيم الاصطناعي.
أما العناصر التي يقدمها إلى الأنا هذا الاعتكاف على النفس فهي حس بتقدير الزمن أي الشعور بالمدة، ثم تكون تفكير شخصي أي عناصر عاطفية تتولد منه محاكمات ومفاهيم فردية، وأخيراً معرفة الذات وتفريق المراهق بين شخصه والأشياء المحيطة به معتمداً في ذلك على ثروته النفسية الفياضة.
٣_فرض الشخصية
يبدأ المراهق بفرض آرائه حينما يشعر بشخصيته وقيمتها الكبيرة ويقوم بأعمال فردية تدلنا على تشبث واعتماد على النفس. ونرى ظهور هذه الشخصية بصورة عنيفة وهجومية في بعض الأحيان. وقد يشعر الفرد بأنه مركز لكل حقيقة وما ذلك إلا لان قوة حيوية فيه تحاول التحرر والإشعاع، وميل شديد إلى المعرفة العالم أجمع دون الوقوف عند حد. تدفع هذه العوامل الناشئ إلى التجربة والعمل وإلى التغلب على كل صعوبة بإرادة قوية وعزيمة صادقة.
أما الحياة الأخلاقية فتتصف باحترام المراهق الشديد لخصيته التي اكتشفها حديثاً. ولا يرضى مطلقاً أن يتهم بالكذب أو غيره لأن التهمة من هذا النوع تجرح عواطفه النبيلة، فهو ينظر إلى الكاذب كالجبان النذل. وبجانب ذلك فهو حريص على تحمل نتائج أعماله ولا يتهرب من المسؤولية. ويعقب الشعور بالمسؤولية حب قوي لمعرفة الحقيقة. فنراه يميل إلى النقد واكتشاف الفكر ويتأرجح حماساً في سبر غور الأمور ورفع الستار عن المجهول.
والخلاصة فإن المراهقين يعتقدون اعتقاداً جازماً بأن ثروتهم الفكرية كبيرة جداً ولا يمكن لأحد أن يجاريهم، فهم أشد ذكاءً وأقوى نفساً وأطهر أخلاقاً من جميع الناس، ونشاهد غالباً أن هذه النظرية المعجبة بالنفس تقودهم إلى حب السيطرة وإعطاء الأوامر.
تحرر الأنا
تبين لنا مما تقدم بأن ظهور الشخصية يتلوه اضطراب نفسي عميق يقض مضجع الناشئ
стр. 214
ويدفعه أخيراً للخروج من وحدته والتعبير عما يجول بخلده، فيسجل مذكراته، أو يكشف أسرار لصديق، أو يزداد ورعاً، أو ينتحر.
المذكرات_يسجل بعض الطلاب مذكراتهم ويبدأ لديهم هذا الميل في سن الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة. ما الأسباب التي قادتهم إلى ذلك هي: اهتمامهم بأعمالهم الشخصية وبسلوكهم، وبتفكيرهم وبعواطفهم.
الصداقة: يحتاج المراهقون في كثير من الأحيان إلى صديق يختارونه ممن يتقارب معهم في التفكير ويطمعون وحده على أسرارهم ولا يكونون بذلك قد خرجوا عن وحدتهم إلا ليندمجوا في شخصية ثانية تشاركهم في العواطف، ويعتقد كل من الصديقين بأنه لا يمكنه التفاهم مع أي فرد من الناس سوى مع رفيقه. يقول مراهق في سن الثامنة عشرة: بأنه يرتاح جداً لصداقته مع رفيق له لأنه متأكد بأنه يحفظ له أسراره، ولأنها قطعا عهداً بأن لا يخفي أحدهما عن الآخر جميع الأمور التي لا يسمحان لا حد معرفتها.
ونرى أن هناك نوعاً من التقليد بين الصديقين لأن كلاً منهما معجب بالآخر يتبادل مع رفيقه عقائده وأفكاره وأسراره. غير أن هذه الصداقة لا تدوم بل تتلاشى مع الزمن.
التدين: أن الحياة الداخلية الناشئة تساعد على نمو شعلة الإيمان. يبدأ الهرب من التعاليم الدينية مع ظهور البلوغ ثم ينقلب هذا الهرب إلى حب صحيح وورع عميق إذ تحلق الروح نحو الخالق، وبهذه الواسطة تتحرر من انقباضها على نفسها وتستمد قوتها من العناية الربانية.
الانتحار: وهو قليل الوقوع. ينتج عن عراك نفسي طويل، ينتهي بالمراهق إلى الخروج من المأزق الذي هو فيه. ولنضرب مثلا ما كتبه طالب قبل انتحاره: إن العالم سيتخلص من مغفل مثلي. ويقصد بذلك أن الناس لم تفهمه فحكمت عليه بأنه مغفل. وكتبت فتاة انكليزية قبل انتحارها إنها الطمأنينة كبيرة يشعر بها المرء حينما يعلم بأنه بعد بضع دقائق لن يكون بحاجة إلى طعام أو نوم أو ضحك أو حزن.
جميل محفوظ
стр. 215
حَق التَأليف
للأستاذ حكمة الساطي
لم يكن حق التأليف معتبراً من الحقوق في العصور القديمة، ولم يظهر بصورة عملية وواضحة إلا في أواخر القرن الثامن عشر.
وقد اختلف الفقهاء والمشرعون في طبيعة هذا الحق القانونية، وفي نطاق أي نوع من أنواع الحقوق يمكن إدخاله. فاتجهت الآراء واتفقت وجهات النظر، في أواخر القرن الثامن عشر على اعتباره في نطاق حق الملكية. وقد وجد بعض العلماء، إن اعتبار حق التأليف حق ملكية، لا ينطبق تمام الانطباق على الواقع، لأن حق الملكية حق يتصف بصفة الديمومة، بينما حق التأليف موقوت لمدة معينة، يعود لمؤلفه ولورثته من بعده، حيناً من الزمن محدوداً، ثم يخرج عن ملكيتهم ليصبح حراً للناس أجمعين. ولذا اعتبره بعضهم امتيازاً للمؤلفين، نالوه مكافأة على ما أسدوه من عمل، وما أنتجته أقلامهم وما الفته أفكارهم. على أن أفكارهم بعضهم اتجهت أخيراً إلى أن اعتبار هذا الحق امتيازاً لا يتفق واعتباره حقاً للمؤلف، كما إن الامتيازات لا يقتضي ما يقتضيه الحق من صيانة ورعاية.
وقد ظهرت آراء معتدلة بين هذه الاختلافات العنيفة، تقضي بأن حق التأليف هو حق، وإن حمايته هي حماية لنشاط الفكر الإنساني، الذي يظهر فيما يبتكره من مؤلفات فنية أو أدبية أو علمية. تجول في فكره وتختمر على الأيام في نفسه، فيخرجها قطعة من قلبه، ويضعها في متناول يد الجميع.
وقد فاز هذا الرأي المتوسط فوزاً مبيناً في الأعوام الأخيرة، في أكثر التشريعات الأوربية.
على أن الدول لم تتفق على الأسلوب الذي تبني عليه حماية حق المؤلف. فهل يعتبر المؤلف حقاً للمؤلف يستغله بالشكل وبالصورة التي يريدها؟ أم إن للجماعة حقاً على التأليف لا تتنازل عنه؟ أم أنه حق للمؤلف يحميه القانون بقدر ما فيه من مصلحة الجماعة؟
إن الدول التي تأخذ بالمبادئ الفردية تعتبر، في حماية حق المؤلف، إن التأليف مظهر من مظاهر الشخصية الإنسانية، فتضمن للمؤلف أن يبقى سيد إنتاجه الفكري يستثمره ويستغله بالشكل والوجه الذي يريده ويبتغيه.
ولكن المبادئ الفردية تراجعت أمام المبادئ الاجتماعية، التي ظهر أثرها في التشريع
следующие страницы →