← Джавами‘

Джавами‘ · id 73354

مجلة «المعرفة» السورية

عادل العوا

Полный текст (608 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهذه الفرق تمتد في بلادنا إما بشكل واحات واسعة أو بشكل جزر قائمة وسط هذه الواحات. وهذا ناشئ عن الشروط التاريخية التي ساعدت على امتداد بعضها وتقلص الأخرى. وفي كلتا الحالتين دليل على حب المحافظة والتمسك والتساهل والتسامح. أثر العوامل في مثل هذه الشروط من طبيعية وبشرية نشأ الشعب السوري وتربى وكبر حتى وصل إلى يومنا هذا، وكأني بهذه الشروط قد جزأت وسطنا الاجتماعي إلى كتل متناثرة هنا وهناك، أو متلاصقة مختلفة الألوان، وأعتقد أنه من الصعب أن نكون في ذهننا فكرة واضحة عما نسميه السوري المتوسط. والانعزال صفة بارزة مميزة لوسطنا الاجتماعي. وتتجلى بالمظاهر الآتية: انعزال الحرية: نحن في بلد استحكمت فيها العادات فغدت قوانين، وغلب عليها العرف فصار حاكماً، ورغم تحررنا من نير الأجنبي فما زلنا أسرى التقاليد لم نتحرر من قيود الماضي ولم نطلق لأنفسنا العنان في التفكير الحر. والحرية ما زالت نظرية تدرس في الكتب ولا أثر لها في حياتنا الاجتماعية. ولسنا آمنين على أنفسنا ألا يصلنا أذى إن تكلمنا بصراحة حسبما يمليه علينا وجداننا. والمجتمع يضغط علينا بقوة هائلة حتى يكاد يضيق علينا أنفاسنا. وما زلنا نخشاه ونحسب له ألف حساب. ويعزز هذا الشعور ما تلاقيه كل حركة تجددية من مقاومات فإن طالبت بتغيير وضع من الأوضاع وبينت للناس سوءه حاربوك بشتى الأسلحة. فهذا يحاربك باسم الدين، وذا باسم الوطنية وذا باسم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ولعلك إن سلمت من بعضهم فلم تسلم من الآخرين. ويزيد في مصابك أن هنالك فئة متعلمة ترى مثلك أن هذا الوضع شاذ غير أنها لا ترغب مثلك بضرورة إصلاحه بل تسعى لتستفيد شخصياً من الوضع الراهن. وهذه هي الأنانية المجسمة باسم الوصولية ولذا فأنت قتيل وإن شئت أسير لا تعرف للحرية أثراً إلا في نفسك. انعزال إقطاعي: نما نتيجة الظروف السياسية والمخاوف والتجاء الضعيف إلى القوي يطلب حمايته، ثم تطور مع الزمن وأخذ يستحكم بنفوذه المادي ويأبى أن يخفف من شدة

стр. 282

ارستقراطيته. انعزال طائفي: فرغم التسامح الذي نقرأ عنه في كتب التاريخ ونلمس أثره فما زالت هنالك فوارق ظاهرة على التكتلات المذهبية والمعسكرات الدينية. ولئن زال الخوف فما زال الحذر والحيطة يعملان عملهما من وراء ستار. أضف إلى ذلك أن الفارق العقلي والاعتقادي ونمط العيش تجعل هذه العناصر لا تمتزج مع بعضها امتزاجاً كافياً إذ ما زال كل منها يتقيد بقيود التقاليد الموروثة كعدم الزواج مثلاً من العنصر الآخر مثلاً وإتباع الوساطة الروحية في التوظف والسياسة والإدارة. انعزال ثقافي: نشأ عن الإقبال الشديد على العلم في فترة ما بين الحربين وتأليف طبقة جديدة في المجتمع أسميها أرستقراطية العلم وحملة الشهادات وقد انعزلت هذه الطبقة لعدة أسباب: منها أنها رأت نفسها عالمةً في جمهور ما زال أكثره جاهلاً وأمياً فترفعت عنه وانصرفت إلى عملها اليومي، أو ملأت الأندية والمقاهي بالانتقاد والكلام دون أي عمل مجد، أو أنها اعتقدت قي صميمها أنها غير قادرة أن تعمل عملاً في هذا المجتمع وذا خطأ فادح، أو أنها انمحت وانسحقت أمام قوة الغرب وتصاغرت فكانت ضعيفة الإيمان، أو أن جهودها كانت مبعثرة دون أي رابط يجمع بينها فأخفقت وتقلصت وشعرت بثقل المحيط عليها وثقلها على المحيط. ونشأ عن هذا الانعزال الثقافي احتكار سياسي قائم على سياسة الارتجال وتطبيق زعماء الأحياء وأصحاب النفوذ وتبادل المنافع. ولو أن أهل الفكر منا وحاملو العلم فينا اتصلوا اتصالاً وثيقاً بالأوساط الشعبية وضحوا وبذلوا من علمهم وفكرهم كما بذل غيرهم من ماله ودهائه وجهاده لقادوا الجماهير عن تبصر ووعي ولما شكوا سوء حظهم وابتعادهم عن الحياة السياسية. وقد حان الوقت الذي يجب أن يسمع فيه العلم صوته ويفرض صاحب الفكر إرادته وعقله. انعزال الثروة المتحركة: بأيدي طبقة معينة من أبناء الأمة. وسبب ذلك أن الحوادث التي مرت على سورية من فتح وغزو وما إليها من نهب وسلب قد سحبت الثقة من السلطة الحاكمة والمجتمع فضعف استخدام المال في المشاريع العامة ويزيد في ذلك أننا لم نرب تربية اجتماعية تجعلنا نؤمن بفائدة هذه المشاريع أو نظيرها من المشاريع الخيرية.

стр. 283

واستحال مع الأيام جمع المال لمنفعته فصار يجمع لذاته وتكدست الثروة بأيدي أناس لا يستخدمونها بل ليقال عنهم أغنياء. انعزال المرأة: وهذا الحادث قريب يرجع عهده على عصر الانحطاط في الدولة العباسية. وتوالي الغزو والفتح والغارات كثيراً ما كان مصحوباً بالخوف من السبي والاعتداء على الأعراض. فحجبت المرأة خوفاً عليها وأصبح من العادة أن تبقى بعيدة عن الحياة العامة، وحرم المجتمع من عطفها وحبها والاستفادة من مواهبها. وانزواؤها أدى إلى جهلها وفقدان شخصيتها. وليت الأمر بقي عند هذا الحد إذ إن غيابها عن المجتمع المدني كان له تأثيره في العواطف الاجتماعية وانتقل صداه إلى الأدب والأغاني. فغدا الأدب يبكي والغناء يذرف العبرات. وفي كل ذلك حنين إلى المرأة وشوق إليها. ونتج عن قلة المعاشرة والاختلاط أن جهل كل من القطبين نفسية الآخر ففسد الذوق ونقصت الشجاعة الأدبية، وتفاوت مقياس المحادثة والنقاش فإما أن يبلغ من الصفاقة درجة الوقاحة، وإما أن يبلغ من الانحلال درجة الارتعاش والخوف والخجل على مختلف ألوان الطيف الشمسي. وتبدل سلوكنا أيضاً بحرمان المجتمع من المرأة فأصبحنا حذرين قلقين وسوء الظن رائد أعمالنا وصرنا نعتقد أن اجتماع الجنسين مفسدة للأخلاق وإن من الأخلاق أن نحول دون أي تقارب بينهما، ودبت في قلوبنا الغيرة فإذا ما رأينا قلبين متحابين بعثنا في طريقهما العيون والأرصاد، وأرسلنا الحرس الجنسي المتحرك في كل مكان ليأتينا بالأخبار ويأتيك بالأخبار من لم تزود! فإذا رأينا مثلاً فلانةً تخاطب فلاناً في الشارع بنينا قصوراً من الخيال لا حقيقة لها في الواقع، واتهمناها بأبشع الصور وربما نقضي بلغطنا على مستقبل الفتاة فلا يتزوجها أحد. وكأننا اعتدنا أن نشوه الحقائق ونستهجن رؤية الرجل والمرأة ونفهم أن اجتماعهما ليس معناه سوى الانحدار إلى مستوى الغرائز. وأدى بناء الأخلاق على الغريزة إلى الكبت ففسدت أخلاق الرجال كما فسدت أخلاق النساء، وانتشرت العادات السرية وانحرفت الميول دون تهذيب أو تصعيد. وهذا الانحراف

стр. 284

والتنفيس يتناسبان طرداً مع شدة الكبت وكثرة الضغط. وعرف الوراقون أن الجمهور جائع فوصفوا له المسكنات المثيرات واغتنموها فرصة لترويج بضاعتهم وصدروا المجلات بالرسوم العارية والأوضاع النابية الخشنة ودافعوا عنها باسم الفن وتذوقه وليس بمثل هذا الشكل يحبب الإعجاب بآيات الفن وروائعه. وهكذا فقد ملأت الغريزة الدنيا وشغلت الناس. انعزال ريفي: ونأت القرى عن المدن فإذا هي في انعزال قائم. فبينا المدن في تطور نجد القرى ترسف في قيود القديم، فريسة الأمراض والفقر والجهل. ولعلكم تؤمنون معي أن المعلم وهو غالباً من أبناء المدينة، عندما يعين للقرية لا يلبث أن يسعى للفرار منها بشتى الوسائط. وربما نجد له عذراً في ذلك. فاختلاف الحياة وعدم توفر الضروري اللازم من الرفاه له ولعائلته يضطرانه لترك القرية على ما فيه من حسن نية. ويزيد في انعزال القرى أن طرق المواصلات لم تتيسر بعد لأكثرها. ناهيكم أن المواصلات بين المدن ما زالت في حركة بطيئة وعدم انتظام. ومع احترامي لشركات النقل وما كتب على البوسطة من خمسة عشر شخصاً وفيها خمس وعشرون وما زينت به من خرز وأحيطت به من حجب وتمائم، فهي تأبى أن تقطع الطريق بين حلب ودمشق إلا في يوم كامل ولا ننزل إلا وكأننا خرجنا من علبة سردين. الخاتمة هذه هي اللوحة التي أردت عرضها عليكم. وهذا واقعنا الاجتماعي فهل يجب أن نستسلم له ونرضى بالتطور البطيء ونقول ليس في الإمكان أبدع مما كان أو نعتقد أننا لا نستطيع به حراكاً. إن واقعنا فرضه علينا جور الطبيعة وظلم الإنسان. ولا ريب أن شرائط الحياة العامة التي كانت تسيطر على نشاط السلف أصبحت مغايرة للشروط التي نحن فيها الآن. نحن نعيش في زمن يتطور فيه الفكر الإنساني بخطى واسعة، ويتغير كل شيء بسرعة البرق. وان أمواج الحياة التي تتدافع حولنا تسير دوماً إلى الأمام نحو اكتشاف عالم مجهول. وقد يكون من خطل الرأي أن نقف حائرين أو نبقى منطوين على أنفسنا دون أن نسير مع مقتضيات العصر فنبدل عقليتنا ونماذج فاعليتنا، وننظر إلى الأشياء بنظر العقل والتأمل لا بنظر العفوية والتقليد. إن المنطق والضرورة يحتمان علينا في هذا العهد

стр. 285

الإنشائي في البلاد أن نتضافر على رفع مستوى المجتمع وانسجام أجزائه. أضف إلى ذلك أننا في وقت نحن فيه بحاجة إلى دعم وحدتنا السياسية. والوحدة السياسية لا تكون دائمة وقوية إلا إذا اعتمدت على وحدة اجتماعية وجهاز اجتماعي منظم. وهذا لا يكون إلا إذا خرجنا من قواقعنا وتربينا تربية اجتماعية وحاربنا الانعزال والفردية. يقول لنا أطباء الأجسام إن كثيراً من الأمراض المتوارثة المزمنة إذا أصيبت بها عائلة ما قد تشفى عن طريق الزواج من غير أفراد العائلة نفسها، ولا يمر زمن إلا وتبيد هذه الأمراض. وأعتقد أن هذه القاعدة تبقى صحيحة إذا ما طبقت في الناحية الاجتماعية. فمما لا شك فيه أننا ورثنا عن آبائنا وأجدادنا وماضينا الثقيل كثيراً من الأمراض. ولمعالجتها أتقدم إليكم بهذه المقترحات: ١ - تربية النشء الجديد في المدرسة تربية اجتماعية: وذلك يكون باهتمام برامج التعليم في هذه الناحية وعدم إهمالها بالنسبة إلى غيرها من النواحي، ومنح النشاط المدرسي حقه في شتى أشكاله. وهو كفيل أن يخرج التلميذ من عزلته الدراسية ويوجهه نحو القيام بأعمال مشتركة مع رفاقه، فإذا خرج من المدرسة إلى المجتمع، استطاع أن يألفه بسهولة ويندمج فيه ويبرز كفاءته الشخصية في خدمة المجموع. وبرامجنا في الوقت الحاضر مفتقرة لمثل هذه الحركة. وإن تظاهر رجال المعارف أنهم جادون في تشجيعها فالواقع شيء والتظاهر بالعمل شيء آخر. ٢ - تربية الراشدين: فان كانوا جاهلين أو أميين وجب تعليمهم ورفع مستواهم والاتصال بهم وتوجيههم توجيهاً صحيحاً وعدم تضليلهم. والجهد الفردي وحده عاجز عن ذلك. إلا أن الجهود المتآزرة تستطيع أن تعمل عملا واسعاً في هذا السبيل وفي الأندية مجال رحب للقيام بمثل هذه الأعمال. وإن كانوا مثقفين فيكفي دخولهم في منظمة من المنظمات الاجتماعية وأقصد بذلك المساهمة الفعلية في جمعية أو نادٍ أو الانتساب إلى حزب ذي برنامج واضح معين يستهدف غايات وطنية وقومية معينة واضحة، وان لم يوجد فيجب تأسيسه. ففي النادي تتبادل الآراء وتحتك الأفكار ويتصل الأعضاء ببعضهم ويتصلون بالجمهور. وليس هذا الاتصال من الصعوبة بمكان. وفي النادي أيضاً تستطيع المرأة المتعلمة، كخطوة

стр. 286

أولى لظهورها في المجتمع، أن تسمع صوتها وتثبت للرجل ولشقيقتها الجاهلة أن المرأة ليست كمية مهملة وتفرض على المجتمع احترامها وتسترجع ما فقدته من شخصيتها وتخفف من ميوعتها. وفي الحزب المنظم تنصهر شخصية الفرد من حيث هو ينتمي إلى كتلة من الكتل كأن يكون عظامياً يتغنى بمجد قديم أو يتمتع بنفوذ عائلي أو محلي أو ينتسب إلى فئة روحية معينة. كل هذه العناصر تذوب في بوتقة الحزب وتظهر الكفاءة الشخصية وينمو الفرد من حيث هو حجيرة في جسم المجتمع لا كطفيلي يعيش على حسابه. فالخطب والإقناع وتبادل الآراء والشعور بالمسؤولية والقيام بالواجب والدفاع عن فكرة سامية نبيلة كلها تساعد على انتظام الفرد في المجموع لتبني رأي واحد يعبر عن إرادة واحدة. ٣ - الاهتمام بالقرى وتعميم طرق المواصلات: إن حياتنا قائمة قبل كل شيء على الزراعة. وهذه لا تنهض إلا برفع مستوى الفلاح وتعليمه وتأمين رفاهه وخروجه من أفقه التقليدي وربطه بالمدينة ربطاً أكثر تماساً وامتزاجاً وهذا يتطلب وضع برامج اقتصادية وتحقيق هذه البرامج. ٤ - تحضير البدو: وهذا لا يكون إلا بمنحهم الأراضي والقيام بمشاريع زراعية واسعة. وتحضيرهم هو الذي يزيل من مجتمعنا عصبية العشائر ونزعة القبائل. ونلاحظ في هذه الاقتراحات أن قسماً منها ما يتعلق بالفرد نفسه ومنها ما يتعلق بالجماعة ومنها ما يتعلق بالحكومة، غير أن الذي يهمنا هو التبشير بها والدعاية لها والسعي لتحقيقها. ولنعمل متضافرين ويد الله مع الجماعة. نور الدين حاطوم

стр. 287

أسس الثقافة العربية المشتركة التاريخ والجغرافية للأستاذ: عزة النص س - ٦ - يدرس تاريخ العرب حسب الدول المتتابعة والعصور فهل ترون أن هذا خير طريقة تتبع أم ترون أن هناك طريقة أصلح وما هي؟. ج: - سبق القول أن تقسيم التاريخ العربي إلى الأدوار المعروفة هو تقسيم يستند إلى حوادث جسيمة مميزة فيمكن الاحتفاظ به مع الإشارة دائماً إلى خصائص كل دور ودولة في السياسة الداخلية والخارجية وفي الشؤون الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومع اصطفاء للحوادث الهامة واختيار الخطوط الرئيسية العامة التي تدل على التطور المطّرد المستمر. س - ٧ - كيف يدرس تاريخ الأمم العربية بعد سقوط بغداد: هل يدرس على أساس تاريخ كل قطر أو على أساس تاريخ الدول التي قامت؟. ج: - من الميسور والمفيد معاً أن يستمر تدريس تاريخ الأمة العربية بشكل موحد، فبعد انتهاء دور طوائف الملوك تبحث حالة كل من البلاد العربية إبان الحكم العثماني ثم تدخل الأجانب في شؤون البلدان العربية وتاريخ الاستعمار الأجنبي والحركات الاستقلالية في هذه الأقطار، وبعد دراسة اليقظة العربية الحديثة في جميع نواحي الوطن العربي قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، ينهى تاريخ الأمة العربية بميثاق الجامعة العربية وتشكيلاتها ونظمها ونشاطها. س - ٨ - ما رأيكم في درس الحضارة العربية، هل يدرس على حدة أم مدمجاً في التاريخ العربي العام؟. ج: - من المفيد أن يدرس تاريخ الحضارة العربية مفرقاً ومجملاً ففي الحالة الأولى يعرف التلميذ ما يستحدث في كل دولة وفي عهد كل أسرة أو ملك من نظم وأوضاع، وفي الحالة الثانية يدرك التلميذ مجرى التطور العام للحضارة العربية ويقف على أدوار ازدهارها وفتورها ويطلع على أبرز عناصرها ومميزاتها. والمنهاج السوري بني على هذا الأساس، فهو في السنين الأولى من المدارس الثانوية

стр. 288

يجعل تاريخ الحضارة العربية ملازماً لتاريخ العرب العام أما في الحلقة الثانوية العليا فيدرس تاريخ الحضارة موسعاً ومنفصلاً. س - ٩ - ما المنهج الذي تضعونه على أساس الطريقة التي اخترتموها وكيف تقسمونه على الصفوف وما عدد الساعات في كل صف؟. إن المنهاج السوري مع بعض تعديل في الساعات وفي توزيع مواد الحلقة العليا - هو على ما اعتقد صالح لأن يؤخذ كأساس: فهو في خطوطه الرئيسية - مع التعديل الذي أقترحه - يلخص بما يلي: السنة الأولى: ٣ دروس في الأسبوع: ملخص التاريخ القديم في الشرق والغرب بشكل موجز جداً: (مصر، الكلدان، والآشور) الأقوام السامية وسكان الهلال الخصيب، إيران القديمة، العالم الإغريقي، العالم الروماني). السنة الثانية: درسان في الأسبوع (في المنهاج السوري ثلاثة): تاريخ العرب القديم وصدر الإسلام: (الأمة العربية قبل الإسلام، حالة العالم قبل الإسلام، البرابرة، البيزنطيون، الساسانيون، الإسلام ويقظة العرب، - الخلافة الراشدة وتأسيس الإمبراطورية العربية). السنة الثالثة: درسان في الأسبوع (في المنهاج السوري ثلاثة): تاريخ الإمبراطورية العربية الإسلامية: (الخلافة الأموية، الخلافة العباسية، نظرة عامة عن أدوار الضعف والانحطاط في تاريخ الدولة العباسية، الدويلات والإمارات الإسلامية الجديدة، مقارنة بين حالة العرب في ظل الخلافة الإسلامية وحالة أوربا في ظل النظام الإقطاعي، غزوات الصليبيين وغارات التتر والمغول، الدول العربية في إسبانيا). السنة الرابعة: ٣ دروس في الأسبوع: (نظرة عامة عن الحضارة العربية وأثرها في نهضة أوربا الحديثة، ملخص التاريخ العام في العصور الحديثة والحاضرة، حالة البلاد العربية إبان الحكم العباسي، الاستعمار الأجنبي للبلاد العربية، يقظة العرب الحديثة). الحلقة العليا:

стр. 289

السنة الخامسة: أ - الفرع الأدبي: درسان في الأسبوع: تاريخ حضارة: (ملخص تاريخ الحضارات الشرقية القديمة، حضارة العرب قبل الإسلام، الحضارة والنظم الإدارية والاجتماعية والاقتصادية للأمة العربية قبل الإسلام). ب - الفرع الأدبي والعلمي: درسان في الأسبوع: تاريخ عام: (ملخص تاريخ الغرب والشرق في العصور الحديثة حتى الثورة الفرنسية). السنة السادسة: أ - الفرع الأدبي: درسان في الأسبوع: تاريخ حضارة: (الحضارة العربية الإسلامية من الناحية الفكرية والفنية - الحضارة الغربية الحديثة). ب - الفرع العلمي والأدبي: ثلاثة دروس في الأسبوع: تاريخ حضارة: (تاريخ الدول العام وضمنه تاريخ العرب في القرنين التاسع عشر والعشرين). وجدير بالذكر أن المنهاج السوري الجديد قد بني على أساس تقوية التاريخ - وخاصة التاريخ القومي - في مرحلة التعليم الثانوي ولذلك جعل الساعات المخصصة له وافية تفوق ما خصص له في مناهج الدول العربية الأخرى، كما يتبين من الجدول الآتي، والقصد من ذلك واضح في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ نهضة العرب وحاجتهم إلى ترسيخ الفكرة القومية وتثبيت مفهومها. مجموع دروس التاريخ في المدارس الثانوية أدب علوم رياضيات سورية ٢٠ ١٥ - العراق ١٥ ١٤ - مصر ١٣ ٠٨ ٨ س - ١٠ - ما هي الوسيلة أو الوسائل التي تستحسنونها للاستفادة من دراسة التاريخ العربي في تقوية الروح القومية الحقة؟. ج - يعنى مدرس التاريخ العربي بذكر الروابط الوشيجة التي ربطت العرب دائماً في

стр. 290

مختلف مراحل التاريخ ويلح في تبيان وحدتهم الجنسية والفكرية والأخلاقية ويبين أثر وحدة الكلمة والهدف والمثل الأعلى وروح التضحية والشعور بالأخوة، وتفتح الذهن والإقبال على العلم والعزوف عن الجمود والتواكل في رفعة شأن العرب قديماً، ويقف طويلاً عند ذكر أسباب انحطاط العرب من انقسام وجمود وإفساح المجال لتدخل الأجانب الخ. . . وقد جاء في التوجيهات العامة للمنهج السوري ما يلي: إن دروس تاريخ الأمة العربية يجب أن تستهدف - قبل كل شيء - إظهار الدور العظيم الذي قام به أجدادنا العظام في تقدم الحضارة وتطورها، وتصوير الحضارات الكبيرة التي نشأت على مسرح وطننا الأكبر خلال الأدوار التاريخية المختلفة، وذلك لاستثارة همم الجيل القادم للعمل في سبيل النهوض بكل أمل واندفاع. لا شك في أن ماضي الأمة العربية لم يخل من شوائب ونواقص، وتاريخها الطويل لم يسلم من عوارض التقهقر والانحطاط. فلا يسوغ للمدرس أن يتناسى تلك الشوائب ويهمل تلك العوارض مكتفياً بذكر الأمجاد غير أنه يترتب عليه - عندما يذكر تلك الشوائب ويشرح عصور الانحطاط - أن يبين للطلاب أن ذلك شأن جميع الأمم وجميع الحضارات في بعض الأدوار من التاريخ، وأن حياة أعظم الأمم المعروفة، وتاريخ أرقى الحضارات المشهورة كانت مشوبة بأمثال تلك النواقص وأنها لم تسلم من أمثال ذلك التقهقر والانحطاط. . . س - ١١ - يرى بعض المفكرين أن يدرس تاريخ الأمم على طريقة لا تثير العداوة بين الناس فكيف يراعى هذا في تدريس التاريخ العربي وكيف يعنى حين دراسته ببيان ما فيه من تسامح وأخوة عالمية؟. ج - يجد مدرسو التاريخ أن يتعرضوا دائما لمعاملة العرب السمحة لسكان البلاد المفتوحة ويتوسعوا في ذلك مستعينين بالوثائق التاريخية المثبتة كعهود الخلفاء إلى القواد وشروط تسليم المدن الخ. . . مع مقارنة ذلك بما فعلته الشعوب في غاراتها وفتوحاتها كالصليبيين مثلاً. والعرب اليوم أحوج ما يكون لنبذ النعرات الطائفية، فلا مبرر في تدريس التاريخ العربي

стр. 291

لإثارة الأحقاد التي وجدت يوماً ما بين الفرق والأحزاب العربية. والعرب في المرحلة الحالية من تاريخهم لا مندوحة لهم عن التبسط في ذكر الاستعمار الأجنبي وتبيان مساوئه وفظائعه وآلامه، وليست الغاية من ذلك إثارة البغضاء والعداوة بل على العكس يراد منها رفع البغضاء بإزالة أسبابها. . . وما أسبابها سوى وجود الاستعمار نفسه. ٢ - في الجغرافية قسمت اللجنة التحضيرية تقريرها إلى أربعة أقسام: أولاً: الأسس العامة التي تراها صالحة للمناقشة. ثانياً: اقتراحات مبدئية بتطبيق هذه المبادئ. ثالثاً: اقتراحات مبدئية بالأساليب التي تراها اللجنة ضرورية لحسن تدريس جغرافية الأقطار العربية. رابعاً: أسئلة موجهة إلى اللجان الثقافية القومية في كل بلد عربي. أولا - الأسس والمبادئ العامة: ١ - تشير اللجنة إلى ضرورة النزوع نحو (العالمية) في تدريس الجغرافية، والتخفيف جهد المستطاع من حدة النظرة المحلية الضيقة التي لم يعد هنالك ما يبررها بعد أن سهلت المواصلات وضعفت أهمية الحدود الفاصلة بين الأمم والشعوب. وتخلص اللجنة إلى النتيجة التالية: وعلى أساس هذا لا ينبغي أن يصرفنا الاهتمام بدراسة جغرافية الأقطار العربية عن هذه الحقيقة فتقل عنايتنا بدراسة جهات العالم الأخرى، لاسيما تلك الجهات التي تربط العالم العربي بها روابط خاصة بحكم الجوار من جهة وبحكم الاتصالات الاقتصادية والثقافية من جهة أخرى. إن المنهاج السوري الجديد بني على أساس التوسع في دراسة الأقطار العربية مع العناية بجغرافية البلاد الأخرى، وقد نص في توجيهاته العامة للمدارس الثانوية على ما يلي: حينما ينتهي الطالب من الدراسة المتوسطة، يجب أن يكون قد حصل على معلومات إجمالية عن جميع القارات والأقاليم، كما يكون قد حصل على معلومات أوسع عن ذلك أولاً عن جغرافية سورية وسائر البلاد العربية. وثانياً عن جغرافية البلاد والأقاليم التي تعتبر

стр. 292

ذات أهمية خاصة من وجهة مجاورتها للبلاد العربية، أو شدة علاقاتها الاقتصادية والسياسية بالبلاد العربية أو شدة تأثيرها في الحياة العلمية. وجاء في التوجيهات العامة لمنهاج الجغرافية في المدارس الابتدائية ما يلي: إن الغرض من تعليم الجغرافية في المدارس الابتدائية هو: أولاً: تعريف التلاميذ بالبلاد السورية وسائر البلاد العربية. ثانياً: إعطاؤهم فكرة إجمالية عن سائر ممالك الدنيا بنسبة علاقتها بسورية وسائر البلاد العربية من جهة وبنسبة منزلتها من الحضارة العالمية من جهة أخرى. ٢و٣ - ترى اللجنة أن لا يؤدي النزوع نحو (العالمية) إلى إهمال دراسة (الوطن الخاص). بل من الضروري الاهتمام قبل كل شيء بمعرفة مقومات (الوطن الخاص) وأن يخصص لذلك السنة الأخيرة من مرحلة التعليم الثانوي والسنة الأخيرة من مرحلة التعليم الابتدائي. أما دراسة البلاد العربية كمجموعة فيخصص لها السنة قبل الأخيرة في التعليم الابتدائي والثانوي. إنني أعتقد أن تدريس (الوطن العربي) كوحدة لها كيانها الجسمي ومميزاتها الطبيعية والاقتصادية، خير لتحقيق فكرة الأمة العربية الواحدة من دراسة (الوطن الخاص) منفصلاً. وهذا لا يعني أن تكون معلومات التلاميذ في مختلف الأقطار العربية واحدة عن كل قطر عربي بل يتوسع - ضمن إطار الوطن العربي - في دراسة القطر الذي ينتمي التلميذ إليه، وهذا ما حرص عليه المنهاج السوري الجديد. ثانياً: اقتراحات خاصة بتطبيق المبادئ السابقة: ١ - في مرحلة التعليم الابتدائي، ترى اللجنة أن يتوسع عند دراسة البيئة المحلية بحيث يتدرج إلى دراسة البيئة العامة للبلاد العربية، على أن يكون ذلك على شكل سياحات تستخدم فيها الصور والأفلام. إن المنهاج السوري، في السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، قد وضع وفقاً لطريقة (الدوائر المركزية) فهو ينص في توجيهاته العامة: يجب أن تبدأ الأبحاث والملاحظات من المدينة أو القرية التي تقوم فيها المدرسة وتنتقل منها بعد ذلك أولاً إلى ضواحي المدينة ثم إلى المدن والقرى المجاورة لها ثم إلى مركز

стр. 293

المحافظة فعاصمة الدولة ثم تشمل القطر السوري بأجمعه وبعد ذلك تنتقل الأبحاث إلى سائر البلاد العربية ولا تتناول سائر البلاد والمسالك إلا بعد ذلك. وجاء في مفردات منهاج الجغرافية للسنة الثالثة الابتدائية، بعد دراسة سورية، فكرة بسيطة عن العالم العربي عن طريق الرحلات التصورية. لكن المنهاج السوري للمرحلة الابتدائية لا يفصل أبداً سورية عن البلاد العربية فهي تدرس دائماً معاً وذلك مرتين خلال الدراسة الابتدائية. في الصف الثالث وفي الصف الأخير. ٢ - في مرحلة التعليم الثانوي ترى اللجنة: أ - أن تدرس الدول العربية في موضعها من الأقاليم الطبيعية دراسة عامة، ب - ثم يدرس العالم العربي معاً في السنة قبل النهائية، ج - ويخصص الصف الأخير لدراسة الوطن الخاص. إن الملاحظة (أ) قد روعيت في المنهاج السوري للمدارس الثانوية فهو يحتم دراسة البلاد العربية دون توسع في موضعها من القارات، وهو يتفق مع الملاحظة (ب) إذ يجعل البلاد العربية مجموعة في سنة واحدة وهي السنة الأخيرة للدراسة المتوسطة، أما في السنة الأخيرة للدراسة الثانوية (السنة السادسة) فتعاد دراسة البلاد العربية جملة واحدة أيضاً مع أشهر الدول العظمى في العالم. وهكذا فإن المنهاج السوري يحرص، عن قصد، على عدم تفريق الوطن الخاص عن الوطن العربي، ويكون الطالب السوري في مرحلتي التعليم الثانوي والابتدائي قد درس البلاد العربية خمس مرات. ثالثاً: اقتراحات خاصة بأساليب الدراسة ووسائلها: من الأساليب التي تقترحها اللجنة: إعداد المصادر للأساتذة والكتب للتلامذة، وتهيئة المصورات والأفلام والصور، وعمل متحف للشعوب العربية في كل قطر، وتنظيم الرحلات للمدرسين والتلاميذ وعقد المؤتمرات. . . وطبيعي أن هذه الأساليب لا تكون ناجحة إلا إذا انصرفت لجنة عربية مشتركة لتنظيمها والإشراف عليها وتهيئة وسائلها. فعلى اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية أن تنظم لجانها وتوزع العمل فيها وتشرك بذلك أعضاء مختصين من جميع الدول العربية. رابعاً: الأسئلة الموجهة إلى اللجان الثقافية المحلية:

стр. 294

١ - سبق الجواب على السؤال الأول المتعلق بتوفيق النزعة (العالمية) مع الفكرة القومية في تدريس الجغرافية. ٢ - والمنهاج السوري الجديد يحسن أن يقتدى به فيما يختص بالسؤال الثاني المتعلق بالتعديلات التي تقترحها اللجان المحلية على مناهج الجغرافية في مراحل الدراسة المختلفة. ٣ - أما عدد ساعات الجغرافية فيجب أن لا تنقص في كل صف عن ساعتين في الأسبوع ولعل من الخير أن تبلغ الثلاثة في السنة الأخيرة لكل من الدراسة المتوسطة والدراسة الثانوية. ٤ - والسؤال الرابع يتعلق بالمراجع من كتب وتقارير وإحصائيات التي تنصح اللجان المحلية بالاستفادة منها. فمن حيث الإحصائيات المتعلقة بسورية فإن وزارة الاقتصاد الوطني السورية قد نشرت عام ١٩٤٦ إحصائيات وافية عن النواحي البشرية والاقتصادية في سورية كما أن (دائرة المصالح المشتركة) قد طبعت كراساً إحصائياً عن سورية ولبنان عام ١٩٤٥. ومن حيث الكتب فإن أحسن المصادر عن سورية مطبوعة باللغة الفرنسية وخاصة منها مؤلفات (دويرتريه) والكتب الجغرافية المقررة في المدارس السورية هي أوفى الكتب المقررة في البلدان العربية توسعاً في دراسة الوطن العربي. ٥ - إن الكتب المدرسية الني هي بمتناول التلاميذ العرب في مختلف أقطارهم يعوزها الضبط والوضوح وينقصها الإتقان في الطبع والرسوم والمصورات، ولا سبيل إلى تحسينها إلا بتضافر المدرسين العرب واشتراكهم في التأليف على أن تتعهد الجامعة العربية بطبعها طبعاً متقناً أنيقاً جذاباً كما هو الحال في كتب الجغرافية الأوربية والأميركية. ٦ - ليس في سورية أفلام جغرافية وإنما لها مصورات جيئولوجية وطوبوغرافية بمختلف المقاييس كانت وضعتها السلطات الإفرنسية، أما المصورات العربية المتوفرة فليست تفي بالغاية وأحسنها (مصورات طربين). وللسيد طربين نفسه أطلس جيد وحسن الطبع، مفيد خاصة للتعرف على البلدان العربية. ٧ - ليس لوزارة المعارف السورية سياسة مقررة للرحلات الجغرافية وهذا نقص كبير يجب تلافيه، والرحلات التي يقوم بها الطلاب مع أساتذتهم بين حين وآخر إنما تقوم بتشبث الطلاب أنفسهم.

стр. 295

ولا يمكن أن تنجح الرحلات في البلاد العربية ما لم تعد لها الوسائل المادية وما لم تنظم تنظيماً مشتركاً بين الحكومات العربية، فليس في سورية أماكن لاستيعاب التلاميذ الوافدين من البلاد العربية عندما تكون المدارس السورية غير معطلة، وكذلك الأمر في سائر الأقطار العربية. ولا بد من إشراك أسر التلاميذ في أمر الرحلات حتى يتسنى تبدل الطلاب بين الأسر في مختلف الأقطار. ٨ - إن دور المعلمين السورية تفي بالحاجة من حيث تعليم المعلمين جغرافية سورية أما دراسة البلاد العربية الأخرى فلا تزال غير وافية، وخاصة البلاد التي ليس عنها مصادر وافية كاليمن أو المملكة العربية السعودية مثلاً. وبهذه المناسبة أرى لزاماً على الدول العربية أن تؤلف لجاناً من الأخصائيين لدراسة بعض الأقاليم العربية التي لم تدرس علمياً بعد، كما عليها أن تساعد على وضع الأفلام الجغرافية، وأخذ الرسوم وإعداد الوثائق وهذا كله يصبح ميسوراً إذا أعدت له العدة وخرجت الآراء من حيز التفكير إلى حيز التنفيذ. عزة النص

стр. 296

حرية المناقشة خرج الزُّهريُّ من عند هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيت كاليوم ولا سمعت كأربع كلمات تكلم بهن رجل عند هشام دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين! احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك، قال: ما هن؟ قال: لا تعد عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلاً إذا كان المنحدر وعراً، واعلم أن للأعمال جزاءً فاتق العواقب، وأن للأمور بغتات فكن على حذر. قال عيسى بن دأب: فحدثت بهذا الحديث الخليفة المهدي وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه فأمسكها وقال: ويحك! أعد علي، فقلت: يا أمير المؤمنين أسغ لقمتك، فقال: حديثك أشهى إلي. هكذا كان الخلفاء يؤيدون حرية المناقشة ويبسطون ألسنة الناس في صراحة القول والمباحثة ليستمعوا القول ويتبعوا أحسنه.

стр. 297

التربية والسلام العام للأستاذ عبد الحميد الحراكي نلخص القسم الثاني من محاضرة الأستاذ الحراكي تتميماً للفائدة بالرغم من أنها أرسلت لمجلات أخرى واطلع عليها بعض القراء طالما أن التنافس الاقتصادي موجود والدفاع عنه في المؤتمرات من أهم واجبات المؤتمرين الذين اعتادوا السير بمقتضى الأساليب والوسائل القديمة التي كانت دائماً سبباً في إثارة الخلافات وفي النهاية الحروب، فإننا نرهف السمع لما يلقونه من خطب وبيانات وحجج لإثبات نظرياتهم العتيقة المبنية على حب الذات والأثرة وإساءة الظن بسواهم لتحقيق مآربهم ومطامعهم التي لا حد لها، فلا تجد فيها الخلاف والمساومة التي تنتهي بالحرب، مما دعا محبي السلم إلى إساءة الظن بهم وعدم الاطمئنان إلى هذا الطراز من الناس الذين أثبتوا عجزهم عن بناء قواعد السلم الدائم الذي يضمن العدل والرفاهية والأمن لكافة الشعوب الصغيرة والكبيرة على حد سواء. كما دعاهم للسعي وراء تأسيس مؤتمرات ثقافية حقيقية تؤلف من أناس ممن تشبعوا بروح سلمية ومبادئ إنسانية سامية لوضع قوانين لسلم دائم. وإلا إذا ظلت الحال على ما هي عليه وبقيت قواعد التعليم والتربية هي هي، وظل الخوف والحرص على الحياة موجودين، وقواعد العليم لا توسع على أسس إنسانية قويمة تؤمن للجميع احتياجاتهم الضرورية ولثبت المطامع الفردية والعامة قائمة، وطالما أن الإنسان غير أمين على الحصول على ما يحتاج إليه إلا باستعمال الحيلة لأخذ ما في أيدي الناس، وطالما انه يضطر لاستعمال القوة أحياناً لتأمين حياته وحياة أفراد أسرته التي تصبح في حالة الفقر والعوز والمرض وفي النتيجة الموت المحتم إذا لم يحصل على ما يحتاج إليه في يومه وغده ومستقبله إلا عن هذا الطريق الأعوج، فإن كافة المؤتمرات والاجتماعات وكافة القوانين وكافة المواعظ والإرشادات وجميع التشبثات والتوسلات التي تتخذ من قبل هؤلاء الرجال الذين شبوا وشابوا على أساليب التربية القديمة المؤسسة على الأسس الاقتصادية المعلومة لإيجاد عالم يعيش بسلام على غير هذا الطراز الحالي، لا تجدي نفعاً

стр. 298

ولا تأتي بالفائدة المطلوبة والغاية المتوخاة. لقد أصبح الحصول على عيش الكفاف أو دون الكفاف من أشق الأعمال التي يقوم بها ملايين المخلوقات على وجه البسيطة، وبصورة مختصرة فقد أصبحت الحياة جحيماً لا يطاق يريد الخلاص منه كل من أوتي ذرة من العقل والتفكير الصحيح لما يخالج ضميره من الخوف والفزع من نفسه وأسرته. . . لذلك فقد اتضح أن العلاج الصحيح الوحيد لهذا المرض العضال المزمن هو جمع مؤتمر ثقافي عالمي وغير رسمي (إن أمكن) من الذين يتحسسون بهذه الإحساسات ويشعرون بهذا الشعور لوضع مناهج تعليم جديدة مبنية على قواعد ونظريات إنسانية جديدة تماشي تطورات الحياة الحالية خالية من الطمع والجشع والأثرة وتحكم القوة. وقد لفتت هذه القضايا الحيوية الهامة نظر جامعة الأمم المتحدة، فألفت مؤتمراً ثقافياً اجتمع في باريس مدة ثلاثة أسابيع واختتم جلساته مؤخراً بعد أن قرر عدة مقررات هامة بخصوص الثقافة العامة للدلالة على أهمية هذا الموضوع الحيوي الذي يشغل بال العالم وقد علق رئيس الوفد الأميركي في المؤتمر على أهداف المنظمة بقوله: غرض هذه المنظمة هو المساعدة على نشر السلام على الأرض وحسن النية بين الناس وكلاهما ينبثق من تفاهم صحيح بين كل إنسان وغيره وقد وفق هذا المؤتمر الدولي إلى نجاح لم يتفق لغيره بعد نهاية الحرب. أما المشاريع التي وافقت المنظمة على مباشرة تطبيقها عام ١٩٤٧ فهي: ١ - مكافحة الأمية في جميع بلاد العالم وإيجاد مستويات للتعليم في كل مكان. ٢ - ستدرس المنظمة الأمور التي تؤدي إلى الحرب، كالقلق والبغض بين الطبقات والعناصر والملل وتسعى لنشر عوامل السلم بين الناس بواسطة التفاهم. ٣ - ستبذل جهودها لإزالة الحواجز التي تمنع تدفق المعلومات إلى مكان ما، وتتعاون مع لجنة التحقيق الإنسانية في جامعة الأمم لنشر الأخبار الصحيحة المطبوعة والكتب والمجلات وإصدار الأفلام السينمائية وإذاعة مناهج الراديو المفيدة. ٤ - وستبحث المنظمة مع جامعة الأمم إمكان إيجاد شبكة راديو عالمية تحت إدارة دولية توصل إلى كل إنسان كاف المعلومات الصحيحة من الحوادث والتاريخ والموسيقا وغير

стр. 299

ذلك من جميع الشعوب إلى جميع الشعوب. ٥ - ستجمع عدداً كبيراً من علماء العالم ليدرسوا مشكلات الطعام والمرض ومقدرة كل منطقة على الإنتاج. يتضح لنا من هذا المؤتمر أنه خطوة واسعة تخطوها جامعة الأمم إذا قدر له النجاح ولم يفشل فشلاً ذريعاً كغيره من المؤتمرات، وهذا ما يجعلنا نعتقد اعتقاداً جازماً أن روح التربية يجب أن تتغير ويستبدل بها إيجاد علم العلاقات البشرية الحديث الذي يجب أن يكون فاتحة عصر جديد في تاريخ البشرية يمهد السبيل للوصول إلى مبدأ العالمية الذي دعا إليه المفكرون والمصلحون منذ القديم والذي يمكن تحقيقه في القرن العشرين كما تنبأ البعض. هذا وربما يعترض البعض بأن هذه الأفكار ما هي إلا من قبيل الخيال الذي يحلم به بعض المفكرين، وأنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، وإن السلم العام كان خيالاً وحلماً في الماضي وسيظل خيالاً وحلماً في المستقبل ما لم يتغير الطبع البشري. وإن أنظمة التعليم والمدنية الحالية هي أسمى ما وصل أو ما يمكن أن يصل إليه العقل ولا يمكن تغييرها واستبدال ما هو أحسن منها بها، رغم ما هي عليه من النقص وما تحتاجه من الإصلاح لعجزها حتى الآن - رغم مرور آلاف السنين عليها - عن تأمين حاجة الإنسان وراحته وطمأنينته على حياته وحياة أولاده وأسرته وذراريه، وجوابنا لهذا المعترض أن مقابلة بسيطة بين ما كانت عليه البشرية منذ قديم الأجيال ومنذ كان الإنسان يعيش في الكهوف والمغاور، ومنذ كان يهيم على وجهه في مجاهل الغابات والأحراج، وبين ما وصلت إليه في عصرنا الحاضر من التقدم والرقي وصلاح العوامل وتوفر الأسباب في يومنا هذا خلافاً للماضي (رغم عدم بلوغها درجة الكمال)، إن هذه المقابلة البسيطة تظهر لنا إمكان التطور المنشود الذي يمكن أن نحصل عليه وتصل إليه البشرية فيما لو أدخلت التعاليم الإنسانية الحديثة على أنظمة التعليم الاقتصادية، وإن التسليم بعكس ذلك معناه تنزل العقل البشري عن عرشه ورجوعه إلى حالته الطبيعية الأولى وإنكار التطور المحسوس الذي لا ينكره إلا من أعمى الله بصره وبصيرته. وإلا إذا بقيت البشرية راكبة رأسها، متشعبة بروح التعليم الحالي المملوء بحب الذات

стр. 300

والجشع والطمع والاستئثار والتوسع والفتح والاستعمار، وإذا بقي الإنسان ينكر ويجحد كل جديد ويقاومه، فقل على الدنيا والمدنية الحديثة السلام. عبد الحميد الحراكي

стр. 301

آفاق جديدة في التربية تقتضي جامعة ويلرد للزنوج من طلابها أن يتعلموا فنون تنظيم البيت قبل أن تمنحهم شهادتهم للتخرج، فيشترك الطلاب مع الطالبات في دراسة تصميم المنازل واختيار الطعام والملابس، والعناية بالصغار. وعنيت كلية المعلمين في جنوب أوكلاهوما بتدريب طلابها على إصلاح ما يلزم إصلاحه في البيت، مثل أجهزة الكهرباء وأنابيب الماء. وقد أنشأت جامعة ميامي لطلاب علم الحيوان فيها، فصلاً خاصاً لدراسة الأحياء المائية كما تعيش في جوف البحر، فيرتدي الطلاب الأثواب الخاصة التي تمكنهم من الغوص إلى قرار البحر، حيث يراقبون من نافذة في الكرة أشكال الأحياء وألوانها وسائر خواصها. عن مجلة المختار

стр. 302

متحفنا الاتنوغرافي المقبل للدكتور سليم عادل عبد الحق محافظ دار الآثار الوطنية بدمشق ومدرس التاريخ القديم في كلية الآداب. ستنفذ مديرية الآثار العامة في السنوات المقبلة مشروعاً كبيراً يعود بفوائد جليلة على التعليم السوري ويضفي كثيراً من الفخر على دمشق التي تبرهن في كل مناسبة على رغبتها في تحقيق كل ما يجعلها تلحق بخطوات سريعة البلدان التي تصرف تطور المدينة وتفتح الآفاق الجديدة للثقافة العالمية. وينص هذا المشروع على إنشاء متحف اتنوغرافي سوري في قصر العظم الذي استلمناه من مدة قصيرة من الفرنسيين بعد أن أقاموا فيه معهدهم الثقافي عهداً غير قليل. ولا ريب أن قصر العظم هو خير مكان ملائم لإقامة هذا المتحف لما له أهمية كبرى في تاريخ بلاد الشام ولموقعه المتوسط في دمشق القديمة حيث ستقوم قريباً أعمال عمرانية تجميلية تعيد إليها شيئاً من مكانتها السابقة. ووجود متحف اتنوغرافي في دمشق ضرورة لا محيد عنها، لحاجتنا الماسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مظاهر تقاليدنا وفنوننا الشعبية ولنقلها على الأجيال المقبلة وغير خاف أن الاتنوغرافيا علم يهتم بالبحث عن الدلائل المادية والمعنوية لحياة الشعب في الماضي والحاضر ويستنتج منها نتائج ثمينة تقترن وتكمل النتائج التي تصل إليها علوم الاجتماع والتاريخ وما قبل التاريخ وفقه اللغة. فغايتها إذن دراسة شعب واحد على عكس الاتنولوجيا التي تدرس مظاهر كل شعوب الأرض. ولا يخفى أن الشعب هو غير العرق ويتألف من مجموع الأفراد الذين يوجدون المجتمع ويعملون مشتركين فتنمو بينهم عاطفة الاجتماع الغامضة التي تسود كل العواطف الأخرى. ولسنا بحاجة إلى القول إن الشعب يتألف من اندماج وامتزاج عروق متعددة كشعب الولايات المتحدة وإنه يخضع في تشكله إلى ضرورات الإقليم والأرض والعوامل الجغرافية والمساكن والجو وغير ذلك. لأن الموطن هنا ينص على إيضاح الطريق الذي قطعه منذ نشوئه. وفي الحقيقة إن ماضيه مفهوم مطلق يظهر في أعماله الحقيقية ويتجلى في وحدة الإرادة والقوة الحية النازعة في اتجاه معين إلى صفة خاصة من الوجود. وما ذلك إلا لأن كل الشعوب تتكيف وتتطور حسب اتجاه خاص

стр. 303

يدفعها نحوه الجو والوراثة تحت تأثير خفي لإرادة يصعب مقاومتها، شأن الشجرة التي تنمو وتصعد فوق الأرض مسوقة إلى جهة قلما تتفق مع الجهات التي تندفع إليها بقية الأشجار. وتبيان هذه الإرادة لدى الشعوب يكون بطرق شتى. فهي تتجلى حيناً في الصورة وحيناً في الكلام، وتارة في الأناشيد والموسيقا وأخرى في آثار الفاعلية العقلية واليدوية. وما صوت الشعب بحالته الحاضرة إلا صدى للأجيال المتعددة التي سبقته والتي يمكن أن تتجسم معلوماتنا عنه في أشكال محسوسة لها قيمة خالدة كبرى إذا لم تهو إلى الأبد في زوايا النسيان وإذا قام على صيانتها في مؤسسات خاصة رجال عالمون بفوائدها التي لا تحصى. وعلى هذا فإن غاية العلم الاتنوغرافي هي البحث عن الأشكال المحسوسة التي تتبدى خلالها حياة شعب من الشعوب. ومهمة المتاحف الاتنوغرافية التي يستخدمها الاتنوغرافيون تقتضي أن تصطبغ بالصبغة الريفية وأن تأوي أوائل وأدوات تعبر عن العمل الشعبي وعن المحيط الفردي ويصح أن تنقل إلى الأجيال المقبلة معلومات ثمينة عن التطور الذي تم في الأعصر الخالية وفي عصرنا الحاضر ويجب أن تكون هذه الأوائل والأدوات من صنع الصناع والقرويين والرعاة كالأشياء المعدنية والخشبية والزجاجية المنقوشة والمنحوتة والمزخرفة، والأواني الفخارية والعربات والعجلات وأدوات الزينة والدميات، والأقمشة والألبسة وأغطية الرأس وغير ذلك. . . ولا تهتم المتاحف الاتنوغرافية بكل هذا فحسب، لأن حياة الشعب الواسعة لا تتجلى فقط خلال الأشياء المادية التابعة للمساكن والملابس والأغذية، بل تظهر أيضاً في مشاهد التقاليد الاجتماعية كالأفراح والأتراح وما يتبع ذلك من رقص وغناء وكلام ولعب والخ. . . وفي الواقع إن الأناشيد والألعاب والرقصات هي ظواهر اجتماعية مهمة في حياة الشعب ومن الواجب على القائمين على تنظيم المتحف الاتنوغرافي أن يسعوا إلى تمثيلها أو الإشارة إليها في عدة قاعات لأنها من وحي روح وقلب الشعب، وتهتز لها أوتار العواطف الشعبية. وينتج عن كل ما تقدم أن المتاحف الاتنوغرافية قوى حية لها أثر عميق في كيان الدول الاقتصادي والأخلاقي والروحي. وهي أدوات ثمينة تساعد الشعوب على التفاهم لأن تعاليمها هي تعاليم الروح والقلب الخالدين. ويمكنها أن تعطي العوام والمثقفين فيضاً من

стр. 304

المعلومات الدالة على صفات الشعوب الخاصة لأن لغتها هي لغة الروح والقلب التي تعبر عن نفسها ببساطة ودون حاجز أو ستار. وهذا ما يجعلها أعمَّ تأثيراً من المتاحف الفنية الأثرية التي لا يفهم دروسها غير الاختصاصيين. وأول واجب يلزم القيام به هو الإسراع إلى جمع التحف الاتنوغرافية وإلى تصنيفها إلى مجموعات تعرض بطرق وأصول وأساليب خاصة بها. لأن هذه المجموعات لا تشبه مجموعات التماثيل واللوحات الحجرية المنحوتة أو المنقوشة أو الصور وغيرها وهي أوسع منها ويقصد منها غاية تخالف الغاية المتوخاة من عرض الأشياء المتقدمة التي يسعى إلى تنظيمها حسب طريقة تظهر تأثيرها الفني على وجه كامل. فطريقة العرض في المتاحف الأثرية والفنية تستمد مبادئها من مذاهب التسلسل التاريخي أو التوزع الجغرافي أو الصنعة أو الأسلوب. أما العرض في المتاحف الاتنوغرافية فصعب، يتحتم أن يكون على طريقة كشفية تظهر أصدق صفات الوثائق المجتمعة، ويرجع ذلك إلى أنه لا يوجد شيئان اتنوغرافيان يشبهان بعضهما كل الشبه فكما أنه لا يوجد رجلان يفكران مثل بعضهما تماماً، فكذلك لا يوجد سلتان أو مجرفتان تتماثلان كل المماثلة. لهذا فإن الزمن الذي يتطلبه إنشاء هذا المتحف في دمشق سيكون طويلاً كما أن تطبيق طريقة العرض المثلى فيه ستكون نتيجة التجربة المبنية على تهيئة علمية جيدة وعلى معلومات واسعة يقارن فيها علم الاتنوغرافيا الذي هو علم توصيفي بالعلوم التشبيهية كعلم الاتنولوجيا. ثم إن تنوع الأشياء الاتنوغرافية ناشئ عن أسباب بيولوجية بحتة وعن تنوع مظاهر الحياة الاجتماعية. فهنا يوجد سكان المدن المنصرفون إلى التجارة والصناعة بمختلف أنواعها. وهناك يقيم الزارعون والقرويون والصيادون، وهنالك تعيش قبائل البدو الرحل. وقد دعا هذا الاختلاف في تنوع حياة السكان كثيراً من منظمي المتاحف الاتنوغرافية إلى تقسيم مجموعاتهم حسب البيئات الطبيعية المأهولة. فجعلت أقسام مختصة بعرض أدوات وأوائل سكان الشواطئ، وأقسام ثانية مختصة بعرض مصنوعات سكان السهول، وثالثة لسكان الجبال، ورابعة لسكان الجنوب، وخامسة لسكان الشمال والخ. . . وأضيفت إلى كل هذا مخططات وشروح وصور وأشياء طبيعية منتزعة من وسطها الطبيعي توضح السبب الذي أوجدها، إذ إن كل مجموعة اتنوغرافية بحاجة ماسة إلى جو خاص لا يمكنها الافتراق

стр. 305

عنه دون أن تحرم من قوة تعبيرها ومن قدرتها على الكلام. وما من ريب أننا سنأخذ بالاعتبار النظرية المتقدمة لدى تنظيمنا لمتحفنا في قصر العظم، وسنعد لها بحيث تصبح ملائمة لبيئتنا. فتبدأ القاعات بعرض كل ما من شأنه إعلام الزائر عن حياة الشعب السوري العربي، والشروط الجغرافية التي يعيش ضمنها والتأثيرات الجغرافية التي يخضع إليها. فتمثل المناظر الطبيعية التي تؤلف إطاراً يعيش السكان داخلها بحسب اختلافاتها وبحسب أشكال الأفراد وتشاهد التضاريس الجغرافية على المصورات والصور والأشكال الجصية التي يستحسن أن تكون على قياس ١ ويجب أن تبين فيها البادية والسهول ٠٠٠، ١٠٠ والجبال وخط الانهدام وخطوط المواصلات الطبيعية ومجاري المياه التي تحدد العوامل المؤثرة في تجمع البشر، واختلاف أشكال منازلهم وتعدد أنواع فاعليتهم وتنوع حياتهم الاجتماعية والاقتصادية. ثم تلي قاعات تعرض فيها مصورات وصور وأشكال أخرى تبين توزع السكان في سورية ونماذجهم العرقية والأطوار المتعاقبة التي مروا بها خلال القرون الماضية، ولا بأس من إظهار هذه الأطوار بواسطة الإضاءات الكهربائية التي تري الزائرين أربعة أو خمسة ألوان مختلفة تنار على التعاقب، الأدوار المهمة التي مرتبها البلاد في تطورها العرقي. ويستظرف أن يضاف إليها صور فوتوغرافية تعطي فكرة عن المساكن الحالية حسب صناعات أهلها ومناطقهم ومذاهبهم، وأشكال جصية أو خشبية توضع في واجهات زجاجية جميلة تمثل بها المنازل الشعبية في مختلف جهات سورية. ومن الخير أن تكون هذه الأشكال على مقياس ١ ٢٠ ويشترط أيضاً أن يضاف إليها قطع حقيقية طبيعية تعطي فكرة عن حجمها الأصلي. ويجب أن تعرض أيضاً هذه القطع الحقيقية في قاعات المتحف الأخرى، إذ أنه يستحسن أن تمثل التحف الإنتوغرافية في المساكن التي كانت تشغلها وفي الجو الطبيعي الذي أوجدها. ولا بأس من أن يعاد بناء بعض المنازل الصغيرة المهمة في باحات القصر ويبين

стр. 306

فيها صفات أقسامها الداخلية أو الخارجية. فيتوفر لدينا متحف خارجي في الهواء الطلق ينضم إلى قاعات المتحف الداخلي المنظمة ويكمل تعاليمها، ويجب أن يتم ذلك دون إحداث تغييرات كبيرة تؤثر على جدران المتحف وثم تضاف إليها الأدوات الاتنوغرافية التي تتميز بها أنواع المهن الاجتماعية المختلفة كمصنوعات عمال المعادن والنجارين وصناع الفخار والفنانين وغيرهم. وبعد هذه المقدمة العامة عن جو البلاد الطبيعي وعن سكانها ومشاغلهم تبدأ في قسم من القاعات الأخرى دراسة تحليلية عن مدنية شعبنا المادية. فتمثل عاداته بصورة حسنة مجسمة. فيرى مثلاً كيف تعمل الأغذية وتعرض نماذج منها مع أشكالها والأدوات والقوالب التي تستعمل في صنعها. ومما لا شك فيه أن الألبسة يجب أن تحتل مكاناً واسعاً في هذا الجناح، ويلزم أن يشاهد الزائر بعض التفاصيل عن حياكتها ويرى الآلات والأدوات التي كانت تستعمل في هذه الغاية. وتتبع نفس الطريقة في عرض أغطية الرأس والأحذية والحلي وأدوات الزينة وغيرها. ولإتمام الغاية من عرض هذه الأشياء يجدر استخدام التماثيل الخشبية أو الجصية والصور الفوتوغرافية التي تمثل مشاهد شائقة من حياة القرية. وبعد عرض هذه المجموعات التي تمثل ثقافة الشعب المادية يداوم على عرض مجموعات أخرى يتعرف بها الشعب على خوالج حياته الروحية وعاداته ومعتقداته وما اتخذه من رموز وأزجال وقصائد وأغاني ليعبر بها على نوازع نفسه. فيبدأ هذا الجناح من المتحف بعرض الوثائق الخطية والمطبوعة التي تدل على تطور المهن والمنظمات الشعبية في سورية ويأت دور الأشياء التي تتعلق بأعياد السنة فتمثلها في زخرفتها الطبيعية، وثم الوثائق الدالة على سنوات الولادة والزواج والموت. ويمثل أيضاً تاريخ الطب الشعبي بما كان يستعمل الطبيون لشفاء مرضاهم من عبارات وأدوات مختلفة وصل إلى عصرنا كثير منها وما زالت تنشر وتستعمل في المدن والقرى. ثم تمثل لهجات المناطق السورية وآدابها ولغتها التي كان لها أثر كبير في إنشاء ثقافتنا الشعبية فتكتب النكات والأقاصيص والأحاجي والألغاز على رقعات خاصة، وتمثل الآلات الموسيقية والمقاهي والملاهي والمسارح الشعبية وغيرها من الأدوات التي تعبر عن

стр. 307

مظاهر لهوِ وجدِ أمتنا في عصورها الماضية. وأخيراً يخصص مكان يسمى سورية في العالم الغاية منه تبيان الإشعاعات الثقافية التي صدرت من بلادنا إلى غيرها من الأقطار والتي تثبت إلى حدٍ بعيد مساهمتها في بناء المدنية العالمية. ومن المفيد أيضاً أن يفرد جناح خاص في قصر العظم تعرض فيه الأشياء المادية وغيرها التي تتعلق بتاريخ دمشق في القرون الأخيرة. فتمثل بواسطتها حياتها العامة والخاصة، وترى أسواقها القديمة التجارية التي أخذت من مدة قريبة تختفي تحت معاول الهدامين وحوانيتها وحماميها ومدارسها، ومجالس حكامها ودكاكين باعتها وصناعها، ومجتمعات رجالها وحياة نسائها وذلك حسب ما بلغنا من ذكريات عن مدنيتنا نسعى إلى حفظها خلال نماذج جصية وخشبية يصنعها فنانون يغذي خيالهم ويقود أيديهم المختصون في هذه الأبحاث. والفائدة المرتجاة من هذا المتحف عظيمة الأهمية نظرياً وعملياً. ويقول الألماني (بفاف جيسبرج) منظم أحد المتاحف الإنتوغرافية المشهورة: إن فائدة المتاحف الاتنوغرافية لا يجب أن تقتصر على إعطائنا معلومات نظرية مجردة بل يجب أن تتعداها إلى فوائد اجتماعية محسوسة. إذ أنه يمكن أن تنشأ بالقرب منها المقاهي والمطاعم ولا مانع في أن تعزف في داخلها وفي باحاتها الأجواق الموسيقية الشعبية. وليس من ضيرٍ أن تقام فيها الحفلات الثقافية والحفلات الراقصة وغيرها. والغاية المثلى أن يصبح المتحف حياً وأن ينتبه الناس إلى أهمية محتوياته وكنوزه فيقبلون على دراستها فتنتشر المعرفة وينمو الذوق بين الناس. وليس بخافٍ أن إقامة هذا المتحف تتطلب جهوداً كثيرة ودراسات واسعة وتصاميم متعددة تتعدل حسب ما يطلبه الرأي العام. والأساتذة والمعلمون هم أول المدعوين للمساهمة في إخراجه إلى حيز الوجود، لأنهم قادرون على توجيه الذين سيعملون فيه بإيحائهم وأفكارهم ودراساتهم في المناطق السورية التي يعيشون فيها من جهة، وعلى مساعدة مديرية الآثار العامة في جمع الأدوات والثياب وأدوات الزينة وغيرها التي تعبر عن ثقافات البلاد الشعبية من جهة أخرى ونحن منتظرون من جهودهم خيراً كثيراً من تحقيق هذا المشروع الذي سيعود عليهم وعلى تلامذتهم بالخير العميم.

стр. 308

سليم عادل عبد الحق

стр. 309

نهاية العالم للدكتور محمد علي صبري الخبير الجولوجي في وزارة الاقتصاد الوطني تناقش العلماء والكتاب كثيراً في هذا الموضوع، فمنهم من استند على الوثائق العلمية وأخذ من ماضي الكرة الأرضية عبرة واهتدى بها إلى نظرياته في المستقبل ومنهم من أذعن إلى الأساطير واقتنع بما جاءت به الكتب الدينية وما روته الأخبار. لندرس الموضوع من ناحيته العلمية وهي أقرب الوجهين إلى العقل والمنطق. إننا لا نجاري رأي الفلكيين في هذا الباب ولا نعتقد باصطدام مزعوم يقع بين الكرة الأرضية والنجوم المذنبة. وقد لاح لنا أن اصطداماً من هذا النوع نادر جداً في دوائر النظم السماوية. فالطبيعة لا تعرف الوثبات الفجائية: والجيولوجيون لا يعتقدون بحدوث ثورات فجائية، ولا يعيرون اهتماماً إلى الانقلابات الأرضية، لأنهم علموا تماماً أن كل ما يقع على الكرة الأرضية وخارجها يسير سيراً تدريجياً بانتشار بطيء: فالأسباب الحالية في العرف الجيولوجي هي أسباب دائمية. من المفجع فعلاً أن نتصور أن الكرة الأرضية وما عليها ستنقلب في يوم من الأيام إلى مأساة عالمية: ومن المحزن حقاً أن نرى تأثيرات القوى الطبيعية التي تعمل اليوم تهدد كوكبنا الأرضي بخراب لا بد منه. أفلا تلوح القارات الأرضية في تضعضع دائم؟ فكيف يمكن إذن أن نتصور خلود هذه الأرض التي عاشت عليها ملايين وملايين من البشر قبل أن نعيش عليها نحن اليوم؟ فإذا ما رأينا عليها تلك التماثيل التاريخية الرائعة والآثار القديمة النائية على هيئة آثار بالية ذلك لا لأن الأرض قد أبت أن تعيرها كتفاً ثابتاً وإنما لأنها قد اضطرت أن تتحمل شتائم الدهر ولاسيما الإنسان! ورغماً عن أن تقاليدنا تنحدر عن عصور بعيدة، فهي تنبئنا بان مجاري الأنهر التي تسيل عليها اليوم هي هي قبل مئات ومئات من السنين، وارتفاع الجبال هو هو كما كان عليه قبلاً: فإذا ما أغلقت بعض المجاري أو قامت بعض الانقلابات فإن خطورة ذلك ضئيلة لا أهمية لها بالنسبة إلى كتلات الأرض الهائلة ولا تحملنا على التكهن بخراب نهائي للكرة الأرضية.

стр. 310

هذه هي فكرة من يوجه إلى العالم الخارجي نظرة سطحية بسيطة. غير أن النتيجة التي يتوصل إليها أولئك المشاهدون الذين قد اعتادوا أن يعطوا الحوادث والتغيرات التي تجري حولهم حقها، وإن كانت بسيطة، وينظروا إليها بعين يقظة حذرة، ففي كل خطوة وفي كل لحظة يستطيع المراقب فيها رؤية شيء على الأرض يلاحظ آثار جهاد متواصل أقامته قوى الطبيعة الخارجية ضد أي عائق يبرز فوق مستوى سطح البحر الذي يخيم تحته السكون العميق والراحة الدائمة. فالأمطار والجليد والثلوج والهواء والينابيع والسواقي والجداول والسيول والأنهر وجميع العوامل الجوية قد اعتصمت على تغيير وجهة الأرض تغييراً دائمياً. وقد حفرت المجاري المائية الأودية الكبيرة ثم غمرتها الأراضي اللحقية فيما بعد. فكل ما هو على الأرض متغير لا انقطاع فيه. هنا يتلطم البحر بشدة فوق الشاطئ ويؤخرها من قرن إلى قرن وهناك تهوي أقسام جبلية فتبتلع في برهة وجيزة عدداً من القرى وتزرع الخراب والدمار بين أشد المقاطعات ازدهاراً، وتفكك الثلاجات والسيول معظم الجبال والهضاب وتشتد الأمطار الكثيفة فوق مخاريط البراكين فتقيم فيها الهوات العميقة ثم تهوي عليها الجدران القائمة ولا يبقى منها إلا آثاراً بالية تبرز فوق تلك الاندفاعات الجبارة وها قد دنت جبال الألب والبيرنه في أوربة إلى نصف ذلك الارتفاع الذي كانت تنتصب عليه قبلاً. ولا يقل عن ذلك قوة ما تقوم به الأنهر الكبرى من التأثير كالغانج في الهند والمسيسبي في أمريكا وكلاهما يحمل في مياهه ذرات معلقة، وكل حبة من الرمل تعكر صفو تلك المياه هي قطعة أرضية قد اقتلعت من الأرض. وتحمل المياه إلى مستودعات البحر الهائلة بشكل متواصل بطيء كل ما تفقده الأرض وليست تلك المواد اللحقية التي تتراكم عل الدلتا شيئاً يذكر أمام المستودعات التي يتلقاها البحر يومياً ليوزعها على أغواره الكبرى. ولا يزال علم الجيولوجيا يؤكد على كل نقطة من الأرض هذه النتيجة الواضحة وخلاصتها أن سطح الأرض، عرضة إما إلى تغييرات درجات الحرارة وإما إلى تعاقب الجفاف والرطوبة والصقيع وذوبانه وإما أيضاً إلى تأثير الديدان أو النباتات المتواصل: وهو من الأعمال المفككة الهدامة التي تأخذ بأشد الصخور تماسكاً وصلابة. تتدحرج القطع الجبلية الصغيرة بادئ ذي بدء على المنحدرات أو على مجاري السيول حيث تتحور وتتحول شيئاً

стр. 311

فشيئاً إلى حصى ورمال وينتهي بها الأمر إلى الطين أو الوحل أو تكتسب داخل الأنهر قوة كافية لتنتقل تدريجياً إلى المصبات. فليس من الصعب إذن التكهن عن نتيجة إحدى هذه التأثيرات. ولا يترنم قانون الجذب إلا عندما تكتسب المواد التي تخضع إلى مملكته المكان الراسخ على الأبد، ذلك ما سيقع في يوم من الأيام عندما لا تقوى هذه المواد على الهبوط. ولذلك يجب أن تلغى جميع الانحدارات التي تهبط إلى البحار وهي - أي البحار - الذخيرة المشتركة التي تنتهي إليها كل حركة على الأرض وأن تتوزع جميع الذرات المتراكمة فوق القارات في أعماق البحار. والخلاصة إن فحوى التأثيرات الهدامة التي تكلمنا عنها يجب أن تكون في تسوية الأرض تسوية تامة، أو بالأحرى هدم جميع التضاريس التي تقوم على سطح الكرة الأرضية. إن جميع ما ينجم عن الائتكال الذي تقوم به المياه الجارية يجب أن يكون في إقامة قمم حادة تنتهي فيما بعد إلى سهول مستوية تماماً لا يمكن أن يقوم عليها في النهاية أي مرتفع يفوق الخمسين متراً. ولكن هذه القمم الحادة التي يجب عليها أن تقوم على أثر انفصال الأحواض المائية عن بعضها لا يمكنها أن تدوم طويلاً في أي مكان على الأرض، لأن الثقل وتأثير الرياح ومفعول ترشح المياه واختلاف درجة الحرارة تكفي وحدها لحدوث انهيارات متوالية. وهذا ما يبرر قولنا من أن النتيجة التي ربما سينتهي إليها الائتكال البري هي في تسوية الأرض تسوية تامة ترتفع إلى مستوى يساوي تقريباً مستوى المجاري المائية عند مصب الأنهار. فإذا ما حافظت شروط البر والبحر المتبادلة على ما هي عليه فإن تضاريس القارات لا بد وأن تزول في يوم من الأيام. ترى ما هي المدة الكافية لذلك؟ إذا فرشنا جميع الجبال والمرتفعات القائمة على الأرض لظهرت لنا القارات كسطح مرتفع يحيط بالبحار والمحيطات الحالية على ٧٠٠ متراً، وإذا سلمنا من أن سطح القارات الكلي يقدر ب - ١٤٥ مليون كيلو متر مربع لكان حجم الكتل البرية البارزة ١٤٥. ٠٠٠. ٠٠٠ ٠. ٧ وبكلمة أخرى مساوياً إلى ١٠١. ٥٠٠. ٠٠٠ وبرقم مختصر إلى ١٠٠ مليون كيلو

стр. 312

متر مربع، وهي ذخيرة لا شك قيمة في حد ذاتها ولكنها ليست هائلة أمام تأثير قوى الأرض الهدامة. وقد قدر العلماء أن ما تأتي به المياه الجارية من المواد التي تقتلعها من الأرض هي ١٠ كيلو مترات مكعبة و٤٣ كل سنة، فلو كانت الأرض كما ذكرنا سطحاً مرتفعاً منسجماً علوه ٧٠٠ متراً عن سطح البحر لفقد هذا السطح كل سنة، من جراء المياه الجارية فقط طبقة أرضية تقدر بسبعة سنتمترات الميلمية، وبكلمة أخرى ميليمتراً واحداً كل ١٤ سنة أو ست ميليمترات كل قرن. وهذا وحده كاف ليرينا مفعول الائتكال البري الحالي، وفي استطاعته هدم جميع الكتل الأرضية البارزة في مدة لا تتجاوز ١٠ ملايين سنة. ليست الأمطار ومجاري المياه قائمة وحدها في هدم الكرة الأرضية بل إن هناك عوامل أخرى تشترك معهما في دمار الأرض المتدرج. أولها الائتكال البحري. وخير مثال على ذلك هو ائتكال السواحل البريطانية المعرضة إلى تحطيم أمواج الأطلنطيق التي تدفعها الرياح من الجنوب الغربي. وقد قدر الإنكليز أن أراضيهم تتراجع ثلاثة أمتار كل قرن. وإذا لاحظنا ما تقوم به البحار من الائتكال على جميع الكرة الأرضية وأضفناه إلى ما تقوم به المياه الجوية والأنهار كانت إبادة العالم الأرضي واقعة في مدة لا تتعدى ٨ ملايين من الأعوام. ليس الماء عاملاً ميكانيكياً فحسب فإنما هو من الوسائط المحللة أو المذيبة ومفعوله أعظم بكثير مما يعتقده كل إنسان وذلك على أثر النسبة الهائلة التي تحتوي عليها المياه من حمض الفحم سواء استحصلت عليه من الجو أم عثرت عليه في تفتيتها مواد الأرض العضوية، تدور هذه المياه عبر جميع الأراضي وتكتسب منها تلك المواد التي تقتلعها من الأرض عند احتكاكها احتكاكاً كيماوياً مع معادن الأحجار الأرضية وتحتوي مياه الأنهر ما يقارب على ١٨٢ طن من المواد المحلولة في كل كيلومتر مكعب، وتجلب جميع الأنهر كل سنة إلى البحر ما يقدر بخمس كيلومترات مكعبة من المواد المحلولة. وعلى هذا لا يكون دمار الأرض في ٨ ملايين سنة وإنما في أقل من ٦ ملايين سنة. ولا يجب أن يغرب عن بالنا أن هذه الرسوبات التي تأتي بها المياه إلى البحر تحتل مكان كميات معلومة من المياه يضطر إلى أثرها مستوى البحر أو المحيط إلى الارتفاع

стр. 313

وبارتفاعه يتناقص ارتفاع الكتل الأرضية، وبالتالي لا تكون مدة خراب الكتل الأرضية ٦ ملايين سنة بل أقل منها بكثير وبكلمة أخرى ٤ ملايين سنة فقط! فيكون البحر بذلك قد غمر بعد هذا التاريخ كافة أنحاء الكرة الأرضية. هذه نظرية من نظريات الجيولوجيين في هذا الموضوع. أما آراء علماء الأحوال الجوية وعلماء الطبيعة والفلك فهي تختلف تمام الاختلاف عن زملائهم علماء الجيولوجيا. فقد برهن البعض أن نهاية العالم واقعة في أثر زوال المياه عن الأرض، ذلك مما يناقض رأي الجيولوجيين تماماً وزعم الآخر بأن البرد والصقيع من عوامل الخراب والدمار، واعتقد الآخرون باصطدام بين كوكب الأرض والكواكب الأخرى وقالوا بحدوث حريق تلتهب فيه الطبقة الجوية! أو بانتشار غازات سامة تقذف بها المذنبات الشريرة. الدكتور محمد علي صبري

стр. 314

التربية المسلكية للأستاذ ماهر الكيلاني إننا في بلد لم يأخذ بعد شعوراً واضحاً بوجوده المسلكي المهني فكل منا إنما يحصل على مهنته عن طريق العادة الآلية التي لا ينيرها التفكير إلا بقبس ضئيل ومن حين إلى حين. ولو أننا استثنينا بعض المهن كالطب والصيدلة والمحاماة فإننا لنجد غيرها كالتجارة والزراعة والصناعة إنما نتوصل للاختصاص بها عن طريق التجارب الخبرية دون أن يكون للعلم يد في إعطائنا ذلك القالب الاختصاصي وصبغنا بذلك اللون المهني. قد يقال: ألست بهذا تنكر الأهمية البالغة لما قامت وتقوم به مدارس التجارة والصناعة ومدرسة الزراعة من أثر علمي فعال في هذا الحقل أي حقل التخصص بهذه الفعاليات المسلكية عن طريق الدراسات النظرية والعملية؟ إنني لا أنكر ذلك ولا أتغاضى عنه إلا أنني إن أنكرت فإنما أنكر القيمة الرفيعة التي يمكن أن تعطيها مدرسة تجارية أو صناعية أو زراعية لطالب ذو ثقافة ابتدائية ولما يحصل بعد بها إلا على قدر ضئيل من العلم، فهم المدرسة الوحيدة لا بد وأن يكون خلال السنوات الثلاثة التي يقضيها الطالب بين جدرانها موزعاً بين دراسات ثقافية بها ترفع سويته العالمية وأخرى مسلكية. فهل بالإمكان أن يتملك شخص ما من مهنته بصورة جيدة وأن يفهم أسرارها العميقة ومقوماتها النظرية والعملية خلال تلك المدة القصيرة سيما وأن ثقافته العامة قد تستوعب شطراً كبيراً من هذا الوقت مما لا يبقى معه للدراسات المسلكية إلا القسم الطفيف؟ إننا نشعر ويشعر معنا المفكرون الناجحون من أبناء هذه الأمة أن الدراسات المسلكية لدينا ضعيفة المستوى من الوجهتين النظرية والعملية. فهي لا تخلق عند الشخص المتخصص الشعور الواضح النير بوجوده المسلكي وانصهار شخصيته به مما يجعله لأقل ارتطام بصعوبات الحياة القائمة يتخلى عن هذا الطابع المسلكي الذي به انخرط في أول حياته ليفتش عن طابع آخر في مهنة التعليم أو في وظائف الدولة أو في غيرها ليؤمن بذلك حياته ومستقبله، وبهذا نرى أنه ينقصنا ذلك الإيمان وتلك العقيدة بالمهنة ولاسيما عند أولئك المتخصصين بهذه الفروع الثلاثة. والدواء الناجع الوحيد الذي يمكننا به أن نخرج كأمة ناشئة من هذا المأزق الحرج وأن

стр. 315

نوجه فعاليتنا العلمية وجهة عملية مسلكية مهنية إلى جانب وجهتنا النظرية هو أن تتبنى الحكومة سياسة تعليمية مسلكية بها تضع برنامجاً عاماً للتعليم تسير بموجبه على أن تصطبغ تلك السياسة بمسحة عملية حتى تتمكن الحكومة من أن تقاوم ذلك التيار الجارف الذي يدفعنا إلى المهن الكلامية وإلى التوظف في دوائر الحكومة. وإني أريد أن أرسم فيما يلي الخطوط الكبرى لتلك السياسة على أن أوفق إلى ذلك ضمن الإمكانيات التي يقدمها لنا العلم وضمن إمكانياتنا الحالية. إن المبادئ الغزيرة التي يجب أن تقود خطانا في تربيتنا المسلكية يجب أن تستمد وجودها من مبدأين: ١) أن يكون التخصص قائماً على فحص وملاحظة قابليات الفرد واستعداداته وأن لا نعطي لشخص ما مهنة بناء على رغبته الشخصية أو رغبة أوليائه وإنما بناءً على ملاحظات وفحوص طبية ونفسية وفيزيولوجية واجتماعية حتى يتبين لنا من خلالها طابع الشخص الفردي واستعداداته ومواهبه وقابلياته فإذا توصلنا إلى ذلك وجهنا تلك القابليات الفطرية الوجهة التي تلائمها عن طريق المهنة. ٢) أما المبدأ الثاني فهو مشتق من المبدأ الأول وخاضع له وهو مبدأ تكافؤ الفرص وبه نجعل نقطة البدء في الحياة واحدة ومن ثم نجعل الفرص التي نعطيها للشخص الناجح في حياته متكافئة من حيث قيمها، فإذا نحن اطلعنا على خصائص الشخص وقابلياته بصورة محكمة وأعطينا له المهنة التي تتلاءم مع هذه الخصائص نكون قد طبقنا حقاً هذا المبدأ وسمحنا للجميع بأن يظهروا كفاءتهم في حياتهم المقبلة. وبهذا نرى أن التربية المسلكية إنما تعنى في الدرجة الأولى للتعرف على إمكانيات الطفل ومدى هذه الإمكانيات حتى تعطي للطالب عن طريق المهنة طابعه الشخصي الخاص، والذي له في أعماق ذاته جذور متينة من دوافع وميول واستعدادات وبهذا فالتربية المسلكية تظهر من جهة شخصية الفرد ومن أخرى تسمح له بأن يستعمل شخصه حسب طبائعه الخاصة وضمن حدودها وقد قال بهذا المعنى في كتابه ما يلي: يجب أن يستخدم كل شخص حسب طبائعه الخاصة، إذ أننا بإجهادنا أنفسنا لنحقق المساواة بين الرجال قد محونا الصفات الشخصية التي كانت جداً مفيدة بسعادة كل شخص تتعلق بتألقه التام مع العمل الذي يلائمه.

стр. 316

ولتطبيق هذين المبدأين على الحياة المدرسية وللاستفادة منهما في التوجيه المسلكي خلال الحياة الدراسية لا بد وأن يمر الطفل بمرحلتين: ١) مرحلة تحضيرية وبها تكون استعدادات الطفل وقابلياته وميوله كامنة لم تبرز إلى الوجود، فوظيفة المربي في تلك المرحلة أن يقوم بإيقاظ وبعث تلك المواهب والاستعدادات الفطرية وبالتعرف عليها ومعرفة طبيعتها وذلك لا يتم إلا بوضع الطفل باحتكاك دائم مع العمل وأن يعمل الطفل بنفسه فيلاحظ المربي أثناء ذلك المشاغل التي تجذب انتباه الطفل والتي تسيطر على فعاليته. ٢) مرحلة تدريبية وهي بالأكثر مرحلة المدارس الثانوية وبها يتعرف المربي على اتجاه تلك الاستعدادات ومدى قوتها وحينئذ يسعى لتمرينها وتوجيهها في ذلك الاتجاه دون غيره على أن يقرن إلى هذه الاستعدادات الفطرية استعدادات مكتسبة من طبيعتها ومقوية لها. فالمرحلة التحضيرية ليست مرحلة اختصاص بالمعنى الصحيح وإنما هي مرحلة تسبق الاختصاص وتهيؤه إذ بها توقظ عند الطفل بواسطة فعاليته الخاصة المواهب والاستعدادات والقابليات الموجودة لديه. ولرب معترض يقول: أليس في اتجاه التربية الحديثة من جعل التعليم في المدارس الابتدائية عملياً ما يسمح لنا أن نقول أن القصد منه هو جعل التعليم الابتدائي ذو صبغة مهنية؟ وجواباً على هذا نقول: إذا كان القصد بالتعليم العملي التعليم المهني أي تعليم الطفل حرفة يرتزق منها فمن المتفق عليه بين عموم رجال التربية الحديثين أن هذا لا يمكن أن يتم أو يكون في المدرسة الابتدائية وذلك لأن الطفل في هذا السن لا يساعده نموه العضوي والعقلي والثقافي على أن تبرز مواهبه الكافية بصورة واضحة جلية حتى نتمكن من أن نوجهها توجيهاً مهنياً ودليلنا على ذلك أن الأطفال الذين يوضعون في هذا السن في مهنة ما كمهنة الخياطة مثلاً لا يتمكنون من أن يتعلموا تلك المهنة ولهذا فإنهم يقومون بأعمال تابعة لا تتصل إلا من بعيد بتلك المهنة وسبب ذلك أن الطفل ينقصه الانتباه الإرادي المتمركز حول هدف معين وفكر الاستقرار والنيات الذي تتطلبه المهنة. فما هو غرض رجال التعليم الحديثين من جعل التعليم عملياً ولاسيما في الريف؟ إن الغرض من ذلك ليس مهنياً وإنما القصد منه ربط التعليم بالحياة مما يجعله ذا أثر فعال في النفوس وقد أوضح هذه الفكرة كاندال من أبرز رجال التربية في أمريكا إذ قال: إذا صح

стр. 317

القول أن عمل التربية الحديثة هو أن نلائم بين التعليم وبين مقدرة التلاميذ واستعدادهم وأن نبني نظمه على المحيط الذي فيه يعيشون، وأن نزيد ونضيف إلى ثروة ذلك المحيط فإنه لا مناص من أن يستخدم التعليم الريفي مادته من المحيط الريفي ويتلاءم معه وليس معنى هذا أن يقتصر تعليم التلاميذ على المحيط الذي يتفق أنهم يعيشون فيه بل معناه أن يكون التعليم بلغة تدل على معنى عند المتعلمين. . . فالمدرسة الريفية التي لا تكون لها مثلاً قطعة من الأرض وبعض الدواجن من الحيوانات التي يمكن للتلاميذ بواسطتها أن يتفهموا ما يدور حولهم من النشاط لا تكون مدرسة تؤدي عملها. وليس قصدنا من أن نجعل التعليم لهؤلاء التلاميذ مهنياً وإنما نقصد إيجاد العلاقة الواجب قيامها بين المدرسة والمجتمع. هذا وزيادة على ذلك فإن انصباب الطفل على فعاليات مختلفة خلال هذا السن مما يفجر ينابيع استعداداته الكافية من جهة ومن جهة أخرى فإنها تجعل المعلم المتنبه إلى جميع حركات الطفل وسكناته أن يقدر المشاغل التي تجذب انتباه الطفل والأعمال التي برع ويبرع بها فيسجل ذلك لديه يوماً بيوم وعن كل طفل حتى يكون ذلك كسجل نرى فيه الخط البياني لفعالية الطفل خلال سني دراسته الابتدائية. فاستعدادات الطفل وقابلياته وميوله لا تظهر بصورة واضحة إلا حينما ينصب على تفهم حقائق هذا الوجود بصورة عملية حسية، وإلا إذا أخذت شكلاً مادياً وتبلورت حول أعمال خاصة تسهل علينا معرفة تلك الميول وهذه الاستعدادات. فنحن نحكم على استعدادات الطفل وقابلياته الكامنة في أعماق ذاته من خلال الفعاليات التي ينصب عليها لتكييف ذاته الباطنية مع كيانها المادي الخارجي. فالجملة الأميركية التي يطلق عليها اسم (تعليم المعرفة بواسطة العمل لقد وجهت بسهولة في اتجاه مهني أو بالأحرى باتجاه تحضير الطفل تحضيراً عاماً للمهنة التي سينصب على إتقانها في مستقبل أيامه، إذ أنها تسمح للطفل بأن يمرن أعضاءه على العمل وحواسه على الملاحظة فيكتسب بذلك مرونة عامة تنفعه للتكيف بسهولة مع مهنته التي بها سيتخصص في مستقبل أيامه. إن هذه الجملة مستوحاة من نظرية فروبل ولقد غذيت على الأخص بالمذهب العملي الخاص بالأنكلوساكسون ومدار هذه الفكرة أن الطفل بطبيعته ملاحظ وله عاطفة شديدة عن شخصيته ويجد في العمل امتداداً لتلك الشخصية ويحركه إلى

стр. 318

العمل ذوقان شفقة بالفعالية وحبه للبناء فهو مبدع. ومن هنا يأتي أهمية الرسم والأشغال اليدوية التي ندركها لا كفنون تربوية ولكنها كواسطة لكل تربية إذ بها يشترك الجسم والجملة العصبية للحصول على كل معرفة ولهذا تستند تلك الطريقة على المبدأ القائل (لا يمكننا أن نفهم جميلاً إلا ذلك الذي صنعناه بأنفسنا). ومن هنا تظهر أهمية مرحلة الحضانة والمدرسة الابتدائية فهذا العهد ليس عهد الاختصاص وإنما هو العهد الذي تتمرن حواس الطفل ويداه وتصبحان أكثر مرونة وطلاقة وتنتظم حركاته وتتسق فيما بينها وتنساق إلى العمل بسهولة حتى إذا أتى عهد التخصص لم يجد الطفل صعوبة بالانكباب على العمل وتوجيه انتباهه نحوه ووجود لذته فيه ومن ثم لا يجد صعوبة بأن يبدع ولاسيما في سن المراهقة الذي هو بالدرجة الأولى عهد الإبداع. فأهمية المدارس الابتدائية من هذه الناحية تنحصر في الأمور التالية: ١) تمرين فعالية الطفل وأعضائه وحواسه تمريناً يسهل معه عل الطفل الانكباب على فعالية خاصة في مستقبل أيامه. ٢) وذلك التمرين يفجر ينابيع استعدادات الطفل وقابلياته فهو عهد تفجير القابليات الكافية. ٣) وبذلك يتعرف المعلم على نوع المشاعل والفعاليات التي تشغل الطالب والتي يبرع بها ويسجل ذلك لديه حتى إذا خرج الطالب من المدرسة كان له سجل خاص ينتقل معه إلى المدرسة الثانوية حتى يكون كنقطة استناد لتقدير الاتجاه الذي يجب أن يأخذه الطالب في دراساته. ماهر الكيلاني

стр. 319

ذهول المفكرين أصيب الأديب الألماني الكبير ليسنج في أخريات أيامه بنوع من الذهول والنسيان. . فحدث ذات ليلة أن عاد على منزله وهو مشغول بالتفكير في عمل هام يريد إنجازه، فلما بلغ الباب اكتشف أنه قد نسي المفتاح في الداخل، فدقه مراراً وسمع الخادم الدق فأطل من نافذة كي يرى من الطارق، لكنه لم يعرف سيده في الظلام، وظنه زائراً غريباً، فقال له: إن الأستاذ لم يعد بعد من الخارج فأجابه سيده وهو يستدير عائداً من حيث أتى: حسناً!. . . قل له إنني سأزوره في وقت آخر.

стр. 320

التسامح للأستاذ خالد قوطرش يقول فولتير: ليس إنساناً كل من يضغط على غيره لمخالفته في رأيه والتسامح كان أبداً من صفات كبار المصلحين وعظماء الإنسانية الخالدين. أولئك الذين دفعوا عجلة التقدم وشاركوا في بناء الحضارة، أما التعصب والتزمت والاستئثار بالرأي والرغبة في فرضه على الآخرين بالقوة والتهديد والعنف، فقد كانت هذه الصفات من خصائص المغرورين المتعنتين الذين ساهموا في تقويض دعائم المدنية إلى حين، وعملوا على تهديم التعاون بين الأفراد والجماعات. والغرور مبعثه الأنانية وسلاحه ذو حدين، يرضي بحد وإلى وقت معين غرور المغرور، ويحز بالحد الآخر رقبة صاحبه. وما حوادث هتلر زعيم المغرورين في دنيا قرن العشرين ببعيدة عن ذاكرة الناس. . . إن دارس التاريخ العربي الإسلامي، يدرك من خطبة أبي بكر في جيش أسامة قبل غزو الإسلام، وأمره الجنود باحترام الشيوخ وعدم التعرض للأطفال والنساء والرهبان، مدى اتساع المدنية التي بشّر بها الإسلام. وكذلك المسيحية في أول عهدها، أما المذابح الدينية التي حدثت في الغرب والشرق: في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا، سواء بين المسيحيين أنفسهم من بروتستانت وكاثوليك أو بين هؤلاء وبين المسلمين، وتعذيب وإعدام كثير من العلماء والفلاسفة الذين جاؤوا بحقائق علمية جديدة كغاليلة وبرونو وابن الحلاج وغيرهم وإذا ما أضفنا إلى هذه المآسي والمخازي، التي شوهت ناصية التاريخ القديم، معسكرات التعذيب والتقتيل والإفناء في الحروب الحديثة، لتأكد لدينا أن مبعث هذه الحوادث والفتن كان التعصب الديني أو العنصري. ولن يعد التاريخ مثيريها وموقديها من حماة الحضارة وسلالم الرقي. . . وكذلك الجدل المتعنت، والقول الشطط، والباطل المتطاول، والتمادي في تبني هذه العلل المعوجة، ضرب من ضروب التعصب الذميم أو هو التعصب نفسه. ومن هنا يمكن أن ننتقل إلى بحث أخلاقي في التسامح وتحديد آداب المناظرة وكيفية المناقشة مع الناس، نلقنها للصغار في درس الأخلاق أو في إحدى المناسبات، مستعينين بالوسائل والمواد التي يتعلمونها ويشاهدونها في وسطهم المدرسي. كأن يكتب المعلم مثلاً
следующие страницы →