← Джавами‘

Джавами‘ · id 73354

مجلة «المعرفة» السورية

عادل العوا

Полный текст (608 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

سنةً إلى التاسعة عشرة إلى أول تعبيرٍ عن نفسه، ويتحدّد سلوكه ويأخذ تفكيره شكلاً شخصيّاً، ولا يظهر كأنّه مجهولٌ من محيطه، إذ ينبثق بواسطة الأزمة كلّ ما هو خاصٌّ به وفرديّ، وتتكوّن طباعه، وتهدأ نفسه، ويرجع إليه التّوازن والطمأنينة، ويشعر الفتيان والفتيات في هذه السّنّ بهناءةٍ نفسيّةٍ، ويتذوّقون لأوّل مرّةٍ جمال الحياة الهادئة، فهو تفاهمٌ بين الفرد - والمحيط. يحتفظ الفتى بعد أن يجتاز مرحلة الأزمة بحيويّته التي تقود إلى مجابهة المحيط بشجاعةٍ وإقدام، ويمكننا بعد ملاحظة الحالات المختلفة للأزمة أن نقبل بالنتائج الآتية: إنّ المراهقين الذين مرّت بهم اضطراباتٌ عنيفةٌ من جرّاء الأزمة بعيدون عن أن يصبحوا، وهم راشدون، أصحاب إرادةٍ قوية، بل يكون منهم الشّاعر، والفنّان، والمفكّر والعامّي. إنّ الأزمة التي درسناها تدلّ على حساسية حادّة وذكاء متّقد، غير أنّها لا تكوّن الطّبائع القوية، والعكس فإنّ المراهقين الذين يكبتون اندفاعاتهم يظهرون ميلاً إلى العمل والنّجاح فيه، وهذه علامات رجال العمل الذين لا يعرفون هذه الأزمة، والذين ينظرون إليها كحاجزٍ يمنعهم من النجاح يجب أن لا تحتلّ محلّها من نفسيّاتهم. وإنّ للكاتب والفيلسوف بصورةٍ خاصّة مراهقة ثورويّة، إذ تتكوّن الهبة وتقوى مع اضطرابات الشعور المتكررة. يقول سيترين عن عالمٍ آخر: بأنّه قرر مصيره في الرابعة عشرة من عمره يريد أن يكون لغويّاً وكان له ذلك. ويقول عن نفسه أنّه في التاسعة عشرة من عمره اختار الفلسفة التي ستكون له راحةً أو على العكس خراباً ودماراً. ولاشكّ بأنّ المهنة والعائلة والعلاقات الاجتماعية تكسب الإنسان في سنّ الرّشد عناصر جديدة، غير أنّها في الحقيقة ظاهريّة والتأثير الكلي والدائم لا يكون إلا بالعناصر الناشئة عن الأزمة في المراهقة. . . . . . . ويمكننا الآن بع دراسة الأزمة وملاحظة العلائق بينها وبين تكوّن الشخصية أن نحدد النتيجة التي وصلنا إليها: إنّ جوهر الأزمة هو اضطرابٌ وقتيٌّ، غير أنّه قوي وعنيف، ينشأ مع ظهور الوظائف الجنسية التي توجّه انتباه المراهق إلى جسمه ويزيد هذا الإضراب عوامل اجتماعية تجعله كثير الانتباه أيضاً إلى المجتمع.

стр. 387

إنّ هذين الاتجاهين يتطلّبان جهداً عقليّاً كبيراً هو العنصر الأساسي لتكوين الأزمة التي تؤدّي به إلى فرض نفسه وتكوين شخصيته. فمهمّة الأزمة إذاً هي تسهيل اكتشاف الشخصية من قبل لفرد ذاته والتّكيّف مع البيئة.

стр. 388

تربية قوة التعليل لدى الأطفال يقول المربّي الإنكليزي جون لوك: شجّعوا ميل الطفل إلى كثرة الأسئلة بقدر ما تستطيعون، وأقنعوا رغباته ما دمتم قادرين على ذلك، وما دام قادراً على فهم ما تقولون.

стр. 389

الحكمة سبيل الحرية للأستاذ سعيد القضماني يعدّ فيثاغورس، برأي شيشرون، أوّل من لقّب بالفيلسوف لأنّ القدماء كانوا يطلقون، قبل فيثاغورس، لقب الحكماء على أولئك الرجال الذين جهدوا لوضع أسسٍ ثابتة للجماعات البشرية، وعلى المفكّرين الذين كانوا ينشرون بين الناس تعاليم العقل ويدعونهم لتحكيم المنطق، والشّعراء الذين كانوا يشيدون بأناشيدهم بفضائل الأجداد وأعمالهم المجيدة الباهرة ثمّ على أولئك المتشرّعين الذين خدموا الحضارة بدعوتهم لسيطرة القانون والقدّيسين والصّالحين الذين توصّلوا لكشف النّقاب عن سرّ الطمأنينة النّفسيّ والراحة الفكرية، فاستطاعوا أن يشيعوا في قلوب النّاس الأمل الحلو في حياةٍ أخرى حيث الراحة والسعادة والخلد. وعلى هذا الاعتبار عرّف شيشرون الحكمة القديمة تعريفاً تقليديّاً فقال: الحكمة هي علم معرفة الأشياء الإلهيّة الروحية والبشرية الحسّيّة ثمّ معرفة العلل والأسباب التي تسيّر هذه الأشياء. ولقد أخذ بهذا التّعريف كلٌّ من سينك وباكون وديكارت، حتى سبينوزا نفسه قد تأثّر بهذا التعريف عندما قال: غاية الفلسفة الأولى معرفة أثر الحكمة الإلهية في تسيير نظام الكون. أمّا فيثاغورس فلم يشأ أن يصطنع لنفسه لقب الحكيم بل ارتضى، بكلّ تواضعٍ، بلقب الفيلسوف معناه الباحث عن الحكمة أو محب الحكمة. والحق فإنّ هذا الحكيم الكبير كان يمارس علماً تامّاً من شأنه إرضاء نهم العقول المتفتّحة وإشاعة السكينة والطّمأنينة في النفوس القلقة، وغية هذا العلم معرفة لمبادئ العليا التي تسيّر العالم والقوانين الثّابتة التي تربط بين الإنسان والطبيعة ومن ثم معرفة النّظام الإلهي الكامل الذي يسود هذا الكون البديع ذا السماء الساطعة والكواكب المتلألئة. على أنّ هذا العلم، كما يقول سينه، فوق متناول البشر وهو محرّمٌ عليهم، لأنّ ما نسمّيه بالحكمة هو من خصائص الذّات الإلهيّة، أمّ إذا تاقت نفس الإنسان إلى الحكمة وقويت فيه الرغبة في تلمّس آثارها، فلا يستطيع الظّفر بها في حدود الكمال المطلق، ولكن كلّ ما يشعر به من شوقٍ ملحٍّ للحكمة وما يبذل من جهدٍ جريءٍ للوصول إليها، يعدّ فضيلةً بحد ذاته، وإنّ ذلك التّوق الشديد إلى المعرفة والكمال بفرض مبدأ وجود ذلك العلم السماوي

стр. 390

الكامل. كان أفلاطون أكثر حكماء الإغريق محاولةً لبلوغ هذه الحكمة الغيبية والعلمية والخلقية فكان بذلك يسعى إلى تحقيق حلم فيثاغورس الذي لم ينقطع تلاميذه أبداً عن متابعة السعي للظفر بتلك الحكمة الكاملة المطلقة. وقد حرص أفلاطون على ألاّ يجزّأ هيكل الفلسفة الفيثاغورثيّة بالتّعرّض لأشكالها المختلفة التي طلع بها أتباع فيثاغورس ومريدوه كلٌّ على حسب مزاجه وتفكيره الخاص، لأنّ الفيلسوف الحق، برأي أفلاطون، ليس من يفاضل بين مظاهر الحكمة ويرجع شكلاً منها على شكلٍ آخر، بل الفيلسوف الحق هو الذي يتعشّق الحكمة بأجمعها وتكون ضالّته يأخذها أينما وجدها. وما زال هذا المفهوم القديم للحكمة يتناول بالبحث والتعميق والتّعديل من قبل أولئك الرّجال الذين عمدوا بادئ الأمر، لتكوين مذهبً خاصٍّ لهم في الحياة ثمّ سعوا جهد طاقتهم لأن ينشروا مذهبهم بين الناس ويلقّنوه إلى الآخرين. فما عسى أن تكون الحكمة على وجه التّحقيق! وما عسى أن يفيد الناس منها، إذا لم تكن، قبل كلّ شيءٍ، فنّاً من الحياة يصنعه المرء ليحيا بانسجامٍ وائتلافٍ مع كلّ ما أبدعت عقول الحكماء من الأفكار الرائعة وما حلموا به من المثل السامية؟ إنّ الحكمة لم تكن في نظرهم نتاجاً هزيلاً لعلمٍ جافٍّ عقيمٍ، ولا هي تعاليمٌ لا تنسجم مع المجتمع وتدعو إلى حياةٍ عابسةٍ من الحسرة والتّبكيت، بل كانت الحكمة، في نظر أولئك الذين أوتوا الفضل العظيم بتمتّعهم بنعمها، ينبوعاً يتفجّر في قلوب الحكماء وثماراً ناضجةً في نتاج تجاربهم وإشعاعاً سامياً من نور عقولهم. ونحن إذا تجاهلنا بأنّ الحكماء قد مرّوا بهذه البسيطة ولم يطبّقوا في حياتهم ما كانوا يدعون إليه من فلسفة وتعاليم، فإنّ كلّ ما يمكن أن يشيعوه في نفونا خلا لأجيال الطّويلة من لهب الحماسة ونعمة التأمل يتعرّض عندئذٍ لأن يتدحرج إلى هوّة العدم، ويغدوا بعد ذلك كلّ ما تمخّضت عنه الأجيال من حكمة باهتاً هزيلاً لا حياة فيه فينتج عن ذلك ضعف الوجدان وخبو نور العقل وانطفاء شعلة الرغبة في حبّ الحياة. وعندما يفلت خيط الحكمة من يد الإنسان يفقد بذلك كلّ دليل يقوده إلى سبيل الخلاص من سجن الأهواء وقيود النّزوات، ويفقد أيضاً القدرة على معرفة نفسه وعلى السيطرة عليها

стр. 391

فيفضّل عندها سبيل السعادة المطمئنّة والهدوء البهيج الذي يخلع على النّفس كلّ غبطةٍ ورضى. والحكمة بعد ذلك هي المدرسة الوحيدة حيث يتلقّن المرء فيها سرّ الانطلاق وجوهر الحرّية، فالذي يقدر على مغالبة هواه وعلى سيادة نفسه مسترشداً بحكمة الحكماء، هو قادرٌ لأن يكون حرّاً بنفسه سيّداً على كلّ شيء، إذ ليس بمقدور أية سلطةً أن تضعف في نفسه تلك القوّة الكامنة التي تنبعث من ثقته المطلقة الواثقة التي ولّدتها خبرة الدّهور وعصارة الفكر ونتاج الحكمة وزادها رسوخاً علم المرء بأنّه قادرٌ على السّير وفق تعاليم وأنظمةٍ ابتدعها العباقرة الأفذاذ وعلى الحياة عن بصيرة وهدى وبتماسٍ مع خلود الفكر الإلهيّ. ففي هذه الحالة عندما يوفّق الحكيم إلى إشاعة الانسجام بين نفسه وبين خير ما أبدع الفكر وأجمل ما حلم به الخيال ويتسامى بذلك من مرتبة الحسّ إلى مرتبة الرّوح، عندئذٍ يستطيع الظّفر بتلك الحرّية السامية التي هي مصدر قيمته الإنسانيّة وبقدر ما يشتدّ إيمان الحكماء بحرّيتهم بقدر ما يكتب للحرّية الحياة والبقاء، والضغط لا يؤثّر على نفوسهم ولا يحول دون تنفيذ إرادتهم، وقد تعمل وحشيّة المتعصّبين والحمقى على إخماد لهب الحرّيّة، لوقتٍ ما، ولكن الجزوة التي تحتفظ بها قلوب الحكماء المتأجّجة تعرف دوماً كيف تنفض الرّماد عنها وكيف تعيد إلى شعلة القلب لهب الحماسة ونعمة الضّياء. سعيد القضماني

стр. 392

الرسم وتربية الذّوق للأستاذ نعيم الحمصي للرسم أكبر الأثر في تربي الذوق العام في ينمّي قوّة الملاحظة البصريّة ويرهف الحسّ ويوسّع الخيال ويقوّي الذّاكرة الفنيّة فيجعلها أقدر على استيعاب الصّور الجميلة وخزنها وأشدّ انتباهاً إلى جزئيّات الشّيء بعد استيعاب صورته الإجماليّة وهو يقويّ الإحساس بجمال الأشياء المرئية والإحساس بتفاوتها في الجمال، وهو ضروريّ لا غنىً عنه في عمليّة الانتقاء الفنيّ ومساعد على زيادة إطاعة الجوارح لأوامر الدّماغ، فإن اليد تسجّل فيه ما تراه العين تسجيلا فالوسيط فيه هو الوعي الفنّي. فإذا أضفنا إلى هذا أنّ الحسّ الفنّي عند الشّعراء فيه قسط كبير من الحسّ البصري التّصويري إلى جانب الحسّ الموسيقي الصّوتي وغيره من الإحساسات المساعدة على إخراج القطعة الفنّية أدركنا شأن المشاركة بين الفنّين فكلٌّ منهما يتأثّر بالمرئيّات إلى حدٍّ كبير وإن كانا يتفاوتان في ذلك، ولكنّ أحدهما يستعمل الألوان ليعبّر عن تجربته الفنّية والآخر يستعمل الكلمات وهذه المشاركة تجعلنا نقول بأنّ الشّاعر الذي يستحقّاسم مجيدٍ مبرز لابدّ أن يكون رسّاماً في ثنايا نفسه إن لم يكن يجيد الرّسم بالفعل. وكثير أولئك الشعراء الغربيّون الذين كانوا يتقنون الرسم. والرّسم في بيئتنا متقهقر ولعلّ الموسيقا خير حالاً منه فإننّا نجد كثيراً من العائلات يحسن أفرادها العزف على آلات موسيقيّة شرقيّة أو غربيّة مهما كان قدر الذّوق الفنّي الأصيل الذي يصدرون عنه، ولكن من النّادر جدّاً أن تجد عائلة يحسن أفرادها الرسم أو تحث طفلها على مزاولته وذلك لأنّ أفراد العائلة قد يدفعهم الطّرب إلى تعلّم الموسيقا وسماعها ولكنّ ذوق الرّسم الفنيّ أضعف من أن يدفع فرداً من العائلة إلى قضاء فراغ وقته في رسم لوحةٍ وأضعف من أن تجتمع العائلة للتمتّع بمرأى قطعة فنيّة انتخبها فرد منها، بل لا ترى جُلُّ عائلاتنا ضرورةً في أن تزور متحفاً فنيّاً أو معرضاً تعرض فيه صورٌ فنيّةٌ. وهذه هي الحال في عائلاتنا التي أدركت حظّاً لا بأس به من الثقافة، وأمّا في الأوساط الجاهلة فحدّث ولا حرج فالرّسم فيها مخالف للدين والمصور مضطرٌّ يوم القيامة أن يخنق الرّوح في صورته الميّتة وإلا كان مصيره نار جهنم. وإذا كان الذّوق الفنّي التّصويري في بيئتنا

стр. 393

ضعيفاً إلى هذا الحد فإن الواجب الأكبر في نهضة هذا الفنّ يقع حين إذٍ على المدرسة وعلى وزارة المعارف أن تقوم بجهود جبّارة في هذا السّبيل، فهل قامت المدرسة بواجبها هذا؟ وللجواب على هذا السؤال لا بدّ أن تستعرض بسرعةٍ هدف برنامج التعليم من درس الرسم ثم استعراض الصورة التي يدرّس بها الرسم في مدارسنا الرسمية. البرنامج ينصّ على أنّ الغاية من درس الرسم في المدارس الابتدائية ليست تكوين فّنانين ورسّامين وإنّما يدرّس الرسم للغاية التربوية التي تتحقق بواسطته فالرسم يقوّي حسن البصر عند الطفل ويكوّن عاملاً في تمرين اليد والملاحظة والذاكرة وخاصّةً ذاكرة الأشكال. ودروس الرسم التي تلقى في المدرسة تخلق في التّلميذ استعداداً للقيام في المستقبل ببعض المهن التي تتطلّب وقوفاً تامّاً على الرسم وتنمّي فيه الذّوق الفنّي. ثمّ يفيض البرنامج في ذكر الملاحظات التي يجب على المعلّم مراعاتها ليصل إلى الغاية من درس الرسم وهي ملاحظاتٌ قيّمةٌ، كما أنّ موادّ البرنامج في المدرسة الابتدائية لها قيمتها لو تحقّقت. وأنت ترى معي أنّ البرنامج قد جعل تنمية الذّوق الفنّي هدفاً له ورسم لتحقيق هذا الهدف طرقاً سليمةً ولكنّك لا ترى شيئاً من هذه الغايات محقّقاً والذّنب ليس ذنب نصّ البرنامج فهو شيّقٌ ومغرٍ ولكنّه ذنب تطبيقه. فدرس الرسم لا يؤدّي غايته التّربويّة للأسباب الآتية: ١ - ينظر المعلّمون إلى درس الرّسم على أنّه درسٌ ثانويٌّ فيأخذ المعلّم المجدُّ منهم ساعات الرسم ليقوّي طلاّبه في الدّروس الأخرى التي يراها أعظم شأناً وأكثر ضرورةً، وقليل أولئك المعلّمون الذين يولون هذا الدرس العناية اللائقة به. ٢ - أكثر المعلّمين لا يحسنون الرسم بل لا يحسنون أن يصوّروا شيئاً فكيف يستطيعون أن يعلّموه لطلاّبهم. ٣ - كان يجب، والمعلّمون على هذه الحالة من الضّعف الفنّي، أن تعيّن وزارة المعارف معلّمين مختصّين في هذه المادّة ولكنّها لم تفعل شيئاً من هذا. ٤ - إنّ وزارة المعارف لا تعامل المختصّين في الرسم الذين يدرّسون هذه المادّة في الثانويّة معاملة المختصّين بالمواد الأخرى بل إنّها لا تحسّن رواتبهم وحالهم قليلاً ليكونوا

стр. 394

أكثر نشاطاً في عملهم. ٥ - لم ترسل وزارة المعارف في الماضي طلاّباً لهم ميلٌ فنّيّ لدراسة هذا الفن على حسابها في البلاد التي يزدهر بها. ٦ - ليس في المدارس الابتدائية بل لا ولا في الثانوية قاعات مخصّصة لهذا الفن زاخرة باللوحات الفنّية الرائعة التي تحيي الميل الفنّي في الطلاّب. ولابدّ أن يشارك الرسم غيره من الفنون في تنمية الذّوق العامّ من النهوض به بتعيين معلّمين مختصّين يدرّسونه في المدارس الابتدائية ريثما تستطيع دور المعلّمين والمعلّمات إخراج طلاّبٍ يحسنون هذا الفنّ ويحسنون تدريسه وحينئذٍ لا بأس من أن يستلم المعلّم صفّاً كاملاً بكلّ موادّه ولا بدّ من تنبيه المعلّمين إلى قيمة هذا الدّرس ومنعهم من إهماله ومن إرسال عددٍ كافٍ من الطلاّب لدراسة هذا الفنّ في مصر أو أوروبا بموجب مسابقةٍ تجريها الوزارة ليكونوا في المستقبل مدرّسين في المدارس الثانويّة ودور المعلّمين ولابدّ من تحسين حالة مدرّسي هذه المادّة المختصّين حتى لا يشعروا أنّهم مغبونون الحقّ ومن تخصيص قاعاتٍ لهذا الفن في المدارس الابتدائية والثانوية تعرض فيها الصور لأعاظم رجال الفنّ كما يجب إقامة معارض فنّية تجري فيها مسابقات بين رجال الفن لتنبعث الحياة الفنّية في ببيئتنا الآن. ولابدّ لنهضة الرسم أيضاً من أن تبدأ العناية به في دور الحضانة بأن تكون مجهّزةً باللوحات الفنّية المساعدة على نموّ الذّوق الفنّي وبأن يمرّن الأطفال وفق استعداداتهم على الملاحظة الفنّية المساعدة على نمو الذّوق الفنّي وبأن يمرّن الأطفال وفق استعداداتهم على الملاحظة الفنّيّة وعلى رسم الأشكال التي تلائم سنّهم. هذا قليلٌ من كثيرٍ مما يجب أن نقوم به لنهضة فنّ الرّسم في بلادنا ومشاركته في تنمية الذّوق العامّ وأترك الإفاضة في هذا الشأن لأستاذٍ مختصٍّ في هذا الفن فهو أدرى منّي بما يجب عمله وإنما تكلّمت عن ما أراه ضروريّاً لتربية الذّوق الفني العامّ وبالقدر الذي أدركه. حماه نعيم الحمصي

стр. 395

لا يزال الإنسان صغيراً الإنسان آلةٌ شديدة التعقّد إذ تبلغ عظامها أكثر من مئتين، وعضلاتها سبعة آلاف، وطول أنابيبها الغذائية عشرين قدماً، وأوعيتها الدموية مئة ألف قدم، وكريّات دمها الحمراء ترليوناً ونصف ترليون، وكريّات دمها البيضاء أربعة ملايين، وخليّات مخ آلاف الملايين، ومع ذلك فإنّ الإنسان حديثٌ في الخليقة التي مضى عليها ألف مليون سنة وتقلّبت في ألوفٍ من ألوان النّشوء وضروب التطوّر، ولا تزال مساحاتٌ واسعةٌ من خليّات المخِّ لم يطرأ عليها تغييرٌ أو تطوّرٌ منذ أن وُجِد الإنسان. ولذا لا يزال الإنسان طفلاً في المهد رضيعاً. ومن يعِشْ يرَ.

стр. 396

عقليّة الماضي للأستاذ أنور هدى البرازي ترى في شبابنا اليوم هيئاتٍ وأفراداً وحلقاتٍ وجماعاتٍ وكتّاباً وأدباء لولا أنّهم يتنفّسون من هواء أيامنا هذه لما أثبت شيءٌ آخر أنهم يعيشون في القرن العشرين. . . آراؤهم وأفكارهم ونهجهم ودوافع أعمالهم وأساليب تصرّفهم كلّها عليها عنكبوت الماضي الغابر. . . ولكن لا يلبث المرء أن يبدي أسفه على ذلك الماضي حينما يسمح لهم بالدول إليه،،، فهم لا يعيشون في الماضي وإنّما أوهام الماضي وضلاله وباطله. . . ولو أنّهم يعيشون بحقائقه المثلى لكان لهم بعض العذر وإنّما هم يبكون على ديارٍ ابتعدوا عنها. . . وإذا هم يقضون أوقاتهم في البكاء عليها والالتفات إليها لا يرون متّسعاً من الوقت للعمل على بناء دارٍ جديدةٍ يسكنونها. . وهكذا يبقون ضعفاء مشرّدين بلا مسكنٍ ولا مأوى. . . وإنّ من أهمّ سيئات التفاتنا إلى الماضي وعيشنا دوماً فيه أننا خلقنا له في نفوسنا صورةً مبلورةً لامعةً وهميّةً تكاد تكون غير مرتبطةٍ بالعوامل الزمنية وأصبحنا نجد في تلك الصورة المبلورة عزاءً وارتخاءً يمنعانا غالباً من تحقيق أيّ عملٍ جدّيٍّ في سبيل تحسين الحاضر. . . إذا حادثت رجلاً عاديّاً عندنا عن تدخّلات الأجانب في بلادنا مثلاً وضرورة معالجتها لا تجد إلا وقد انحدر حديثك إلى في نفسه بصورةٍ طبيعيةٍ إلى أيام أبي بكرٍ وعثمان وعليّ. . . وأيام طارقٍ وموسى. . . أيام الرحمة والعدل والكرم والسّخاء. . وقد يطوف بك على صلاح الدين ثم يعرّج على هارون الرشيد بفعل ذلك دون أن يحاول التّفتيش عن حلٍّ عمليٍّ لتدبير الصعوبة المبحوث عنها في الحاضر. . . وهكذا تضيع وإيّاه في أجواء لا تستلزمها الفكرة ولا يقتضيها الموضوع الذي تعالجه وإياه ولا تعود من بحثك معه بنتيجةٍ عمليّةٍ. . . إنّ مقياس منطق الأمة هو منطق أفرداها العاديين، وإنّ انحراف منطق العاديين عندنا نحو الراحة الشخصية والفرار من الجهد والمصلحة لأمرٌ خطرٌ لا يبشّر بدعنا إلى اتّجاهاتٍ قوميّةٍ. . . إنّ نغمة التّحدّث عن حسنات الماضي لأنّه ماضي فحسب تجعل من ماضينا منعطفاً هائلاً

стр. 397

يمنع كلّ صلةٍ بين الفكر والعمل. . . وإذا فكّرنا جدّياً في الموضوع رأينا أنّ لأغلب الناس عندنا عذراً واضحاً في اتّباع هذا الأسلوب الفكريّ. . . فالطبيعة الإنسانية تحب الراحة والفرار من الجهد والانفلات من الصعوبات المتعبة، فأنت حينما تطرق موضوعاً صعب العلاج وثمين التضحية تميل بك غرائز الخمول والضّعف إلى الفرار من جهد معالجة الواقع القاسي بالالتجاء إلى تلك الفسحة الواسعة الكائنة في صورة الماضي القوي الغابر. . . إنّ رأيي الشخصي هو أنّ الماضي القوي أو التاريخ القوي يزيد الشعب الواعي قوّةً كما يزيد الشعب الجاهل انحلالاً وضلالاً. فالماضي القويّ للأمة الضّعيفة في نظري هو ميزابٌ واسعٌ لشلّ إمكانيّاتها الحاضرة وتصريف استعدادها الراهن للعمل. . . ذلك لأنّ الشعب الضعيف في الحاضر ينظر من الأسفل إلى منارة ماضيه القوي فلا يستطيع ان يبصرها بتدقيقٍ وتحقيقٍ ولا أن يتّجه صوب منارة تطوّره الزّمني لأنّ منارته الأولى لا تسمح له بالابتعاد عن أوارها. . . أما إذا وعت الأمة أنّ اتّجاه قابليّاتها نحو ماضيها يستنفذ أكثر طاقتها فليس بالصعب على قادة الفكر فيها أن ينظّموا حملةً واسعةً يستطيعون معها سدّ الثّغرة والالتفات إلى الأمام والاعتبار بالماضي كتجربةٍ مثبتةٍ لنجاح جهود الحاضر والمستقبل. . . وليست دعوتنا هذه إلى تبديل عقليّة الماضي والوقوف وجهاً لوجه مع الحياة المعاصرة. . . أقول ليست هذه الدعوة نظرية غريبة ولا مستهجنة. . . إنّها فكرةٌ ممكنةٌ وقابلةٌ للتّحقيق إذا اتّبعنا المناهج الخاصّة بمعالجة أحوالنا وإذا أخلصنا في تنفيذ ما يناسبنا منها. . . إنّ صلة الجيل العربي الجديد بماضيه يجب أن تكون في نظري كصلة مهاجرينا العرب إلى أمريكا به. . . يتمثّلون من ماضيهم ما ينسجم وروح العصر فقط. تاركين له أساليبه وإطاراته وزخرفاته السطحيّة وسيئاته وقدمه. . . لقد عرفت بعض الكهول العائدين من هرتهم من أمريكا إلى سوريّتهم فرأيتهم أشخاصاً طيّبين مدنيين عمليين يحبّون أمّتهم حبّاً متغلغلاً في سلوكهم ويمجّدون تاريخها، ولكنّهم لا يضيعون مثلنا في تلك الصورة الماضية مطلقاً فإنّ لهم إلى جانب صور ماضيهم التّذكاريّة صورة حياةٍ عصريةٍ عمليةٍ كبرى فيها كلّ أعمالهم وشؤونهم في الحاضر. . . إنّهم يعتزّون

стр. 398

بالماضي على ضوء نجاح أساليبه المضبوطة في الحاضر إنّهم يحبّون أوطانهم بصدقٍ يتجاوز كذب أكثرنا ومبالغاتهم في الهيام الكاذب. . . إنّهم يقبلون أكثر منّا على التضحية والإغاثة والتعاون الاجتماعي والعمل المثمر. . . ومع كلّ هذا فهم لا يزالوا منّا وإلينا. . . عربٌ. . . دمهم عربيٌ. . . وطنهم عربي. . . ماضيهم عربي. . . ولكن الشيء الوحيد الذي يمتازون به عنّا أن أسلوبهم جدّدته التجربة وفعاليتهم أنعشتها القدوة الحسنة. . . فتراهم حافظوا على قوميتهم محافظةً كافيةً مقرونةً بإثباتٍ عمليٍّ في قدرتهم على تحقيق الحياة المعاصرة أيضاً. . . يتّضح لنا من هذا أننا نحن العرب لسنا ضعيفي الإمكانيات ولا أردياء العنصر. . . وإنّما كلّ الخطأ عندنا كائنٌ في أنّ فعالياتنا مجمّدة لحساب الماضي. . . نحن شعبٌ تنقصه القدوة الحسنة والتدريب العملي في التّعامل والسلوك والأخلاق ولنستطيع أيّ الأساليب التاريخية النظرية أن تنعش فينا مواهبنا الإنسانية. . . ومن عرف داءه فليس له أيّ عذرٍ في إهماله. . . النّبك أنور هدى البرازي

стр. 399

الحياة الانسيابية للأستاذ رياض الجابري شاء القدر أن يدبّ الإنسان، هذا المخلوق العجيب فوق سطح البسيطة، بعد أن هبط من سمائه، وفقد سعادته وهناءه، وشاء أيضاً أن يعيش جماعاتٍ وشعوباً، فهامَ على وجهه أما هذا اللغز الأبدي - القدر - الذي تركه يتساءل: من أين. .؟! وأين. . .؟! وإلى أين. . .؟! انتبه فتشبّث بأذيال الوجود، ونظر فكبّل نفسه بالقيود والحدود. . . قيود اجتماعية وحياتية لابدّ منها ما دام يروم الحياة والخلد. بيد أنّ هذا الحائر أبداً، المتسائل عبثاً، رأى حياته لا تتلوّن كما يريد وتتكيّف حسبما شاء، ورأى أنّه - من المحال - أن تكون الحياة نمطيّةً رتيبةً ينساق في تيّارها الثابت الوطيد لا يحول ولا يزول. . . قاوم وجاهد وهيهات أن يثمر عمله، وقد شاءت الحياة أن تكيّف كلّ فردٍ كما تريد هي، لا كما يهوى، - هذا الطفل - ويحب. . . وفرضت وجوب الانسياب معها والسير في مجراها. فهذه مخلوقات الله في أرضه. وأنعامه فوق بسيطته، وجوارحه في سمائه، كلّها تسعى وتساير الحياة وتمشي معها جنباً لجنب لئلاّ تُلقى على هامشها وتنبذ كالنواة من أصلها. . ولكن مالنا نذهب إلى السماء والأرض والأجواء ونترك الواقع حولنا؟ واقعنا المحيط بنا في كلّ لحظةٍ؟! واقعنا المريض المعذّب؟! أليس هو أحقّ الجميع بالفحص والنّقد؟! لننظر إلى هذه الكتل البشرية حولنا، بل لننظر إلى أبناء آدم وبنات حوّاء على السواء، ألسنا نرى أنّ كلاًّ منهما يتعرّض للسخرية والانتقاد بل للهزء والاحتقار إذا حاد عن تيار الحياة وعاكس مجراه؟! أوَ لم نرَ هذه الضّحايا الخفيّة التي تذهب بها الأقوال كلّ مذهب. ذلك لأنها لم تنسب مع الطبيعة بل كانت حجرة كأداء بل صخرةً صمّاء في سبيل تقدّمها؟! هناك ألوفٌ وألوفٌ من هذه الأجساد البشرية بل من هذه الأدمغة الحجرية التي تأبى إلا التّمسّك برأيها - الصميمي، القديم، الذي أصبح يتنافى والواقع، ويشذّ عن المحيط الحاضر، وتريد أن تنقل كلّ شيءٍ عن الماضي وعن الماضي فقط مهما تفه أو سما، دون نظرٍ إلى هذا الحاضر الذي يتطلّب تكييف النّفوس دون أن يتكيّف هو نفسه. .

стр. 400

أجل تريد هذه النفوس أن تتكيّف في الماضي والماضي فقط ناسيةً أنّ العقل قبل النقل، وتريد الفناء الكامل والدّهر يصيح: رويدك أيّها - الحجر - رويدك أيّها الإنسان فما حاضرك إلا سلسلةٌ بين الماضي والمستقبل، وما حاضرك إلا مولودٌ من ماضيك فاخضع له، وانسَب معه، ولا تتعلّق بكلّ الماضي، فقد خلقت لحاضرك، ووجدت من أجل ساعتك، فدعك وأيام غيرك، بل هيّا وانهش عيشك. . . ولكن مهلاً أيّها الإنسان، مهلاً لك ولهذا السؤال، الذي يتوارد فوراً لخاطرك، ويخالج توّاً نفسك. . . إنّك سوف تتساءل: وكيف يتسنّى لهذا المخلوق أن ينساب مع محيطه دائماً وأبداً مهما كان هذا المحيط! لنفرض - مثلاً - أنّ حياته في بيئته تلك هي سلبية إلى حدٍّ كبيرٍ، أعني في درجةٍ دنيا من سلّم الرّقي والحضارة، فهل يحقُّ لهذا الفرد أن يقف مكتوف اليدين إزاء واقعه هذا - لضرورة الانسياب معه -؟! وهل لا يجب أن يشذّ عن تيّار محيطه خطوةً ثم خطواتٍ إلى الأمام علّه يضيء طريق الحياة وينير سبيل التّقدّم فيهدي مواطنيه في ظلامهم الدّامس وينتشلهن بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة نحو الصالح العام؟! أجل. . . وكيف لا والإنسانيّة سائرةٌ بخطىً سريعةٍ نحو العلاء! والفرد فيها يعرج متوثّباً نحو السّماء؟ فهو إن لم يفعل نُبِذ لأنّه لم يساير وينسب مع الحياة. . . الحياة الوثّابة الحياة التي تريد البقاء. إننا لا نطلب - ضرورة الانسياب هذا - إلا للقضاء على هوّةٍ سحيقةٍ وفجوةٍ كبرى تزيد وتتهيّأ للظهور بين أبناء القطر الواحد. . . تصوّر هذا الفرد بعقليةٍ وعاداتٍ وتقاليدٍ تخالف كلّ المخالفة ما يتمتّع به صاحبه بالمقابل ثم تصوّر هذا البون الشاسع في حياتهما العمليّة أو الفكريّة العقلية، فهلاّ تلاحظ معي أنّ الشقّة بعيدةٌ بين الطرفين؟ وهلاّ في أو تأخذ وسطهما المتناسب ليتسنّى لهما العيش؟! إننا ندعو إلى ضرورة الانسياب مهما كلّف الأمر على أن يكون انسياباً نحو الجوزاء. نابذين عقولاً متحجّرةً، ونفوساً ساكنةً تلك التي تريد أن تجعل من حاضرها ساحةً كبرى تتنوع فيها كلّ عناصر الماضي من غثٍّ وثمينٍ، ضاربةً بكلّ تقدّمٍ ونشاطٍ إنسانيٍّ، عرض الحائط، لأنه في نظرها - جديدٌ - جديدٌ فحسب. . .

стр. 401

نحن لا نفكّر بأنّ لكلّ جديدٍ أنصاراً وخصوماً مهما كانت قيمة هذا الجديد، ولا ننكر أيضاً هذا الغلوّ والإفراط من كلا الطرفين، ولكن لننظر منصفين إلى كلّ شيءٍ في واقعنا ولنستخلص منه ما يلائم الحياة الحاضرة، سواءٍ كان قديماً أو حديثاً، إذ أننا لا نريد أن نبني الحاضر على أنقاض الماضي، ولا نحبّ أن نبعث كلّ ماضي، بل همّنا أن نأخذ كلّ حسنٍ وجيّدٍ وملائمٍ للحاضر والوقت الواقع، كلّ شيءٍ ينساب ولكنّ المدنيّة المتحفّزة والحضارة المتوثّبة تنساب نحو السمو والعلاء. . . دمشق رياض الجابري كلّية الآداب

стр. 402

أهميّة الآثار القديمة للأستاذ سليمان المقداد لعلّه من الصعب على الباحث أن يحدّد ما يشمله علم الآثار من فروعٍ عديدةٍ يندمج بعضها في بعضٍ بدرجاتٍ مختلفةٍ كالتاريخ وعلم الإنسان والفنون الجميلة، فعلم الآثار يعمل على إتمام الحقائق المستمدّة من الأدب والتاريخ منذ العصر الحجري القديم التي تطوّرت مع تقدّم البشرية، ومع ذلك ينتج أهمّية هذا العلم فيتعين العصور وكشف الألغاز التي أهمل أو طمس ذكرها فمنذ القرن الثامن عشر انتبه المؤرّخون والباحثون لأهمية هذه الناحية في دراساتهم عن تاريخ وحضارة الأمم القديمة فأسست المتاحف في أكثر البلاد المتمدّنة وأخذ العلماء في اكتشاف النقوش والكتابات والتماثيل والمناظر المصوّرة على الأواني والعملة وهي مصادرٌ تاريخيّةٌ تحدّث عن أحوال الأمم القديمة بصورةٍ لا تقبل الشّكّ والجدل، وقد توسّعت الدراسة عن العصور الماضية بفضل الاستكشافات التي ظهرت والتي ستظهر وبفضل أعمال التّنقيب والحفريّات وصيانة الآثار التي تتقدّم بصورةٍ متساويةٍ مع ارتفاع المستوى العلمي في كافّة أنحاء العالم. وقد أدهش العلماء تلك المقدرة التي كان يمتاز بها الإنسان في العصور القديمة، فالمكتشفات الأثريّة التي تكتشف الآن تدلّ على نشاطٍ وذوقٍ فنّيٍّ وقوّةٍ في التعبير وإبداعٍ في خلق الأشكال يفوق أقصى ما كان يتصوّر احتمال وجوده في تلك العصور، ومن أهمّ مصادر علم الآثار ما يعثر عليه من شظايا وأواني الفخّار القديمة التي تكاد تكون موجودةً في كلّ المناطق التي كانت آهلةً بالسكّان، وكان انتشاره واسعاً حول البحر المتوسّط، وقد درس الخبراء هذه الأشياء دراسةً وافيةً ومتواصلةً حتى استطاعوا الاستدلال بها على العصر الذي عاش بها صانعوها وعلى مبلغ تقدّمهم في شتّى الميادين الفن والحضارة والتّمدّن، ومن هنا ظهر أهميّة الآثار القديمة وضرورة الحرص على صيانتها وحفظها كمظهرٍ قوميٍّ وينبوعٍ علميٍّ يبعث فينا الحسّ الفنّي وروح الطموح وتقدير السّلَف المنتج الصّالح (وهذا أكثره مفقودٌ في برامج الدراسة) - وأقصد بذلك بعث الحثّ الفنّي في نفوس الطلاّب لتذوّقِ روعة وعظمة الآثار - فكم من كتاباتٍ أثريةٍ نفيسة تحطّمت أو طمست بدافع الإهمال والجهل وكم من عاديات فنّيّةٍ تسرّبت إلى أيدي لصوص وتجّار الآثار بثمنٍ بخس حيث تهرّب إلى الأسواق الأجنبية لتباع هناك بأغلى الأثمان،

стр. 403

وبذلك تفقد البلاد إلى الأبد كنوزاً لا يمكن تعويضها. هذه مصر، فتكاد أن تكون قضيّة تمثال رأس نفرتيتي من أهمّ القضايا القوميّة فيها، إذ تعمل الحكومة بإصرارٍ واهتمام لإرجاعه من متحف بافاريا في ألمانيا إلى مكانه في المتحف المصري. فالاهتمام بعلم الآثار وصيانة الأماكن والعاديات واجبٌ مفروضٌ على كلّ من يقدّر القيمة العلم والثقافة والنشاط في هذا السبيل جهادٌ قوميٌّ ينير صفحات التاريخ ويكشف عن أمجادٍ كثيرةٍ أهمل التاريخ ذكرها أو حرّف الكثير من حقائقها، وليس هذا بكثيرٍ على بلادٍ يمتدّ تاريخها إلى مدى بعيد يجعل منها مورداً ممتازاً في نظر كلّ من تستهويه المعارف والذّكريات التاريخية للتّنوّع العظيم في مواردها الثقافية. وإنّ من الملموس لدى القارئ العربيّ ذلك الغموض الكثيف في بعض نواحي تاريخ بلادنا المجيد فأكثر المؤرّخين الإفرنج يتحدّثون عن أجدادنا القدماء كأمّةٍ بدويّةٍ عاشت على الفطرة يئِدون البنات وينتهكون الحرمات ويقتلون ويتناهبون منذ أقدم عصورهم متناسين أنّ العرب كأمّةٍ قديمة العهد بالوجود عاصرت أعرق الأمم في المدنيّة لا يمكن أن يكونوا على مثل هذه الحال التي يذكرونها، كما أنّه لا يوجد في الكون أمّةٌ من الأمم التي عاصرت العرب لم يتقوّض عمرانها ولم تتبدّل في موطنها الأرض غير الأرض، فلا يبقى أمام الباحث المدهوش من أقوال أولئك المؤرّخين ألا يفتّش على الدلائل المحسوسة التي تكشف اللثام عن حياة أمّةٍ مجيدةٍ من أقدم الأمم ليست كما يتحدّث عنها أولئك المنحرفون عن جادّة الحقائق من الكاتبين ذوي النزعات الاستعماريّة، بل أمةٌ كانت لها حياةٌ حضريةٌ قارةٌ ونظامٌ اجتماعي واقتصادي ودولٌ منظّمة، وكان عمرو بن العلاء يقول: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلّه ولو جاءكم وافرٌ لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثيرٌ كما أنّ شيخ التاريخ العلامة ابن خلدون يقرر ما كان للعرب من الملك والحضارة وقد طال أمد ملكهم وازدهرت تجارتهم وصناعتهم فلم تبلُ ببلى الدولة وكانت المعارف الفكرية والعلوم الأدبيّة مزدهرةً ازدهاراً عظيماً، وقد اعترف كثيرٌ من المؤرّخين الأجانب بهذه الحقيقة أذكر منهم العالم الكبير دوسو وكليرمون غافو والمؤرّخ إرنست ريتان الذي قال: إنه من الخطأ وتجاوزٌ عن الحقيقة تصوير العرب بشعوبٍ همجيةٍ وجاهلةٍ، بل على العكس كان لها من ذكائها وتفوّقها أن جعلت لنفسها مدنيّةً خاصّةً زاهرةً رغماً عن وجود الرّومان وتقدّمهم في شتّى ميادين الحضارة في ذلك الزّمن والأدلّة صريحةٌ على بقايا تلك الحضارة من الشام إلى

стр. 404

العراق واليمن خاصّةً في حوران. وأحسن ما وصل إلينا من الأدب الذي بصوّر هذه الحضارة هو شعر حسّان بن ثابت إذ ذكر شيئاً عن تلك الحياة الزاخرة بالمجد والعلم والفن. وقد عثر الباحثون في بابل على نقوشٍ بالخطّ المسماري وقفوا منها على تاريخ العمالقة واستدلّوا بها قيام دولة حمورابي العربية وهو اسم أكبر ملوكها ومؤسّس أقدم شريعةٍ في العالم كما تحقّق ما كان لدولة الأنباط العربية من مجدٍ وغنى ورواجٍ في التجارة وهندسة معمارية لا تزال بقاياها الرائعة مائلة حتّى الآن. وربّما كان الغموض المحيط ببعض نواحي تاريخنا إغفالاً مقصوداً لأن التاريخ لم ينفرد بهذا الغموض، بل هو ككلّ تاريخٍ آخر قديمٍ في حاجةٍ إلى البحث والكشف عن حقائقه في مواطنه التي دلّ أوائل التنقيب فيها على ثروةٍ علميّةٍ تعاظم كلّ تاريخٍ في الدنيا، ومن المؤكّد أن الجهود التي ستبذل في هذا السبيل ستكشف عن ثنايا حضارةٍ عربيّةٍ زاهرةٍ وتدحض كلّ حديثٍ مدسوسٍ أو تعمّد في إقلال شأن العرب، ولعلّ حوران وهي إحدى ولايات العرب القديمة التي سكنوها من أقدم عصور تاريخهم ستكون من النّواحي التي لها نصيبٌ وافرٌ من هذه الجهود، فقد أينعت بها الثّقافة العربية وتغنّى بجمالها كبار شعرائها، فمدح ملوكها النابغة الذّبياني وحسان بن ثابت، كما أنها كانت أوّل محطّ مدني نلتقي به القوافل القادمة من الجزيرة واليمن والعراق وجلّهم من التجار والأدباء وراغبي التمتّع بمباهج المدنيّة في بلاط الملوك وقصور هذه الديار وحدائقها الغنّاء فكانت محيطاً جديداً وجوّاً فخماً يعيش فيه أرباب القوافل مدةً نم الزمن يعودون بعدها حاملين بضاعة الشام النفيسة وأخباراً وأقاصيص عن بلادٍ مدهشةٍ. ليتحدّثوا بها في مجالسهم العامرة بقلب الجزيرة المباركة فيهتزّ المستمع البدوي لذكرها طرباً ويهفو قلبه شوقاً لرؤياها، هذه هي حوران وحاضرتها بصرى أمّ المدن وعروس البلاد العربية عاصمة الأنباط ومساكن الغساسنة أهراء العالم القائمة بها صروح المجد التاريخية التي تنطق عن فنٍّ خالدٍ ومجدٍ تالدٍ وحضارةٍ كبرى. ولعلّ من أعجب مل مسته من طلاّب المدارس أثناء زيارتهم لآثار بصرى أن يرددوا اسم الغساسنة في حوارهم عن الذكريات التاريخية بحوران ويسألوا عن أماكنهم وبقايا حضارتهم دون أن أسمع من أيّ فردٍ منهم ذكراً للأنباط العرب أو استفهاماً عن آثارهم الكثيرة هذا مع الفرق الشّاسع بين الدولتين في شتّى نواحي الحياة وكلّ ذلك

стр. 405

دليلٌ قاطعٌ على النقص الواقع في تغذية نفوس الطلاّب بالاهتمام بالآثار القديمة وبثّ الثقافة الفنّية في أذهانهم وقد سمعت في الأسبوع الماضي حديثاً يذاع للأطفال من محطّة الإذاعة اللاسلكيّة للحكومة المصرية فمع أنّ الحديث كان معدّاً للإلقاء على أطفالٍ لا يتجاوز أكبرهم السادسة من عمره فإنّ موضوعه زيارة جميلة لآثار الأقصر وفي الحقيقة كان حديثاً شيّقاً جمع بين التسلية والتوجيه نحو تمجيد روائع الماضي والابتداء بالطّفل نحو التدرّج في سبيل معرفتها وتقدير قيمتها فحبّذا لو قام كلٌّ منّا بواجبه في هذا المضمار الوطنيّ وساعد عل قدر إمكانه وبكلّ الوسائل لخلق ثقافةٍ أثريّةٍ صحيحةٍ في نفوس المجموع لصيانة آثار بلادنا الخالدة والتلذذ بروائعها وتذوّق جمالها الغني وإنّا لناظروه قريباً إن شاء الله. بصرى الشام سليمان عبد الله المقداد موظف بمصلحة الآثار القديمة

стр. 406

عيد في دمشق للسيّد أدهم عديّ قال أمير الشعراء شوقي ﵀: خلقت لبنان جنّات النّعيم وما ... نبئت أنّ طريق الخلد لبنان حتّى انحدرت إلى فيحاء وارفة ... فيها النّدى وبها طيّ وشيبان نزلت فيها بفتيانٍ حجا حجّةً ... آباؤهم في شباب الدّهر غسّان هذه دمشق التي أفتتن بها أمير الشّعراء منذ عشرات السّنين أيّام كان لاستعمار الفرنسيّ يرين على هذه الرّبوع وأيّام كانت دمشق تئنّ من جراحتها حيث تتجدّل الأبطال وتنتشر أشلاؤهم في الرّي والآكام. في تلك الفترة أبت دمشق إلا أن تظلّ مهوى القلوب ومشوى الأفئدة - فهي غرّة في جبين الدّهر - ولن يستطيع هذا الدّهر أن يحطّم من كبريائهم أو يطأطأ من عزّها وأنفتها. وها هي دمشق اليوم، ترفل بديباجها وتتيه بدلها وجمالها، فتربض حولها قاسيون تلو بمنديلها المتّقد لجاراتها العزيزة فتدعوهنّ للزيارة وتدعوهنّ للقيا الحبيب بالحبيب. في هذا اليوم تلتمع في دمشق آلام واحدةٌ وآمالٌ واحدةٌ وكيان وطنٍ واحد. في هذا اليوم ينتصر الحقّ على الباطل فتهزم جيوش الظّلم والاستعمار حيث تعبر البحار إلى أوكارها وحيث يختفي ذلك العلَم البغيض المثلّث الألوان. فإذا ما بدت دمشق في هذا العيد فرحةً طرويّة، فخورة مختالة، فمن حقّها أن تفتخر ومن حقّها أن تختال، فطالما زغردت في السّجون والمنافي ولطالما ذرفت الدّموع وروت الثّرى فوق قبور شهدائها، فهي تعرف حقّاً ذلك الثّمن الغالي الذي دفعته مهراً لهذا العيد وثمناً لهذا الجلاء. النّاس يقرؤون في كلّ يوم حديثاً عن السّيادة والاستقلال، ويسمع النّاس في كلّ يوم من يترنّم بالسيادة والاستقلال، فهل نحن مستقلّون استقلالاً تامّاً ناجزاً؟؟ لا ننكر أننا مستقلّون استقلالاً سياسياً ولكننا ننكر أن يكون الاستقلال السياسي وحده كلّ شيءٍ في حياة الأمم، أو الهدف الذي تسعى إليه وحده. كم استقلّت أممٌ سياسيّاً وواتتها الأيام، ولكنّ هذا الاستقلال لم تلبث أن تنهار أركانه وتندكّ معالمه من جرّاء عاصفةٍ تنتابه أو مصيبةٍ تلمّ به، وكم وجدت بلادٌ اكتسحتها جيوش المغير

стр. 407

وقذفتها قنابل المستعمر فخضعت للضربة القاصمة وفقدت استقلالها السياسي دفعةً واحدةً، ولكنّها لم تلبث أن جمعت شتاتها، واستمدّت من إمكانيّاتها ومؤهّلاتها، فاستعادت استقلالها بعد أن زال شبح المغير عنها، هذه البلاد التي أقصد بحديثي هذا قد فقدت كلّ شيءٍ إلا شيئاً واحداً لم تفقده، وهو ذلك الاستقلال النفسيّ الذي نحن أحوج الناس إليه. نحن بحاجةٍ إلى الشعور بالاستقلال في نفوسنا قبل الشعور به في مظاهرنا وأعيادنا. نحن بحاجةٍ لأن يشعر كلّ فردٍ منّا أننا مستقلّون حقّاً، وأنّ استقلالنا مدينٌ لنضالنا ونضال أجدادنا، فإذا ما استقرّت هذه العقيدة وآمن كلّ من في الوطن أنّ استقلاله ليس هبةً من مستعمرٍ ولا هديّةً من صديقٍ، يستطيع أن يشعر شعور المستقلّين حقّاً، وأن يقوم بأعمال المستقلّين حقّاً. أجل نحن بحاجةٍ إلى هذا الاستقلال النفسي المبنيّ على الثّقة والعقيدة والواقع. فإذا ما استطاعت البلاد العربية أن تنجب جيوشاً من هذا الشباب الواعي لقضيّة بلاده، المؤمن بحقيقة استقلاله، والواثق من عقيدته وإمكانياته، حقّ له أن يفخر بهذا الاستقلال وأن يستعيد ذكراه كلّ عامٍ، هذه الذّكرى الجميلة التي تتمثّل بعيد الجلاء، بأجلى صوره وأروع مظاهره. كلّية الآداب أدهم عدي

стр. 408

التمثيل والمدرسة تحدّثت في العدد الثالث من مجّلة المعرفة، عن مدى مساعدة السينما من الناحية الثقافية على سدّ النقص الذي يعتمر حياتنا الذّهنية. وذكرت بأنّ الأشرطة التعليمية تقوم بمهمّة المعلّم لدى التلميذ، الذي يغدو بوسعه أن إدراك أيّ درسٍ من الشريط السينمائي بأسرع من الطريقة المتّبعة في غرفة الصّفّ، إذ يجد إلى جانب مادّة الدرس متعةً وتسليةً في مشاهدة الفيلم. . . وفي هذا العدد أحاول أن أذكر بإيجازٍ عن مدى تأثير المسرح في التربية والتعليم وفوائده بصورةٍ عامّةٍ. المسرح المدرسي في مصر يرجع تاريخ نشأة المسرح المدرسي في مصر إلى عام ١٩١٩م. ومنذ ذلك العهد أصبحت لكلّ مدرسةٍ ثانويّةٍ فرقتها التمثيليّة والموسيقيّة. ثم اتّسع نطاق القسم الخاصّ بالإشراف على المسرح المدرسيّ، فصار إدارةً قائمةً بحدّ ذاتها في وزارة المعارف المصريّة. وفي أيامنا هذه ازدادت الحركة الفنية في مدارس مصر انتشاراً، حيث تمتلئ الأسابيع الأخيرة من السنة الدراسية، بحفلات الطلبة التمثيلية والموسيقية، في المسارح العامّة أو في المدارس. وقد أدخلت مادّة القصّة والتمثيل في مناهج الدراسة الثانويّة. وقرر معهد التربية للمعلّمين، اعتبار فنّ التمثيل والإلقاء من المواد الإجبارية في السنة النهائية. وسيؤدّي طلبة هذا المعهد الامتحان أمام لجنةٍ من كبار الممثّلين. أمّا المدارس الابتدائية، فيقصر فيها على الحفلات الخطابيّة والمشاهد التّمثيليّة القصيرة، التي تستغنيها أذواق التلاميذ. وتلقى في هذه الحفلات الأدبيّة والعلميّة، وتنشد الأغاني المدرسيّة، فُرادى وجماعاتٍ مع الرّقص الإيقاعيّ ويشترط في إخراج الرّوايات، أن تتّفق مع البيئة المدرسيّة، وأن تتجرّد ممّا يبعث الملل في النّفوس، ويجعل المسرح نشيطاً، تتوالى مشاهده. المسرح المدرسيّ في الدّول الرّاقية وهاهي روسيا وفرنسا وإنكلترا وأمريكا لجأت إلى المسرح لتنشئة أطفالها خير تنشئةٍ، فقد انتشرت فيها مسارح تدعى (مسارح الأطفال) يهيئ كلّ شيءٍ في هذه المسارح، من إعداد المناظر، وعمل المكياج والإخراج وما شابه ذلك، تحت إرشاد علماء في التّربية وعلم

стр. 409

النّفس، وينبغي أنّ نعلم أنّه يحظر على الأولاد الصّغار هناك ارتياد مثل المسارح ودور السّينما العامّة، على أن تخصّص لهم هذه الدّور حفلات نهاريّة يمنع من دخولها الكبار. وهنالك محطّات للإذاعة المدرسيّة، تتيح للتّلاميذ الاستماع إلى بلغاء المذيعين وفصحاء المحاضرين، حيث إذا ألفوا سماعهم، واعتادوا الإصغاء إلى أقوالهم أو إلقائهم، يشعرون في نفوسهم إلى محاكاتهم. التّمثيل وفوائده يكاد المعلّم في مدارسنا، يحصر جهوده كلّها في عمل واحد، وهو تلقين تلاميذه بادئ العلوم، وحشو آذانهم بها، ليجتازوا عقبة الامتحان. أمّا التلاميذ ودراسة نفسيّتهم، وعلاج أدواء بيئاتهم المختلفة، وأمّا رفع مستواهم الخلقي، فتلك معضلةٌ لا يجد متّسعاً لحلّها، وإن وجد، حالت دون ذلك الأنظمة الآليّة الموضوعة. . . والفرصة التي يمكن أن تستغلّ لعلاج هذا النقص، هي فرصة النشاط المدرسي، وفي المقدّمة التمثيل والإلقاء. إنّ اهتمام الأمم الراقية بالمسرح المدرسي، وليد الشعور بحاجة الجيل الصّاعد إلى هذه النهضة الفنيّة. فمتى تغمر مدارسنا موجة فنّ التمثيل والإلقاء الذي أصبح وسيلةً فعّالةً للإصلاح، وأداةً هامّةً لتثقيف النّشء وتهذيبه؟ فلعلّنا نجد في السنين القادمة ضمن البعثات الحكوميّة، بعثةً من الأساتذة أصحاب المواهب الفنّية، والكفاءة الثّقافيّة، للتّخصّص في فنّ التمثيل. وحبّذا لو تتدخّل وزارة المعارف تدخُّلاً عمليّاً في الإشراف على الحركة الفنية، وتدمج التربية الفنّية في مناهج التعليم، لاسيّما بعد أن انزاح عن الصّدور كابوس المستعمر، الذي كان يعرقل فكرة جعل الفنون الجميلة جزءاً مهمّاً من المناهج المدرسية. وليس هنا مجال الإسهاب في الحديث عن التمثيل، ولا الإطالة في البحث عن فوائده التي أصبحت غير خافيةٍ. إنّما الغرض الذي أرمي إليه، التلميح إلى أهمية فن التمثيل، عندما الأمم تريد أن تحسن إرشاد جيلها، وتوجّه شعبها. رؤوف جبري

стр. 410

أولادنا دخل الأحنف بن قيس على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه أعجاباً به، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ ففهم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرّة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منّا لما بعدنا، فكن لهم أرضاً ذليلةً، وسماءً ظليلةً. إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم. لا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك. فقال: لله درّك يا أبا بحرٍ! هم كما وصفت.

стр. 411

ثقافة المرأة للآنسة نبيهة الزبيدي لاشكّ في أنّ المرأة عنصرٌ أساسيٌّ من أركان نهضة الأمم والشعوب، ركنٌ يجب تعزيزه وتقويته وأنجع وسيلةٍ للنهوض بالمرأة تكوين شخصيّتها وذلك بتثقيفها ثقافةً حقيقيّةً وتوجيهها توجيهاً يلائم البيئة والعصر والأهداف الوطنيّة والقوميّة. وقد يكون المجتمع قاسياً والعادات مستحكمة ووطأة التقاليد محكمة الزّرد على تقدّم الفتاة ولكنّنا نودّ من الأعماق لو عرفت كيف تستعمل السلاح لطعن تلك الأسباب مجتمعةً طعنةً نجلاء. . . هذا السلاح هو الثقافة الحقّة. . . إنّ عدداً كبيراً من فتياتنا اليوم متعلّماتٌ ولكن نم النادر أن نجد فتاةً واصلت بعد ذلك العمل والجدّ كيما تصل إلى كمال حياتها العقلية والروحية والجسدية بأن تطّلع على ما تنتج قرائح عصرها من علومٍ ومعارفٍ. . فهل كوّنت علوم المدرسة شخصيّتها وهل عرفت إذا ما أصبحت زوجةً كيف تكون زوجةً فاضلةً مدبّرةً ملمّةً بمبادئ الصّحة والاقتصاد والتربية، وهل حاولت تفهّم نفسيّة زوجها وتكييف نفسها ما استطاعت لتمزج روحها بروحه وليتكوّن منهما إنسانٌ كاملٌ يهِبُ نفسه للحياة وإذا ما أصبحت أمّاً هل عرفت كيف تنشئُ طفلها وتجعل منه عضواً فعّالاً في المجتمع بأن تجعل منه شخصيّةً لها كيانها ووجودها. . وإذا ما كانت عضواً في إحدى الجمعيّات هل عرفت كيف تسير بخطى ثابتةٍ قدماً إلى الأمام حتى إذا ما اعترضتها الصعاب تغلّبت عليها وحالت دون تسرّب الملل والخمول إلى نفسها. وإذا كانت في اجتماعٍ أو حفلٍ هل فكّرت بأن تتحدّث بما هو أسمى وأجدر من التعرّض لذكر الزّينة والثياب وحوادث الزواج والطلاق وأحياناً التعرّض للسياسة والأخبار. وأخيراً إذا كانت معلّمةً وعهد إليها بتربية الجيل الجديد فهل فكّرت بكبت أنانيّتها وحقدها وهل عرفت كيف تكون مثالاً صالحاً يحتذى، وهل سمت بعواطفها فوجّهتها بحيث احترمت من تربّي ليحترمها، وهل قدّرت المسؤولية الملقاة على عاتقها والرسالة المقدّسة التي يجب عليها أن تؤدّيها لأبناء وطنها فعرفت كيف تغذّي النفوس والأرواح بكلّ ما يلهب الحماس والنّشاط ويبعث على الابتكار والتّجديد والتضحية والمساهمة بصدقٍ وإخلاصٍ أم أنّها نسيت أنّ التعليم معادلةٌ ذات طرفين فراحت تفرض احترامها وتثبت وجودها على أنقاض نفوس النّشء المحطّمة وراحت تستعمل كل ما

стр. 412

أوتيت من قوةٍ لتؤيّد أنّ لها حقوقاً ولكن ليس عليها واجبات؟ أعتقد أنّ الجواب سلبيّ عند أكثر سيّداتنا وفتياتنا المتعلّمات إن لم يكن عند جميعهنّ وعلى كلٍّ فالقليل لا يُتّخذ مقياساً. وما ذلك إلا لفقدان الثقة الحقّة فما أكثر المتعلّمات ولكن أين المثقّفات اللائي يجدن خوض معركة الحياة بحزمٍ وثباتٍ ويقضين على مشاكلها بحكمةٍ ورويّةٍ وصبرٍ وأناة. فالمعرفة القليلة المتّصلة بالروح المندمجة بالشّخصيّة هي أعظم فائدةً من معلوماتٍ متعدّدةٍ وفيرةٍ ولكن ليس لها صلةٌ بالقلب والروح. فنحن لا نريد منكِ أيتها الفتاة أن تكوني متعلّمةً فقط بل مثقّفةٌ والثقافة هي جهادٌ يسقى بدم القلب وصراعٌ يستمرّ مدى الحياة. فالفتاة المثقّفة الواعية هي التي لا تنظر إلى مظاهر الحياة الخدّاعة. وقد تفشّى لسوء الحظّ بين الكبير والصغير التقليد الذي سخر منه الله لدى انصراف الجاهليين عن الاستجابة للدّعوة الإسلاميّة فقال: إنّا وجدنا آباءنا على أمّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون. فهذا التقليد الأعمى المقيت هو من أعظم أسباب الجمود والتأخّر بيننا ولكن ليس كلّ تقليدٍ هو تقليدٌ يضائل الشخصية ويقضي عليها فليت شعري لما لا نقلّد الشخصيات العظيمة ونتحلّى بصفاتها الحسنة؟ لمَ لا نقلّد السيّدات النبيلات المحترمات؟ لمَ لا نأخذ من زوجة الرئيس روزفلت مثلاً تلك المرأة التي تقوم بمهام منزلها بنفسها - وهي زوجة أكبر رئيس جمهوريّة في العالم - دون أن تخجل أو تفكّر بأن تفاخر بأنّها لا تحسن شيئاً من الأمور المنزلية كبعض سيّداتنا وفتياتنا المحترمات اللواتي بلغ منهنّ الهذر أن رحن يفاخرن بأنّهنّ لا يرضعن الأطفال وإنّما يعهدن بهم إلى إحدى المرضعات. وأمّا عن تقليد ممثلات هوليود فحدّث ولا حرج، وبديهيٌّ أنّ من كان هذا شأنه لهو أبعد الناس عن اكتساب شخصيّةٍ قويةٍ يفرض بواستطها الحبّ والإعجاب على من يحيطون بها. فلتعلم الفتاة أنّ دواعي الجمال كثيرةٌ وأنّ البهجة هي من أعظم أسباب الجمال. فاكسبي جمال الجسم بالنشاط والرياضة واكسبي جمال الروح بالثقافة والتهذيب. فالفتاة المثقفة هي التي لا تحصر اهتمامها بالمظاهر والملابس والأزياء وما إليها لعلمها أنّ هذه الأشياء ليست وحدها هي التي ترفع من قيمتها بين الناس وإنما تساهم في ذلك إلى حدٍّ ما وإنّ هناك ما هو أعظم وأجلُّ من كلّ ذلك، هناك الأخلاق الفاضلة والنفس الطاهرة الوثّابة إلى كلّ عملٍ مجيدٍ.

стр. 413

ثقي يا فتاتي أنّك إذا تمسّكت بالقشور ولم تجعلي هدفك التّحلّي بالصفات التي تجعل منك إنساناً كاملاً له قيمته بين الناس فإنّك حتماً ستبوئين بالفشل وستعيشين على هامش الحياة منبوذةً شريدةً. هيا يا فتاتي فقد فتحت لكِ البلاد أبواب العلم واسعةً فادخليها دون وجلٍ أو خجلٍ فاستنيري بشمس العلم الساطعة ثمّ تقدّمي إلى الأمام إلى الحياة العمليّة وسترين حلاوة النّضال. إنّ العلم والمطالعة ومتابعة نتاج الفكر العالمي هو الذي يخلق منك أديبةً لها آراؤها وأسلوبها المتجدّد. أديبةً تنهض لنصرة أخواتها المهضومات الحقوق المهيضات الجناح اللواتي ينتظرن فورة المتحمّسات أمثالك أمامك قيودٌ مستحكمةٌ وأنانيّةٌ حمقاء وأثرةٌ عرف بها الرجل منذ الأزل فذلّلي ما يعترضك وروّضي الصعاب واقتحمي اللُّجة بعزمٍ وثباتٍ ولا تفكّري ولو لحظةً واحدة بأنّك فردٌ واحدٌ لا يضرّ ولا ينفع بل بالعكس فكّري بأنّك حجرٌ أساسيٌّ في بناء المجتمع مت تحطّم انهار البناء بكامله وأنّك الجسر الذي تعبره مواكب الأجيال حاملةً نبراس الحرّية والحياة. نبيهة زبيدي دار المعلّمات

стр. 414

نحن والواقع للأستاذ صلاح مزهر إننا بحالة وعيٍ شاملٍ، لكنّه وعيٌ نائمٌ أيقظه خطرٌ داهمٌ، فهبّ للدفاع عن نفسه، وقد ثارت فبه قوى الانتقام وحبّ الذّات الكامنة، مستعملاً جميع الوسائل للتّخلّص من عدوٍّ مخيفٍ وخصمٍ عنيدٍ. فوعينا وليد ضغط الاحتلال وقسوته لا يرتكز على تعقّلٍ ورويّةٍ واتّزانٍ ومرونةٍ، إنّما هو وليد الحاجة الملحّة لنيل حقٍّ مغصوبٍ، تحكّمت فيه عاطفة الثورة على الاضطهاد والرّغبة في حفظ كيانٍ مهدّد بالهدم فأصبحنا حيال واقعٍ يطلب منّا حبّ الموت في سبيل الحياة شأن كلّ شعبٍ لا يطيق ذلاًّ ولا يرضى بهوانٍ، فقطعنا، على أشلاء ضحايانا، مرحلةً من أفظع المراحل وأقساها!. . إنّ كلّ أمّةٍ لا تسير مع واقعها لا تفوز، والفئة الواعية فيها بكلّ ما للوعي الصحيح من معانٍ هي التي تسهر على مصالحها وتدير شؤونها حسب مشيئة الظروف والأحوال، بل حسب إرادة الواقع، مراعية إمكانيّات الأفراد ودرجات استعدادهم لمجابهة الطوارئ النّاشئة، وكان واقعنا بالأمس يطلب منّا توجيه الشّعب توجيهاً سياسيّاً فنشأ عن ذلك التّوجيه العاطفي فوز الأماني باستقلالٍ طليقٍ من كلّ قيدٍ، لكن فوجئنا بواقعٍ آخر مملوءٍ بالمسؤوليّات الجسام والمشاكل الاجتماعية المعقّدة يقتضي أن نعالجها على ضوء الحقائق الراهنة وأن نعدّ لها العدّة لنتّقي شرّ السقوط. وأنّ المدرسة التي كانت مسرحاً لبثّ الدعاوات الوطنيّة ضدّ الاستعمار ومصدراً لقوى الشّعب المتوثّبة نحو التحرر والانطلاق والثائرة على الظلم والإرهاق يجب أن تكون مبعث الإصلاح المنشود وموئل التّوجيه القوميّ الكامل بجميع نواحيه ومراميه. إنّ المدرسة هي الأساس في نهضات الشّعوب، وعليها تتوقّف مصائر الأمم، ورغم اهتمام الحكومة الوطنيّة بها بقيت مناهج التّربية على حالها م ما فيها من حشوٍ والتواء لا نفرّق بين حاجة القرية وطلب المدينة، ولا تراعي قابليّات أطفال هذه ولا ميول أبناء تلك. ومن هو فارس المعركة الاصطلاحيّة، والمطلوب منه البعث والإنشاء في دورة المسؤوليّة؟ - المعلّم: إنّه مخلوق مثل غيره لكنّه مبعوثٌ لتأدية رسالة عظيمة تختلف عمّا دعي سواء للقيام به من مهام وواجبات. وإن تكن لكلّ مهنة أو حرفةٍ خاصّة لا تستغني خاصّة لا

стр. 415

تستغني عنها الشّعوب في تدعيم نهضاتها وتقويم حيويّاتها، فلمهنة التّعليم قدسيّة وجلالٌ وفاعليّةٌ تجعلها تستطيع رفع مستوى الأّمة، لذا يجب أن يكون المعلّم مثقّفاً من النّاحيتين الخلقيّة والعلميّة، مطلعاً على أسرار مهنته وأساليبها، محبّاً لها حبّاً شبيهاً بالعبادة لكي يتمكّن من تربية النّشء الحديث تربيةً صحيحةً، فلا يكون من الشّباب الذين يتّخذون من هذه المهنة وظيفة مؤقّتة ينصرفون، خلال إقامتهم فيها ولبثهم تحت لوائها، إلى إعداد نفوسهم لخوض ميدانٍ غير ميدانها لأنّها، في نظرهم، مبتذلةٌ لا تفي بحاجة نفوسهم الطّامحة إلى السّؤدد، لأنّهم لم يتعوّدوا على التّضحية والتّفاني في سبيل أمّتهم ووطنهم أو لأنّ الحكومة لم تنصف أبناء هذا السّلك، فاضطر هؤلاء الشّبّان إلى التّهرّب من أشرف المهن؟ أتيت في بحثي على ذكر القرية، وهنا أقول أنّ الحالة فيها تبعث الحزن في النّفس لأنّها بحاجة شديدةٍ إلى الإصلاح في جميع نواحي العمران. وهي، والفقر والجهل يخيّمان عليها، منبع الرّجولة الحقّة والذّكاء الوقّاد، لا يتطلّب إنهاضها من كبوتها كثير عناءٍ. وأرى أن يُجعل التّعليم فيها إلزاميّاً بقوم بتأدية رسالته شبّانٌ عمادهم الأخلاق الفاضلة وغايتهم تهيئةُ جيل جديد يترفّع عن النّعنات الحزبيّة الضّيقة ويتسامى عن النّعرات الطّائفيّة البغيضة، جيل مؤمنٌ بقوميّته متفانٍ بحبّ وطنه، لا يتنصّل من التّبعات، فتفيد البلاد من عبقريّات فذّةٍ مدفونة، وعقليّات عظيمةٍ مطمورةٍ. وأرى أن يكون إعداد النّشء للحياة العمليّة أكثر منه للحياة العلميّة وتعويده على الأعمال الزّراعيّة حسب الطّرق الفنّية الحديثة، لأن معظم القروييّن لا يتمكّنون من وضع أبنائه في المعاهد العالية لما لها من تكاليف باهظة، وإن القرويّ الذي أنهى دروسه الابتدائية وتطلّعت عيناه إلى نور الحياة ولم تتهيّأ له الأسباب لمتابعة الدّراسة، تأنف نفسه من العودة إلى العمل في الحقل، فتقوى الأزمة في القرى وتكثر البطالة، وتصاب زراعتنا بشللٍ يؤدّي إلى تأخير اقتصاديات الوطن. ولقد أهملت المدرسة اليوم النّاحية الحيويّة التي يتطلّبها محيط القرويّ وتقتضيه بيئته. فإكثار عدد المدارس الزّراعيّة في القرى وتخصيص قسمٍ كبير من برنامج التّعليم فيها للعمل أمرٌ حيويّ مفيدٌ يجب أن يراعا ويحقّق. وإننّا بإصلاحنا شؤون القرية نجعل منها مصدراً نستمدّ منه قوىً جبّارةً في جميع مرافق حياتنا ولن نتخلّص من كثير من أمراضنا الاجتماعية التي يتألّم منها المفكّرون إلاّ إذا رفعنا

стр. 416

مستوى القرية المادّي والمعنوي. وتصبح نهضتنا كاملةً، ووعينا صحيحاً مجرّداً وجسمنا الاجتماعي سالماً من كلّ مرضٍ، إذا دخل العلم إلى الكوخ مثله إلى القصر، لأنّ العظماء الذين بنوا العالم الحاضر بما فيه من اكتشافاتٍ واختراعات، وعلمٍ ورقيّ، ومدنيّةٍ وغنى، وسعادة وكمالٍ، كانوا غالباً من هناك. . . من الأكواخ!!. . مدرسة عرنة الرّسميّة صلاح مزهر

стр. 417

قطرة في بحر يستطيع أن يرى الإنسان بالعين المجرّدة أربعة آلاف نجمٍ في حين أنّه يستطيع أن يرى بالمنظار (تلسكوب) عدّة ملايينٍ منها. وما الشمس إلاّ نجمٌ واحدٌ صغيرٌ من مجموعةٍ يبلغ عددها مليوناً إلى مليونين من النّجوم. ويلوم للضّوء أربعة ملايين من السّنين حتّى يصل من أقرب النّجوم إلى الكوكب الذي نعيش عليه. أليس كوكبنا هذا قطرةً من بحر هذا العالم؟

стр. 418

فن السؤال للأستاذ عبد الرزاق جودة يسمو المرء في أفكاره وآراءه، ويعلو في معارفه وتأمّلاته، سواءً مع تدرّجه في درجات الدراسة والمطالعة، أو مع نشوئه ونموّه في فصول السنّ والأعمار، كلّ هذا يراه إذا ما عاد وتأمّل ذاته، وتعمّق في شخصيّته، يعود إلى عوامل عديدة، أسماها ما فطر عليه من حبّ السؤال والاستطلاع، ولذّة المحادثات والمحاورات، التي تمكّن الفهم والإدراك، وتقوّي الحكم والمحاكمة، وتزيد الإمعان والتّذوّق في العقول والنفوس. يتبيّن لنا من ذلك أنّ أهمّ ما يجب أن يلجأ إليه المربّون والمربيات، والمعلّمون والمعلّمات، في تلقين ناشئتهم العلوم والعرفان، والفضائل والأخلاق، هو السؤال والتّحدّث وقد بحثنا في لمحةٍ سابقةٍ عن ذلك، أما الآن فإني أرسل بنبذةٍ عن كيفيّة انتقاء السؤال والفن في اختياره. يتطلّب السؤال كثيراً من الحذاقة، وكثيراً من الإمعان، إذ هو فنٌّ حقيقي. ولنلاحظ ما فيه من الخصائص الدقيقة. ١ - يجب أن يكون السؤال واضحاً، وذا قيمةٍ: كيف يستطيع التلاميذ الردّ على سؤالٍ محدودٍ، في نتيجةٍ مظلمةٍ، أو فكرةٍ مبهمةٍ، في حين أنّ الأستاذ نفسه من المحتمل أن يلاقي صعوبةً في الإجابة عنه! إنّ الأسئلة العامة الغامضة توقع التلاميذ في حيرة وارتباك عظيمين، كيف نطلب إليهم أن يجيبوا بصورة واضحة وتامّة عن أسئلة كهذه؟ ماذا قلنا في المرة الأخيرة. . .؟ أو ما هي الممالك المشهورة. . .؟ أو ماذا تعرفون عن مجلس الإدارة. . .؟ يفهم من ذلك أنّ الأسئلة التي تعطي إنتاجاً حسناً، وتقدّماً محسوساً في الصّفّ هي غالباً ما تكون حسب منطوق مادّة الدّرس، المستوحاة من عناصره الأساسيّة، فالمعلّمون هم الذين يبذلون قصارى جهدهم لجعل أسئلتهم نيّرة وواضحة، فيخرجون الدرس معها بأجمل صورة، ويجعلون الوقت المكرّس لها كفرصةٍ معدّةٍ للراحة تتناحر فيها الأذهان، دونما قسوةٍ أو قصد. ٢ - يجب أن يكون السؤال جذّاباً ومنطقيّاً: السؤال الواضح، الغضّ، المملوء طلاوةً، وتفسيراً جذّابين للدرس والتّمارين - لاشكّ - أنّه سوف لا يملك قسوة الغصن اليابس الذي

стр. 419

لا يلين، بل يتمشّى مع إصلاح ما هو فاسدٌ، ويربط عرى ما هو متفكك الأواصر، وبالعكس فالسؤال المغلوط والخارج عن نطاق ومنطوق مادّة الدرس، كأنّه يقذف بالتلميذ إلى هوّةٍ سحيقةٍ مظلمةٍ، فيبعث في فكرته التشويش، والارتباك، ويسوقه إلى الإيهام والإبهام الخطيرين. لذا يجدر بالمربّي الحقيقي أثناء أسئلته ومحادثاته الأخذ بيد التلميذ، والسير به بمعونة أسئلةٍ محكمة الارتباط، ومطبقةٍ على أشياءَ حسيةٍ توقظ فيه الحياة، وتظهر قواه الكامنة للمّ شعث أفكاره المبعثرة. وذلك بإحضار الأسئلة الأساسية، الموضّحة لمادّة الدرس بصورة فنّية دقيقة، واعتناءٍ فائقٍ صحيحٍ. ٣ - يجب أن يكون السؤال في مستوى معرفة التلاميذ وعقليّتهم: الأسئلة الفارطة في الصعوبة تخمد - دوماً - الجواب، والاتّقاد، وتطفئ النشاط والاستعار، وتجلب السآمة والملل إلى النفوس. والأسئلة البالغة في السهولة لا تحدد شيئاً من المقدرة، بل تكون عديمة الفائدة، وقليلة الإنتاج. ففي الأسئلة الصعبة مثلاً: كيف تسأل في حساب الصف الأول كم ثلثاً في الأربع برتقالات؟ أو في مفردات الصف الثاني، آت لنا من كلمة طبخ اسماً وصفةً ومصغّراً؟ مع أننا لم نعطِ شيئاً من ذلك، وهكذا دواليك في بقية الصفوف. وفي الأسئلة السهلة، فكيف لا نبعث الفرح والمرح في التلميذ في أسئلة تلذّ له ظاهريّاً، وفيها الضرر بعينه، إذ تثير فيه الإعجاب بنفسه، وتجلب له الغبطة والسرور، ولا تحيجه في الجواب إلا لكلمة (نعم) أو (لا) والتي في بعض الأحايين يشرع المعلم في الإجابة عنها، فيعطي جلَّ الجواب أو أجمعه، ولا يترك للتلميذ إلا الجهد الضئيل لإيجاد آخر كلمةٍ أو آخر مقطعٍ في الجواب، نحو ولد محمد ﷺ في. . .؟ مكّة. وكان خالد بن الوليد في جيش العراق ال. . .؟ القائد. إنّ طائفةً من مثل هذه الأسئلة، أكانت أسئلةً صعبةً أم سهلةً، بدل أن تذكي الأذهان بالعكس فإنّها تميت الحركة الفكرية، ولا تترك للتلميذ حقّه في العمل الذّهني، والجهد التّفكيري، وتكون - محض - مميتة (للطريقة التعليميّة الفعّالة) بمجلّة فن التّربية في ١٥ كانون الثّاني عام ١٨٨٨ م، إذ قال: إنّ نفس التّعاليم الشّرعيّة في الدّين المسيحي تتقدّم بأسئلة

стр. 420

وأجوبة، ولا تملك صفة تحيج إلى إجهاد وإعمال الفكر، بل العكس تلخّص إلى المحاورة بصورة لفظيّة، أدبيّة، مطابقة للمعرفة والعقل). ٤ - يجب أن يكون السّؤال لا إفراط في السّرعة، ولا تفريط في البطء: هناك معلّمون كثيرون، عديمو الأناة والتؤدة، لا يعرفون معناً للتّريث من معنىً في أسئلتهم ومحادثاتهم، فلزاماً علينا أن نقول لهم: دعوا التلميذ أن يفكّر في السؤال فلا تضايقوه، ففي الإضافة إزعاج له، وشلٌ، لقواه، وإذا ما تأكدتم - بعد هذا - من عدم الجواب، انتقلوا به إلى غيره علّه يستوي إلى الطريق ثم إذا كان سؤالكم يشوبه شيءٌ من الغموض، وغير واضح بصورةٍ جليّة غيّروا شكله في التّقديم، أو التّأخير، أو بقلب العبارة المبهمة. والمشكلة الأعظم من ذلك هي النّاشئة من الشّطر الثاني من هذه الفقرة، وهو برودة وبطء السّؤال. فكلّ سؤال فيه جمودٌ وبلادةٌ يصطحب معه ضباباً قاتماً يخيّما في جميع أرجاء الصّف. لأنّه من المؤلم بمكانٍ أن يرى سؤالٌ واحدٌ يدور أمداً طويلاً حول تلميذٍ واحدٍ حيث يجنح الباقون في هذه البرهة الزّمنيّة الطّويلة إلى الصّمت العميق المضرّ، وينساب إليهم الضّجر والملل اللذان يعقبهما عدم الانتباه والفوضى. ٥ - يجب توجيه السؤال إلى الجميع: المعلّم الذي يعني بتوجيه سؤاله - أبداً - بالأقوياء من التّلاميذ لا شكّ أنّه يرى أصابعهم - بلا فتور - تتقاذف إلى الأعلى، وما أعظم غبطتهم؟ عندما يجيبون بلا صعوبةٍ، أو إجهاد فكرٍ بالنسبة إليهم. أجل؟ لا يمكن الاستغناء عن سؤال أمثال هؤلاء التّلاميذ، وإغفالهم وشأنهم أو تركهم في عزلةٍ لوحدهم ظنّاً منّا أنّهم وصلوا إلى الغالية المنشودة، ونحن بغنى عنهم. ثمّ ولا يسعنا الاشتغال معهم وترك الباقين في جوّهم يعتهون، بل يجب الاستعانة بالقويّ، لأجل إذكاء الضّعيف، والالتفات إليه كيما ننعشه وندبّ فيه النشاط والرّوح. إن متوسّطي الطّلاّب أو ضعافهم. في أيّ صفٍّ جعلناهم، أو في أيّ جقبة من أيّام الدّراسة حسبناهم يجدر بنا أن لا ننظر إليهم كأشخاصٍ جامدة، أو صورٍ خياليّة قال - فيسيو -: (لمن دواعي السّرور العظيم أن لا يمرّ، ولا صفّ، تلاميذه كثيرون كانوا أم قليلون، دون أن ينتابهم - جميعاً - قسطهم من السّؤال وسيكون - بالعكس - الألم

стр. 421

الممض بعينه إذا ما ظنّ أحد التّلاميذ أنّه منسيّ أو مزدرىً به، لأنّ الإحساس بالسخرية، أو عدم العدل، كافٍ للتضليل والارتباك. قسماً بعيناي أحلفه؟ إنّ أفضل معلّمٍ هو الذي يستنبط من جميع تلاميذه - على السواء - أفضل كميّة). ٦ - يجب أن لا يطلب السّؤال من تلميذ بمفرده: المثل الأعلى في السّؤال هو إشراك جميع التّلاميذ فيه وذلك بطرح أسئلة شاملة عامّة، تتردد دائماً في المكالمة والتّحديث، شريطة ألاّ تحدث جلبة أو ضجيجاً، يتسرّب معهما تشويش في فهم الفكرة، أو تعذّر في عدم نضوج وتثبيت الموضوع ثمّ ولا يسمح لنا بأيّ وجه من الوجوه أن نعيّن بادئ بدء، ونطلب إليه أن يجيب، فنقول، مثلاً: قم يا نزار وقل ما هي دول الجامعة العربيّة؟ بل يستحسن دائماً أن نوجّه السّؤال إلى علامّة الصف ونطلب الجواب بسرعة من أحد التّلاميذ الذين رفعوا أصابعهم إذا وجدناه مناسباً للرّد، وتحقّقنا استطاعته بالإجابة في غضون ثانية. . . أو ثالثة. . . أو أقلّ. وبذلك، وأن نستخدم في بعض الصعوبة لتسوية فاعليّة جميع التّلاميذ على السّواء، سواءً في التّكلّم أو الانتباه أو اليقظة أو المحاكمة. . . ولكن في النّهاية، ومع الممارسة والتّمرين لابدّ من الوصول إلى الغاية المنشودة ونثر بذور النّشاط، والمباراة، والغيرة بين الجميع مهما اختلفوا في المشارك والأهواء. وأخيراً قبل الانسحاب منن الموضوع ألفت النّظر إلى نقطة هامّة هي: أنّ جلّ المعلّمين يصادفون في تدريسهم نفراً من التلاميذ لا يهتزّون لما يطرح ويجري في الصّف من الأسئلة. فهؤلاء الصّامتون ليسوا - دائماً - أغبياء، بل استحوذ عليهم الخجل فأخمهم على المعلّم الحاذق أن لا يتركهم فريسة الأوهام بل ينشّطهم بكلماته الشّجيّة المشجّعة، ونبرة صوته الجذّابة الملأى بالعطف والرّقّة وإذا جرّ بعضهم إلى الاستجواء، ورآهم قد أجاب خلطاً فلا يستهزء به، ويفتّش عن خزيه، ويضحك الصّف لهفوته، إذ بهذا يؤصّل فيه البكم إلى الأبد، ويجني عليه ويجرّه إلى خطر البلادة، وسوء العاقبة. عبد الرزاق جودة

стр. 422

رد لاذع بينما كان عازف البيان البولندي الشّهير بادرفيسكي يزور مدينة بوسطن منذ سنوات، اقترب منه ماسح أحذية وسله: هل أنظّف حذاءك يا سيّدي؟ فنظر بادرفيسكي إلى وجه الغلام الملطّخ بالأقذار وقال له: كلاّ يا بنيّ ولكن إذا غسلت وجهك فسأعطيك قطعة نقود! فأجاب الغلام: حسناً وأسرع إلى أقرب نافورة فغسل وجهه وعاد متهلّلاً. . . فأعطاه بادرفيسكي قطعة النّقود التي وعده بها. . . لكنّ الغلام تأمّل قليلاً رأس الفنّان الذي استطال شعره حتّى غطّى عنقه، ثمّ ردّ إليه قطعة النّقود قائلاً: كلاّ يا سيّدي. . . الأفضل أن تستبقي نقودك لتقصّ بها شعرك.

стр. 423

شذرات وداد شمندري الأطفال الأشقياء الأطفال الأشقياء كثيرون في كلّ أمّةٍ وكلّ مجتمع، لاسيّما في الأمم التي يتفشّى فيها الجهل وعدم الاهتمام بالتربية والتعليم. وأمريكا بالرغم من تفوّقها في مدان المعارف والعلوم، ما زالت تشكو من شقاوة الأطفال وشذوذهم الخلقيّ ولهذا أخذ علماء وأساتذة علم النفس فيها يفكّرون بوسيلةٍ ناجعةٍ تقضي إلى حدٍّ ما، على تلك الشقاوة، وذلك الشذوذ. وقد افتتح الدكتور ويليام لانجفورد في نيويورك مستشفى لعلاج الأطفال بطريقةٍ مبتكرةٍ، وهي أن يتولّى فحصهم ودراستهم في بادئ الأمر جماعةٌ من الأخصّائيين في علم النفس والتربية، حتّى إذا ما وقفوا على حقيقة أمر كلّ طفلٍ وشخّصوا مرضه، شرعوا في معالجته علاجاً نفسيّاً يتّفق وحالته، وقد نجحت هذه التجربة، واستطاع الدكتور لانجفورد أن يشفي عدداً كبيراً من الأطفال من شقاوتهم وأن يجعل منهم أطفالاً وديعين أذكياء نابهين. وذكر الدكتور لانجفورد أخيراً في حديث له مع بعض الصّحافيين والمشتغلين بشؤون التربية، أنّه يقترح على الحكومة إنشاء عدّة مستشفيات من طراز مستشفاه في مختلف أنحاء الولايات المتّحدة، كما يقترح معالجة المسجونين والأشقياء في السجون بهذه الطريق، لأنّها أجدى وأنفع في إصلاح حال المعوجّين. الجامعيّون والانتخابات بعد حينٍ ستدور معركة الانتخابات النيابية التي تستعدّ لها البلاد استعداداً خاصّاً، لأنها أوّل معركةٍ تدور بعد تحرير البلاد، وجلاء الأجنبي عنها، ناهيك عن هذه الروح الوطنيّة، وهذا الوعي القومي الذي نلمسه في ونشهده في كلّ ناحيةٍ، وفي كلّ طبقةٍ من طبقات الشعب، ولاشكّ أنّ طلاب الجامعات عندنا سيساهمون في خوض تلك المعركة يلعبون دورهم فيها. ومن طريف ما قرأته في هذا الصدد، أنّ في البرلمان الإنكليزي الحالي، اثنا عشر عضواً يمثّلون الجامعات. وبذلك يتيسّر للجامعيين - طلاباً وخرّيجين - وهو أعلى طبقات الأمّة في ثقافتها، أن يساهموا في توجيه سياسة البلاد وشؤونها. كما أنّ الدستور الإسباني يحتّم على كلّ من يحمل الشهادةً الابتدائية فما فوق أن يعطي

стр. 424

صوته في الانتخابات. ملوحة ماء البحر يقول الدكتور جاجار، وهو اختصاصي في دراسة البراكين وتكوينها، أنّ البراكين هي السبب في ملوحة ماء البحر، فإنّها تقذف سنويّاً من جوفها ما لا يقلّ عن مليون طن غاز حمض الهيدروكلوريك، فيمتزج في أعالي الجو ببخار الماء ويسقط مطراً غزيراً في مجاري الأنهار، ويكوّن ملح الصوديوم. ويقول هذا الدكتور أنّه لولا سوائل البراكين، لكان ماء البحار عذباً، لأنّه عذبٌ بطبيعته. سرّ الحياة أراد أستاذٌ في علم النفس، أن يختبر شخصية تلاميذه، فأمرهم أن يملأوا إحدى الغرف بما يتراءى لهم، فملأها الأول بالقشّ فقال الأستاذ: - إنّك تسعى إلى العيش من أقصر الطرق وأسهلها. وملأها الثاني بالنّشارة فقال له: - أنت تميل إلى العمل الكثير، ولكنّك لا تجني ثمرة جهدك. وملأها الثالث بالكتب فقال له: - أنت لا تعتني إلا بالقشور والنّظريات، ولا تلمس الواقع أبداً. وملأها الرابع بالأزهار فقال له: - إنّ الحياة ليست جميلةً وسهلةً بالدّرجة التي تنظر إليها، هناك بعض الأشواك التي تدمي البنان. أما التلميذ الخامس، فإنّه وضع شمعةً مضيئةً في وسط الغرفة، فقال له الأستاذ: - أنت أعظمهم، لقد فهمت سرّ الحياة. . . إنّ واجبنا أن نضيء الطريق للآخرين. . .

стр. 425

تيسير الكتابة العربية للأستاذ اديب شاكوج قامت في مصر ضجّةٌ جريئةٌ منذ سنين عدّة حول تيسير الكتابة العربية واختلفت الآراء، وتضاربت الأفكار حولها. فمن قائلٍ بضرورة الكتابة بالأحرف اللاتينية، ومن قائلٍ بإبقاء القديم على قدمه ومن منادٍ بضرورة إجراء تعديلٍ وتشذيبٍ على الطريقة المتّبعة حالياً. ولكلّ فئةٍ من هؤلاء الأعلام حججٌ دامغةٌ، وبراهين قوية يدعم بها نظريّته ويدافع عنه بقوة وإيمان. وقد اطّلعت على أكثر الاقتراحات المنشورة في مختلف المجلاّت حول هذا الموضوع، ولا أزال أنتظر بفارغ الصبر وعد المجمّع الملكي المصري الذي أخذ على عاتقه نشر كتابٍ يتضمّن جميع المقترحات في هذا الباب، واتّضح لي من دراستي لتلك المقترحات بأنّ الأكثرية تميل الآن إلى التهذيب والتبسيط وتعتبرهما خطوةً جريئةً نحو الهدف المنشود. وأنا من القائلين الآن بضرورة الإسراع إلى التسهيل قبل التبديل وقد هيّأت اقتراحاً حول الموضوع سأنشره بعد الإطّلاع على الكتاب الموعود! ولما كان هذا الموضوع حيويّاً وخطيراً ويهمّ الأساتذة والمعلّمين الذين يعانون هذا الأمر قبل كلّ أحدٍ أرى من الواجب الاهتمام به والاشتراك علمياً وعمليّاً ببحث هذا الموضوع الجليل وإنّي أدعو زملائي الأكارم أن يهتمّوا بهذا الجدل العلمي فيرسلوا بآرائهم واقتراحاتهم ونتائج تجاربهم وذلك لتنوير الآراء وتقريب وجهات النّظر وللوصول إلى طريقةٍ رشيدةٍ تقلّ عثرة الكتابة العربية وتجعلها في مصاف اللغات العالميّة الحيّة.
следующие страницы →