← Джавами‘

Джавами‘ · id 73354

مجلة «المعرفة» السورية

عادل العوا

Полный текст (608 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

العدد ٦ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩٤٧

стр. 457

السعادة للدكتور: عادل العوا المرأة والرجل، في جميع الأقطار، وفي كافة الأوقات، ينشدان السعادة. والمرأة مثل الرجل، بل وأكثر منه، تأسف لاستحالة تحقق السعادة، حتى في النسيان، وفي الحب. فما هو هذا الآلهة العاصي، الحبيب الرهيب، آلهة السعادة؟ ليسمح لي القارئ الكريم أن أقوم وإياه بنزهة قصيرة في عالم الغرب أولاً. حمامة وامرأة ذهبت ذات يوم حمامة جميلة بيضاء، هي روح القدس المباركة، ورمز روح القدس، من منبر الكنيسة الكبرى حيث وضعتها يد الفنان القدير، وطارت خلال الأقواس والهياكل، حتى مرت بين قضبان نافذة قديمة، ووصلت إلى الفضاء الرحب، وحلقت فيه، وسارت في طريق لا تعلم نهايتها، هي طريق السعادة المبتغاة. وكانت إحدى السيدات، وأسمها (ماري). زوج كاتب العدل في القرية، تسير في ذات الطريق التي لا تعلم نهايتها، وهي طريق السعادة. وكانت (ماري) تحدث نفسها قائلة: لقد مضى على زواجي خمس سنوات طوال، قضيتها مع قريني الضخم، أزرء بالعيش ليل نهار، لقد سئمت عشرته الليل كله، وثلاث مرات في كل نهار، في سائر أوقات الطعام. وكلما حانت ساعة الأكل، تكتل على الكرسي، ولم ينسى في الشارع أمعاءه الواسعة، وفتح جريدته اليومية، المملة، وفرك يديه بانتظار اللذة، لذة البطن والفم، من غير أن يلفظ حرفاً، أو يقول ابتسامة وسلاماً، وفي السرير، كان ينام ويغالي في النوم. لا ينشد إلا أصواتاً نكراء، حتى إذا استيقظ عاد إلى دفاتره وأرقامه، وإن شاء تبديلاً وتجدداً، نظر إلى موظفة البريد، وأبتسم لها بملء دماغه، وبادلها الفكاهة والتعريض، وهي تستدعيه نفسها على قبحه وجسامته انه ضخم، سمين، رهل، ممل، إلا مع موظفة البريد. وقد كرهت البقاء وإياه، ولذلك فأني أغادره وأسلك هذه الطريق التي لا تعرف نهايتها، طريق السعادة دركي ونائب وكان يسير خلف السيدة (ماري) في طريق السعادة، رجل من أفراد الدرك، وكان يفكر في نفسه، ويتكلم وحده، وقد سمعته يقول: إن الدركي موظف يجب أن يفرض احترامه على

стр. 458

الناس. غير أن شعب القرية بأسره يتهامس قصة الدركي الذي خانت امرأته العهد، وقطعت العفاف بالغدر. فليس الدركي أن يبقى في القرية حيث لا يحترمه الشعب، فلذلك يغادرها هائماً على وجهه، سالكاً الطريق التي لا تعرف نهايتها، طريق السعادة. وكان على الطريق ظل خبيث، فارغ، غامض، كثيف، مخروطي، يتقدم ببطء وتأرجح. انه ظل النائب (جورج) الذي ارتدى أفخر ما لديه من ثياب، ووضع عويناته العريضة، فوق عينيه الصغيرتين، ونظم ذقنه الكثيفة، السمجة، ومشى يبحث عن السعادة في الطريق التي لا تعرف نهايتها. وكان لسانه صامتاً. غير أنه يقول: إن مهنة النائب أصبحت لا تطاق. عليه أن يكذب دوماً، مثل المحامين، وعلى سامعه أن يصدق دوماً، كما يصدق المريض الطبيب. غير ان ذكاء النائب، إن كان ذكياً، يأبى عليه المثابرة في الغش والخداع، ويحمله على الفرار من منطقته الانتخابية وإلا كان الفقر نصيبه بعد حين، إذا تجلى الموقف، وأبصر الناس، وعندها تذهب الدعوات والتكارم والبذخ عبثاً، وفوق ذلك، إنه سيصاب بتصلب الشرايين، لما يقضي من ساعات ودهور في الوقوف خطيباً، أو معارضاً، أو متزعماً!. إن هذه المهنة قد انحطت، مثل سائر المهن السحرية، لقد كان النائب ينمق الخطب، ويتحدث عن الحرية والمساواة والاستقلال. كما كان رجال القرون الوسطى يتحدثون عن الكبريت الأحمر، أو الحجر النادر، الذي يقلب الحديد ذهباً، والظلام إلى نور، وكان المجال رحباً، وكانت الصور زاهية وضاءة، أما اليوم، وقد قيدت الحرية في العالم، وأصبحت تمشي على أربع، مثل حريات الأمم المتحدة، فهي حريات مضحكة، طليقة مقيدة، يضحك منها حق الاعتراض، أي حق النفع الشخصي في مجلس الأمن. . . وأظنه مجلس الخوف، خوف أعضائه فيما بينهم، وخوف الناس منهم، وعلى النائب أن يتحدث، رغم ذلك، عن العدالة والسلام، على مسمع القنابل الذرية، وضوء تجارب بيكيني، وأنشودة مؤتمر لندن ونيويورك وباريز. . كلا، إن مهنة النائب أصبحت لا تطاق، فليس فيها كرامة الجسد والنفع، وليس على النائب (جورج) إلا أن يعنى بالزراعة والتجارة ومعاطاة الصناعة والاقتصاد والسيارات. . . فهذه سبيل السعادة، سعادة النائب الذكي، المعاصرة الحديث. . . القديس

стр. 459

وكان الأغراب من كل هذا حديث القديس (دنيس). وهو أيضاً يسير في الطريق التي لا تعرف نهايتها، طريق السعادة، يحمل رأسه بين يديه، وليس في قولي هذا غلو أو خيال، فمن المعلوم أن الأساطير تروي سيرة هذا القديس المبارك، الذي بترت رأسه فالتقطها وبقي على قيد الحياة. وأقيمت لها التماثيل على هذا الشكل في الكنائس والبيع، وقد سمعته يتأوه مرتلا هذا القول: يا لها من كآبة. . . أنني لا أزال احمل رأسي فاسمع وأرى. . . وقد تعاقبت علي العصور والسنون، وبلغت من العمر جد عتياً. لقد سئمت أحاديث المتدينات الساذجات. وكل منهن تسر إلي أحلامها، وأمانيها، وتطلب مني الصحة والجمال أو زوجاً مخلصاً مع كثير من المال، لم تتبدل أقوالهن منذ مئات الأعوام. وهن يلمسن قدمي حتى ذابتا، ويرقن العبرات من عيون خلقت للجمال، وأنا لا أبصر غير شعرهن المخضب، وعنقهن من الخلف، وكلهن خاضع أمامي، راكع دوني، وفي قلوبهن المرارة أو الغيرة، وعلى شفاههن الابتسامة والصلاة، يسبحن مجد الآلهة الحنون. لن أطيق بعد الآن صبراً، إن عملي أصعب من عمل قديس بسيط. . . أود أن أرى هذه الوجوه، وألمس هذه القلوب، فمن السعادة الإنسانية أبحث، والسعادة طريق لا تعرف نهايتها، ولكنها طريق محببة، حارة، تستهوي القديس. . . رجوع إلى العقل ثم ماذا حدث بعدئذ؟ ظلت السيدة (ماري) تتابع سيرها في طريق السعادة، فتعثر خطاها من حين إلى حين، ويصطدم حذاؤها العالي بالحصى والأحجار، وكان يسير خلفها الدركي التعيس، مكسور القلب، خائب الأمل، وكان يحمل نفسه على الشجاعة والإقدام، كلما سمع صوت نعيله الكبيرين يرفسان الأرض، كما تفعل الخيول من أفراد الحيوان، وأما النائب (جورج) فقط كان يرفع يده يمنة ويسرة، وكأنه يحيي الناس من غير تفكير ولا إرادة ولا عاطفة، بل بدافع العادة والتمرين. وكان القديس (دنيس) يعدو خلف الجميع لاهثاً، يقمع جسمه الرخامي البارد، ويحمل رأسه الذي يقطر دماً فيقع الدم على الأرض، ويرسم نجوماً وأزهاراً ووروداً.

стр. 460

غير ان الحمامة الصغيرة البيضاء، وهي تمثل روح القدس، هبطت بظلها إلى السعادة فأمست جبين السيدة (ماري) وأعادت إلى رأسها العقل، وما أصعب أن يعود العقل إلى رأس امرأة أحياناً. . . عندما رجعت روح الرحمن المقدسة إلى زوجة كاتب العدل، تساءلت عن نهاية الطريق التي لا تعرف نهايتها، وعما ينتظرها إذا تابعت سيرها في طريق السعادة المجهولة قالت: اعتقد أن كل أنواع الحب تتشابه، وتؤول نهايتها إلى مثل حالي من الضجر والسآمة والملل. غير أني في الواقع لست تعيسة إلى حد كبير. لقد أعدت طراز حياة زوجي، كاتب العدل، وألفت عيناي رؤيته يتمطى ويتثاءب ويحمل أحشاءه من غرفة الطعام إلى السرير. أجل. أن له صوتاً نكراً، حين ينام، ولكن كثيراً مالا أنتبه إليه، وليست قراءة الجريدة اليومية التي تشغله عني ثلاث مرات كل نهار، تسؤوني إلى أقصى حد. فعندما يفتح جريدته أنظر إلى الصفحة الأخيرة منها وأرى نماذج الأزياء، وأخباراً منوعة عن حوادث الزواج والحفلات والسهرات والسرقات والإجرام. . . فما يكون نصيبي إذا تركت زوجي، كاتب العدل، وعثرت على رجل جديد لا أعرف عنه الشيء القليل قبل الشيء الكثير؟! انتهت المرأة الغربية إلى حكمة المرأة الشرقية فقالت: إن الوجه الذي تعرفه خير من وجه لا تتعرف إليه ثم عادت أدراجها في الطريق التي يعرف أولها، طريق السعادة. وعندما التفتت السيدة (ماري) إلى الوراء واصطدمت بالدركي الذي كان يسير خلفها في الطريق، فابتسمت له، واعتذرت منه، ووجدت فيه رجلاً قوي الجسم، عليه مسحة من جمال الخشونة، وفي خشونة بعض الرجال جمال. قهقهة الدركي في نفسه، وقد سمعته يفكر قائلاً: إن الدركي يأمل ويثق بمئات النساء غيرها. فالدركي يولد دركياً، ولا يموت إلا دركياً. فلماذا يفتش عن غير ما خلق له. ويسعى في طريق السعادة التي يعرف أولها. وهاهي السيدة (ماري) زوج كاتب العدل، تعجب بي، تعجب بالدركي وباللباس الحربي، ولا ريب ان اللباس الحربي يشوق كثيراً من النساء، ولولا ذلك لما التفتت إلى الوراء، وابتسمت لي، واقتربت مني. انتهى تفكير الدركي الغربي السخيف بما يماثل تفكير جميع زملائه في الشرق، وحسب أن اللباس العسكري وحده يشوف الفؤاد، ويخلق العاطفة والإعجاب، وعاد إلى القرية والأمل

стр. 461

يملأ صدره، والهوى يضل عقله وروحه. تقدمت السيدة (ماري) يصحبها الدركي العاشق، عدة خطوات، فصادفا السيد (جورج) نائب المنطقة الانتخابية، وقد كانت علامات التعب بادية على وجهه، وكأن تصلب شرايينه أصبح جموداً بارداً في نظرته وابتسامته. وقد توقف ذراعاه عن حركة التحية ذات اليمين وذات اليسار. وكان يتمتم من غير أن يحرك لسانه وقد عرفت انه يقول: قسماً بالحريات المقيدة، وبميثاق استيلاء، القوي على الضعيف، إنني ثمل الآن، حقاً وصدقاً، لقد شربت كثيراً من الكحول في الدعوة التي أقمتها للناخبين، وان كانوا غير ثانويين، وقد فقدت ذكائي، وكيف يصح لي أن أترك النيابة وأذهب في طريق السعادة باحثاً عن التجارة والاقتصاد والنفع، فما قيمة نائب لا ينتخب، وما شأن تاجر تجعل منه الأمة نائباً يمثلها ويدافع عن حقوقها، ويعمل على التقدم بها في سبيل الكرامة والمجد! قاتل الله الإكثار من البطن، أنها ذهبت بفطنة السيد (جورج) نائب المنطقة الانتخابية، وحمداً لله الذي أعاد عقل النائب إليه، وانتهى التفكير الذكي بالنائب الغربي إلى ما يماثل تفكير زملائه في الشرق، وعاد أدراجه مفصلاً النيابة على كل شيء، يسعى إليها السعي المستجد الحثيث، كأن النيابة غاية ليس وراءها قصد، وعمل ينال بخطاب بارع، طويل أو قصير. . . أما القديس (دنيس) فقد دهش لرؤية السيدة (ماري) والدركي ونائب المنطقة الانتخابية يعودون في الطريق التي يعرف أولها، وهز كتفيه الرخاميين الناصعين، وبقيت رأسه بين يديه، بعيدة عن منكبيه، وقد ظننت أنه يقول: عفوك اللهم، أن هؤلاء البشر لا يعرفون ما يصنعون. وهبتهم العقل ولكنهم لا يعقلون. يبحثون عن السعادة في الطريق التي لا تعرف نهايتها ولا أكاد أتابعهم في ذلك حتى أجدهم على تراجع غريب. كلهم الآن يعود على قريته الصغيرة، ويقنع بما قسم له، السيدة (ماري) تعود إلى زوجها، وتأمل في ألا تكره وجهه وجثته ويديه. والدركي يعود إلى القرية يزهو بثوبه العسكري الفاتر، البعيد عن إبداع الزي الجديد وتطور الجمال والفن. والنائب الذي بذل ماله وصوته سخياً يعود إلى استثمار هذا المال في حانوت الوطنية، وسوقها، وأنا ليس لي إلا الرجوع إلى الله فراراً من هؤلاء البشر جميعاً، ما أجمل مقامي على مر العصور والأجيال في رخام التماثيل، تسجد أمامي

стр. 462

الكواعب من النساء، وتحدثني كل منهن عما تكتمه عن أبيها وأخيها وزوجها، أعاهدك اللهم إني أن أمل حديث النساء اللاتي حلقت وأحسنت، وأحمدك على هذه النعمة التي وهبتن فما هي قدسية القديس لولا المرأة، وما أعطيها من جمال وإغراء؟ سأعود إلى قرية البشر منذ الآن. واسلك الطريق التي يعرف أولها، طريق السعادة. لم تنته هذه الصلاة حتى انتفضت الحمامة الجميلة البيضاء، وانتشرت روح القدس وهي من روح الله، والله يعلم أن نظام الأرض قد فسد اليوم في الشرق والغرب، الناس جميعهم أفراداً وشعوباً يتحرون السعادة ولكنهم يتقاتلون ويغلظون كأكثر ما تتقاتل الوحوش الضارية وأدهى. يظلم بعضهم بعضاً، ويتناهون إلى الكذب والكبرياء، وهذا الله العظيم يعلم إن السعادة لا تسود أرض الإنسان الآن، وهو يعلم إنها تحقق في نفوس الناس حين يرضى الناس العيش في قريتهم الأرضية بعد آلاف القرون، وحتى آلاف القرون، من الأعمار. في الشرق لنرجع الآن - يا قارئي العزيز - من الغرب إلى الشرق، ولنعد من الخيال إلى الواقع، ومن التصور إلى الثبوت، فأين نحن من السعادة في وطننا العربي الحبيب، وفي بلدتنا السورية الجميلة، وفي قريتنا الأرضية الرائعة، دمشق؟ ليست سعادتنا في مكان ما من هذا البلد، ولكنها في كل مكان، في المسجد والشارع والبيت والنادي والسراي ومجلس النواب. . . المؤمن والمؤمنة لا تزال الروح الدينية أساس فلسفة السعادة والوجود في الشرق، والجامع الأموي مثل البيع والكنائس، رمز في دمشق لنوع واسع من السعادة يمثل عقلية الناس عندنا، ويوحد عواطفهم وآمالهم وأحلامهم وهدفهم في الدارين على السواء. إن المؤمن يعشق خالقه الرؤوف الرحيم، ويجد فيه أمل السعادة كأنه يموت غداً. فمنه يطلب الشفاء إذا مرض، وبه يستعيض عن الطب والعلم والقنابل الذرية للقضاء على الأعداء. والمؤمنة ترى أن طفلها يعيش عمره المقدر له حتماً، فلا تكلف نفسها عناء حفظ صحته جسمياً وخلقياً، فما كتب على ابنها لا يتبدل، وهي قادرة على إنجاب ما استطاعت من الأطفال، البنت تنمو سريعاً ومن تلقاء ذاتها، والابن موفور الحظ، تربيه رياض الأزقة والشوارع، وفي كل هذا راحة

стр. 463

من التفكير بواجب التربية والمعرفة، وفي زوال التفكير شعور بالسعادة. التاجر نعم، إن الحياة الدينية مفعمة بالشعر والعاطفة، ولكنها في هذه المدينة صورة أولى واسعة نجد إلى جانبها إشكالاً أخرى من نماذج السعادة. فالتاجر - وان كان مؤمناً - له سعادة تجارية أيضاً يقيسها بالمال ويفصلها عن تعاليم الخير والدين، هذه السعادة التجارية غايتها الربح مهما كلف الأمر، على حساب الفقير قبل الغني، وشعار التاجر في ذلك انه يعيش أبداً، وليس من قيمة للعدل في تحديد الربح والسعر والاحتكار، لا في القانون ولا في الواقع. والسعي إلى السعادة التجارية هو طريق الحلال المباح، لا بأس إن أهمل التاجر في سبيله أمور الحياة الراقية الأخرى من ثقافة وفن ومعرفة واجتماع. . . سعادته تمثل في الراحة من كل مالاً يجلب الدينار، وكل ماعدا المال ترهات فارغة لا تقدر بالأسهم في الشركات. الجمود والسعادة في دمشق تبدو في حركة الناس الهادئة، المطمئنة، التقليدية، الصامتة. بلغ من خدرهم وجمودهم أن توفي عندهم الشعور بالصور المزعجة الأليمة التي تشوه الحياة في الشارع والدار. ما أبلغ التفاوت بين مظهر الناس عندنا وبين تفكيرهم وبؤسهم، وكم من طفل مزق التشرد قلبه ورأينا صدره الصغير خشناً عارياً كأخمص قدميه. وبات سروده البريء بطولة في إزعاج الناس، سيما المحسنين، وكم من تفاوت بين أحياء بلد ليس هو أكبر بلد في العالم الآن حتى يستحيل تدارك الأمر، فلا الآداب واحدة، ولا اللياقة تامة، ولا العطف على الشيوخ سائداً، ولا احترام النساء طبيعياً شاملاً. ورغم ذلك كله. فالحياة العامة في دمشق لها سعادتها العجيبة، وهي سعادة على كل حال. تنقصها الموسيقى، وتنقصها الحيوية، وينقصها الفن، ولكنها سعادة بالمعنى السوري، سعادة لا تتبدل، لان التبدل يقتضي التفكير الصالح والجهد والثبات، بل الجرأة على التفكير والجرأة في بذل الجهد، والجرأة في الثبات. وهذه كلها تتطلب أمراً أخيراً غير الراحة والدعة. والسعادة عندنا جمود وراحة وارتياح. الأسرة

стр. 464

إن حياة المنزل سعيدة عندنا، لولا أنها في بعض أحوال الأسرة أقرب إلى الشقاء. أين احترام جميع الرجال جميع النساء؟ أين التفاهم بين الزوجين أو بين الزوج ومختلف الزوجات؟ أين التعاون في خدمة الوطن عن قصد وشعور؟ نعم، نسمع بتمنيات الإصلاح ولكن أين هو هذا الإصلاح؟ إن سعادة الأسرة تقاس عندنا بالقناعة، قناعة المرأة بأي زوج كان. حتى وان كان لم يرها، وإن كانت لم تعرفه. وهي قناعة الأم بأي ولد كان، هزيل أو قوي، قبيح أو جميل. وهي قناعة أفراد كل أسرة بمصلحة أسرتهم قبل مصلحة الوطن الأكبر، وان الوطن حقاً هو فوق جميع الأسر وصالحه فوق صالح الإقطاعيين. الحكومة وأما الحكومة عندنا، فهي سعيدة حتماً، ونحن بها سعداء، ألا تراها تغدق في البناء الهادئ الحكيم الرزين، ونحن في الشرق نعشق كل قول يتسم بالأناة والهدوء والحذر والوقار، وأما الدهر والتطور والزمان فتباً له إن كان لا ينتظر وصولنا، ونحن سنتغلب عندها. . . بالارتجال الوثاب السريع. التفاؤل والتشاؤم أما وان كنت يا عزيزي القارئ صابراً كريماً، واسع الصدر عطوفاً، فلا تثريب علي في الابتعاد بك الآن عن الغرب حيث لا نعيش، وعن الشرق حيث يجب أن نلطف القول والنقد، وسنبحث معاً عن السعادة في قبس من نور التاريخ، علناً نلمح هذا الإله الموهوم، الغامض، القصي، الناقص، أو العاجز المسكين. لقد اختلف مفكرو الإنسانية في أمر السعادة وتقديرها من جهة، واتفقوا في الإيمان بها واعتبارها من جهة أخرى، وهم في رأيي خاطئون في الحالين. إن نجدهم على اختلاف في تقدير السعادة، لكل منهم رأيه، ورأيه يختلف باختلاف مزاجه في الصباح والمساء، في الراحة والتعب، وهم بين متفائل ومتشائم. يرى (معرينا) العظيم أن الحياة كلها تعب ولا أعجب إلا من راغبة وراغب في ازدياد، ويؤكد (شو بنهاور) أننا أبصرنا النور خلال الدموع، وكلما تقدمنا في السن تعقدت أواصر الفاجعة حتى تنتهي بالموت، وليس في الموت سعادة، وما معنى حياة أولها نواح وأوسطها كفاح وآخرها زوال وفناء، غير أن المتفائلين ينكرون البؤس ويرى أحدهمإلا وجود للبؤس في أي حادث كان،

стр. 465

وكل ما في الواقع حوادث يسيء البؤساء قبولها والحياة ثقة وورد وحب وجمال ونجاح. وإنا نجدهم على اتفاق غريب في اتخاذ السعادة غاية الحياة، في الأرض وفي السماء. يعلن ذلك رجال الفكر والفلسفة والدين والأدب والأخلاق من كتاب وكاتبات، ومصلحين وقديسات صديقات. شعار السعادة الدنيوية أن تعيش على الأرض أبداً. وشعار السعادة الأخرى أن لا تفنى في الفردوس أبداً. وسأتغلب أيها الصديق القارئ على بعض من شعور التواضع والاعتذار فأظهر لك أن هؤلاء جميعاً يخطئون حيث يتفقون في أمر السعادة وحيث يختلفون. السعادة تفسير إن السعادة في رأيي ليست غاية الحياة، كلا. أنها هي تفسير الحياة، وهي تفسير للحياة فحسب. ليست السعادة ابتسام طفل، وحكمة عجوز، بل هي تفسير كل إنسان لفلسفته في الحياة. وذلك التفسير هو الذي حارت فيه عقول الناس منذ أقدم العصور حتى الآن، وأن نعرف نحن تفسيراً مناسباً للسعادة وللحياة إلا إذا أحطنا قليلاً بناموس الثقافة وسنة الفكر. الإنسان موجود له غرائزه وميوله وفكره ويداه. ومن كل هذا يستمد تفسير وجوده في الحياة، وحينما يكون تفسير العيش مطابقاً للعيش، تحصل السعادة. وحينما يخالف تفسير العيش واقع العيش، يكون الشقاء. إن الحمامة الصغيرة البيضاء، أي العقل والثقافة وروح القدس، حينما تغادر عقول الناس في الطريق التي لا تعرف نهايتها، طرق المجهول والممكن، يتيه الناس. فالسيدة (ماري) تفسر بقاءها مع زوجها تفسيراً يخالف طبيعة الزواج. أنها تفسر الحب بعد خمسة أعوام مثل تفسيرها له في سن الصبا، وقبيل الزفاف. وليست السعادة هي التي تخطئ السيدة (ماري) بل تفسير السيدة (ماري) للسعادة هو الخطأ المبين. إن طريق السعادة التي يعرف أولها تبدأ - في رأيي - بتفسير الحب تفسيراً صحيحاً. فالنظر في علم النفس وقوانين العاطفة وآثار العادة لاشك يوضح للعقل أن ممارسة الحياة الزوجية يؤثر على حماس الحب، فيقلبه إلى صداقة رائعة ذكية غالباً، ويزيده اتقاداً ونوراً أحياناً. لا عاصم من أن رؤية أله جمال ليل نهار، طول كل ليلة، وخلال كل فترة طعام من كل نهار، يضعف الشعور بالجمال، ولذا يبدو كاتب العدل القديم في نظر زوجته رجلاً عادياً كسائر الناس، له

стр. 466

حسناته والسيئات، له جماله وقبحه، يخطئ ويصيب، وعندما لمست الحمامة البيضاء جبين السيدة (ماري). أعادت إلى رأسها العقل، ففسرت السعادة تفسيراً ملائماً يطابق حقيقة الزواج، وعندها عادت أدراجها تتابع العيش بين ذراعي رجل كثيف، رهل، سمين. وليس شأن الدركي ونائب المنطقة الانتخابية والقديس (دنيس) يخالف حال السيدة (ماري) من حيث البحث عن السعادة والضلال في تفسيرهم أولاً، ثم الرجوع إلى الصواب عند الرجوع إلى الطريق التي يعرف أولها، وهذه الطريق في رأيي هي حقيقة الإنسان، كما نعرفها اليوم، وقد أصبح في قدرتنا أن نعلمها الآن إلى حد كبير بعد رقي علم النفس وعلم الاجتماع. أننا نملك مفتاح السعادة في هذين العلمين. التفسير العربي السعادة في دمشق، وفي سوريا، وفي الشرق العربي وغير العربي، كلها تفسير، وهي تفسير الحياة، لا غاية الحياة. المجسد الأموي معبد السعادة حين يفسر المؤمن المسلم الحياة الدنيا بالآخرة، ويرى إن رضا الله وطاعته قبل وفوق كل شيء، من العلم إلى الحكومة، والمعابد والكنائس هي في نظر المؤمنين من غير المسلمين مساجد تكفل السعادة من غير فشل. بل هي طريق الوثوق والهدي، طريق بعيدة جداً، ولكنها قاب قوسين أو أدنى. طريق لا تعرف نهايتها، ولكنها أوضح من الشمس، وأعظم ربحاً من اكبر جائزة في أصدق يانصيب!. . ليس الخطأ في وجود السعادة أو عدم وجودها. بل الخطأ في جهلها، والبحث عنها حيث لا توجد. كان الإنسان منذ أقدم العصور يرى أن السعادة شيئاً جامداً، أو سلعة تباع وتشتري، وكان الرجل الابتدائي يظنها طعاماً يقيه من الجوع، ومدية يطعن بها الوحوش، وبيتاً ينحته في الصخر فيعصمه من الماء، وإذا تقدم الإنسان أعتقد إن السعادة قواقع نادرة أو أحجار كريمة وجواهر يزهو بها على غيره من الناس، بها يتقرب السحرة من ألآلهة، فتتم التجارة بين العالمين، وتتسع السعادة من الدنيا إلى الأخرى، ومن الأحياء إلى الأموات، فهذه الحلي والجواهر تزين قبور المصريين كما تزين الهياكل والصدور اليوم. بها كانت تشتري الآخرة، كما تشتري بها اليوم ضمائر الناس. ولم تكن الآخرة تشتري إلا لأجل السعادة، كما

стр. 467

إن الوجدان لا يباع اليوم إلا في سبيل السعادة. والخطأ في هذين العقدين مؤسف عظيم. وهو خطأ الاعتقاد إن السعادة شيء ثابت جامد، مع إن السعادة عمل نفسر به العيش مادمنا نعيش. إن سعادة المرأة العربية وسعادة الرجل العربي، ليست كلها في مكان واحد، وزمان واحد، فليست هي الماضي فحسب، ولا الحاضر من غير المستقبل، إنها ليست الحب وحده، ولا الزواج، ولا التجارة، ولا الزراعة، ولا الشارع، ولا المقهى، ولا الصحافة ولا الحكومة ولا الأحزاب. السعادة هي كل ذاك معاً، وفي آن واحد، لي هي تفسيرنا الجيد الصالح لكل ذاك، دونما حصر ولا استثناء. وعندي إن واجب المرأة العربية، مثل واجب الرجل العربي، في الليل والنهار، لا يخرج عن أمر ممكن، غير مستحيل. إنه سبيل سعادتنا: وهو الجرأة على فهم الحياة فهما صحيحاً، ومعرفة تقديم الأهم على الهام، والتضحية في سبيل الصالح الأعم وفوزه على الصالح الفردي والصالح العام. أن هذا كله شرط نجاح العرب من حيث أنهم أمة تامة الجسد والنفس، موحدة الأقطار والقلوب والعقول يقظة في الأقطار وفي القلوب، وفي العقول. إن السعادة تفسير، والتفسير العربي للسعادة لا نريده أن يكون سحرياً رجعياً غامضاً متقاعساً. عليه أن يضع الأمور مواضعها، ولا يضحي في سبيل الزواج ضرورة التعارف والحب، وفي سبيل الغني الفقراء كافةً، وفي سبيل الربح التجاري شؤون المعرفة والفن والاجتماع. لسنا نقل عن الغربيين والأمريكيين استعداداً طبيعةً ورغائب وحاجات وميولاً، وربما تفوقنا عليهم في كثير، ولكننا نساويهم في القدر والقيمة حتماً، ودوماً، وفي كل حال. وأصل ما يفرق بيننا أنهم يفسرون الحياة تفسيراً يخالف مالا نزال نذهب إليه، لقد تقدم الزمان في السن، ولا يسعنا إلا التبصر في فهم عمر الزمان فنعرف فلسفة الوجود التي توجهنا ونوجهها، معرفة صحيحة تستند إلى العلم والثبات ولكنها تعيش بالمرونة والتطور والذكاء. سعادتنا أن نعيش كأمة صالحة، لا ينقصها شيء، ولا تجمد على شيء، نفسر الإنسان تفسير الحق، فنعرف السعادة، ونسعى إلى بناءها في حديقة الأرض، قبل السماء، والعربي فردي النفس ولكنه اجتماعي العقل واليد واللسان، لم يكن زيل الشعوب فيما مضى، ولن يبقى دون التطلع إلى المجد والحياة منذ الآن، وسيهزم كل عدو ويفوز العرب

стр. 468

بالسعادة، وبالمجد وبالحياة. عادل العوا

стр. 469

معاهد المعلمين والتربية الوطنية الدكتور جميل صليبا الوسائل والطرق التي يجب أن تتخذ في مدارس المعلمين ومعاهدهم حتى يخرجوا قادرين على أن يجعلوا من تلاميذهم مواطنين صالحين لمدارس المعلمين صفتان أساسيتان: جميع المواد العلمية التي يدرسها غيرهم من الطلاب ولكنهم يدرسونها من وجهة نظر معينة تمكنهم من تعليمها في المستقبل لتلاميذهم. وهم يدرسون أيضاً بعض المواد المهنية كعلم التربية العام وأصول التدريس وعلم النفس التربوي وتاريخ التربية وغيرها. ويخصصون وقتاً كافياً لملاحظة الأطفال والتمرين على إلقاء الدروس في المدارس الابتدائية. على أن مدارس المعلمين لا تحقق الغاية المرجوة منها إلا إذا أخذت ببعض الطرق والوسائل التي تكسب طلابها صفات حسية وفكرية وخلقية تعينهم على النجاح في مهام التربية والتعليم التي سيعهد إليهم فيها وتعدهم لتربية مواطنيهم صالحين يفهمون حقوقهم وواجباتهم ويحبون بلادهم. وهذه الطرق والوسائل مقيدة في مدارس المعلمين بأمرين أحدهما المدرسي الذي يطبقها والثاني الطالب الذي وضعت من أجله. لذلك كان لابد في مدارس المعلمين من العناية أولاً بانتقاء المدرسين عناية تامة فأن روح التعليم في كل مدرسة تابعة بالدرجة الأولى للمدرسين القائمين على شؤونها ومتى صلح المدرسون وتفرغوا لعملهم التربوي تفرغاً تاماً كان تأثيرهم في نفوس تلاميذهم أبعد وأبلغ. لذلك أيضاً وجب التقيد في انتقاء الطلاب بشروط مختلفة فلا يقبل في مدارس المعلمين إلا من كان قوي البنية تام الحواس وأضح الصوت سالماً من الأمراض والعاهات البدنية حسن الخلق صحيح التفكير محباً لمهنة التعليم. ومع أن الإحصاءات قد دلت على إن أكثر التلاميذ لم يختاروا مهنة التعليم من ميل إليها واستعداد نظري لها فأن عناية لجان الانتقاء باختبار أصلح التلاميذ قد أدت في الواقع إلى إصلاح مدارس المعلمين ونجاح تلاميذها في مهنتهم. وكلما كانت قابليات التلاميذ الفكرية وخصائصهم الخلقية أوفق كان الأخذ بالطرق والوسائل اللازمة لإعدادهم المسلكي أسهل.

стр. 470

لنفرض الآن أننا انتقينا لمدارس المعلمين أصلح المدرسين وقبلنا فيها أحسن التلاميذ تفكيراً وخلقاً وجسماً فما هي الطرق والوسائل التي يجب الأخذ بها في هذه المدارس لتخريج معلمين قادرين على أن يجعلوا من تلاميذهم مواطنين صالحين. تنحصر هذه الوسائل عندنا في ثلاثة أمور: (١) - الإعداد العلمي (٢) - الإعداد الاجتماعي (٣) - الإعداد العملي. (١) - الإعداد العلمي إن مهنة التعليم لا تطلب من المعلم أن يكون عالماً بمبادئ التربية وأصول التدريس فحسب بل تشترط عليه أيضاً أن يكون محيطاً بالمواد العلمية التي يريد تدريسها. ومن الخطأ أن نعلم طلاب مدارس المعلمين كيف يعلمون من غير أن نعلمهم ماذا يعلمون. لذلك يجب أن تشتمل المناهج في مدارس المعلمين على جميع المواد العلمية التي تتمم ثقافة المعلم وتنمي في الوقت نفسه ملكاته الفكرية. ولا يتسع لنا المجال هنا للبحث في الطريقة التي يجب على أساتذة مدارس المعلمين أن يسلكوها في تدريس كل مادة من المواد العلمية. فأن لكل علم من هذه العلوم طريقته الخاصة. إلا إن هناك ملاحظة عامة تنطبق على جميع المواد العلمية وهي أن التعليم في مدارس المعلمين يجب أن يحقق غرضين أساسين الأول ثقافي والآخر مسلكي. أما الغرض الثقافي فيوصل إليه بانتهاء الطريقة التي توقظ الفكر من نومه وتنمي ملكات العقل وتحبب العمل الشخصي إلى الطالب حتى يتعود الكشف عن الحقائق بنفسه. والطريقة الفعالة هذه تصلح للعمل الفردي كما تصلح للعمل المشترك بين أفراد كل فرقة من فرق الصف. وفي وسع الأساتذة أن يأخذوا بها من غير أن يؤدي ذلك إلى أي تعب أو تعقيد أو تأخير. وهي تناسب الاستقراء والاستنتاج معاً وتعتمد على الحدس الفكري كما تعتمد على الحدس الحسي وتحبب الدرس إلى التلاميذ حتى لقد قيل أنها طلسم ينقذ التلاميذ من الملل ويعين المعلم على تقدير مواهبهم ويولد فيهم روح الانتقاد ويعودهم التأمل الشخصي والتفكير الحر والإبداع. فإذا خرجوا من مدارس المعلمين نقلوا إلى تلاميذهم هذه العادات الفكرية وأبعدوهم عن التقليد الأعمى. وأعدوهم لحياة اجتماعية ديموقراطية يتمتع كل فرد من أفرادها بحريته الشخصية. أما التعليم التلقيني فينصب ينابيع الفكر ويقلب أفراد المجتمع إلى عبيد يخضعون لما يفرض عليهم من غير أن يفكروا فيه. وأما الغرض

стр. 471

المسلكي فيوصل إليه بإعداد التلاميذ تربوياً ونفسياً معاً. فالإعداد التربوي يتم بدراسة علم التربية العام وتاريخ التربية وأصول التدريس وعلم التربية التجريبي وعلم إدارة الصفوف والتشريع المدرسي وعلم رعاية الطفل. ويشترط في هذه الدراسة أن تكون نظرية وعملية معاً فلا يقتصر فيها على استماع الدروس والمحاضرات بل يجب أيضاً أن تقوم الطلاب أنفسهم بملاحظات تربوية وتجارب وأشغال عملية ولا نغالي إذا قلنا إن تربية المعلمين يجب أن تكون مماثلة لتربية المهن الأخرى كالقانون والطب والهندسة. فكما أن هناك قوانين فيزيولوجية عامة يأخذ بها الطبيب عند حل المشاكل التي تعترضه كذلك يشتمل علم التربية على مبادئ عامة للتعليم إذا أخذنا بها المعلم استطاع أن يتغلب على جميع الصعوبات التي يصادفها. ولو أن مبادئ التعليم هذه وضعت في صورة قواعد واضحة يتلقاها معلمو المستقبل لتم لنا الكثير مما يتطلبه إعداد المعلمين إلا أن التباين لايزال عظيماً بين الواقع وبين ما يجب أن يكون. فقواعد حفظ الصحة على كثرتها لم تق الأفراد من الوقوع في الأمراض كما أن قواعد التعليم على مرونتها لم تؤد بعد إلى إعداد معلمين حاذقين. والإعداد النفسي يتم بدراسة علم النفس هو دراسة علم النفس العام وعلم النفس التجريبي وعلم نفس الطفل وعلم النفس التربوي والمنطق ومبادئ العلوم. والغرض الأول من هذا الإعداد النفسي هو دراسة حياة الطفل دراسة عميقة محيطة بنموه الجسدي ونموه الفكري والخلقي. ولا تبلغ هذه الدراسات النفسية غايتها إلا إذا كانت مصحوبة بملاحظات وتمارين عملية في مختبرات المدرسة وصفوف الأحداث ويجب لذلك أن يضع كل طالب في مدارس المعلمين صوراً نفسية لتلاميذ بعض الصفوف تبين صفاتهم الفكرية واستعداداتهم وتدل على شخصية التلميذ الفكرية كما تمثل مجموع الصف. وعلى طلاب مدارس المعلمين أن يعتمدوا في وضع هذه التصاوير الفردية والعامة على ملاحظات ألعاب الأطفال ورسومهم وأشغالهم وسلوكهم ودرجاتهم في الامتحانات والاختبارات. إن هذا الإعداد النفسي والتربوي قد أصبح من الأوليات المسلم بها فعلم التربية والتعليم يجب أن يستند إلى علم الطفل كما يستند علم الزراعة إلى معرفة طبيعة الأرض والنبات

стр. 472

وكما لا يمكننا أن نتصور مدرسة للمعلمين خالية من العلوم النفسية والتربوية. ولكن هذه العلوم لا تفيد المعلم إلا إذا عرف كيف يوفق أحكامها وبين الحالات الجزئية التي تعترضه. وما أكثر المعلمين الذين يتفهمون هذه العلوم من الناحية النظرية ويعجزون في الصف عن العمل بها. إن المعلم الذي يجيد هذه العلوم ويعجز عن تطبيقها على الأحوال الفردية يشبه النحلة التي تجهد نفسها في ملء خلية العسل المثقوبة. فهو وفقاً لقواعد علم النفس والتربية التي قرأها في الكتب ولكنه يطبقها في صف خيالي من غير أن يشعر بالمشاكل التي تعترضه في الواقع فكأنه آلة مسجلة تكرر الأمور القديمة بصورة آلية من غير أن توفق بينها وبين الشروط الجديدة. إن هذا التعليم الآلي لا يهيئ لنا مواطنين صالحين بل يصوغ عقول التلاميذ في قوالب جامدة وخير طريقة لتربية الأحداث تربية صحيحة هي تكييف قواعد علم النفس والتربية بحسب حاجتهم. فإذا أردنا أن نجعل طلاب مدارس المعلمين قادرين على تربية مواطنين صالحين وجب علينا أولاً أن نصلح إعدادهم العلمي. وهذا الإصلاح يقتضي أن تدرس المواد العلمية في مدارس المعلمين من وجهة نظر خاصة تمكن الطلاب من تعليمها في المستقبل كما توجههم إلى الاستفادة منها في التربية الوطنية ففي مسائل علم الحساب مثلاً مجال واسع لذكر بعض المبادئ كفائدة التوفير وضرورة الضرائب وفي درس التاريخ والجغرافية أمثلة كثيرة لإحياء الوعي القومي وإعطاء فكرة واضحة عن الدولة والأمة والوطن وفي قراءة النصوص الأدبية وسيلة أيضاً للبحث في الروابط الاجتماعية وواجبات المواطن وحقوقه. فإن تدريس التربية الوطنية في المدارس الابتدائية لا يمكن أن يقتصر مباشرة على الساعات المحددة في البرنامج بل أن المعلم يستطيع أن يجد في كل مناسبة وفي كل درس منفذاً للتربية والإرشاد والمربي الحق هو الذي يخلق هذه المناسبات ويستفيد منها. ٢_الإعداد الاجتماعي إن غاية الإعداد الاجتماعي في مدارس المعلمين هي إنماء شخصية الطالب وتهذيب أخلاقه وإذكاء شعوره بالروابط الاجتماعية والمثل العليا الإنسانية وإذا علمنا أن من أهداف المدارس إنماء الوعي القومي وتوليد الشعور بالتعاون والمسؤولية أدركنا ما للأعداد

стр. 473

الاجتماعي في مدارس المعلمين من عميق الأثر في توجيه التعليم العام. والمثل الأعلى للمواطن العربي كما نتصوره اليوم يقتضي أن يكون المواطن صحيح الجسم جيد التفكير ملما بما يحتاج إليه من العلوم في الحياة العملية حسن الخلق قوي الإرادة متجملا بأدب الطفل والمعاشرة مدركا حقوقه وواجباته محباً لوطنه وقوميته رائدة الأمانة والإخلاص في العمل وغايته الإنشاء والبناء راغباً في الاستقلال الفردي والسياسي شاعراً بضرورة التعاون الاجتماعي. ويجب أيضاً أن تكزن الغاية من التربية الوطنية في بلادنا أن يحب الفرد الوطن العربي العام كما يحب وطنه الخاص وأن يدرك المثل العربية كما يفهم المثل الإنسانية العامة وأن يتعلم القيام بواجبه السياسي في دائرته الخاصة سواء أكانت قرية أم مدينة. وهذه الأهداف العامة تقتضي أن يكون الفرد عضواً عاملاً في أسرته عضواً عاملاً في المجتمع عن طريق المهنة التي يزاولها قادراً على الاستمتاع في أوقات الفراغ بالموسيقا والفن والأدب والتمثيل وغير ذلك من الصلات الاجتماعية. هناك وسيلتان لتحقيق هذا الإعداد الاجتماعي في مدارس المعلمين: الأولى هي تدريس بعض المواد التي تعد الطالب لفهم المشاكل الاجتماعية وتولد فيه الحس الاجتماعي والثانية هي تنظيم العمل التربوي في مدارس المعلمين على وجه يحقق النشاط المدرسي من جميع نواحيه. ١_أما الوسيلة الأولى فيمكن تحقيقها بتدريس علم الاجتماع والمعلومات الحقوقية والمدنية. إن هذه الدروس تعد الطالب مباشرة لفهم النظم الاجتماعية وتعينه على إدراك تطور الحضارة ومعرفة العلاقات الدولية. ويمكن تحقيقها أيضاً كما بينا سابقا عن طريق بعض المواد الأخرى بصورة غير مباشرة كتدريس التاريخ العربي القديم والحديث وتدريس جغرافية البلاد العربية وعلم الصحة المدرسي والوقائي. فبرنامج علم الاجتماع يجب أن يتضمن دراسة بعض المبادئ العامة في تطور المجتمعات مع دراسة بعض الأوضاع الاجتماعية كالأسرة والمهنة والأمة والدولة والحياة الفكرية والروحية والحياة الاجتماعية والإنسانية. ويجب أن يتضمن أيضاً دراسة عملية لبعض الأوضاع الاجتماعية المحلية بحيث يطلب من كل تلميذ في مدارس المعلمين أن يقوم

стр. 474

بدراسة اجتماعية عن قرية من القرى ووضع من الأوضاع المعروفة كالمستشفيات والجوامع والمدارس والمحاكم والسجون وطرق المواصلات والجمعيات والنوادي والمعامل وحياة العمال وغير ذلك من المباحث التي تعوده ملاحظة الظواهر الاجتماعية المحيطة به وتمرنه على تحليلها ونقدها وتعينه على فهم تكونها وتطورها. وبرنامج المعلومات المدنية يجب أن يعرف الطالب بقوانين البلاد ويطلعه على حقوق المواطن وواجباته ويبين له أنظمة الحكم المختلفة ووظائف السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في النظام الديموقراطي وحدود الحريات وضوامنها الدستورية والقانونية والأخلاقية. وبرنامج التعليم الصحي يجب أن يتضمن المقاييس الشخصية للنمو والتطور الجسماني والتغذية والقيمة الغذائية للأطعمة مع بيان القواعد الصحية الجيدة في التهوية والتدفئة والمسكن واللباس والمحافظة على الحياة ووقايتها من الأمراض والصحة الاجتماعية وصحة الفرد والصحة المدرسية. ٢_وأما الوسيلة الثانية في الإعداد الاجتماعي فتستند إلى مبدأ النظام الحر والحكم الذاتي وإلى فكرة التوسع في النشاط المدرسي واعتباره جزءاً أساسياً في تربية الخلق وتهيئة المراهق من حيث هو مواطن للقيام بالأعمال والواجبات التي يفرضها عليه المجتمع. ونرى أن خير وسيلة لذلك هي: أن يخلق في مدارس المعلمين بيئة معنوية صالحة لإنماء حسن المسؤولية وتقوية الشعور بالواجب في نفوس الطلاب. وفي سبيل تحقيق ذلك يرشح الطلاب مندوبين عنهم لمعاونة الإدارة في مختلف الأعمال مثل مراقبة نظام المدرسة ونظافتها وإدارة المكتبة ومراقبة المطعم وتنظيم الحياة الاجتماعية والرحلات العلمية. ويدعى الطلاب إلى تأليف الفرق الرياضية والكشفية والموسيقية والجمعيات والأندية واللجان المدرسية. فمن الجمعيات المدرسية جمعيات خدمة المدرسة والجمعيات العلمية والأدبية والتمثيلية والخطابية وجمعيات الحفلات والمناظرات والجمعيات التعاونية وجمعيات الخدمة الصحية ومن الأندية نادي الألعاب ونادي الموسيقا ونادي الرياضة ومن اللجان لجنة المطبوعات التي تعني بإصدار جريدة أسبوعية أو مجلة شهرية أو نشرة مدرسية سنوية ولجنة الطلبة التي تشرف

стр. 475

على تنظيم مجالس الطلبة وتدير الحياة الاجتماعية في المدرسة وتشرف عليها ولجنة الرحلات العلمية التي تشرف على تنظيم الرحلات الأثرية والجغرافية والاجتماعية داخل البلاد وخارجها. ويجب عل طلاب مدارس المعلمين فوق ذلك أن يشتركوا في جميع الأعمال المتممة التي تدعوهم إليها المدرسة خلال العطلة الصيفية من مجتمعات كشفية وتمارين عسكرية وأشغال في المعامل والحقول وأعمال إصلاح القرى ومكافحة الأمية وإلقاء المحاضرات الشعبية العامة وإقامة المعارض التربوية. ومن وسائل الإعداد الاجتماعي التي يجب الأخذ بها تكليف طلاب مدارس المعلمين دراسة الحالة الاجتماعية لبعض تلاميذ المدرسة الابتدائية كالبحث عن أسرهم وموارد حياتهم وطراز معيشتهم ومشاكلهم الخاصة. إن هذه الطريقة تحبب إلى طلاب مدارس المعلمين البحث عن أحوال تلاميذهم وتعينهم على تربيتهم ضمن الشروط الاجتماعية الواقعية. ومن الوسائل التي يجب الأخذ بها أيضاً تبادل خريجي مدارس المعلمين بين الدول العربية. إن هذا التبادل يتمم إعداد المعلم العربي ويهيئه لفهم المشاكل الخاصة بكل قطر من الأقطار العربية ويؤدي إلى توحيد العواطف والآمال المشتركة ويعين على خلق روح عربية عامة. ومن الوسائل المتممة لإعداد المعلمين عقد مؤتمرات تربوية تدرس فيها المشاكل الاجتماعية والخلقية والمسلكية التي تعترض المعلمين. إن الاشتراك في هذه المؤتمرات يطلع المعلم على المشاكل التي صادفها زملاؤه في مناطقهم ويولد في نفوس المعلمين روح التعاون والتفاهم ويقوي روابطهم ويحبب إليهم مهنهم. ٣_الإعداد العملي يجب أن يكون للإعداد العملي في مدارس المعلمين منزلة كبيرة. وهو يتم في المدارس الابتدائية أو المدارس التجريبية الملحقة بمدارس المعلمين. إن طلاب مدارس المعلمين يتعلمون في هذه المدارس الملحقة كيف يطبقون أصول التدريس العامة والخاصة في مختلف المواد العلمية. فيبدؤون أولاً بملاحظة الأعمال في المدرسة الابتدائية وينظمون الألعاب والرحلات ويراقبون الأطفال في باحة المدرسة ويديرون جماعات الأطفال ثم يستمعون بعض الدروس المثالية التي يلقيها معلمو المدرسة الابتدائية أو أساتذة التربية. إن هذه الدروس المثالية لا تأتي بالفائدة المرجوة منها إلا إذا

стр. 476

أعدلها طلاب مدارس المعلمين قبل إلقائها وبعد الانتهاء منها إذ يعرض أستاذ التربية أو معلم الصف عليهم المبادئ النفسية والتربوية والمنطقية التي استند إليها في إلقاء الدرس وبين لهم كيفية عداده وغايته ونتائجه. وعلى الطلاب أن يحضروا بعض الدروس تحضيرا كتابيا مختصرا يعرضونه على أساتذتهم وأن يسجلوا في دفاترهم ملاحظات الأساتذة عليها ونتائج المناقشة التي تدور حولها. وهذه الدروس التجريبية التي يلقيها طلاب مدارس المعلمين يجب أن تشمل جميع صفوف المدرسة الابتدائية وجميع المواد وهي تعود الطالب حسن استعمال الأدوات المدرسية وتمرنه على تطبيق مبادئ التربية والتعليم بنفسه ويجب أن يعهد أيضاً إلى طلاب مدارس المعلمين في إدارة صف من صفوف المدرسة الابتدائية تحت إشراف أستاذ التربية أو مفتش المعارف يعلمون فيه جميع المواد ويتمرنون على طرق التربية الحديثة كطريقة وذكر ولي وطريقة دالتون وطريقة فنيتكا وغيرها. * * * ينتج مما تقدم أن مدارس المعلمين لا تحقق الغاية المرجوة منها في تنشئة المعلمين إلا إذا جمعت بين الإعداد العلمي والإعداد الاجتماعي والإعداد العملي. فالإعداد العلمي يقتضي العناية بتدريس الآداب القومية والتاريخ العربي وتاريخ الحضارة وجغرافية البلاد العربية وعلم الاجتماع والمعلومات الحقوقية والمدنية وعلم التربية وعلم النفس وغيرها. والإعداد الاجتماعي يقتضي خلق بيئة اجتماعية تولد في نفوس الطلاب حسن المسؤولية ومحبة الوطن والشعور بالروابط الاجتماعية. والإعداد العملي يقتضي تدريب الطالب على أصول التدريس كما يدرب المهندسون في المعامل على أعمال البناء والصناعة. وهذا كله يقتضي أن تكون روح التعليم في مدارس المعلمين متجهة إلى تحقيق المثل الأعلى الذي نصبو إليه في مجتمعنا الحديث. وفي كل نظام تربوي أمران أساسيان لابد من مراعاتهما الغاية والواسطة. فغاية التربية في التعليم العام هي إعداد مواطنين متصفين بجميع الصفات الفكرية والخلقية والجسمية التي

стр. 477

يتطلبها مجتمعنا الحديث. وواسطة التربية هي مجموع الطرق التي تؤدي إلى نقل هذه الصفات إلى الطفل. فإذا أردنا أن نحقق المثل الأعلى الذي نتطلع إليه في تربيتنا الحديثة وجب علينا أولاً أن نحسن إعداد المعلمين الذين سنعهد إليهم في تربية النشء. وعلينا أن نحرر نفوسهم من الفتور والقلق والتواني والتشاؤم. فإن إتقان وسائل التربية وطرق التعليم لا يؤدي على تنشئة المواطنين الصالحين إلا إذا كان المعلم نفسه مؤمنا برسالته لا يستطيع المعلم أن يكون رسولا إلا إذا كان قبل كل شيء مواطنا صالحا. لذلك يجب على طلاب مدارس المعلمين أن يدركوا خطورة المهمة التي رشحوا نفوسهم لها وأن يحصروا جميع قواهم المادية والمعنوية في حسن القيام بأعمالهم ووجباتهم المدرسية وأن يحاسبوا أنفسهم ويسعوا دائما لترقية مداركهم وتنقية عواطفهم وتقوية إرادتهم. وأن يتمسكوا بالأخلاق الفاضلة والأهداف القومية ويراعوا الآداب الاجتماعية ويبتعدوا عن التحزبات السياسية والنزعات الطائفية. لقد دلت الحرب العالمية الثانية على أن العالم محتاج إلى إنماء الروح الديمقراطية في نفوس جميع الأفراد. وأن فكرة الحرب لا يمكن أن تزول من النفوس إلا إذا تقربت أهداف التربية عند جميع الأمم بعضها من بعض فالأمم العربية لا تستطيع المحافظة على استقلالها إلا إذا عنيت بإعداد معلمين يجمعون بين مبادئ التربية الديمقراطية والأهداف القومية العربية. أن الصف لم يصبح بعد في بلادنا جمهورية صغيرة يتعاون أفرادها في سبيل الخير العام وإنما هو الآن مثال مصغر من أمثلة الحكم المطلق. إن الديمقراطية الحقيقية تدعو المواطن إلى أن ينمي في نفسه صفتين مختلفتين في الظاهر ولكنهما متفقتان في الحقيقة وهما: الشخصية الفردية والشعور الاجتماعي. وكل صفة من هاتين الصفتين ضرورية في عمرنا الحديث لكل مواطن عربي. فالصفة الأولى تحبب الاستقلال إليه وتحرره من التقليد والإتباع والعبودية الفكرية والاجتماعية والسياسية. والصفة الثانية تدفعه إلى التعاون والتفاهم الاجتماعي وتبادل المنفعة وتحبب إليه الحياة المشتركة والارتباط بالماضي والدفاع عن كيانه السياسي والتطلع إلى مستقبل يضمن له ولأبناء جنسه حياة أكمل من الحياة الحاضرة. فعلى طلاب مدارس المعلمين أن يضعوا هذه الحقيقة نصب أعينهم وهي أن

стр. 478

صيانة استقلالنا وتقدم مجتمعنا الحديث يتوقفان إلى حد بعيد على درجة إيمانهم بالرسالة الملقاة على عاتقهم وهذه الرسالة تتطلب منهم أن يحبوا مهنتهم كما يحبون وطنهم وأن يحبوا تلاميذهم كما يحبون أسرتهم وأن يؤمنوا بالمثل الأعلى الإنساني كما يؤمنون بمبدأ الحرية الفردية وضرورة التعاون الاجتماعي. وجملة القول يجب أن يرمي التعليم في مدارس المعلمين إلى تحقيق الأغراض الآتية: ١_إحاطة الطلاب بالمواد العلمية التي يجب عليهم تدريسها وحملهم على إكمال ثقافتهم العامة ومتابعة البحث كل أيام حياتهم. ٢_معرفة المبادئ النفسية والحقائق التربوية التي يجب الاستناد إليها في التعليم. ٣_تدريب الطلاب على التدريس في المدارس الابتدائية تحت إشراف الأساتذة. ٤_تعويد الطلاب العمل الشخصي الحر وخلق بيئة معنوية صالحة لتقوية إرادتهم وتهذيب عواطفهم الوطنية والقومية وتوليد حسن المسؤولية والشعور بالروابط الاجتماعية في نفوسهم. ٥_حسن استعمال أوقات الفراغ بالاستمتاع بالموسيقا والتصوير والرياضة والأدب والتمثيل. وهذه الأغراض كلها مجتمعة في قاعدة واحدة وهي أن نجاح المعلم في تأدية رسالته متوقف على درجة إيمانه بالمثل الأعلى وعلى مقدار اتصافه بالصفات الجسمية والخلقية والفكرية التي يريد نقلها إلى تلاميذه فلا يستطيع أن يعد المواطنين الصالحين إلا إذا كان هو نفسه قبل كل شيء مثالا صالحا يقتدى به. فإذا رأيت معلما يذكر لتلاميذه في دروس التاريخ بعض الأمثلة التي تصور البطولة القومية والإخلاص للوطن والتضحية في سبيل الواجب وإنكار الذات أو رأيت معلما يوقظ في نفوس تلاميذه حب الآباء والشرف والشجاعة وبغض الكذب والخسة والجبن واحتقار الرذائل والمنافع المادية الضيقة أو رأيت معلما يحبب إلى تلاميذه المجد والطموح ويسمو بهم إلى المثل العليا ويعودهم بذل الجهد في تفهم الحقائق الجديدة ويوفر عليهم عناء الحفظ الآلي والتسرع في الحكم والتقليد الأعمى. فقل أن هذا المعلم قد أدى رسالته. نعمل إذن في مدارس المعلمين على صقل العقول الصحيحة وتهذيب القلوب الشريفة

стр. 479

وإنماء القوى الجسمية، فإن اجتماع هذه الصفات في معلمي المستقبل كفيل بأن يضمن لنا قيامهم بخدمتهم القومية على وجه أتم وأوفى. رئيس لجنة التربية والتعليم جميل صليبا

стр. 480

التوجيه المدرسي الدكتور كامل عياد ماذا يجب أن يتعلم؟ وكيف ينبغي توجيه دراستهم؟ إن الجواب على هذا السؤال كان سهلاً في العصور الماضية. فقد كان هناك نظام ثابت للمجتمع يقرر مقدرات كل فرد من الأفراد. إن ابن الفلاح كان مفروضا عليه أن يصبح فلاحاً. وكان الصناع يهيئون أولادهم ليحلوا مكانهم. وما زالت أكثر المحلات التجارية في سوريا حتى اليوم تنتقل من الآباء إلى الأبناء، والوظائف الدينية والحكومية أيضاً كانت وراثية، بل إنها لا تزال كذلك في كثير من الأحوال. في مثل هذا النظام الطبقي، الذي، كانت الحياة تسير فيه على وتيرة واحدة ولا تتطور إلا بصورة بطيئة جداً، كان الإنسان يولد إما فلاحاً أو صانعاً أو تاجراً أو جندياً أو حاكماً. وكان على كل فرد أن يخضع لإرادة المجتمع ويقبل المصير الذي ينتظره كأنه قدر محتوم. كم كانت مهمة التربية والتعليم بسيطة في هذا النظام! إن أولاد الفلاحين والصناع لم يكونوا قادرين على دخول المدارس واكتساب العلم بالمرة. إنهم كانوا في أحسن الحالات يرسلون إلى الكتاتيب مدة قصيرة ليحفظوا شيئا من القرآن ويتعلموا قواعد الدين ثم يجبرون على مرافقة آبائهم إلى الحقول أو المصانع حيث يتهيأون لمهنتهم المحتومة عن طريق التقليد والتمرين العملي، ولم يكن أبناء التجار الغالب، يتلقون هذه المعارف البسيطة عن آبائهم. وهكذا كانت معاهد العلم القليلة مقتصرة على أولاد الحكام والكتاب والعلماء الذين كانوا، بعد الانتهاء من حفظ القرآن وقواعد الدين ومعرفة مبادئ القراءة والكتابة والحساب، يدرسون إما التاريخ وتراجم الأحوال أو اللغة والأدب أو العلوم الدينية. إن منهاج التربية والتعليم لكل واحد من الناشئين كان مقرراً ومعروفاً منذ بادئ الأمر حسب طبقته الاجتماعية ومهنة أسرته، لا حسب استعداداته وميوله. ولم يكن يشذ عن هذه القاعدة إلا بعض الأفراد الذين يدفعهم حب المغامرة وروح الثورة إلى مخالفة التقاليد الاجتماعية وتساعدهم مواهبهم النادرة وإرادتهم القوية على أن يشقوا طريقهم في الحياة حسب ميولهم الشخصية. ولكن هؤلاء العباقرة قلائل في كل عصر ولم يكن في استطاعتهم أن يبدلوا النظام العام. إما بقية الناس فإنهم في كل وقت لا يتصفون بالإرادة

стр. 481

القوية للخروج على المألوف. وهم أنفسهم يجهلون في الغالب مواهبهم واستعداداتهم ولا يعرفون الطريق التي يجب أن يسلكوها. لذلك ينقادون بسهولة لتقاليد الأسرة والمجتمع فينشأون ويعيشون كما نشأ آباءهم وعاشوا. وقد كانت مادة الثقافة لطلاب العلم القليلين محدودة يمكن للشخص الواحد أن يحيط بها. فهي تقتصر على اللغة والأدب والعلوم الدينية وبعض المسائل الرياضية ثم الفلسفة التي تشمل المنطق والطبيعيات والإلهيات. إذا أراد أحد طلاب العلم الاختصاص بنوع من هذه العلوم فإن الانتقاء لم يكن صعبا لقلة عددها ووضوح حدودها. ولكن الطلاب كانوا الطلاب كانوا على الأكثر يدرسونها كلها. هذا ابن رشد مثلاً كان فقيها وطبيبا ورياضيا وفيلسوفا. ومن المعروف أن (ديكارت) و (لايبيتز) و (باسكال) كانوا يحيطون بمعارف عصرهم جميعها. في هذه الحالة لم تكن هناك مشكلة تسمى التوجيه المدرسي. أو على الأقل لم يكن التوجيه المدرسي من الأمور التي تهم المجتمع، لأن مسائل التربية والتعليم كانت متروكة للأفراد ولا أثر لها في الحياة الاقتصادية. على أن الوضع قد تبدل الآن. وقد بدأ هذا الانقلاب في بلاد الغرب منذ مائة وخمسين سنة وأخذت تظهر آثاره في بلادنا أيضاً منذ أوائل القرن العشرين. إن الثورة الصناعية وما رافقها من تطور في طرق الإنتاج وأساليب العمل كل ذلك قد أحدث انقلاباً عميقاً في الأوضاع الاجتماعية ونظام المعيشة. لقد أصبح التعليم والثقافة من أهم وسائل النجاح والتقدم في الحياة الاجتماعية وطرق الإنتاج الحديث تتطلب كثيراً من المعرفة العلمية والمهارة الفنية وتحتاج إلى تهيئة طويلة في معاهد مسلكية خاصة. فالتجارة والصناعة والزراعة في الوقت الحاضر لا يمكنها استخدام كل راغب في العمل إذا لم يكن صالحاً لذلك وحائزاً على الشروط اللازمة للنجاح وهي لا ترضى بإضاعة الوقت والجهود في تهيئة العمال الماهرين عن طريق التدريب العملي كما في السابق. إنها تحرض على انتفاء الأشخاص الذين حصلوا على المعلومات الفنية الضرورية والذين تظمئن إلى استعداداتهم ومواهبهم وتتأكد من مهارتهم العملية. كذلك الأمر في حقول النشاط الأخرى سواء الوظائف الحكومية أو الأعمال الحرة وسواء

стр. 482

المهن الفكرية، فإنها - في هذا العالم الذي يتطور بسرعة مدهشة وتسود فيه المنافسة - تتطلب من كل الأشخاص مقداراً كافياً من الاختصاص المسلكي والمعرفة الدقيقة، لواسعة والمهارة الفنية. لقد بدأت البلاد الغربية منذ مدة تعتني بالتوجيه المسلكي. ويقصد بذلك توجيه الناشئين الذين لا يصلحون أو لا تسمح لهم حالتهم الاقتصادية بالاستمرار في الدراسة النظرية للحصول على الشهادة الثانوية ودخول الجامعات، فتتولى الدولة تهيئتهم إلى مختلف المهن العملية - الفنية في مدارس مسلكية خاصة من صناعية وزراعية وتجارية. على أن هذا التوجيه لا يستند إلى اختيارات علمية - دقيقة تكشف عن مواهب الناشئين واستعداداتهم الكامنة بل ما زال يعتمد على مجموع العلامات في فحوص الشهادة الابتدائية أو شهادة الدراسة المتوسطة كما إنه يتأثر في أغلب الأحوال بالعوامل الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية. فنرى الطبقات الفقيرة هي التي تضطر إلى إدخال أولادها في المدارس المهنية ليخرجوا بأسرع ما يمكن إلى الحياة العملية ويستطيعوا كسب معيشتهم بأنفسهم دون أية ملاحظة لمواهبهم واستعداداتهم. ولعل أعظم نقص في هذا التوجيه هو الإقدام عليه بعد الدراسة الابتدائية مباشرة أي في سن مبكرة لا يمكن معها الكشف عن ميول الناشئين ومواهبهم. فقد دلت المباحث العلمية على أن الناشئين لا تبرز شخصياتهم وتظهر ميولهم العميقة واستعداداتهم الحقيقية ومواهبهم الكامنة إلا بعد أزمة المراهقة أي في السن الخامسة عشر. وهذا ما دفع الحكومة السوفياتية إلى تمديد الدراسة الابتدائية، الإجبارية، الموحدة حتى الخامسة عشر من العمر. إن التوجيه المسلكي لا يمكن أن يؤدي إلى النتائج المطلوبة إذا لم يقم على أساس صحيح من معرفة شخصية الطفل. ولا يكفي هنا الاستناد إلى الاختبارات النفسية والمقاييس العقلية وحدها بل لا بد قبل ذلك من تغيير جوهري في برامج التعليم وأساليب التربية والتنظيم المدرسي. وهذا ما نقصده بالتوجيه المدرسي. إن التوجيه المدرسي معناه تنظيم الحياة المدرسية في جميع مراحلها، وعلى الأخص في المراحل الأولى حتى السن الخامسة عشر، بصورة تساعد على انكشاف ميول الناشئين واستعداداتهم ومواهبهم لنستطيع بعد ذلك تهيئتهم إلى المهمة التي يصلحون لها في

стр. 483

المجتمع. كانت الفكرة السائدة قبلاً هي أنه يجب توجيه العناية في الدراسة الابتدائية والمتوسطة إلى الثقافة العامة المشتركة التي يحتاج إليها جميع المواطنين والتي لا غنى عنها في كافة المهن والأعمال. على أننا إذا دققنا النظر نلاحظ بأن مفهوم الثقافة العامة هذا غامض، مضطرب، ومغلوط. ماذا نعلم اليوم الناشئين في المدارس الابتدائية والمتوسطة لتجهيزهم لما يسمونه الثقافة العامة؟ مجموعة كبيرة من العلوم النظرية المجردة التي لا صلة تربط بين بعضها والآخر والتي لا علاقة لها بالحياة الحقيقية في البيئة الطبيعية والاجتماعية وإننا نعلم الناشئين اللغة والأدب - ولكن ليس كوسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار بل كعلم نظري يؤلف كتلة من التعاريف والاصطلاحات والمفاهيم ويرهق الذاكرة كذلك نعلمهم الحساب والهندسة والجبر والفيزياء والكيمياء والنباتات والحيوانات والطبقات والتشريح والتاريخ والجغرافيا والمعلومات المدنية والأخلاقية والرسم والموسيقا والأشغال اليدوية وتدبير المنزل ولكن جميعها بصورة نظرية، مجردة لفظية، آلية، بعيدة عن الحياة، منفصلة بعضها عن بعض، يقرر لهم المدرسون بعض الدساتير والحقائق في كل منها ويطلبون إليهم استظهارها دون أن يعرفوا كيف توصل العقل البشري إليها ودون أن يدركوا ما هي فائدتها وقيمتها. هذه المعلومات المتفرقة، المتنافرة لا يمكن أن تثقف العقل ولا أن تساعد على نمو الشخصية وانكشافها. فهي لا تكون ثقافة وإنما تصبح عبثاً يعرقل التطور الفكري لدى الناشئين. وليس المثقف في العصر الحاضر من يستظهر كمية كبيرة من المعلومات المتنوعة بل هو الذي يحسن التفكير ويعرف طرائق البحث ويستطيع الإبداع ويميز بين الخطأ والصواب ويتصف بروح الدقة وملكة النقد. إن اكتساب الثقافة الحقيقية، التي لا بد منها مع الاختصاص. لا يتم عن الطريق المتبع في مدارس اليوم وإنما يجب السير على العكس من ذلك. يجب أن يبدأ التعليم بالمسائل الجزئية التي تلائم ميول الناشئين وتثير اهتمامهم ويرغبون في معرفتها فترشدهم إلى دراستها بأنفسهم ونعودهم على الملاحظة والمقارنة والاستقراء والإنتاج والنقد. والتطور الطبيعي للعقل الإنساني إنما بالانتقال من العمل إلى الفكر فمن الضروري أن نجاري هذه الطريق

стр. 484

في تعليم الناشئين وتثقيفهم. فالثقافة العامة يجب أن لا تكتسب في أول مراحل الدراسة بل في آخرها وبعد الاختصاص بفرع من العلوم أو الفنون والتعمق في مباحثه وإدراك علاقاته بغيره من أنواع المعرفة. . ولا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق التوجيه المدرسي وتغيير برامج التعليم وأساليب التربية. . كامل عياد من وحي البر والبحر للأستاذ عزة النص حنين في ظلمة هذا الليل الموحش على البحر الرهيب، رقد المسافرون إلا أقلهم، فما يصل إلى سمعك إلا أنين السفينة الحزين وهي تجر نفسها على الماء وكأنها تردد أغنية من أغاني الشرق! جلست في ركن منزو على سطح السفينة ساهماً ساهداً انظر إلى الشاطئ المتباعد وقد تملكني شعور غامض ثقيل ضاقت به نفسي وفاضت منه عيني. . ما أعجب طبيعة الإنسان! أنه أبدا يشكو واقعه المألوف ويذم حاضره الرتيب ويصبو إلى حياة تتبدل وتتجدد، فإذا ما أتيح له أن يفر من بيئته التي طالما تبرم بها ويفلت من الجو الذي عافه وينطلق إلى عالم حافل بالطرافة - تهيبت نفسه الجديد المجهول فندم على ما فرط وتاق إلى ما تعود وحن إلى ما كان يظنه بالأمس سبب تململه ومصدر سآمته. إن الحاضر بفيض أبدا فإذا ما أصبح ماضيا صار محببا مرغوبا. . أنني رأيت النسيان - تلك النعمة الإلهية الكبرى - يعفو سراعا على المآسي الغابرة ويبقي على الذكريات الحلوة الرضية، بل - يا له من ساحر ماهر! _هو يجعل من الألم لذة ومن الشقاء سعادة، هو الشمس الساطعة تشرق بعد الغيوم الدكناء فتجفف المبتل وتحيي الميت وتنبت الزهر. موت الحياة

стр. 485

وبعد يا نفس إلى مَ تحنين؟ تعالي نحاسب الزمن ونزن الماضي! لقد أتلفت من الأيام أكثر مما بقي لي فيها! فهذا الشطر من أحسن العمر كيف قضيته؟ وهذه السنوات الطوال كم تركت في من أثر وخلفت من ذكريات؟ فتحت سفر الذاكرة لأقرأ سطورها فلم أجد سطرا. . فكأن الأيام والليالي على تعاقبها لم تخط فيها حرفا. حياتنا كتاب لا كتابة فيه يتساوى شيخنا والطفل في محصول العمر ويختلفان في عدد سنواته. وما قيمة العدد إذ لم يكن هناك ما يعد؟ حياتنا صفحة سوداء. . نقية، لم تمسها يد فنان. . . هذا التبلد في الحسن ما علته؟ والحذر في الأعصاب ما مبعثه؟ أهو الشرق في إشراق سمائه وتلظي حرارته، أم المجتمع في قيوده وعنعناته؟ أهي المدرسة أم الشارع، لبيت أم المقهى الكنيسة أم الجامع؟ ما السعر إلا هيجان النفس وفرحة القلب ما العمر إلا حرية تنعم بها وهناءة مستجدة تفيء إليها وتجربة تكتسبها وعاطفة تبادلها وثقافة تستمتع بها وعمل مثمر تؤديه. ما العيش والإحساس بأن الحياة جديرة بأن تحيى. فإذا فقد كل ذلك فسيان إن عشت مائة وإن مت وليداً. حياتنا كهذا الأخدود الأبيض الذي تخطه السفينة على أديم الماء، تحسبه خالداً فلا يلبث أن يزول ويعود الماء إلى صفائه. دود على عود السفينة مدرسة تعلمك التواضع. هذه المدينة السابحة الضخمة ذرة صغيرة على الخضم الواسع، تتلهى بها الأمواج فتعلو وتهبط وتترنح ذات اليمين وذات الشمال، وأنت على ظهرها تنظر إلى الأفق الممتد فتشعر بأنك شيء حقير. . . إنك دود على عود. والسفينة تعلمك أدب الاجتماع، فهي صورة مصغرة للمدينة الفاضلة، يجتمع فيها أشتات الناس من كل جنس وملة فلا يلبثون أن يتعارفوا ويتآلفوا ويتناسوا ما بينهم من فوارق وتربطهم روابط العيش معاً. وهذا الكوكب الأرضي هو أيضاً مركب يمخر في الفضاء، فلم لا يتعارف سكانه ويتآلفوا ويتناسوا ما بينهم من فوارق؟ لم لا تصبح لهم جنسية واحدة هي (جنسية الأرض)؟ إنني

стр. 486

أهم أحياناً أن أعتقد بأن (التاريخ) مصدر شقاء البشر! والسفينة بعد مدرسة تعلمك الإيمان، فإذا ما عصف الريح بها وجف قلبك وخشعت نفسك وآبت برغمك إلى بارئها ترجو عونه ورحمته. إن الإيمان يرافق الضعف ويصدر عن العجز، والضعف والعجز حالة طبيعية لكل من ركب من لحم ودم. والمؤمن يجد في السفينة رمزاً لهذا العالم الفاني فهي ممر لدار مقر ووسيلة مؤقتة لغاية باقية، هي الطريق إلى الرجاء والخوف والسبيل إلى عالم جديد لا تعرف ما يرتقبك فيه. وإني لأجد في السفينة مثالاً مجسماً لبعض من يمشي على رجلين. . . هم يثورون ويغضبون ويهدؤون ويرضون، ولست تدري متى تغضبون ولماذا يسخطون، ثم كيف يهدؤون وبم يرضون! إنه الهوى يلعب بأفئدتهم كما يلعب بالسفينة الهواء. . . عود على بدء قلت لصاحبي: هذه باريس بمغانيها وغوانيها وفتنة رياضها ومبانيها، أكاد لا أطيق البقاء فيها ساعة واحدة. أممتها وفي النفس حرارة التلهف وفي الجنان خفقة ما قبل اللقاء، لقد كنت آمل أن أعاود فيها ما سلف وأصل حبل ما انصرم! وكان الخيال المبدع يضفي على الماضي البعيد بهجة مشعة وروعة أخاذة. لقد زرت يا صاحبي كل ربع منها كان ترك فيّ نشوة أو خلف ذكرى أو أتاح متعة، فماذا لقيت؟ لقيت برودة تجمد لها النفس فما أشعر بخالجة ولا أحس برعشة، ووجدتني أفر مما كنت إليه أهفو وأتجافى ما كنت إليه أتوق. قال صاحبي: لست أجد في هذا الذي تذكر موضعاً للدهشة، فمباهج باريس ومفاتنها باقية على العهد لم تبل ولم تتبدل، وإذا كان هناك تحول ما هو في نفسك وذوقك ولون حياتك وطراز تفكيرك. إن المنظر هو هو ولكن المنظار لم يعد كما كان. . . لقد كان لك آنذاك ثروة من طراوة العمر ونضارة القلب ويقظة الفكر وحرارة الشعور، وكان بينك وبين بيئة هذا البلد تجاوب وانسجام فأين أنت الآن من كل ذلك؟ ألا تزال تذكر ما قصه (لابرويير) في كتاب (السجايا) عن (أيرين) التي جاءت إليه الطب (اسكولاب) تستشيره ي آلامها؟ لقد عرفها (أسكولاب) بحقيقة مرة كانت تتجاهلها. قال لها

стр. 487

أن مرض السن. . . هو علة ما بها وليس لهذا المرض من دواء. . . وأنت يا صاحبي قد بدأ يدركك هذا الداء. . . وأنت فوق هذا قد أصبت بداء آخر أشد فتكاً وأبلغ أثراً وهو داء التعليم. . . تلك (المهنة المقدسة) يا صاحبي، يعرف أصحابها بسيماهم فهي تطبعهم بطابعها الخاص: تلزمهم السكينة وتفقدهم البهجة، وتحرمهم الطلاقة والبشر وتفرض عليهم لجفوة والعبوس، إنها تخلع عليهم لباس التزمت وحلة الوقار وقناع الجلد. لقد صدق صاحبي: شتان بين العودة والبدء! إن ماءاً كثيراً قد جرى في (السين) منذ عهدي الأول به. طبيعة وفن هذه سويسرا متحف لفتنة الطبيعة: الجبال الخضر ذات الرأس الأشيب تحتضن البحيرات الحالمة ذات الرداء الأزرق، وكأني بها ترمز للحب الأبدي الذي لا يفتر ولا يبلى. والزهر العبق يملأ الربى والرياض وكأنه يبارك هذا الحب ويمده بالنشوة والدفء، إنه البخور في مجامر المعابد. هذه طبيعة أرستقراطية امتلكت من كل شيء أحسنه وجمعت من كل لون أبهاه، جمال وجلال تخشع لهما النفس وتنعم العين ويخفق القلب. هذه بلاد ترقص السعادة في كل شعاع من أشعة شمسها ويستظل الحب تحت كل غصن من أفنانها، إنها توحي إليك المحبة وتنتزع البغضاء، تهبك الغبطة وتمحو اليأس، تمنحك اللم وتسلبك التفكير فأنت فيها مستيقظ نائم، صاح ونشوان. . . وهذا شعب حبته الطبيعة خير ما عندها وحباها ما عنده، فقد استجاب لها وأحبها وأتم نقصها وأبرز فتنها وأظهر سحرها. وإذا تزاوج الفن والطبيعة والتأما على انسجام رأيت عجباً. لقد من الله على هذه البلد بالعافية من السياسة. . . فهي لا تشغل حيزا من تفكيرهم ولا نصيب لها في أحاديثهم، وهي تحتل في صحفهم المكان الذي تحتله الموضوعات الثقافية في صحفنا. . . وما للقوم والسياسة! حسبهم الطبيعة يتذوقون جمالها ويلهجون بآلائها ويتسامرون بمتعتها وروائها، حسبهم الزهر يتنشقون عبيره ويزينون صدورهم بألوانه والجبل يتسلقون ذراه

стр. 488

ويزحفون على جليده، والنهر والبحيرة يمتعون بها الطرف ويروضون الجسم. حسبهم الموسيقا تمتزج بأرواحهم وتحرك نفوسهم وتجري على ألسنتهم إنك لتؤخذ بهذه اللغة الفريدة التي يتكلمون بها وكأنهم يغنون. أمة لم تبل بحمى العمل في أغوار المناجم وغياهب المعامل، هي غنية بالراحة والنوم والمتعة، فلا مجال هنا للصخب والضجيج والعجلة وإنهاك العقل وتبديد القوي. هذه بحيرة (ليمان) أتأملها من نافذتي أو أساير ضفافها ساعات طويلة من الليل حالما مشدوها، وبيني وبينها أبدا حديث صامت بليغ: الجبال الشم ترقد في أفقها القريب تحت دثار من غمام الليل، والرياض والخمائل تحف بجوانبها وقد أبدت زينتها لإغواء الرواد، والأنوار المتلألئة الوهاجة تنعكس على صفحة المياه الهادئة الرقراقة فيخيل إليك أن الماء يشف ويشف حتى يتحول إلى ضياء، وزمر الناس على المقاعد وبين الشجر والزهر يستجمون من حياة النهار كهذه المراكب البيض المتكئة إلى الشطان، وهذا البناء الضخم الرابض على الرابية الخضراء ينتظر الصباح ليستقبل زبائنه من وفود الدول وأقطاب السياسة العالمية، وما هؤلاء في نظر كان (جنيف) إلا ضيوف أغنياء أغبياء يأتون لينفقوا مالهم ويتعبوا لسانهم. . هنا وهناك إنني لا استكمل الوصف وأتم اللوحة إلا إذا عمدت للمقارنة والمقايسة، فهنا شعب ربي على حب الجمال وجمال الحب ولقن عذوبة الفن وفن العذوبة، فثقف بثقافة الزهر والنهر ودرب على الريشة واللحن، وحمل على رياضة الجسم والفكر. هنا الطفل الناشئ يفرد ويعزف ويصور ويقفز ويحفظ من أسماء المصورين وأنغام الموسيقيين أكثر مما يخزن من أسماء البلدان ووقائع التاريخ ودساتير الحكمة ورموز الكيمياء! وهنالك في سورية. . أنت تعرف ما هنالك. . وليس في هذا البلد تباعد وتنافر بين معسكر المرأة ومعسكر الرجل بل تقوم الحياة كلها على ما بينهما من تساند وتشارك وتفاهم. وما مبعث الدماثة في الطبع والاستقامة في الخلق والرقة في الحديث والتهذيب في اللسان إلا هذا التمازج المنسجم القديم.

стр. 489

أين ما حللت وأيان ذهبت يطالعك هنا ثغر باسم ووجه أزهر مشرق، وشعر أشقر وقوام أهيف وقد ممشوق وعيون كأنها صنعت من زرقة هذا الماء أو من صفاء هذه السماء. أو تحسب أن الفضيلة تتأذى من ذلك؟ نحن لا نفتأ نثرثر بالفضيلة ونردد ألفاظ الأخلاق، والله يعلم أننا لا نؤمن بما نقول ونفعل خلاف ما نقول! أما هنا فالقوم أبرياء من الرياء. . ضريبة الفكر لأولي الفكر ورجال التعليم ظاهرة مشتركة في سائر أنحاء العالم وهي ظاهرة الفقر. . قرأت في (أخبار اليوم) المصرية أن بائع (فول) دفع ضريبة سنوية عن أرباحه ستة آلاف جنيه وعجز عن تسطير توقيعه لأنه أمي. . . ورأيت هنا أساتذة الجامعة لا تكاد رواتبهم تسد رمقهم، ولشد ما دهشت أن يكون لرئيس الجامعة (دراجة) يمتطيها إذ لا قبل له بدفع أجرة (الترام) الباهظة. . إن الفقر ضريبة الفكر. . فاختر لنفسك! جنيف عزة النص

стр. 490

حفريات رأس شمرة للدكتور سليم عادل عبد الحق محافظ دار الآثار الوطنية بدمشق ومدارس التاريخ القديم بكلية الآداب يقع التل المسمى (رأس شمرة) على بعد أحد عشر كيلو متراً من شمال مدينة اللاذقية. ولم يكن فيه ما يسترعي الانتباه ويميزه بشيء عن غيره من التلال الكثيرة الممتدة بحدباتها المتطامنة في مختلف المناطق السورية والتي يتألف بعضها من أنقاض أبنية قديمة من عصور مختلفة علت بعضها بعضا، واختفت معالمها منذ أزمان طويلة بفعل الرياح الساقيات، وشكله بسيط للغاية يشبه شبه منحرف يبلغ طول قطره الأكبر كيلو متراً واحدا، وطول ضلعه الشمالي - الجنوبي ستمائة متر وطول ضلعه الشرقي_الغربي خمسمائة وثمانين متراً. وظل يجرر أذيال حياة تكاد تكون منسية، متحفظا لنفسه بما فيه من أسرار حتى سنة ١٩٢٨ حيث عثر أحد الفلاحين وهو يحرث حقله على بلاطة فرفعها فإذا تحتها درج ينحدر إلى مدفن عميق. فسارع إلى إخبار السلطات المسؤولة عن اكتشافه، فتولت مصلحة الآثار القائمة آنئذ على العمل، دراسة المنطقة دراسة دقيقة. ودلت تحرياتها الأولى على أن هنالك مقبرة قديمة جداً. ولما أعدت العدة لإماطة اللثام عما خفي من هذه المنطقة، وبوشر في أعمال الحفر والتنقيب، ظهر يوجد على التل مجموعتان من الأطلال تبعد الأولى منهما قليلا عن المرفا الطبيعي المدعو (مينة البيضا) وتقوم الثانية إلى شرق الأولى على مسافة تقدر بثمانمائة متر. وهذه الأخيرة هي أطلال مدينة رأس شمرة القديمة. ولقد دلت الكتابات المسمارية التي وجدت في تل العمرنة بمصر وأيدتها النصوص المكتشفة فيما بعد في رأس شمرة نفسها على أنها هي (أوغاريت) المدينة الفينيقية المشهورة في العالم القديم. ومنذ عام ١٩٢٩ حتى أول الحرب الماضية جرت فيها حفريات كان يقودها (كلودشيفر) و (جورج شنيه) في فاتحة كل ربيع، وكان بنتيجتها أن ظهرت معالم المدينة القديمة وأشياء أثرية كثيرة استنتج منها العلماء، وما زالوا يستنتجون معلومات على غاية من الأهمية عن حياة ومدنية الشعوب التي سكنت هذه البقعة من الشرق القديم، مما طير اسم رأس شمرة في الآفاق وجعله معروفا لدى الرأي العلمي العالمي الذي يترقب الآن بصير فارغ متابعة

стр. 491

أعمال الحفر فيها بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانصرف الناس من جديد إلى الاهتمام بكشف مخبئات الماضي. ومن أسباب الدعاية لسورية الجديدة أن تعود إلى التنقيبات فيها هي نفسها أو أن تفوض أحد المنقبين الذين نثق بمقدرتهم ونزاهتهم لأن يقوم لحسابها بهذا العمل. وقد تبين من الآثار المكتشفة في رأس شمرة أن هذه المنطقة قد جذبت البشر إليها منذ أقدم الأزمنة لما لها من مميزات جغرافية كبرى، فهي تقع على الشاطئ تلقاء جزيرة قبرص التي كانت مركزا للصناعات المعدنية في العالم القديم. وفيها تلتقي عدة طرق طبيعية تنفذ إلى سورية الداخلية فتنتقل عليها البضائع والحاصلات إلى حلب وحمص وحماه وبلاد الرافدين. لهذا فقد سكنها الناس منذ زمن العصر الحجري الحديث وجعلوا يبنون فيها بيوتهم فتراكمت على مرور الأجيال حتى ألفت التل المتقدم الذكر والذي يبلغ ارتفاعه عشرين مترا. ويقول المسيو شيفر أنه استطاع أن يميز في هذا التل خمس طبقات من المنشآت البشرية يعاصر كل منها زمنا من الأزمان التي مرت على سورية قبل الألف الأولى قبل الميلاد. فالطبقة السفلية وهي الطبقة الخامسة يرجع عهدها إلى العصر الحجري الحديث أي إلى عصر يمتد بين (٢٠٠٠) و (٥٠٠٠) سنة قبل المسيح. وفوق الطبقة الخامسة تأتي الطبقة الرابعة وهي تعاصر فاتحة الألف الرابعة قبل الميلاد. وقد وجد فيها كثير من الأواني الفخارية التي عثر على ما يماثلها في بقاع مختلفة من المناطق الواقعة بين البحر المتوسط وتركستان. مما يدل على أن لأقدم سكان رأس شمرة كانت لهم علاقات وثيقة مع سورية الشمالية وبلاد الرافدين، وأن (أوغاريت) كانت تقع منذ ذلك الزمن على نهاية الطريق البرية التجارية الكبرى التي تمر بحلب. وهذا ما دعى الفينيقيين الذين شبهوا بانكليز العصور القديمة ليسارعوا إلى احتلالها وجعلها إحدى القواعد الحساسة التي ساعدتهم على سيادة البحر المتوسط. ثم إن طبقة التل الثالثة تحوي آثارا تدل على أنها ترجع إلى آخر الألف الرابعة ومعظم الألف الثالثة قبل الميلاد وتكثر فيها الأواني الفخارية من النوع الفينيقي. وتكثر في الطبقة الثانية التي تليها الآثار والأواني والأدوات التي يمكن نسبتها إلى الزمن الذي مر بين القرن الواحد والعشرين والقرن السادس عشر قبل الميلاد. وكلها تدل على أن الفينيقيين بنوا فيها أبنية متعددة وأنهم كانوا يحملون إليها منتوجات

стр. 492

معاملهم وحاصلات أراضيهم كالأواني الزجاجية والبرونزية والفخارية والقمح والحبوب والخمور. وكانوا يوجهون إليها أيضاً البضائع الشرقية التي كانت تأتي إلى فينيقية عن طريق البحر الأحمر كالذهب والعطور والأفاوية والطواويس وغيرها، ويظهر أنهم كانوا يبادلون كل ذلك في أوغاريت خلال هذا الدور بالخشب ومعدن النحاس والأدوات البرونزية والجياد. وتدل كل الدلائل على أن تجارة الترانزيت هذه ساعات الصناعة المحلية على الازدهار فنشأت فيها معامل للأواني والأدوات البرونزية والفخارية ولصنع الصباغ الأرجواني. وأخيرا تبين الطبقة الأولى من التل التي تعاصر الزمن الممتد بين القرن الخامس عشر والثاني عشر على أن مدينة أوغاريت ازدهرت ازدهارا عظيما وجعلت تتأخر مع قبرص ومر عليها رخاء لا مثيل له. فكبرت واتسعت وامتدت إلى خارج سوريا القديم وغدت بذلك مدينة مفتوحة. وأكبر الظن أنها لم تعمر إلى أبعد من القرن الثاني عشر. ويظن أن الملك الآشوري (تغلات فالازار) الذي استولى على سورية الشمالية، وبلغ البحر، قد هاجمها وهدمها وقضى على حضارتها. ومنذ ذلك الوقت اختفت من الوجود ولم يعد يرد ذكر لها في التاريخ. ومما يجدر ملاحظته أن حفريات (شيفر) و (شينه) في رأس شمرة وجهت خاصة لكشف النقاب عن مدينة (أوغاريت) الأخيرة أي التي عاشت بين القرنين الخامس عشر والثاني عشر. فأظهرت فيها شوارع ومنازل ومباني عامة أشهرها معبدان أحدهما للإله (بعل) والثاني للإله (داغون). ويتألف كل منهما من قاعة محصورة مسبوقة بإيوان يطل على باحة، فيها مذبح. وتجمع كل القرائن على أنهما بنيا في زمن واحد مما يجعلنا نعتقد أن أوغاريت كانت تعبد هذين الإلهين معا. هذا ويحاط هذان المعبدان بمنازل وأبنية كثيرة من جميع الجهات مما يدل على أن المدينة كانت واسعة في هذا العصر وأن أهلها كانوا أثرياء مترفين. فمنازلها فسيحة تتألف من باحة في وسطها بئر يقوم إلى جانبها درج، يصعد منه إلى الطابق الأول المعد إلى السكن. وتلحق بهذه المنازل أحيانا مدافن أصحابها التي تتألف من رواق ينتهي بدرج يهبط منه إلى المدفن المسقوف. ويحوي هذا الأخير محرابا توضع فيه جرة ماء أو بئرا يساق إليها الماء بالأنابيب.

стр. 493

والأشياء الأثرية المكتشفة في هذه الطبقة مصنوعة كلها في النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد. وهي كثيرة ومتنوعة. بعضها من الذهب، وبعضها من الفضة أو البرونز أو العاج أو الفخار أو الألباتر. وصنعتها تدل على تأثرها بالفن المصري والفن الميسيني المعاصرين، وأشهرها صحيفة من الذهب تتوزع زخارفها التي تمثل وعولا في أوضاع مختلفة على سطح دائرة متوسطة، وزخارفها التي تمثل صيادا قائما على عربة يجرها حصان وهو يطارد أبقارا مختلفة حول إطار يحيط بالدائرة المتوسطة. ومن أجملها كأس ذهبية عليها زخرفة تمثل حوادث أسطورة يصعب معرفة تفاصيلها، ولوحة حجرية منحوتة تمثل الإله (بعل) وهو يهز الصاعقة بيده اليمنى ويحمل رمحا بيده اليسرى وتمثال لهذا الإله مصنوع من الذهب والفضة والأكتروم والبرونز والحجر يمثله واقفا وعلى رأسه قرنان، وتمثال لإحدى الربات العاريات وهي تحمل بكل يد من يديها زهرة اللوتس وتضع على رأسها قبعة شبيهة بقبعة الربة المصرية (هاتور). والمجال يضيق هنا حتى عن تعداد المقطع الأثرية المهمة التي تدل على ما بلغته صناعة (أوغاريت) من نقدم وازدهار في هذا العصر. على أن أشهر الأشياء المكتشفة في رأس شمرة هي النصوص المكتوبة بالفباء تشبه الألفباء المسمارية على لوحات فخارية نقلت عقب العثور عليها إلى فرنسا لدراستها، وما تزال فيها حتى الآن وسيصار إلى إرجاع حصة الحكومة السومرية منها إلى متحف حلب في القريب العاجل. ولقد وجدت في دار حسنة البناء من دور أوغاريت سماها مكتشفوها (المكتبة) ولهذه الدار باب واسع يقع في جهتها الشمالية ولها باحة تحيط بها غرف واسعة مبلطة تبليطا جيدا. وفي صدر الباحة بئر محفورة لها حافة عالية وإلى جانبها باب يؤدي إلى رواق ينتهي بدرج يصعد منه إلى الطابق الأول. وقد وجد في هذه الدار إلى جانب النصوص المتقدمة نصوص أخرى مكتوبة باللغات السومرية والخورية والفينيقية ويظهر أنها كانت مدرسة يتدرب فيها الكتبة على تعلم هذه اللغات ويقول أحد النصوص أن هؤلاء الكتبة كانوا يعملون في خدمة الملك (نيقماد). وأكبر الظن أن هذا الملك كان محبا للأدب الديني لأنه أمر، كما سترى، بتسجيل الأساطير الميتولوجية الفينيقية القديمة.

стр. 494

وقد اقتضى حل ألغاز النصوص الأولى والتوصل إلى قراءة ما تحويه كثيراً من الجهود لأن إشارتها لم تكن معروفة قبل اكتشافات رأس شمرة. فانكب على دراستها علماء عديدون منهم (هانس بوير) و (ادوار دورم) و (شارل فيروللو) وبعد دراسات طويلة تبين أنها مكتوبة بلغة آكادية ذات ثلاثين إشارة استخدمها الفينيقيون منذ الزمن الذي كانوا فيه مقيمين في أراضي كنعان الجنوبية قبل انتقالهم إلى شواطئ لبنان حتى القرن الثالث عشر. وهذه الكتابة أبسط من الكتابات التي كان يستعملها شعوب العالم القديم بما فيهم من مصريين وسومريين وساميين وحيثيين الذي لم يتوصلوا إلى تسهيل خطوطهم الحاوية على إشارات تصويرية وصوتية بآن واحد ويعود الفضل، كما هو معروف، إلى الفينيقيين بإيجاد خط عملي يسجل فقط الأصوات المستعملة في الكلام بواسطة إشارات يمكن رسمها بسهولة والتواضع على شكلها الاتفاقي. وخط رأس شمرة يبين لنا مرحلة من المراحل التي قطعتها الألفباء الصوتية حتى تأسست وهو محاولة لتبسيط الكتابة المسمارية وجعلها صوتية تخط بواسطتها كلمات وجمل اللغة الفينيقية. والمعلومات التي أدلت لنا بها هذه النصوص على كبير من الأهمية. فقد كانت معرفتنا بالأدب الفينيقي الديني ضئيلة قبل اكتشافها. ولم يكن بأيدي الباحثين إلا نصوص قصيرة وبعض الكلمات الجنازية التي عثر عليها في صيدا وقرطاجة. وأخبار التوراة وبعض الكتابات الإغريقية اللاتينية التي تشرح المفاهيم الدينية الفينيقية بصورة مجردة ومصطنعة. ويحوي قسم من نصوص رأس شمرة على تعاليم دينية وبعض المراسلات وقوائم الأشياء المتعلقة بالعبادات. ويحوي قسم آخر منها على قصائد تسرد الأساطير الفينيقية التي نشأت قبل القرن الرابع عشر. ويتبين من دراسة هذه القصائد كثير من عقائد الفينيقيين الدينية. فالإله (إيل) هو أبو السنوات وملك الطبيعة وسيد الآلهة وحكيمهم وقاضيهم ولا يحدث شيء في العالم إلا بأمره. وهو يملي إرادته على بقية الأرباب ويلهم مشيئة الأبطال بواسطة الأحلام، وله ابن هو الإله (بعل) الذي يعبد في كل المدن لأنه سيد السماء وإله العواصف والزوابغ، ويكفي أن يهز الصاعقة حتى تهطل الأمطار، وهو يعيش في ذرى الجبال ويمتطي السحاب. وولده الإله (ايلايين) يمثل المياه التي تجري تحت الأرض وتنبت النبات، وهناك آلهة أخرى

стр. 495

تذكرها كثيراً قصائد رأس شمرة أهمها (داغون) وإشارته صورة الأسد و (رشيف) وعلامته رأس الغزال وهو إله البرق، و (عنات) وهي شقيقة (ايلايين) وتسمى (البتول). وتوضح نصوص رأس شمرة خاصة الأساطير الزراعية الفينيقية التي تصف بصورة فاجعة موت قوى الطبيعة وانبعاثها وتكشف عن شكلها الابتدائي بعبارات دقيقة واضحة، وفي الواقع كان الفينيقيون يعتقدون كغيرهم من الأمم القديمة أنه بإمكانهم أن يعجلوا تجدد المياه والنباتات إذا احتفوا بمراسيم وطقوس معينة تمثل حياة ومصرع وانبعاث أرواح المياه والنباتات. بيد أن كل ما وصلنا عن ديانة أدونيس التي ترمز إلى كل ذلك كلن عن طريق شهادات العصور اليونانية والرومانية ويمكن تلخيصها بما يأتي: ولد أدونيس من شجرة مقدسة وعندما شب وترعرع التقطته أفروديت ربة الجمال وعهدت به إلى (برسفونة) ربة الموت التي تعيش تحت الأرض. وقد رفضت هذه أن تعيده إلى أفروديت، فنزلت ربة الجمال إلى جهنم ورجت (زوث) كبير الآلهة أن يتوسط بينها وبين (برسفونة) ففعل وحكم بأن يعيش أدونيس ستة أشهر تحت الأرض وستة أشهر فوقها مع أفروديت وقد اتخذته هذه خليلا لها. غير أنها لم تنعم به طويلاً. فقد قتله خنزير بري في ريعان الشباب عندما كان يصطاد في الغابة وبكته أحر البكاء ثم دفنته في الثرى حيث سيبعث كل عام مع النباتات الجديدة. فأدونيس هو إله الزراعة ويمثل روح النبات. وكان يعبد في كل أنحاء فينيقية وتقام له أعياد تسمى الأدونيسيات يمثل الفينيقيون خلالها مصرعه وانبعاثه، وتجري في كل بلدة من بلادهم ولاسيما في جبيل القريبة من نهر إبراهيم الذي يسمى بنهر أدونيس. ففي الصيف يتألف موكب كبير يسير من جبيل ويصعد إلى مرتفعات لبنان ويقف بين حين وآخر، وما يزال حتى يصل إلى منبع النهر في مغارة أفقا، وهناك يضع بعضهم صورة الإله القتيل. ثم تعود كاهنات أفروديت المشتركات في الموكب إلى معبد جبيل بما يشبه جثته بين العويل والرقص الجنازي على نغمات الناي الحزين. وأخيرا تدفن هذه الجثة لكي ينبعث مرة ثانية في فصل الربيع. وكان الفينيقيون يعتقدون أنه يعود إلى الحياة وأنه يصعد السماء قبل أن يحتوي القبر جثته، فكان لزاما على جماهيرهم أن يشتركوا في الحزن ويتحتم على النساء أن يقصصن
следующие страницы →