Полный текст (608 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أعمال الحفر فيها بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانصرف الناس من جديد إلى الاهتمام بكشف مخبئات الماضي. ومن أسباب الدعاية لسورية الجديدة أن تعود إلى التنقيبات فيها هي نفسها أو أن تفوض أحد المنقبين الذين نثق بمقدرتهم ونزاهتهم لأن يقوم لحسابها بهذا العمل.
وقد تبين من الآثار المكتشفة في رأس شمرة أن هذه المنطقة قد جذبت البشر إليها منذ أقدم الأزمنة لما لها من مميزات جغرافية كبرى، فهي تقع على الشاطئ تلقاء جزيرة قبرص التي كانت مركزا للصناعات المعدنية في العالم القديم. وفيها تلتقي عدة طرق طبيعية تنفذ إلى سورية الداخلية فتنتقل عليها البضائع والحاصلات إلى حلب وحمص وحماه وبلاد الرافدين. لهذا فقد سكنها الناس منذ زمن العصر الحجري الحديث وجعلوا يبنون فيها بيوتهم فتراكمت على مرور الأجيال حتى ألفت التل المتقدم الذكر والذي يبلغ ارتفاعه عشرين مترا. ويقول المسيو شيفر أنه استطاع أن يميز في هذا التل خمس طبقات من المنشآت البشرية يعاصر كل منها زمنا من الأزمان التي مرت على سورية قبل الألف الأولى قبل الميلاد. فالطبقة السفلية وهي الطبقة الخامسة يرجع عهدها إلى العصر الحجري الحديث أي إلى عصر يمتد بين (٢٠٠٠) و (٥٠٠٠) سنة قبل المسيح. وفوق الطبقة الخامسة تأتي الطبقة الرابعة وهي تعاصر فاتحة الألف الرابعة قبل الميلاد. وقد وجد فيها كثير من الأواني الفخارية التي عثر على ما يماثلها في بقاع مختلفة من المناطق الواقعة بين البحر المتوسط وتركستان. مما يدل على أن لأقدم سكان رأس شمرة كانت لهم علاقات وثيقة مع سورية الشمالية وبلاد الرافدين، وأن (أوغاريت) كانت تقع منذ ذلك الزمن على نهاية الطريق البرية التجارية الكبرى التي تمر بحلب. وهذا ما دعى الفينيقيين الذين شبهوا بانكليز العصور القديمة ليسارعوا إلى احتلالها وجعلها إحدى القواعد الحساسة التي ساعدتهم على سيادة البحر المتوسط. ثم إن طبقة التل الثالثة تحوي آثارا تدل على أنها ترجع إلى آخر الألف الرابعة ومعظم الألف الثالثة قبل الميلاد وتكثر فيها الأواني الفخارية من النوع الفينيقي. وتكثر في الطبقة الثانية التي تليها الآثار والأواني والأدوات التي يمكن نسبتها إلى الزمن الذي مر بين القرن الواحد والعشرين والقرن السادس عشر قبل الميلاد. وكلها تدل على أن الفينيقيين بنوا فيها أبنية متعددة وأنهم كانوا يحملون إليها منتوجات
стр. 492
معاملهم وحاصلات أراضيهم كالأواني الزجاجية والبرونزية والفخارية والقمح والحبوب والخمور. وكانوا يوجهون إليها أيضاً البضائع الشرقية التي كانت تأتي إلى فينيقية عن طريق البحر الأحمر كالذهب والعطور والأفاوية والطواويس وغيرها، ويظهر أنهم كانوا يبادلون كل ذلك في أوغاريت خلال هذا الدور بالخشب ومعدن النحاس والأدوات البرونزية والجياد. وتدل كل الدلائل على أن تجارة الترانزيت هذه ساعات الصناعة المحلية على الازدهار فنشأت فيها معامل للأواني والأدوات البرونزية والفخارية ولصنع الصباغ الأرجواني.
وأخيرا تبين الطبقة الأولى من التل التي تعاصر الزمن الممتد بين القرن الخامس عشر والثاني عشر على أن مدينة أوغاريت ازدهرت ازدهارا عظيما وجعلت تتأخر مع قبرص ومر عليها رخاء لا مثيل له. فكبرت واتسعت وامتدت إلى خارج سوريا القديم وغدت بذلك مدينة مفتوحة. وأكبر الظن أنها لم تعمر إلى أبعد من القرن الثاني عشر. ويظن أن الملك الآشوري (تغلات فالازار) الذي استولى على سورية الشمالية، وبلغ البحر، قد هاجمها وهدمها وقضى على حضارتها. ومنذ ذلك الوقت اختفت من الوجود ولم يعد يرد ذكر لها في التاريخ.
ومما يجدر ملاحظته أن حفريات (شيفر) و (شينه) في رأس شمرة وجهت خاصة لكشف النقاب عن مدينة (أوغاريت) الأخيرة أي التي عاشت بين القرنين الخامس عشر والثاني عشر. فأظهرت فيها شوارع ومنازل ومباني عامة أشهرها معبدان أحدهما للإله (بعل) والثاني للإله (داغون). ويتألف كل منهما من قاعة محصورة مسبوقة بإيوان يطل على باحة، فيها مذبح. وتجمع كل القرائن على أنهما بنيا في زمن واحد مما يجعلنا نعتقد أن أوغاريت كانت تعبد هذين الإلهين معا. هذا ويحاط هذان المعبدان بمنازل وأبنية كثيرة من جميع الجهات مما يدل على أن المدينة كانت واسعة في هذا العصر وأن أهلها كانوا أثرياء مترفين. فمنازلها فسيحة تتألف من باحة في وسطها بئر يقوم إلى جانبها درج، يصعد منه إلى الطابق الأول المعد إلى السكن. وتلحق بهذه المنازل أحيانا مدافن أصحابها التي تتألف من رواق ينتهي بدرج يهبط منه إلى المدفن المسقوف. ويحوي هذا الأخير محرابا توضع فيه جرة ماء أو بئرا يساق إليها الماء بالأنابيب.
стр. 493
والأشياء الأثرية المكتشفة في هذه الطبقة مصنوعة كلها في النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد. وهي كثيرة ومتنوعة. بعضها من الذهب، وبعضها من الفضة أو البرونز أو العاج أو الفخار أو الألباتر. وصنعتها تدل على تأثرها بالفن المصري والفن الميسيني المعاصرين، وأشهرها صحيفة من الذهب تتوزع زخارفها التي تمثل وعولا في أوضاع مختلفة على سطح دائرة متوسطة، وزخارفها التي تمثل صيادا قائما على عربة يجرها حصان وهو يطارد أبقارا مختلفة حول إطار يحيط بالدائرة المتوسطة. ومن أجملها كأس ذهبية عليها زخرفة تمثل حوادث أسطورة يصعب معرفة تفاصيلها، ولوحة حجرية منحوتة تمثل الإله (بعل) وهو يهز الصاعقة بيده اليمنى ويحمل رمحا بيده اليسرى وتمثال لهذا الإله مصنوع من الذهب والفضة والأكتروم والبرونز والحجر يمثله واقفا وعلى رأسه قرنان، وتمثال لإحدى الربات العاريات وهي تحمل بكل يد من يديها زهرة اللوتس وتضع على رأسها قبعة شبيهة بقبعة الربة المصرية (هاتور). والمجال يضيق هنا حتى عن تعداد المقطع الأثرية المهمة التي تدل على ما بلغته صناعة (أوغاريت) من نقدم وازدهار في هذا العصر.
على أن أشهر الأشياء المكتشفة في رأس شمرة هي النصوص المكتوبة بالفباء تشبه الألفباء المسمارية على لوحات فخارية نقلت عقب العثور عليها إلى فرنسا لدراستها، وما تزال فيها حتى الآن وسيصار إلى إرجاع حصة الحكومة السومرية منها إلى متحف حلب في القريب العاجل. ولقد وجدت في دار حسنة البناء من دور أوغاريت سماها مكتشفوها (المكتبة) ولهذه الدار باب واسع يقع في جهتها الشمالية ولها باحة تحيط بها غرف واسعة مبلطة تبليطا جيدا. وفي صدر الباحة بئر محفورة لها حافة عالية وإلى جانبها باب يؤدي إلى رواق ينتهي بدرج يصعد منه إلى الطابق الأول.
وقد وجد في هذه الدار إلى جانب النصوص المتقدمة نصوص أخرى مكتوبة باللغات السومرية والخورية والفينيقية ويظهر أنها كانت مدرسة يتدرب فيها الكتبة على تعلم هذه اللغات ويقول أحد النصوص أن هؤلاء الكتبة كانوا يعملون في خدمة الملك (نيقماد). وأكبر الظن أن هذا الملك كان محبا للأدب الديني لأنه أمر، كما سترى، بتسجيل الأساطير الميتولوجية الفينيقية القديمة.
стр. 494
وقد اقتضى حل ألغاز النصوص الأولى والتوصل إلى قراءة ما تحويه كثيراً من الجهود لأن إشارتها لم تكن معروفة قبل اكتشافات رأس شمرة. فانكب على دراستها علماء عديدون منهم (هانس بوير) و (ادوار دورم) و (شارل فيروللو) وبعد دراسات طويلة تبين أنها مكتوبة بلغة آكادية ذات ثلاثين إشارة استخدمها الفينيقيون منذ الزمن الذي كانوا فيه مقيمين في أراضي كنعان الجنوبية قبل انتقالهم إلى شواطئ لبنان حتى القرن الثالث عشر. وهذه الكتابة أبسط من الكتابات التي كان يستعملها شعوب العالم القديم بما فيهم من مصريين وسومريين وساميين وحيثيين الذي لم يتوصلوا إلى تسهيل خطوطهم الحاوية على إشارات تصويرية وصوتية بآن واحد ويعود الفضل، كما هو معروف، إلى الفينيقيين بإيجاد خط عملي يسجل فقط الأصوات المستعملة في الكلام بواسطة إشارات يمكن رسمها بسهولة والتواضع على شكلها الاتفاقي. وخط رأس شمرة يبين لنا مرحلة من المراحل التي قطعتها الألفباء الصوتية حتى تأسست وهو محاولة لتبسيط الكتابة المسمارية وجعلها صوتية تخط بواسطتها كلمات وجمل اللغة الفينيقية.
والمعلومات التي أدلت لنا بها هذه النصوص على كبير من الأهمية. فقد كانت معرفتنا بالأدب الفينيقي الديني ضئيلة قبل اكتشافها. ولم يكن بأيدي الباحثين إلا نصوص قصيرة وبعض الكلمات الجنازية التي عثر عليها في صيدا وقرطاجة. وأخبار التوراة وبعض الكتابات الإغريقية اللاتينية التي تشرح المفاهيم الدينية الفينيقية بصورة مجردة ومصطنعة. ويحوي قسم من نصوص رأس شمرة على تعاليم دينية وبعض المراسلات وقوائم الأشياء المتعلقة بالعبادات. ويحوي قسم آخر منها على قصائد تسرد الأساطير الفينيقية التي نشأت قبل القرن الرابع عشر.
ويتبين من دراسة هذه القصائد كثير من عقائد الفينيقيين الدينية. فالإله (إيل) هو أبو السنوات وملك الطبيعة وسيد الآلهة وحكيمهم وقاضيهم ولا يحدث شيء في العالم إلا بأمره. وهو يملي إرادته على بقية الأرباب ويلهم مشيئة الأبطال بواسطة الأحلام، وله ابن هو الإله (بعل) الذي يعبد في كل المدن لأنه سيد السماء وإله العواصف والزوابغ، ويكفي أن يهز الصاعقة حتى تهطل الأمطار، وهو يعيش في ذرى الجبال ويمتطي السحاب. وولده الإله (ايلايين) يمثل المياه التي تجري تحت الأرض وتنبت النبات، وهناك آلهة أخرى
стр. 495
تذكرها كثيراً قصائد رأس شمرة أهمها (داغون) وإشارته صورة الأسد و (رشيف) وعلامته رأس الغزال وهو إله البرق، و (عنات) وهي شقيقة (ايلايين) وتسمى (البتول).
وتوضح نصوص رأس شمرة خاصة الأساطير الزراعية الفينيقية التي تصف بصورة فاجعة موت قوى الطبيعة وانبعاثها وتكشف عن شكلها الابتدائي بعبارات دقيقة واضحة، وفي الواقع كان الفينيقيون يعتقدون كغيرهم من الأمم القديمة أنه بإمكانهم أن يعجلوا تجدد المياه والنباتات إذا احتفوا بمراسيم وطقوس معينة تمثل حياة ومصرع وانبعاث أرواح المياه والنباتات. بيد أن كل ما وصلنا عن ديانة أدونيس التي ترمز إلى كل ذلك كلن عن طريق شهادات العصور اليونانية والرومانية ويمكن تلخيصها بما يأتي:
ولد أدونيس من شجرة مقدسة وعندما شب وترعرع التقطته أفروديت ربة الجمال وعهدت به إلى (برسفونة) ربة الموت التي تعيش تحت الأرض. وقد رفضت هذه أن تعيده إلى أفروديت، فنزلت ربة الجمال إلى جهنم ورجت (زوث) كبير الآلهة أن يتوسط بينها وبين (برسفونة) ففعل وحكم بأن يعيش أدونيس ستة أشهر تحت الأرض وستة أشهر فوقها مع أفروديت وقد اتخذته هذه خليلا لها. غير أنها لم تنعم به طويلاً. فقد قتله خنزير بري في ريعان الشباب عندما كان يصطاد في الغابة وبكته أحر البكاء ثم دفنته في الثرى حيث سيبعث كل عام مع النباتات الجديدة.
فأدونيس هو إله الزراعة ويمثل روح النبات. وكان يعبد في كل أنحاء فينيقية وتقام له أعياد تسمى الأدونيسيات يمثل الفينيقيون خلالها مصرعه وانبعاثه، وتجري في كل بلدة من بلادهم ولاسيما في جبيل القريبة من نهر إبراهيم الذي يسمى بنهر أدونيس. ففي الصيف يتألف موكب كبير يسير من جبيل ويصعد إلى مرتفعات لبنان ويقف بين حين وآخر، وما يزال حتى يصل إلى منبع النهر في مغارة أفقا، وهناك يضع بعضهم صورة الإله القتيل. ثم تعود كاهنات أفروديت المشتركات في الموكب إلى معبد جبيل بما يشبه جثته بين العويل والرقص الجنازي على نغمات الناي الحزين. وأخيرا تدفن هذه الجثة لكي ينبعث مرة ثانية في فصل الربيع.
وكان الفينيقيون يعتقدون أنه يعود إلى الحياة وأنه يصعد السماء قبل أن يحتوي القبر جثته، فكان لزاما على جماهيرهم أن يشتركوا في الحزن ويتحتم على النساء أن يقصصن
стр. 496
شعورهن أو أن يشترينها بأن يبعن أنفسهن إلى بعض الرجال وأن يؤدين ثمن ذلك إلى المعبد. وتحزن الطبيعة وتشارك الناس في ألمهم فتخضب مياه نهر أدونيس بلون النجيع (وهو لون الطين الأحمر الذي تحمله أمطار الربيع) وتتلون الأزهار بلون دمه. وفي اليوم الثالث من هذا المأتم يعلن الكهان على المتعبدين أدونيس انبعث من مثواه.
وقد بلغنا كل هذا من نصوص وأوابد يرجع عهدها إلى ما قبل الميلاد بقليل. وعندما فكت رموز نصوص رأس شمرة وجد في بعضها شكل قديم لأسطورة أدونيس يتلخص في وجود آلهين: الأول (ايلايين) وهو روح المياه الذي يسود في الفصل المطير ويعبيء غيومه ورياحه وأمطاره لكي يسمن الآلهة والبشر.
والثاني (موت) وهو روح النبات والحصاد، يفرض حكمه الحار بعد موت (ايلايين) فتنضج الحبوب والكروم. ثم يموت بدوره عندما تطارده الربة (عنات) فتظفر به وتقطعه إربا إربا ثم تلقي بفتات لحمه إلى الحقول فتعيد إليها بذلك روح النباتات التي أفناها الحصاد. ولكي يتم ذلك يجب على المتعبدين أن ينشدوا نشيداً خاصا وأن يلقوا تماثيله وبعض النباتات الخاصة التي تمثله في البحر فتزداد الغيوم وتنعقد أمطاراً. وعندها تسعى الربة (ساباس) وهي الشمس إلى ارتياد كل الينابيع للبحث عن (ايلايين) الذي يكون مختبئاً في بطن الأرض ولا حلاله محل (موت).
* * *
والخلاصة إن للوحات رأس شمرة أهمية أثرية وتاريخية عظيمة. وتضارع في سعة المعلومات التي قدمتها للعلم عن معتقدات الساميين الأولى وآراء الكنعانيين الدينية وعلاقاتها بمعتقدات بني إسرائيل الأولين، الوثائق التاريخية الثمينة التي وجدت في آخر القرن الماضي وأول القرن الحاضر في (تل العمرنة) و (بوغاز كوي) والتي غيرت كثيراً من معارفنا عن تنظيمات أمم الشرق القديم الاجتماعية والسياسية. وليس يستغرب إذا توبعت حفريات رأس شمرة أن تظهر نصوص أخرى تطلع علينا بأدب فينيقي غزير تزيد في ما نعرفه عن أول البلاد التي توصلت إلى اختراع الكتابة الصوتية فقدمت بذلك أثمن خدمة إلى البشرية.
سليم عادل عبد الحق
стр. 497
وجهة التربية في إنكلترا
الأستاذ خلدون الكناني
التصدي لهذا الموضوع في مقال واحد، ليس في الحقيقة، محاولة عسيرة بل (مخاطرة). وكاتب هذا البحث يعلم أنه لن يستطيع لمه من أطرافه إلا بإسقاط أمور كثيرة لها شأنها في دراسة متجهات التربية والتعليم في بلاد الإنكليز والاقتصار على ما برز منها واشرأب للعيان. وفائدة هذه الموضوع لا تأتي فحسب من أنه عرض لقضية التربية في دولة عريقة في الثقافة، تتولى اليوم مع بعض الدول الأخرى زعامة العالم، وإنما تأتي أيضاً من أن كثيراً من مشكلات التعليم في إنكلترا من الأمور التي تشغل بال المثقفين والقائمين على شؤون التربية في وطننا. وهذه المشكلات - حينما وجدت_إرث الماضي ووليدة التطور، ولابد في فهمها من استرجاع الماضي ولو في لمحة خاطفة.
كانت التربية الإنكليزية في القرون الوسطى دينية صرفا، تعنى بتربية الروح وتغذية أكثر مما تعنى بتثقيف العقل وتعليمه. غير أنها كانت تفهم الروح والطبيعة الإنسانية فهما خاصا غريبا وتعتقد أن الأصل فيهما الشر والفساد. لذا استصوبت الضرب والتعذيب الجسدي في المدارس وصرفت همها لا إلى تعليم الطالب (ما ينبغي) أن يفعله في الحياة - بل (ما لا ينبغي) أن يفعله، فغلت يديه ووأدت حريته ونشاطه. إلى جانب هذه المدارس الدينية قامت في قصور الرؤساء وبروج الحكام مدارس تعلم الفروسية كما كان يتعلمها العرب في البادية، وتغذي النفوس الوليدة بقصص شبيهة بقصص عنترة والهلالي تنشئ النفس على حب المغامرة والبطولة ونصرة الضعيف. ولعل المصانع في تلك العصور وبيوت أرباب الحرف كانت_مع بعض التجوز - ضربا ثالثا من المدارس يتعلم فيها التلميذ الحرفة من الأستاذ بالممارسة والملازمة وطول الصحبة. وشر سمات التربية في تلك القرون أن الثقافة والتربية كانتا من حظ الطبقات الخاصة الرفيعة، من حظ أبناء الأشراف الذين جاؤوا إلى الدنيا وفي فمهم قطعة من الحلوى.
فلما جاء عصر النهضة وبعثت الثقافة اليونانية والرومانية من مرقدها قامت إلى جانب تلك المدارس مدارس جديدة تعنى بالتعليم وتزويد الطلاب بالمعارف أكثر مما تعنى بالتربية، وتعتقد أن الهدف الأسمى للثقافة معرفة حضارة الرومان واليونان ليس غير، سواء أاتصلت
стр. 498
هذه المعرفة بالحياة اليومية الحقيقية وأغنت أم لم تتصل ولم تغن. وقد تعددت المدارس الدينية في هذا العهد بتعدد المذاهب وانقسام الناس إلى نحل وطوائف. وظلت التربية، في هذا العصر أيضا، وقفا على السعداء أبناء الطبقات الرفيعة.
ولما بزغت النهضة الصناعية في إنكلترا ونزح العمال من الريف إلى المدن وغصت بهم وبأولادهم الغرف الصغيرة والبيوت المظلمة والأحياء الموبوءة شعر أرباب المعامل بحاجة العمال وأولادهم إلى التعليم، لأن العامل المتعلم القادر على (التوقيع) أقدر على ضبط حسابه وعلى فهم بعض الأمور الفنية في المعمل من العامل الجاهل فأنشأوا لأولاد مدارس تعلمهم مبادئ القراءة والكتابة والحساب (فقط) فكانت نواة التعليم الابتدائي في إنكلترا.
في هذا الدور شرعت الدولة بملاحظة شؤون التعليم - عن كثب - بعد أن كانت تتحاماها من قبل وتعتقد أنها من شؤون رجال الدين وجمعيات البر والإحسان.
ولم يقبل الإنكليز على دراسة قضايا التربية والتعليم في بلادهم بشغف وجد وإقبال إلا بعد الحرب العالمية الأولى حين ظهرت أمتع الكتب والدراسات عن المدارس والمناهج وأهداف التربية والثقافة. لكن الدولة لم تتدخل تدخلا فعليا في سبيل تنظيم شؤون التربية ومختلف الميادين والإشراف على سير المعاهد على أنواعها ودرجاتها، والسهر على توجيه التربية ونشر المعرفة والعناية بعقول المواطنين جميعا وأرواحهم وأجسادهم إلا في أواخر الحرب العالمية الثانية حين صدر التشريع المعروف (بقانون عام ١٩٤٤).
نظر القوم فيما خلفه الماضي في نظامهم التربوي فوجدوا فيه ثلاثة أدواء لابد من معالجتها في الحال. الداء الأول أن المدارس القائمة غير واضحة البدايات والنهايات. فمنها ما أمد الدراسة فيها قصير، ومنها ما أمد الدراسة فيها طويل جداً، وأكثرها لا يفرق بين درجات التعليم ويخلطها بعضها ببعض. فسارعوا إلى تقسيم التعليم (المقرر) إلى ثلاثة أدوار: ابتدائي وثانوي وما بعد الثانوي. وجعلوا بداية التعليم الابتدائي السنة (الثانية) من العمر، وإن كان لا يتحتم ويصبح إجباريا إلا في السنة الخامسة (بعد عهد الحضانة). وفي الحادية عشرة من العمر يغادر التلميذ المدرسة الابتدائية إلى الثانوية حيث يبقى حتما ولزاما حتى يبلغ الخامسة عشرة، وإن كان التعليم الثانوي لا ينتهي إلا في الثامنة عشرة. وأما المرحلة الثالثة فتبدأ بعد سن الثامنة عشرة للطلاب الذين أتموا الدراسة الثانوية. أما الذين غادروا
стр. 499
الثانويات من قبل - أي في الخامسة عشرة - فمرحلة دراستهم الثالثة تبدأ منذ تركهم معاهدهم.
هذا التقسيم في وضوحه من جهة وتداخله من جهة أخرى يبغي معالجة العلة الثانية من النظام القديم ويقوم على فهم جديد للتربية هو زينة النظام الجديد. كان رجال التربية، إلى عهد قريب، يجعلون التعليم الإلزامي خاصا بالمدارس الابتدائية، كان الطالب لا يحتاج بعد عهد الدراسة الابتدائية إلى ثقافة قط، زكان هناك مقدارا معلوما من شراب (العرفان والتربية) ينهله التلميذ في الصفوف الابتدائية ولا يظمأ من بعده أبدا. وقد طرح المربون الإنكليز هذا الرأي وقالوا بأن حاجة المرء إلى الثقافة (أي إلى التربية والتعليم) كحاجة الجسم إلى الغذاء، تبدأ بالولادة وتدوم طول الحياة، يطلبها المرء ما عاش لا يجدها عهد الدراسة الابتدائية ولا الثانوية ولا الدراسة الجامعية. وقسموا الثقافة إلى نوعين: ثقافة (مقررة) منظمة تنشرها المدارس الابتدائية والثانوية والجامعات، وثقافة (غير مقررة) تسهر على نشرها المؤسسات العالية في المدن ومجالس المحافظات والبلديات في القرى والأرياف، وتقوم على المحاضرات والمناظرات الفردية والفنون الجميلة وتغذية العواطف الكريمة وتيسر للناس الاستفادة من المكتبات والمتاحف والمخابر والملاعب والمسابح وكل ما يغري بتنشيط الجسم والعقل والروح.
أما الثقافة (المقررة) فيتلقاها الطلاب الإنكليز إلزاما ومجانا في مدارسهم من الخامسة إلى الخامسة عشرة. ولأولياء الأطفال الخيرة في إرسالهم من قبل ذلك إلى مدارس الحضانة أو حضنهم في بيوتهم والإشراف على تربيتهم الفطيرة. وإذا ما أكمل الطالب الخامسة عشرة واصل الدراسة الثانوية إلى الثامنة عشرة إذا شاء أو ترك الدراسة للعمل وكسب القوت. وفي هذه الحال يجبر الطالب على متابعة الدراسة (المجزأة) يوما كل أسبوع، في مدارس خاصة نهارية أو ليلية أعدت لهذا الغرض إلى أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره. ومديره الذي يستخدمه في مكتبه أو معمله أو في مخزنه مجبر على أن يمنحه هذا اليوم في الأسبوع علاوة على العطلة الأسبوعية.
أما الثقافة (غير المقررة) التي يتلقاها الطفل في بيته وفي دور الحضانة قبل دخول المدرسة الابتدائية، أو التي تنفع كل الراشدين الذين تركوا المعاهد وجازوا سن الثامنة
стр. 500
عشرة فإن المواطنين عموما مدعوون لاكتسابها دعوة اختيارية لا إجبارية. لكن السلطات الإدارية المحلية والدوائر الحكومية ملزمة بتسيير اكتساب هذه الثقافة الاختيارية لكل إنسان على تنوع ألوانها سواء كانت روحية أم مادية علمية أم عملية، فنية أم رياضية.
هذا الفهم الجديد لأهداف التربية ساق إلى معالجة العلة الثالثة في النظام التربوي القديم. كانت المدارس الإنكليزية على الغالب تعنى بالثقافة النظرية وتهمل الثقافة العملية والصناعية والزراعية وتتجاهل ميول الطلاب المختلفة ومواهبهم المنوعة، وتلبسهم على اختلاف قاماتهم ملابس من الثقافة الموحدة لذلك سارع قانون عام١٩٤٤ إلى إلغاء الثقافة (الجاهزة) في التعليم وتقرير طريقة (التفصيل) التي تراعي اختلاف القدود والاستعدادات والميول.
أما في التعليم فقد أطلقوا يد المعلم في اختيار المنهاج الذي يريده في التعليم والذي يراعي حاجات طلابه وبيئتهم والظروف العارضة المحيطة بالمدرسة. وأما في التعليم الثانوي فقسموا المعاهد إلى معاهد (أدبية) يوجه إليها الطلاب المهرة بالصناعات العملية، ومعاهد (عصرية) يوجه إليها باقي الطلاب - وهم الكثرة - الذين لم تستبن بعد ميولهم. وهذه الثانويات (العصرية) أشبه شيء بثانوياتنا في سورية (ولاسيما في الحلقة المتوسطة).
أما الثقافة (غير المقررة) فتتنوع مؤسساتها وحلقاتها ونواديها وجمعياتها تنوعا يشمل كل فاعليات المجتمع الإنكليزي ونشاطه الفكري والروحي والعلمي والفني والرياضي. فترى في بعض المراكز مثلاً دائرة زراعة القرنبيط، ودائرة تنوير الراشدين إلى جانب ناد يعنى بتربية البط وصيد الحمام أو لعب الكولف.
وقد عرف واضعو قانون عام١٩٤٤ أن قانونهم كنز ثمين مفتاحه (المعلم).
لذلك عنوا عناية شديدة بتخريج المعلمين القادرين على تحقيق أهداف التربية الحديثة وقد رأوا أن الحاجة تدعوهم إلى الإكثار من دور المعلمين الابتدائية (المستقلة) لتخريج العدد الهائل من المعلمين الذين يفتقرون إليهم لتنفيذ هذا القانون على أن ينظر في أقرب وقت في أمر إلحاق هذه الدور بالجامعات لرفع مستواها الثقافي وتمكين معلمي المستقبل من الاستفادة من خبرة أساتذة الجامعات القديرين. وإذ أن عمل المعلمين في المستقبل لن يقتصر على تعليم القراءة والكتابة والحساب، بل على توجيه مختلف الفاعليات والمواهب
стр. 501
التي تتراءى هزيلة في المدارس الابتدائية، وتحاول أن تتركز في المدارس الثانوية، والتي تنبثق واضحة بارزة في كل الحلقات والمؤسسات الناشرة للثقافة (غير المقررة) لجأ القائمون على إدارة التعليم في إنكلترا إلى حشد المعلمين من مختلف البيئات العلمية والطبقات الاجتماعية والحرف والصناعات والوظائف ليخرجوا للأمة قادة مدريين في مختلف أنواع النشاط الإنساني والاجتماعي.
وفي رأي واضعي هذا القانون أن التربية لا ترمي إلى تغذية الروح وحده ولا إلى تنوير العقل وحده ولا إلى رياضة الجسم دون غيره بل ترمي إلى تربية الإنسان كله تربية كاملة تشمل روحه وعقله وعاطفته وجسمه وحياته الخاصة وحياته الاجتماعية ومهنته. ولكي يظهروا عنايتهم بتربية الروح والعاطفة فرضوا التعليم الديني في جميع المدارس وجعلوا لدروس الفنون الجميلة المكان الرفيع.
ولعل أظهر ما يميز هذا القانون أن تدخل الدولة في شؤون التعليم لا يقيد حرية المعلمين والمديرين، وإن إشرافها الشامل على سياسة التربية والتعليم لا يعوق قط التشبث الشخصي والنشاط العفوي والاستقلال الذاتي. إنه لا شك قيد في عنق (غادة) التعليم لكنه رخو كأنه القلادة، خيوطه مصنوعة من حرير - لكي لا يؤذي - ومن ذهب أيضاً ليحسن في العيون ويثمن - وكذلك - لكي لا ينقطع.
فكأن بريطانيا في العصر الحاضر، وهي ترى العالم قد انقسم إلى معسكرين: أحدهما يتهم الآخر بأن تدخل الدولة في سبيل ضمانة المساواة والعدالة الاجتماعية أفضى إلى قتل الحرية الفردية، والثاني يتهم الأول بأن حرصه الشديد على الحرية الفردية عاقه عن تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، نقول كأن بريطانيا وهي تشهد انقسام العالم إلى هذين المعسكرين تحاول أن تشق لنفسها طريقاً وسطاً بين الحرية والعدالة الاجتماعية، ويوفق بين تدخل الدولة والاستقلال الفردي.
فإلى أي مدى تستطيع بريطانيا أن تجري في هذا الطريق؟ هذا ما سيكشفه المستقبل.
خلدون الكناني
стр. 502
نظرتنا إلى الحياة
الأستاذ شكري فيصل
أتساءل فيما بيني وبين نفسي، لم يغلب علينا التململ في مجتمعنا العربي، وفي سورية بوجه خاص. فتغدو حين نغدو متبرمين، ونروح حين نروح قلقين، على حين نستطيع أن نجد دائما النقطة التي نبدأ منها في أن تنهض بالمجتمع العربي، وأن نهبه الحياة الحرة الطلقة؟. .
وأتساءل مرة ثانية: هل نحن عاجزون عن أن نعثر على هذه النقطة التي نرتكز إليها. . على حين قد أطلقت لنا في سورية الآفاق، واتسعت الآماد، وأضحى في مقدورنا أن نعمل في يسر أو شيء يشبه اليسر، بعيدين عن الأغلال التي كانت مضروبة من حولنا، والقيود التي كانت تتعثر بها خطانا؟
وترن في أذني أصداء من الوطن. . أصداء أغنيات الفرح في ذكرى الجلاء، وتلمع في خيالي أضواء. . أضواء من هذه الأنوار التي أرسلت في كل مكان، وتنساب البسمات التي كانت ترتسم على كل شفة فتمر من أمامي في استعراض مرح رواف ثم تضيع الأصداء، وتخبو الأضواء، وتذبل البسمات على الشفاه، وأعود لأتساءل ماذا استطعنا أن نفعل من أجل مستقبلنا؟
وتحاول القناعة - والقناعة كنز لا يفنى - أن تردني إلى شيء من الصبر ومن التمعل. . تحاول أن تفرض على منطق هؤلاء الذين يبررون كل قصور، ويعتذرون عن كل فتور، ويجدون السبيل إلى أن يتهربوا من أثقال الأمانة التي ألقيت على عاتقهم. . ولكني أنفر منها. . فقد استطال الزمن، وامتدت السنوات، وحن لا نزال قريبين أشد ما يكون القرب من النقطة التي بدأنا منها، كأن لم تتزحزح.
وأكاد أحسب أن ذلك طبيعي في حياة شعب لم يستطع حتى اليوم أن يبلور نظرته إلى الحياة. . إن هذه النظرة لا تزال بعيدة عن أن تكون واضحة من نحو أو صحيحة من نحو آخر. . إننا نعيش في جو من الضباب، وجو من الخمول. . وحين يقدر لها أن تبدو، تبدو عند المثقفين نسخا لما تضطرب به المجتمعات الغربية ولما تمتحن به. وتبدو عند بعض آخر خلاصة ملفقة لما كان يضطرب به الناس منذ حين.
стр. 503
وما لم يكن هنالك نظرة واضحة إلى الحياة تتركز في أذهان الناس جميعا - على تفاوت في مقدار التركز - نظرة سليمة نقية تصدر عنها أعمالنا، وينسجم معها سلوكنا. ما لم يكن لنا هذه النظرة التي تستطيع أن تفجر لنا الماء الذي نرتوي منه، وتفيء علينا الظل الذي نستظل به أو ترسم لنا آفاقنا البعيدة فإن هذا الشعب الذي يعيش على ذكريات الجلاء وأفراحه، سيظل يعيش هذه الحياة التي تبرق فيها ساعة واحدة من السرور في محيط من الحزن. ساعة واحدة من النور في أفق مظلم. يوم واحد من ثلاثمائة وخمسة وستين يوما كلها أعراض للمرض والعجز والكسل.
لم نملك بعد واقعنا الذي نحياه، هذه النظرة السليمة إلى الحياة. بل نحن لم نحاول أن نملكها، ولا نزال ننتظر أن تهبط علينا من السماء، أو تنبع بين أيدينا من جوف الأرض، أو تخترق علينا هذا الجدار من هنا، أو ذاك الجدار من هناك. لا يزال الذين يفكرون أحد اثنين - وكدت أقول أحد رجلين لولا هذا الضجيج الذي يتساقط حولي فلا أدري أهو نغم منسق يعرف عم يصدر عنه وماذا يبغي، أم هو ثرثرة وعبث نفسي - واحد يفكر في عقول الذين ملكوا عليه عقله من هنا، من أقرب عصور التاريخ على بعد ما بينهم وبينه في المكان. ورجل يفكر في عقول الذين ورثوا عقله من هناك ومن أبعد عصور التاريخ على بعد ما بينه وبينهم في الزمان. بل لا يزال هؤلاء جميعا يضلون، وقد يختصمون في هذا الضلال وبين أيديهم هذه الأمانة التي استودعها الله نفوسهم: أمانة الحياة الكريمة الحرة التي يجب أن تحقق وجودها الحر الكريم.
يجب أن نخرج من هذا التململ الذي نعيش في وطأته الثقيلة. وليس هناك شيء آخر يكفل ذلك المجتمع العربي إلا أن يصحح نظرته إلى الحياة: نظرته المادية والمعنوية. إن هذه الحياة التي ألقيت بين أيدينا ليست وديعة للحفاظ ولكنها وديعة للاستثمار، ومادة للعمل وأفقاً للتفكير وسلماً لا يراد منه أن نتأمله ونصعّد النظر إلى درجاته العليا أو درجاته الدنيا، وإنما يراد منه أن نصطنعه، أن نرقى درجاته وأن نسمو بها لأننا كلما استطعنا السمو كلما انفرجت لنا المطلات الواسعة والآفاق البعيدة.
* * *
هذه الحياة إذاً ليست رصيداً للحفظ والتسليم ولكنها للتمرس بها. وهي كفيلة أن تبيح للذين
стр. 504
يتمرسون بها. للذين يعانوها بكل ما في أعماقهم من قوة وما في أذهانهم من شوق ومطامح، كفيلة أن تبيح لهم خيراً كثيراً أن هم استطاعوا أن يتبينوا فيها وجهيها: وجهها المادي ووجها المعنوي.
إن خطأ نظرتنا إلى الحياة في الشرق العربي هذه النظرة التي ت \ تسرف في المعنوية فتطير على الأجنحة، وتحلق فوق السحاب وتعيش في هالات من الغموض أو من الإشراق وفق ما يتاح لها. ومن أجل هذا الإسراف تتسرب في هذا الشرق العربي نظرات أخرى لا تسرف في الجانب المعنوي ولا تلزم القصد فيه، ولكنها تسرف في جانب مادي مناقض، إنها تريد أن تقيم حياتها وفاق هذا الواقع القريب الذي يلفها، ومن أجل ها الواقع، وعلى نية إصلاحه تحاول أن تميت كل شيء آخر، التسامي والتطلع وارتياد آفاق الروح تحاول أن تطمس في الحياة وجهها المشرق الآخر.
* * *
في هاتين النظرتين إلى الحياة يوشك الشرق العربي أن يضل طريقه إلى الحياة يوشك أن يضلله هؤلاء وأولئك إن لم تأخذ بيده فكرة نيرة تعرف كيف توازن بين ما تحمل باليمين وما تحمل بالشمال. وتدرك كيف تمد يداً إلى الأرض ويداً إلى السماء وتستطيع أن ترعى في الحياة وجهيها الذين لا يستطيع أن تستغني عنها: وجهها الذي يعفره التراب والدخان والعمل المبارك المثمر ووجهها الذي يغمره الإشراق والنور وسبحة الروح الواسعة.
ومن العبث أن نقدر النجاح إن نحن لم نصحح كذلك نظرتنا إلى الحياة، وليس هذا التصحيح ارتجالاً ولا خيالاً، ولكنه استمداد من (الواقع) نفسه، فهذا (الواقع) يعلمنا أن وراءه جواً آخر يتوجه، وهذه (الضرورة) تلفتنا إلى أن في أعماقها أفقاً تسمو إليه، وكل محاولة أخرى يقبل عليها الشباب العربي لن تكون إلا تجربة ستنتهي حتماً إلى التعديل وليس من مصلحة الشباب العربي أن يفني حياته في التجارب، لأن هذه التجربة نفسها ليست مرحلة ضرورية في طريق الحياة. بل أن كل محاولة أخرى ليست إلا رفرفة غير منتظمة. إن للحياة جناحيها ولن تستطيع أن تحقق غايتها إن هي لم توازن بين هذين الجناحين، فيكمل كل منها حركة الآخر.
* * *
стр. 505
ومن هنا كانت عبقرية الإسلام حين وجه العرب إلى الحياة، إنه فتح أعينهم على الواقع ودعاهم أن ينظروا في كل ما حولهم نظرة قائمة على التدبر والتفكر. . إنه دلهم على آفاق النفس وآفاق العالم، واتجه بهم في هاتين الناحيتين التي تملآن على الإنسان دربه منذ أوجده الله على ظهر الأرض. إنه لم يعلق أبصارهم في السماء ولم ينكس هذه الأبصار إلى الأرض. . لم يعودهم إطراقة الخضوع إلى الأرض، ولا تطلع الحبيس إلى السماء. ولكنه مزج بين التأمل في الأعماق والتأمل في الآفاق. . وأخذ بيدهم إلى محاربة الطبيعة ولا للخضوع الأعمى لها بل إلى التجارب معها وتسخيرها، لا إلى الالتجاء السلبي إليها بل إلى التزود الإيجابي منها.
فإذا كان للشرق العربي اليوم من سبيل إلى أن يصحح نظرته إلى الحياة فهو سيجد في عبقرية النظرة الإسلامية ومرونتها كثيراً من الخير. . . ولن ينفعه أن يعمى عنها أو يتجاهلها لا لأنه حين ذاك يعمى عن الحق فقط، بل لأنه يعمى عن ثروة كبرى في تاريخ الإنسانية وفي مستقبلها أيضاً، ومن أعجب العجب أنها هي ثروته التي يضل الطريق إليها.
* * *
والأساتذة المعلمون ينهضون بأكبر العبء في هذه المرحلة من مراحل التاريخ العربي. . . إنهم لا يعلمون القراءة والكتابة فذلك أهون الأمور. . . ولكنهم يحاولون أن يخلقوا جيلاً صحيح النظرة إلى الحياة. . . وأحسب إنهم مضطرون حتماً أن لا يلتمسوا هذه النظرة بعيداً: إنها قريبة منهم.
وحين تستوي لنا هذه النظرة الأصلية في جيل جديد فسيكون من السهل السير أن تلتقي في الفروع وقد يكون من الخير الكثير أن نختلف فيها. أعني أن يصدر هذا الجيل عن نبعة واحدة وأن ينسرح منها بعد في كل قبلة.
القاهرة // شكري الفيصل
стр. 506
الحرية
الحرية حق لازم لاستقرار الحياة الاجتماعية، وفقدان الحرية معناه فقدان الشخصية معناه الانحطاط إلى ما يقرب من مستوى الحيوانات فالفرد والجماعات والشعوب والأمم كلها تطالب بالحرية.
стр. 507
لنثقب الكرة الأرضية
للدكتور محمد علي صبري
الخبير الفني الجيولوجي في وزارة الاقتصاد الوطني
اقترح الفلكي الفرنسي الطيب الذكر كاميل فلاماريون بعد أن هزم الزلزال مدينتي ميسينا وريجو في إيطاليا سنة ١٩٠٨ أن يسعى البشر إلى خرق ثقب في الكرة الأرضية بصورة يقوم عليها بئر عميق واسع يستفيد منه الإنسان في دراساته وعملياته. فماذا يوجد في قشرة الأرض وتحتها؟ فلماذا لا يقوم الإنسان بأعمال مباشرة عوضاً عن النظريات ويرى بأم عينه ويلمس في يديه؟ ثم كتب مقالاً قيماً في هذا الموضوع نقتطف منه ما يلي:
يجهل سكان العالم الأرضي كوكبهم ولا يعرفون عنه إلا الشيء القليل. فقد اكتشفوه من الناحية الجغرافية وطافوا حول ممتلكاته البرية والبحرية. لقد اكتشفوه من الناحية الفلكية وحددوا موضوعه بين عالم الفراغات السماوية وحددوا شكله ووزنه ومدته، لكنهم جهلوا تماماً ما يتعلق بتركيب جسمه وماهيته، وعرضاً تسربوا إليه تسرباً خفيفاً بصورة غير مباشرة وتدخلوا جزئياً في جوفه.
فالعمال الذين يخرقون الجبال ليسمحوا للقطارات بعبور هذه الكتل الأرضية لا يقومون باجتياز تجعدات القشرة الأرضية ولا تنخفض الألغام التي تقام في مناجم الفحم والمعادن مهما كان انخفاضها أكثر من كيلومترين تحت سطح البحر أو أقل. وأكبر فتحة توصل إليها البشر على الكرة الأرضية أقيمت في سنة ١٨٩٣ إلى سنة ١٩٠٢ في مدينة باروشوفيز في سيليزيا العليا وفاقت تلك الفتحة التي أقيمت في شلاديباخ قرب مير سبورغ في ساسونيا البروسية ٢٢٥متر. فكان عمق الأولى ٢٠٠٣ والثانية ١٧٤٨ متر فقط. وكما يرى فإن هذه الأنقاب ليست إلا خدشاً بسيطاً على بشرة كرتنا الأرضية.
ترى هل الكرة الأرضية مائعة أم صلبة؟ لم يمض من الوقت إلا أقله على اعتراف العلماء بوجود كتلة مائعة ملتهبة تحيط بها طبقة نحيفة صلبة. فالحرارة التي يعثر عليها الناقبون في الأنفاق المعدنية ووجود مراكز بركانية وسيل الحمم على سطح الأرض تحملنا على الاعتقاد بأن كل ما يوجد تحت عمق٨٠ أو١٠٠ كيلومتراً هو مائع ومزاب، غير أن الجيولوجيا الحديثة ليست مستعدة على الاعتراف بأن مصير البشر قائم على طبقة نحيفة
стр. 508
كهذه فوق فرن من هذا النوع.
فإذا كان حقا ما يقولون من أن جوف الكرة الأرضية مائع تماما أصبح من المحتمل أن ترتفع هذه الكتلة الهائلة مرتين كل يوم تحت تأثير جاذبية القمر وأن تؤلف مدودا وجذورا هائلة تتحطم القشرة الأرضية الصلبة على أثرها يوميا كلما وقفت في وجه هذا الجذب. فقشرة لا تتجاوز سماكتها ال - ١٠٠ كيلومتر لا يمكنها أن تقاوم اصطداما عنيفاً هائلا من هذا القبيل، وإلا تحطمت أو تمزقت كلما انفجرت فقاعات الحمم المتأججة ولكانت الكرة الأرضية غير قابلة للسكن وحياتنا في غم شديد تنتظر من ساعة لأخرى انهيارها في بعض الشقوق الفجائية التي تتصدع تحت أقدامنا.
تعترف النظريات الجديدة بأن الكرة الأرضية تضارع في مجموعها قساوة الفولاذ وتتمتع في بعض الأحيان بالصلابة والمرونة. وما ذلك إلا نظرية من النظريات ربما تكون حقا أو باطلا ولذلك يجب مراقبتها والتحقق منها. وكل ما نعرفه بدقة هو أن حرارة الكرة الأرضية الباطنية تزداد بازدياد التعمق فيها. ورغما عن هذا نرى أن ازدياد الحرارة عديم الانتظام والتتابع لأن الحرارة بينما تزداد في بعض الأمكنة درجة واحدة كلما ازداد العمق٣٣ متراً تراها تتناقص أو يكثر ازديادها في بعض الأمكنة الأخرى كالمواقع القريبة من البراكين حيث يشعر بهذا الازدياد كلما ازداد الانخفاض من١٠ إلى١٥ مترا.
لنتوقف هنيهة عند الحد ولنسمع ما كتبه عالم فرنسي آخر هو شاعر الحيوانات الصغرى هنري فابر: توجد تحت الأرض درجة حرارة عالية جداً ليست مستقلة عن حرارة الشمس. فإذا فرضنا أن درجة الحرارة ترتفع درجة واحدة كلما زاد الانخفاض٣٠ متراً تحت الأرض يمكننا أن نتصور مبلغ ما يقع في أشد الطبقات الأرضية انخفاضا. فيجب على درجة الحرارة أن تكون على عمق ٣ كيلومتراًت ١٠٠ درجة وهي النقطة التي يغلي بها الماء، وتصل هذه الدرجة إلى ٧٠٠ عندما يبلغ هبوطنا ٢١ كيلومتراً وهي الدرجة الكافية لصهر أكبر عدد ممكن من الأجسام، وعندما يصل انخفاضنا إلى ٤٠ كيلومتراً تكون درجة الحرارة قد وصلت إلى ١٦٠٠ وهي نقطة سيلان البلاتين وهو أصعب المعادن ذوبانا. فإذا ظلت هذه النسبة محافظة على نفسها كانت درجة الحرارة في مركز الكرة الأرضية ٢١٠٠٠ وهي درجة حرارة مخيفة جداً لا يمكن التعبير عنها مطلقاً.
стр. 509
فإذا ما أردنا أن نحل هذه المسألة العويصة علينا أن نثقب الأرض! ويتابع فلاماريون كلامه: ليست المسألة إلا عبارة عن تحقيق ما قد أقيم إلى الآن بصورة سطحية، غير مباشرة، أو بالأحرى من قبيل الصدفة. فأول ما يمكن الحصول عليه إذن هو إيجاد ينبوع دائم الحرارة يمكن استخدامه في الأوائل الصناعية وفي مراقبة درجة الحرارة الهندسية مراقبة علمية. ومن الممكن العثور على الماء الغالي وفقاً لهذه الدرجة على انخفاض٣٠٠٠ متراً عن سح البحر.
فما هي الغرائب الجيولوجية أو الباليونتولوجية التي يمكن الحصول عليها في استقصاء الأعماق الأرضية؟ هي مناجم الحديد والنحاس والمعادن الثمينة وعروق الذهب والبلاتين والفضة والراديوم، وكلها من المواد التي لم يشك أحد في العثور عليها. وهي مستحاثات أبعد العصور الجيولوجية التي كانت تعيش في عالم مجهول يرقد في تلك المقاطعات.
ومن الممكن حقا العثور، أثناء العمل، على منابع من المياه المعدنية الحارة كالتي تدفقت خلال فتح نفق سمبيونة سنة ١٩٠٣ بدرجة حرارة تتراوح بين ٤٨ و ٥٣ وعلى مجار مائية تسيل تحت الأرض وعلى شلالات يمكن استخدامها للحصول على القوى الكهربائية، وعلى بحيرات واسعة تقطنها الأسماك والحيوانات البرية - البحرية العمياء كالتي عثر عليها في مغاور كارنيولا. وسيمثل فعلا أمام أعيننا المندهشة منظر جموع من الحيوانات والنباتات العجيبة، وأجسام متألقة تضارع المخلوقات التي تعيش اليوم في أعماق بحارنا المحيطية. وستضيء بمناظرها الخلابة مناظر ما تحت الأرض التي تتزين بالصواعد الهائلة والنوازل العظيمة. ومن الممكن أيضاً العثور على كهوف ومغاور ليست في الحسبان وعلى أجسام غريبة تنتشر تحت ضغوط كبيرة هائلة.
لقد ألمعنا أنه من الممكن، وفقاً للنظريات الحديثة، العثور على درجة حرارة المياه الغالية على انخفاض٣ كيلومتراًت فقط عن السطح، فما هي قيمة ثلاثة كيلومتراًت بالنسبة إلى ٦٣٧١ كيلومتر، التي تفصلنا عن مركز الكرة الأرضية؟ يجب علينا أن نهبط إلى أعمق منها بكثير!.
إن فكرة خرق بئر عظيمة العمق تكشف لنا عن حقائق جوف الكرة الأرضية ليست بفكرة حديثة العهد. لقد فكروا بخرق مغارة تخترق الكرة الأرضية من ناحيتيها. وكان يجب على
стр. 510
هذه المغارة الهائلة أن تسمح لنا وللسكان المتقاطرين أن ننظر إلى بعضنا بواسطة منظارات موجهة إلى النظير. ولا حاجة إلى القول من أن الانحناء فوق هذه البئر العظيمة العمق والنظر إليها مخيف جداً، ولا يظهر أن كثيراً منا يتحمل عقبات الدوخة المؤلمة الناتجة عن ذلك. ومن الممكن أيضاً أن نتساءل عن مصير جسم يتساقط في هذه الهاوية. غير أن بلوتارك قد سبقنا إلى هذا السؤال قبل أن يقوم غاليليه بتجاربه المشهورة في سقوط الأجسام وقبل أن يسن نيوتن قوانينه المعروفة بالجذب العام.
وعندها يصبح في إمكاننا أن نجيب على هذا السؤال دون تفكير عميق بأن الجسم سوف يتوقف في مركز الكرة الأرضية وهو المكان الذي يمكن للجذب أن يكون فيه عظيما. وهو جواب يناقض الحقيقة بصورة مضاعفة لأن لقوة الجذب في مركز الأرض قيمة صغرى، وبأن الجسم عندما يبلغ المركز المذكور سيتمتع بقوة كافية للوصول إلى النقطة المتقاطرة، وبعبارة أخرى في إمكانه أن يخترق قطعة من البئر مساوية إلى القطعة التي اجتازها قبلا. وإذا نظرنا إلى المسألة من وجهتها النظرية نرى أن الجسم إذا أهمل لوحده في البئر كان في استطاعته الوصول إلى الفتحة المتقاطرة ثم يعود من جديد على أثر جاذبية مركز الكرة الأرضية إلى النقطة التي ذهب منها، وهكذا دواليك، قائما بحركة اهتزازية دائمة ويؤلف بذلك رقاصا فريدا في بابه. فما هي المدة الكافية لهذا السقوط العميق؟ إن مدة الرحلة إلى ما وراء الأرض تقع في ٨٤ دقيقة أو في ساعة و٢٤ دقيقة، وبكلمة أخرى يصل الجسم الساقط إلى مركز كوكبنا الأرضي في مدة ٢١ دقيقة ويبلغ نقطة التقاطر في ٢١ دقيقة أخرى وسيكفيه ٤٢ دقيقة للعودة إلى مكانه الأول.
ويصل الراحل الأبدي إلى مركز البئر بسرعة ٩٥٤٦ متراً في الدقيقة. فإذا ما وصل إلى فتحة البئر الأخرى أثرت عليه قوانين الجذب العام فتعود القنبلة البشرية بعد ما تبلغ الفوهة المتقاطرة نحو مركز الأرض حيث تصل إلينا بنفس سرعة ٩٥٤٦ متراً في الدقيقة.
توضح التجربة التي تكلمنا عنها الآن ناحية العملية الخيالية وتأخذ بنا إلى تلك الحقيقة الرياضية وهي أن الارتفاعات والانخفاضات في الكرة الأرضية لا أثر لها مطلقاً. وكل ما في الأمر أننا أمام عملية نظرية إطلاقا، لأن الجسم الثقيل لا يمكنه أن يقوم مع الضغط برحلة كهذه وسيغرق في الهواء اللزج الكثيف الذي يرقد في أعماق الكرة الأرضية.
стр. 511
هذه هي كلمات الفيلسوف الفلكي كميل فلاماريون. غير أن العلوم الحديثة قد تكهنت، دون أن تقوم بخرق جوف الأرض، ببنيتها وماهيتها، وعلى كل لا تتألف أمعاء الكرة الأرضية من مواد سائلة متأججة، لأنه لو صح ذلك لكونت قوة الجذب القمرية والشمسية الهائلة، كما لاحظنا، مدوداً وجذوراً داخلية عظيمة تكفي لتحطيم القشرة الأرضية وهي سريعة العطب، وبعثرتها شذرمذر في عاصفة شديدة عامة. وحقيقي أيضاً أن الكرة الأرضية برمتها قاسية صلبة، وتزداد هذه القساوة كلما ازداد العمق شيئا فشيئا من السطح نحو مركز الأرض.
وتفكر العلوم الحديثة من جهة بأن الكرة التي تسير بنا إلى غياهب السموات اللانهائية تتكون من أربعة كرات أخرى متحدة المركز تضم الواحدة الأخرى، فالكرة المركزية هي نواة من الحديد والنيكل تفوق قساوتها خمس مرات قساوة الفولاذ وذلك على أثر الضغط الهائل الذي تقوم به الطبقات العليا. وتقوم فوق هذه النواة كرة يبلغ سمكها ١٤٠٠ كيلومتراً وهي أخف من الكرة التي تحضنها. وتتبع ذلك كرة سمكها ١٥٠٠ كيلومتراً تتألف على الأغلب من السيليكات، وترقد عليها كرة ثالثة يقدر عمقها بأربعين كيلومتراً تقريبا من الأحجار البازلتية اللزجة التي تشبه العجين وتغذي الحوادث البركانية. ويقوم في النهاية على الجميع غطاء رابع ارتفاعه عشرين كيلومتراً نصب عليه الإنسان خيمته، فطورا يتقهقر وطورا يتغلب على المصاعب التي تقوم بين ضآلة جسمه والتصدع الهائل الذي تقوم به الطبيعة الجبارة.
علي صبري
стр. 512
الغرفة المغلقة
للأستاذ محمد روحي فيصل
كانت غرفتها تجاور غرفتي في البنسيون، ولكني لا أذكر أني وجدتها مفتحة الأبواب أو دخلت إليها في نهار أو ليل على طول ما لبثنا معا متجاورين متصلين، فقد امتد التعارف بيننا - وأكاد أقول: صداقتنا - سنتين وبعض الشهور.
كم مرة رأيتها تفتح باب غرفتي بنفسها، وتطل علي بعينيها الضاحكتين وثوبها الأزرق، فتلقي التحية أو تسأل عن الحال أو تصلح من شؤون سريري أو تنسق كتب طاولتي، وقد تذكرني بأن الشهر الجديد قد هل، ولابد لها عما قريب أن تدفع ما عليها إلى صاحب البنسيون، فأرحب بها وأدخل مع في حد
الغرفة المغلقة
للأستاذ محمد روحي فيصل
كانت غرفتها تجاور غرفتي في البنسيون، ولكني لا أذكر أني وجدتها مفتحة الأبواب أو دخلت إليها في نهار أو ليل على طول ما لبثنا معا متجاورين متصلين، فقد امتد التعارف بيننا - وأكاد أقول: صداقتنا - سنتين وبعض الشهور.
كم مرة رأيتها تفتح باب غرفتي بنفسها، وتطل علي بعينيها الضاحكتين وثوبها الأزرق، فتلقي التحية أو تسأل عن الحال أو تصلح من شؤون سريري أو تنسق كتب طاولتي، وقد تذكرني بأن الشهر الجديد قد هل، ولابد لها عما قريب أن تدفع ما عليها إلى صاحب البنسيون، فأرحب بها وأدخل مع في حديث قصير أو طويل، سخيف أو غير سخيف، ولكنه محبب إلى نفسي، حلو الوقع على قلبي، ثم أمنحها أجرة الغرفة فتنطلق من عندي شاكرة متهللة، وتقعد وحدها في البهو تداعب كلبها الصغير أو تغزل حاجة لها من قطن أو صوف. فإذا لبست ثيابي وانطلقت أنا بدوري إلى البهو، وجدتها مضطربة ناشطة مقيمها في مكانها، فأما غرفتها فمحكمة الإغلاق، والله وحده أدرى ما بها من أشياء، وما عرض لها من أحداث، وما دخل إليها من ناس!
وربما جئت إلى بيت في ساعة متأخرة من الليل، فألقى غرفتها السرية مضاءة بالكهرباء على أسطع ما تكون الأنوار، والهدوء الصامت يلف أركانها وجنباتها، وصاحبتها جالسة إلى بعض نوافذها على الشارع العام تدخن سيجارة في سهوم طويل، وتتفحص ببصرها الحاد من يغدو ويروح على ندرة المارين آنذاك. فأسلم عليها وتسلم علي ثم أدخل غرفتي العريانة، وأستلقي على فراشي البارد. . . وما أكاد ألتمس النوم حتى أجدني أرسم في الفضاء المظلم وبالخط العريض ألف علامة استفهام وتعجب!. .
وما زايلني قط شبح الغرفة ذات الأسرار. لقد ألفت هذا الشبح على الزمان، وربما أحببته في بعض الأحيان، وقد يكون أغراني بسره وشاقني بغموضه، ولكني كنت أبدأ معه في شك من حقيقته، وخوف من ظله، وحرص على كشفه.
ولطالما راودتني نفسي أن أركل برجلي باب الغرفة المغلقة فلعلي أطلع على مواقع الأقدام فيها، وعلى ما يتراقص من ذكريات في حواشيها، ثم لا ألبت أن أرعوى وأثوب إلى الهدي
стр. 513
وأقول لنفسي: ليس هذا يا نفس سبيلاً رشداً ولا هو بمأمون العواقب.
ودخل علي جورج ذات مساء، وهو طالب من تشيكوسلوفاكيا ونزيل البنسيون نفسه منذ نحو شهرين، فأخذنا بأطراف الحديث ثم قص علي أنه أفاق من نومه في يومه ذاك مع أول الفجر فإذا هو يسمع صوتا خافتا دقياً هادئاً كأنه صوت باب الدار يفتحه إنسان من داخل ثم يغلقه وينطلق. وسألني ماذا أرى فيما سمع، فقلت له إنما تلك بقية رؤى علقت بين جفنه ونفسه، ولهذا أشباه فيما يحدث لي أنا بالذات!. . .
وحدث أني لقيت في الغداة صاحبتي وهي في مكانها ذاك من البهو تغزل حاجتها وإلى جوارها كلبها الذي لا يفارقها، فقلت لها إني جالب بعد ساعة فروجين وشيئا من سمن وأرز وبعضا من الخضار والحشائش والليمون من أجل التوابل ثم رجوتها أن تتلطف فتصنع لي من ذلك كله مائدة شهية للغداء نجلس إليها في الظهيرة مع صديقنا جورج، فإن اليوم يوم وقفة، وغداً عطلة العيد الأضحى، ولا بأس أن تكون هي لي في غربتي بمثابة الأهل، يوم كان لي أهل، أعني يوم كان لي أب وأخوة، وليتهم ما كانوا. . . يرحم الله الأحياء منهم دون الأموات!. . .
وجلسنا ثلاثتنا إلى طاولة لم يزنها أول الأمر سوى اللحم الطري الذي احمر بعض الشيء، ثم لم تلبث أن امتلأت على مهل بصحاف الطعام الساخن والمقبلات وأشياء أخرى يسمونها منعشات. . . وما كنت أمد يدي إلى زجاجة من تلك الزجاجات المنعشات فأصب منها إلى النصف من كأسي، وأملأ بالماء النصف الآخر، لأني ما كرهت في حياتي شيئا مثلما كرهت العرق، هذا السائل الثقيل الغليظ الذي ما يكاد الشارب يدفع بعضه في حلقه حتى يدفع وراءه لقمة من طعام أو جرعة من حوامض أو حفنة من موالح، كأنما يستر أو يمحو بذلك مذاق ما عب من شراب حاد بغيض.
وجيء لي أنا بنرجيلة، وهي عندي ألطف كأس وأحلى شراب، فجعلت أعب من دخانها، وألهو بكركرتها، واستمتع بمنظرها. وصاحباي يشربان تارة ويأكلان معي تارة أخرى. ونلغو ثلاثتنا مع ذلك بسلاسل من الكلام لا تنقطع ولا تفيد وإنما تتصل وتلذ على ضحك وابتسامات وغمزات ولمزات، ينطلق أكثره في الجو، ويمتد أثره إلى البعيد، ولا ندري من بواعثه ولا من نتائجه شيئا، فإنما المجلس مجلس شراب، والاجتماع على أنس وعلى لذة،
стр. 514
ونحن لنا الدار كلها، والخلوة تامة عميقة، ولا عذول ولا رقيب. وهذه نرجيلتي قدامي، والدخان من فوقها أعمدة وحلقات، وصاحبتي العجيبة المغلقة قد انبسطت أساريرها، واحمرت عيناها، وأشرق خداها، ومشى لسانها، وعلا ضحكها، ثم كثر دوران يديها بين الصحون، كما كثر دوران رأسها من العرق. أفتراها، وهي في تلك النشوة، تعي ما تعمل على الضبط، وتعرف أين هي من نفسها ومني ومن الوجود؟
وناولتها سيجارة، فما أسرع ما التهمتها، حتى لكأن نارا في عروقها تحاول أن تطفئها بالدخان فما تستطيع، وكأن الجيشان الملتهب قد جاوز مقدور طاقتها فطلبت سيجارة أخرى. ونظرت فإذا الليل يتساقط على الأشياء والأحياء رويداً رويداً فقمت إلى الكهرباء فأضأتها. وسطع بسطوعها الأنس، وتجددت اللذة، وأترعت الكؤوس، كأنما بدأ الاجتماع من أوله. هنالك شرعت صاحبتي في شيء من الغناء الذي يطربها ولا يكاد يصل إلى آذاننا، ولكنها توقفت فجأة إذ مر على بالها خاطر، فقانت إلى غرفتها التي ما رأيتها قط إلا محكمة الإغلاق، ففتحتها على عجل وعادت منها بصندوق أسود ما كادت أناملها تديره حتى شرع هو في غناء مطرب جميل.
ولاحظت من ذهابها وإيابها أنها كانت لا تجري على خط مستقيم، وأنها كانت تتعتع في مشيتها، فعرفت أن السكر لوى رأسها وعقد رجليها. وما جلست على كرسيها حتى أخذت تستجيب لغناء الحاكي بغناء من عندها مردد في صوت بسيط. والغناء إذا التقى في الرأس مع العرق يزيد في السكر حتى يصرع. لقد بدا عليها شيء من الثقل والإعياء، فتداخل كلامها، واختلطت نظراتها. وفيما هي تغني وتشرب وتأكل وتدخن، رأيتها تلتفت بسرعة إلى وراء فتلمح، في بطء باب الغرفة مفتوحا على مصراعيه، وهي التي حرصت زماناً طويلاً على أن يبقى موصداً. . .
كيف السبيل إلى إغلاقه؟ لن تستطيع هي أن تصنع شيئا من ذلك إلا إذا وجدت معينا تتكئ عليه، فكنت هذا المعين، كما كان جورج ذلك الرقيب. . . وفي نفسي ونفسه معان مشتركة. . . ومشيت معها، ولحق بنا صاحبنا، حتى إذا كنا ثلاثتنا على الباب المفتوح، رأيتني أدخل الغرفة واسحبها إلى جوفها، فأمسكت وترددت وكادت أن ترفض لولا أني أنرت الكهرباء فتطامنت وأذعنت، بعد أن وجدت حرصها على الكتمان قد طار كله في
стр. 515
غفلة الوعي. . .
ماذا؟ هل ترى عيناي؟ ماذا رأيت؟ سريران متجاوران تشعث نظامهما، فالمخدة مطروحة، واللحاف مجتمع، والشرشف مقلوب، وكل شيء في السريرين يدل على أن الذي استلقى عليهما أو نام فيهما لم يكن إنسانا في بعض اللحظات، وإنما كان شيطانا اضطرب وجاهد في سبيل جسده. . . جهاداً طويلاً عنيفاً. وفي الغرفة هنا وهناك، ثياب رجل، وصورة له أو لغيره معلقة على الجدار، وزجاجات فارغة وأشياء أخرى مريبة جعلتني التفت إلى صاحبتي فإذا هي حيرى جاحظة العينين مشدوهة الوجه. . .
ورأيت أن ألملم الموقف، فأبديت إعجابي في الغرفة المذخورة بالذكريات. . . المنسقة كأحسن ما تنسق الغرف. . . وكادت صاحبتي لاضطرابها أن تشكر وتجيب لولا أننا خرجنا ثلاثتنا إلى البهو نحيي فيه ما جمد من حياة المائدة، ونصل ما انقطع من حكاية اللذة.
وقمت بعد قليل إلى الحاكي فأدرت عليه أسطوانة (لامانتو جينانو) يغنيها جوي لوس مع فرقته الموسيقية. لشد ما طربت صاحبتي لهذه الأغنية التصويرية الرائعة، حتى لقد كانت الآهات تنطلق من حنجرتها صاخبة مدوية، وحتى لقد نهضت من فورها تريد أن ترقص على إيقاعها. وطلبت إلي أن أكون شريكها في الرقص، فأعلنت لها جهلي بهذا الفن، واعتذرت فرفضت، ثم ترددت فألحت، ثم قبلت ففرحت. ورأيتني على جهلي أحتضنها، ويدي خلفها، وصدري إلى صدرها، وفمي إلى وجهها. ونظرت فإذا جورج يطوق هو الآخر. . . كرسيا كان يجلس عليه منذ هنيهة!
وجلت مع صاحبتي السكرى بضع جولات أحسست معها أن دنيانا التي في البهو، بطاولتها وجدرانها وكهربائها، تدور كلها معنا تشاركنا في اللذة والمرح واللهو.
ويأبى جهلي بالرقص إلا أن يدل على نفسه، لأني كلما خطوت خطوة ارتطمت بقدمي مع قدميها. وما استشرفت الأغنية الجميلة على النهاية حتى تراخت يداي عن صاحبتي، وتباعد صدرانا. ثم تذكرت السريرين في غرفتها فعدت معها إلى مكاني على نجوى خافية وأمل يشيع. . .
محمد روحي فيصل
стр. 516
تربية سن المراهقة
للدكتور جميل محفوظ
لم نتعرض طيلة البحث إلى الناحية التربوية اللازمة. وعمدنا إلى دراسة الحوادث من الناحية النفسية كي نتمكن بعد إظهار الخطوط الأساسية والتعرف إلى بروز الشخصية من معالجة هذه الاضطرابات والسعي لتوجيه المراهقين توجيهاً بصيراً. فمعرفة مراحل المراهقة وسبر غور نفسية الناشئ تخفف من حدة الأزمة ولا شك. وعلى العكس فإن جهلها يزيد في تعقيدها. يجب إذن أن نبتعد عن الوقوع في الوقوع في الخطأ وعن الضغط على الحرية الفردية ونسعى لمعاملة كل مراهق حسب ما يقتضيه الظرف؟ إذ لكل واحد منهم خصائص فردية تحتاج إلى معالجته على حدة. ومن الضروري أن ننبه الأفكار بأن هذه الدراسات رغم عمقها وكثرتها لم تنته بعد ولم تعط إلا نتائج وقتية خاضعة للتبديل وللتحوير.
ومما لا شك فيه أن ثورة المراهق تظهر جليا للوالدين وللأستاذ، فما عليهم إلا الفهم، الفهم، والفهم حقا، عوضاً عن الخوف والاضطراب. لأن المراهقة تسبب مصادمة بين الراشد والناشئ، وينتج عدم الفهم زيادة في حدة الأزمة وزيادة في المشاحنة. ولقد لوحظ بأن الأقرباء والأساتذة من حيث العموم يعاملون المراهقين في سن الثورة النفسية كرجال أو كأطفال، ناسين أنهم مراهقين، لا يمكن معاملتهم كرجال لأنهم بأن يكونوا مثل سائر الرجال بل يختلفون عنهم. ولا يمكن معاملتهم كأطفال لشعورهم بقيمة شخصية كبيرة يرفضون معها الانقياد إلى أوامر الراشد.
والنتيجة فالعامل الأساسي في كسب ثقة الشباب هو فهم نفسيتهم ومخاطبتهم باللغة التي يأنسون بها، واحترام مثلهم العليا وحماستهم دون قسرهم على قبول وجهات نظرنا.
ولا نريد من ذلك أن يعمد الراشد إلى النزول إلى مستواهم لدرجة لينسى نعها أنه رجل، ثم يقبل لوجهات نظرهم، إنما نريد أن يظهر شخصية قوية. وحزما، وتفوقا في جميع الميادين. وبهذا يكون المثال الحي الذي يقتدى به بمجرد اختيار ورغبة، لا يعامل الضغط والقسوة. ويكفيه أيظهر عطفا على آراء بعض الطلاب لا لأنها أقوى من آرائه وأحصف، بل لأنها ملكهم ومن منتجات تفكيرهم. ولقد ذكر العالم مندوس: بأن ملاحظات الأستاذ
стр. 517
المخلص لطلابه والذي يفهمهم حق الفهم هي برد وسلام مهما كانت قاسية وعنيفة.
ولقد بين ستانلي هول بأن مهمة المربي هي إكساب المراهق معرفة أسرار الحياة لا حشو دماغه بالمعارف. ولا شك بأن هذا المبدأ التربوي هو أساس التربية الحديثة، ويشتق عن قول مونتن: بأن الدماغ الناضج خير من الدماغ المثقل بالمعلومات.
هذا وأننا أمام أزمة المراهقة نتساءل عما إذا كان من الضروري كبتها، أم تشجيعها، أم الوقوف على الحياد؟
والحقيقة فإن كل مفهوم تربوي ينبثق عن فلسفة، أو عن مبادئ أخلاقية، أو عن مجموعة فكر اجتماعية، ولا يمكننا مناقشة جميع الآراء في هذا الصدد، إنما نرى من الضروري الاستفادة من دراستنا اللازمة كي نقبل بوجهة نظر حيادية.
ولقد تبين معنا بأن هذه الأزمة هي ثورة لابد منها وهي مرحلة من الحياة ضرورية، ليتوصل معها الشاب إلى الشعور بشخصيته، وإلى تحديد اتجاهاته، وإلى فهم المحيط وإلى الاندماج فيه. لذا علينا أن نقبل بوجودها، ونحاول فهم نفسية المراهقين دون أن نتعرض إلى المداخلة في أسرارهم، وقد يحدث أن يأتي إلينا بعضهم بعد أن تكسب ثقتهم ليفتحوا لنا كوامن صدورهم، ويطلعونا على ما يقض مضاجعهم.
وإذا اعتمدنا على الحوادث المهمة التي حللناها حتى الآن يمكن أن نقسم التربية الخاصة بسن الأزمة إلى أربعة قضايا:
١_ماذا نعمل أمام ثورة الشباب؟
٢_كيف يمكننا تقدير القيمة الخاصة بهذه الفترة من الحياة؟
٣_ما هي الاحتياطات التي يجب أخذها؟
٤_خير الوسائل التي تساعدنا على تكييفه مع المحيط.
١_إن هذه الثورة تزعجنا جداً لأنها تبعد الشاب عن المألوف وتجعله عنصر شغب، لا يحترم الراشد، ولا يأبه بالنظام. لذا نضطر إلى مجابهته بالعنف طالبين منه أن يتمسك بالآداب وأن لا يشد عن المعتاد، ناسين أن للطلاب الحق القطعي في بقائهم شبابا، وعلينا أن نحترم إلى أقصى حد شخصياتهم وطرقهم في التفكير. لأن هؤلاء الشباب هم في بدء فهمهم لقواهم الكامنة، ويجب أن لا نقتلها في المهد. وإذا ما بدرت منهم شذوذ فهي في
стр. 518
غالب الأحيان وقتية وتضمحل مع انحلال الأزمة. وقد لاحظ كثير من الأساتذة بأن بعض طلابهم يمرون من طور غريب إلى آخر أعزب منه ثم تتلاشى هذه الحالات، ولا يبقى لها أثر.
فيجب إذن - عوضاً عن مجازاة الطالب الذي يذهب للتدخين في زاوية من زوايا المدرسة، أو يشيح بوجهه عن أساتذته في الطريق كي لا يلقي ﵈ أن نستفيد من هذه الفترة المندفعة والناشئة، ونوجهه - بعد تطبيق العقاب الملائم - نحو الحياة الداخلية ليصلح نفسه بنفسه بعد تأمل وتفكير، أو نوجهه نحو العمل المنتج المبدع.
ولا يغرب عن البال بأنه من المستحيل إبعاد المراهق عن كل اصطدام مع المحيط، لأننا بذلك نقتل فيه كل حيوية، ونحرمه من كل تجربة، هو بأشد الحاجة إليها ليتمكن من معرفة قواه، وليتعرف على المحيط الذي يعيش فيه. يجب أن نترك له المجال لكتابة ما يفكر به إذ نعلم مدى احترام المراهقين لفكرهم. ونرى في غالب الأحيان أخطاء كبيرة، وانحرافات صريحة في كتاباتهم يجب أن تكون نقطة البدء فنصححها عوضاً عن فرض وجهة نظرنا، وإهمال وجهات نظرهم.
وأخيرا فإن ملاحظة المراهق والأعمال الغريبة التي يقوم بها تقدم للمربي فائدة أخرى مهمة، إذ يمكن أن يرى، من وراء المظاهر المختلفة، الاتجاه الذي يسير فيه الناشئ.
٢_هل تسمح للشاب تقدير قيمته؟ لا شك في ذلك، إذ من الضروري أن يتعرف إلى قيمته بالنظر لغيره من أفراد المجتمع، وينمو لديه الشعور بالشرف، ذلك الشعور الذي هو عنصر هام من عناصر الفضيلة.
٣_الاحتياطات التي يجب أخذها - يظن بأن كثرة الدراسات والمطالعات هي خير معين للطالب في أزمته. إنه لظن خاطئ، لأنها تخنق الشعور بالذات.
ولا تترك المجال للشخصية الناشئة للتكون والنمو. بل على العكس يحتاج المراهق إلى كثير من التسلية والراحة. ولا شك بأن كثرة المواد الدرسية وتكثف البرامج هي وسائل ترفضها التربية الحديثة ويشكو منها مربُّو العالم أجمع. فإذا كان التعليم في أكثر بلاد العالم بعيداً عما يرغبه علماء النفس والتربية فما ذلك إلا لأن أذهان القائمين على الأمر لا تزال متجهة نحو النمو العقلي، وضرورة تلقي أكبر كمية ممكنة من المعلومات، مبتعدين عن
стр. 519
الغاية الأساسية للتربية، ألا وهي - تكون أشخاص يملكون توازنا وانسجاماً تاماً بين القوى المختلفة للإنسان، قوى عقلية وروحية، وأخلاقية، وجسمية.
يجب أن نحتاط كثيراً عندما نريد توجيه شاب انتابته الأزمة لأنه يقوم بأعماله خاضعا لهزات عنيفة فجائية، فيميل بشغف إلى أمر ثم ينحرف عنه، وينتقل إلى غيره، وهذا ما يهيب بنا إلى القول بضرورة فحص الميول من قبل الراشد ومعرفة ما هو قوي منها وما هو ضعيف، ما هو دائم وما هو وقتي، أي معرفة الذوق الحقيقي للمراهق ثم تقويته وتوجيهه. وما الاختبارات الخاصة من اكتشاف قابليات الفتيان إلا مساعد كبير للمربين.
وإذا أردنا أن نحدد السن الذي يسمح فيه للمراهق اختيار المهنة أو الاتجاه الحقيقي الذي يتلاءم مع مواهبه نقول هو سن التاسعة عشرة أو العشرين. أي حينما يخرج من أزمته ويكون قد تقلب من ميول وقتية مختلفة ثم تركها ليحقق نهائيا ما تدفعه إليه قابلياته الحقة والدائمة. إن هذا الأمر صعب ولا يتسنى إلا لقسم ضئيل من أبناء الأمة.
٤_هل يمكننا الاستفادة من الأزمة كي نهيئ دخول الشاب في المجتمع وقبوله تقاليده ونواميسه؟ لا شك في ذلك. نحن نعلم أنه يثور في أزمته على المحيط ونعلم أيضاً بأنه يسعى للتأثير فيه. فهو حانق من جهة وراغب من جهة ثانية في إصلاحه وتحقيقه مثله العليا، وهذا الميل يساعدنا على تقريبه من المحيط والاندماج به.
ولذا يجب أن يكون المراهق حرا في أعماله، شاعراً بالمسؤولية الملقاة على عاتقه يقوم بأعمال تامة تؤدي إلى نتائج فعلية، ونبعده عن العمل لأمور لا توصله إلى نتائج حقيقية. ولا يكون ذلك إلا بخلق محيط خاص للشباب يعملون فيه بحرية تامة ويعتمدون على تشبثهم الشخصي. يمكن أن نجعل من المدرسة المحيط الملائم بإشراك الطلاب في إدارة بعض الأعمال المدرسية، والثقة بكفاءاتهم، فيأنسون بالراشد ويتعاونون معه وتصبح الثقة متبادلة.
إن المحيط الذي نريده للشباب هو جمعيات المراهقين للرياض البدنية والسباحة وخاصة للقيام بالأعمال الكشفية، إذ يعيش الكشافون - في غالب الأحيان - في الحقول والغابات، أو على شواطئ البحار والأنهار أو في الأماكن الجبلية أي يعيشون في الهواء الطلق في حضن الطبيعة معتمدين على وجوههم الشخصية وعلى حرية العمل، يقرءون في كتاب
стр. 520
الطبيعة الجميل ما لا يرونه في بطون الكتب، فتنمو لديهم المسؤولية - ولذا فإنهم يشبعون ميلهم نحو الغريب، ويحققون ما لا يمكن تحقيقه في مجتمع يحيا أفراده حياة جدية ينقص المخيم وسائل الراحة غير أنه - أي المخيم - من صنع الشباب أنفسهم.
لا تشبع الكشفية فهم المراهق في حب الغريب فحسب بل هي قائمة على مبادئ أخلاقية ومثل عليا، وترغب في تكوين الفرد تكوينا تاماً فستعمل المنافسة والاعتياد على العمل المشترك وتهيئ الفتى إلى الحياة الاجتماعية.
هناك جمعيات في ألمانيا وفرنسا تجعل لكل فرد عملا خاصا به يلائم ميوله، مثلهم في ذلك مثل القرية الهندية التقليدية، إذ كان للأهلين مهنهم المتسلسلة، من عمل الأحذية إلى المنجم. كان بينهم المحاسب، والكاتب، والمستشار الحكيم الخ. . .
إن هذه الجمعيات تحقق تماما ما يصبوا إليه الناشئ من حب لكل ما هو غريب والعمل بحرية وسرور.
ولا تخلو هذه الحياة من صعوبات يجب اجتيازها مما ينمي الشخصية والإرادة ويزيد التجربة غناء ثم ينتقل المراهق من طور العمل مع رفاقه إلى العمل الفردي فيقوم برحلاته لوحده، أو مع رفيق، ويلتقي من آن لآخر مع شباب، يتعرف إليهم في الملاجئ المعدة لإيوائهم بعد السفر، وللراحة بعد التعب، فيحتك بهم وتزيد خبرته ويتكون شخصه.
رغب جماعة أن يجعلوا من منظمات الشباب بؤرات تربوية تحل محل المدرسة. ففي سنة١٩١٩ اجتمع الشباب بمؤتمر عقد في مونيخ وطالبوا فيه بإصلاحات في التعليم، يقوم بها الشباب أنفسهم: أرادوا إدخال الصداقة والتفاهم والثقة والعمل الحر. إن هذه المطاليب هي نفس المطاليب التي سمعناها من أفواه المراهقين ونفس ما توصل إليه الباحثون في استقصاءاتهم. يريد المراهقون أساتذة شبابا يتفاهمون معهم ويصبحون لهم رفاقا، وعملا مدرسيا حرا لا يتقيد بساعات الدرس ولا بتوقيف جاف لا يتبدل من أول السنة لآخرها. أي يرغبون في التربية الذاتية المعتمدة على الجهد، والتشبث الشخصي والإبداع.
إن المدارس الحديثة في إنكلترا للمربية ردي - والمدارس الألمانية (١٨٩٧) للمربي لينز راعت حاجات المرهقين: فهي في الحقول، ويختلف التدريس فيها حسب الفصول، والحياة فيها حرة والعلائق بين الطلاب والأساتذة أوثق مما هي عليه قبلاً.
стр. 521
إن العالم - ذهب في إشراك الطلاب في الحياة المدرسية إلى حد بعيد كي تنمو لديهم الشخصية. وخصص للتربية البديعية أوقاتاً كثيرة. فالطلاب يعزفون على الآلات المختلفة، وينشدون مشتركين، ويمثلون الروايات ويقومون برياضات ورقص شعبي وسياحات.
وهذا التعاون الحربية الطلاب والمدرسة صعب التحقيق لأسباب عديدة، منها أن الراشد لا يتساهل إلا في ترك الصلاحيات الصغيرة إلى طلابه. ومن جهة ثانية فإن الإرادة تحتاج إلى قواعد لا غنى عنها في تسيير دفة الأمور. وهناك بعض الطلاب ممن يحاولون الهرب من المسؤولية عوضاً عن التمسك بها. وعلى كل حال فإنه من الممكن أن نشرك من الطلاب من يحب النظام ويحترمه، وممن نثق بتفانيهم في المصلحة والخدمة. فيعملون في تنظيم الجمعيات وإقامة الحفلات الرياضية والتمثيلية وشراء الكتب من الريع الذي يمكن الحصول عليه أو من الاشتراكات.
وتعتمد مدرسة - ده لاروش - على أكبر أو أبرز الطلاب لإشراكه في اجتماعات الأساتذة التي تدرس فيها أمور تتعلق بالطلبة. يمكن أن يتداول معهم أيضاً في قضايا النظام المدرسي. ولقد لوحظ بأن الشباب أو الشابات البالغين من العمر التاسعة عشرة يقدمون من الآراء الهامة ما لا يفكر بها الأساتذة مطلقاً.
أما خارج المدرسة وفي أوقات العطل الصيفية فإن المجال واسع أمام الشباب للقيام بأعمال نافعة تدر على الفرد بعض المال وتقدم للمجتمع أكبر الخدمات. لقد ساهم أكثر الطالبات والطلاب أثناء الحرب المنصرمة، في أعمال الزراعة بغية الحصول على مؤونة غذائية يستفيدون منها في الشتاء. فعمل أكثرهم في الحقول كأبسط المزارعين حصدوا الأرض، ونقلوا المياه إلى البساتين، وقطفوا الأثمار، وبهذا فقد عرفوا مدى قيمهم العملية، وتعرفوا على صعوبة الحياة، وخاصة حياة المزارع والعامل، وأحبوا الطبيعة، وامتزجوا بجماعة من طبقة اجتماعية تختلف عن محيط المدرسة، وتمكنوا من قياس قواهم وتحديد اتجاهاتهم وإظهار مواهبهم.
يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول بأن المهام التي قاموا بها كانت كبيرة، منها الدفاع السلبي، وإنقاذ النساء والأطفال، والشيوخ من الأنقاض التي دفنوا تحتها أثر الغارات الجوية. ولقد كان المراهقون في جميع أمم العالم - أثناء الحرب المنصرمة - العنصر
стр. 522
الفعال في الدفاع عن بلادهم ومنهم ذهبت أكثر ضحايا الحرية.
يجب أن يتعرف الشاب إلى الحياة بواسطة التجربة لا من وراء ما يلقنه الآباء والأساتذة. دون ما يمكن تحقيقه وما يجب إقصاءه والابتعاد عنه كي يصلوا إلى سن الرجولة ببرنامج واضح وموضوعي. وبذا نرى بأن الأزمة ليست مرحلة اضطراب وقتي وعقيم بل هي جوهر قابل للتحوير، وجدير بأن يقوم بنهضة جبارة في عالم الحضارة.
جميل محفوظ
стр. 523
الطبيعة البشرية
يمكن رد جميع النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكل ما في الحياة وفي معيشة الإنسان من حسنات وسيئات أو قل المدنية البشرية وتطورها ونموها واضمحلالها ثم عودتها إلى الظهور والتقدم - يمكن ردها جميعها إلى الغرائز البشرية وإلى طبيعة الإنسان وما خصه به الخالق ﷻ .
стр. 524
أيهما على حق
الآنسة فلك الطرزي
عن فكتور هوجو بتصرف
لم يستطع الأسقف ميربيل (رجل الدين الذي تحدث عنه هوغو في مطلع البؤساء) لم يستطع التخلص من رغبة كانت ملحة فيه وعنيفة، رغم ما بذله من جهد الإرادة في سبيل إبعادها. فقد كانت نفسه تحدثه أبدا بزيارة هذا الشيخ الثوري الذي لجأ إلى ناحية منعزلة من أسقفيته وذلك بعد سقوط نابليون في واترلو وعودة الملكية إلى فرنسة، وبعد أن تشتت الثوريون في أنحاء البلاد. فهذا الأسقف الذي لم يتخلل حياته قلق ولا اضطراب مذ هجر فجأة حياة اللهو والمجون إلى حياة التقى والورع، وهذا القديس الذي تعود أن يحل ما تعرض له الحياة من مشاكلها ببساطة لا تعقيد فيها، قد أخذت نفسه في هذه الآونة تقلق وتضطرب وتتنازعها شتى المتناقضات. هي مقسمة بين نزعتين: فنزعة تتجلى فيها كنفس إنسان تواضع على ما تواضع عليه الآخرون من احترام الوضع الراهن، والخضوع للتقاليد فيندفع إلى ما يندفعون إليه من تصديق مختلف الأقوال والشائعات التي يثيرها عن قصد وتعمد من يبتغي تأمين مصالحه بتضليل الرأي العام وتشويشه. ونزعة ثانية تتجلى في شخصيته الأخرى المكتسبة، التي تفرض عليه ما تفرضه عادة على رجل الدين من واجب المساواة بين أفراد الرعية: إذ عليه هداية الضالين منها إلى السبيل السوي، كما عليه أيضاً نهيهم عن المنكرات، وكثيراً ما كانت هذه النزعة تثور في نفسه وتضطرب، فتحول نظرة الأسقف نحو الأفق، حيث يأخذ بتأمل شيء قد توارى خلف الشجر والأدغال، فيهتف حين ذاك صوت في أعماقه: هناك نفس تتخبط في ظلمة الوحدة ووحشتها لها عليك حق المؤانسة، ولكن سرعان ما كانت النزعة الأولى تكبت هذه وتنفره منها وتجعله يندفع بعواطفه مع أولئك الذين يرمون هذا الثوري بأقسى اللوم والشتائم: لقد نبذ الناس هذا الثوري العجوز وتجنبوه، فنبذه أيضاً وتجنبه. وإن هم تحدثوا عنه فبازدراء واحتقار أفلا يلمس الثورة والثورة عن ظنهم إلحاد وتمرد وقضاء على الملكية؟
وكفى بالثورة إثماً أنها حطمت النظام الذي يستمد قوته من الله وشرائعه من السماء، وحكمت بالموت على من يمثله. إنه مجرم وملحد كما كان زملاءه الذين شردوا وأقصوا
стр. 525
عن البلاد مجرمين أيضاً وملحدين.
وعلى هذا النمط كانت تدور أحاديث الناس في أسقفية ميربيل حول هذا العجوز الذي اعتزلهم كما يعتزل النسر بقية الحشرات ويكمن في وكره، فلا جار ولا مار ولا زائر يقصد هذا الكوخ المرتفع الشامخ الذي انفرد عن بقية الدنيا، حتى الطريق المؤدية إليه فقد اختفت معالمها وأتى على كل أثر من آثارها أكداس الحشيش التي تكاثفت فوق دروبها.
لكنه في ذات يوم انتشرت في البلد شائعة مفادها أن الثوري اللعين قد أرسل إليه خادمه في طلب طبيب، فما كان النبأ يبلغ مسامع الأسقف ويتحققه، حتى اعتزم زيارة المريض. فإذا بلغ مسكنه بعد عسر ومشقة، نظر أمامه فرأى كوخاً صغيراً قامت من حوله بواسق الشجر وجللت جدرانه بالعرائش، التي امتدت أوراقها وانبسطت على طوله وعرضه، وإذا تقدم خطوات من الكوخ رأى عجوزاً بدت على سيمائه هيبة الشيخوخة ووقارها، جالساً أمام المدخل يبتسم للشمس التي كانت أشعتها تتلاعب بشعراته البيض وتبعثرها في الهواء، فحانت من العجوز التفاتة إذ سمع وقع خطوات تخفق في القرب منه، وإذ تبين أن القادم إنسان بشري ارتسمت على وجهه علائم تلك الدهشة التي تدخرها النفس حيناً طويلاً ثم تطلقها من محبسها عن أول مناسبة.
فخاطب رجل الثورة رجل الدين قائلاً: إنها المرة الأولى التي أرى فيها بشرياً يطأ منزلي منذ لجأت إلى هذا المكان. فمن تكون يا سيدي؟ أجابه القسيس: أنا الأسقف ميربيل لقد سمعت بهذا الاسم، أو لست أنت من يدعى سيدنا بيانفنو؟ هو ذاك يا سيدي فبسط الثوري يده للأسقف محيياً. غير أن هذا الأخير تجاهل اليد الممتدة، واقتصر على الجلوس بالقرب من الشيخ وابتدره بقوله: يسرني أن يكذب الواقع ما سمعته منذ حين، فالعافية ليست بعيدة منك، فقابل الشيخ ملاحظة الأسقف بصمت في بادئ الأمر، ثم قال: إن معرفتي اليسيرة في الطب تجعلني أقدر الساعة التي تدنو من نهايتها حياة المرء. فلا ريب عندي أن لحظاتي أصبحت معدودة، فالبرد لم يكن بالأمس قد بلغ بعد قدمي، أم اليوم فقد وصل حد الركبتين، والآن أشعر به أنه يتصاعد إلى جنبي وسوف يبلغ القلب عما قريب. على أنطك تستطيع أن تحدثني بما شئت من الأحاديث فإن هذا الأمر لا يزعجني، فقال الأسقف بلهجة التهكم والتأنيب معاً: من واجبي تهنئتك على فعلة لم ترتكبها، فأنت على الأقل ما كنت من القائلين
стр. 526
بإعدام الملك فتجاهل الثوري ما تنطوي عليه كلمة على الأقل هذه من معنى لاذع وأجابه بلهجة الجد والحزم وقد غابت البسمة عن وجهه: لا تهنئني فإن أنا أيدت شيئاً أو صوتت لشيء فلنهاية الطاغية.
ماذا تعني بهذا القول؟ أعني به أن في إنسان طاغية يدعى جهلاً، وقد ناديت بسحق هذه الطاغية لأن السلطة بشكلها الباطل ليست هي إلا وليدة الملكية المنبعثة منه، بينما السلطة يشكلها الحق تسمى عاماً، لا يجب أن يحكم الإنسان إلا العلم فعقب الأسقف والضمير أيضاً. لا خلاف في ذلك لأن الضمير ما هو إلا العلم الفطري الكامن فينا، والذي يتخذ الاتجاهات التي يوجه إليها. أخذ الأسقف يصغي إلى حديث رجل الثورة باهتمام مبعثه الدهشة، فإن لغة هذا الحديث كانت غريبة عليه وجديدة أيضاً على أن الشيخ استمر في كلامه يقول: فإن أنا ناديت بسحق الطاغية وإن أنا ثرت على النظام القائم على الظلم والطغيان، وإن أنا ناديت بتحطيم أصنام محنطة يرغم الشعب على عبادتها ولو هي تستحقه، فمعنى ذلك أنني ناديت تحرير الرجل من العبودية وإنقاذ المرأة من التدهور والبغاء والطفل من التشرد معنى ذلك أنني ناديت بالاتحاد والحرية والإخاء، وساهمت في تركيز قواعد العهد الجديد، معنى ذلك أنني قمت مع من قام على تحطيم ما كان يسود حياتنا من فساد الأوهام والعقائد، لقد حطمنا العالم القديم، بؤرة البؤس والظلم والأثرة لنشيد على أنقاضه عالماً سوف نبزغ من آفاقه أشعة فجر جديد، فعلق الأسقف: لقد حطمتم، وحطمتم! وقد يصدر عن التحطيم فائدة ما، لكي أتحدى كل تحطيم يداخله الغضب والعنف فأجابه الشيخ بحدة: ولكن للحق غضبته يا سيدي الأسقف، وليست غضبة الحق إلا عنصر هام من عناصر التطور، ومهما اختلف رأي الناس في الثورة الفرنسية فإنها أعظم وأجرأ خطوة خطتها الإنسانية منذ فجر التاريخ، صحيح أن هذه الثورة قد حطمت وهدمت وأراقت دماء لكنها أنارت وأطلقت جميع الإمكانيات الاجتماعية المغمورة. الإنسانية يا سيدي قد قدست الثورة الفرنسية.
فغمغم الأسقف: و٩٣ فانتصب الثوري بجلال مؤثر فوق كرسيه وصاح على قد ما يستطيع محتضر أن يصيح: ٩٣ كنت أرتقب ذكر هذه الكلمة منك وقد ذكرتها ليست ثورة ال ٩٣ إلا انفجار السحب التي تراكمت طبقاتها فوق بعضها البعض خلال خمسة عشر قرناً من الزمن. شعر الأسقف كأن رعشة تنتابه فتهتز لها أركانه، غير أنه تماسك وأجاب: القاضي
стр. 527
يقضي في أمور الناس باسم العدل والقسيس باسم الرحمة التي هي أسمى وأرفع، كان على الصاعقة أن لا تخطئ المرمى، ثم ثبت نظره على الثوري وقال بلهجة المقتنع: ولويس السابع عشر؟ أجابه الثوري على الفور: لننظر ملياً في هذه القضية، فمن تبكي أنت؟ أتبكي الطفل البريء؟ إذاً أبكيه معك، أتبكي ابن الملك؟ فإن هذا الأمر يحتاج إلى تفكير.
لا فرق عندي بين كارتوش الصغير الذي أعدم شنقاً بعد التمثيل والتشنيع في ساحة كرييف لكون كارتوش الثوري أخوه، وبين حفيد لويس الخامس عشر، وهو أيضاً طفل بريء، وما أجري فيه من تعذيب في برج التنبل لكونه حفيد لويس الخامس عشر. فقال الأسقف: لا أحب تقرب الأسماء هذا فأجاب الشيخ: كارتوش؟ لويس السابع عشر؟ لمن تتحيز؟ ثم صمت للحظة قال بعدها بحزن: آه يا سيدي الأسقف أنت لا تحب الحق مع أن يسوع كان يحبه إذ لم يفرق يوماً بين طفل وطفل، إن براءة الطفولة في غنى عن الجلالة والفخامة فهي تحمل تاجها في ذاتها لأنها جليلة مزرية كانت أم مرصعة، فتمتم الأسقف: هذا صحيح غير أن الثوري استمر في متابعة كلامه قائلاً: أنا مصر على أن نتفق! فأنا لا أخالفك إن نحن بكينا جميع الأبرياء والشهداء سواء كانوا متحدرين من الأعالي أم منبعثين من القادة، أنا أبكي معك أبناء الملوك على أن تبكي معي أبناء الشعب، وإذا كان لا بد من رجحان كفة الميزان إلى ناحية دون ناحية، فليكن هذا من ناحية الشعب فإن عهده بالآلام جد بعيد. قال الأسقف وقد أدرك أن جميع حججه إلى انهيار يجرب سهمه الأخير:
إن هذه الساعة هي ساعة الله، أفلا ترى معي أنه من المؤسف أن نكون قد اجتمعنا على ير جدوى؟ فتح رجل الثورة عينيه، فبدا وجهه وقد ارتسمت عليه تباشير الموت، محاطاً بهالة من الجلال والوقار وقال:
يا سيدي الأسقف! لقد قضيت حياتي في التأمل والدرس والنضال وكنت قد ناهزت الستين من عمري عندما لبيت داعي الوطن وانضممت إلى صفوف العاملين فيه. كان هناك طغيان فعملت على دك حصونه. وكانت فوضى فساهمت في محاربتها وكانت هناك حقوق مغبونة فطالبت بها. صحيح أنني مزقت ستائر المذبح لكن لأضمد بها جراحات الوطن، لقد قمت بواجبي قدر استطاعتي حتى أعدائي حافظت عليهم فقد أنقذت في الفلاندر ديراً في ثورة ال٩٣. لكن ما أصابني بعد ذلك إلا الملاحقة والطرد واللعنة. فأنا أعلم منذ سنين، منذ
стр. 528
اشتعل بالبياض رأسي أن معظم الناس يخولون لأنفسهم حق تحقيري، وإذا بدو لهم وجهاً من تلك الوجوه المقضي عليها. غير أنني احتملت عزلتي هذه التي أحاطني بها كرهكم دون أن أضمر لكم شراً أو حقداً، والآن أسألك وأنا على أبواب الموت وقد بلغت الثمانين من عمري هللا تنبئني عن غيتك في المجيء إلي؟ فأجابه الأسقف: بركتك ثم انحنى جاثياً على ركبتيه.
فلك طرزي
стр. 529
حقائق الحبيب
وقف شاعر أمام مخزن في باريس وأخذ يرمق المناديل النسائية المعروضة فيه، وكانت هذه المناديل مطرزة بالأزهار البسيطة، وقد لفت نظره جمل قصيرة طرزت عليها بأناقة شديدة ومنها:
_ إن من يحب ويتزوج من أحب إنما يقضي الليل سعيداً والنهار طريداً.
_ تتزين المرأة لتسر الرجال وتغيظ النساء.
_ عندما يخاطبك رجل ابتسمي له ولكن إياك أن تجيبي.
_ امرأة واحدة غاية السعادة ولكن اثنتين. . .
فابتسم الشاعر قائلاً: حقاً هذه هي الحقائق التي يجب أن يحملها الإنسان في جيبه.
стр. 530
التعليم الفني
للأستاذ خالد قرطوش
في هذا العصر المضطرب الصاخب عصر الاكتشافات العلمية نجد الإنسانية المتنازعة تقف على عتبة عهد جديد بين البأس والرجاء، تبحث عن مستقر لها أمين وسلم عادل قوي. وقد أجمع المفكرون أو كادوا يجمعون على أن سعادة المجتمع الإنساني يجب أن تشاد على دعائم اقتصادية اجتماعية يساندها التقدم العلمي والفني وتهدف مصلحة العوام، ولا ينحصر خيرها في طبقة الخواص فقط. . .
فالناس مدعوون ولاسيما الخواص منهم إلى ترويض مشاعرهم على قبول فكرة الخير العام. وليس ذلك بعسير أو مستحيل، بل هو ممكن وحاصل بفضل العلم الذي علم الإنسان استثمار قوى الطبيعة وإخضاعها لمنفعته، وعلمه كيف يجب أن يكون سيد الإنتاج يضاعفه ويضعفه حسب الربح أو حسب قوة المستهلكين الشرائية.
ولكن العلم الذي نشأ وترعرع في ساحة العقل الحر يأبى أن يقيده الربح فهو طليق يسمو أبداً ويطور الآلة ويزيد في إنتاجها وسرعتها. فمرت البضاعة التي صنعتها الأنامل منذ آلاف السنين، بآلات البخار فاللهب السائل فالكهرباء فالذرة، ولا نعلم بأي قوة ستمر بعد أن مرت بالتي مرت. . . فنحن في عصر مدنية قائمة على العلم وفي إمكان هذه المدنية أن ترفه عن الناس جميعاً. . .
فعلى هذه الخطة العامة نرى من واجب الأمم تعميم العلم والفن بين ربوعها وهذا لا يمكن أن يكون إلا عن طريق إدخال التعليم الفني في المدارس وتوسيعه توسيعاً مطرداً. ونحن هنا في سوريا، سوريا التي أصبحت مستقلة وذات كيان دولي مرموق، علينا أن نعني بهذه الناحية من التعليم الفني الذي لعب دوراً أساسياً ي مراحل تطور الإنسانية.
لقد ولد التعليم الفني في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدمت العلوم تقدماً سريعاً هائلاً. صحيح أننا مقصرون بهذه الناحية تقصيراً واضحاً، فالاستعمار الفرنسي وقبله التركي الجائر الجاهل حرم هذه البلاد من التطور ومجاراة التقدم العالمي، ولكن إما ونحن اليوم أسياد بلادنا فمن الجريمة أن نستكين أو أن نهادن ونتهاون في سلوك هذه الطريقة. وقد تكون إمكانياتنا حكومة وشعباً قليلة أو مفقودة للقيام بمهمة إدخال التعليم الفني
следующие страницы →