Полный текст (608 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
بإعدام الملك فتجاهل الثوري ما تنطوي عليه كلمة على الأقل هذه من معنى لاذع وأجابه بلهجة الجد والحزم وقد غابت البسمة عن وجهه: لا تهنئني فإن أنا أيدت شيئاً أو صوتت لشيء فلنهاية الطاغية.
ماذا تعني بهذا القول؟ أعني به أن في إنسان طاغية يدعى جهلاً، وقد ناديت بسحق هذه الطاغية لأن السلطة بشكلها الباطل ليست هي إلا وليدة الملكية المنبعثة منه، بينما السلطة يشكلها الحق تسمى عاماً، لا يجب أن يحكم الإنسان إلا العلم فعقب الأسقف والضمير أيضاً. لا خلاف في ذلك لأن الضمير ما هو إلا العلم الفطري الكامن فينا، والذي يتخذ الاتجاهات التي يوجه إليها. أخذ الأسقف يصغي إلى حديث رجل الثورة باهتمام مبعثه الدهشة، فإن لغة هذا الحديث كانت غريبة عليه وجديدة أيضاً على أن الشيخ استمر في كلامه يقول: فإن أنا ناديت بسحق الطاغية وإن أنا ثرت على النظام القائم على الظلم والطغيان، وإن أنا ناديت بتحطيم أصنام محنطة يرغم الشعب على عبادتها ولو هي تستحقه، فمعنى ذلك أنني ناديت تحرير الرجل من العبودية وإنقاذ المرأة من التدهور والبغاء والطفل من التشرد معنى ذلك أنني ناديت بالاتحاد والحرية والإخاء، وساهمت في تركيز قواعد العهد الجديد، معنى ذلك أنني قمت مع من قام على تحطيم ما كان يسود حياتنا من فساد الأوهام والعقائد، لقد حطمنا العالم القديم، بؤرة البؤس والظلم والأثرة لنشيد على أنقاضه عالماً سوف نبزغ من آفاقه أشعة فجر جديد، فعلق الأسقف: لقد حطمتم، وحطمتم! وقد يصدر عن التحطيم فائدة ما، لكي أتحدى كل تحطيم يداخله الغضب والعنف فأجابه الشيخ بحدة: ولكن للحق غضبته يا سيدي الأسقف، وليست غضبة الحق إلا عنصر هام من عناصر التطور، ومهما اختلف رأي الناس في الثورة الفرنسية فإنها أعظم وأجرأ خطوة خطتها الإنسانية منذ فجر التاريخ، صحيح أن هذه الثورة قد حطمت وهدمت وأراقت دماء لكنها أنارت وأطلقت جميع الإمكانيات الاجتماعية المغمورة. الإنسانية يا سيدي قد قدست الثورة الفرنسية.
فغمغم الأسقف: و٩٣ فانتصب الثوري بجلال مؤثر فوق كرسيه وصاح على قد ما يستطيع محتضر أن يصيح: ٩٣ كنت أرتقب ذكر هذه الكلمة منك وقد ذكرتها ليست ثورة ال ٩٣ إلا انفجار السحب التي تراكمت طبقاتها فوق بعضها البعض خلال خمسة عشر قرناً من الزمن. شعر الأسقف كأن رعشة تنتابه فتهتز لها أركانه، غير أنه تماسك وأجاب: القاضي
стр. 527
يقضي في أمور الناس باسم العدل والقسيس باسم الرحمة التي هي أسمى وأرفع، كان على الصاعقة أن لا تخطئ المرمى، ثم ثبت نظره على الثوري وقال بلهجة المقتنع: ولويس السابع عشر؟ أجابه الثوري على الفور: لننظر ملياً في هذه القضية، فمن تبكي أنت؟ أتبكي الطفل البريء؟ إذاً أبكيه معك، أتبكي ابن الملك؟ فإن هذا الأمر يحتاج إلى تفكير.
لا فرق عندي بين كارتوش الصغير الذي أعدم شنقاً بعد التمثيل والتشنيع في ساحة كرييف لكون كارتوش الثوري أخوه، وبين حفيد لويس الخامس عشر، وهو أيضاً طفل بريء، وما أجري فيه من تعذيب في برج التنبل لكونه حفيد لويس الخامس عشر. فقال الأسقف: لا أحب تقرب الأسماء هذا فأجاب الشيخ: كارتوش؟ لويس السابع عشر؟ لمن تتحيز؟ ثم صمت للحظة قال بعدها بحزن: آه يا سيدي الأسقف أنت لا تحب الحق مع أن يسوع كان يحبه إذ لم يفرق يوماً بين طفل وطفل، إن براءة الطفولة في غنى عن الجلالة والفخامة فهي تحمل تاجها في ذاتها لأنها جليلة مزرية كانت أم مرصعة، فتمتم الأسقف: هذا صحيح غير أن الثوري استمر في متابعة كلامه قائلاً: أنا مصر على أن نتفق! فأنا لا أخالفك إن نحن بكينا جميع الأبرياء والشهداء سواء كانوا متحدرين من الأعالي أم منبعثين من القادة، أنا أبكي معك أبناء الملوك على أن تبكي معي أبناء الشعب، وإذا كان لا بد من رجحان كفة الميزان إلى ناحية دون ناحية، فليكن هذا من ناحية الشعب فإن عهده بالآلام جد بعيد. قال الأسقف وقد أدرك أن جميع حججه إلى انهيار يجرب سهمه الأخير:
إن هذه الساعة هي ساعة الله، أفلا ترى معي أنه من المؤسف أن نكون قد اجتمعنا على ير جدوى؟ فتح رجل الثورة عينيه، فبدا وجهه وقد ارتسمت عليه تباشير الموت، محاطاً بهالة من الجلال والوقار وقال:
يا سيدي الأسقف! لقد قضيت حياتي في التأمل والدرس والنضال وكنت قد ناهزت الستين من عمري عندما لبيت داعي الوطن وانضممت إلى صفوف العاملين فيه. كان هناك طغيان فعملت على دك حصونه. وكانت فوضى فساهمت في محاربتها وكانت هناك حقوق مغبونة فطالبت بها. صحيح أنني مزقت ستائر المذبح لكن لأضمد بها جراحات الوطن، لقد قمت بواجبي قدر استطاعتي حتى أعدائي حافظت عليهم فقد أنقذت في الفلاندر ديراً في ثورة ال٩٣. لكن ما أصابني بعد ذلك إلا الملاحقة والطرد واللعنة. فأنا أعلم منذ سنين، منذ
стр. 528
اشتعل بالبياض رأسي أن معظم الناس يخولون لأنفسهم حق تحقيري، وإذا بدو لهم وجهاً من تلك الوجوه المقضي عليها. غير أنني احتملت عزلتي هذه التي أحاطني بها كرهكم دون أن أضمر لكم شراً أو حقداً، والآن أسألك وأنا على أبواب الموت وقد بلغت الثمانين من عمري هللا تنبئني عن غيتك في المجيء إلي؟ فأجابه الأسقف: بركتك ثم انحنى جاثياً على ركبتيه.
فلك طرزي
стр. 529
حقائق الحبيب
وقف شاعر أمام مخزن في باريس وأخذ يرمق المناديل النسائية المعروضة فيه، وكانت هذه المناديل مطرزة بالأزهار البسيطة، وقد لفت نظره جمل قصيرة طرزت عليها بأناقة شديدة ومنها:
_ إن من يحب ويتزوج من أحب إنما يقضي الليل سعيداً والنهار طريداً.
_ تتزين المرأة لتسر الرجال وتغيظ النساء.
_ عندما يخاطبك رجل ابتسمي له ولكن إياك أن تجيبي.
_ امرأة واحدة غاية السعادة ولكن اثنتين. . .
فابتسم الشاعر قائلاً: حقاً هذه هي الحقائق التي يجب أن يحملها الإنسان في جيبه.
стр. 530
التعليم الفني
للأستاذ خالد قرطوش
في هذا العصر المضطرب الصاخب عصر الاكتشافات العلمية نجد الإنسانية المتنازعة تقف على عتبة عهد جديد بين البأس والرجاء، تبحث عن مستقر لها أمين وسلم عادل قوي. وقد أجمع المفكرون أو كادوا يجمعون على أن سعادة المجتمع الإنساني يجب أن تشاد على دعائم اقتصادية اجتماعية يساندها التقدم العلمي والفني وتهدف مصلحة العوام، ولا ينحصر خيرها في طبقة الخواص فقط. . .
فالناس مدعوون ولاسيما الخواص منهم إلى ترويض مشاعرهم على قبول فكرة الخير العام. وليس ذلك بعسير أو مستحيل، بل هو ممكن وحاصل بفضل العلم الذي علم الإنسان استثمار قوى الطبيعة وإخضاعها لمنفعته، وعلمه كيف يجب أن يكون سيد الإنتاج يضاعفه ويضعفه حسب الربح أو حسب قوة المستهلكين الشرائية.
ولكن العلم الذي نشأ وترعرع في ساحة العقل الحر يأبى أن يقيده الربح فهو طليق يسمو أبداً ويطور الآلة ويزيد في إنتاجها وسرعتها. فمرت البضاعة التي صنعتها الأنامل منذ آلاف السنين، بآلات البخار فاللهب السائل فالكهرباء فالذرة، ولا نعلم بأي قوة ستمر بعد أن مرت بالتي مرت. . . فنحن في عصر مدنية قائمة على العلم وفي إمكان هذه المدنية أن ترفه عن الناس جميعاً. . .
فعلى هذه الخطة العامة نرى من واجب الأمم تعميم العلم والفن بين ربوعها وهذا لا يمكن أن يكون إلا عن طريق إدخال التعليم الفني في المدارس وتوسيعه توسيعاً مطرداً. ونحن هنا في سوريا، سوريا التي أصبحت مستقلة وذات كيان دولي مرموق، علينا أن نعني بهذه الناحية من التعليم الفني الذي لعب دوراً أساسياً ي مراحل تطور الإنسانية.
لقد ولد التعليم الفني في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدمت العلوم تقدماً سريعاً هائلاً. صحيح أننا مقصرون بهذه الناحية تقصيراً واضحاً، فالاستعمار الفرنسي وقبله التركي الجائر الجاهل حرم هذه البلاد من التطور ومجاراة التقدم العالمي، ولكن إما ونحن اليوم أسياد بلادنا فمن الجريمة أن نستكين أو أن نهادن ونتهاون في سلوك هذه الطريقة. وقد تكون إمكانياتنا حكومة وشعباً قليلة أو مفقودة للقيام بمهمة إدخال التعليم الفني
стр. 531
في برامجنا وتعميمه شيئاً فشيئاً في مدارسنا. أجل! قد يكون ذلك واقعاً، لكن هذا لا يمنع من أن نبدأ والبداية معناها إدراك النهاية.
وقد ذكر خطاب فخامة الرئيس الأول في خطبة في عيد الجلاء وفي مناسبات أخرى كثيرة: إن الاستقلال الذي انتزعناه بدمائنا يجب أن نحافظ عليه.
وليس من واجبنا أن نحافظ على استقلالنا فحسب بل علينا أن نوطده ونوسعه ولكي نبلغ ما نريد علينا أن نبحث عن الطرق التي تؤدي بنا إلى المحافظة على الاستقلال وتوطيده وتوسيعه. وإذا كنا نريد حقاً وصدقاً المحافظة على هذا الاستقلال كمحافظتنا على حدقة عيوننا، علينا إتباع السبل التي تزدهر بها اقتصادياتنا من صناعة وزراعة إذ لا سبيل إلى استقلال سياسي مكين إذ لم يؤيده الاستقلال الاقتصادي. وأوضاعنا الاقتصادية الحاضرة لا تسر، ولتدارك ذلك علينا أن نخلق في البلاد نهضة اقتصادية من زراعة وصناعة، ولتهيئة أسباب هذه النهضة علينا أن نعرف مقدار مواردنا الطبيعية. وقد أكد الباحثون والمنقبون أن بلادنا غنية تجري من تحتها أنهار البترول كما ظهر ذلك في بيروت واللاذقية، وباطن أديمنا مثقل بشتى المعادن والخيرات يترقب من يخرج أثقاله وأحماله بفن أحذق ما أوحى إليه. . . وسهولنا وفيافينا شاسعة تكفي عشرات الملايين من الخلائق إذا استثمرت فنياً. فلا ينقصنا إذاً إلا المتخصصون وقد يمكن استخدام المتخصصين من الأجانب ريثما يتخرج طلابنا من معاهدنا الفنية التي يجب أن نبدأ بتأسيسها فوراً كما ذكرت آنفاً. ولكي نمهد السبيل للتعليم الفني علينا تغيير برامجنا الحالية على الأقل رويداً رويداً إذا كنا نخشى الطفرة. . .
إن من يطوف في حقولنا الفسيحة المنبتة الجرداء يسمع نداء يدوي: اعملوا، أنتجوا وهل بإمكاننا أن نعمل وننتج بدون جيش من العمال الفنيين والزراع والمهندسين. . . يسعى بعض الرأسماليين عندنا إلى تأليف شركات صناعية استثمارية ولا بأس في هذا المسعى فهو تطور طبيعي لمجتمع اقتصادي كمجتمعنا تفككت أوصال إقطاعيته الزراعية ليتدرج نحو مجتمع صناعي رأسمالي. فعلى الحكومة أن تساعد الرأسمال الوطني وتهيأ له الأخصائيين واليد العاملة الحاذقة، ولا يتهيأ ذلك بإتقان وانتظام إلا بتدريب آلاف الطلاب في معامل المدرسة المصغرة. . .
стр. 532
تضم المدرسة السورية ما يزيد على ١٥٠٠٠٠ طالب وطالبة.
إن هذا العدد يتخرج من المدارس الابتدائية دون أن كون لديه أقل إلمام عملي بمبادئ الصناعات وإن من سعفه حظه الغني ويكمل تحصيله الثانوي، يغرق في النظريات والأبحاث العقيمة التي تضعف الجسم ولا تنمي الملكات والنماء الكافي المطلوب. . . إن مرحلة انتقال الطلاب من الجو المدرسي إلى الحياة العملية هي أدق المراحل وأهمها بالنسبة إلى مستقبل الشبيبة، ولكن مدارسنا مع الأسف لا تزودهم بأي سلاح بسيط يدفعون به عن أنفسهم طاعون البطالة وحمى الفاقة.
إن مجتمعنا السوري كأي مجتمع آخر في عصرنا هذا يجابه معضلة اقتصادية اجتماعية عليه أن يذللها ويحللها بشكل يتفق ومصلحة المجتمع ويصون في الوقت نفسه كرامة الفرد. ومن هنا تبدو الصلة الوثيقة بين الفكر والعمل كشيء أساسي لدوام تقدم المجتمع. فالتعليم النظري والعملي صنوان متلازمتان. ومن الخطأ فصلهما عن بعضهما فالأمل يهدف الثقافة النظرية والثاني يؤدي إلى العمل اليدوي، فالاثنان واحد في الحقيقة، لأنهما يجتمعان في الإنسان ولا يمكن أن نفصل عمل الإنسان عن فكرته، والفصل في حالة كهذه تشويه للحياة نفسها. . .
إن التقدم الحقيقي لا يتم باستيعاب الحكمة النظرية من شعر وأدب وفلسفة، بل يحتاج هذا التقدم اليوم إلى دعائم قوية من الكيمياء والفيزياء والميكانيك أي يحتاج إلى حشد واستثمار قوى البلاد الفكرية والمادية. . .
إن البلاد التي سبقتنا صناعياً ترى نفسها مضطرة لتغيير أساليب الإنتاج وتحويله من إنتاج يستهدف نفع أفراد معينين إلى إنتاج يبغي النفع العام. فما بالك ونحن لا نزال في المؤخرة مما يدعونا إلى الإسراع لنجاري الأمم المستقلة التي نتبوأ وإياها كراسي مجلس الأمة. . .
إن ذلك لا يتم ولا يمكن أن يتم إلا بالمدرسة، بالمدرسة التي تتعهد المواهب والكفاءات منذ الحداثة وتحمي هذه المواهب وتلك الكفاءات من طغيان التراخي والتواكل والجمود، وتبشراً أولاً وآخر بالثقافة العلمية النيرة الواضحة المفيدة، الثقافة التي تحرر الإنسان من العوز والعبودية وتجعله يشعر شعوراً عميقاً راسخاً بأن حاضره ومستقبله يرتكزان على أسس من السعادة الاجتماعية المضمونة وأنه عامل من العوامل الرئيسية التي ترص المجتمع وتزيد
стр. 533
في قوته وتضامنه وضمانته.
أجل المدرسة هي التي تلعب الدور الأساسي في خلق هذا الشعور الاجتماعي عند المواطنين، وتزودهم بالوسائل التي تنمي هذا الشعور وتوسعه، ورسالتنا أولاً وآخراً هي اكتشاف القابليات الفكرية والعلمية لدى الأحداث وتمهيد السبل لتطويرها دون أن تتأثر بأوضاع الطلاب العائلية والمالية، فتخلق رجالاً أشداء، متمتعين بإرادة قوية وحماس عظيم مزودين بموارد ثقافية تجعلهم مدركون فوراً مفاهيم التقدم الحديث كل ذلك يستدره الطلاب في جو مدرسي باسم لا ضغط فيه ولا إكراه بل يبتهجون لأنهم يجدون أن المجال واسع أمامهم لإرضاء ميولهم اليدوية التي تظهر فيهم عادة قبل أي ميل ثقافي آخر.
كل بناء يبنى على أساس وأساس المجتمع الجديد يصنع في المدرسة فإذا أردنا أن نشيد مجتمعنا على دعائم حديثة قوية فلنبدأ بالمدرسة فمنها تنبثق طلائع الفجر الجديد. . .
خالد قوطرش
стр. 534
أيتها الطبيعة
لما كنت عبداً لك_أيتها الطبيعة_آثرت بعض أجزاء قلبي على بعض، وبعثتها في حرب دموية انتحاراً في سبيل الدنيا وسلطت علي الشهوات التي ليس لها من غاية إلا أن يأكل بعضها بعض وأن تلتهم كل ما يسعه فمها فأمضتني ألماًَ وفرقاً. لقد قذفت بي إلى قضاء الشهوات بما بعثت علي من وميض لذائذ الخلب. وإن ميولي_التي هي حبائلك وشراكك_قد أسلمت بي إلى قحط لا نهاية له، فاستحال الغذاء تراباً، والماء بخاراً.
تاغور
стр. 535
الرياضة والأدب
للأستاذ نعيم الحمصي
أثر الرياضة في تنمية الذوق العام
لا أريد الآن أن أتعرض لفوائد الرياضة البدنية الجسمية من حيث القوة والصحة ولا لفوائدها الاجتماعية والخلقية فكل ذلك بديهي لا حاجة للخوض فيه فضلاً عن أنه لا يتصل مباشرة بموضوعي الأصلي وهو تنمية الذوق العام وإنما أتعرض فقط للهدف الثالث من أهداف الرياضة الثلاثة وهي الصحة والقوة والجمال لعلاقة هذا الأخير المباشرة ببحثي. وإذا كانت الحكمة القديمة تقول بأن العقل السليم في الجسم السليم فأنا أقول أيضاً أن الذوق السليم في الجسم السليم، فإن للرياضة أثرها في تجميل جسم المرأة والرجل معاً فإذا كان الجمال هو المعين الذي يستمد منه الأدباء، ورجال الفن عامة وحيهم، فإن جمال المرأة من بين ضروب الجمال يحتل بينها المكانة الأولى ولهذا كان لا بد من العناية برياضة الرجال والنساء معاً ولا يصح أن نهمل نصف أفراد الأمة إهمالاً مشيناً ويترك عرضة للضعف وفريسة للأمراض، فينشأ بين الجنسين هذا التباين الكبير الذي نشاهده الآن في الأجسام والذي يأخذ بالتناقص تناقصاً بطيئاً كان الأولى أن يحل محله سرعة خاطفة وإن لهذه الغاية بتجميل الأجسام بالرياضة أثرها في القضاء على الكثير من المشاكل الاجتماعية المشينة الناتجة عن فساد الأذواق وشذوذها فضلاً عن آثارها التي ذكرتها من قبل.
وعلاوة على هذا فإن للرياضة أثرها في خلق روح المغامرة وما لها من أثر في الإنتاج الأدبي: القصصي ومنه غير القصصي وهي تخلق إلى جانب النشاط الجسماني نشاطاً نفسياً عميقاً عنيفاً واسعاً فيتسع ميدان التجارب النفسية وتزيد قوة وينتج عن ذلك أدب البطولة والقوة ويزول عن أدبنا طابع الضعف والبكاء والخور الذي يعاب عليه ويجب أن يتخلص منه.
وفي البلاد اليوم نهضة رياضية مباركة مختلفة المظاهر والأشكال ولست أريد الآن أن أتعرض إلى برامج الرياضة المدرسية وغير المدرسية وكيف يجب أن تكون_وأنا أرى أن تمارين الرياضة يجب أن تكون مستمدة ما أمكن من الحركات الطبيعية التي يتعرض لها العامل والزارع وغيرهما من ذوي الفعاليات الجسمية_وإنما أقول أنه من الضروري جداً
стр. 536
إنشاء نواي رياضية خاصة بالفتيات وأن تنشأ لهن أحواض للسباحة لا يختلطن فيها بالرجال، وأن تنشأ لهن كذلك حدائق عامة كثيرة في كل بلدة بحيث تتعرض أجسادهن للنور والشمس وتقوم بنصيبهن من الحركة منذ الطفولة المبكرة، ويرى النساء بعضهن بعضاً في هذه الحدائق فتتمازج الأذواق وتتصفى بما تتعرض له من سنن الاصطفاء الطبيعي فتسمو السمو المنشود من دون خوف على الأخلاق أن تنهار.
أثر الأشغال اليدوية في الذوق العام
وكل ما قلته عن الرسم يصح أن يقال هنا وليس ينكر أحد أثر درس الأشغال اليدوية في المدارس في تنمية الذوق وهنا أقول أيضاً أنه يجب تعيين معلمين ومعلمات مختصين بهذا الفن وإقامة معارض للأشغال اليدوية في المدارس ومعارض عامة أيضاً لتثقيف الجمهور.
النهوض بأساليب تعليم اللغة العربية ركن أساسي في إنتاج الأدب
وتذوقه
قلت أن تنمية الذوق العام الفني ضروري جداً لتذوق الأدب وإنتاجه وتكلمت عن الطرق الموصلة في رأيي إلى نهضة الفنون الجميلة المختلفة حتى تنمي هذا الذوق الأدبي وإلى جانبه أسباب كثيرة بعضها في الماضي وبعضها في الحاضر، ومنها: قلة التجارب النفسية لخمول الحياة الاجتماعية وانعدام الهزات العنيفة التي تثير أعماق النفوس أو ضعف تأثر النفوس بهذه الهزات. فإن أدب كل كلمة صورة عن حياتها نفسها يخمل بخمولها وينبه بانتباهها ولا ينكران الأحداث العظيمة في أمة من انتصارات جيوش أو انهزامها ومن هجرات كبيرة وأسفار طويلة ومغامرات خطيرة تثير الخيال وتذكي العواطف وتدفع إلى التعبير عن خلجات الأفئدة ولواعج النفس.
ومنها ضعف الثقافة وعدم الميل إلى المطالعة وموت حب الإطلاع على كل جديد ومنها ضعف القدرة على التعبير باللغة العربية عن التجارب النفسية في حين أنه لا يمكن التعبير عنها باللغة العامية لأسباب قومية ودينية وأسباب هذا الضعف كثيرة ومنها:
آ_استعمال اللغة العامية في حياتنا اليومية وفي منازلنا مما يجعل اللغة العامية أكثر حياة من اللغة العربية فاللفظة العربية بالنسبة لنا لفظة متينة نريد أن نبعثها بالقوة وهي لا تصدر عنا سليقة وطبعاً، واللفظة العامية حية لها قوة إيحاء وحركة في النفس يعبّر الإنسان
стр. 537
بها عن معناه بسهولة فلا ينصرف إلى السعي لإيجاد اللفظة ويجور بذلك على المعنى وعلى تسلل الأفكار، فعلى الرغم من ذلك فأنا لا أريد استعمال اللغة العربية البتة فإن أضرارها الكثيرة وخاصة منها القومية أكبر من نفعها وحيث أننا لا يمكن أن نكتب باللغة العامية أولاً ثم نسبك جملنا من جديد باللغة العربية فيجب في هذه الحالة أن نملك القدرة على التعبير باللغة الفصحى مباشرة وبقوة وأن نجعل الكلام الكتابة باللغة العربية طبعاً وسليقة فينا منذ الطفولة الأولى.
ب_ومن أسباب عدم القدرة الكثيرة منذ الصغر. فالشاب الغربي يقرأ منذ طفولته ما ناسبه من القصص والآثار الأدبية الكثيرة فتقوى نزعته الأدبية ويشارك في تذوق آداب أمته ويشب وقد عرف أو ألم بكل الآثار الأدبية المشهورة، أما الطفل عندنا فلا يقرأ إلا قليلاً وذلك لأنه لم يغرس فيه الميل إلى القراءة لأنه لا يجد مكتبة تناسب مداركه وتحوي قصصاً خاصة بالأطفال أكثر ما هو موجود منها بالأسواق يجب أن يرفع من بين يديه أو يسبك سبكاً جديداً بلغة حديثة كما يفعل الإنكليز مثلاً في آثار شكسبير، وغيره من كبار الكتّاب حتى يفهمها الصغار.
د_ومنها ضعف أسلوب تعميم اللغة العربية في مدارسنا فإنه لا يتبع فيه الأسلوب الطبيعي الذي هو نفس أسلوب الأم في تعليمها لغتها لأبنها، ورغم ما حصل في برنامج التعليم من إصلاح قيّم فإن نصيب القواعد المجردة في مدارسنا لا يزال كبيراً وتدريس القواعد لا يفيد فائدة استظهار الشواهد والنصوص الأدبية الرفيعة وفائدة المطالعة في كتب مشكولة بحيث تصبح اللغة عادة وسليقة في الطفل لا قواعد جافة يضطر إلى حفظها وقد تنبه ابن خلدون منذ القديم لفساد هذه الطريقة ولكننا لا نزال نئن منها ومكتبة الطفل عندنا لا تزال فقيرة بل خاوية.
ولا يتسع المجال الآن لنقد البرنامج والكتب المتداولة وبيان خطة جديدة لتدريس علوم العربية كلها بالتفصيل وأكتفي الآن برسم بعض الخطوط البارزة التي أرتأيها ومها:
١_تعميم مدارس الحضانة فيلقى الطفل منذ السنة الثالثة مفردات اللغة العربية الصحيحة عن معلمات قديرات يقضي في صحبتهن أكثر وقته يحدثنه ففي كل شيء يلائمه وبهذا يضعف في نفسه أثر اللغة العامية التي تلقاها عن أمه الجاهلة وتصبح اللغة العربية أصيلة
стр. 538
فيه ويصبح للكلمات حياة وقوة إيحاء ويسار في تعليمها وفق الطريقة الطبيعية التي يتعلم بها اللغة العامية: تحدثه بها المعلمة عن الأشياء وتجيب بها عن أسئلته وتقص عليه قصصاً تناسبه ويطلب إليه إعادة هذه القصص القصيرة السهلة اللغة، ومن الهام جداً وضع قصص قصيرة بالترجمة أو التأليف تكون مناسبة للمقام كما أنه من الضروري جداً توزيع نشرات على الأمهات بلغة بسيطة تبحث في التربية وإلقاء المحاضرات عليهن لتوسيع ثقافتهن وغرس حب المطالعة فيهن وبهذا ترقى لغة الأم نفسها.
٢_الكلام في المدارس الابتدائية باللغة العربية بصورة دائمة وتنمية ميل الطلاب إلى الحديث باللغة العربية باستعمال الشارة (السينيال)، كما كان يتبع في تعلم اللغات الأخرى في المدارس الأجنبية، لتصبح اللغة العربية سليقة فيهم.
٣_غرس ميل قوي للقراءة عند الطلاب بوضع الكتب الجذابة وخصوصاً القصص ويجب أن يكون في مكتبة الطفل عندنا مئات منها. ويتلافى عجزنا في هذه الناحية الآن:
١ً) بترجمة قصص كثيرة تناسب الأطفال وتنمي خيالهم وترشدهم إلى التعبير الصحيح عن أفكارهم وتجاربهم بتقليدها وتأثيرها اللاشعوري فيهم وتترجم هذه القصص عن اللغات المختلفة من شرقية وغربية وخصوصاً القصص الإنكليزية والفرنسية والروسية والألمانية.
٢) بأخذ القصص العربية القديمة وسكبها في قالب جديد وفي لغة جديدة مع تهذيبها ما يحتاج إلى التهذيب منها كألف ليلة وليلة وعنترة والمهلهل وذات الهمة وسيف بن ذي يزن وبني هلال والملك الظاهر وقصص أخرى صغيرة وكبيرة تؤخذ من التاريخ العربي ومن أمهات كتب الأدب.
٣) قصص جديدة توضع للأطفال وتستمد من حياتنا الماضية والحاضرة وتعطى المكافئات من الحكومة لواضعيها المجدين.
وينمى ميل الطفل إلى الكتابة بأن يعلم كيف يجد أفكاره وكيف يرتبها ويعبر عنها ثم بتعويده على كتابة المذكرات اليومية فإنها خير وسيلة لمرونة الفكر والأسلوب والقدرة على التعبير بلغة صحيحة وتثبيت الألفاظ الجديدة في ذهن الطالب وهي تمد الطالب بالألفاظ الضرورية له في حياته اليومية والفكرية لأنه تضطره إلى التعبير عن كل الأشياء التي تتصل به بلغة صحيحة ويجب تأسيس مكتبة غنية في كل مدرسة ابتدائية ومكتبة كبيرة
стр. 539
عامة في كل مدينة أو قرية كبيرة وأنا أرى أن تضبط حركات الكلمات في المدارس الابتدائية ليتعلم الطالب النطق بالكلمات الفصيحة نطقاً صححاً بالمران.
٤) ويأتي تدريس قواعد اللغة العربية بشكل ضوابط ثانوياً في الحلقة الدنيا من المدارس الثانوية وأساسياً بمقدار ما تمس به الحاجة في الحلقة الدنيا، وينمى فيها عوضاً عنها ملكة النقد الأدبي. أما البلاغة فلا تدرس بشكل قواعد جافة وإنما يقارن المدروس بين كلام وكلام ومفاضلاً بينها في الحسن ويطلب من الطالب أن يأتي بصور متعددة في التعبير عن معنى من المعاني وأن يقارن بينها وبين ما فيها من جمال. وفي كل المراحل التعليمية يجب أن يستعان بالفنون الجميلة كلها فإنها كلها سلسلة لا يمكن أن تهمل حلقة منها فتنقطع.
نعيم الحمصي
стр. 540
يا سعد
يا سعد! متى طواك الردى؟! وكيف استسلمت للبلى؟!
لقد دوى صدى نومك الأخير كالرعد، في سماء البلاد العربية فأبكيت الأمة من أقصاها إلى أقصاها، وتركت في كل قلب قصيدة حزن على فقدك وزفرة ملتهبة على ثكلك، ودمعة حارة على قوة كامنة في نفسك، تلك القوة التي دفعتك لتنفخ في قلوب العرب أجمع، صوتك العلوي المجهور ولتكون المجدد للرسالة العربية القومية.
نعم! آلمتك هذه السنة من الكرى التي استسلم لها العرب، وأغضبك هذا الوسن الذي استولى مدة عليهم، بعد أن نشروا رسالتهم العليا التي غمرت العالم حكمة وهدى، والآن. .! هل ينامون عن هذه الرسالة وفيهم قلوب نابضة وقبس من نور؟؟!
لقد دفعتهم ووجهتهم في الطريق المختارة التي تؤهلهم للاستقلال، ولكن الشعب السوري كان يتعجل الحرية المنشودة ويتطلبها سريعاً ولذا استهان في كل شيء في سبيلها حتى النظام، وبتهيب الحكام.
والآن. . أتندثر صحيفة عملك البيضاء وتندرج في معالم الظلام؟! وهلا يضل اسمك على كل ثغر، وتاريخك في كل فكر؟! لقد عشت لوطنك ومتّ من أجل وطنك، ولم تقف في وجهك ظروف الدهر ولم تغير من بسمتك عبسة الزمن بل اندفعت بجهادك ووجودك ولم تسلم لجور أو لطغيان. . . أجل. .! إن الأقدار داعبتك زمناً طويلاً لتعرف مدى عزيمتك ومدى إيمانك برسالتك، فإذا أنت تيأس ولم تسقط بل مضيت بحماس متقد ونشاط متأجج وتفاني في سبل العروبة قاومت الاستعمار وناضلت الطغيان حتى ظفرت بالاستقلال، وعدت من جديد إلى الجهاد لتوطيد دعائم هذا العهد الاستقلالي ولقيت كل معارضة برحابة صدر وصدق شكيمة، ووقفت صامداً أمام تيارات الرجعية القاسية. . .
لكن أيبتسم الكون طويلاً؟! لقد زمجر وعبس ثم تولى إذ لم يأتي عام ١٩٢١ إلا وزججت في السجن وكنت تتنقل من معتقل لمعتقل، ولم تكد تطأ أرض الأوطان من جديد حتى شردت ونفيت ثانياً، ولا أنس يوماً ودعت فيه سوريا الحبيبة أجل لا أنس ذلك اليوم الذي أنذروك فيه بمغادرة سوريا، فأذعنت للأمر الواقع وودعت سوريا وداع عبد الله الصغير لغرناطة الحمراء، ولكن لم يكن سعد الله كعبد الله.
ذهبت إلى العراق حاملاً في نفسك الكبيرة جيشاً من الذكريات المرة والآمال الكبيرة،
стр. 541
ابتعدت عن سوريا في غبش الفجر بعد أن استودعت آمالك وأحلامك ضمير الزمن. . . لكنك ذهبت لتعود، وابتعدت لتقرب.
وحياته. . كانت سلسة جهاد وآلام لكنها متجددة مع ذلك في كل حين ففي عام ١٩٢٨ انتخب نائباً في المجلس التأسيسي وعضو في الكتلة الوطنية وبذل جهداً لم يعرف التعب والكلل، حتى كاد جهاد (٣٦) فقاد النضال بقوة وصبر على المكاره، واعتقل في عين ديواروما عاد منها إلا ليشترك في الوفد السوري إلى باريس ثم ليقوم بدوره بتأسيس الدور الوطني، وانتخب للمرة الثالثة والرابعة وتألفت الحكومة الدستورية الثانية المستقلة حيث لعبت دوراً كبيراً باستعادة التمثيل السياسي وبتسلم الصلاحيات. . .
جهود جبارة لا ننكرها عليك يا [سعد]. حقاً قد كنت لك سعد فعلى يدك بل وفي زمنك ثم جلاء الجيوش الأجنبية عن البلاد العربية - السورية_وسنت القوانين والأنظمة التي أحدثت انقلاباً خطيراً في حياتنا يتفق مع ما بلغت إليه وأدركته من مكانة ومقام. . .
إيه يا سعد! كيف استطاع هذا الجسم البشري أن يساير نفسك الكبيرة ويماشي همتك العالية وفكرتك التي تميل إلى أن تجعل العالم بأجمعه عربياً. . . لقد طرقت أبواب العدالة الموصودة وفتحتها فجئت منها بقبس حق وإنصاف أنرت به سبيل العرب.
ثلث قرن في جهاد متواصل، ثلث قرن في نضال مستمر، ثلث قرن في بلاء طويل وأخيراً ناء الجسم الضعيف، ناء هذا الهيكل المرهق، بما تحمله النفس من آمال وأحلام، فألح عليه المرض العضال، ولكنه لم ينل حتى الساعة الأخيرة شيئاً من قوة إيمانه وصفاء نفسه.
وأخيراً أغمض جفنيه لحظة فإذا بهما لا يرتفعان بعد، بل أخلدا إلى هذا السكون الدائم، هذا السكون الأبدي. . .
وما كاد الرق يملأ الأجواء نبأ نعيه حتى اضطرمت الأفهام وتلعثم اللسان وتساءل الجميع: أصحيح مات الجابري. . .؟
ألا رحمك الله يا سعد! وأسكنك فسيح جنانه، فنم هانئاً مطمئناً قرير العين، نم آمناً مرتاحاً مبتهج الصدر أن الأمة العربية لتسعى لتنفيذ وصيتك الخالدة:
. . . وصيتي إليكم أيها السوريون المحافظة والسهر على استقلال البلاد والتمسك بأهداب النظام الجمهوري الرشيد القائم فيها.
стр. 542
الآنسة: رياض الجابري
стр. 543
المعلمة والمجتمع
الآنسة فكتوريا نعمان
كدت أقول في (صنع) المجتمع، فلست أعرف إنساناً يشتغل في هذا (الصنع) الدقيق الخطير: (صنع) الناس للمجتمع كمعلمة، تراها محنية على كل فرد ناشئ منه وسعته ذراعاها، تلقنه المعرفة كلمة كلمة. . . بل تلقنه الحياة نفساً نفساً! وهو لا يجهل نسم الحياة، وهي لا تجهل منه ذلك إنما هي تمرن فيه الطبيعة وفنونها، وتؤكد أساسها، وتنمق حواشيها لتفلته من ثم. . . يواجه الحياة إنساناً جديراً بفهمها كما نفعل أم الطيور بصغارها يوم تحملها من غصن إلى غصن، تمرن فيها الطبيعة، ومن ثم. . الاستقلال!
والمعلمة، على شدة ما يقتضيه عملها هذا من دأب لا يتصل به، أو يجب ألا يتصل به الكلل في وقت من أوقاته، تراها أشبه ما تكون بالذي حمل على راحة كفه البذرة تكمن في قلبها الحياة، إلى أرض اختارها ليزرعها هناك وما يبرح يسقيها ويرعاها. . . ثم يرقبها في الليل والنهار حتى تنبثق من قلبها الحياة أغصاناً وأوراقاً غضة خضراء. . . وأزهار تضحك في ألوانها الحياة! وليس يتم هذا بالطبع إلا بالجهد العظيم، لكنه ليس كفاية بالجهد فالشجرة اليافعة لا تزال تستهدف للعواصف كلما شب عودها فوق الأرض، والعاصفة لا ترحم تكسر كل عود لم يقوى على الوقوف في وجهها فهل تترك الشجرة وحيدة.؟!
إنها المعلمة الشخص القوي الحنون لاتني تدور حول (شجرتها) وقد شبت، تسند الطري من الأغصان حتى يكتمل نموه وتنتزع الأصفر من الأوراق وترعى الناضر الحي حتى إذا أكملت نموها وذهبت في الفضاء فارعة قوية تطاول العاصفة ولا تطولها العاصفة، ماتني المعلمة تدور أيضاً حول (شجرتها) رعاية ومحبة، تمسح الغبار عن كل ورقة وتتنسم العبير من كل زهرة متفتحة!
إنها المعلمة ذلك الشخص القوي الحنون،
المعلمة والمجتمع
الآنسة فكتوريا نعمان
كدت أقول في (صنع) المجتمع، فلست أعرف إنساناً يشتغل في هذا (الصنع) الدقيق الخطير: (صنع) الناس للمجتمع كمعلمة، تراها محنية على كل فرد ناشئ منه وسعته ذراعاها، تلقنه المعرفة كلمة كلمة. . . بل تلقنه الحياة نفساً نفساً! وهو لا يجهل نسم الحياة، وهي لا تجهل منه ذلك إنما هي تمرن فيه الطبيعة وفنونها، وتؤكد أساسها، وتنمق حواشيها لتفلته من ثم. . . يواجه الحياة إنساناً جديراً بفهمها كما نفعل أم الطيور بصغارها يوم تحملها من غصن إلى غصن، تمرن فيها الطبيعة، ومن ثم. . الاستقلال!
والمعلمة، على شدة ما يقتضيه عملها هذا من دأب لا يتصل به، أو يجب ألا يتصل به الكلل في وقت من أوقاته، تراها أشبه ما تكون بالذي حمل على راحة كفه البذرة تكمن في قلبها الحياة، إلى أرض اختارها ليزرعها هناك وما يبرح يسقيها ويرعاها. . . ثم يرقبها في الليل والنهار حتى تنبثق من قلبها الحياة أغصاناً وأوراقاً غضة خضراء. . . وأزهار تضحك في ألوانها الحياة! وليس يتم هذا بالطبع إلا بالجهد العظيم، لكنه ليس كفاية بالجهد فالشجرة اليافعة لا تزال تستهدف للعواصف كلما شب عودها فوق الأرض، والعاصفة لا ترحم تكسر كل عود لم يقوى على الوقوف في وجهها فهل تترك الشجرة وحيدة.؟!
إنها المعلمة الشخص القوي الحنون لاتني تدور حول (شجرتها) وقد شبت، تسند الطري من الأغصان حتى يكتمل نموه وتنتزع الأصفر من الأوراق وترعى الناضر الحي حتى إذا أكملت نموها وذهبت في الفضاء فارعة قوية تطاول العاصفة ولا تطولها العاصفة، ماتني المعلمة تدور أيضاً حول (شجرتها) رعاية ومحبة، تمسح الغبار عن كل ورقة وتتنسم العبير من كل زهرة متفتحة!
إنها المعلمة ذلك الشخص القوي الحنون، الدائب على (صنع) الناس للمجتمع، ولقد قلت المعلمة وليس لي في هذا بالطبع أن أنكر دور المعلم في هذا (الصنع) لكن ثمة أمور واضحة جعلت الدور الأول فيه للمعلمة وعززت أهمية هذا الدور فما هي تلك الأمور. وما هي أهمية دور المعلمة في بناء المجتمع؟
من الواضح أن بلادنا تجتاز الآن - بالنسبة إلى وضع المرأة الاجتماعي_مرحلة الانتقال
стр. 544
بين عهد كانت تسوده شعارات باللغة الرجعية شعارات المحافظة على المرأة ضمن جدران البيت، وإبقائها جاهلة متأخرة، منعزلة عن العالم تنفق العمر كله بأتفه الأمور وأسخفها، إلى عهد تعاونت فيه أحوال اقتصادية اجتماعية داخلية وخارجية، على تخفيف حدة تلك الشعارات والحماس لها، وإحلال ما هو أحسن محلها مما أدى إلى تطوير وضع المرأة شيئاً فشيئاً، والخروج بها من واقعها الضيق القديم إلى أفق أوسع وأرحب وأهم، هو أفق المجتمع الآخذ بالتعلم وأسبابه، فكشف لها عن عوالم جديدة، أدركت منذ ممارسة الحياة فيها لأول مرة أنها تستطيع أن تكون إنسان آخر، غير ذلك الذي يعيش ضمن حلقة متكررة مفرغة، إنساناً يستطيع أن يقدم لمجتمعه خدمة وأن تكون حياته في بيته ولأهله ولشخصه، أفيد وأجدى، كل ذلك إذا استطاعت أن تبدد شيئاً من ظلمات الجهل المحيطة بها، وأن تخرج إلى عالم نير يشرق في أرجائه العلم.
وكان إن سلكت المرأة طريقها نحو العلم، ولما بهرت عينيها الساذجتين أضواءه الساطعة الحلوة، لم تشأ، بل لم تستطع أن تحول عينيها عن سحره الأخاذ فبقيت هناك تطلب المزيد. وأخذت تيسر السبل لبنات جنسها الناشئات للارتشاف من مناهله العذبة، فكان هذا الجمهور العامل النشيط جمهور المعلمات تلك الفئة التي تؤدي لوطنها أجل الخدمات.
هذا إلى جانب أمر من الأهمية بمكان لعله المكان الأول هو شعور المرأة المتعلمة بضرورة استقلالها الاقتصادي كإنسان مكتمل النضج وعزيز الشخصية، هذا الشعور الكريم الذي كان سلماً للمرأة ما تزال ترتقي درجاته إلى مكانها العزيز مكان الإنسان الحر المستقل، الإنسان الذي يأبى أن يكون عالة. . . ومن ثم أن يكون أشبه شيء بالبضاعة التي يخشى عليها الكساد! فيعمل على (تصريفها) بشكل فيه الكثير من المساس بالشخصية، بل بكرامة الإنسان!
كانت مهنة (نشر العلم) أول المهن وأوسعها في فتح أبواب الاستقلال الاقتصادي أمام المرأة، وقد صادفت هذه المهنة الجليلة إقبالاً ما يزال آخذاً بالتزايد يوماً بعد يوم للأسباب التي أسلفت، ولغلبة العقلية المتحررة على العقلية الجامحة المتأخرة. وذلك كنتيجة حتمية لتطور العالم الاقتصادي والاجتماعي، وتأثر مجتمعنا بتطوره ذاك.
فالتعليم إذاً أول المهن التي حررت المرأة ومن ثم أخذت في تحرير البيت وبالتالي في
стр. 545
تحرير المجتمع من كثير مما كان يسود هؤلاء جميعاً من مظاهر الجهل والتأخر والجمود بل لست أغالي إذا قلت: والانحطاط!
هذا هو إذن مركز المعلمة في المجتمع في هذه المرحلة الحاضرة وهو مركز له أهميته ويرتب على المعلمة واجبات كبرى عظيمة. فما هي الواجبات المترتبة على المعلمة في المجتمع الحاضر تبعاً لمركزها.؟
أول تلك الواجبات أن تكون المعلمة عضواً فعالاً في مساعدة المجتمع لتكميل مرحلته التطورية الحاضرة، وانتقاله إلى مرحلة أرقى وأحسن، أي لمساعدة المجتمع في أن يخطو دائماً خطوة جديدة نحو التقدم، وبين يدي المعلمة مجال واسع للقيام بهذا الواجب الهام، بحكم طبيعة عملها الإنشائي الجماهيري الواسع بين صفوف الناشئة وهي تستطيع الوصول إلى تحقيق هدفها ذاك بتلقين الناشئة العلم الصحيح الخالي من الأوهام والشكوك والغموض، وبحملهم على تحكيم العلم في تفسير كل غامض وبتعويدهم على تسييد العقل أي جعل العقل سيداً لكل شيء، والتفكير السليم الصحيح وسيلة لتفهم الحياة.
إن التفتيش عن الحقيقة وإتباع طريقها يجب أن يكون الهدف الذي تضعه المعلمة أمام تلاميذها وباستمرار ذلك تتوصل إلى بث وعي صحيح فيهم فتنمو القدرة على تعيين الحقيقة في كل شيء حولهم فلا يسهل عندئذ أخذهم بالأضاليل، إذ أن شمس الحقيقة تذيب الزبد ولا تبقي إلا ما ينفع الناس.
إن الواجب الخطير الذي يواجه المعلمة هو أن تعرف كيف تربط الحياة بالكتاب! وأن تحطم هذا الحاجز الرجعي الذي يحاول أنصار الجهل إقامته سداً بين الحياة والكتاب أي بين العلم والحياة فيلقنون الطالب ما يحمله الكتاب من علم لكنهم يغلقون هذا الكتاب ويعتمدون على الخرافات والأوهام والجهل في تفسير الحياة ومظاهرها وحل أمورها، وهكذا يقطعون الحلقة بين العلم والحياة ويضعون ثقة النشء بالعلم ويبعدونه عن تفكيرهم وحياتهم فيخونون رسالتهم العلمية ويعبثون بعقول الناشئة ويدسون سوس الخراب في تكوينهم وتهيئتهم، لذلك وجب أن يكون شعار المعلمة أمام صغارها، إن الكتاب قاموس الحياة!
والمعلمة قد درست تاريخ بلادها واطلعت على أمجاد أمتها، فالواجب الوطني يدعوها إلى
стр. 546
اطلاع الناشئة على تلك الأمجاد بأمانة وإفهامهم أن رسالتهم ليست بالاكتفاء بالتأخر بتراثهم القومي ذاك، بل للعمل على تكميله وتنميته، ومن هنا كان عليها حمل الناشئة على الشعور بواجب النضال في سبيل رفع مستوى بلادهم وترقية شعبهم ليكون جدير بماضيه وأمجاده وجدوده حمل الناشئة على الشعور بالمسؤولية أمام هذه البلاد وتاريخها ومستقبلها، حملهم على الشعور أن كلاً منهم جندي في خدمة بلاده والتفاني في حبها، ومن هنا كان على المعلمة أن تعلمهم تقديس المثل العليا وتقديس الحرية وحب الوطن، وتقدير الإنسان وكرامته كأعز المخلوقات وأشرفها، وبتحقيق هذا تكون مهنة المعلمة مهنة حية تستمد قوة وتجدد دائمين، من قوة الحياة وتجددها الدائمين!
من أجل هذا كله، كان المجال الحيوي لنشاط المعلمة أوسع من دائرة مدرستها وكتابها، فهي كواحدة من أوائل المتعلمات في البلد، ومن حاملات مثل هذه الرسالة الكبرى، رسالة تهيئة النشء للبلاد أو رسالة (صنع) المجتمع! يجب - لكي تستطيع القيام بأداء تلك الرسالة - أن تعمل جاهدة على تنمية مواهبها باستمرار وزيادة ثقافتها، وتنظيم نفسها وجهودها في حركات تخدم مجتمعها وبلادها لكي تساير العالم في تطوره، فليس يعقل أن تقف مربية الجيل الطالع، متفرجة على دولاب الحياة السائر قدما إلى أمام!.
فكتوريا نعمان
стр. 547
التعليم
تقضي العدالة الاجتماعية بإعطاء قسط من التعليم لكل مواطن سواء أكان فقيرا أو غنيا ذكرا أو أنثى دون تفرقة أو تمييز. هذا مبدأ مسلم به ولا شك ولا مكابرة فيه ولكن لكل بلد ملابسات وظروف وكل شعب تقاليد وعوائد وهذه لا يمكن التغاضي عنها ولا الاستخفاف بها في وضع سياسة التعليم بحيث تتحقق العدالة الاجتماعية ومهما كانت غيرتنا كأمة ناشئة ومهما كانت غيرة دعاة الإصلاح وبعض قادة الفكر والزعماء في نشر التعليم فيجب ألا نفعل أن تحقيق حق المواطن في التعليم يجب ألا ينظر إليه بمفرده دون مراعاة النسيج الاجتماعي والاقتصادي للشعب وقدرة الحكومة على التنفيذ وإلا ضاع المجهود سدى.
стр. 548
غي دومو باسان الكاتب الفرنسي الشهير
جَبَان
تعريب: الأستاذ خالد علي
كان جميع معارفه يسمونه: سينيول الجميل، أما اسمه الحقيقي فكان: الفيكونت غونتران - جوزيف دوسينيول.
يتيم وصاحب ثروة كافية، تساعده على أن يظهر بالمظهر اللائق، كما كانوا يقولون. وفوق ذلك فقد كان جميل القامة، حسن الهندام، يتكلم بطلاقة تجعل سامعه يعتقد أنه أمام رجل من رجال الفكر، هذا إلى ما كان يتحلى به من لطف طبيعي، ومظهر نبيل، واعتزاز لائق، وشارب طرير، وعين طيبة حلوة. وبالاختصار فقد كان يتحلى بكل شيء يعجب النساء.
كان مدعو (الصالونات) الدائم، وهدف الراقصات المفضل، ولذا فقد كان يوحي إلى الرجال القيام ضده بشغب مرح ضاحك يكنه كل فرد منا لأصحاب المظهر الأنيق النشيط. وقد اشتهر بعضهم غراميات جديرة بأن تعطي عنه فكرة بأنه شاب ككل شاب، ولذا فقد كان سعيدا، هانئا، وعلى أحسن حال فكري ولأتمه. وقد أشيع بأنه لاعب ماهر بالسيف، وأمهر في الرمي بالمسدس. وكان يقول:
_ عندما أبارز أحدا أختار المسدس، إذ بهذا السلاح أكون على ثقة من قتل خصمي.
وفي ذات مساء، دعا شابتين من صديقاته مع زوجيهما، بعد خروجهم من المسرح، إلى تناول شيء من المرطبات عند (تورتوني). ولم يمض على دخولهم المقهى بضع دقائق حتى لاحظوا أن سيدا، يجلس إلى منضدة قريبة منهم، ينظر بإلحاح ووقاحة إلى إحدى مدعواته، فاضطربت، واحمر وجهها، ثم أطرقت برأسها وأخيرا قالت لزوجها:
_ إن هذا الرجل يحدق بي النظر بوقاحة. إني لا أعرفه، فهل تعرفه أنت فرفع الزوج رأسه ونظر إلى الرجل وقال:
_ كلا، أبدا.
فقالت الشابة، وهي تبتسم ابتسامة مغتصبة:
_ إنه شيء مزعج حقا. إن هذا الغريب ينغص علي شرابي.
فرفع الزوج بكتفيه، وقال:
стр. 549
_ كفى، لا تهتمي به، إذ لو كان علينا أن نهتم بكل وقح نصادفه، فما كنا لننتهي من الحوادث.
ولكن الفيكونت نهض فجأة، إذ لم يستطع أن يقبل أن ينغص هذا المجهول شرابا قدمه. ولقد اعتبر أن هذه الإهانة قد وجهت إليه، ما دام دخول أصدقائه إلى هذا المقهى كان بدعوة منه وبسببه. فالحادث إذن لا يعني إلا إياه.
تقدم من الرجل وقال له:
_ إنك تنظر، يا سيدي، إلى هاتين السيدتين نظرة لا أستطيع تحملها. فأرجوك أن تقلع عن هذه النظرة الملحة.
فأجابه الرجل:
_ هل تريد أن تدعني بسلام، أيها الرجل.
فقال الفيكونت، وقد حد على أسنانه:
_ حذار، يا سيدي، إنك تدفعني إلى تجاوز حدود الأدب.
فلم يجب الرجل إلا بكلمة واحدة، كلمة بذيئة رن صداها في جميع أنحاء المقهى فأدار كل من في المقهى وجهه نحوهما، وحدقوا بهما، وفتل ثلاثة ندل على أكعابهم كما تدور الدوامة، وانتفضت السيدتان اللتان كانتا خلف منضدة الحسابات.
وساد المقهى صمت رهيب. ثم، وبشكل مفاجئ، رن صدى صفعة عنيفة في أجواء المقهى. لقد صفع الفيكونت خصمه. فنه الشرب للتدخل، بينما تبادل الخصمان بطاقتيهما.
* * *
ولما دخل الفيكونت إلى منزله، أخذ يسير في غرفته، بخطوات سريعة عصبية، وكان شديد الاضطراب، لا يستطيع التفكير في شيء، وحلقت في أجواء مخيلته فكرة واحدة: مبارزة، دون أن توقظ، في نفسه هذه الفكرة، شعوراً ما.
لقد قام بما كان عليه أن يقوم به، وأظهر نفسه بالمظهر اللائق بأمثاله. سوف يتكلمون عن عمله هذا، وسوف يقرونه عليه، ويهنئونه على ثأره لكرامته. . . وأخذ يعيد بصوت عال، كمن يتكلم وقد ملأت رأسه أفكار مضطربة هائجة:
_ ما أشد فظاظة هذا الرجل!. . .
стр. 550
ثم جلس على مقعد، في طرف الغرفة، وأخذ يفكر: يجب عليه، منذ الصباح أن يهيئ شهوده. فمن ينتقي؟. . . أخذ يبحث في ذاكرته عن الأشخاص الأكثر رزانة والأثر شهرة من بين معارفه. . . وأخيرا، انتقى المركيز دولاتور - نوار والضابط بوردان: سيد عظيم، وجندي كبير. . هذا أحسن حل سوف تنشر أسمائهم الصحف فيتضح لأصدقائه أنه أحسن الاختيار. عندئذ شعر بأنه عطشان فشرب: مرة أثر أخرى، ثلاثة أقداح من الماء، ثم نهض وعاد إلى السير. وشعر بنفسه أنه يتفجر نشاطا. وفجأة خطرت له خاطرة: لو أنه أظهر شجاعة فائقة، وتصميما راسخا على الوصول إلى هدفه مهما كلفه الأمر، ولو أنه طلب شروطا قاسية خطيرة، وأصر على أن تكون المبارزة جدية، جدية حقا ورهيبة، لو أنه أصر على كل هذا فلسوف ينسحب خصمه حتما ويعتذر.
أخذ بيده البطاقة - التي كان قد أخرجها من جيبه ورمى بها على المنضدة - وقرأها مرة أخرى، كما كان قرأها في المقهى بلمحة خاطفة، وفي العربة على ضوء مصابيح الشوارع وهو يعود إلى المنزل: جورج لاميل ٥١، شارع مونسي، لا شيء سوى هذه الكلمات.
وأخذ ينظر بتمعن إلى هذه الحروف المتجمعة، التي كانت تتراءى له كأنها سرية، ملأى بالمعاني المضطربة: جورج لاميل! من يكن هذا الرجل؟! وماذا يعمل؟ لماذا نظر إلى هذه المرأة بمثل هذا الإلحاح؟ أليس مما يثير النفس، أن يقدم غريب مجهول على تعكير صفو حياتك بمثل هذه الصورة، وبشكل مفاجئ لأنه حلاله أن ينظر بكل وقاحة إلى امرأة تجاوره! ثم ردد الفيكونت، مرة أخرى، وبصوت عال:
_ ما أشد فظاظته!.
ثم وقف مكانه جامداً، مفكراً، وقد ثبت ناظريه في البطاقة، فتأجج في فسه غضب شديد من هذه القطعة من الورق المقوى، غضب حقود مازجه شعور بالانزعاج غريب. . . كم كان هذا الحادث سخيفاً!. . . وأخذ موسى مفتوحة، وقعت يده عليها، وغرسها في وسط الاسم المطبوع على البطاقة، كأنه يطعن شخصا أمامه في قلبه.
إذن يجب عليه أن يبارز! وهل ينتخب لهذه المبارزة السيف أم المسدس؟ لأنه كان يعتبر نفسه مهانا فله إذن حق الاختيار. ولكن المبارزة بالسيف تكون قليلة الخطر، أما بالمسدس فله أمل واسع بأن يساعده الحظ على إجبار خصمه على التراجع والانسحاب. ومن النادر
стр. 551
جداً أن تفضي المبارزة بالسيف إلى الموت، إذ تمنع اليقظة والاحتياط المتبارزين الدنو من بعضهما لدرجة تتمكن معها ذبالة السيف من احتراق الجسم والغرض فيه. أما بالمسدس فيخاطر الإنسان بحياته بشكل جدي، ولكنه يستطيع، مع ذلك، أن ينهي قضيته، عن بعد، بشرف، دون الوصول إلى صدام.
ثم قال:
_ يجب أن أكون ثابت الجنان، عندئذ، حتما، يخاف.
ولكن نغمة صوته جعلته ينتفض مندهشا، وينظر إلى ما حوله. وشعر بنفسه أنه أصبح شديد الحساسية، فتناول قدحا آخر من الماء وشربه دفعة واحدة.
ثم بدأ ينزع ثيابه ويرتدي ثياب النوم.
ولم يكد يستلقي على سريره حتى أطفأ النور، وأغمض عينيه. . . وهو يقول في نفسه:
_ لدي يوم الغد بطوله كي أهتم بإنهاء هذه القضية. فلأنم الآن لأستيقظ غدا هادئ النفس.
شعر بحرارة شديدة في السرير، ولم يستطع النوم، فأخذ يتقلب على الفراش: يستلقي على ظهره، وبعد برهة وجيزة، ينقلب إلى جنبه الأيمن تارة ثم إلى جنبه الأيسر تارة أخرى.
إنه لا يزال يشعر بالعطش. نهض ليشرب ولما أصبح خارج السرير استولت عليه فكرة جديدة:
_ هل سأكون عرضة للخوف؟
لماذا أخذ قلبه يضرب بشدة لكل حركة مأنوسة في غرفته؟ إذ عندما توشك ساعة الجدار أن تدق، يرعبه صوت صرير النابض الذي يشتد ليحك المطرقة، ويضطر بعدها أن يفتح فمه ليستطيع التنفس مدة من الزمن ما دام يشعر بضيق في صدره من شدة الخوف والاضطراب.
وأخذ يناقش نفسه بنفسه عن الإمكانيات التي تجرها مثل هذه الحالة:
هل سيستولي علي الخوف؟
كلا بالتأكيد، سوف لا يستولي علي الخوف، ما دام قد قرر لأن يذهب في هذه القضية إلى نهايتها، وما دام يملك هذه الإرادة الجازمة في أن يبارز، وأن لا يضطرب. ولكنه، مع ذلك، كان يشعر بالاضطراب في قرارة نفسه، حتى أنه تساءل.
стр. 552
_ هل يخاف الإنسان بالرغم منه؟
واكتسحته موجة من الشك والقلق والرعب. فلو أن قوة أقوى من الإرادة تسلطت عليه، قوة كاسحة لا يمكن مقاومتها أو الوقوف في وجهها، فماذا يحصل؟ أجل، ماذا يحصل؟. . سوف يذهب إلى مكان المبارزة حتما، ما دام يريد الذهاب ولكن إذا فقد وعيه هناك؟! وأخذ يفكر في حالته عندئذ، وفي سمعته، وفي شهرته.
وتملكته رغبة غريبة مفاجئة، في أن يذهب إلى المرآة لينظر فيها إلى نفسه. وأضاء شمعته، ونظر في المرآة. ولكنه لم يعرف نفسه بصعوبة من الصورة التي عكستها له صفحة المرآة. وخيل إليه أنه لم يكن قد رأى نفسه قط. رأى عينين ضخمتين وارمتين، ووجه أصفر. بالتأكيد كان أصفر الوجه، صفرة فاقعة. . .
بقي واقفا أمام المرآة. ومد لسانه كأنه يريد أن يعرف منه حالته الصحية. . وفجأة لمعت في رأسه فكرة كما تلمع الرصاصة عند خروجها من فوهة المسدس:
_ بعد غد، وفي مثل هذه الساعة، من الممكن أن أصبح في عداد الأموات. هذا الإنسان الواقف أمامي، هذا الأنا الذي أراه في هذه المرآة سوف لا يكون حيا أبدا. كيف! ها أنا ذا إني أنظر إلى نفسي، إنني أشعر بنفسي إنني حي ولكن بعد أربع وعشرين ساعة سأكون ممددا فوق هذا السرير، ميتا، مغمض العينين، باردا، لا حراك بي، سأكون قد اختفيت من عالم الوجود.
أدار وجهه نحو السرير، فتراءى له أنه يرى نفسه، بكل وضوح، مستلقيا على ظهره، في نفس الأغطية التي تركها منذ لحظة، بوجه أجوف كوجوه الموتى ويدين رخوتين، لا تتحركان أبدا.
فاستولى عليه خوف شديد من سريرته، وغادر غرفة نومه إلى غرفة التدخين حتى لا يعود يراه. وتناول سيكارا فأشعله وأخذ يسير. شعر ببرد شديد يكتسح جسمه فذهب إلى الجرس ليقرعه ويوقظ خادمه، ولكنه توقف بعد أن امتدت يده إلى حبل الجرس:
_ سيلحظ الخادم أني خائف.
فلم يقرع الجرس، وأشعل المدفأة بنفسه. وشعر بأن يديه كانتا ترتجفان ارتجافا عصبيا، كلما كانتا تلمسان شيئا. وأحس برأسه كأنه يدور، وأصبحت أفكاره المضطربة سريعة
стр. 553
الانفلات، كثيرة التقلب المفاجئ، مؤلمة. . واكتسحت مخيلته نشوة هنيئة لينة كأنه سكران.
وكان لا يني يتساءل:
_ ماذا يجب علي أن أعمل؟ وماذا سيكون من لأمري؟
وكانت جميع أعضاء جسمه ترتجف، وقد اجتاحته اهتزازات متقطعة، فاتجه نحو النافذة واقترب منها، وأزاح الستائر عنها.
بدأت طلائع الصباح تظهر. . طلائع صباح يوم من أيام الصيف، وقد صبغت السماء الحمراء المدينة بلونها الأحمر، وكذلك صبغت السقوف والجدران، وأخذ بلف العالم المستيقظ نور لطيف أشبه بمداعبة الشمس المشرفة. وإلى جانب هذا النور الذي يستولي على العالم، استولى على قلب الفيكونت أمل باسم، سريع، مفاجئ! هل أصابته نوبة من الجنون حتى بدع نفسه هكذا فريسة الخوف والقلق والاضطراب، قبل أن يتقرر شيء نهائي، وقبل أن تجتمع شهوده بشهود جورج لاميل، وقبل أن يعلم ما إذا كان خصمه سيقبل المبارزة بشروطها القاسية؟
غسل وجهه، وارتدى ثيابه، وخرج بخطى ثابتة.
* * *
كلا يردد، وهو يسير:
_ يجب أن أكون مرحا ونشيطا. يجب أن أثبت أن الخوف لم يجد سبيلاً إلى نفسي. وضع شاهداه: المركيز والضابط، نفسيهما تحت تصرفه. وبعد أن صافحاه بحرارة، أخذا في مناقشة الشروط:
سأل الضابط:
_ هل تريد أن تكون المبارزة جدية؟
فأجابه الفيكونت:
_ أجل! جدية.
فقال المركيز:
_ وهل تصر على استعمال المسدس؟
_ نعم.
стр. 554
_ هل تترك لنا الحرية في تسوية بقية الأمور؟
فقال الفيكونت بصوت أجش متقطع:
_ عشرون خطوة. وعند الإيعاز يرفع السلاح بدل خفضه. تبادل إطلاق النار حتى يجرح أحدنا جرحا خطيرا.
فأعلن الضابط بصوت بهيج راض:
_ إنها شروط عظيمة. ولما كنت تجيد إطلاق النار، فجميع الظروف في جانبك.
ثم ودعاه، وذهبا، وعاد الفيكونت إلى منزله لينتظرهما. وأخذ اضطرابه، الذي هدأ نوعا مدة من الزمان، يشتد الآن من وقت لآخر، حتى أصبح يشعر بارتجاف واهتزاز متواصلين يكتسحان كيانه بكامله، فصعب عليه البقاء والجلوس أو الوقوف في مكان واحد. وأصبح لا يوجد في فمه أي أثر للعاب، وصار لا يستطيع تحريك لسانه في فمه إلا بشدة يخرج بعدها صوت ناشف فمن يريد أن يقتلعه من قبة الحنك.
أراد أن يفطر، فلم يستطع الأكل، ففكر في أن يشرب، لعل الشراب يعطيه شيئا من الجرأة، فأحضر زجاجة من الروم، ابتلع منها قدحا بعد قدح:
ستة أقداح صغيرة.
فشعر بحرارة محرقة تبعتها نشوة روحية. فقال في نفسه:
_ وجدت الآن الوسيلة. لقد سار كل شيء على ما يرام.
ولكن بعد ساعة كان قد أفرغ جميع ما في الزجاجة في جوفه، دون أن يصل إلى تخفيف اضطرابه وقلقة، فشعر برغبة جنونية في أن يمرغ نفسه على الأرض. . في أن يصرخ. . ويعض. وأخيرا بدأ يرخي سدوله على المدينة.
قرع الجرس، فأجفل واضطرب ولم يتمكن من النهوض لاستقبال شاهديه.
لم يجرؤ حتى على مخاطبتهم، ولا على القول لهم سعد نهاركم، وكذلك لم يجرؤ على أن يفتح فمه ولو بكلمة واحدة، خوفا من أن يلحظ أن شيئا قد تغير في نبرات صوته.
قال له الضابط:
_ لقد هيأنا كل شيء، حسب الشروط التي عينتها. لقد طلب خصمك، في أول الأمر، أن تكون له امتيازات المهان، ولكنه عدل حالا عن طلبه، ورضي بكل شروطك. وقد عين
стр. 555
شاهديه، وهما جنديان.
فلقط الفيكونت كلمة:
_ شكراً.
وقال المركيز:
_ نأسف على أننا لا نعمل إلا الدخول إلى منزلك والخروج منه، ولكن لا يزال علينا أن ننهي كثيراً من المهام. يجب أن نهيئ طبيبا ماهرا، ما دامت المبارزة لا تنتهي إلا بجرح خطير، وأنت تعلم أن الرصاص لا مزاح معه. وكذلك يجب أن نعين مكانا قريبا من أحد المنازل لكي ينقل إليه الجريح بالسرعة التي تدعو إليها الضرورة. . الخ. ولذا فلا نزال بحاجة إلى ساعتين من الزمان لإنهاء أعمالنا. .
فأعاد الفيكونت مرة ثانية:
_ شكراً.
فسأله الضابط:
_ هل تتمتع بصحة جيدة؟ وهل تشعر بهدوء وراحة؟
_ أجل أشعر بهدوء تام. شكراً.
وانسحب الرجلان.
وعندما رأى نفسه قد أصبح وحيداً مرة أخرى تراءى له أنه صار مجنوناً. وبعد أن أضاء له خادمه النور جلس خلف مكتبه ليكتب بعض الرسائل. تناول القلم وخط فوق صفحة من القرطاس: هذه هي وصيتي. ثم انتفض فجأة ونهض مطرباً وابتعد عن المكتب، وقد شعر بنفسه أنه عاجز حتى عن التوحيد بين فكرتين أو اتخاذ قرار ما أو تقرير أي شيء من الأشياء.
إذاً لقد تحقق الأمر ولسوف يذهب حتماً إلى المبارزة! إنه لم يتمكن من تفادي هذا الأمر. . . ماذا جرى له؟ كان يريد أن يبارز ولكن إرادته هذه قد توقفت تماماً الآن، وأصبح يشعر شعوراً واضحاً_رغم كل مجهود فكري، وكل إرادة قوية - بأنه سوف لا يستطيع المحافظة حتى على قواه الضرورية التي تساعده على الوصول إلى مكان المبارزة. . . أخذ يجهد أفكاره ليتخيل المبارزة ويتخيل وضعه ووضع خصمه.
стр. 556
وأخذت أسنانه تصطك في فمه من وقت لآخر. . . أراد أن يقرأ شيئاً يتعلق بالمبارزة فتناول كتاب: قانون المبارزة لمؤلفه شاتوقيار. ثم تساءل:
_ هل كان خصمي يرتاد أماكن الرمي بالرصاص؟ وهل حاز على درجات فيها؟ كيف أستطيع معرفة ذلك؟
فتذكر كتاب البارون دوفو على أبطال الرمي بالمسدس فتصفحه من أوله إلى آخره. جورج لاميل لم يجد هذا الاسم بين أسماء الأبطال المسجلين في الكتاب. ولكن بالرغم من هذا إذا لم يكن الرجل من أبطال الرمي بالمسدس لما قبل بهذه السرعة المبارزة بهذا السلاح الخطر وبشروطي القاتلة!!
ثم فتح وهو يسير في الغرفة عليه مسجلاً عليها اسم محل غاستين رونيت كانت موضوعة فوق منضدة صغيرة إلى جانب مكتبه، وتناول منها أحد المسدسين الموجودين فيها، وأخذ وضع من يريد أن يطلق النار ورفع يده بالمسدس ولكنه كان يرتجف من قمة رأسه حتى أخمص قدميه وكانت فوهة المسدس تهتز وتضطرب بيده المرتجفة. عندئذ قال في نفسه:
_ مستحيل. لا أستطيع المبارزة وأنا على هذه الحالة من الاضطراب.
ثم أدار المسدس نحو وجهه وأخذ ينظر في فوهته، ينظر إلى هذا الثقب الصغير الأسود العميق، الذي يبصق منه الموت، وأخذ يفكر كيف سيلطخ اسمه بالعار وكيف ستلوك سمعته الألسنة في النوادي، وكيف سيقابل في ضحكات الهزء والسخرية في (الصالونات) وكيف ستحقره النساء وستعرض به الصحف وكيف سيقذف الجبناء في وجهه بالشتائم والسب.
إنه لا يزال ينظر إلى المسدس، ثم رفع الزناد فرأى تحته كبسولة حمراء تلمع كأنها شعلة صغيرة من نار. فالمسدس إذاً محشو، صدفة أو نسياناً، فشعر لهذا بفرح مبهم غامض.
إذ لم يقف أمام خصمه الموقف النبيل الهادئ الذي يجب أن يقف عليه، يكون قد أضاع نفسه إلى الأبد، يكون قد لطخ اسمه ووسم نفسه بميسم العار، ويطرد بعدها من المحيط الذي يعيش فيه! لكنه بالتأكيد لا يستطيع الوقوف بهذا الموقف الهادئ العنيد، إنه يعلم ذلك ويشعر به منذ الآن. ومع ذلك فقد كان شجاعاً، ما دام. . . ولكن الفكرة التي خطرت له لم تتم في ذهنه، إذ فتح فمه إلى أقصى حد يستطيعه وأدخل فيه فجأة فوهة المسدس حتى وصلت إلى حنجرته ثم ضغط على الزناد. . .
стр. 557
وعندما أسرع خادمه إلى الغرفة بعد أن سمع صوت الطلق الناري وجده قد فارق الحياة وقد انقلب على ظهره، ولوثت دفعة من الدم الورقة البيضاء الموجودة فوق مكتبه، ورسمت بقعة كبيرة حمراء فوق هذه الكلمات:
هذه هي وصيتي
خالد علي
стр. 558
نادي المعلمين
للأستاذ سعيد القضماني
بهذا العدد المزدوج الممتاز تطوي المعرفة سنتها الأولى وهي على خير ما تختتم مجلة سنتها في هذا البلد، وفي مثل هذه الظروف حيث تعثرت فيها صناعة الفكر والتوت سبل النشر.
وما كان ليستقيم لنا أمر المجلة وتطرد فيها أسباب الحياة، لولا صحة العزم وتضافر الجهد ونبل الغاية. وأعضاء أسرة التعليم هم الذين حققوا لك العزم الأكيد، والتعاون الوطيد، والغاية النبيلة الخالصة فالمجلة انبثقت عنهم وتحققت بهم والنفع إليهم آخر الأمر فهي منهم وبهم وإليهم.
وإذا كانت المجلة رمزاً للتعاون المشترك بين أسرة التعليم كافة من مسؤول شجع وآزر، وأستاذ أيد وحرر ومعلم عمل وبذل ومعلمة دعت واشتركت فهي أيضاً الدليل البين الحي على قدرة الأسرة لأن تنهض بجلائل الأعمال وتحقق خير المشاريع وأبدعها غاية.
وما كنت لأرغب بأن أقحم الحديث عن المجلة في مستهل البحث لولا رغبتي في أن أقرر في الأذهان قدرة أسرة التعليم على القيام بالأعباء وأن أدلل على القوة الكامنة في أوساط المعلمين والمعلمات التي يجب أن تنجمع وتتكتل وتوجه لصالح الأمة أولاً ولصالح الأسرة آخراً.
أما المشروع الجديد الذي ندعو أسرة التعليم لتحقيقه فهو إقامة نادي للمعلمين أو أندية لهم على الأصح.
وفكرة إقامة أندية للمعلمين ليست بالفكرة الطارئة بل ترجع إلى عشر من السنوات عندما هبت على البلاد نسمة طرية منعشة من الحرية وانزاح عنها شيء من كابوس بغيض ثقيل وكان انبثاق فكرة النادي مع انبثاق فكرة هيئة التعليم وإذ كانت الحياة قد توفرت لهيئة التعليم فإن عقبات وصعاباً أقيمت في وجه قيام النادي فلقد رأى المسئولون وقتئذ أن تكتل المعلمين الطبقة المثقفة الواعية قد يدفع بهم لأن يكون لهم رأي في الوضع القائم لا ينسجم مع رأي الدولة السائدة. فكان جواب وزير المعارف لوفد المعلمين الذي حمل إليه فكرة تأسيس النادي اذهبوا فمدارسكم أنديتكم كان هذا الجواب منذ عشر سنوات خلت مرت بهذه
стр. 559
البلاد، والعالم أجمع بتجارب قاسية نضج فيها الوعي واتسعت الصدور وانفسحت رحاب التفكير عند الرعية والرعاة.
بالأمس تكرم فخامة الرئيس الأول فافتتح نادي المحامين الذي ضم شمل رجال القانون على اختلاف ألوانهم الحزبية ومنازعهم السياسية، ثم تبرعت لهم الدولة بأرض تشاد عليها بناية للنادي. وبالأمس أيضاً تفضل جلالة الملك فاروق فافتتح في القاهرة نادياً فخماً ضخماً للمعلمين باحتفال فخم ضخم مهيب، ساق فيه وزير المعارف كلمات حلوة مشجعة أنصف فيها فئة المعلمين والفئة الكادحة المغبونة الراحمة المظلومة.
ومنذ زمن بعيد نجد أندية المعلمين منتشرة في العراق لا تقتصر على العاصمة بغداد، بل يقوم للمعلمين ناد في كل مركز من مراكز الألوية والأقاليم.
إن إنشاء نادي للمعلمين تدعو إليه حاجات ملحة وتقتضيه ضرورة قاهرة: مادية وأدبية ومسلكية وثقافية واجتماعية وترفيهية أيضاً.
فالنادي ضرورة مادية لأن كل فئة أو جماعة من الناس لا تستطيع أن تصل إلى حقها المادي ما لم تفرض وجودها واحترامها على الناس عن طريق اتحادها وتضامنها، وتلك سنة طبيعية تسير عليها نواميس الحياة، ونرى لها شواهد كل يوم في منطق الحوادث وواقع الأمور.
والنادي ضرورة أدبية لأنه من غير الجائز ألا تحتل أسرة التعليم مكانتها الأدبية في المجتمع، وهي خير أسرة تجمع بين أفرادها وحدة الثقافة ووحدة الغاية وهذا العمل الشاق الخطير النبيل. وإنها لظاهرة تدعو إلى الفخر والألم معاً ذلك أن غالبية الأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية وحتى بعض السياسية، يساهم في توجيهها والإشراف عليها والعمل فيها نفر من أسرة التعليم فمن الحق والمنطق أن يتجمع هذا الجهد ويتركز هذا النشاط في نادي المعلمين المنتظر.
والنادي ضرورة مسلكية: إذ من البداهة أن اجتماع أبناء السلك الواحد في نادي واحد، مما يعود بالنفع على السلك نفسه، فيتداول الملمون مشاكل المهنة ويتذاكرون في طرق معالجتها. ثم إن مكتبة النادي تؤمن لهم الإطلاع على أحسن كتب التربية الحديثة وأرقى لمجالات المسلكية عدا عن المحاضرات وعقد المؤتمرات التربوية.
стр. 560
والنادي ضرورة ثقافية: إذ لا يكفي أن يقتصر المعلم على الثقافة المسلكية، بل من الواجب أن ينهل من موارد الثقافة العامة ويجول في أفق المعرفة الرحيب وقديماً قيل: المعلم تلميذ دائم فالنادي يسهل لهذا المعلم التلميذ جواً ثقافياً ملائماً.
وسعة الإطلاع عدا عن أنها ضرورية للمعلم لتعينه في مهنته، وهي أشد ضرورة له لتجلي ما يعتري النفوس والعقول من صدأ العمل الآلي الرتيب ومتاعب ذاك الصراع الدائم بين أن نرفع الأطفال إلى مستوانا أو أن ننخفض إلى مستواهم.
والنادي ضرورة اجتماعية: وهل من هو أجدر من المعلم لأن يشارك في حياة المجتمع ويندمج في مظاهر النشاط الاجتماعي العام حتى يستطيع أن يطبق مبدأ المدرسة إعداد للحياة الذي يتطلب منه مشاركة في ألوان الحياة وتفهماً لحاجاتها ليتمكن من إعداد الجيل وفق مقتضيات المجتمع ومن جهة أخرى فإن لمشاركة في مظاهر النشاط الاجتماعي، يخرج بجمهرة المعلمين من آفة الانطواء على النفس التي إذا أضيفت إلى متاعب المهنة وآليتها كانت لها أسوأ النتائج.
والنادي أخيراً ضرورة ترفيهية: فالمعلم جدير بالترفيه الخالص والتسلية البريئة لأنه يعمل بعقله وأعصابه. فمن حقه أن يفتش عن راحة لهذا العقل المتعب والأعصاب المرهقة إذا ما انفلت مساء من جوه المدرسي وانطلق إلى ناديه الذي يجب أن يضم كل أنواع التسلية والذي سيكون له فريقه الموسيقي والتمثيلي والرياضي، والذي سينظم الرحلات ويقوم بالزيارات في داخل البلاد وفي العالم العربي.
سعيد القضماني
стр. 561
الحد الأدنى لمستوى المعيشة
أول حق يجب أن يتمتع به المواطنون، وهو أهم دعامة لتحقق العدالة الاجتماعية هو عدم الهبوط عن حد أدنى لمستوى المعيشة المادية. فالفقر أسس الرذيلة والعوز المادي من أشد عوامل السقوط وأقوى الدوافع على الإجرام، والفقر مرض من أشد الأمراض والفاقة آفة من أفتك الآفات. وفي جميع شعوب العالم نجد أن عظمة الدولة ورقيها وهيبتها حكومة وشعباً يصحبها دائماً ارتفاع في مستوى معيشة الشعب أو على الأقل الأغلبية الساحقة منه. أما الدول المتأخرة الضعيفة فتتميز دائماً بانحطاط مستوى المعيشة لعامة شعوبها وفقرهم، وكلما كانت الدولة غنية في مواردها الطبيعية وفقيرة في شعبها كلما كان عارها عظيماً حكومة وشعباً وكلما كانت فريسة للسطو والاستعمار.
стр. 562
أيصبح معلما
للأستاذ رشاد الأسطواني
لست أدري لماذا وقع اختيارك علي في توجيه هذا السؤال؟ إن ما أعرفه عنك أنك رجل قد أتيحت له الحياة الرياضية، وتستقبل نهارك مغتبطا مبتهجا، وتقضي أيامك فرحا جذلا، فكيف ترغب لابنك الشقاء والعذاب وشظف العيش ومرارة الحرمان،
وتود أن تدفع به إلى عمل مضن، لا يؤمن له حتى الكفاف؟ فاسمع أيها الصديق قصة معلم قضى عشرين سنة في مهنة التعليم ثم اختر لابنك ما يحلو!. .
إن مهنة التعليم من أجل المهن أسماها، ومركز صاحبها من أكبر وأعظم وأقدر المراكز. فهو منشئ النفوس، وباعث الحياة، وقائد الزمن، وموقظ العقول، وممهد الطرق الوعرة، ومعبد المسالك المحفوفة بالمخاطر، وهو أرفع الناس شأنا، وأعزهم مكانا، لما ينقشه على الصدور، وينفخه في الأرواح، ويخلقه في الجيل.
وهو الذي يقاتل الجهل، ويحارب الأمية، ويقضي حياته في خدمة أمته وأبناء وطنه وتقدم بلاده. وهو الذي جاهد وناضل وكافح وجاد بالنفس والنفيس، حتى كتب النصر لنا وأقصي المستعمر الغاشم عن بلادنا بدون ردة. وقد صدق بسمارك في قوله: لقد غلبنا جارتنا بمعلم المدرسة. وهو الذي اعترف النبي محمد ﷺ بفضله لما رأى مجلسين: أحدهما فيه قوم يدعون الله ويرغبون إليه، وفي الثاني جماعة يعلمون الناس فقال: إنما بعثت معلما ثم عدل إليهم وجلس معهم. وهو الذي شاد بذكره مارتن لوثر المصلح الألماني وجعله في مصاف القادة الروحيين إذ قال: لو أتيحت لي الفرصة في ترك وظيفة الوعظ والإرشاد، ما اخترت مهنة غير مهنة التعليم. وهو الذي طلب إليه العالم الاسرائيلي هي بن شريرا المكافأة على عمله، لأن ما يقدم إليه في الحقيقة يقدم إلى الأبناء. فلا غرابة إذن، إذا أوصى العالم السويسري المشهور أجاسيز ألا يكتب على قبره إلا كلمة واحدة، هي كلمة معلم. ولا غرابة أيضاً إذ قال المغفور له الملك فيصل الأول: لو لم أكن ملكاً لكنت معلماً.
* * *
أما في سورية، فقد تعودنا حكومة وشعبا أن نحقر أمر التعليم الابتدائي، ونحقر القائمين
стр. 563
عليه والمتفرغين له، ونبتذلهم ونستهين بهم، وننظر إليهم كنظرتنا إلى خوجه أفندي العثمانيين، ونجعلهم يشعرون أنهم مراكز متواضعة، وأنهم من طبقة منحطة ذليلة، ونعتبر عملهم من أسهل وأيسر وأبسط الأعمال.
أيها الصديق! لم أفكر أبدا أن أكون موظفا في يوم من الأيام، لأني لا أعد الوظائف الحكومية حتى مناصبها الرفيعة غنما عظيما كما يعدها العاجزون فاخترت بادئ ذي بدء التجارة، وعملت عند أحد تجار دمشق ثلاثة أشهر لم أتعلم خلالها سوى تنظيف البلاط، ومسح الزجاج، وعرض البضائع، وترديد: هذا بخمسة وذاك بستة، وتلك بعشرة، والسعر محدود، والدين ممنوع، والعتب مرفوع، والرزق على الله. فسئمت هذا النوع من التجارة ومللته. وأخذت أبحث عن عمل آخر أكسب منه رزقي، فسدت جميع الأبواب في وجهي، إلا باب التعليم، فدخلته مكرها وبعد اجتياز مسابقة. دخلته لأتاجر في العقول والأرواح والمشاعر، دخلته لأربح نفوسا وقلوبا. ولكني لم أخلق لهذه التجارة ولم أعد إعدادا خاصا لها ولا أعرف شيئا عن خفاياها. فأخذت أخيط خيط عشواء، أحشو أذهان الطلاب بألفاظ وعبارات دون الاهتمام بمدلولاتها وبمعانيها، وأشحن أدمغتهم بقواعد جافة مجردة، وأدفعهم إلى العلم دفعا، وأكلفهم حمل ما لا طاقة لهم به، وأحملهم على إدراك ما لا تقوى عليه مداركهم من غير مراعاة لميولهم ونزعاتهم وسنهم وحالهم الصحية ومستواهم العقلي والبيئة التي يعيشون فيها، حاملا الكتاب بيميني والعصا بشمالي، مهددا بالعقاب الصارم، مرغما على إظهار الخضوع والإطاعة العمياء، داعيا إلى حفظ النظام. وهكذا أخذت أتلف العقول، وأفسد النفوس حتى ضاقت نفسي اضطرب عقلي، وأخذت أشكو من الزمن الذي رماني بهذه التجارة الفاشلة المفلسة، وأسب القدر الذي بلاني بها، مفتشا عن طريق النجاة والخلاص، إلى أن أتيح لي من ولد في نفسي حب الأطفال وتعليمهم، ومن أرشدني إلى أقوم الطريق وأحسنها، ومن دفعني إلى البحث والدرس والتنقيب والإطلاع، ومن وضع بين يدي الكتب العلمية والاجتماعية والأدبية، وكتب التربية وعلم النفس، ومن أهداني إلى المجلات المسلكية حتى أصبح تدريسي خصبا منتجا، وعملي منظما مرتبا والمناهج التي بين يدي حية مثمرة. وانقلب شقائي وعذابي إلى لذة وسعادة، وخسارتي إلى ربح، وفشلي إلى نجاح.
стр. 564
قضيت مدة على هذا المنوال، عشت فيها عيشة راضية، أتقاضى أجرا يلائم عملي، ويؤمن لي منزلا فخما ومأكلا شهيا وملبسا فاخرا.
والمعلم إنسان كغيره من الناس، له الحق المطلق في أن يعيش ويتزوج. أقدمت على الزواج ولم أفكر أن أقدم عليه تحسينا لحالتي المادية، ولم أطلب به مالا أدخره، أو صفقة تجارية أربحها، أو مكانا مرموقا في المجتمع أظفر به، بل حبا بالحياة المشتركة وبناء أسرة جديدة. . .
لم تدم الحياة الراضية، والنعمة السابغة طويلاً بعد الزواج، إذ أعلنت الحرب، وارتفعت الأسعار، وأثقلت الأسرة، وأصبح الراتب لا يفي ثمن خبز أفرادها.
فأخذت أبيع مما ورثته وأنفق في سبيل تربية أبنائي وبناتي وتعليمهم خيرا مما ربيت وعلمت. وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى ضاع مني كل ما أملك من حطام الدنيا. ها قد جاء دوري في الإفلاس، ولكن تجارتي في العقول والأرواح والمشاعر بقيت محافظة على ازدهارها. . وها أني أحيا حياة ثقيلة مملوءة بالظلمات والمتاعب، لا أنعم بلحظة من سرور، ولم تعد تغمرني موجة من فرح أو حبور، أعيش ولا أدري لماذا أنا عائش، ولا لماذا يبقيني الزمان. ولا أرى عندما أغفو سوى وجوه الدائنين وهم ينظرون إلي شذراً وكل منهم يلوك كلمات يحاول توجيهها. أوليس الموت أحب من الحياة؟. وما قيمة الشباب الذي يذوي ويفنى بالوجوم والحزن وذهول العقل؟. وما قيمة الشاب الذي يقضي شهرا كاملا مطأطئ الرأس منتظرا الراتب الذي يؤمن له اللقمة السوداء. أين الديموقراطية التي تكفل للناس الحياة القابلة للتطور والرقي من ناحيتها المادية ومن ناحيتها المعنوية؟ أين الديموقراطية التي لا تكتفي إذا بلغ الفرد طورا من أطوار الحياة المادية أن يقف عنده ولا يعدوه حتى يموت وتمكنه. يجوزه إلى غيره خير منه؟
كيف يراد مني أن أبعث الحياة والنشاط في نفوس أبناء الأمة، إذا كنت أقاسي شظف العيش ومرارة الحرمان!. وكيف يراد مني أن أؤتمن على التلميذ، وأحميه، وأحيطه، وأربيه، وأتعهده بالرعاية والعناية حتى يصبح رجلا نافعا لأمته ووطنه، وأولادي في البيت يئنون من شدة المرض، لا طبيب يعودهم، ولا علاج يمكن آلامهم، ولا غذاء يملأ بطونهم، ولا كساء يحميهم من شدة البرد!.
стр. 565
فحياتي أصبحت حياة هموم وأكدار، كلها كد وجد وإرهاق، تسير على وتيرة واحدة. فليس هناك أي تجدد أو تنوع. وإنما هو جهد يبذل دائما في غير شوق، وإرهاق يعاني في غير لذة أو بهجة. أبذل أكثر مما أنال، وآخذ أقل مما أستحق.
وقد تقول لي - أيها الصديق - ألم تر تمتع رفاق لك بالمناصب الرفيعة يجنون ما جهدت في سبيله وإياهم وأنت أنت لا تحول ولا تبدل؟
أجل! إن في هذا البلد رجالا يفهمون من الحياة النسيان والغدر والخداع، إذا ابتسم الدهر لأحدهم بنى سراعاً بينه وبين ماضيه سدا يخيل إليه أنه سد منيع، وأخذ يتلكع وراء هذا السد الصفيق، ضاربا بالذكريات والأخوة عرض الحائط، وجاعلا من حطام الصداقة سدى أثرته الكريهة ولحمة نفعيته المقيتة. وهؤلاء هم أقسى الناس قلبا، وأعظمهم كيدا، وأكثرهم دهاء ومكرا، يبطنون ما لا يظهرون، ويظهرون ما لا يبطنون، لا يقلقهم بؤس البائسين، ولا تزعجهم نكبات المنكوبين.
* * *
أيها الصديق! هذا حالي، وما آل إليه أمري من فقر وبؤس وشقاء وعذاب بعد قضاء عشرين سنة في مهنة التعليم!. .
أجل إن التعليم صناعة شريفة، وفن جميل، به نصنع النفوس، ونزين الأرواح غير أن المعلم إنسان لا يقدر أن يحيا دونما يأكل، ولا يستطيع العيش من الماء النقي والهواء الطلق، إن للمعلم حاجات يكتفي بالأقل القليل منها، ولا بد من إقامة عوزه وإرضاء رغباته الأساسية الأولى، وإذا كانت هذه هي الحقيقة المرة، فالخير كل الخير في مجابهتها وعلاجها، ذلك لأن التعليم - في وضعه الحالي على الأقل - عمل مضن شاق، لا يجد فيه صاحبه ما يسد به رمقه، فأشفق على ابنك وارحمه من هذا المصير المحزن أو اختر له ما يحلو. .
رشاد الأسطواني
следующие страницы →