كذبهم في الرواية عن رسول الله ﷺ -
وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم.
ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب قال أبو حاتم الرازي: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال أشهب ابن عبد العزيز: سئل مالك عن الرافضة؟ فقال: لا تكلمهم ولا تروِ عنهم فإنهم يكذبون. وقال أبو حاتم: حدثنا حرملة، قال:
стр. 107
سمعت الشافعي يقول: لم أرَ أحدًا أشهد بالزور من الرافضة. وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: نكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون. وقال محمد بن سعيد الأصبهاني سمعت شريكا يقول: أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا. وشريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي قاضي الكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه أنا من الشيعة وهذا شهادته فيهم. وقال أبو معاوية: سمعت الأعمش يقول: أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين- يعني أصحاب المغيرة بن سعيد.
وقال الأعمش: ولا عليكم أن تذكروا هذا فإني لا آمنهم أن يقولوا إنا أصبنا الأعمش مع امرأة.
وهذه الآثار ثابتة قد رواها أبو عبد الله بن بطة في «الإبانة الكبرى» هو وغيره.
والمقصود هنا أن العلماء كلهم متفقون على أن الكذب في الرافضة أظهر منهم في سائر طوائف أهل القبلة.
ومن تأمل كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة والنقلة وأحوالهم مثل كتب يحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني ويحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازي والنسائي وأبي حاتم بن حبان وأبي أحمد بن عدي والدارقطني وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي ويعقوب بن سفيان الفسوي وأحمد بن عبد الله بن صالح العجلي والعقيلي ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي والحاكم النيسابوري والحافظ عبد الغني بن سعيد المصري وأمثال هؤلاء الذين هم جهابذة ونقاد، وأهل معرفة بأحوال الإسناد، رأوا المعروف عندهم
стр. 108
بالكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف، حتى إن أصحاب الصحيح كالبخاري لم يروِ عن أحد من قدماء الشيعة مثل عاصم بن ضمرة والحارث الأعور وعبد الله بن سلمة وأمثالهم مع أن هؤلاء من خيار الشيعة؛ وإنما يروون عن أهل البيت كالحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع أو عن أصحاب ابن مسعود كعبيدة السلماني والحارث بن قيس أو عمن يشبه هؤلاء. وهؤلاء أئمة النقل ونقاده من أبعد الناس عن الهوى، وأخبرهم بالناس، وأقولهم بالحق، لا يخافون في الله لومة لائم (١) .
стр. 109
و لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة
الرافضة لا ينظرون في الإسناد ولا في سائر الأدلة الشرعية والعقلية ...
ولهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة قط؛ بل كل إسناد متصل لهم فلا بد أن يكون فيه ما هو معروف بالكذب أو كثرة الغلط وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى فإنه ليس لهم إسناد، والإسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة.
والرافضة من أقل الناس عناية إذ كانوا لا يصدقون إلا بما يوافق أهواءهم، وعلامة كذبه أنه يخالف هواهم.
ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.
ثم إن أولهم كانوا كثيري الكذب فانتقلت أحاديثهم إلى قوم لا يعرفون الصحيح من السقيم، فلم يمكنهم التمييز إلا بتصديق الجميع أو تكذيب الجميع والاستدلال على ذلك بدليل منفصل غير الإسناد (١) .
стр. 110
كذبهم على الصحابة والقرابة وعلى أبي ذر وسلمان وعمار
لم نعلم أحدًا أنكر قتال أهل اليمامة وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة وأنهم قاتلوه على ذلك؛ لكن هؤلاء الرافضة بجحدهم لهذا وجهلهم به بمنزلة إنكارهم كوْن أبي بكر وعمر دفنا عند النبي ﷺ ، وإنكارهم لموالاة أبي بكر وعمر للنبي ﷺ .
ثم منهم من ينكر أن تكون زينب ورقية وأم كلثوم من بنات النبي ﷺ ويقولون: إنهن من خديجة من زوجها الذي كان كافرًا قبل النبي ﷺ .
ومنهم من يقول إن عمر غصب بنت علي حتى زوجه بها وأنه تزوج غصبًا في الإسلام.
ومنهم من يقول إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت، وهدموا بيتها على من فيه، وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها كذب.
فهم دائمًا يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها، وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها، فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ (١) .
стр. 111
والشيعة وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان وعمار وغيرهم فمن المتواتر أن هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيمًا لأبي بكر وعمر واتباعًا لهما؛ وإنما ينقل عن بعضهم التعنت على عثمان لا على أبي بكر وعمر.
ومن النصيرية من يقول: إن الحسن والحسين ما كانا أولاد علي بل أولاد سلمان الفارسي. ومنهم من يقول: إن أبا بكر وعمر ليسا مدفونين مع النبي ﷺ . ومنهم من يقول: إن عليًا لم يمت، وكذلك يقولون عن غيره (١) .
стр. 112
تعصب الرافضة، وحماقاتهم
لا نعلم طائفة أعظم تعصبًا في الباطل من الرافضة- حتى إنهم دون سائر الطوئف عرف عنهم شهادة الزور لموافقهم على مخالفهم، وليس في التعصب أعظم من الكذب.
وحتى إنهم في التعصب جعلوا للبنت جميع الميراث ليقولوا إن فاطمة ﵂ ورثت رسول الله ﷺ دون عمه العباس ﵁.
وحتى إن فيهم من حرَّم لحم الجمل لأن عائشة قاتلت على جمل- فخالفوا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة والقرابة لأمر لا يناسب، فإن ذلك الجمل الذي ركبته عائشة ﵂ مات، ولو فرض أنه حي فركوب الكفار على الجمال لا يوجب تحريمها. وما زال الكفار يركبون الجمال ويغنمها المسلمون منهم ولحمها حلال لهم. فأي شيء في ركوب عائشة للجمل يوجب تحريم لحمه؟!
وغاية ما يفرضون أن بعض ما يجعلونه كافرًا ركب جملاً، مع أنهم كاذبون مفترون فيما يرمون به أم المؤمنين ﵂.
ومن تعصبهم وجهلهم أنهم يبغضون بني أمية كلهم لكَوْن بعضهم كان ممن يبغض عليًا وقد كان في بني أمية قوم صالحون ماتوا قبل الفتنة، وكان بنو أمية أكثر القبائل عملاً للنبي ﷺ ، فإنه لما فتح مكة استعمل عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وأخويه أبان وسعيد على
стр. 113
أعمال أُخَر، واستعمل أبا سفيان بن حرب بن أمية على نجران، وابنه يزيد ومات وهو عليها، وصاهر النبي ﷺ ببناته الثلاث لبني أمية زوج ابنتيه لعثمان بن عفان واحدة بعد واحدة وقال لو كانت عندنا ثالثة لزوجناها عثمان، وزوج أكبر بناته زينب بأبي العاص بن الربيع.
ومن جهلهم وتعصبهم يبغضون أهل الشام لكونهم كان فيهم من كان يبغض عليًا. ومعلوم أن مكة كان فيها كفار ومؤمنون وكذلك المدينة كان فيها مؤمنون ومنافقون. والشام في هذه الأعصار لم يبق فيها من يتظاهر ببغض علي، ولكن لفرط جهلهم يسحبون ذيل البعض.
وكذلك من جهلهم أنهم يذمون من ينتفع بشيء من آثار بني أمية كالشرب من نهر يزيد، ويزيد لم يحفره ولكن وسَّعه.
وكالصلاة في جامع بني أمية، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي إلى الكعبة التي بناها المشركون، وكان يسكن في المساكن التي بنوها، وكان يشرب من ماء الآبار التي حفروها، ويلبس من الثياب التي نسجوها ويعامل بالدراهم التي ضربوها ...
فلو فرض أن يزيدَ كان كافرًا وحفر نهرًا لم يُكره الشرب منه بإجماع المسلمين.
ولقد حدثني ثقة أنه كان لواحد منهم كلب فدعاه آخر منهم (بكير، بكير) فقال صاحب الكلب أتسمي كلبي بأسماء أهل النار؟ فاقتتلا على ذلك حتى جرى بينهما دم- فهل يكون أجهل من هؤلاء؟!
والنبي ﷺ يسمى أصحابه بأسماء قد تسمى بها قوم من أهل
стр. 114
النار الذين ذكرهم الله في القرآن كالوحيد الذي ذكره الله في القرآن في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (١) واسمه الوليد بن المغيرة، وكان النبي ﷺ يدعو لابن هذا واسمه أيضًا الوليد ويسمى الابن والأب في الصلاة ويقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد كما ثبت ذلك في الصحيح (٢) .
ومن فرط جهلهم وتعصبهم أنهم يعمدون إلى يوم أحبَ الله صيامه فيرون فطره كيوم عاشوراء، وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن النبي ﷺ لما دخل المدينة وإذا ناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه فقال النبي ﷺ : «نحن أحق بصومه وأمر بصومه» أخرجه البخاري (٣) .
ومن فرط جهلهم وتعصبهم أنهم يعمدون إلى دابة عجماء فيؤذونها بغير الحق إذ جعلوها بمنزلة من يبغضونها كما يعمدون إلى نعجة حمراء يسمونها عائشة وينتفون شعرها.
ويعمدون إلى دواب لهم يسمون بعضها أبا بكر وبعضها عمر ويضربونها بغير حق جعلاً منهم تلك العقوبة لأبي بكر وعمر.
ويصورون صورة إنسان من جبس يجعلونه عمر ويبعجون بطنه ويزعمون أنهم يأكلون لحمه ويشربون دمه.
وتارة يكتبون أسماءه على أسفل أرجلهم، حتى إن بعض الولاة جعل يضرب رجلَيْ من فعل ذلك ويقول إنما ضربت أبا بكر وعمر ولا أزال أضربهما حتى أعدمهما.
стр. 115
ومنهم من يسمى كلابه باسم أبي بكر وعمر ويلعنهما.
وإذا تسمى رجل عندهم باسم علي أو جعفر أو حسن أوحسين أو نحو تلك عاملوه وأكرموه ولا دليل لهم على ذلك أنه منهم.
ومن ذلك أن بعضهم لا يوقد خشب الطرفاء؛ لأنه بلغه أن دم الحسين وقع على شجرة الطرفاء. ومعلوم أن تلك الشجرة بعينها لا يُكره وقودها ولو كان عليها أي دم كان، فكيف بسائر الشجر الذي لم يصبه الدم.
ومن حماقاتهم كراهتهم لأن يتكلم أو يفعل شيئًا عدده عشرة حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة ولا بعشرة جذوع، ونحو ذلك لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة إلا عليًا. واسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١) .
ومن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة وهم يبغضون التسعة من العشرة.
ومن حماقاتهم إقامة المآتم والنياحة على من قتل من سنين عديدة ومعلوم أنه قد قتل من الأنبياء وغير الأنبياء ظلمًا وعدوانًا من هو أفضل من الحسين قُتل أبوه ظلمًا وهو أفضل منه وقتل عثمان ظلمًا وكان قتله أول الفتن العظيمة، وما فعل أحد لا من المسلمين ولا غيرهم مأتمًا ولا نياحة على ميت ولا قتيل بعد مدة طويلة من قتله إلا هؤلاء الحمقى الذين لو كانوا من الطير لكانوا رخمًا، ولو كانوا من البهائم
стр. 116
لكانوا حُمُرًا (١) .
ومن حماقاتهم أنهم يجعلون للمنتظر عدة مشاهد ينتظرونه فيها كالسرداب الذي بسامراء الذي يزعمون أنه غائب فيه ومشاهد أُخَر.
ومن المعلوم أنه لو كان موجودًا وقد أمره الله بالخروج فإنه يخرج سواء نادوه أو لم ينادوه (٢) .
ومما ينبغي أن يُعرف أن ما يوجد في جنس الشيعة من الأقوال والأفعال المذمومة قد لا يكون هذا كله في الإمامية الاثنى عشرية ولا الزيدية ولكن يكون كثير منه في الغالية وفي كثير من عوامهم مثل ما ذكر عنهم من تحريم لحم الجمل وأن الطلاق يشترط فيه رضا المرأة ونحو ذلك مما يقوله من عوامهم وإن كان علماؤهم لا يقولون ذلك، ولكن لما كان أصل مذهبهم مستندًا إلى جهل كانوا أكثر الطوائف كذبًا وجهلاً (٣) .
стр. 117
قصدهم من إقامة المآتم والنياحة على الحسين
الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكا والعطش وإنشاد المراثي وما يفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنهم وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب حتى يسب السابقون الأولون وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب.
وكان قصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة؛ فإن هذا ليس واجبًا ولا مستحبًا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله (١) .
ما يروى في مصرعه من الكذب
والذين نقلوا مصرع الحسين زادوا أشياء من الكذب كما زادوا في قتل عثمان، وكما زادوا فيما يراد تعظيمه من الحوادث، وكما زادوا في المغازي والفتوحات وغير ذلك.
والمصنفون في أخبار قتل الحسين منهم من هو من أهل العلم كالبغوي وابن أبي الدنيا وغيرهما ومع ذلك فيما يروونه أخبار منقطعة وأمور باطلة.
وأما ما يرويه المصنفون في المصرع بلا إسناد فالكذب فيه كثير مثل كون الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تظهر قبل
стр. 118
ذلك؛ فإن هذا من الترهات فمازالت هذه الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة الشمس فهي بمنزلة الشفق، وكذلك قول القائل: إنه ما رفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط هو أيضًا كذب بين.
وأما ما ذكروه من سبي نسائه والدوران بهم في البلدان وحملهم على الجمال بغير أقتاب- فهذا كذب وباطل لم يسبِ المسلمون ولله الحمد هاشمية قط، ولا استحلت أمة محمد ﷺ سبي بني هاشم قط، ولكن أهل الهوى والجهل يكذبون كثيرًا، ولا حمل أحد من نسائهم مكشوف العورة (١) .
مَنْ أمر بقتل الحسين
الذي نقله غير واحد أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولا كان له غرض في ذلك؛ بل كان يختار أن يكرمه ويعظمه كما أمره بذلك معاوية ﵁.
ولكن كان يختار أن يمنع من الولاية والخروج عليه.
فلما قدم الحسين وعلم أن أهل العراق يخذلونه ويسلمونه طلب أن يرجع إلى يزيد، أو يرجع إلى وطنه، أو يذهب إلى الثغر، فمنعوه من ذلك حتى يستأسر، فقاتلوه حتى قُتل مظلومًا شهيدًا ﵁.
وأن خبر قتله لما بلغ يزيد وأهله ساءهم ذلك وبكوا على قتله وقال يزيد: لعن الله ابن مرجانة - يعني عبيد الله بن زياد- أما والله لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله. وقال قد كنت أرضي
стр. 119
من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين. وأنه جهز أهله بأحسن الجهاز وأرسلهم إلى المدينة؛ لكنه مع ذلك ما انتصر للحسين ولا أمر بقتل قاتله ولا أخذ بثأره.
ثم لما قتل قام من يطلب بدمه مع المختار بن أبي عبيد الثقفي وقتلوا عبيد الله بن زياد، ثم لما قدم مصعب بن الزبير قتل المختار فإنه كذاب وادعى أنه يوحى إليه (١) .
مَنْ نكت في ثناياه
الذي ثبت في الصحيح أن الحسين لما قتل حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد، وأنه نكت بالقضيب على ثناياه وكان بالمجلس أنس بن مالك ﵁ وأبو برزة الأسلمي ففي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئًا فقال أنس كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوبًا بالوشمة» وفيه أيضًا عن أبي نعيم قال: «سمعت ابن عمر وسأله رجل عن المحرم يقتل الذباب فقال يا أهل العراق تسألون عن قتل الذباب وقد قتلتم ابن بنت رسول الله ﷺ وقال النبي ﷺ : «هم ريحانتاي من الدنيا» (٢) . وقد روي بإسناد مجهول أن هذا كان أمام يزيد، وأن الرأس حمل إليه، وأنه هو الذي نكت على ثناياه. وهذا مع أنه لم يثبت ففي الحديث ما يدل على أنه كذب فإن الذين حضروا نكته بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام وإنما كانوا بالعراق (٣) .
стр. 120
الحسين قُتل مظلومًا
وأما الحسين فلا ريب أنه قتل مظلومًا شهيدًا كما قتل أشباهه من المظلومين الشهداء، ولم يكن قصده ابتداء أن يقاتل، وقتل الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله أو أعان على قتله أو رضي بذلك، وهو مصيبة أصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله. وهو في حقه شهادة له ورفع درجة وعلو منزلة، فإنه وأخاه سبقت لهما من الله السعادة التي لا تُنال إلا بشيء من البلاء ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما فإنهما تربيا في حجر الإسلام في عز وأمان فهذا مات مسمومًا (١) وهذا مقتولاً لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء وإذا كان ذلك كذلك فالواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع (٢) .
الناس في قتل الحسين ثلاثة أصناف
وصار الناس في قتل الحسين ﵁ ثلاثة أصناف- طرفين، ووسط. أحد الطرفين يقول: إنه قُتل بحق، فإنه أراد أن يشق عصا المسلمين ويفرق الجماعة وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه» (٣) . قالوا: والحسين جاء وأمر المسلمين على رجل واحد فأراد أن يفرق جماعتهم.
стр. 121
والطرف الآخر قالوا: بل كان هو الإمام الواجب طاعته الذي لا ينفذ أمر من أمور الإيمان إلا به، ولا تصلى جماعة ولا جمعة إلا خلف من يوليه ولا يجاهد عدو إلا بإذنه ونحو ذلك.
وأما الوسط فهم أهل السنة الذين لا يقولون هذا ولا هذا، بل يقولون قُتل مظلومًا شهيدًا، ولم يكن متوليًا أمر الأمة، والحديث المذكور لا يتناوله فإنه لما بلغه ما فعل بابن عمه مسلم بن عقيل ترك طلب الأمر وطلب أن يذهب إلى يزيد أو إلى الثغر أو إلى بلده فلم يمكنوه وطلبوا منه أن يستأسر لهم وهذا لم يكن واجبًا عليه (١) .
стр. 122
الشيعة: نشأة الشيعة وانقسامها إلى رافضة وزيدية
في خلافة أبي بكر وعمر لم يكن أحد يسمى من الشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا عليّ ولا غيرهما.
فلما قتل عثمان تفرق المسلمون فمال قوم إلى عثمان، ومال قوم إلى عليّ، واقتتلت الطائفتان.
قال معاوية لابن عباس: أنت على ملة عليّ؟ فقال: لا على ملة عليّ ولا على ملة عثمان أنا علي ملة رسول الله ﷺ .
وكانت الشيعة أصحاب عليّ يقدمون أبا بكر وعمر وإنما كان النزاع في تقدمه على عثمان، ولم يكن حينئذ يسمى أحد إماميًا ولا رافضيًا.
وإنما سموا «رافضة» وصاروا رافضة لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة في خلافة هشام فسأله الشيعة عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما فرفضه قوم فقال رفضتموني رفضتموني فسموا «رافضة» وتولاه قوم فسموا «زيدية» لانتسابهم إليه. ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية، وزيدية.
فشيعته الذين قاتلوا معه كانوا مع سائر المسلمين متفقين على تقديم أبي بكر وعمر إلا من كان ينكر عليه ويذمه- مع قلتهم وحقارتهم وخمولهم- وهم ثلاث طوائف: طائفة غلت فيه وادعت فيه الإلهية- فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم ما هذا؟
стр. 123
قالت: أنت هو. قال: من أنا. قالوا أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر ارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا في اليوم الثاني والثالث كذلك، وأخرهم ثلاثة أيام لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام فلما أصروا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة وقذفهم في تلك النار، وقال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا
| ... أججت ناري ودعوت قنبرا
وطائفة سبت أبا بكر وعمر- أسهم عبد الله بن سبأ- فطلب علي قتله حتى هرب منه إلى المدائن. وطائفة كانت تفضله حتى قال: لا يبلغني عن أحد أنه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.
وقد روى عن علي من نحو ثمانين وجهًا أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر (١) .
وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي قال: سأل سائل شريك بن عبد الله فقال له: أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعيًا، والله لقد رقى هذه الأعواد عليّ فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه والله ما كان كذابًا. نقل هذا عبد الجبار الهمداني في «كتاب تثبيت النبوة» قال: ذكره أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي في اعتراضه على الجاحظ (٢) .
стр. 124
لا يعرف في علماء الحديث من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر
الحاكم النيسابوري منسوب إلى التشيع، وقد طلب منه أن يروي حديثًا في فضل معاوية فقال: ما يجيء من قلبي، ما يجيء من قلبي. وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل، وهو يروي في الأربعين أحاديث ضعيفة بل موضوعة عند أئمة الحديث كقوله «بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين» لكن تشيعه وتشيع أمثاله من أهل العلم بالحديث كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر؛ فلا يعرف في علماء الحديث من يفضله عليهما؛ بل غاية المتشيع منهم أن يفضله على عثمان أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله ونحو ذلك؛ لأن علماء الحديث قد عصمهم وقيدهم ما يعرفونه من الأحاديث الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفّض ممن له نوع اشتغال بالحديث كابن عقدة وأمثاله فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات والموضوعات لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين فإنها باتفاق أهل العلم بالحديث أكثر مما صح من فضائل عليّ، وأصح وأصرح في الدلالة (١) .
عدد فرق الشيعة
الاثنا عشرية فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة. وبالجملة فالشيعة فرق متعددة جدًا. وفرقهم الكبار أكثر من عشرين فرقة (٢) .
стр. 125
الزيدية
مذهبهم في التفضيل والخلافة والخروج على الأئمة وفي الأحكام
كان زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك وكان أمير الكوفة يوسف بن عمر الثقفي وكان زيد يفضل علي بن أبي طالب على أصحاب رسول الله ﷺ ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور فلما ظهر بالكوفة على أصحابه الذين بايعوه وسمع من بعضهم الطعن في أبي بكر وعمر أنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني. وهم شرذمة، فقاتل يوسف بن عمر فقتل.
قال أبو حاتم البستي: قتل زيد بن علي بن الحسين بالكوفة سنة اثنتين وعشرين وصلب على خشبة، وكان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم، وكانت الشيعة تنتحله.
ولما صُلب كانت العباد تأتي إلى خشبته بالليل فيتعبدون عنده.
وقد ذكر هذا أيضًا الأشعري وغيره قالوا: وإنما سموا «زيدية» لتمسكهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان زيد بويع له بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك.
وأما شيعة علي فكثير منهم أو أكثرهم يذم عثمان حتى الزيدية الذين يترحمون على أبي بكر وعمر فيهم من يسب عثمان ويذمه وخيارهم الذي يسكت عنه فلا يترحم عليه ولا يلعنه.
فبينهم وبين المعتزلة نسب راجح من جهة المشاركة في التوحيد
стр. 126
والعدل والإمامة والتفضيل.
كثير من خيار الشيعة الزيدية يقولون إن عليًا كان أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان ولكن كانت المصلحة الدينية تقتضي خلافة هؤلاء؛ لأنه كان في نفوس كثير من المسلمين نفور عن علي بسبب مَنْ قتله من أقاربهم فما كانت الكلمة تتفق على طاعته فجاز تولية المفضول لأجل ذلك.
فهذا القول يقوله كثير من خيار الشيعة وهم الذين ظنوا أن عليًا كان أفضل وعلموا أن خلافة أبي بكر وعمر حق لا يمكن الطعن فيها فجمعوا بين هذا وهذا بهذا الوجه.
وهؤلاء عذرهم آثار سمعوها وأمور ظنوها تقتضي فضل علي عليهم.
وقال الشيخ ﵀ لما ذكر أحاديث الأمر بالكف عن الأمراء كقوله «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال لا ما صلوا» (١) .
فدل على أنه لا يجوز الإنكار عليهم بالسيف كما يراه من يقاتل ولاة الأمر من الخوارج والزيدية والمعتزلة وطائفة من الفقهاء وغيرهم.
من الزيدية والمعتزلة والخوارج من يقول: إن الفسق يحبط الحسنات كلها ولو حبطت حسناته كلها لحبط إيمانه ولو حبط إيمانه لكان كافرًا مرتدًا فيجب قتله.
стр. 127
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية ...
فالزيدية تقول بقول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار. والإمامية على قولين (١) .
стр. 128
الخوارج أئمة هؤلاء، والرافضة شر منهم إذا تمكنوا
الخوارج المارقون أئمة هؤلاء في تكفير أهل السنة والجماعة وفي قتالهم. وسيفهم أول سيف سُلَّ في الإسلام، وقد وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم كالذين خرجوا مع عبد الله بن حسن بن حسين وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسين وغير هؤلاء.
وهذه حالة عامة أهل الأهواء كالجهمية يعاقبون من خالفهم في رأيهم إما بالقتل وإما بالحبس وإما بالعزل ومنع الرزق. والرافضة شر منهم إذا تمكنوا؛ فإنهم يوالون الكفار وينصرونهم، ويعادون من المسلمين كل من لم يوافقهم على رأيهم.
فالرافضة شر من الخوارج في الاعتقاد، لكن الخوارج أجرأ على السيف والقتال منهم، فلإظهار القول ومقاتلة المسلمين جاء فيهم ما لم يجئ فيمن هو من جنس المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي ﷺ واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضُلاَّل.
فكيف بالرافضة الذين هم أبعد منهم عن العقل والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير (١) .
стр. 129
ما يتولد على الخروج على الأئمة من الشر
أعظم مما يتولد من الخير غالبًا
قلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على أبيه بخرسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء.
وغاية هؤلاء إما أن يُغلبوا، وإما أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة؛ فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم قتلا خلقًا كثيرًا وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور. وأما أهل الحرة وابن الِأشعث وابن المهلب فهزموا وهزم أصحابهم فلا أقاموا دنيا ولا أبقوا دينًا.
والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من عباد الله المتقين ومن أهل الجنة ... وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ... ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم (١) .
стр. 130
الشيعة أساس كل فتنة وشر
أما الفتنة فإنما ظهرت في الإسلام من الشيعة فإنهم أساس كل فتنة وشر، وهم قطب رحى الفتن.
فإن أول فتنة كانت في الإسلام قتل عثمان- فسعوا في قتل عثمان وهو أول الفتن. ثم انزووا إلى علي لا حبًا فيه ولا في أهل البيت؛ لكن ليقيموا سوق الفتنة بين المسلمين. ثم هؤلاء الذين سعوا معه منهم من كفره بعد ذلك وقاتله كما فعلت الخوارج وسيفهم أول سيف سل على الجماعة.
ومنهم من أظهر الطعن على الخلفاء الثلاثة كما فعلت الرافضة وبهم تسترت الزنادقة كالغالية من النصيرية وغيرهم ومن القرامطة الباطنية والإسماعيلية وغيرهم. فهم منشأ كل فتنة.
ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإسلام المرتدين أتباع مسيلمة الكذاب ويقولون إنهم كانوا مظلومين، وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي ... ويعاونون الكفار على المسلمين. ويختارون ظهور الكفر وأهله على الإسلام وأهله (١) .
стр. 131
شيوخ الرافضة ليس فيهم إمام في شيء من علوم الإسلام
ولا في الزهد وقول الحق
ليس في شيوخ الرافضة إمام في شيء من علوم الإسلام لا علم الحديث، ولا الفقه، ولا التفسير، ولا القرآن؛ بل شيوخ الرافضة إما جاهل وإما زنديق كشيوخ أهل الكتاب.
وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي وهؤلاء المعروفون في الأمة بأنهم يقولون الحق وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ليس فيهم رافضي.
والإمامية في الجملة يعتقدون صحة الإسلام في الباطن إلا من كان منهم ملحدًا؛ فإن كثيرًا من شيوخ الشيعة- هو في الباطن على غير اعتقادهم: إما متفلسف ملحد وإما غير ذلك.
وهكذا أهل كل دين تجد فضلاءهم في الغالب إما أن يدخلوا في دين الإسلام الحق، وإما أن يصيروا ملاحدة مثل كثير من علماء النصارى هم في الباطن زنادقة ملاحدة، وفيهم من هو في الباطن يميل إلى دين الإسلام، وذلك لما ظهر لهم من فساد دين النصارى.
ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي؛ بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم، وكتبهم كلها شاهدة بذلك. وهذه كتب الطوائف كلها تشهد بذلك مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة وذكر جهلهم وضلالهم، وهم دائمًا يذكرون من جهل الرافضة وضلالهم ما يعلم معه بالاطراد أنهم
стр. 132
يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم وأبعد طوائف الأمة عن الهدى (١) .
منهم: ابن النعمان المفيد، الموسوي، الطوسي، الكراجكي. عمدتهم
من شيوخ الرافضة كابن النعمان المفيد ومتبعيه كالكراجكي وأبي القاسم الموسوي والطوسي وأمثالهم.
فإن الرافضة في الأصل ليسوا أهل علم وخبرة بطريق النظر والمناظرة ومعرفة الأدلة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة، كما أنهم من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها.
وإنما عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب وبالإلحاد.
وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن علي وهشام بن محمد بن السائل وأمثالهما من المعروفين بالكذب عند أهل العلم، مع أن هؤلاء هم أجل من يعمدون عليه في النقل؛ إذ كانوا يعتمدون على من هو في غاية الجهل والافتراء ممن لا يذكرون في الكتب ولا يعرفه أهل العلم بالرجال.
الطوسي شيخ صاحب «منهاج الكرامة» هو ممن يقول: إن الله موجب بالذات، ويقول بقدم العالم كما في «شرح الإشارات» له، وقد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزير الملاحدة الباطنية الإسماعيلية بالألموت، ثم لما قدم الترك المشركون (هولاكو) أشار عليه بقتل الخليفة وبقتل أهل العلم والدين واستبقاء أهل الصناعات والتجارات
стр. 133
الذين ينفعونه في الدنيا، وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من النخشية السحرة وأمثالهم.
وأنه لما بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين كان أخس الناس نصيبًا منه من كان إلى أهل الملل أقرب، وأوفرهم نصيبًا من كان أبعدهم عن الملل مثل الصابئة المشركين، ومثل المعطلة، وسائر المشركين، وإن ارتزقوا بالنجوم والطب ونحو ذلك.
ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرماته، ولا يحافظون على الفرائض كالصلاة، ولا ينزعون عن محارم الله من الخمر والفواحش وغير ذلك من المنكرات، حتى إنهم في شهر رمضان يذكر عنهم من إضاعة الصلاة وارتكاب الفواحش وفعل ما يعرفه أهل الخبرة بهم. ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى.
ولهذا كان كل ما قوى الإسلام في المغُل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء لمعاداتهم للإسلام وأهله.
ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة عند الأمير تورون المجاهد في سبيل الله الشهيد الذي دعا ملك المغول غازان إلى الإسلام، والتزم أن ينصره إذا أسلم، وقتل المشركين الذين لم يسلموا من النخشية السحرة وغيرهم، وهدم البذخانات، وكسر الأصنام، ومزق شملها كل ممزق، وألزم اليهود والنصارى الجزية والصغار وبسببه ظهر الإسلام في المغُل وأتباعهم.
وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه في المسلمين أشهر وأعرف من أن يوصف. ومع هذا فقد قيل: إنه في آخر عمره يحافظ على
стр. 134
الصلوات ويشتغل بتفسير البغوي والفقه ونحو ذلك. فإن كان قد تاب من الإلحاد، فالله يقبل التوبة عن عباده (١) .
стр. 135
حججهم، وغاية جهلهم
لا يعلم في طوائف أهل البدع أوهي من حجج الرافضة ...
وليس لهم حجة قط تنفق إلا على جاهل أو ظالم صاحب هوى يقبل ما يوافق هواه سواء كان حقًا أو باطلاً.
ولهذا يُقال فيهم: ليس لهم عقل، ولا نقل، ولا دين صحيح، ولا دنيا منصورة.
وقالت طائفة من العلماء: لو علق حكمًا بأجهل الناس لتناول الرافضة مثل أن يحلف أني أبغض أجهل الناس ونحو ذلك.
وأما لو أوصى لأجهل الناس فلا تصح الوصية لأنها لا تكون إلا على قربة (١) .
стр. 136
لا يوجد في الملوك ولا في الوزراء الذين نصروا الإسلام رافضي . أين تجد الرافضة؟
الخلفاء الثلاثة فتحوا الأمصار وأظهرو الدين في مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن معهم رافضي.
بنو أمية بعدهم مع انحراف كثير منهم عن علي وسب بعضهم له غلبوا على مدائن الإسلام كلها من مشرق الأرض إلى مغربها، وكان الإسلام في زمنهم أعز منه فيما بعد بكثير.
ولا يوجد في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا أعداءه من هو رافضي.
ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي.
وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين، وإما في جهال ليس لهم علم بالمنقولات ولا بالمعقولات قد نشئوا بالبوادي والجبال، وتحيزوا عن المسلمين، فلم يجالسوا أهل العلم والدين، وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة أو مال، أو له نسب يتعصب له كفعل أهل الجاهلية، وتجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والإسماعيلية والملاحدة الطرقية.
وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على نفاقهم كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» (١) وأكثر ما تجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة (٢) .
стр. 137
مذهب الاثني عشرية جمع عظائم البدع المنكرة
مذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنهم جهمية، قدرية، رافضة.
وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله، والكتب مشحونة بذلك ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك.
وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع والمرجئة والحرورية.
وقد اتفق عقلاء المسلمين على أنه ليس في طوائف أهل القبلة أكثر جهلاً وضلالاً وكذبًا وبدعًا وأقرب إلى كل شر وأبعد عن كل خير من طائفة الإمامية.
والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما علمت رجلاً له في الأمة لسان صدق متهمًا بمذهب الإمامية فضلاً عن أن يقال يعتقده في الباطن.
وقد اتهم بمذهب الزيدية الحسن بن صالح بن حي وكان فقيهًا زاهدًا. وقيل: إن ذلك كذب عليه ولم يقل أحد إنه طعن في أبي بكر وعمر فضلاً عن أن يشك في إمامتهما (١) .
стр. 138
أول من ابتدع الرفض كان منافقًا زنديقًا أراد إفساد الإسلام
ذكر غير واحد من أهل العلم أن أول من ابتدع الرفض والقول بالنص على عليّ وعصمته كان منافقًا زنديقًا أراد إفساد دين الإسلام، وأراد أن يصنع بالمسلمين ما صنع بولس بالنصارى وذلك في أواخر أيام الخلفاء الراشدين، افترى ذلك عبد الله بن سبأ وطائفته الكذابون فإنه أظهر النسك ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه الأمة لله الحمد لا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق؛ فلا يتمكن ملحد ولا مبتدع من إفساده بغلو أو انتصار على الحق، ولكن يضل من يتبعه على ضلاله.
فمقصود واضعيه الطعن في القرآن والرسول ودين الإسلام فوضعوا من الأحاديث ما يكون التصديق به طعنًا في دين الإسلام وردوا بها على أقوام- فمنهم من كان صاحب هوى فقبلها لهواه ولم ينظر في حقيقتها.
ومنهم من كان له نظر فتدبرها فوجدها تقدح في الإسلام فقال بموجبها وقدح بها في دين الإسلام: إما لفساد اعتقاده في الدين أو لاعتقاده أن هذه صحيحة وقدحت فيما كان يعتقده من دين الإسلام.
ولهذا دخلت عامة الزنادقة من هذا الباب؛ فإن ما تفعله الرافضة من الأكاذيب تسلطوا به على الطعن في الإسلام، وصارت شبها عند من لم يعرف أنه كذب ولا كان عنده خبرة بحقيقة الإسلام.
وضلت طوائف كثيرة من الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من
стр. 139
الزنادقة الملاحدة المنافقين، وكان مبدأ ضلالهم تصديق الرافضة في أكاذيبهم التي يذكرونها في تفسير القرآن والحديث.
كان أئمة العبيديين إنما يقيمون دعواهم بالأكاذيب التي اختلقها الرافضة ليستجيب لهم بذلك الشيعة الضلال، ثم ينقلون الرجل من القدح في الصحابة إلى القدح في علي، ثم في النبي، ثم في الإلهية- كما رتبه لهم صاحب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم.
ولهذا كان الرفض أعظم باب ودهليز إلى الكفر والإلحاد.
ومن نظر في كتب النقل التي اتفق أهل العلم بالمنقولات على صحتها وما تواتر به النقل في كتب الحديث كالصحاح والسنن والمسانيد والمعجمات والأسماء والفضائل وكتب أخبار الصحابة وغير ذلك وكتب السير والمغازي وإن كانت دون ذلك وكتب التفسير والفقه وغير ذلك من الكتب علم بالتواتر اليقيني أن الصحابة ﵃ كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في الإسلام إنما كانت من جهتهم. وعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون اختلقوا أكاذيب وابتدعوا آراء فاسدة ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلوا بها من ليس من أولي الأحلام (١) .
стр. 140
وأمراؤهم أيضًا إنما قصدوا بالملك إفساد الدين
الشيعة كثير منهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ومعاداة النبي ﷺ كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم من الداخلين في الشيعة، فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام، وإنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوسلوا بهم إلى أغراضهم وأهوائهم، وأول هؤلاء بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب فإنه كان (أمين الشيعة) وقتل عبيد الله بن زياد وأظهر الانتصار للحسين حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت. ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه، وثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (١) فكان الكذاب هو المختار، وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي (٢) .
стр. 141
غلاة الشيعة:
الإسماعيلية ، والنصيرية، القرامطة الباطنية
بنو عبيد القداح الذين أقاموا بالمغرب مدة، وبمصر نحو مائتي سنة- هؤلاء باتفاق أهل العلم والدين ملاحدة، ونسبهم باطل، فلم يكن لهم بالرسول نسب في الباطن ولا دين، وإنما أظهروا النسب الكاذب وأظهروا التشيع ليتوسلوا بذلك إلى متابعة الشيعة إذ كانت أقل الطوائف عقلاً ودينًا وأكثرها جهلاً.
وإلا فأمر هؤلاء العبيديين المنتسبين إلى إسماعيل بن جعفر أظهر من أن يخفى على مسلم.
ولهذا جميع المسلمين الذين هم مؤمنون في طوائف الشيعة يتبرءون منهم- فالزيدية والإمامية تكفرهم وتتبرأ منهم، وإنما ينتسب إليهم الإسماعيلية الملاحدة الذين فيهم من الكفر ما ليس لليهود والنصارى كابن الصباح الذي أخرج لهم السكين (١) .
وأئمة الإسماعيلية كالمعز والحاكم وأمثالهما يدعون من علم الغيب وكشف باطن الشريعة وعلو الدرجة أعظم مما تدعيه الاثنا عشرية لأصحابهم، ويضمنون لهم هذا مع استحلال المحرمات وترك الواجبات- فيقولون له: قد أسقطنا عنك الصلاة والصوم والحج والزكاة، وضمنا لك بموالاتنا الجنة ونحن قاطعون بذلك.
وحقيقة قول الإسماعيلية التعطيل.
стр. 142
أما أصحاب الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم (١) الذي هو آخر المراتب عندهم فهم من الدهرية القائلين بأن العالم لا فاعل له ولا علة ولا خالق.
ويقولون ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا واجب الوجود فإنهم يثبتونه وهو شيء لا حقيقة له، ويستهزءون باسم الله ولا سيما هذا الاسم الذي هو الله؛ فإن منهم من يكتبه في أسفل قدميه ويطؤه.
وأما من دون هؤلاء فيقولون بالسابق والتالي الذين عبَّروا بهما عن العقل والنفس عند الفلاسفة والنور والظلمة عند المجوس. والإسماعيلية ملاحدة أكفر من النصيرية (٢) .
النصيرية
النصيرية هم من غلاة الرافضة الذين يدعون إلهية علي، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى باتفاق المسلمين.
ومن شرع النصيرية:
أشهد أن لا إله إلا ... حيدرة الأنزع البطين
|
أشهد أن لا إله إلا ... سلمان ذو القوة المتين
ويقولون إن شهر رمضان أسماء ثلاثين رجلاً- إلى أنواع من الكفر الشنيع يطول وصفها.
والنصيرية يعظمون القائلين بوحدة الوجود كالتلمساني شيخ القائلين بالوحدة، فقد ذهب إلى النصيرية وصنف لهم كتابًا وهم يعظمونه جدًا (٣) .
стр. 143
القرامطة الباطنية
وشر من الإسماعيلية قرامطة البحرين أصحاب أبي سعيد الجنابي؛ فإن أولئك لم يكونوا يتظاهرون بدين الإسلام بالكلية، بل قتلوا الحجاج، وأخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وجرى فيه عبرة حتى أعيد (١) ومع هذا فلم يسلطوا على الكعبة بإهانة بل كانت معظمة مشرفة وهم كفار من أكفر خلق الله (٢) .
стр. 144
التعطيل أعظم من الشرك
الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته وخلق فيهم الشهوات ليتناولوا بها ما يستعينون به على عبادته، ومن لم يعبد الله فإنه فاسد هالك والله لا يغفر أن يشرك به فيعبد معه غيره؛ فكيف بمن عطل عبادته فلم يعبده البتة كفرعون وأمثاله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ، والتعطيل ليس دون الشرك؛ بل أعظم منه؛ فالمستكبر عن عبادته أعظم جرمًا من الذين يعبدونه ويعبدون معه غيره، وهو لا يغفر لهم فأولئك أَوْلَى (٢) .
стр. 145
العلم بوجود الصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة
كل من العلم بوجود الصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة متعددة، أما إثبات الصانع فطرقه لا تحصى؛ بل الذي عليه جمهور العلماء أن الإقرار بالصانع فطري ضروري معروف في الجبلَّة.
وأيضًا فنفس حدوث الإنسان يعلم به صانعه، وكذلك حدوث كل ما يشاهد حدوثه. وهذه الطريقة المذكورة في القرآن.
وأما حدوث العالم فيمكن أن يستدل عليه بالسمع وبالعقل، فإنه يمكن العلم بالصانع إما بالضرورة والفطرة وإما بمشاهدة حدوث المحدثات وإما بغير ذلك ثم يعلم صدق الرسول بالطرق الدالة على ذلك وهي كثيرة.
ودلالة المعجزات طريق من الطرق.
وطريق التصديق لا ينحصر في المعجزات.
ثم يعلم بخبر الرسول حدوث العالم.
وإما بالعقل فمثل أن يقال: لا ريب أنا نشهد الحوادث كحدوث السحاب والمطر والزرع والشجر وحدوث الشمس وحدوث الإنسان وغيره من الحيوان وحدوث الليل والنهار وغير ذلك- ومعلوم بضرورة العقل أن المحدَث لابد له من مُحدِث وأنه يمتنع تسلسل المحدِثات بأن يكون للمحدِث محدث وللمحدث محدث إلى غير نهاية وهذا يسمى تسلسل المؤثرات والعلل والفاعلية وهو ممتنع باتفاق العقلاء.
وكذلك إذا قيل: الموجود إما أن يكون مخلوقًا وإما أن لا يكون