Полный текст (1 122 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
"الإيمان أن تؤمن بالله.................................................
الحواشي
(٨) , والترمذي: الإيمان(٢٦١٠) , والنسائي: الإيمان وشرائعه(٤٩٩٠) , وأبو داود: السنة(٤٦٩٥) , وابن ماجه: المقدمة(٦٣) , وأحمد (١/٢٧ ,١/٢٨ ,١/٥١) .
٣ سورة آية: ١٥٠-١٥١.стр. 982
وملائكته وكتبه.......................................................
الحواشي
(١) شيء، لكنه أنكر أسماءه وصفاته، أو أنكر أن يكون مختضا بها; فهو غير مؤمن بالله.
قوله: "وملائكته":
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
١- الإيمان بوجودهم.
٢- الإيمان باسم من علمنا اسمه منهم.
٣- الإيمان بأفعالهم.
٤- الإيمان بصفاتهم.
فمِمّن علمنا صفاته جبريل ﵇، علمناه على خلقته التي خلق عليها له ستمائة جناح، قد سد الأفق; كما أخبرنا بذلك رسول الله ﷺ وهذا يدل على عظمته، وأنه كبير جدا; فهو فوق ما نتصور، ومع ذلك يأتي أحيانا بصورة بشر; فأتى مرة بصورة دحية الكلبي، وأتى مرة بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه من الصحابة أحد، فجلس إلى النبي ﷺ جلسة المتعلم المتأدب١.
قوله: "وكتبه": أي: الكتب التي أنزلها على رسله.
والإيمان بالكتاب يتضمن ما يلي:
١- الإيمان بأنها حق من عند الله.
٢- تصديق أخبارها.
٣- التزام أحكامها ما لم تنسخ، وعلى هذا، فلا يلزمنا أن نلتزم بأحكام الكتب السابقة; لأنها كلها منسوخة بالقرآن، إلا ما أقره القرآن. وكذلك لا يلزمنا العمل بما نسخ في القرآن; لأن القرآن فيه أشياء منسوخة.
_________
١ أخرجه: مسلم في (الإيمان, باب بيان الإيمان, ١/ ٣٦) ; عن ابن عمر, عن أبيه ﵄.стр. 983
ورسله................................................................
الحواشي
(١) ٤- الإيمان بما علمناه معينا منها، مثل: التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
٥- الإيمان بأن كل رسول أرسله الله معه كتاب; كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ ١ وقال عيسى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ٢ وقال عن يحيى كذلك٣.
تنبيه:
الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى اليوم قد دخلها التحريف والكتمان; فلا يوثق بها، والمراد بما سبق الإيمان بأصل الكتب.
قوله: "ورسله": هم الذين أوحى الله إليهم وأرسلهم إلى الخلق؛ ليبلغوا شريعة الله.
والإيمان بالرسل يتضمن ما يلي:
١- أن نؤمن بأنهم حق صادقون مصدقون.
٢- أن نؤمن بما صح عنهم من الأخبار، وبما ثبت عنهم من الأحكام; ما لم تنسخ.
٣- أن نؤمن بأعيان من علمنا أعيانهم، وما لم نعلمه; فنؤمن بهم على سبيل الإجمال، ونعلم أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الله أرسل لكل أمة رسولا تقوم به الحجة عليهم; كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤.
والبشر إذا لم يأتهم رسول يبين لهم فهم معذورون; لأنهم يقولون:
_________
١ سورة الحديد آية: ٢٥.
٢ سورة مريم آية: ٣٠.
٣ كما في قوله تعالى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا [مريم: ١٢] .
٤ سورة النساء آية: ١٦٥.стр. 984
واليوم الآخر ١.......................................................
الحواشي
(٨) , والترمذي: الإيمان(٢٦١٠) , والنسائي: الإيمان وشرائعه(٤٩٩٠) , وأبو داود: السنة(٤٦٩٥) , وابن ماجه: المقدمة(٦٣) , وأحمد (١/٢٧ ,١/٢٨ ,١/٥١) .
٢ سورة طه آية: ١٣٤.
٣ سورة المائدة آية: ١١٩.
٤ أخرجه: مسلم في (الجنة, باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة, ٤/ ٢١٩٧) ; من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.
٥ سورة هود آية: ١١٦.стр. 985
وتؤمن بالقدر خيره وشره " رواه مسلم١.
الحواشي
(١) عراة غرلا بهما من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالموازين والصحف والصراط والحوض والشفاعة والجنة وما فيها من النعيم والنار وما فيها من العذاب الأليم; كل هذا من الإيمان باليوم الآخر. ومنه ما هو معلوم بالقرآن، ومنه ما هو معلوم بالسنة بالتواتر وبالآحاد فكل ما صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من أمر اليوم الآخر، فإنه يجب علينا أن نؤمن به.
"قوله: " وتؤمن بالقدر خيره وشره ": هنا أعاد الفعل ولم يكتف بواو العطف; لأن الإيمان بالقدر مهم، فكأنه مستقل برأسه.
والإيمان بالقدر هو أن تؤمن بتقدير الله للأشياء كلها، سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره، وأن الله قدرها وكتبها عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومعلوم أنه لا كتابة إلا بعد علم; فالعلم سابق على الكتابة، ثم إنه ليس كل معلوم لله مكتوبا; لأن الذي كتب إلى يوم القيامة، وهناك أشياء بعد يوم القيامة كثيرة أكثر مما في الدنيا هي معلومة عند الله ولكنه لم يرد في الكتاب والسنة أنها مكتوبة.
وهذا القدر، قال بعض العلماء: إنه سر من أسرار الله، وهو كذلك لم يطلع الله عليه أحدا; لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا; إلا ما أوحاه الله إلى رسله أو وقع فعلم به الناس، وإلا; فإنه سر مكتوم، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ ٢ الآية، وإذا قلنا: إنه سر مكتوم; فإن هذا القول يقطع احتجاج العاصي بالقدر على معصيته; لأننا نقول لهذا الذي عصى الله وقال: هذا مقدر
_________
١ أخرجه: مسلم (في الإيمان, باب بيان الإيمان والإسلام, ١/٣٦) .
٢ سورة لقمان آية: ٣٤.стр. 986
......................................................................
الحواشي
(٧٧١) .
٣ سورة الروم آية: ٤١.стр. 987
......................................................................
الحواشي
(١) الفعل خير; لأنك تريد مصلحته، ثم إن ما يقدره الله لا يكون شرا محضا، بل في محله وزمانه فقط، فإذا أخذ الله الظالم أخذ عزيز مقتدر; صار ذلك شرا بالنسبة له، وقد يكون خيرا له من وجه آخر، أما لغيره ممن يتعظ بما صنع الله به، فيكون خيرا، قال تعالى في القرية التي اعتدت في السبت: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
وكذا إذا استمرت النعم على الإنسان حمله ذلك على الأشر والبطر، بل إذا استمرت الحسنات ولم تحصل منه سيئة تكسر من حدة نفسه; فقد يغفل عن التوبة وينساها ويغتر بنفسه ويعجب بعمله. وكم من إنسان أذنب ذنبا ثم تذكر واستغفر وصار بعد التوبة خيرا منه قبلها; لأنه كلما تذكر معصيته هانت عليه نفسه وحد من عليائها; فهذا آدم ﵊ لم يحصل له الاجتباء والتوبة والهداية إلا بعد أن أكل من الشجرة وحصل منه الندم، وقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٣.
والثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فخلفوا ماذا كانت حالهم بعد المعصية وبعد المصيبة التي أصابتهم; حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وصار ينكرهم الناس حتى أقاربهم -صار قريبه يشاهده وكأنه أجنبي منه-، ومن شدة ما في نفسه تنكرت نفسه عليه، فبعد هذا الضيق العظيم صار لهم بعد التوبة فرح ليس له نظير أبدا، وصارت حالهم أيضا بعد أن تاب الله عليهم أكمل من قبل، وصار ذكرهم بعد التوبة أكبر من قبل، فقد ذكروا بأعيانهم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ
_________
١ سورة البقرة آية: ٦٦.
٢ سورة الأعراف آية: ٢٣.
٣ سورة طه آية: ١٢٢.стр. 988
............................................................................................
الحواشي
(١) الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١ فهذه آيات عظيمة تتلى في محاريب المسلمين ومنابرهم إلى يوم القيامة ويتقرب العبد إلى ربه بقراءة خبرهم واستماعه، وهذا شيء عظيم.
وسواء كان ذلك في الأمور الشرعية أو في الأمور الكونية، ولكن هاهنا أمر يجب معرفته، وهو أن الخيرية والشرية ليست باعتبار قضاء الله ; فقضاء الله تعالى كله خير، حتى ما يقضيه الله من شر هو في الواقع خير، وإنما الشر في المقضي، أما قضاء الله نفسه; فهو خير، والدليل قول النبي ﷺ " الخير بيديك، والشر ليس إليك "٢ ولم يقل: والشر بيديك; فلا ينسب الشر إلى الله أبدا، فضلا عن أن يكون بيديه، فلا ينسب الشر إلى الله لا إرادة ولا قضاء; فالله لا يريد بقضاء الشر شرا، لكن الشر يكون في المقضي، وقد يلائم الإنسان وقد لا يلائمه، وقد يكون طاعة وقد يكون معصية; فهذا في المقضي، ومع ذلك; فهو وإن كان شرا في محله فهو خير في محل آخر، ولا يمكن أن يكون شرا محضا، حتى المقضي وإن كان شرا ليس شرا محضا، بل هو شر من وجه خير من وجه، أو شر في محل خير في محل آخر.
ولنضرب لذلك مثلا: الجدب والفقر شر، لكنهما خير باعتبار ما ينتج عنهما، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي
_________
١ سورة التوبة آية: ١١٨.
٢ أخرجه: مسلم في (صلاة المسافرين, ٧٧١) .стр. 989
............................................................................................
الحواشي
(١) النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١ والرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته لا شك أنه خير وينتج خيرا كثيرا; فألم الفقر وألم الجدب وألم المرض وألم فقد الأنفس كله ينقلب إلى لذه إذا كان يعقبه الصلاح، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وكم من أناس طغوا بكثرة المال وزادوا ونسوا الله واشتغلوا بالمال، فإذا أصيبوا بفقر; رجعوا إلى الله، وعرفوا أنهم ضالون; فهذا الشر صار خيرا باعتبار آخر.
كذلك قطع يد السارق لا شك أنه شر عليه، لكنه خير بالنسبة له وبالنسبة لغيره، أما بالنسبة له; فلأن قطعها يسقط عنه العقوبة في الآخرة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهو أيضا خير في غير السارق; فإن فيه ردعا لمن أراد أن يسرق، وفيه أيضا حفظ للأموال; لأن السارق إذا عرف أنه إذا سرق ستقطع يده; امتنع من السرقة، فصار في ذلك حفظ لأموال الناس، ولهذا قال بعض الزنادقة:
يد بخمس مئين عسجدا وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من النار
لكنه أجيب في الرد عليه ردا مفحما; فقيل فيه:
قل للمعري عار أيما عاري ... جهل الفتى وهو من ثوب التقى عاري
يد بخمس مئين عسجدا وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار
حماية النفس أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري
_________
١ سورة الروم آية: ٤١.стр. 990
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك،........................
الحواشي
(١) · قوله في حديث عبادة "أنه قال لابنه: يا بني! ... إلخ: أفاد حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنه ينبغي للأب أن يسدي النصائح لأبنائه ولأهله وأن يختار العبارات الرقيقة التي تلين القلب، حيث قال: "يا بني! "، وفي هذا التعبير من اللطافة وجذب القلب ما هو ظاهر.
قوله: "لن تجد طعم الإيمان": هذا يفيد أن للإيمان طعما كما جاءت به السنة وطعم الإيمان ليس كطعم الأشياء المحسوسة; فطعم الأشياء المحسوسة إذا أتى بعدها طعام آخر أزالها، لكن طعم الإيمان يبقى مدة طويلة، حتى إن الإنسان أحيانا يفعل عبادة في صفاء وحضور قلب وخشوع لله فتجده يتطعم بتلك العبادة مدة طويلة; فالإيمان له حلاوة وله طعم لا يدركه إلا من أسبغ الله عليه نعمته بهذه الحلاوة وهذا الطعم.
قوله: "حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك": قد تقول: ما أصابني لم يكن ليخطئني، هذا تحصيل حاصل; لأن الذي أصاب الإنسان أصابه، فلا بد أن نعرف معنى هذه العبارة; فتحمل هذه العبارة على أحد معنيين أو عليهما جميعا:
الأول: أن المعنى "ما أصابك"; أي: ما قدر الله أن يصيبك، فعبر عن التقدير بالإصابة; لأن ما قدر الله سوف يقع، فما قدر الله أن يصيبك لم يكن ليخطئك مهما عملت من أسباب.
الثاني: ما أصابك; فلا تفكر أن يكود مخطئا لك، فلا تقل: لو أنني فعلت كذا ما حصل كذا; لأن الذي أصابك الآن لا يمكن أن يخطئك; فكل التقديرات التي تقدرها وتقول: لو أني فعلت كذا ما حصلстр. 991
وما أخطأك لم يكن ليصيبك،..........................................
الحواشي
(١) كذا هي تقديرات يائسة، لا تؤثر شيئا، وأيا كان; فالمعنى صحيح على الوجهين، فما قدره الله أن يصيب العبد فلا بد أن يصيبه ولا يمكن أن يخطئه، وما وقع مصيبا للإنسان; فإنه لن يمنعه شيء، فإذا آمنت هذا الإيمان ذقت طعم الإيمان; لأنك تطمئن وتعلم أن الأمر لا بد أن يقع على ما وقع عليه، ولا يمكن أن يتغير أبدا.
مثال ذلك: رجل خرج بأولاده للنزهة، فدب بعض الأولاد إلى بِركة عميقة، فسقط، فغرق، فمات، فلا يقول: لو أنني ما خرجت لما مات الولد، بل لا بد أن تجري الأمور على ما جرت عليه، ولا يمكن أن تتغير; فما أصابك لم يكن ليخطئك، فحينئذ يطمئن الإنسان ويرضى، ويعرف أنه لا مفر، وأن كل التقديرات والتخيلات التي تقع في ذهنه كلها من الشيطان; فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان، وحينئذ يرضى ويسلم، وقد أشار الله إلى هذا المعنى في قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ١.
فأنت إذا علمت هذا العلم وتيقنته بقلبك; ذقت حلاوة الإيمان، واطمأننت، واستقر قلبك، وعرفت أن الأمر جار على ما هو عليه لا يمكن أن يتغير، ولهذا كثيرا ما يجد الإنسان أن الأمور سارت ليصل إلى هذه المصيبة; فتجده يعمل أعمالا لم يكن من عادته أن يعملها حتى يصل إلى ما أراد الله مما يدل على أن الأمور بقضاء الله وقدره.
وقوله: "وما أخطأك لم يكن ليصيبك": نقول فيه مثل الأول; يعني: ما قدر أن يخطئك فلن يصيبك، فلو أن أحدا سمع بموسم تجارة في بلد
_________
١ سورة آية: ٢٢-٢٣.стр. 992
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم،................
الحواشي
(١) ما وسافر بأمواله لهذا الموسم، فلما وصل وجد أن الموسم قد فات; نقول له: ما أخطأك من هذا الربح الذي كنت تعد له لم يكن ليصيبك مهما كان ومهما عملت، أو نقول: لم يكن ليصيبك; لأن الأمر لا بد أن يجري على ما قضاه الله وقدره، وأنت جرب نفسك تجد أنك إذا حصلت على هذا اليقين ذقت حلاوة الإيمان.
ثم استدل لما يقول بقوله: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم ". القلم بالرفع، وروي بالنصب. فعلى رواية الرفع يكون المعنى: أن أول ما خلق الله هو القلم، لكن ليس من كل المخلوقات، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وأما على رواية النصب; فيكون المعنى: أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه له; يعني: خلقه ثم أمره أن يكتب، وعلى هذا المعنى لا إشكال فيه، لكن على المعنى الأول الذي هو الرفع: هل المراد أن أول المخلوقات كلها هو القلم؟
الجواب: لا; لأننا لو قلنا: إن القلم أول المخلوقات، وإنه أمر بالكتابة عندما خلق، لكنا نعلم ابتداء خلق الله للأشياء، وأن أول بدء خلق الله كان قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ونحن نعلم أن الله خلق أشياء قبل هذه المدة بأزمنة لا يعلمها إلا الله لأن الله لم يزل ولا يزال خالقا، وعلى هذا; فيكون: إن أول ما خلق الله القلم يحتاج إلى تأويل ليطابق ما علم بالضرورة من أن الله تعالى له مخلوقات قبل هذا الزمن.
قال أهل العلم: وتأويله: إن المعنى: أن أول ما خلق الله القلم بالنسبة لما نشاهده فقط من المخلوقات; كالسماوات والأرض ... فهي أولية نسبية، وقد قال ابن القيم في نونيته:стр. 993
فقال له: اكتب. فقال: رب! وماذا أكتب؟ .............................
الحواشي
(١) والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان
قوله: " فقال له: اكتب ": القائل هو الله يخاطب القلم، والقلم جماد، لكن كل جماد أمام الله مدرك وعاقل ومريد، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ ١ أي: لا بد أن تنقادا لأمر الله طوعا أو كرها; فكان الجواب: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٢ فقد خاطب الله السماوات والأرض وأجابتا ودل قوله: "طائعين" على أن لها إرادة وأنها تطيع; فكل شيء أمام الله; فهو مدرك مريد ويجيب ويمتثل.
قوله: "قال: ربي وماذا أكتب؟ ": "ماذا": اسم استفهام مفعوله مقدم، و"أكتب": فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، هذا إذا ألغيت "ذا"، أما إذا لم تلغ; فنقول: "ما": اسم استفهام مبتدأ، و"ذا": خبره; أي; ما الذي أكتب؟ والعائد على الموصول محذوف تقديره: ما الذي أكتبه؟
وفي هذا دليل على أن الأمر المجمل لا حرج على المأمور في طلب استبانته، وعلى هذا; فإننا نقول: إذا كان الأمر مجملا; فإن طلب استبانته لا يكون معصية; فالقلم لا شك أنه ممتثل لأمر الله -سبحانه
_________
١ سورة آية: ٩-١١.
٢ سورة فصلت آية: ١١.стр. 994
قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة "١. يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني "٢.
الحواشي
(٢١٥٥) وكتاب تفسير القرآن(٣٣١٩) , وسنن أبي داود: كتاب السنة(٤٧٠٠) .
٢ أخرجه: أبو داود في (السنة, باب في القدر, ٤/٧٦) وفيه حبيش بن شريح, وهو مقبول. ومن طريق آخر أخرجه: الترمذي في (القدر, ٦/٣٢٥) , والطيالسي(٥٥٧) , وابن أبي عاصم في "السنة"(١٠٥) . وفيه عبد الواحد بن سليم. ومن طريق آخر أخرجه: ابن أبي عاصم(١٠٤) في "السنة" و "الأوائل"(٢) . وفيه بقية بن الوليد ومعاوية بن سليم. ومن طريق آخر أخرجه: أحمد (٥/٣١٧) , وابن أبي عاصم(١٠٧) , والآجري (ص ١٧٧, ١٧٨) . وفيه أيوب بن زياد الحمصي. وأخرجه أيضا: ابن أبي عاصم في "السنة"(١٠٣) . وفيه ابن لهيعة. والحديث صححه الألباني; كما في "تعليقه على المشكاة" (١/٣٤) .стр. 995
......................................................................
الحواشي
(١) ويستفاد من هذا الحديث:
١- ملاطفة الأبناء بالموعظة، وتؤخذ من قوله: "يا بني! ".
٢- أنه ينبغي أن يلقن الأبناء الأحكام بأدلتها، وذلك أنه لم يقل: إن الله كتب ... وسكت، ولكنه أسند إلى الرسول ﷺ فمثلا: إذا أردت أن تقول لابنك: سم الله على الأكل، وأحمد الله إذا فرغت; فإنك إذا قلت ذلك يحصل به المقصود، لكن إذا قلت: سم الله على الأكل، وأحمد الله إذا فرغت; لأن النبي ﷺ أمر بالتسمية عند الأكل، وقال: " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة ويحمده عليها، ويشرب الشربة ويحمده عليها "١. إذا فعلت ذلك استفدت فائدتين:
الأولى: أن تعود ابنك على اتباع الأدلة.
الثانية: أن تربيه على محبة الرسول ﵊، وأن الرسول ﷺ هو الإمام المتبع الذي يجب الأخذ بتوجيهاته، وهذه في الحقيقة كثيرا ما يغفل عنها; فأكثر الناس يوجه ابنه إلى الأحكام فقط، لكنه لا يربط هذه التوجيهات بالمصدر الذي هو الكتاب والسنة.
_________
١ أخرجه: مسلم في (الذكر والدعاء, باب استحباب حمد الله بعد الأكل والشرب, ٤/٢٠٩٥) ; عن أنه ﵁.стр. 996
وفي رواية لأحمد: " إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة "١.
الحواشي
(١٠٧) . وفيه أيوب بن زياد الحمصي, لم يوثقه غير ابن حبان; كما في "تعجيل المنفعة" (ص ٧٩) .
٢ سورة الحج آية: ٧٠.
٣ سورة الحديد آية: ٢٢.
٤ سورةالحديد آية: ٢٢.
٥ سورة آية: ٥-٦.
٦ سورة غافر آية: ٥١.стр. 997
وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله ﷺ " فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار ".
الحواشي
(١) الثالث: قيام العدل; لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
قوله: "وفي رواية لابن وهب": ظاهره أن هذا في حديث عبادة، وابن وهب أحد حفاظ الحديث.
قوله: " فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار ": في هذا دليل على أن الإيمان بالقدر واجب ولا يتم الإيمان إلا به، وأما من لم يؤمن به; فإنه يحرق بالنار.
وقوله: " أحرقه الله بالنار ": بعد قوله: "فمن لم يؤمن" يدل على أن من أنكر أو شك فإنه يحرق بالنار; لأن لدينا ثلاث مقامات:
الأول: الإيمان والجزم بالقدر بمراتبه الأربع.
الثاني: إنكار ذلك.
وهذان واضحان; لأن الأول إيمان والثاني كفر.
الثالث: الشك والتردد.
فهذا يلحق بالكفر، ولهذا قال: "فمن لم يؤمن"، ودخل في هذا النفي من أنكر ومن شك.
وفي قوله: "أحرقه الله بالنار" دليل على أن عذاب النار محرق، وأن أهلها ليس كما زعم بعض أهل البدع يتكيفون لها حتى لا يحسون لها بألم، بل هم يحسون بألم وتحرق أجسامهم، وقد ثبت في حديث الشفاعة
_________
١ سورة الأنبياء آية: ٤٧.стр. 998
وفي " المسند " و"السنن" عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر; فحدثني بشيء، لعل الله أن يذهبه من قلبي..................................................................
الحواشي
(١١١٩) . وأخرجه: أيضا أحمد في "المسند"- تحقيق شاكر- طريق حماد(٦٨٤٦) , ومن طريق أبي معاوية(٦٦٦٨) , ومن طريق أنس بن عياض عن أبي حازم(٦٧٠٢) . وقال أحمد شاكر: "إسناد صحيح".стр. 999
فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا; ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا; لكنت من أهل النار..........................................
الحواشي
(١) الشيء، وهكذا يجب على الإنسان إذا أصيب بمرض أن يذهب إلى أطباء ذلك المرض، وأطباء مرض القلوب هم العلماء، ولا سيما مثل الصحابة ﵃; كأبي بن كعب; فلكل داء طبيب.
قوله: "لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر": هذا يدل على أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر; لأن الذي لا تقبل منه النفقات هم الكفار، وسبق نحوه عن ابن عمر ﵄.
قوله: "حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك": قد سبق الكلام على هذه الجملة.
قوله: "ولو مت على غير هذا; لكنت من أهل النار": "مت" بالضم; لأنها من مات يموت، وفيه لغة أخرى بالكسر "مت "; كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ١، في إحدى القراءتين، وهي على هذه القراءة من مات يميت بالياء.
قوله: "على غير هذا; لكنت من أهل النار": جزم أبي بن كعب ﵁ بأنه إذا مات على غير هذا كان من أهل النار; لأن من أنكر القدر فهو كافر، والكافر يكون من أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها. وهل هذا الدواء يفيد؟
الجواب: نعم يفيد، وكل مؤمن بالله إذا علم أن منتهى من لم يؤمن بالقدر هو هذا; فلا بد أن يرتدع، ولا بد أن يؤمن بالقدر على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٨.стр. 1000
قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت; فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ "١ حديث صحيح رواه الحاكم في " صحيحه" ٢.
الحواشي
(٤٦٩٩) , وابن ماجه: المقدمة(٧٧) , وأحمد (٥/١٨٢ ,٥/١٨٥ ,٥/١٨٩) .
٢ أخرجه: أحمد (٥/١٨٥, ١٨٩) , وأبو داود في (السنة, باب في القدر, ٥/٧٥) , وابن ماجه في (المقدمة, باب في القدر, ١/٢٩) , وعبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة" (ص ١٠٧) , وابن أبي عاصم في "السنة"(٢٤٥) , والطبراني في "الكبير"(٤٩٤٠) , وابن حبان(١٨١٧) , والخطيب في "الموضح" (١/١٨٤) . وأخرجه من طريق آخر: الآجري في "الشريعة" (ص ١٨٧) . وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٩٨) : "رواه الطبراني بإسنادين, ورجال هذه الطريق ثقات".
٣ أخرجه: البخاري في (مناقب الأنصار, باب مناقب أبي بن كعب, ٣/٤٤) , ومسلم في (فضائل الصحابة, باب من فضائل أبي, ٤/١٩١٤) ; عن أنه ﵁.
٤ أخرجه: أحمد (١/٧) , وابن ماجه في (المقدمة, فضل عبد الله بن مسعود ﵁; ١/٤٩) ; عن أبي بكر وعمر. وأخرجه: أحمد (١/٢٦, ٣٨) , وابن سعد (٢/٤٣٢, ٧/٣٥) , والحاكم (٣/٣١٨) -وصححه على شرط الشيخين, ووافقه الذهبي-; عن عمر ﵁. وأحمد (١/٤٤٥, ٤٥٤) , وابن سعد, والطيالسي (٢/١٥) , والطبراني, والبزار; كما في "مجمع الزوائد" (٩/٢٨٧) ; عن ابن مسعود. وقال الهيثمي: "وفيه عاصم بن أبي النجود, وهو على ضعفه حسن الحديث, وبقية رجال أحمد رجال الصحيح, ورجال الطبراني رجال الصحيح, عدا فرات بن محبوب وهو ثقة". والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/٣٦٠) ; عن عمار بن ياسر ﵁.стр. 1001
......................................................................
الحواشي
(١) القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه١. وحذيفة بن اليمان صاحب السر الذي أسر إليه النبي ﷺ بأسماء المنافقين٢.
والحاصل أن هذا الباب يدل على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر بمراتبه الأربع.
مسألة: الإيمان بالقدر هل هو متعلق بتوحيد الربوبية، أو بالألوهية، أو بالأسماء والصفات؟
الجواب: تعلقه بالربوبية أكثر من تعلقه بالألوهية والأسماء والصفات، ثم تعلقه بالأسماء والصفات أكثر من تعلقه بالألوهية، وتعلقه بالألوهية أيضا ظاهر; لأن الألوهية بالنسبة لله يسمى توحيد الألوهية، وبالنسبة للعبد يسمى توحيد العبادة، والعبادة فعل العبد; فلها تعلق بالقدر، فالإيمان بالقدر له مساس بأقسام التوحيد الثلاثة.
مسألة: هل اختلف الناس في القدر؟
_________
١ أخرجه: البخاري في (التفسير, باب لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم , ٣/٢٤٠) .
٢ أخرجه: البخاري في (فضائل الصحابة, باب مناقب عمار وحذيفة, ٣/٣٠) ; عن أبي الدرداء ﵁.стр. 1002
فيه مسائل:
الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
الثانية: بيان كيفية الإيمان.
الثالثه: إحباط عمل من لم يؤمن به.
الحواشي
(٨) , والترمذي: الإيمان(٢٦١٠) , والنسائي: الإيمان وشرائعه(٤٩٩٠) , وأبو داود: السنة(٤٦٩٥) , وابن ماجه: المقدمة(٦٣) , وأحمد (١/٢٧ ,١/٢٨ ,١/٥١) .стр. 1003
الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة.
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) , وأحمد (٢/٣٦٦ ,٢/٣٧٠) .
٢ سبق (ص ٣٧٢) .
٣ البخاري: التوحيد(٧٤١٨) , وأحمد (٤/٤٣١) .
٤ أخرجه: البخاري في (التوحيد, باب وكان عرشه على الماء, ٤/ ٣٨٧) ; عن عمران بن حصين ﵁.стр. 1004
السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.
الحواشي
(١) الساعة: لقوله في الحديث: "فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". وفيه أيضا من الفوائد: توجيه خطاب الله إلى الجماد، وأنه يعقل أمر الله; لأن الله وجه الخطاب إلى القلم ففهم واستجاب، لكنه سأل في الأول وقال: "ماذا أكتب؟ ".
السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به: لقوله: "من مات على غير هذا; فليس مني"، وهذه البراءة مطلقة; لأن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء: لأن ابن الديلمي يقول: "فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت" بعد أن أتى أبي بن كعب; فدل هذا على أن من عادة السلف السؤال عما يشتبه عليهم. وفيه أيضا مسألة ثانية، وهي جواز سؤال أكثر من عالم للتثبت; لأن ابن الديلمي سأل عدة علماء، أما سؤال أكثر من عالم لتتبع الرخص; فهذا لا يجوز كما نص على ذلك أهل العلم، وهذا من شأن اليهود; فاليهود لما كان في التوراة أن الزاني يرجم إذا كان محصنا وكثر الزنى في أشرافهم; غيروا هذا الحد، ولما قدم النبي ﷺ المدينة، وزنا منهم رجل بامرأة قالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل لعلكم تجدون عنده شيئا آخر; لأجل أن يتتبعوا الرخص.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبواстр. 1005
......................................................... ...
الحواشي
(١) الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط: لقول ابن الديلمي: "كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ "، وهذا مزيل للشبهة، فإذا نسب الأمر إلى الله ورسوله; زالت الشبهة تماما، لكن تزول عن المؤمن، أما غير المؤمن; فلا تنفعه; فالله يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٢ لكن المؤمن هو الذي تزول شبهته بما جاء عن الله ورسوله; كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣ ولهذا لما "قالت عائشة للمرأة: كان يصيبنا ذلك -تعني الحيض-; فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"٤ لم تذهب تعلل، ولكن لا حرج على الإنسان أن يذكر الحكم بعلته لمن لم يؤمن لعله يؤمن، ولهذا يذكر الله إحياء الموتى ويذكر الأدلة العقلية والحسية على ذلك; فقال في أدلة العقل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٥ فهذه دلالة عقلية; فالعقل يؤمن إيمانا كاملا بأن من قدر على الابتداء فهو قادر على الإعادة من باب أولى. وذكر أدلة حسية، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٦.
فإذا لا مانع أن تأتي بالأدلة العقلية أو الحسية من أجل أن تقنع الخصم وتطمئن الموافق.
_________
١ سورة يونس آية: ١٠١.
٢ سورة آية: ٩٦-٩٧.
٣ سورة الأحزاب آية: ٣٦.
٤ أخرجه: البخاري في (الحيض, باب لا تقضي الحائض الصلاة, ١/ ١٢٠) , ومسلم في (الحيض, باب وجوب قضاء الصوم على الحائض, ١/ ٢٦٥) .
٥ سورة الروم آية: ٢٧.
٦ سورة فصلت آية: ٣٩.стр. 1006
......................................................................
الحواشي
(١) وفيه دليل رابع، وهو دليل الفطرة; فلا مانع أيضا أن تأتي به للاستدلال على ما تقول من الحق لتلزم الخصم به وتطمئن الموافق، وما زال العلماء يسلكون هذا المسلك، وقد مر علينا قصة أبي المعالي الجويني مع الهمداني، حيث إن أبا المعالي الجويني -غفر الله لنا وله- كان يقرر نفي استواء الله على عرشه، فقال له الهمداني: "دعنا من ذكر العرش; فما تقول في هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: ما قال عارف قط: يا الله! إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو". فصرخ أبو المعالي ولطم على رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.
فإذا الأدلة سمعية وعقلية وفطرية وحسية. وأشدها إقناعا للمؤمن هو الدليل السمعي; لأنه يقف عنده ويعلم أن كل ما خالف دلالة السمع فهو باطل، وإن ظنه صاحبه حقا.стр. 1007
باب: ما جاء في المصورين
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ;..........................................
الحواشي
(١) قوله: "باب ما جاء في المصورين ": يعني: من الوعيد الشديد.
ومناسبة هذا الباب للتوحيد
أن في التصوير خلقا وإبداعا يكون به المصور مشاركا لله في ذلك الخلق والإبداع.
قوله في الحديث: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي": ينتهي سند هذا الحديث إلى الله ويسمى حديثا قدسيا، وسبق الكلام عليه في باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب.
قوله: "ومن أظلم": "من": اسم استفهام والمراد به النفي; أي: لا أحد أظلم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام كان أبلغ من النفي المحض; لأنه يكون مشربا معنى التحدي والتعجيز.
فإن قيل: كيف يجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ٢ وغير ذلك من النصوص؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المعنى أنها مشتركة في الأظلمية، أي أنها في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم.
_________
١ سورة البقرة آية: ١١٤.
٢ سورة الأنعام آية: ٢١.стр. 1008
فليخلقوا ذرة،........................................................
الحواشي
(١) الثانية: أن الأظلمية نسبية، أي أنه لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل لا في كل شيء، فيقال مثلا: من أظلم في مشابهة أحد في صنعه ممن ذهب يخلق كخلق الله، ومن أظلم في منع حق ممن منع مساجد الله، ومن أظلم في افتراء الكذب ممن افترى على الله كذبا.
قوله: "يخلق": حال من فاعل ذهب; أي: ممن ذهب خالقا. والخلق في اللغة: التقدير، قال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض الناس يخلق ثم لا يفري
تفري; أي: تفعل، ما خلقت; أي: ما قدرت. ويطلق الخلق على الفعل بعد التقدير، وهذا هو الغالب، والخلق بالنسبة للإنسان يكون بعد تأمل ونظر وتقدير، وأما بالنسبة للخالق; فإنه لا يحتاج إلى تأمل ونظر لكمال علمه، فالخلق بالنسبة للمصور يكون بمعنى الصنع بعد النظر والتأمل.
قوله: "يخلق كخلقي": فيه جواز إطلاق الخلق على غير الله، وقد سبق الكلام على هذا والجواب عنه في أول الكتاب.
قوله: " فليخلقوا ذرة ": اللام للأمر، والمراد به التحدي والتعجيز، وهذا من باب التحدي في الأمور الكونية، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ١ من باب التحدي في الأمور الشرعية.
والذرة: واحدة الذر، وهي النمل الصغار، وأما من قال: بأن الذرة هي ما تتكون منها القنبلة الذرية فقد أخطأ; لأن النبي ﷺ يخاطب الصحابة بلغة العرب وهم لا يعرفون القنبلة الذرية، وذكر الله الذرة لأن فيها روحا، وهي من أصغر الحيوانات.
_________
١ سورة الطور آية: ٣٤.стр. 1009
أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة "١٢ أخرجاه.
الحواشي
(٧٥٥٩) , ومسلم: اللباس والزينة(٢١١١) , وأحمد (٢/٢٣٢ ,٢/٢٥٩ ,٢/٣٩١ ,٢/٤٥١ ,٢/٥٢٧) .
٢ أخرجه: البخاري في (اللباس, باب نقض الصور, ٤/ ٨٢) , ومسلم في (اللباس والزينة, باب تحريم تصوير صورة الحيوان, ٣/١٦٧١) .
٣ سورة الأنعام آية: ٩٥.
٤ سورة الحج آية: ٧٣.
٥ سورة الحج آية: ٧٣.стр. 1010
......................................................................
الحواشي
(١) ويستفاد من هذا الحديث، وهو ما ساقه المؤلف من أجله: تحريم التصوير لأن المصور ذهب يخلق كخلق الله ليكون مضاهيا لله في صنعه، والتصوير له أحوال:
الحال الأولى:
أن يصور الإنسان ما له ظل كما يقولون; أي: ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها; فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، فإن قلت: إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله، ولكن صور عبثا; يعني: صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئا على صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به ; فهل يدخل في الحديث؟
فالجواب: نعم، يدخل في الحديث; لأنه خلق كخلق الله، ولأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد، وهذا هو سر المسألة، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها، ولهذا لو أن إنسانا لبس لبسا يختص بالكفار ثم قال: أنا لا أقصد التشبه بهم; نقول: التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك لو أن أحدا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه; قلنا له: قد حصل التشبه، سواء أردته أم لم ترده.
الحال الثانية:
أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط فهذا محرم لعموم الحديث، ويدل عليه حديث النمرقة حيث "أقبل النبي ﷺ إلى بيته، فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير، فوقف وتأثر، وعرفت الكراهة في وجهه، فقالت عائشة ﵂: ما أذنبت يا رسول الله; فقال:стр. 1011
......................................................................
الحواشي
(١) إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم "١ فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم، وقوله في "صحيح البخاري": "إلا رقما في ثوب٢ "، إن صحت الرواية هذه; فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها.
الحال الثالثة:
أن تلتقط الصور التقاطا بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط; فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين:
فالقول الأول: أنه تصوير، وإذا كان كذلك; فإن حركة هذا الفاعل للآلة يعد تصويرا; إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة، ونحن متفقون على أن هذه صورة; فحركته تعتبر تصويرا، فيكون داخلا في العموم.
القول الثاني: أنها ليست بتصوير; لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من صنع الله. ويوضح ذلك لو أدخلت كتابا في آلة التصوير، ثم خرج من هذه الآلة; فإن رسم الحروف من الكاتب الأول لا من المحرك، بدليل أنه قد يشغلها شخص أمي لا يعرف الكتابة إطلاقا أو أعمى في ظلمة، وهذا القول أقرب; لأن المصور بهذه الطريقة لا يعتبر مبدعا ولا مخططا، ولكن يبقى النظر: هل يحل هذا الفعل أو لا؟
والجواب: إذا كان لغرض محرم صار حراما، وإذا كان لغرض مباح
_________
١ أخرجه: البخاري في (اللباس, باب من كره القعود على الصور, ٤/٨٢) , ومسلم في (اللباس, باب تحريم تصوير صورة الحيوان, ٣/١٦٦٩) ; عن عائشة ﵂.
٢ أخرجه: البخاري في الموضع السابق, ومسلم في الموضع السابق (٣/١٦٦٥) .стр. 1012
......................................................................
الحواشي
(١) صار مباحا; لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وعلى هذا; فلو أن شخصا صور إنسانا لما يسمونه بالذكرى، سواء كانت هذه الذكرى للتمتع بالنظر إليه أو التلذذ به أو من أجل الحنان والشوق إليه; فإن ذلك محرم ولا يجوز لما فيه من اقتناء الصور; لأنه لا شك أن هذه صورة ولا أحد ينكر ذلك.
وإذا كان لغرض مباح كما يوجد في التابعية والرخصة والجواز وما أشبهه; فهذا يكون مباحا، فإذا ذهب الإنسان الذي يحتاج إلى رخصة إلى هذا المصور الذي تخرج منه الصورة فورية بدون عمل لا تحميض ولا غيره، وقال: صورني، فصوره; فإن هذا المصور لا نقول: إنه داخل في الحديث; أي: حديث الوعيد على التصوير، أما إذا قال: صورني لغرض آخر غير مباح; صار من باب الإعانة على الإثم والعدوان.
الحال الرابعة:
أن يكون التصوير لما لا روح فيه وهذا على نوعين:
النوع الأول: أن يكون مما يصنعه الآدمي; فهذا لا بأس به بالاتفاق; لأنه إذا جاز الأصل جازت الصورة; مثل أن يصور الإنسان سيارته; فهذا يجوز; لأن صنع الأصل جائز، فالصورة التي هي فرع من باب أولى.
النوع الثاني: ما لا يصنعه الآدمي وإنما يخلقه الله، فهذا نوعان: نوع نام، ونوع غير نام، فغير النامي; كالجبال، والأودية، والبحار، والأنهار; فهذه لا بأس بتصويرها بالاتفاق، أما النوع الذي ينمو; فاختلف في ذلك أهل العلم، فجمهور أهل العلم على جواز تصويره لما سيأتي في الأحاديث.стр. 1013
......................................................................
الحواشي
(٥٩٥٣) , ومسلم: اللباس والزينة(٢١١١) , وأحمد (٢/٢٣٢ , ٢٥٩ , ٣٩١ , ٤٥١ , ٥٢٧) .
٢ سبق (ص ٤٣٧) .
٣ البخاري: اللباس(٥٩٥٣) , ومسلم: اللباس والزينة(٢١١١) , وأحمد (٢/٢٣٢ ,٢/٢٥٩ ,٢/٣٩١ ,٢/٤٥١ ,٢/٥٢٧) .
٤ سبق تخريجه.
٥ سيأتي (ص ٤٤٦) .стр. 1014
ولهما عن عائشة ﵂; أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله "١.
الحواشي
(١) قوله: "أشد": كلمة أشد اسم تفضيل بمعنى أعظم وأقوى.
قوله: "الناس": للعموم، والمراد الذين يعذبون.
وقوله: "عذابا": تمييز مبين للمراد بالأشد; لأن التمييز كما قال ابن مالك:
اسم بمعنى من مبين نكرة ... ينصب تمييزا بما قد فسره٢
والعذاب يطلق على العقاب ويطلق على ما يؤلم ويؤذي وإن لم يكن عقابا; فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٣ أي: العقوبة والنكال; لأنه يدخل النار والعياذ بالله; كما قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ٤ ومن الثاني قول النبي ﵊: " السفر قطعة من العذاب "٥ وقوله: "الميت يعذب بالنياحة عليه"٦.
قوله: "يوم القيامة": هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسبق وجه تسميته بذلك. وقوله: "أشد" مبتدأ، و"الذين يضاهئون" خبره، ومعنى يضاهئون; أي: يشابهون.
"بخلق الله"; أي: بمخلوقات الله . والذين
_________
١ أخرجه: البخاري في (اللباس, باب ما وطئ من التصاوير, ٤/٨٢) , ومسلم في (اللباس, باب تحريم تصوير صورة الحيوان, ٣/١٦٦٨) .
٢ "ألفية ابن مالك" (ص ٣١) .
٣ سورة غافر آية: ٤٦.
٤ سورة هود آية: ٩٨.
٥ أخرجه: البخاري في (العمرة, باب السفر قطعة من العذاب, ١/٥٤٥) , ومسلم في (الإمارة, باب السفر قطعة من العذاب, ٣/١٥٢٦) ; عن أبي هريرة ﵁.
٦ أخرجه: البخاري في (الجنائز, باب ليس منا من شق الجيوب, ١/٣٩٨) , ومسلم في (الإيمان, باب تحريم ضرب الخدود, ١/ ٩٩) ; عن عمر ﵁.стр. 1015
......................................................................
الحواشي
(١) يضاهئون بخلق الله هم المصورون; فهم يضاهئون بخلق الله سواء كانت هذه المضاهاة جسمية أو وصفية; فالجسمية أن يصنع صورة بجسمها، والوصفية أن يصنع صورة ملونة; لأن التلوين والتخطيط باليد وصف للخلق، وإن كان الإنسان ما خلق الورقة ولا صنعها لكن وضع فيها هذا التلوين الذي يكون وصفا لخلق الله .
هذا الحديث يدل على أن المصورين يعذبون، وأنهم أشد الناس عذابا، وأن الحكمة من ذلك مضاهاتهم خلق الله وليست الحكمة كما يدعيه كثير من الناس أنهم يصنعونها لتعبد من دون الله; فذلك شيء آخر، فمن صنع شيئا ليعبد من دون الله; فإنه حتى ولو لم يصور كما لو أتى بخشبة وقال: اعبدوها; فقد دخل في التحريم; لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١ لأنه أعان على الإثم والعدوان.
وقوله: "يضاهئون": هل الفعل يشعر بالنية بمعنى أنه لا بد أن يقصد المضاهاة، أو نقول: المضاهاة حاصلة سواء كانت بنية أو بغير نيه؟
الجواب: الثاني; لأن المضاهاة حصلت سواء نوى أم لم ينو; لأن العلة هي المشابهة، وليست العلة قصد المشابهة، فلو جاء رجل وقال: أنا لا أريد أن أضاهي خلق الله، أنا أصور هذا للذكرى مثلا وما أشبه ذلك; نقول: هذا حرام; لأنه متى حصلت المشابهة ثبت الحكم; لأن الحكم يدور مع علته كما قلنا فيمن لبس لباسا خاصا بالكفار: إنه يحرم عليه هذا اللباس، ولو قال: إنه لم يقصد المشابهة; نقول: لكن حصل التشبه; فالحكم المقرون بعلة لا يشترط فيه القصد، فمتى وجدت العلة ثبت الحكم.
_________
١ سورة المائدة آية: ٢.стр. 1016
......................................................................
الحواشي
(١) فيستفاد من الحديث:
١- تحريم التصوير، وأنه من الكبائر لثبوت الوعيد عليه، وأن الحكمة من تحريمه المضاهاة بخلق الله .
٢- وجوب احترام جانب الربوبية وأن لا يطمع أحد في أن يخلق كخلق الله لقوله: " يضاهئون بخلق الله "، ومن أجل هذا حرم الكبر; لأن فيه منازعة للرب وحرم التعاظم على الخلق; لأن فيه منازعة للرب ، وكذلك هذا الذي يصنع ما يصنع فيضاهي خلق الله فيه منازعة لله في ربوبيته في أفعاله ومخلوقاته ومصنوعاته; فيستفاد من هذا الحديث وجوب احترام جانب الربوبية.
قوله: " أشد الناس عذابا ": فيه إشكال; لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبا; كالمشركين والكفار، فيلزم أن يكونوا أشد عذابا، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن الحديث على تقدير "من"; أي: من أشد الناس عذابا بدليل أنه قد جاء ما يؤيده بلفظ: "إن من أشد الناس عذابا".
الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ١ ولكن يشكل على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط; فكيف يسوى مع من هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟!
الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها أشدهم عذابا الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.
_________
١ سورة غافر آية: ٤٦.стр. 1017
ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم "١.
الحواشي
(٥٩٦٣) , ومسلم(٢١١٠) .стр. 1018
ولهما عنه مرفوعا: " من صور صورة في الدنيا; كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ " ١.
ولمسلم عن أبي الهياج; قال: قال لي علي:...........................
الحواشي
(١) عند المعتزلة والخوارج كينونة خلود; لأن فاعل الكبيرة عندهم مخلد في النار، وعند المرجئة أن المراد بالمصور الكافر; لأن المؤمن عندهم لا يدخل النار أبدا، وعند أهل السنة والجماعة أنه مستحق لدخول النار وقد يدخلها وقد لا يدخلها، وإن دخلها لم يخلد فيها.
وقوله: "بكل صورة صورها ": يقتضي أنه لو صور في اليوم عشر صور ولو من نسخة واحدة; فإنه يجعل له في النار عشر صور يقال له: انفخ فيها الروح، وظاهر الحديث أنه يبقى في النار معذبا حتى تنتهي هذه الصور.
قوله: "كلف": أي: ألزم، والمكلف له هو الله .
قوله: " وليس بنافخ ": أي: كلف بأمر لا يتمكن منه زيادة في تعذيبه، وعذب بهذا العذاب ليذوق جزاء ما عمل، وبهذا تزداد حسرته وأسفه، حيث إنه عذب بما كان في الدنيا يراه راحة له; إما باكتساب، أو إرضاء صاحب، أو إبداع صنعة.
قوله: "عن أبي الهياج": هو من التابعين.
_________
١ أخرجه: البخاري في (اللباس, باب من لعن المصور, ٤/٨٣) , ومسلم في اللباس, باب تحريم تصوير صورة الحيوان, ٣/١٦٧١) .стр. 1019
" ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة ;
الحواشي
(١) قوله: "قال لي علي": هو علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: "ألا أبعثك": البعث: الإرسال بأمر مهم; كالدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ١.
قوله: "على ما بعثني": يحتمل أن تكون "على" على ظاهرها للاستعلاء; لأن المبعوث يمشي على ما بعث عليه، كأنه طريق له، وهذا هو الأولى; لأن ما وافق ظاهر اللفظ من المعاني فهو أولى بالاعتبار، ويحتمل أن "على" بمعنى الباء; أي: بما بعثني عليه. وقد بعث النبي ﷺ عليا إلى اليمن بعد قسمة غنائم حنين، وقدم على النبي ﷺ وهو في مكة في حجة الوداع٢.
قوله: "أن لا تدع": "أن": مصدرية، "لا": نافية، "تدع": منصوب بأن المصدرية وهي بدل بعض من كل من "ما" في قوله: "على ما بعثني"; لأن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب بأكثر من ذلك، لكن هذا مما بعثه النبي ﷺ .
قوله: "صورة": نكرة في سياق النفي فتعم. وجمهور أهل العلم: أن المحرم هو صور الحيوان فقط; لما ورد في "السنن" من حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: " فمر برأس التمثال يقطع، فيصير كهيئة الشجرة "٣ وسبق بيان ذلك قريبا.
_________
١ سورة النحل آية: ٣٦.
٢ أخرجه: البخاري في (المغازي, باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن, ٣/١٦٢) , ومسلم في (الحج, باب بيان وجوه الإحرام, ٢/٨٨٣) .
٣ أخرجه: أحمد (٢/٣٠٥) , وأبو داود في (اللباس, باب في الصور, ٤/٣٨٨) , والترمذي في (الأدب, باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة, ٨/٣٥) - وقال: "حسن صحيح"-.стр. 1020
إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا; إلا سويته "١.
الحواشي
(١) قوله: "إلا طمستها": إن كانت ملونة فطمسها بوضع لون آخر يزيل معالمها، وإن كانت تمثالا فإنه يقطع رأسه، كما في حديث جبريل السابق، وإن كانت محفورة فيحفر على وجهه حتى لا تتبين معالمه; فالطمس يختلف، وظاهر الحديث سواء كانت تعبد من دون الله أو لا.
قوله: "ولا قبرا مشرفا": أي: عاليا.
قوله: "إلا سويته" له معنيان: الأول: أي سويته بما حوله من القبور. الثاني: جعلته حسنا على ما تقتضيه الشريعة، قال تعالى: ﴿الذي خلق فسوى﴾ ٢ أي: سوى خلقه أحسن ما يكون، وهذا أحسن، والمعنيان متقاربان.
والإشراف له وجوه:
الأول: أن يكون مشرفا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب) ، ونصائب أصح لغة من نصائل.
الثاني: أن يبني عليه، وهذا من كبائر الذنوب; لأن النبي ﷺ " لعن المتخذين عليها المساجد والسرج "٣.
الثالث: أن تشرف بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة.
الرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله فيكون بينا ظاهرا. فكل شيء مشرف; أي: ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره، لئلا
_________
١ أخرجه: مسلم في (الجنائز, دار الأمر بتسوية القبر, ٢/ ٦٦٦) .
٢ سورة الأعلى آية: ٢.
٣ سبق (١/٤٢٨) .следующие страницы →