Полный текст (1 122 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وكل إليه ". رواه أحمد والترمذي١.
" التمائم ": شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين.
الحواشي
(١) عند المصائب والشدائد: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد وأصحابه حين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ٢.
قوله: " وكل إليه ": أي: أسند إليه، وفوض.
أقسام التعلق بغير الله:
الأول: ما ينافي التوحيد من أصله، وهو أن يتعلق بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير، ويعتمد عليه اعتمادا معرضا عن الله، مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب، ولهذا إذا مستهم الضراء الشديدة يقولون: يا فلان! أنقذنا; فهذا لا شك أنه شرك أكبر مخرج من الملة.
الثاني: ما ينافي كمال التوحيد، وهو أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبب، وهو الله عزوجل وعدم صرف قلبه إليه; فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شرك أكبر; لأن هذا السبب جعله الله سببا.
الثالث: أن يتعلق بالسبب تعلقا مجردا لكونه سببا فقط، مع اعتماده الأصلي على الله; فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل
_________
١ رواه: أحمد (٤/٣١٠) , والترمذي (أبواب الطب, باب ما جاء فى كراهة التعليق, ٦/ ٢٦٣) - قال: "حديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث ابن أبي ليلى"-, والحاكم في (كتاب الطب, ٤/٢١٦) . وسكت عنه هو والذهبي, وقال ابن البنا في "الفتح الرباني" (١٧/١٨٨) : "قلت: هذا الحديث لا تقل درجته عن الحسن لاسيما وله شواهد تؤيده".
٢ رواه: البخاري عن ابن عباس (كتاب التفسير, باب الدين قال لهم الناس , ٣/ ٢١١) .стр. 177
لكن إذا كان المعلق من القرآن; فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
الحواشي
(١) أثره، ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله عزوجل؛ فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالا ولا أصلا، وعلى هذا لا إثم فيه.
ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة، ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله. فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقا كاملا، مع الغفلة عن المسبب، وهو الله، قد وقع في نوع من الشرك. أما إذا اعتقد أن المرتب سبب، والمسبب هو الله ، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب; فهذا لا ينافي التوكل. وقد كان الرسول ﷺ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب، وهو الله عزوجل
وجاء في الحديث: " من تعلق "، ولم يقل: من علق; لأن المتعلق بالشيء يتعلق به بقلبه وبنفسه، بحيث ينزل خوفه ورجاءه وأمله به، وليس كذلك من علق.
قوله: "إذا كان المعلق من القرآن ... " إلخ: إذا كان المعلق من القرآن أو الأدعية المباحة، والأذكار الواردة; فهذه المسألة اختلف فيها السلف ﵏; فمنهم من رخص في ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ ولم يذكر الوسيلة التي نتوصل بها إلى الاستشفاء بهذا القرآن; فدل على أن كل وسيلة يتوصل بها إلى ذلك فهي جائزة، كما لو كان القرآن دواء حسيا.
_________
١ سورة الإسراء آية: ٨٢.стр. 178
.......................................................................
الحواشي
(١) ومنهم من منع ذلك وقال: لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به; لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به; فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد; فمعنى ذلك أننا فعلنا سببا ليس مشروعا، وقد نقله المؤلف ﵀ عن ابن مسعود (. ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء; لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمرا ظاهرا; فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم; فإنه يتأثر بذلك.
ولهذا نقول: الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا سيما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن; كالغيبة مثلا، ودخول بيت الخلاء، وأيضا إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة; فمثلا: علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغني بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرآن على صدره. وإن كان صبيا، فربما بال ووصلت الرطوبة إلى هذا المعلق، وأيضا لم يرد عن النبي ﷺ فيه شيء. فالأقرب أن يقال: إنه لا يفعل، أما أن يصل إلى درجة التحريم; فأنا أتوقف فيه، لكن إذا تضمن محظورا; فإنه يكون محرما بسبب ذلك المحظور.стр. 179
و" الرقى": هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك; فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة١.
الحواشي
(٣) رواه البخاري من حديث عائشة (كتاب فضائل القرآن, باب فضل المعوذات, ٣/٣٤٤) وأصله عند مسلم كتاب السلام (باب رقية المريض بالمعوذات والنفث, ٤/١٧٢٣) .
٣ الترمذي: الطب(٢٠٥٧) , وأبو داود: الطب(٣٨٨٤) , وأحمد (٤/٤٣٦ ,٤/٤٣٨ ,٤/٤٤٦) .стр. 180
و " التولة": هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
الحواشي
(١) وهو "العائن" - يطلب منه أن يقرأ على المعيون. وكذلك الحمة يطلب الإنسان من غيره أن يقرأ عليه; لأنه مفيد كما في حديث أبي سعيد في قصة السرية١.
شروط جواز الرقية:
الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله; فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله.
الثاني: أن لا تكون مما يخالف الشرع; كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن، وما أشبه ذلك; فإنها محرمة، بل شرك.
الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة; فإنها لا تجوز.
أما بالنسبة للتمائم; فإن كانت من أمر محرم، أو اعتقد أنها نافعة لذاتها، أو كانت بكتابة لا تفهم; فإنها لا تجوز بكل حال.
وإن تمت فيها الشروط الثلاثة السابقة في الرقية; فإن أهل العلم اختلفوا فيها كما سبق٢.
_________
١ سبق (ص ٩٩) .
٢ انظر: (ص ١٨٤) .стр. 181
وروى أحمد عن رويفع; قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك; فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم ;..........................................
الحواشي
(١) قوله: " من عقد لحيته ": اللحية عند العرب كانت لا تقص ولا تحلق، كما أن ذلك هو السنة، لكنهم كانوا يعقدون لحاهم لأسباب:
منها: الأوّل: الافتخار والعظمة، فتجد أحدهم يعقد أطرافها، أو يعقدها من الوسط عقدة واحدة ليعلم أنه رجل عظيم، وأنه سيد في قومه.
الثاني: الخوف من العين; لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك; فإن الرسول ﷺ بريء منه.
وبعض العامة إذا جاءهم طعام من السوق، أخذوا شيئا منه يرمونه في الأرض; دفعا للعين وهذا اعتقاد فاسد، ومخالف لقول النبي ﷺ : " إذا سقطت لقمة أحدكم; فليمط ما بها من الأذى، وليأكلها " ١.
قوله: " أو تقلد وترا ": الوتر: سلك من العصب يؤخذ من الشاة، وتتخذ للقوس وترا، ويستعملونها في أعناق إبلهم أو خيلهم، أو في أعناقهم، يزعمون أنه يمنع العين، وهذا من الشرك.
قوله: " أو استنجى برجيع دابة ": الاستنجاء: مأخوذ من النجو، وهو إزالة أثر الخارج من السبيلين; لأن الإنسان الذي يتمسح بعد الخلاء يزيل أثره. ورجيع الدابة: هو روثها.
قوله: " أو عظم ": العظم معروف، وإنما تبرأ النبي ﷺ ممن
_________
١ رواه: مسلم من حديث أنس (كتاب الأشربة, باب استحباب لعق الأيادي والقصعة, ٣/ ١٦٠٧) .стр. 182
فإن محمدا بريء منه "١.
وعن سعيد بن جبير، قال: " من قطع تميمة من إنسان; كان كعدل رقبة " رواه وكيع.
الحواشي
(٤٤٩١) . وإسناده صحيح; كما في "النهج السديد" (ص ٦٢) .стр. 183
وله عن إبراهيم، قال: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن "
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الحواشي
(١) قوله: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن ": وقد سبق أن هذا رأي ابن مسعود (، فأصحابه يرون ما يراه.
قوله: " وله عن إبراهيم ": وهو إبراهيم النخعي.
قوله: " كانوا ": الضمير يعود إلى أصحاب ابن مسعود; لأنهم هم قرناء إبراهيم النخعي.
قوله: " التمائم ": هي ما يعلق على المريض أو الصحيح، سواء من القرآن أو غيره للاستشفاء أو لاتقاء العين، أو ما يعلق على الحيوانات. وفي هذا الوقت أصبح تعليق القرآن لا للاستشفاء، بل لمجرد التبرك والزينة; كالقلائد الذهبية، أو الحلي التي يكتب عليها لفظ الجلالة، أو آية الكرسي، أو القرآن كاملا، فهذا كله من البدع. فالقرآن ما نزل ليستشفى به على هذا الوجه، إنما يستشفى به على ما جاء به الشرع.
· قوله: الأولى: تفسير الرقى والتمائم: وقد سبق ذلك.
· الثانية: تفسير التولة: وقد سبق ذلك. وعندي أن منها ما يسمى بالدبلة إن اعتقدوا أنها صلة بين المرء وزوجته.стр. 184
الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن; فقد اختلف العلماء; هل هي من ذلك أم لا؟.
الحواشي
(١) · الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء: ظاهر كلامه حتى الرقى، وهذا فيه نظر; لأن الرقى ثبت عن النبي ﷺ أنه يرقي ويرقى١ ولكنه لا يسترقي; أي: لا يطلب الرقية; فإطلاقها بالنسبة للرقى فيه نظر، وقد سبق للمؤلف ﵀ أن الدليل خص منها ما خلا من الشرك، وبالنسبة للتمائم; فعلى رأي الجمهور فيه نظر أيضا. وأما على رأي ابن مسعود; فصحيح، وبالنسبة للتولة; فهي شرك بدون استثناء.
· الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين أو الحمة ليس من ذلك. قوله: "الكلام الحق": ضده الباطل، وكذا المجهول الذي لا يعلم أنه حق أو باطل. والمؤلف رحمه الله تعالى خصص العين أو الحمة فقط استنادا لقول الرسول ﷺ " لا رقية إلا من عين أو حمة "٢ ولكن الصحيح أنه يشمل غيرهما; كالسحر.
·الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن; فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟
_________
(ص ١٠٢) .
(ص ٩٨) .стр. 185
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الحواشي
(١٠١) عن أبي هريرة ﵁.стр. 186
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف; لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
الحواشي
(١) الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان: لقول سعيد بن جبير: "كان كعدل رقبة"، ولكن هل قوله حجة أم لا؟ إن قيل: ليس بحجة; فكيف يقول المؤلف: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان؟! فيقال: إنه إنما كان كذلك; لأنه إنقاذ له من رق الشرك; فهو كمن أعتقه، بل أبلغ. فهو من باب القياس، فمن أنقذ نفسا من الشرك; فهو كمن أنقذها من الرق لأنه أنقذه من رق الشيطان والهوى.
فائدة:
إذا قال التابعي: من السنة كذا; فهل يعتبر موقوفا متصلا ويكون المراد من السنة أي سنة الصحابة، أو يكون مرفوعا مرسلا؟ اختلف أهل العلم في هذا; فبعضهم قال: إنه يكون موقوفا. وبعضهم قال: يكون مرفوعا مرسلا.
وتقدم لنا أنه ينبغي أن يفصل في هذا، وأن التابعي إذا قاله محتجا به; فإنه يكون مرفوعا مرسلا، أما إذا قاله في سياق غير الاحتجاج; فهذا قديقال: إنه من باب الموقوف الذي ينسب إلى الصحابي. التاسعة: أن كلام إبراهيم النخعي لا يخالف ما تقدم من الاختلاف; لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود: وليس مراده الصحابة، ولا التابعين عموما.стр. 187
باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما
........................................................................
الحواشي
(١) قوله: "تبرك": تفعل من البركة، والبركة: هي كثرة الخير وثبوته، وهي مأخوذة من البركة بالكسر، والبركة: مجمع الماء، ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين:
١- الكثرة.
٢- الثبوت.
والتبرك: طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
١. أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم; مثل القرآن، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ ١. فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله بذلك أمما كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد....، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
٢. أن يكون بأمر حسي معلوم; مثل: التعليم، والدعاء، ونحوه; فهذا الرجل يتبرك بعلمه ودعوته إلى الخير; فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيرا كثيرا.
وقال أسيد بن حضير: "ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر"٢؛
_________
١ سورة ص آية: ٢٩.
٢ من حديث عائشة رواه البخاري (كتاب التيمم١/١٢٥) , ومسلم (كتاب الحيض, باب التيمم١/٢٨٩) .стр. 188
.......................................................................
الحواشي
(١) فإن الله يجري على بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر.
وهناك بركات موهومة باطلة; مثل ما يزعمه الدجالون: أن فلانا الميت الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته وما أشبه ذلك; فهذه بركة باطلة، لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر، لكنها لا تعدو أن تكون آثارا حسية، بحيث إن الشيطان يخدم هذا الشيخ; فيكون في ذلك فتنة.
أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة؟ فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة; فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره.
ومن ذلك ما جعل الله على يد شيخ الإسلام ابن تيمية من البركة التي انتفع بها الناس في حياته وبعد موته. أما إن كان مخالفا للكتاب والسنة، أو يدعو إلى باطل; فإن بركته موهومة، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله، وذلك مثل ما يحصل لبعضهم أنه يقف مع الناس في عرفة ثم يأتي إلى بلده ويضحي مع أهل بلده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الشياطين تحملهم لكي يغتر بهم الناس، وهؤلاء وقع منهم مخالفات، منها: عدم إتمام الحج، ومنها أنهم يمرون بالميقات ولا يحرمون منه١.
قوله: "شجر": اسم جنس; فيشمل أي شجرة تكون، ومن حسنات
_________
١ "مجموع الفتاوى" (١/٨٣) .стр. 189
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ١ الآيات.
الحواشي
(١) أمير المؤمنين عمر بن الخطابرضي الله عنهأنه لما رأى الناس ينتابون الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان أمر بقطعها.
قوله: "وحجر": اسم جنس يشمل أي حجر كان حتى الصخرة التي في بيت المقدس; فلا يتبرك بها، وكذا الحجر الأسود لا يتبرك به، وإنما يتعبد لله بمسحه وتقبيله; اتباعا للرسول ﷺ وبذلك تحصل بركة الثواب. ولهذا قال عمررضي الله عنه" إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك; ما قبلتك "٢. فتقبيله عبادة محضة خلافا للعامة، يظنون أن به بركة حسية، ولذلك إذا استلمه بعض هؤلاء مسح على جميع بدنه تبركا بذلك.
قوله: "ونحوهما": أي: من البيوت، والقباب، والحجر; حتى حجرة قبر النبي ﷺ فلا يتمسح بها تبركا، لكن لو مسح الحديد لينظر هل هو أملس أو لا; فلا بأس، إلا إن خشي أن يقتدى به; فلا يمسحه.
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ لما ذكر الله عزوجل المعراج بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٣ قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٤ ; أي: رأى النبي ﷺ من آيات الله الكبرى. وقد اختلف العلماء في قوله: (الكبرى) : هل هي مفعول ل (رأى) ، أو صفة لـ (آيات) ؟.
وقوله: " الكبرى " قيل: إنها مفعول ل " رأى "، والتقدير: لقد رأى من آيات الله الكبرى.
_________
١ سورة النجم آية: ١٩.
٢ سبق (ص ١٨١) .
٣ سورة آية: ١-٢.
٤ سورة النجم آية: ١٨.стр. 190
.......................................................................
الحواشي
(١) فعلى الأول: يكون المعنى: أنه رأى الكبرى من الآيات.
وعلى الثاني: يكون المعنى: أنه رأى بعض الآيات الكبرى، وهذا هو الصحيح، أن الكبرى صفة ل " آيات "، وليست مفعولا ل " رأى " ; إذ إن ما رآه ليس أكبر آيات الله.
وبعد أن ذكر الله ما رأى النبي ﷺ من هذه الآيات; قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ١ أي: أخبروني ما شأنها، وما حالها بالنسبة إلى هذه الآيات العظيمة، إنها ليست بشيء. والاستفهام: للاستخفاف والاستهجان بهذه الأصنام.
قوله: " اللات ": تقرأ بتشديد التاء وتخفيفها، والتشديد قراءة ابن عباس; فعلى قراءة التشديد تكون اسم فاعل من اللّتِّ، وكان هذا الصنم أصله رجل يلت السويق للحجاج; أي: يجعل فيه السمن، ويطعمه الحجاج، فلما مات عكفوا على قبره وجعلوه صنما.
وأما على قراءة التخفيف; فإن اللات مشتقة من الله، أو من الإله; فهم اشتقوا من أسماء الله اسما لهذا الصنم، وسموه اللات، وهي لأهل الطائف ومن حولهم من العرب.
وقوله: " والعزى ": مؤنث أعز، وهو صنم يعبده قريش وبنو كنانة مشتق من اسم الله العزيز، كان بنخلة بين مكة والطائف.
قوله: " ومناة ": قيل: مشتقة من المنان، وقيل: من منى; لكثرة ما يمنى عنده من الدماء بمعنى يراق، ومنه سميت منى; لكثرة ما يراق فيها من الدماء.
وكان هذا الصنم بين مكة والمدينة لهذيل وخزاعة، وكان الأوس والخزرج يعظمونها ويهلون منها للحج.
_________
١ سورة آية: ١٩-٢٠.стр. 191
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: " الثالثة الأخرى ": إشارة إلى أن التي تعظمونها، وتذبحون عندها، وتكثر إراقة الدماء حولها. أنها أخرى بمعنى متأخرة; أي: ذميمة حقيرة، مأخوذة من قولهم: فلان أخر; أي: ذميم، حقير، متأخر. فهذه الأصنام الثلاثة المعبودة عند العرب ما حالها بالنسبة لما رأى النبي ﷺ ؟ لا شيء، وإنما ذكر هذه الأصنام الثلاثة لأنها أشهر الأصنام وأعظمها عند العرب.
قوله: الآيات: أي: أكمل الآيات بعدها.
قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ ١ هذا أيضا استفهام إنكاري على المشركين الذين يجعلون لله البنات ولهم البنين، فإذا ولد لهم الولد الذكر فرحوا واستبشروا به، وإذا ولدت الأنثى ظل وجه الإنسان منهم مسودا، وهو كظيم، ومع ذلك يقولون: الملائكة بنات الله; فيجعلون البنات لله - والعياذ بالله - ولهم ما يشتهون.
قوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٢ ضيزى: جائرة; لأنه على الأقل إذا أردتم القسمة; فاجعلوا لكم من البنات نصيبا، واجعلوا لله من البنين نصيبا، أما أن تجعلوا ما تختارونه لأنفسكم، وهم البنون، وتجعلون ما تكرهون لله; فهذه قسمة جائرة.
قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٣ الضمير في " هي " يعود إلى الأصنام; أي: هذه الأصنام (اللات والعزى، ومناة) التي سميتموها آلهة واتخذتموها آلهة تعبدونها هي مجرد أسماء سميتموها، ولكن ما أنزل الله بها من سلطان; أي: من حجة ودليل.
_________
١ سورة النجم آية: ٢١.
٢ سورة النجم آية: ٢٢.
٣ سورة النجم آية: ٢٣.стр. 192
.......................................................................
الحواشي
(١) بل أبطلها الله - سبحانه -، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
وأصل السلطان في اللغة العربية: ما به سلطة، فإن كان في مقام العلم; فهو العلم، وإن كان في مقام القدرة; فهو القدرة، وإن كان في مقام الأمر والنهي; فهو من له الأمر والنهي; فمثلا قوله تعالى: ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ ٢ ; أي: بقدرة وقوة، ومثل قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٣; أي: من حجة وبرهان.
وفي الحديث: " السلطان ولي من لا ولي له "٤ أي: من له الأمر والنهي.
قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ٥ " إن " هنا بمعنى ما، وعلامة إن التي بمعنى ما أن تأتي بعدها إلا، قال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٦، يعني ما هذا إلا ملك كريم، وقال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَِّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٧ ; أي: ما هذا إلا قول البشر، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ٨ ; أي: ما يتبعون إلا الظن. والظن الذي يتبعونه هو أنها آلهة، وأن لله البنات ولهم البنون، والظن لا يغني من الحق شيئا; كما قال تعالى في آية أخرى.
_________
١ سورة الحج آية: ٦٢.
٢ سورة الرحمن آية: ٣٣.
٣ سورة يوسف آية: ٤٠.
٤ من حديث عائشة, رواه: أبو داود (كتاب النكاح, باب في الولي, ٢/٥٦٨) - وسكت عنه-, والترمذي (النكاح, باب لا نكاح إلا بولي, رقم ١١٠٢) - وقال: "حديث حسن" -, وابن ماجه (كتاب النكاح, باب لا نكاح إلا بولي, ١/٦٠٥) , وأحمد (١/٤٧, ٦٦, ١٦٦، ٢٦٠.
٥ سورة الأنعام آية: ١١٦.
٦ سورة يوسف آية: ٣١.
٧ سورة المدثر آية: ٢٥.
٨ سورة الأنعام آية: ١١٦.стр. 193
وعن أبي واقد الليثي; قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين،........
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ ١ كذلك أيضا يتبعون ما تهوى الأنفس، وهذا أضر شيء على الإنسان أن يتبع ما يهوى; فالإنسان الذي يعبد الله بالهوى; فإنه لا يعبد الله حقا، إنما يعبد عقله وهواه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٢، لكن الذي يعبد الله بالهدى لا بالهوى؛ هو الذي على الحق.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ٣ أي: على يد النبي ﷺ فكان الأجدر بهم أن يتبعوا الهدى دون الهوى.
مناسبة الآية للترجمة
أنهم يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعهم وتضرهم، ولهذا يأتون إليها; يدعونها، ويذبحون لها، ويتقربون إليها، وقد يبتلي الله المرء فيحصل له ما يريد من اندفاع ضر أو جلب نفع بهذا الشرك; ابتلاء من الله وامتحانا، وهذا قد تقدم لنا له نظائر أن الله يبتلي المرء بتيسير أسباب المعصية له حتى يعلم سبحانه من يخافه بالغيب.
قوله: " خرجنا مع النبي ﷺ ": أي: بعد غزوة الفتح; لأن النبي ﷺ لما فتح مكة تجمعت له ثقيف وهوازن، بجمع عظيم كثير جدا. فقصدهم ﷺ ومعه اثنا عشر ألفا: ألفان من أهل مكة، وعشرة آلاف جاء بهم من المدينة، فلما توجهوا بهذه الكثرة العظيمة; قالوا: لن نغلب اليوم من قلة. فأعجبوا بكثرتهم، ولكن بين الله أن النصر من عند الله وليس بالكثرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
_________
١ سورة النجم آية: ٢٣.
٢ سورة آية: ٢٣.
٣ سورة النجم آية: ٢٣.стр. 194
ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ الله أكبر! إنها السنن!................................................................
الحواشي
(١) أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ ١ الآيتين.
ثم لما انحدروا من وادي حنين وجدوا أن المشركين قد كمنوا لهم في الوادي، فحصل ما حصل، وتفرق المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا نحو مئة رجل، وفي آخر الأمر كان النصر للنبي ﷺ والحمد لله.
قوله: "حدثاء": جمع حديث، أي: أننا قريبو عهد بكفر، وإنما ذكر ذلكرضي الله عنهللاعتذار لطلبهم وسؤالهم، ولو وقر الإيمان في قلوبهم لم يسألوا هذا السؤال.
قوله: "يعكفون عندها": أي: يقيمون عليها، والعكوف: ملازمة الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ٢.
قوله: "ينوطون": أي: يعلقون بها أسلحتهم تبركا.
قوله: "يقال: لها ذات أنواط": أي: أنها تلقب بهذا اللقب لأنه تناط فيها الأسلحة، وتعلق عليها رجاء بركتها، فالصحابة ﵃ قالوا للنبي ﷺ "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"؟ أي: سدرة نعلق أسلحتنا عليها تبركا بها، فقال النبي ﷺ "الله أكبر"، كبَّر تعظيما لهذا الطلب، أي: استعظاما له، وتعجبا لا فرحا به، كيف يقولون هذا القول؟ وهم آمنوا بأنه لا إله إلا الله؟! لكن: "إنها السنن" أي: الطرق التي يسلكها العباد.
_________
١ سورة التوبة آية: ٢٥.
٢ سورة البقرة آية: ١٨٧.стр. 195
قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١. لتركبن سنن من كان قبلكم " رواه الترمذي وصححه٢.
الحواشي
(٧٦) , وابن حبان برقم(١٨٣٥) , والطبراني في "الكبير" برقم(٣٢٩٠) , والبيهقي في "المعرفة" (١/١٠٨) .
٣ الترمذي: الفتن(٢١٨٠) , وأحمد (٥/٢١٨) .стр. 196
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم: أي: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ١ الآية. وسبق تفسيرها، وأن الله تعالى أنكر على هؤلاء الذين يعبدون اللات والعزى، وأتى بصيغة الاستفهام الدالة على التحقير والتصغير لهذه الأصنام.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا: وهو أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط كما أن للمشركين ذات أنواط، وهم إنما أرادوا أن يتبركوا بهذه الشجرة لا أن يعبدوها، فدل ذلك على أن التبرك بالأشجار ممنوع، وأن هذا من سنن الضالين السابقين من الأمم.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا: أي: لم يعلقوا أنواطا على الشجرة، ويطلبوا من الرسول ﷺ أن يقرهم على هذا العمل، بل طلبوا من الرسول ﷺ أن يجعل لهم ذلك.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه:
_________
١ سورة آية: ١٩-٢٤.стр. 197
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا، فغيرهم أولى بالجهل.
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: " الله أكبر! إنها السنن! لتتبعن سنن من كان قبلكم " ١ فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
الحواشي
(٧٣٢٠) , ومسلم: العلم(٢٦٦٩) , وأحمد (٣/٨٤ ,٣/٨٩ ,٣/٩٤) .
٢ سورة الحديد آية: ١٠.стр. 198
الثامنة: الأمر الكبير- وهو المقصود- أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها.
التاسعة: أن نفي هذا من معنى لا إله إلا الله، مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحواشي
(١) قبلكم"؟ فغلظ الأمر بهذا لأن التكبير استعظاما للأمر الذي طلبوه، و "إنها السنن": تحذير، و "لتركبن سنن من كان قبلكم" كذلك أيضا تحذير.
الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ١ فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون بها، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد، لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذه إلها شرك واضح.
التاسعة: أن نفي هذا من معنى: لا إله إلا الله، مع دقته وخفائه على أولئك: أي: أن نفي التبرك بالأشجار ونحوها من معنى لا إله إلا الله، فإن لا إله إلا الله تنفي كل إله سوى الله، وتنفي الألوهية عما سوى الله- ، فكذلك البركة لا تكون من غير الله- .
العاشرة: أنه حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة: أي: أن النبي ﷺ حلف على الفتيا في قوله: "قلتم، والذي نفسي بيده"، والنبي ﷺ لا يحلف إلا لمصلحة، أو دفع مضرة ومفسدة، فليس ممن يحلف على أي سبب يكون، كما هي عادة بعض الناس.
_________
١ سورة الأعراف آية: ١٣٨.стр. 199
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أصغر وأكبر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الحواشي
(١) الحادية عشرة: أن الشرك فيه أصغر وأكبر، لأنهم لم يرتدوا بهذا: حيث لم يطلبوا جعل ذات الأنواط لعبادتها، بل للتبرك بها، والشرك فيها أصغر وأكبر، وفيه خفي وجلي. فالشرك الأكبر: ما يخرج الإنسان من الملة. والشرك الأصغر: ما دون ذلك.
لكن كلمة (ما دون ذلك) ليست ميزانا واضحا. ولذلك اختلف العلماء في ضابط الشرك الأصغر على قولين:
القول الأول: أن الشرك الأصغر كل شيء أطلق الشارع عليه أنه شرك ودلت النصوص على أنه ليس من الأكبر، مثل: " من حلف بغير الله; فقد أشرك "١ فالشرك هنا أصغر، لأنه دلت النصوص على أن مجرد الحلف بغير الله لا يخرج من الملة.
القول الثاني: أن الشرك الأصغر: ما كان وسيلة للأكبر، وإن لم يطلق الشرع عليه اسم الشرك، مثل: أن يعتمد الإنسان على شيء كاعتماده على الله، لكنه لم يتخذه إلها، فهذا شرك أصغر؛ لأن هذا الاعتماد الذي يكون كاعتماده على الله يؤدي به في النهاية إلى الشرك الأكبر، وهذا التعريف أوسع من الأول، لأن الأول يمنع أن تطلق على شيء أنه؛ شرك إلا إذا كان لديك دليل، والثاني يجعل كل ما كان وسيلة للشرك فهو
_________
١ من حديث ابن عمر: رواه: أبو داود (كتاب الأيمان, باب في كراهية الحلف بالآباء, ٣/ ٥٧٠) - وسكت عنه-, والترمذي (النذور, باب كراهية الحلف بغير الله تعالى, رقم ١٥٣٥) - وحسنه -, والطيالسي (رقم ١٨٩٦) , وابن حبان (رقم ١١٧٧) , والحاكم (١/١٨, ٤/ ٢٩٧) - وصححه على شرطهما, وأقره الذهبي-, وأحمد في "المسند" (٢/٣٤, ٦٩) .стр. 200
.......................................................................
الحواشي
(١) شرك، وربما نقول على هذا التعريف: إن المعاصي كلها شرك أصغر، لأن الحامل عليها الهوى، وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ١ ولهذا أطلق النبي ﷺ الشرك على تارك الصلاة، مع أنه لم يشرك، فقال: " بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة " ٢. فالحاصل أن المؤلف ﵀ يقول: إن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بهذا، وسبق وجه ذلك. الجلي والخفي، فبعضهم قال: إن الجلي والخفي هو الأكبر والأصغر. وبعضهم قال: الجلي ما ظهر للناس من أصغر أو أكبر، كالحلف بغير الله، والسجود للصنم. والخفي: ما لا يعلمه الناس من أصغر أو أكبر، كالرياء، واعتقاد أن مع الله إلها آخر. وقد يقال: إن الجلي ما انجلى أمره وظهر كونه شركا، ولو كان أصغر، والخفي: ما سوى ذلك. وأيهما الذي لا يغفر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، لعموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٣ و" أن يشرك به " مؤول بمصدر تقديره: شركا به، وهو نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم٤. وقال بعض العلماء: إن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة، وإن
_________
١ سورة آية: ٢٣.
٢ رواه: الترمذي (أبواب الإيمان, باب ما جاء في ترك الصلاة, ٩/٢٦١٣) - وقال: "حسن, صحيح, غريب"-, والنسائي (كتاب الصلاة, باب الحكم في تارك الصلاة, ١/٢٣١) , وابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة, باب ما جاء فيمن ترك الصلاة, رقم ١٠٧٩) , وابن حبان; كما في الموارد (رقم ٢٥٥) , والحاكم (١/٧) - وصححه وأقره الذهبي-, وأحمد (٥/ ٣٤٦) .
٣ سورة النساء آية: ٤٨.
٤ انظر: "الرد على البكري" (ص ١٤٦) .стр. 201
الثانية عشرة: قولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر"، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافا لمن كرهه.
الحواشي
(٨٩٠٢) . قال المنذري في "الترغيب" (٣/٦٠٧) , والهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/١٧٧) : "رواته رواة الصحيح".
٢ رواه: البخاري (كتاب الاعتكاف, باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد, ٢/٦٧) .
٣ سبق (ص ٢٠٢) .стр. 202
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: " إنها السنن".
الحواشي
(١) الرابعة عشرة: سد الذرائع: الذرائع، أي: الطرق الموصلة إلى الشيء، وذرائع الشيء، وسائله وطرقه. والذرائع نوعان:
أ- ذرائع إلى أمور مطلوبة: فهذه لا تسد، بل تفتح وتطلب.
ب- ذرائع إلى أمور مذمومة: فهذه تسد، وهو مراد المؤلف رحمه الله تعالى. وذات الأنواط وسيلة إلى الشرك الأكبر، فإذا وضعوا عليها أسلحتهم وتبركوا بها، يتدرج بهم الشيطان إلى عبادتها، وسؤالهم حوائجهم منها مباشرة، فلهذا سد النبي ﷺ الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية: تؤخذ من قوله: "قلتم كما قالت بنو إسرائيل"، فأنكر عليهم، وبهذا نعرف أن الجاهلية لا تختص بمن كان قبل زمن النبي ﷺ بل كل من جهل الحق وعمل عمل الجاهلين، فهو من أهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم: والحديث ليس بصريح في ذلك، وربما يؤخذ من قرائن قوله: " الله أكبر! إنها السنن ... "، لأن قوة هذا الكلام تفيد الغضب.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: فإنها السنن ": أي: الطرق: وأن هذه الأمة ستتبع طرق من كان قبلها، وهذا لا يعني الحلстр. 203
الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر.
الحواشي
(١) والإباحة، ولكنه للتحذير، كما قال الرسول ﷺ " ستفترق هذه الأمه إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة "١ وقال: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير ... "٢ الحديث، وقال: " إن الظعينة تذهب من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله "٣ وما أشبه ذلك من الأمور التي أخبر النبي ﷺ عن وقوعها مع تحريمها.
الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة لكونه وقع كما أخبر: يعني اتباع سنن من كان قبلنا. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ قد خطب الناس بعرفة، وقال: " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب "٤ فكيف تقع عبادته؟
فالجواب: أن إخبار النبي ﷺ بيأسه لا يدل على عدم الوقوع، بل يجوز أن يقع، على خلاف ما توقعه الشيطان، لأن الشيطان لما حصلت الفتوحات، وقوي الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجا؛ يئس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة، ولكن حكمة الله تأبى إلا أن يكون ذلك، وهذا نقوله ولا بد، لئلا يقال: إن جميع الأفعال التي تقع في الجزيرة العربية، لا يمكن أن تكون شركا، ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
_________
١ سبق (ص ٤٣) .
٢ رواه: البخاري معلقا بصيغة الجزم (كتاب الأشربة, باب فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه, ٤/١٣) .
٣ من حديث عدي بن حاتم, رواه: البخاري (كتاب المناقب, باب علامات النبوة, ٢/ ٥٢٧) .
٤ من حديث جابر, رواه: مسلم (كتاب صفات المنافقين, باب تحريش الشيطان, ٤/ ٢١٦٦) .стр. 204
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن، أنه لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر،
الحواشي
(٢١٨٠) , وأحمد (٥/٢١٨) .
٢ سورة الأنعام آية: ١٣٠.стр. 205
فصار فيه التنبيه على مسائل القبر: أما (من ربك) ، فواضح، وأما (من نبيك؟) ، فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما (ما دينك؟) فمن قولهم: "اجعل لنا إلها ... " إلى آخره.
الحواشي
(٢٦٩٧) .
٢ من حديث العرباض بن سارية, رواه أبو داود (كتاب السنة, باب لزوم السنة, ٥/١٣) , والترمذي (العلم, باب الأخذ بالسنة, رقم ٢٦٧٨) - وقال: "حسن صحيح"-, وابن ماجه في (المقدمة, باب اتباع سنة الخلفاء, رقم ٤٢) .
٣ سبق (ص ٢٠٢) .
٤ سورة الأعراف آية: ١٣٨.стр. 206
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقوله: " ونحن حدثاء عهد بكفر ".
الحواشي
(١) والمؤلف ﵀ محمد بن عبد الوهاب فهمه دقيق جدا لمعاني النصوص، فأحيانا يصعب على الإنسان بيان وجه استنباط المسألة من الدليل.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين تؤخذ من قوله: "كما قالت بنو إسرائيل لموسى ".
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة: وهذا صحيح، فالإنسان المنتقل من شيء، سواء كان باطلا أولا، لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية منه، وهذه البقية لا تزول إلا بعد مدة; لقوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر"، فكأنه يقول: ما سألناه إلا لأن عندنا بقية من بقايا الجاهلية، ولهذا كان من الحكمة تغريب الزاني بعد جلده عن مكان الجريمة، لئلا يعود إليها.
فالإنسان ينبغي أن يبتعد عن مواطن الكفر، والشرك، والفسوق، حتى لا يقع في قلبه شيء منها.стр. 207
باب ما جاء في الذبح لغير الله
........................................................................
الحواشي
(١) قوله: "في الذبح": أي: ذبح البهائم.
قوله: "لغير الله": اللام للتعليل، والقصد: أي قاصدا بذبحه غير الله، والذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:
١. أن يذبح لغير الله تقربا وتعظيما، فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة.
٢. أن يذبح لغير الله فرحا وإكراما، فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانا وغير مطلوبة أحيانا، فالأصل أنها مباحة.
ومراد المؤلف هنا القسم الأول. فلو قدم السلطان إلى بلد. فذبحنا له، فإن كان تقربا وتعظيما، فإنه شرك أكبر، وتحرم هذه الذبائح، وعلامة ذلك: أننا نذبحها في وجهه ثم ندعها.
أما لو ذبحناها له إكراما وضيافة، وطبخت، وأكلت، فهذا من باب الإكرام، وليس بشرك.
وقوله: "لغير الله" يشمل الأنبياء، والملائكة، والأولياء، وغيرهم، فكل من ذبح لغير الله تقربا وتعظيما، فإنه داخل في هذه الكلمة بأي شيء كان.
وقوله في الترجمة: "باب ما جاء في الذبح لغير الله": أشار إلىстр. 208
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) الدليل دون الحكم، ومثل هذه الترجمة يترجم بها العلماء للأمور التي لا يجزمون بحكمها، أو التي فيها تفصيل، وأما الأمور التي يجزمون بها، فإنهم يقولونها بالجزم، مثل باب وجوب الصلاة، وباب تحريم الغيبة، ونحو ذلك.
والمؤلف رحمه الله تعالى لا شك أنه يرى تحريم الذبح لغير الله على سبيل التقرب والتعظيم، وأنه شرك أكبر، لكنه أراد أن يمرن الطالب على أخذ الحكم من الدليل، وهذا نوع من التربية العلمية، فإن المعلم أو المؤلف يدع الحكم مفتوحا، ثم يأتي بالأدلة لأجل أن يكل الحكم إلى الطالب، فيحكم به على حسب ما سيق له من هذه الأدلة، وقد ذكر المؤلف في هذا الباب ثلاث آيات:
الأولى: قوله: (قل) : الخطاب للنبي ﷺ أي قل لهؤلاء المشركين معلنا لهم قيامك بالتوحيد الخالص، لأن هذه السورة مكية.
قوله: " إن صلاتي ": الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: عبادة لله ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
قوله: (ونسكي) : النسك لغة: العبادة، وفي الشرع: ذبح القربان. فهل تحمل هذه الآية على المعنى اللغوي أو على المعني الشرعي؟ سبق أن ما جاء في لسان الشرع يحمل على الحقيقة الشرعية; كما أن ما
_________
١ سورة آية: ١٦٢.стр. 209
.......................................................................
الحواشي
(١) جاء في لسان العرف، فهو محمول على الحقيقة العرفية وفي لسان العرب على الحقيقة اللغوية.
فعندما أقول لشخص: عندك شاة؟ يفهم الأنثى من الضأن، لكن في اللغة العربية الشاة تطلق على الواحدة من الضأن والمعز، ذكرا كان أو أنثى، وعلى هذا، فيحمل النسك في الآية على المعنى الشرعي. وقيل: تحمل على المعنى اللغوي، لأنه أعم، فالنسك العبادة، كأنه يقول: أنا لا أدعو إلا الله، ولا أعبد إلا الله، وهذا عام للدعاء والتعبد.
وإذا حملت على المعنى الشرعي، صارت خاصة في نوع من العبادات، وهي: الصلاة، والنسك، ويكون هذا كمثال، فإن الصلاة أعلى العبادات البدنية، والذبح أعلى العبادات المالية، لأنه على سبيل التعظيم لا يقع إلا قربة، هكذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة.
ويحتاج إلى مناقشة في مسألة أن القربان أعلى أنواع العبادات المالية، فإن الزكاة لا شك أنها أعظم، وهي عبادة مالية. وهناك رأي ثالث يقول: إن الصلاة هي الصلاة المعروفة شرعا، والنسك: العبادة مطلقا، ويكون ذلك من عطف العام على الخاص.
قوله: " ومحياى ومماتي ": أي: حياتي وموتي، أي: التصرف في وتدبير أمري حيا وميتا لله. وفي قوله: " صلاتي ونسكي " إثبات توحيد العبادة.
وفي قوله: " ومحياي ومماتي " إثبات توحيد الربوبية.
قوله: (لله) : خبر إن، والله: علم على الذات الإلهية، وأصله: الإله، فحذفت الهمزة، لكثرة الاستعمال تخفيفا. وهو بمعنى مألوه، فهو فعال بمعنى مفعول، مثل غراس بمعنى مغروس، وفراش بمعنى مفروش، والمألوه: المحبوب المعظم.стр. 210
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: " رب العالمين ": المراد ب (العالمين) : ما سوى الله، وسمي بذلك، لأنه علم على خالقه. قال الشاعر:
فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وهي تطلق على العالمين بهذا المعنى، وتطلق على العالمين في وقت معين، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١، يعني: عالمي زمانهم. والرب هنا: المالك المتصرف، وهذه ربوبية مطلقة.
الآية الثانية: قوله: " لا شريك له ": الجملة حالية من قوله (لله) أي: حال كونه لا شريك له، والله -سبحانه- لا شريك له في عبادته، ولا في ربوبيته، ولا أسمائه وصفاته، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
وقد ضل من زعم أن لله شركاء، كمن عبد الأصنام، أو عيسى بن مريم ﵇ وكذلك بعض غلاة الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنْزلة الخالق كقول بعضهم يخاطب ممدوحا له:
فكن كمن شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خَلْقٌ يدانيك
وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرسول ﷺ
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذا يدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
_________
١ سورة البقرة آية: ٤٧.
٢ سورة الشورى آية: ١١.стр. 211
.......................................................................
الحواشي
(١) فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا من أعظم الشرك; لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول، ومقتضاه أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.
وقال: (ومن علومك علم اللوح والقلم"، يعني: وليس ذلك كل علومك، فما بقي لله علم ولا تدبير- والعياذ بالله-.
قوله: (بذلك) : الجار والمجرور متعلق بـ (أمرت) فيكون دالا على الحصر والتخصيص، وإنما خص بذلك، لأنه أعظم المأمورات، وهو الإخلاص لله تعالى ونفي الشرك، فكأنه ما أمر إلا بهذا، ومعلوم أن من أخلص لله تعالى، فسيقوم بعبادة الله- في جميع الأمور.
قوله: (أمرت) : إبهام الفاعل هنا من باب التعظيم والتفخيم، وإلا، فمن المعلوم أن الآمر هو الله تعالى.
قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يحتمل أن المراد الأولية الزمنية، فيتعين أن تكون أولية إضافية، ويكون المراد أنا أول المسلمين من هذه الأمة، لأنه سبقه في الزمن من أسلموا.
ويحتمل أن المراد الأولية المعنوية، فإن أعظم الناس إسلاما وأتمهم انقيادا هو الرسول ﷺ ، فتكون الأولية أولية مطلقا.
ومثل هذا التعبير يقع كثيرا، أن تقع الأولية أولية معنوية، مثل أن تقول: أنا أول من يصدق بهذا الشيء، وإن كان غيرك قد صدق قبلك، لكن تريد أنك أسبق الناس تصديقا بذلك، ولن يكون عندك إنكار أبدا، ومثل قوله ﷺ " نحن أولى بالشك من إبراهيم" ١ حينما قال ﴿رَبِّ أَرِنِي
_________
١ من حديث أبي هريرة, رواه البخاري (كتاب تفسير القرآن, باب قول الله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ , ٣/٢٣٠) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب زيادة طمأنينة القلب, ١/ ١٣٣) .стр. 212
............................................................................................
الحواشي
(١) كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ١ فليس معناه أن إبراهيم شاك، لكن إن قدر أن يحصل شك، فنحن أولى بالشك منه، وإلا، فلسنا نحن شاكين، وكذلك إبراهيم ليس شاكا.
قوله: (المسلمين) : الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان، لأن المراد به الاستسلام لله ظاهرا وباطنا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ٢ وهذا إسلام الباطن.
وقوله: " وهو محسن " هذا إسلام الظاهر، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٣ يشمل الإسلام الباطن والظاهر، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٤ ومتى وجد الإيمان حقا لزم من وجوده الإسلام وأما إذا قرنا جميعا؛ صار الإسلام في الظاهر، والإيمان في الباطن، مثل حديث جبريل، وفيه: (أخبرني عن الإسلام) ، فأخبره عن أعمال ظاهرة، وأخبرني عن الإيمان، فأخبره عن أعمال باطنة٥.
وكذا قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٦.
والشاهد من الآية التي ذكرها المؤلف: أن الذبح لا بد أن يكون خالصا لله.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢٦٠.
٢ سورة البقرة آية: ١١٢.
٣ سورة آل عمران آية: ٨٥.
٤ سورة التوبة آية: ٧٢.
٥ من حديث عمر, رواه: مسلم (كتاب الإيمان, باب الإيمان والإسلام والإحسان, ١/٣٦) .
٦ سورة الحجرات آية: ١٤.стр. 213
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١.
الحواشي
(١) الآية الثالثة: قوله: (فصل) : الفاء للسببية عاطفة على قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٢ أي: بسبب إعطائنا لك ذلك صل لربك وانحر شكرا لله تعالى على هذه النعمة. والمراد بالصلاة هنا الصلاة المعروفة شرعا.
وقوله: وانحرف: المراد بالنحر: الذبح، أي اجعل نحرك لله كما أن صلاتك له فأفادت هذه الآية الكريمة أن النحر من العبادة، ولهذا أمر الله به وقرنه بالصلاة.
وقوله: (وانحر) : مطلق، فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق، فهذه الثلاثة يطلب من الإنسان أن يفعلها.
أما الهدايا، فمنها واجب، ومنها مستحب، فالواجب كما في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٣ وكما في المحصر: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٤ وكما في حلق الرأس: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٥ هذا إن صح أن نقول: إنها هدي، ولكن الأولى أن نسميها فدية كما سماها الله- ، لأنها بمنزلة الكفارة.
وأما الأضاحي، فاختلف العلماء فيها، فمنهم من قال: إنها واجبة. ومنهم من قال: إنها مستحبة. وأكثر أهل العلم على أنها مستحبة، وأنه يكره للقادر تركها ومذهب أبي حنيفة ﵀ أنها واجبة على القادر، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. والأضحية ليست عن الأموات كما يفهمه العوام، بل هي للأحياء،
_________
١ سورة الكوثر آية: ٢.
٢ سورة الكوثر آية: ١.
٣ سورة البقرة آية: ١٩٦.
٤ سورة البقرة آية: ١٩٦.
٥ سورة البقرة آية: ١٩٦.стр. 214
عن عليرضي الله عنهقال: " حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله.............
الحواشي
(١) وأما الأموات، فليس من المشروع أن يضحى لهم استقلالا، إلا إن أوصوا به، فعلى ما أوصوا به؛ لأن ذلك لم يرد عن الرسول ﷺ
وأما العقيقة: وهي التي تذبح عن المولود في يوم سابعه إن كان ذكرا فاثنتان، وإن كان أنثى فواحدة، وتجزئ الواحدة مع الإعسار في الذكور وهي سنة عند أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة، لأن النبي ﷺ قال: " كل غلام مرتهن بعقيقته " ١.
قوله: "كلمات": جمع كلمة، والكلمة في اصطلاح النحويين: القول المفرد. أما في اللغة، فهي كل قول مفيد، قال الرسول ﷺ : " أصدق كلمة قالها شاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل "٢. وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ٣ وهي قوله: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام: لا تطلق الكلمة في اللغة العربية إلا على الجملة المفيدة.
قوله: "لعن الله": اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمة الله،
_________
١ من حديث سمرة بن جندب, رواه: أحمد في "المسند" (٥/ ٧, ٨, ١٢, ١٧, ٢٢) , وأبو داود (كتاب الأضاحي, باب في العقيقة, ٣/٢٥٩) , والترمذي (الأضحية, باب في العقيقة, ٥/٢٣٧) - وقال: "حديث حسن صحيح"-, والنسائي (كتاب العقيقة, باب متى يعق, رقم ٤٢٢٥) , وابن ماجه (كتاب الذبائح, باب في العقيقة, ٢/١٠٥٧) , والدارمي (كتاب الأضاحي, باب السنة في العقيقة, ٢/٨١) .
٢ من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (٣٨٤١, ٦١٤٧, ٦٤٨٩) .
٣ سورة المؤمنون آية: ١٠٠.
٤ سورة آية: ٩٩-١٠٠.стр. 215
من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه،......................................................
الحواشي
(١) فإذا قيل: لعنه الله، فالمعنى: طرده وأبعده عن رحمته، وإذا قيل: اللهم العن فلانا، فالمعنى أبعده عن رحمتك واطرده عنها.
قوله: من ذبح لغير الله: عام يشمل من ذبح بعيرا، أو بقرة، أو دجاجة، أو غيرها.
قوله: "لغير الله": يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي، أو ملك، أو جني، أو غيرهم.
وقوله: "لعن": يحتمل أن تكون الجملة خبرية، وأن الرسول ﷺ يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، أي: اللهم العن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ، لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب.
قوله: "والديه": يشمل الأب والأم، ومن فوقهما، لأن الجد أب، كما أن أولاد الابن والبنت أبناء، في وجوب الاحترام لأصولهم. والمسألة هنا ليست مالية، بل هي من الحقوق، ولعن الأدنى أشد من لعن الأعلى، لأنه أولى بالبر، ولعنه ينافي البر.
قوله: "من لعن والديه": أي: سبهما وشتمهما، فاللعن من الإنسان السب والشتم، فإذا سببت إنسانا أو شتمته، فهذا لعنه؛ لأن النبي ﷺ قيل له: " كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه "١ وأخذ الفقهاء من هذا الحديث قاعدة، وهي: أن السبب بمنزلة المباشرة في الإثم، وإن كان يخالفه في الضمان على تفصيل في ذلك عند أهل العلم.
_________
١ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص, رواه: البخاري (كتاب الأدب, باب لا يسب الرجل والديه, ٤/٨٦) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب بيان الكبائر, ١/٩٢) .следующие страницы →