Полный текст (1 122 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
.......................................................................
الحواشي
(١) فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا من أعظم الشرك; لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول، ومقتضاه أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.
وقال: (ومن علومك علم اللوح والقلم"، يعني: وليس ذلك كل علومك، فما بقي لله علم ولا تدبير- والعياذ بالله-.
قوله: (بذلك) : الجار والمجرور متعلق بـ (أمرت) فيكون دالا على الحصر والتخصيص، وإنما خص بذلك، لأنه أعظم المأمورات، وهو الإخلاص لله تعالى ونفي الشرك، فكأنه ما أمر إلا بهذا، ومعلوم أن من أخلص لله تعالى، فسيقوم بعبادة الله- في جميع الأمور.
قوله: (أمرت) : إبهام الفاعل هنا من باب التعظيم والتفخيم، وإلا، فمن المعلوم أن الآمر هو الله تعالى.
قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يحتمل أن المراد الأولية الزمنية، فيتعين أن تكون أولية إضافية، ويكون المراد أنا أول المسلمين من هذه الأمة، لأنه سبقه في الزمن من أسلموا.
ويحتمل أن المراد الأولية المعنوية، فإن أعظم الناس إسلاما وأتمهم انقيادا هو الرسول ﷺ ، فتكون الأولية أولية مطلقا.
ومثل هذا التعبير يقع كثيرا، أن تقع الأولية أولية معنوية، مثل أن تقول: أنا أول من يصدق بهذا الشيء، وإن كان غيرك قد صدق قبلك، لكن تريد أنك أسبق الناس تصديقا بذلك، ولن يكون عندك إنكار أبدا، ومثل قوله ﷺ " نحن أولى بالشك من إبراهيم" ١ حينما قال ﴿رَبِّ أَرِنِي
_________
١ من حديث أبي هريرة, رواه البخاري (كتاب تفسير القرآن, باب قول الله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ , ٣/٢٣٠) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب زيادة طمأنينة القلب, ١/ ١٣٣) .стр. 212
............................................................................................
الحواشي
(١) كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ١ فليس معناه أن إبراهيم شاك، لكن إن قدر أن يحصل شك، فنحن أولى بالشك منه، وإلا، فلسنا نحن شاكين، وكذلك إبراهيم ليس شاكا.
قوله: (المسلمين) : الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان، لأن المراد به الاستسلام لله ظاهرا وباطنا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ٢ وهذا إسلام الباطن.
وقوله: " وهو محسن " هذا إسلام الظاهر، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٣ يشمل الإسلام الباطن والظاهر، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٤ ومتى وجد الإيمان حقا لزم من وجوده الإسلام وأما إذا قرنا جميعا؛ صار الإسلام في الظاهر، والإيمان في الباطن، مثل حديث جبريل، وفيه: (أخبرني عن الإسلام) ، فأخبره عن أعمال ظاهرة، وأخبرني عن الإيمان، فأخبره عن أعمال باطنة٥.
وكذا قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٦.
والشاهد من الآية التي ذكرها المؤلف: أن الذبح لا بد أن يكون خالصا لله.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢٦٠.
٢ سورة البقرة آية: ١١٢.
٣ سورة آل عمران آية: ٨٥.
٤ سورة التوبة آية: ٧٢.
٥ من حديث عمر, رواه: مسلم (كتاب الإيمان, باب الإيمان والإسلام والإحسان, ١/٣٦) .
٦ سورة الحجرات آية: ١٤.стр. 213
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١.
الحواشي
(١) الآية الثالثة: قوله: (فصل) : الفاء للسببية عاطفة على قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٢ أي: بسبب إعطائنا لك ذلك صل لربك وانحر شكرا لله تعالى على هذه النعمة. والمراد بالصلاة هنا الصلاة المعروفة شرعا.
وقوله: وانحرف: المراد بالنحر: الذبح، أي اجعل نحرك لله كما أن صلاتك له فأفادت هذه الآية الكريمة أن النحر من العبادة، ولهذا أمر الله به وقرنه بالصلاة.
وقوله: (وانحر) : مطلق، فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق، فهذه الثلاثة يطلب من الإنسان أن يفعلها.
أما الهدايا، فمنها واجب، ومنها مستحب، فالواجب كما في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٣ وكما في المحصر: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٤ وكما في حلق الرأس: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٥ هذا إن صح أن نقول: إنها هدي، ولكن الأولى أن نسميها فدية كما سماها الله- ، لأنها بمنزلة الكفارة.
وأما الأضاحي، فاختلف العلماء فيها، فمنهم من قال: إنها واجبة. ومنهم من قال: إنها مستحبة. وأكثر أهل العلم على أنها مستحبة، وأنه يكره للقادر تركها ومذهب أبي حنيفة ﵀ أنها واجبة على القادر، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. والأضحية ليست عن الأموات كما يفهمه العوام، بل هي للأحياء،
_________
١ سورة الكوثر آية: ٢.
٢ سورة الكوثر آية: ١.
٣ سورة البقرة آية: ١٩٦.
٤ سورة البقرة آية: ١٩٦.
٥ سورة البقرة آية: ١٩٦.стр. 214
عن عليرضي الله عنهقال: " حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله.............
الحواشي
(١) وأما الأموات، فليس من المشروع أن يضحى لهم استقلالا، إلا إن أوصوا به، فعلى ما أوصوا به؛ لأن ذلك لم يرد عن الرسول ﷺ
وأما العقيقة: وهي التي تذبح عن المولود في يوم سابعه إن كان ذكرا فاثنتان، وإن كان أنثى فواحدة، وتجزئ الواحدة مع الإعسار في الذكور وهي سنة عند أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة، لأن النبي ﷺ قال: " كل غلام مرتهن بعقيقته " ١.
قوله: "كلمات": جمع كلمة، والكلمة في اصطلاح النحويين: القول المفرد. أما في اللغة، فهي كل قول مفيد، قال الرسول ﷺ : " أصدق كلمة قالها شاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل "٢. وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ٣ وهي قوله: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام: لا تطلق الكلمة في اللغة العربية إلا على الجملة المفيدة.
قوله: "لعن الله": اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمة الله،
_________
١ من حديث سمرة بن جندب, رواه: أحمد في "المسند" (٥/ ٧, ٨, ١٢, ١٧, ٢٢) , وأبو داود (كتاب الأضاحي, باب في العقيقة, ٣/٢٥٩) , والترمذي (الأضحية, باب في العقيقة, ٥/٢٣٧) - وقال: "حديث حسن صحيح"-, والنسائي (كتاب العقيقة, باب متى يعق, رقم ٤٢٢٥) , وابن ماجه (كتاب الذبائح, باب في العقيقة, ٢/١٠٥٧) , والدارمي (كتاب الأضاحي, باب السنة في العقيقة, ٢/٨١) .
٢ من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (٣٨٤١, ٦١٤٧, ٦٤٨٩) .
٣ سورة المؤمنون آية: ١٠٠.
٤ سورة آية: ٩٩-١٠٠.стр. 215
من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه،......................................................
الحواشي
(١) فإذا قيل: لعنه الله، فالمعنى: طرده وأبعده عن رحمته، وإذا قيل: اللهم العن فلانا، فالمعنى أبعده عن رحمتك واطرده عنها.
قوله: من ذبح لغير الله: عام يشمل من ذبح بعيرا، أو بقرة، أو دجاجة، أو غيرها.
قوله: "لغير الله": يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي، أو ملك، أو جني، أو غيرهم.
وقوله: "لعن": يحتمل أن تكون الجملة خبرية، وأن الرسول ﷺ يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، أي: اللهم العن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ، لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب.
قوله: "والديه": يشمل الأب والأم، ومن فوقهما، لأن الجد أب، كما أن أولاد الابن والبنت أبناء، في وجوب الاحترام لأصولهم. والمسألة هنا ليست مالية، بل هي من الحقوق، ولعن الأدنى أشد من لعن الأعلى، لأنه أولى بالبر، ولعنه ينافي البر.
قوله: "من لعن والديه": أي: سبهما وشتمهما، فاللعن من الإنسان السب والشتم، فإذا سببت إنسانا أو شتمته، فهذا لعنه؛ لأن النبي ﷺ قيل له: " كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه "١ وأخذ الفقهاء من هذا الحديث قاعدة، وهي: أن السبب بمنزلة المباشرة في الإثم، وإن كان يخالفه في الضمان على تفصيل في ذلك عند أهل العلم.
_________
١ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص, رواه: البخاري (كتاب الأدب, باب لا يسب الرجل والديه, ٤/٨٦) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب بيان الكبائر, ١/٩٢) .стр. 216
لعن الله من أوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض " رواه مسلم١.
الحواشي
(١) قوله: "من آوى محدثا": أي: ضمه إليه وحماه، والإحداث: يشمل الإحداث في الدين، كالبدع التي أحدثها الجهمية والمعتزلة، وغيرهم.
والإحداث في الأمر: أي في شؤون الأمة، كالجرائم وشبهها، فمن آوى محدثا، فهو ملعون، وكذا من ناصرهم، لأن الإيواء أن تأويه لكف الأذى عنه، فمن ناصره، فهو أشد وأعظم. والمحدث أشد منه; لأنه إذا كان إيواؤه سببا للعنة، فإن نفس فعله جرم أعظم.
ففيه التحذير من البدع والإحداث في الدين، قال النبي ﷺ : " إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة "٢، وظاهر الحديث: ولو كان أمرا يسيرا.
قوله: "منار الأرض": أي: علاماتها ومراسيمها التي تحدد بين الجيران، فمن غيرها ظلما، فهو ملعون، وما أكثر الذين يغيرون منار الأرض، لا سيما إذا زادت قيمتها، وما علموا أن الرسول ﷺ يقول: " من اقتطع شبرا من الأرض ظلما، طوقه من سبع أرضين "٣، فالأمر عظيم، مع أن هذا الذي يقتطع من الأرض، ويغير المنار، ويأخذ ما لا يستحق لا يدري: قد يستفيد منها في دنياه، وقد يموت قبل ذلك، وقد يسلط عليه آفة تأخذ ما أخذ.
فالحاصل: أن هذا دليل على أن تغيير منار الأرض من كبائر الذنوب، ولهذا قرنه النبي ﷺ بالشرك وبالعقوق وبالإحداث، مما يدل على أن أمره عظيم، وأنه يجب على المرء أن يحذر منه، وأن يخاف الله- حتى لا يقع فيه.
_________
١ في (كتاب الأضاحي, باب تحريم الذبح لغير الله, ٣/١٥٦٧) .
٢ سبق (ص ٢١٢) .
٣ سبق (ص ٨٧) .стр. 217
وعن طارق بن شهاب; أن رسول الله ﷺ قال: " دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب قال: ليس عندي شيء أقربه. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عزوجل فضربوا عنقه، فدخل الجنة " رواه أحمد١.
الحواشي
(١) قوله: "عن طارق بن شهاب": في الحديث علتان:
الأولى: أن طارق بن شهاب اتفقوا على أنه لم يسمع من النبي ﷺ واختلفوا في صحبته، والأكثرون على أنه صحابي، لكن إذا قلنا: إنه صحابي، فلا يضر عدم سماعه من النبي ﷺ ؛ لأن مرسل الصحابي حجة، وإن كان غير صحابي، فإنه مرسل غير صحابي، وهو من أقسام الضعيف.
الثانية: أن الحديث معنعن من قبل الأعمش، وهو من المدلسين، وهذه آفة في الحديث، فالحديث في النفس منه شيء من أجل هاتين العلتين.
ثم للحديث علة ثالثة، وهي أن الإمام أحمد رواه عن طارق عن سلمان موقوفا من قوله، وكذا أبو نعيم وابن أبي شيبة، فيحتمل أن سلمان أخذه عن بني إسرائيل.
قوله: "في ذباب": في: للسببية، وليست للظرفية، أي: بسبب ذباب، ونظيره قول النبي ﷺ " دخلت النار امرأة في هرة حبستها ... "٢ الحديث، أي: بسبب هرة.
قوله: "فدخل النار": مع أنه ذبح شيئا حقيرا لا يؤكل، لكن لما
_________
١ رواه: الإمام أحمد في "الزهد" (ص ١٥, ١٦) , وأبو نعيم في "الحلية" (١/٢٠٣) .
٢ من حديث ابن عمر, رواه: البخاري (كتاب بدء الخلق, باب إذا وقع الذباب, ٢/٤٤٨) , ومسلم (كتاب السلام, باب تحريم قتل الهرة, ٤/١٧٦٠) .стр. 218
فيه مسائل:
الأولى: تفسير: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾
الثانية: تفسي: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.
الحواشي
(١) نوى التقرب به إلى هذا الصنم، صار مشركا، فدخل النار.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ وقد سبق ذلك في أول الباب
الثانية: تفسير: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقد سبق ذلك في أول الباب
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله: بدأ به، لأنه من الشرك، والله إذا ذكر الحقوق يبدأ أولا بالتوحيد، لأن حق الله أعظم الحقوق، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ٢ وينبغي أن يبدأ في المناهي والعقوبات بالشرك وعقوبته.
الرابعة: لعن من لعن والديه: ولعن الرجل للرجل له معنيان:
الأول: الدعاء عليه باللعن.
_________
١ سورة النساء آية: ٣٦.
٢ سورة الإسراء آية: ٢٣.стр. 219
الخامسة: لعن من آوى محدثا وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق الله، فيلتجئ إلى من يجيرة من ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك من الأرض، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الحواشي
(١) الثاني: سبه وشتمه، لأن الرسول ﷺ فسره بقوله: " يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " ١.
الخامسة: لعن من آوى محدثا: وقد سبق أنه يشمل الإحداث في الدين والجرائم، فمن آوى محدثا ببدعة، فهو داخل في ذلك، ومن آوى محدثا بجريمة، فهو داخل في ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض.... وسواء كانت بينك وبين جارك، أو بينك وبين السوق مثلا، لأن الحديث عام.
السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم: فالأول ممنوع، والثاني جائز، فإذا رأيت من آوى محدثا، فلا تقل: لعنك الله، بل قل: لعن الله من آوى محدثا على سبيل العموم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: "اللهم! العن فلانا وفلانا وفلانا " نهي عن ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
_________
١ سبق (ص ٢٢٢) .стр. 220
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.
الحواشي
(١) فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ١، ٢ فالمعين ليس لك أن تلعنه، وكم من إنسان صار على وصف يستحق به اللعنة ثم تاب فتاب الله عليه، إذن يؤخذ هذا من دليل منفصل، وكأن المؤلف ﵀ قال: الأصل عدم جواز إطلاق اللعن، فجاء هذا الحديث لاعنا للعموم، فيبقى الخصوص على أصله؛ لأن المسلم ليس بالطعان، ولا باللعان، والرسول ﷺ ليس طعانا ولا لعانا، ولعل هذا وجه أخذ الحكم من الحديث، وإلا، فالحديث لا تفريق فيه.
الثامنة: هذه القصة العظيمة وهي قصة الذباب: كأن المؤلف ﵀ يصحح الحديث، ولهذا بنى عليه حكما، والحكم المأخوذ من دليل فرع عن صحته، والقصة معروفة.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم: هذه المسألة ليست مسلمة، فإن قوله: قرب ولو ذبابا؛ يقتضي أنه فعله قاصدا التقرب، أما لو فعله تخلصا من شرهم، فإنه لا يكفر؛ لعدم قصد التقرب، ولهذا قال الفقهاء: لو أكره على طلاق امرأته فطلق تبعا لقول المكره، لم يقع الطلاق، بخلاف ما لو نوى الطلاق، فإن الطلاق يقع، وإن طلق دفعا للإكراه، لم يقع، وهذا حق لقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات "٣، وظاهر القصة أن الرجل ذبح بنية التقرب، لأن
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
٢ انظر: (ص ٢٩٠) .
٣ من حديث عمر, رواه: البخاري (كتاب بدء الوحي, باب كيف كان بدء الوحي, ١/١٣) , ومسلم (كتاب الإمارة, باب قول النبي ﷺ : إنما الأعمال بالنية , ٣/١٥١٥) .стр. 221
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر؟!
الحواشي
(١) الأصل أن الفعل المبني على طلب يكون موافقا لهذا الطلب. ونحن نرى خلاف ما يرى المؤلف ﵀، أي أنه لو فعله بقصد التخلص ولم ينو التقرب لهذا الصنم لا يكفر، لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ ١ وهذا الذي فعل ما يوجب الكفر تخلصا مطمئن قلبه بالإيمان. والصواب أيضا: أنه لا فرق بين القول المكره عليه والفعل، وإن كان بعض العلماء يفرق ويقول: إذا أكره على القول لم يكفر، وإذا أكره على الفعل كفر، ويستدل بقصة الذباب، وقصة الذباب فيها نظر من حيث صحتها، وفيها نظر من حيث الدلالة; لما سبق أن الفعل المبني على طلب يكون موافقا لهذا الطلب. ولو فرض أن الرجل تقرب بالذباب تخلصا من شرهم، فإن لدينا نصا محكما في الموضوع، وهو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ ٢ الآية، ولم يقل بالقول، فما دام عندنا نص قرآني صريح، فإنه لو وردت السنة صحيحة على وجه مشتبه، فإنها تحمل على النص المحكم. الخلاصة أن من أكره على الكفر، لم يكن كافرا ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان ولم يشرح بالكفر صدرا.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين ... إلخ: وقد بينها المؤلف رحمه الله تعالى.
_________
١ سورة النحل آية: ١٠٦.
٢ سورة النحل آية: ١٠٦.стр. 222
.......................................................................
الحواشي
(١) مسألة: هل الأولى للإنسان إذا أكره على الكفر أن يصبر ولو قتل، أو يوافق ظاهرا ويتأول؟
هذه المسألة فيها تفصيل:
أولا: أن يوافق ظاهرا وباطنا، وهذا لا يجوز لأنه ردة.
ثانيا: أن يوافق ظاهرا لا باطنا، ولكن يقصد التخلص من الإكراه، فهذا جائز.
ثالثا: أن لا يوافق لا ظاهرا ولا باطنا ويقتل، وهذا جائز، وهو من الصبر لكن أيهما أولى أن يصبر ولو قتل، أو أن يوافق ظاهرا؟ فيه تفصيل: إذا كان موافقة الإكراه لا يترتب عليه ضرر في الدين للعامة، فإن الأولى أن يوافق ظاهرا لا باطنا، لا سيما إذا كان بقاؤه فيه مصلحة للناس، مثل: صاحب المال الباذل فيما ينفع أو العلم النافع وما أشبه ذلك، حتى وإن لم يكن فيه مصلحة، ففي بقائه على الإسلام زيادة عمل، وهو خير، وهو قد رخص له أن يكفر ظاهرا عند الإكراه، فالأولى أن يتأول، ويوافق ظاهرا لا باطنا.
أما إذا كان في موافقته وعدم صبره ضرر على الإسلام، فإنه يصبر، وقد يجب الصبر، لأنه من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله، وليس من باب إبقاء النفس، ولهذا لما شكى الصحابة للنبي ﷺ ما يجدونه من مضايقة المشركين، قص عليهم قصة الرجل فيمن كان قبلنا بأن الإنسان كان يمشط ما بين لحمه وجلده بأمشاط الحديد١ ويصبر، فكأنه يقول لهم: اصبروا على الأذى.
_________
١ من حديث خباب بن الأرت, رواه: البخاري (كتاب المناقب, باب علامات النبوة في الإسلام, ٢/٥٢٠) .стр. 223
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا، لم يقل: " دخل النار في ذباب".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: " الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك " ١.
الحواشي
(٦٤٨٨) .
٢ البخاري: الرقاق(٦٤٨٨) , وأحمد (١/٣٨٧ ,١/٤١٣ ,١/٤٤٢) .
٣ من حديث معاذ, أخرجه: الإمام أحمد (٥/٢٣١) ورواه: الترمذي (الإيمان, باب ما جاء في حرمة الصلاة, ٧/٢٨٠) - وقال: "حسن صحيح" -, والنسائي في "الكبرى"; كما في "تحفة الأشراف" (٨/٣٩٩) , وابن ماجه (كتات الفتن, باب كف اللسان في الفتنة, رقم ٣٩٧٣) .стр. 224
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأوثان.
الحواشي
(١) ويتوقى في مشيه لئلا يزل فيهلك، ورب كلمة توصل الإنسان إلى أعلى عليين، وكلمة أخرى توصله إلى أسفل سافلين.
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان: والحقيقة أن هذه المسألة مع التاسعة فيها شبه تناقض، لأنه في هذه المسألة أحال الحكم على عمل القلب، وفي التاسعة أحاله على الظاهر، فقال: بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم، ومقتضى ذلك أن باطنه سليم، وهنا يقول: إن العمل بعمل القلب، ولا شك أن ما قاله المؤلف ﵀ حق بالنسبة إلى أن المدار على القلب. والحقيقة أن العمل مركب على القلب، والناس يختلفون في أعمال القلوب أكثر من اختلافهم في أعمال الأبدان، والفرق بينهم قصدا وذلا أعظم من الفرق بين أعمالهم البدنية، لأن من الناس من يعبد الله لكن عنده من الاستكبار ما لا يذل معه ولا يذعن لكل حق، وبعضهم يكون عنده ذل للحق، لكن عنده نقص في القصد، فتجد عنده نوعا من الرياء مثلا. فأعمال القلب وأقواله لها أهمية عظيمة، فعلى الإنسان أن يخلصها لله. وأقوال القلب هي اعتقاداته، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وأعماله هي تحركاته. كالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، وما أشبه ذلك. والدواء لذلك: القرآن والسنة، والرجوع إلى سيرة الرسول ﷺ بمعرفة أحواله وأقواله وجهاده ودعوته، هذا مما يعين على جهاد القلب. ومن أسباب صلاح القلب أن لا تشغل قلبك بالدنيا.стр. 225
باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) هذا الانتقال من المؤلف من أحسن ما يكون، ففي الباب السابق ذكر الذبح لغير الله، فنفس الفعل لغير الله. وفي هذا الباب ذكر الذبح لله، ولكنه في مكان يذبح فيه لغيره، كمن يريد أن يضحي لله في مكان يذبح فيه للأصنام، فلا يجوز أن تذبح فيه، لأنه موافقة للمشركين في ظاهر الحال، وربما أدخل الشيطان في قلبك نية سيئة، فتعتقد أن الذبح في هذا المكان أفضل، وما أشبه ذلك، وهذا خطر.
قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ : ضمير الغيبة يعود إلى مسجد الضرار، حيث بني على نية فاسدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢ والمتخذون هم المنافقون، وغرضهم من ذلك:
١. مضارة مسجد قباء، ولهذا يسمى مسجد الضرار.
٢. الكفر بالله، لأنه يقرر فيه الكفر- والعياذ بالله-، لأن الذين اتخذوه هم المنافقون.
٣. التفريق بين المؤمنين، فبدلا من أن يصلي في مسجد قباء صف
_________
١ سورة التوبة آية: ١٠٨.
٢ سورة التوبة آية: ١٠٧.
وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ١ الآية.стр. 226
.......................................................................
الحواشي
(١) أو صفان يصلي فيه نصف صف، والباقون في المسجد الآخر، والشرع له نظر في اجتماع المؤمنين.
٤. الإرصاد لمن حارب الله ورسوله يقال: إن رجلا ذهب إلى الشام، وهو أبو عامر الفاسق، وكان بينه وبين المنافقين الذين اتخذوا المسجد مراسلات، فاتخذوا هذا المسجد بتوجيهات منه، فيجتمعون فيه لتقرير ما يريدونه من المكر والخديعة للرسول ﷺ وأصحابه، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى﴾ ١ فهذه سنة المنافقين: الأيمان الكاذبة.
(إن) : نافية، بدليل وقوع الاستثناء بعدها، أي: ما أردنا إلا الحسنى، والجواب عن هذا اليمين الكاذب: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢ فشهد الله تعالى على كذبهم، لأن ما يسرونه في قلوبهم ولا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب، فكأن هذا المضمر في قلوبهم بالنسبة إلى الله أمر مشهود يرى بالعين، كما قال الله تعالى في سورة المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ٤ لا: ناهية، وتقم: مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه السكون، وحذفت الواو، لأنه سكن آخره، والواو ساكنة، فحذفت تخلصا من التقاء الساكنين.
قوله: (أبدا) إشارة إلى أن هذا المسجد سيبقى مسجد نفاق.
قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ ٥ اللام: للابتداء، ومسجد: مبتدأ، وخبره: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ٦ وفي هذا التنكير تعظيم للمسجد، بدليل قوله: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ ٧ أي: جعلت التقوى أساسا له، فقام عليه. وهذه الأحقية ليست على بابها، وهو أن اسم التفضيل يدل على مفضل ومفضل عليه اشتركا في أصل الوصف، لأنه هنا
_________
١ سورة التوبة آية: ١٠٧.
٢ سورة التوبة آية: ١٠٧.
٣ سورة المنافقون آية: ١.
٤ سورة التوبة آية: ١٠٨.
٥ سورة التوبة آية: ١٠٨.
٦ سورة التوبة آية: ١٠٨.
٧ سورة التوبة آية: ١٠٨.стр. 227
.......................................................................
الحواشي
(١) لا حق لمسجد الضرار أن يقام فيه، وهذا (أعني: كون الطرف المفضل عليه ليس فيه شيء من الأصل الذي وقع فيه التفضيل) موجود في القرآن كثيرا، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ ١.
قوله: (فيه) : أي: في هذا المسجد المؤسس على التقوى.
قوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ٢ بخلاف من كان في مسجد الضرار، فإنهم رجس، كما قال الله تعالى في المنافقين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ ٣.
قوله: " يتطهروا ": يشمل طهارة القلب من النفاق والحسد والغل وغير ذلك، وطهارة البدن من الأقذار والنجاسات والأحداث. قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٤ هذه محبة حقيقية ثابتة لله- عزوجل - تليق بجلاله وعظمته، ولا تماثل محبة المخلوقين، وأهل التعطيل يقولون: المراد بالمحبة: الثواب أو إرادته، فيفسرونها إما بالفعل أو إرادته، وهذا خطأ.
وقوله: (المطهرين) أصله المتطهرين، وأدغمت التاء بالطاء لعلة تصريفية معروفة.
وجه المناسبة من الآية:
أنه لما كان مسجد الضرار مما اتخذ للمعاصي ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، نهى الله رسوله أن يقوم فيه، مع أن صلاته فيه لله، فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، فهذا المسجد متخذ للصلاة، لكنه محل معصية; فلا تقام فيه الصلاة.
وكذا لو أراد إنسان أن
_________
١ سورة الفرقان آية: ٢٤.
٢ سورة التوبة آية: ١٠٨.
٣ سورة التوبة آية: ٩٥.
٤ سورة التوبة آية: ١٠٨.стр. 228
وعن ثابت بن الضحاكرضي الله عنهقال: " نذر رجل أن ينحر إبلا..........................
الحواشي
(١) يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حراما، لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار.
وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس، فهذا باعتبار الزمن والوقت، والحديث الذي ذكره المؤلف باعتبار المكان.
قوله: "نذر": النذر في اللغة: الإلزام والعهد. واصطلاحا: إلزام المكلف نفسه لله شيئا غير واجب. وقال بعضهم: لا نحتاج أن نقيد بغير واجب، وأنه إذا نذر الواجب صح النذر وصار المنذور واجبا من وجهين: من جهة النذر، ومن جهة الشرع، ويترتب على ذلك وجوب الكفارة إذا لم يحصل الوفاء.
والنذر في الأصل مكروه، بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه، لأن النبي ﷺ نهى عنه، وقال: " لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل "١ ولأنه إلزام لنفس الإنسان بما جعله الله في حل منه، وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه. ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم، وتجده يسأل العلماء يمينا وشمالا يريد الخلاص مما نذر لثقله ومشقته عليه، ولا سيما ما يفعله بعض العامة إذا مرض، أو تأخر له حاجة يريدها، تجده ينذر كأنه يقول: إن الله لا ينعم عليه بجلب خير أو دفع الضرر إلا بهذا النذر.
قوله: "إبلا": اسم جمع لا واحد له من لفظه، لكن له واحد من معناه، وهو البعير.
_________
١ رواه: البخاري (كتاب الأيمان, باب الوفاء بالنذر, ٤/٢٧٧) , ومسلم (كتاب النذر, باب النهي عن النذر, ٣/١٢٦٠) .стр. 229
ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟. قالوا: لا قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟. قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك.....................................
الحواشي
(١) قوله: "ببوانة": الباء بمعنى في، وهي للظرفية، والمعنى: بمكان يسمى بوانة.
قوله: "هل كان فيها وثن": الوثن: كل ما عبد من دون الله، من شجر، أو حجر، سواء نحت أو لم ينحت. والصنم يختص بما صنعه الآدمي. قوله: "الجاهلية": نسبة إلى ما كان قبل الرسالة، وسميت بذلك، لأنهم كانوا على جهل عظيم.
قوله: "يعبد": صفة لقوله: "وثن"، وهو بيان للواقع، لأن الأوثان هي التي تعبد من دون الله. قوله: "قالوا: لا": السائل واحد، لكنه لما كان عنده ناس أجابوا النبي ﷺ ولا مانع أن يكون المجيب غير المسؤول.
قوله: "عيد" العيد: اسم لما يعود أو يتكرر، والعود بمعنى الرجوع، أي: هل اعتاد أهل الجاهلية أن يأتوا إلى هذا المكان ويتخذوا هذا اليوم عيدا وإن لم يكن فيه وثن؟ قالوا: لا. فسأل النبي ﷺ عن أمرين: عن الشرك، ووسائله.
فالشرك: هل كان فيها وثن؟ ووسائله: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قوله: "أوف بنذرك": فعل أمر مبني على حذف حرف العلة الياء، والكثرة دليل عليها. وهل المراد به المعنى الحقيقي أو المراد به الإباحة؟стр. 230
فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله.................................................
الحواشي
(١٥٢٦) , والنسائي: الأيمان والنذور (٣٨٠٦ ,٣٨٠٧ ,٣٨٠٨) , وأبو داود: الأيمان والنذور(٣٢٨٩) , وابن ماجه: الكفارات(٢١٢٦) , وأحمد (٦/٣٦ ,٦/٤١ ,٦/٢٠٨ ,٦/٢٢٤) , ومالك: النذور والأيمان(١٠٣١) , والدارمي: النذور والأيمان(٢٣٣٨) .
٢ مسلم: النذر(١٦٤١) , وأبو داود: الأيمان والنذور(٣٣١٦) , وأحمد (٤/٤٣٠) , والدارمي: النذور والأيمان(٢٣٣٧) والسير(٢٥٠٥) .стр. 231
.......................................................................
الحواشي
(٢١٢٧) , والترمذي(١٥٢٨) وصححه وأصله في مسلم(١٦٤٥) .
٢ سبق (ص ٢٣٧) .стр. 232
.......................................................................
الحواشي
(١٥٢٦) , والنسائي: الأيمان والنذور (٣٨٠٦ ,٣٨٠٧ ,٣٨٠٨) , وأبو داود: الأيمان والنذور(٣٢٨٩) , وابن ماجه: الكفارات(٢١٢٦) , وأحمد (٦/٣٦ ,٦/٤١ ,٦/٢٠٨ ,٦/٢٢٤) , ومالك: النذور والأيمان(١٠٣١) , والدارمي: النذور والأيمان(٢٣٣٨) .
٣ من حديث عائشة, رواه: أحمد (٦/٢٤٧) , وأبو داود برقم(٣٢٩٠) , والترمذي برقم(١٥٢٤) , والنسائي برقم(٣٨٣٤) , وابن ماجه برقم(١٢٢٥) , والبيهقي (١٠/٦٩) . وصححه الطحاوي وابن السكن; كما في "التلخيص الحبير" (٤/١٧٦) .стр. 233
" ولا فيما لا يملك ابن آدم "١ رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما٢.
الحواشي
(١٦٤١) , والنسائي: الأيمان والنذور(٣٨١٢) , وأبو داود: الأيمان والنذور(٣٣١٦) , وابن ماجه: الكفارات(٢١٢٤) , وأحمد (٤/٤٣٠ ,٤/٤٣٢) , والدارمي: النذور والأيمان(٢٣٣٧) والسير(٢٥٠٥) .
٢ رواه: أبو داود (كتاب الأيمان والنذور, باب ما بؤمن به من الوفاء بالنذر, ٣/٦٠٧) - وسكت عنه-, والبيهقي في "السنن" (١٠/٨٣) , والطبراني في "الكبير" برقم(١٣٤١) . وصححه ابن حجر في "التلخيص" (٤/١٨٠) .
٣ سورة التوبة آية: ١٢٠.стр. 234
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ١.
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة، ليزول الإشكال.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ٢ وقد سبق ذلك في أول الباب.
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة: أي: لما كانت هذه الأرض مكان شرك، حرم أن يعمل الإنسان ما يشبه الشرك فيها لمشابهة المشركين. أما بالنسبة للصلاة في الكنيسة، فإن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة، لا يكون الإنسان متشبها بهذا العمل، بخلاف الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه، ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك، لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان. وكذا الطاعة تؤثر في الأرض، ولهذا، فإن المساجد أفضل من الأسواق، والقديم منها أفضل من الجديد.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال: فالمنع من الذبح في هذا المكان أمر مشكل، لكن الرسول ﷺ بين ذلك بالاستفصال.
_________
١ سورة التوبة آية: ١٠٨.
٢ سورة التوبة آية: ١٠٨.стр. 235
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
الحواشي
(١) الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك: لأن النبي ﷺ استفصل، لكن هل يجب الاستفصال على كل حال، أو إذا وجد الاحتمال؟ الجواب: لا يجب إلا إذا وجد الاحتمال، لأننا لو استفصلنا في كل مسألة، لطال الأمر. فمثلا: لو سألنا سائل عن عقد بيع لم يلزم أن نستفصل عن الثمن: هل هو معلوم؟ وعن المثمن: هل هو معلوم؟ وهل وقع البيع معلقا أو غير معلق؟ وهل كان ملكا للبائع؟ وكيف ملكه؟ وهل انتفت موانعه أو لا؟ أما إذا وجد الاحتمال; فيجب الاستفصال، مثل: أن يسأل عن رجل مات عن بنت وأخ وعم شقيق، فيجب الاستفصال عن الأخ: هل هو شقيق أو لأم؟ فإن كان لأم، سقط، وأخذ الباقي العم، وإلا، سقط العم، وأخذ الباقي الأخ.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. لقوله: "أوف بنذرك"، وسواء كانت هذه الموانع واقعة أو متوقعة. فالواقعة: أن يكون فيها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية. والمتوقعة: أن يخشى من الذبح في هذا المكان تعظيمه، فإذا خشي، كان ممنوعا، مثل: لو أراد أن يذبح عند جبل، فالأصل أنه جائز، لكن لو خشي أن العوام يعتقدون أن في هذا المكان مزية، كان ممنوعا.стр. 236
السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة، لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحواشي
(١) السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله: لقوله ﷺ : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟، لأن "كان" فعل ماض، والمحظور بعد زوال الوثن باق، لأنه ربما يعاد.
السابعة: المنع منه إذا كان فيها عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله: لقوله ﷺ : "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ".
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة، لأنه نذر معصية: لقوله: فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده: وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن حصول التشبه لا يشترط فيه القصد، فإنه يمنع منه ولو لم يقصده، لكن مع القصد يكون أشد إثما، ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية الله: هكذا قال المؤلف، ولفظстр. 237
الحادية عشرة. لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
الحواشي
(١) الحديث المذكور: " لا وفاء لنذر "، وبينهما فرق. فإذا قيل: لا نذر في معصية، فالمعنى أن النذر لا ينعقد، وإذا قيل: لا وفاء، فالمعنى أن النذر ينعقد، لكن لا يوفى، وقد وردت السنة بهذا وبهذا. لكن: "لا نذر" يحمل على أن المراد لا وفاء لنذر، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: " ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه "١.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك يقال فيه ما قيل في: لا نذر في معصية. والمعنى: لا وفاء لنذر فيما لا يملك ابن آدم، ويشتمل ما لا يملكه شرعا، وما لا يملكه قدرا.
_________
١ سبق (ص ٢٣٧) .стр. 238
باب من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ١.
الحواشي
(١) النذر لغير الله مثل أن يقول: لفلان علي نذر، أو لهذا القبر علي نذر، أو لجبريل علي نذر، يريد بذلك التقرب إليهم، وما أشبه ذلك. والفرق بينه وبين نذر المعصية: أن النذر لغير الله ليس لله أصلا، ونذر المعصية لله، ولكنه على معصية من معاصيه، مثل أن يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا من معاصي الله، فيكون النذر لله والمنذور معصية، ونظير هذا الحلف بالله على شيء محرم، والحلف بغير الله، فالحلف بغير الله مثل: والنبي، لأفعلن كذا وكذا، ونظيره النذر لغير الله، والحلف بالله على محرم، مثل: والله، لأسرقن، ونظيره نذر المعصية، وحكم النذر لغير الله شرك، لأنه عبادة للمنذور له، وإذا كان عبادة فقد صرفها لغير الله، فيكون مشركا وهذا النذر لغير الله لا ينعقد إطلاقا، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه، كالحلف بغير الله، فلا ينعقد، وليس فيه كفارة.
وأما نذر المعصية; فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، وعليه كفارة يمين، كالحلف بالله على المحرم ينعقد، وفيه كفارة.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين:
· الأولى: قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ٢ هذه الآية سيقت لمدح الأبرار،
_________
١ سورة الإنسان آية: ٧.
٢ سورة الإنسان آية: ٧.стр. 239
وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ١.
الحواشي
(١) ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ ٢ ومدحهم.
بهذا يقتضي أن يكون عبادة، لأن الإنسان لا يمدح ولا يستحق دخول الجنة إلا بفعل شيء يكون عبادة.
ولو أعقب المؤلف هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٣ لكان أوضح، لأن قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٤ أمر، والأمر بوفائه يدل على أنه عبادة، لأن العبادة ما أمر به شرعا.
وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر لغير الله من الشرك: أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعله من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة، فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك.
· الآية الثانية: قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) : شرطية، و (أنفقتم) : فعل الشرط، وجوابه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ .
قوله: " من نفقة ": بيان ل (ما) في قوله: (ما أنفقتم) ، والنفقة: بذل المال، وقد يكون في الخير، وقد يكون في غيره.
قوله: " أو نذرتم " معطوف على قوله: " وما أنفقتم ".
قوله: " ﴿فإن الله يعلمه﴾ ": تعليق الشيء بعلم الله دليل على أنه محل جزاء، إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يجازي الإنسان عليها، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢٧٠.
٢ سورة الإنسان آية: ٥.
٣ سورة الحج آية: ٢٩.
٤ سورة الحج آية: ٢٩.стр. 240
وفي الصحيح عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " من نذر أن يطيع الله، فليطعه،.....................................................................................
الحواشي
(١) قوله: "وفي الصحيح" سبق الكلام على مثل هذا التعبير في باب تفسير التوحيد (ص ١٥٧) .
قوله: "من نذر ": جملة شرطية تفيد العموم، وهل تشمل الصغير؟ قال بعض العلماء: تشمله؟ فينعقد النذر منه.
وقيل: لا تشمله" لأن الصغير ليس أهلا للإلزام ولا للالتزام، وبناء على هذا يخرج الصغير من هذا العموم، لأنه ليس أهلا للإلزام ولا للالتزام.
قوله: "أن يطيع الله ": الطاعة: هي موافقة الأمر، أي: أن توافق الله فيما يريد منك إن أمرك، فالطاعة فعل المأمور به، وإن نهاك، فالطاعة ترك المنهي عنه، هذا معنى الطاعة إذا جاءت مفردة.
أما إذا قيل: طاعة ومعصية، فالطاعة لفعل الأوامر، والمعصية لفعل النواهي. قوله: " فليطعه ": الفاء واقعة في جواب الشرط، لأن الجملة إنشائية طلبية، واللام لام الأمر. وظاهر الحديث: يشمل ما إذا كانت الطاعة المنذورة جنسها واجب، كالصلاة والحج وغيرهما، أو غير واجب، كتعليم العلم وغيره.
وقال بعض أهل العلم: لا يجب الوفاء بالنذر إلا إذا كان جنس الطاعة واجبا، وعموم الحديث يرد عليهم. وظاهر الحديث أيضا يشمل من نذر طاعة- نذرا مطلقا ليس له سبب، مثل: "لله علي أن أصوم ثلاثة أيام".
ومن نذر نذرا معلقا، مثل: إن نجحت، فلله علي أن أصوم ثلاثة أيام. ومن فرق بينهما، فليس بجيد لأن الحديث عام.
واعلم أن النذر لا يأتي بخير ولو كان نذر طاعة، وإنما يستخرج به من البخيل، ولهذا نهى عنه النبي ﷺ وبعض العلماء يحرمه، وإليه يميلстр. 241
ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه " ١.
الحواشي
(١٥٢٦) , والنسائي: الأيمان والنذور (٣٨٠٦ ,٣٨٠٧ ,٣٨٠٨) , وأبو داود: الأيمان والنذور(٣٢٨٩) , وابن ماجه: الكفارات(٢١٢٦) , وأحمد (٦/٣٦ ,٦/٤١ ,٦/٢٠٨ ,٦/٢٢٤) , ومالك: النذور والأيمان(١٠٣١) , والدارمي: النذور والأيمان(٢٣٣٨) .стр. 242
فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غير الله شرك.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
الحواشي
(١٥٢٦) , والنسائي: الأيمان والنذور (٣٨٠٦ ,٣٨٠٧ ,٣٨٠٨) , وأبو داود: الأيمان والنذور(٣٢٨٩) , وابن ماجه: الكفارات(٢١٢٦) , وأحمد (٦/٣٦ ,٦/٤١ ,٦/٢٠٨ ,٦/٢٢٤) , ومالك: النذور والأيمان(١٠٣١) , والدارمي: النذور والأيمان(٢٣٣٨) .стр. 243
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١.
الحواشي
(١) قوله: "من الشرك": من: للتبعيض، وهذه الترجمة ليست على إطلاقها، لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه، فإنه جائز، كالاستعانة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ﴾ ٢ الواو: حرف عطف، و (أن) : فتحت همزتها بسبب عطفها على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٣.
قال ابن مالك:
وهمز إنّ افتح لسد مصدر ... مسدّها وفي سوى ذاك اكسر
فيؤول بمصدر، أي: قل أوحي إلي استماع نفر وكون رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن.
قوله: " من الإنس ": صفة لرجال، لأن (رجال) نكرة، وما بعد النكرة صفة لها.
قوله: (يعوذون) : الجملة خبر كان، ويقال: عاذ به ولاذ به، فالعياذ مما يخاف، واللياذ فيما يؤمل، وعليه قول الشاعر يخاطب ممدوحه، ولا يصلح ما قاله إلا لله:
_________
١ سورة الجن آية: ٦.
٢ سورة الجن آية: ٦.
٣ سورة الجن آية: ١.стр. 244
.......................................................................
الحواشي
(١) يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
ولا يهيضون عظما أنت جابره ... لا يجبر الناس عظما أنت كاسره
قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ١ أي: يلتجئون إليهم مما يحاذرونه، يظنون أنهم يعيذونهم، ولكن زادوهم رهقا، أي: خوفا وذعرا، وكانت العرب في الجاهلية إذا نزلوا في واد نادوا بأعلى أصواتهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
قوله: (رهقا) : أي: ذعرا وخوفا، بل الرهق أشد من مجرد الذعر والخوف، فكأنهم مع ذعرهم وخوفهم أرهقهم وأضعفهم شيء، فالذعر والخوف في القلوب، والرهق في الأبدان.
وهذه الآية تدل على أن الاستعاذة بالجن حرام، لأنها لا تفيد المستعيذ، بل تزيده رهقا، فعوقب بنقيض قصده، وهذا ظاهر، فتكون الواو ضمير الجن والهاء ضمير الإنس. وقيل: إن الإنس زادوا الجن رهقا، أي: استكبارا وعتوا، ولكن الصحيح الأول.
قوله: ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ يستفاد منه أن للجن رجالا، ولهم إناث، وربما يجامع الرجل من الجن الأنثى من بني آدم، وكذلك العكس الرجل من بني آدم قد يجامع الأنثى من الجن، وقد ذكر الفقهاء الخلاف في وجوب الغسل بهذا الجماع.
والفقهاء يقولون في باب الغسل: لو قالت: إن بها جنيا يجامعها كالرجل، وجب عليها الغسل، وأما أن الرجل يجامع الأنثى من الجن، فقد قيل ذلك، لكن لم أره في كلام أهل العلم، وإنما أساطير تقال، والله أعلم.
_________
١ سورة الجن آية: ٦.стр. 245
وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من نزل منزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله.........................................
الحواشي
(١) لكن علينا أن نصدق بوجودهم، وأنهم مكلفون، وبأن منهم الصالحين ومنهم دون ذلك، وبأن منهم المسلمين والقاسطين، وبأن منهم رجالا ونساء. وجه الاستشهاد بالآية: ذم المستعيذين بغير الله، والمستعيذ بالشيء لا شك أنه قد علق رجاءه به، واعتمد عليه، وهذا نوع من الشرك.
وقوله: " من نزل منزلا " يشمل من نزله على سبيل الإقامة الدائمة، أو الطارئة، بدليل أنه نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم. وقوله: "أعوذ" بمعنى: ألتجئ وأعتصم. قوله: "كلمات": من جموع القلة، لأنه جمع مؤنث سالم، وجموع القلة من ثلاثة إلى عشرة، والكثرة ما فوق ذلك.
وقيل: جموع الكثرة من ثلاثة إلى ما لا نهاية له، فيكون جمع القلة والكثرة يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء. قال ابن مالك:
أفعلة أفعل ثم فعله ... ثمت أفعال جموع قلة
وبعض ذي بكثرة وضعا يفي ... كأرجل والعكس جاء كالصفي
والراجح: أن جموع القلة تدل على الكثرة بالدليل.стр. 246
التامات من شر ما خلق،.................................................
الحواشي
(١) فـ"كلمات": جمع قلة دال على الكثرة لوجود الدليل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ١ وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ٢ والمراد بالكلمات هنا: الكلمات الكونية والشرعية.
قوله: "التامات": تمام الكلام بأمرين:
١- الصدق في الأخبار.
٢- العدل في الأحكام.
قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ ٣.
قوله: "من شر ما خلق": أي: من شر الذي خلق، لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه، لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيرا، فكان خيرا. وعلى هذا نقول: الشر ليس في فعل الله، بل في مفعولاته، أي: مخلوقاته. وعلى هذا تكون "ما" موصولة لا غير، أي: من شر الذي خلق، لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك، لكان الخلق هنا مصدرا يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضا المفعول، لكن لو جعلتها اسما موصولا تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق.
وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
١. شر محض، كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير
_________
١ سورة الكهف آية: ١٠٩.
٢ سورة لقمان آية: ٢٧.
٣ سورة الأنعام آية: ١١٥.стр. 247
لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك "١ رواه مسلم٢.
الحواشي
(٢٧٠٨) , والترمذي: الدعوات(٣٤٣٧) , وابن ماجه: الطب(٣٥٤٧) , وأحمد (٦/٣٧٧ ,٦/٣٧٨ ,٦/٤٠٩) , والدارمي: الاستئذان(٢٦٨٠) .
٢ في (كتاب الذكر والدعاء, باب في التعوذ من سوء القضاء, ٤/٢٠٨٠) .
٣ سبق (ص ٩٩) .
٤ من حديث ابن عباس, رواه: البخاري (كتاب النكاح, باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله, ٥١٦٥) , ومسلم (كتاب النكاح, باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع, ٢/١٠٥٨) .стр. 248
.......................................................................
الحواشي
(١) والشاهد من الحديث: قوله: أعود بكلمات الله. والمؤلف يقول في الترجمة: الاستعاذة بغير الله، وهنا استعاذة بالكلمات، ولم يستعذ بالله، فلماذا؟ أجيب: أن كلمات الله صفة من صفاته، ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته غير مخلوق، لأن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز في مثل هذا الأمر، ولو كانت الكلمات مخلوقة ما أرشد النبي ﷺ إلى الاستعاذة بها. ولهذا كان المراد من كلام المؤلف: الاستعاذة بغير الله، أي: أو صفة من صفاته.
وفي الحديث: " أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر "١ وهنا استعاذ بعزة الله وقدرته، ولم يستعذ بالله، والعزة والقدرة من صفات الله، وهي ليست مخلوقة. ولهذا يجوز القسم بالله وبصفاته، لأنها غير مخلوقة.
أما القسم بالآيات، فإن أراد الآيات الشرعية، فجائز، وإن أراد الآيات الكونية، فغير جائز. أما الاستعاذة بالمخلوق، ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه، فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة"، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله، سوى الله.
ومن ذلك أيضا الاستعاذة بأصحاب القبور، فإنهم لا
_________
١ من حديث عثمان بن أبي العاص, رواه: مسلم (كتاب السلام, باب استحباب وضع يده على موضع الألم, ٤/١٧٢٨) .стр. 249
.......................................................................
ينفعون ولا يضرون، فالاستعاذة بهم شرك أكبر، سواء كان عند قبورهم أم بعيدا عنهم.
أما الاستعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه، فهي جائزة، وقد أشار إلى ذلك الشارح الشيخ سليمان في "تيسير العزيز الحميد"، وهو مقتضى الأحاديث الواردة في "صحيح مسلم" لما ذكر النبي ﷺ الفتن، قال: " فمن وجد من ذلك ملجأ، فليعذ به "١.
وكذلك قصة المرأة التي عاذت بأم سلمة٢ والغلام الذي عاذ بالنبي صلى الله عليه وسلم٣ وكذلك في قصة الذين يستعيذون بالحرم والكعبة٤ وما أشبه ذلك.
وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم، فلا شيء فيه. لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ فهذا شرك، لأن هذا لا يكون إلا لله.
وعلى هذا، فكلام الشيخ ﵀ في قوله: "إن الأئمة لا يجوزون الاستعاذة بمخلوق" مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، ولولا أن النصوص وردت بالتفصيل لأخذنا الكلام على إطلاقه، وقلنا: لا يجوز الاستعاذة بغير الله مطلقا.
الحواشي
(١) ١ من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (كتاب المناقب, باب علامات النبوة, ٢/٥٢٠) , ومسلم (كتاب الفتن, باب نزول الفتن, ٤/٢٢١٢) .
٢ من حديث جابر, رواه: مسلم (كتاب الحدود, باب حد السرقة, ٣/١٦٨٩) .
٣ رواه مسلم في بعض ألفاظه (٣/١٢٨١) .
٤ من حديث أم سلمة, رواه: مسلم (كتاب الفتن, باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت, ٤/٢٢٠٨) .стр. 250
فيه مسائل:
الأولى. تفسير آية الجن.
الثانية. كونه من الشرك.
الثالثة. الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة. فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.
الخامسة. أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية، من كف شر، أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن: وقد سبق ذلك في أول الباب.
الثانية: كونه من الشرك: أي: الاستعاذة بغير الله وقد سبق التفصيل في ذلك.
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك: وجه الاستشهاد: أن الاستعاذة بكلمات الله لا تخرج عن كونها استعاذة بالله، لأنها صفة من صفاته.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره: أي: فائدته، وهي أنه لا يضرك شيء ما دمت في هذا المنزل.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أوследующие страницы →