Полный текст (1 122 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
التامات من شر ما خلق،.................................................
الحواشي
(١) فـ"كلمات": جمع قلة دال على الكثرة لوجود الدليل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ١ وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ٢ والمراد بالكلمات هنا: الكلمات الكونية والشرعية.
قوله: "التامات": تمام الكلام بأمرين:
١- الصدق في الأخبار.
٢- العدل في الأحكام.
قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ ٣.
قوله: "من شر ما خلق": أي: من شر الذي خلق، لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه، لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيرا، فكان خيرا. وعلى هذا نقول: الشر ليس في فعل الله، بل في مفعولاته، أي: مخلوقاته. وعلى هذا تكون "ما" موصولة لا غير، أي: من شر الذي خلق، لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك، لكان الخلق هنا مصدرا يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضا المفعول، لكن لو جعلتها اسما موصولا تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق.
وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
١. شر محض، كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير
_________
١ سورة الكهف آية: ١٠٩.
٢ سورة لقمان آية: ٢٧.
٣ سورة الأنعام آية: ١١٥.стр. 247
لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك "١ رواه مسلم٢.
الحواشي
(٢٧٠٨) , والترمذي: الدعوات(٣٤٣٧) , وابن ماجه: الطب(٣٥٤٧) , وأحمد (٦/٣٧٧ ,٦/٣٧٨ ,٦/٤٠٩) , والدارمي: الاستئذان(٢٦٨٠) .
٢ في (كتاب الذكر والدعاء, باب في التعوذ من سوء القضاء, ٤/٢٠٨٠) .
٣ سبق (ص ٩٩) .
٤ من حديث ابن عباس, رواه: البخاري (كتاب النكاح, باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله, ٥١٦٥) , ومسلم (كتاب النكاح, باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع, ٢/١٠٥٨) .стр. 248
.......................................................................
الحواشي
(١) والشاهد من الحديث: قوله: أعود بكلمات الله. والمؤلف يقول في الترجمة: الاستعاذة بغير الله، وهنا استعاذة بالكلمات، ولم يستعذ بالله، فلماذا؟ أجيب: أن كلمات الله صفة من صفاته، ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته غير مخلوق، لأن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز في مثل هذا الأمر، ولو كانت الكلمات مخلوقة ما أرشد النبي ﷺ إلى الاستعاذة بها. ولهذا كان المراد من كلام المؤلف: الاستعاذة بغير الله، أي: أو صفة من صفاته.
وفي الحديث: " أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر "١ وهنا استعاذ بعزة الله وقدرته، ولم يستعذ بالله، والعزة والقدرة من صفات الله، وهي ليست مخلوقة. ولهذا يجوز القسم بالله وبصفاته، لأنها غير مخلوقة.
أما القسم بالآيات، فإن أراد الآيات الشرعية، فجائز، وإن أراد الآيات الكونية، فغير جائز. أما الاستعاذة بالمخلوق، ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه، فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة"، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله، سوى الله.
ومن ذلك أيضا الاستعاذة بأصحاب القبور، فإنهم لا
_________
١ من حديث عثمان بن أبي العاص, رواه: مسلم (كتاب السلام, باب استحباب وضع يده على موضع الألم, ٤/١٧٢٨) .стр. 249
.......................................................................
ينفعون ولا يضرون، فالاستعاذة بهم شرك أكبر، سواء كان عند قبورهم أم بعيدا عنهم.
أما الاستعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه، فهي جائزة، وقد أشار إلى ذلك الشارح الشيخ سليمان في "تيسير العزيز الحميد"، وهو مقتضى الأحاديث الواردة في "صحيح مسلم" لما ذكر النبي ﷺ الفتن، قال: " فمن وجد من ذلك ملجأ، فليعذ به "١.
وكذلك قصة المرأة التي عاذت بأم سلمة٢ والغلام الذي عاذ بالنبي صلى الله عليه وسلم٣ وكذلك في قصة الذين يستعيذون بالحرم والكعبة٤ وما أشبه ذلك.
وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم، فلا شيء فيه. لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ فهذا شرك، لأن هذا لا يكون إلا لله.
وعلى هذا، فكلام الشيخ ﵀ في قوله: "إن الأئمة لا يجوزون الاستعاذة بمخلوق" مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، ولولا أن النصوص وردت بالتفصيل لأخذنا الكلام على إطلاقه، وقلنا: لا يجوز الاستعاذة بغير الله مطلقا.
الحواشي
(١) ١ من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (كتاب المناقب, باب علامات النبوة, ٢/٥٢٠) , ومسلم (كتاب الفتن, باب نزول الفتن, ٤/٢٢١٢) .
٢ من حديث جابر, رواه: مسلم (كتاب الحدود, باب حد السرقة, ٣/١٦٨٩) .
٣ رواه مسلم في بعض ألفاظه (٣/١٢٨١) .
٤ من حديث أم سلمة, رواه: مسلم (كتاب الفتن, باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت, ٤/٢٢٠٨) .стр. 250
فيه مسائل:
الأولى. تفسير آية الجن.
الثانية. كونه من الشرك.
الثالثة. الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة. فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.
الخامسة. أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية، من كف شر، أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن: وقد سبق ذلك في أول الباب.
الثانية: كونه من الشرك: أي: الاستعاذة بغير الله وقد سبق التفصيل في ذلك.
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك: وجه الاستشهاد: أن الاستعاذة بكلمات الله لا تخرج عن كونها استعاذة بالله، لأنها صفة من صفاته.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره: أي: فائدته، وهي أنه لا يضرك شيء ما دمت في هذا المنزل.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أوстр. 251
.......................................................................
الحواشي
(١) جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك: ومعنى كلامه: أنه قد يكون الشيء من الشرك، ولو حصل لك فيه منفعة، فلا يلزم من حصول النفع أن ينتفي الشرك، فالإنسان قد ينتفع بما هو شرك. مثال ذلك: الجن، فقد يعيذونك، وهذا شرك مع أن فيه منفعة.
مثال آخر: قد يسجد إنسان لملك، فيهبه أموالا وقصورا، وهذا شرك مع أن فيه منفعة، ومن ذلك ما يحصل لغلاة المداحين لملوكهم لأجل العطاء، فلا يخرجهم ذلك عن كونهم مشركين. قال بعضهم:
وكيف شئت فما خلق يدانيك ... فكن كما شئت يا من لا نظير له
وفي الحديث فائدة، وهي: أن الشرع لا يبطل أمرا من أمور الجاهلية إلا ذكر ما هو خير منه، ففي الجاهلية كانوا يستعيذون بالجن، فأبدل بهذه الكلمات، وهي: أن يستعيذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
وهذه الطريقة هي الطريقة السليمة التي ينبغي أن يكون عليها الداعية، أنه إذا سد عن الناس باب الشر، وجب عليه أن يفتح لهم باب الخير، ولا يقول: حرام، ويسكت، بل يقول: هذا حرام، وافعل كذا وكذا من المباح بدلا عنه، وهذا له أمثلة في القرآن والسنة. فمن القرآن قوله تعالى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ ١ فلما نهاهم عن قول (راعنا) ذكر لهم ما يقوم مقامه وهو (انظرنا) ومن السنة قوله ﷺ لمن نهاه عن بيع الصاع من التمر الطيب بالصاعين، والصاعين بالثلاثة: " بع الجمع بالدراهم،
_________
١ سورة البقرة آية: ١٠٤.стр. 252
.......................................................................
الحواشي
(١) واشتر بالدراهم جنيبا "١ فلما منعه من المحذور، فتح له الباب السليم الذي لا محذور فيه.
_________
١ من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة, رواه: البخاري (كتاب البيوع, باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه, ٢/١١٣) , ومسلم (كتاب المساقاة, باب بيع الطعام مثلا بمثل, ٣/ ١٢١٥) .стр. 253
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
........................................................................
الحواشي
(١) قوله: ومن الشرك: من: للتبعيض، فيدل على أن الشرك ليس مختصا بهذا الأمر. والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.
وكلام المؤلف ﵀ ليس على إطلاقه، بل يقيد بما لا يقدر عليه المستغاث به، إما لكونه ميتا، أو غائبا، أو يكون الشيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى، فلو استغاث بميت ليدافع عنه أو بغائب أو بحي حاضر لينزل المطر، فهذا كله من الشرك، ولو استغاث بحي حاضر فيما يقدر عليه كان جائزا، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١ وإذا طلبت ومن أحد الغوث وهو قادر عليه، فإنه يجب عليك تصحيحا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب، وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة، لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد.
قوله: "أو يدعو غيره": معطوف على قوله: "أن يستغيث"؟ فيكون المعنى: من الشرك أن يدعو غير الله، وذلك لأن الدعاء من العبادة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢ عبادتي أي: دعائي، فسمى الله الدعاء عبادة.. وقال ﷺ " إن الدعاء هو العبادة "٣.
_________
١ سورة القصص آية: ١٥.
٢ سورة غافر آية: ٦٠.
٣ رواه: أحمد في "المسند" (٤/٢٦٧) , والترمذي (الدعوات, باب الدعاء مخ العبادة, ٩/٩٢) - وقال: "حديث حسن صحيح"-, وأبو داود (كتاب الصلاة, باب الدعاء, ٢/ ١٦١) , وابن ماجه (كتاب الدعاء, باب فضل الدعاء, ٢/١٢٥٨) , والحاكم (١/٤٩٠) - وصححه ووافقه الذهبي-, والطبراني في "الصغير" (٢/٩٧) . وقال ابن حجر في "الفتح" (١/٤٩) : "إسناده جيد".стр. 254
.......................................................................
الحواشي
(١) والدعاء ينقسم إلى قسمين:
١. ما يقع عبادة، وهذا صرفه لغير الله شرك، وهو المقرون بالرهبة والرغبة، والحب، والتضرع.
٢. ما لا يقع عبادة، فهذا يجوز أن يوجه إلى المخلوق، قال النبي ﷺ " من دعاكم فأجيبوه "١ وقال: " إذا دعاك فأجبه "٢ وعلى هذا، فمراد المؤلف بقوله: " أو يدعو غيره " دعاء العبادة أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسؤول إجابته.
قوله: "أن يستغيث": أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، وخبرها مقدم، وهو قوله: من الشرك، والتقدير: من الشرك الاستغاثة بغير الله، والمبتدأ يكون صريحا ومؤولا.
فالمبتدأ الصريح مثل: زيد قائم، والمؤول مثل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٣ أي: وصومكم خير لكم. وقوله: "أو يدعو" هذا من باب عطف العام على الخاص، لأن الاستغاثة دعاء بإزالة الشدة فقط، والدعاء عام لكونه لجلب منفعة، أو لدفع مضرة.
وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب عدة آيات:
_________
١سبق (ص ١٢١) .
٢ سبق (ص ١٥٩) .
٣ سورة البقرة آية: ١٨٤.стр. 255
وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
الحواشي
(١) الآية الأولى: قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢ ظاهر سياق الآية أن الخطاب للرسول ﷺ وسواء كان خاصا به أو عاما له ولغيره، فإن بعض العلماء قال: لا يصح أن يكون للرسول ﷺ لأن الرسول ﷺ يستحيل أن يقع منه ذلك، والآية على تقدير قل، وهذا ضعيف جدا، وإخراج للآيات عن سياقها.
والصواب: أنه إما خاص بالرسول ﷺ والحكم له ولغيره، وإما عام لكل من يصح خطابه ويدخل فيه الرسول ﷺ
وكونه يوجه إليه مثل هذا الخطاب، لا يقتضي أن يكون ممكنا منه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣ فالخطاب له ولجميع الرسل، ولا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله لا باعتبار كونه إنسانا وبشرا.
إذا، فالحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيا به، فإذا كان النهي موجها إلى من لا يمكن منه باعتبار حاله، فهو إلى من يمكن منه من باب أولى.
وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الدعاء: طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضر، وهو نوعان كما قال أهل العلم:
الأول. دعاء عبادة، وهو أن يكون قائما بأمر الله، لأن القائم بأمر الله- كالمصلي، والصائم، والمزكي- يريد بذلك الثواب والنجاة من العقاب، ففعله متضمن للدعاء بلسان الحال، وقد يصحب فعله هذا دعاء بلسان المقال.
_________
١ سورة يونس آية: ١٠٦.
٢ سورة يونس آية: ١٠٦.
٣ سورة الزمر آية: ٦٥.стр. 256
.......................................................................
الحواشي
(١) الثاني: دعاء مسألة، وهو طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضره فالأول لا يجوز صرفه لغير الله، والثاني فيه تفصيل. سبق.
قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي سوى الله. قوله: ﴿مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ١ " ما لا ينفعك " أي: ما لا يجلب لك النفع لو عبدته. " ولا يضرك ": قيل: لا يدفع عنك الضر، وقيل: لو تركت عبادته لا يضرك، لأنه لا يستطيع الانتقام، وهو الظاهر من اللفظ. وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ٢ أي: لأنه لا ينفعك ولا يضرك، وهذا القيد ليس شرطا بحيث يكون له مفهوم، فيكون لك أن تدعو من ينفعك ويضرك، بل هو لبيان الواقع، لأن المدعو من دون الله لا يحصل منه نفع ولا ضرر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣ ومن القيد الذي ليس بشرط، بل هو لبيان الواقع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤ فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٥ لبيان الواقع، إذ ليس هناك رب ثان لم يخلقنا والذين من قبلنا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ٦ فهذا بيان للواقع الأغلب. ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٧ فهذا بيان للواقع، إذ دعاء الرسول ﷺ إيانا كله لما يحيينا.
_________
١ سورة يونس آية: ١٠٦.
٢ سورة يونس آية: ١٠٦.
٣ سورة آية: ٥-٦.
٤ سورة البقرة آية: ٢١.
٥ سورة البقرة آية: ٢١.
٦ سورة النساء آية: ٢٣.
٧ سورة الأنفال آية: ٢٤.стр. 257
............................................................
الحواشي
(١) وكل قيد يراد به بيان الواقع، فإنه كالتعليل للحكم، فمثلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ١ أي: اعبدوه لأنه خلقكم.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٢ أي: لأنه لا يدعوكم إلا لما يحييكم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ٣ أي: لأنه لا ينفعك ولا يضرك، فعلى هذا لا يكون هذا القيد شرطا، وهذه يسميها بعض الناس صفة كاشفة.
قوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤ أي: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك والخطاب للرسول ﷺ و (إن) : شرطية، وجواب الشرط جملة: (فإنك إذن) و (إذن) أي: حال فعلك من الظالمين، وهو قيد، لأن (إذ) للظرف الحاضر، أي: فإنك حال فعله من الظالمين.
لكن قد تتوب منه فيزول عنك وصف الظلم، فالإنسان قبل الفعل ليس بظالم، وبعد التوبة ليس بظالم، لكن حين فعل المعصية يكون ظالما كما قال ﷺ " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "٥ فنفى الإيمان عنه حال الفعل ونوع الظلم هنا ظلم شرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٦.
وعبر الله بقوله: " من الظالمين "، ولم يقل: من المشركين، لأجل أن يبين أن الشرك ظلم، لأن كون الداعي لغير الله مشركا أمر بين، لكن كونه ظالما قد لا يكون بينا من الآية.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢١.
٢ سورة الأنفال آية: ٢٤.
٣ سورة يونس آية: ١٠٦.
٤ سورة يونس آية: ١٠٦.
٥ سبق (ص ٧٨) .
٦ سورة لقمان آية: ١٣.стр. 258
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) الآية الثانية: قوله: (وإن يمسسك) : أي: يصبك بضر، كالمرض، والفقر، ونحوه. قوله: ﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ (لا) نافية للجنس، واسمها: (كاشف) ، وخبرها: (له) ، و (إلا هو) بدل، وإن قلنا بجواز كون، خبرها معرفة صار (هو) الخبر: أي: ما أحد يكشفه أبدا إذا مسك الله بضر إلا الله، وهذا كقول النبي ﷺ " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك "٣.
قوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ ٤ هنا قال: (يردك) ، وفي الضر قال: (يمسسك) فهل هذا من باب تنويع العبارة، أو هناك فرق معنوي؟ الجواب: هناك فرق معنوي، وهو أن الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله، بل تنسب إلى فعله، أي: مفعوله.
فالمس من فعل الله، والضر من مفعولاته، فالله لا يريد الضر لذاته، بل يريده لغيره، لما يترتب عليه من الخير، ولما وراء ذلك من الحكم البالغة، وفي الحديث القدسي: " إن من عبادي من لو أغنيته أفسده الغنى "٥.
أما الخير، فهو مراد لله لذاته، ومفعول له، ويقرب من هذا ما في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ ٦.
فإذا أصيب الإنسان بمرض، فالله لم يرد به الضرر لذاته، بل أراد
_________
١ سورة الأنعام آية: ١٧.
٢ سورة الأنعام آية: ١٧.
٣ من حديث ابن عباس, رواه: أحمد في "المسند" (١/ ٢٩٣, ٣٠٧) , والترمذي (أبواب صفة القيامة, باب "ولكن يا حنظلة ساعة وساعة, ٧/٢٠٣) - وقال: "حديث حسن صحيح".
٤ سورة يونس آية: ١٠٧.
٥ من حديث أنس, رواه: الطبراني.
٦ سورة الجن آية: ١٠.стр. 259
.......................................................................
الحواشي
(١) المرض، وهو يضره، لكن لم يرد ضرره، بل أراد خيرا من وراء ذلك، وقد تكون الحكمة ظاهرة في نفس المصاب، وقد تكون ظاهرة في غيره، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١ فالمهم أنه ليس لنا أن نتحجر حكمة الله، لأنها أوسع من عقولنا، لكننا نعلم علم اليقين أن الله لا يريد الضرر لأنه ضرر، فالضرر عند الله ليس مرادا لذاته، بل لغيره، ولا يترتب عليه إلا الخير، أما الخير; فهو مراد لذاته، ومفعول له، والله أعلم بما أراد بكلامه، لكن هذا الذي يتبين لي.
قوله: ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ، أي: لا يستطيع أحد أن يرد فضل الله أبدا، ولو اجتمعت الأمة على ذلك، وفي الحديث: " اللهم! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت "٢. وعليه، فنعتمد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، وبقاء ما أنعم علينا به، ونعلم أن الأمة مهما بلغت من المكر والكيد والحيل لتمنع فضل الله، فإنها لا تستطيع.
قوله: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ، الضمير إما أن يعود إلى الفضل، لأنه أقرب، أو إلى الخير، لأنه هو الذي يتحدث عنه، ولا يختلف المعنى بذلك.
قوله: (من يشاء) : كل فعل مقيد بالمشيئة، فإنه مقيد بالحكمة، لأن مشيئة الله ليست مجردة يفعل ما يشاء لمجرد أنه يفعله فقط، لأن من
_________
١ سورة الأنفال آية: ٢٥.
٢ من حديث المغيرة بن شعبة رواه البخاري (كتاب الأذان, باب الذكر بعد الصلاة, ١/ ٢٧٠) , ومسلم (كتاب المساجد, باب استحباب الذكر بعد الصلاة, ١/٤١٤) .стр. 260
وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ١.
الحواشي
(١) صفات الله الحكمة، ومن أسمائه الحكيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ٢.
قوله: (من عباده) : العبودية هنا عامة، لأن قوله: (بخير) يشمل خير الدنيا والآخرة، وخير الدنيا يصيب الكفار.
قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ، أي: ذو المغفرة، والمغفر: ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر، وهو ما يتقى به السهام، والمغفر فيه ستر ووقاية. والرحيم، أي: ذو الرحمة، وهي صفة تليق بالله عزوجل تقتضي الإحسان والإنعام.
الشاهد قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ٣ في الآية الأولى، فقد نبه الله نبيه أن من يدعو أحدا من دون الله (أي: من سواه) لا ينفعه ولا يضره، وقوله في الآية الثانية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ﴾ ٤ الآية.
الآية الثالثة: قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ لو أتى المؤلف بأول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ ٥ لكان أولى، فهم يعبدون هذه الأوثان من شجر وحجر وغيرها، وهي لا تملك لهم رزقا أبدا، لو دعوها إلى يوم القيامة ما أحضرت لهم ولا حبة بر، ولا دفعت عنهم أدنى مرض أو فقر، فإذا كانت لا تملك الرزق، فالذي يملكه هو الله، ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ٦ أي: اطلبوا عند الله
_________
١ سورة العنكبوت آية: ١٧.
٢ سورة الإنسان آية: ٣٠.
٣ سورة يونس آية: ١٠٦.
٤ سورة الأنعام آية: ١٧.
٥ سورة العنكبوت آية: ١٧.
٦ سورة العنكبوت آية: ١٧.стр. 261
.......................................................................
الحواشي
(١) الرزق، لأنه سبحانه هو الذي لا ينقضي ما عنده،: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ١ والرزق هو العطاء كما قال تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ .
وقوله: " عند الله ": عند الله: حال من الرزق، وقدم الحال مع أن موضعها التأخير عن صاحبها لإفادة الحصر، إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: فابتغوا الرزق حال كونه عند الله لا عند غيره.
قوله: " واعبدوه ": أي: تذللوا له بالطاعة، لأن العبادة مأخوذة من التعبيد، وهو التذليل، ومنه قولهم: طريق معبد، أي: مذلل للسالكين، قد أزيل عنه الأحجار والأشجار المؤذية، لأنكم إذا تذللتم له بالطاعة، فهو من أسباب الرزق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٢ فأمر أن نطلب الرزق عنده، ثم أعقبه بقوله: (واعبدوه) إشارة إلى أن تحقيق العبادة من طلب الرزق، لأن العابد ما دام يؤمن أن من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، فعبادته تتضمن طلب الرزق بلسان الحال.
قوله: (واشكروا له) : إذا أضاف الله الشكر له متعديا باللام، فهو إشارة إلى الإخلاص، أي: واشكروا نعمة الله لله، فاللام هنا لإفادة الإخلاص، لأن الشاكر قد يشكر الله لبقاء النعمة، وهذا لا بأس به، ولكن كونه يشكر لله وتأتي إرادة بقاء النعمة تبعا، هذا هو الأكمل والأفضل. والشكر فسروه بأنه: القيام بطاعة المنعم، وقالوا: إنه يكون في ثلاثة مواضع:
١. في القلب، وهو أن يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله، فيرى لله فضلا عليه بها، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٣.
_________
١ سورة النحل آية: ٩٦.
٢ سورة آية: ٢-٣.
٣ سورة النحل آية: ٥٣.стр. 262
.......................................................................
стр. 263
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) وتقديمه دل على الحصر، أي أن رجوعنا إلى الله- سبحانه-، وهو الذي سيحاسبنا على ما حملنا إياه من الأمر بالعبادة، والأمر بالشكر، وطلب الرزق منه.
والشاهد من هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ٢ فالفقير يستغيث بالله لكي ينجيه من الفقر، والله هو الذي يستحق الشكر، وإذا كانت هذه الأصنام لا تملك الرزق، فكيف تستغيث بها؟!
الآية الرابعة: قوله تعالى: " ومن أضل": (من) : اسم استفهام مبتدأ، و (أضل) : خبره، والاستفهام يراد به هنا النفي، أي لا أحد أضل.
و (أضل) : اسم تفضيل، أي: لا أحد أضل من هذا. والضلال: أن يتيه الإنسان عن الطريق الصحيح. وإذا كان الاستفهام مرادا به النفي كان أبلغ من النفي المجرد، لأنه يحوله من نفي إلى تحد، أي: بين لي عن أحد أضل ممن يدعو من دون الله؟ فهو متضمن للتحدي، وهو أبلغ من قوله: "لا أضل ممن يدعو"؟ لأن هذا نفي مجرد، وذاك نفي مشرب معنى التحدي.
قوله: (ممن يدعوا) : متعلق بأضل، ويراد بالدعاء هنا دعاء المسألة ودعاء العبادة، قوله: (من دون الله) : أي سواه.
قوله: ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ (من) : مفعول يدعو،
_________
١ سورة الأحقاف آية: ٥.
٢ سورة العنكبوت آية: ١٧.
٣ سورة الأحقاف آية: ٥.стр. 264
...................................................................
الحواشي
(١) أي: لو بقي كل عمر الدنيا يدعو ما استجاب له، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ١ والخبر هنا عن الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ يعني: نفسه .
وقوله: " من لا يستجيب " أتى ب (من) ، وهي للعاقل، مع أنهم يعبدون الأصنام والأحجار والأشجار، وهي غير عاقلة، لأنهم لما عبدوها نزلوها منزلة العاقل، فخوطبوا بمقتضى ما يدعون، لأنه أبلغ في إقامة الحجة عليهم في أنهم يدعون من يرونهم عقلاء، ومع ذلك لا يستجيبون لهم، وهذا من بلاغة القرآن، لأنه خاطبهم بما تقتضيه حالهم ليقيم الحجة عليهم، إذ لو قيل: ما لا يستجيب له، لقالوا: هناك عذر في عدم الاستجابة لأنهم غير عقلاء.
قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ ٢ الضمير في قوله: (هم) يعود على (من) باعتبار المعنى، لأنهم جماعة، وضمير يستجيب يعود على (من) باعتبار اللفظ، لأنه مفرد، فأفرد الضمير باعتبار لفظ (من) ، وجمعه باعتبار المعنى، لأن (من) تعود على الأصنام، وهي جماعة، و (من) قد يراعى لفظها ومعناها في كلام واحد.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ ٣ فهنا راعى اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ.
قوله: (عن دعائهم) : الضمير في دعائهم يعود إلى المدعوين، وهل المعنى: (وهم) ، أي: الأصنام، (عن دعائهم) أي: دعاء الداعين إياهم، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، أو المعنى: و (هم)
_________
١ سورة فاطر آية: ١٤.
٢ سورة الأحقاف آية: ٥.
٣ سورة الطلاق آية: ١١.стр. 265
.......................................................................
الحواشي
(١) عن دعاء العابدين لهم، فيكون "دعاء" مضافا إلى فاعله، والمفعول محذوف الأول أبلغ، أي عن دعاء العابدين إياهم أبلغ من دعاء العابدين على سبيل الإطلاق، فإذا قلت: (عن دعائهم) أي: عن دعاء العابدين إياهم، وجعلت الضمير هنا يعود على المدعوين، صار المعنى أن هذه الأصنام غافلة عن دعوة هؤلاء إياهم، ويكون هذا أبلغ في أن هذه الأصنام لا تفيدهم شيئا في الدنيا ولا في الآخرة.
قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ ١ أي: يوم القيامة. ﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ ٢ هل المعنى: كان العابدون للمعبودين أعداء، أو كان المعبودون للعابدين أعداء؟
الجواب: يشمل المعنيين، وهذا من بلاغة القرآن.
الشاهد: قوله: ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ فإذا كان من سوى الله لا يستجيب إلى يوم القيامة، فكيف يليق بك أن تستغيث به دون الله؟! فبطل تعلق هؤلاء العابدين بمعبوداتهم. فالذي يأتي للبدوي أو للدسوقي في مصر، فيقول: المدد المدد! أو: أغثني، لا يغني عنه شيئا، ولكن قد يبتلى فيأتيه المدد عند حصول هذا الشيء لا بهذا الشيء، وفرق بين ما يأتي بالشيء وما يأتي عند الشيء.
مثال ذلك: امرأة دعت البدوي أن تحمل، فلما جامعها زوجها حملت وكانت سابقا لا تحمل، فنقول هنا: إن الحمل لم يحصل بدعاء البدوي، وإنما حصل عنده لقوله تعالى: ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤.
_________
١ سورة الأحقاف آية: ٦.
٢ سورة الأحقاف آية: ٦.
٣ سورة الأحقاف آية: ٥.
٤ سورة الأحقاف آية: ٥.стр. 266
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ١.
الحواشي
(١) أو يأتي للجيلاني في العراق، أو ابن عربي في سوريا، فيستغيث به، فإنه لا ينتفع، ولو بقي الواحد منهم إلى يوم القيامة يدعو ما أجابه أحد.
والعجب أنهم في العراق يقولون: عندنا الحسين، فيطوفون بقبره ويسألونه، وفي مصر كذلك، وفي سوريا كذلك، وهذا سفه في العقول، وضلال في الدين، والعامة قد لا يلامون في الواقع، لكن الذي يلام من عنده علم من العلماء ومن غير العلماء.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (أمن) : أم: منقطعة، والفرق بين المنقطعة والمتصلة ما يلي:
١- المنقطعة بمعنى بل، والمتصلة بمعنى أو.
٢- المتصلة لابد فيها من ذكر المعادل، والمنقطعة لا يشترط فيها ذكر المعادل.
مثال ذلك: أعندك زيد أم عمرو؟ فهذه متصلة، وقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢ متصلة، وقوله تعالى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٣ منقطعة ; لأنه لم يذكر لها معادل فهي بمعنى بل والهمزة.
قوله: (المضطر) : أصلها: المضتر، أي: الذي أصابه الضرر، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
_________
١ سورة النمل آية: ٦٢.
٢ سورة الطور آية: ٣٥.
٣ سورة النمل آية: ٦٢.стр. 267
.......................................................................
الحواشي
(١) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾
١. فلا يجيب المضطر إلا الله، لكن قيده بقوله: (إذا دعاه) ، أما إذا لم يدعه، فقد يكشف الله ضره، وقد لا يكشفه.
قوله: (ويكشف السوء) : أي: يزيل السوء، والسوء: ما يسوء المرء، وهو دون الضرورة، لأن الإنسان قد يساء بما لا يضره، لكن كل ضرورة سوء.
وقوله: " ويكشف السوء " هل هي متعلقة بما قبلها في المعنى، وأنه إذا أجابه كشف سوءه، أو هي مستقلة يجيب المضطر إذا دعاه ثم أمر آخر يكشف السوء؟ الجواب: المعنى الأخير أعم، لأنها تشمل كشف سوء المضطر وغيره، ومن دعا الله ومن لم يدعه، وعلى التقدير الأولى تكون خاصة بكشف سوء المضطر، ومعلوم أنه كلما كان المعنى أعم كان أولى، ويؤيد العموم قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ ٢.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ الذين يجعلهم الله خلفاء الأرض هم عباد الله الصالحون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ٤.
قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الاستفهام للإنكار، أو بمعنى النفي، وهما متقاربان، أي: هل أحد مع الله يفعل ذلك؟!
_________
١ سورة آية: ٨٣-٨٤.
٢ سورة النمل آية: ٦٢.
٣ سورة الأنبياء آية: ١٠٥.
٤ سورة النور آية: ٥٥.стр. 268
روى الطبراني بإسناده١:..........................................
الحواشي
(١) الجواب: لا، وإذا كان كذلك، فيجب أن تصرف العبادة لله وحده، وكذلك الدعاء، فالواجب على العبد أن يوجه السؤال إلى الله تعالى، ولا يطلب من أحد أن يزيل ضرورته ويكشف سوءه وهو لا يستطيع.
إشكال وجوابه:
وهو أن الإنسان المضطر يسأل غير الله ويستجاب له، كمن اضطر إلى طعام وطلب من صاحب الطعام أن يعطيه فأعطاه، فهل يجوز أم لا؟
الجواب: إن هذا جائز، لكن يجب أن نعتقد أن هذا مجرد سبب لا أنه مستقل، فالله جعل لكل شيء سببا، فيمكن أن يصرف الله قلبه فلا يعطيك، ويمكن أن تأكل ولا تشبع فلا تزول ضرورتك، ويمكن أن يسخره الله ويعطيك.
قوله: "بإسناده": يشير إلى أن هذا الإسناد ليس على شرط الصحيح، أو المتفق عليه بين الناس، بل هو إسناده الخاص، وعليه، فيجب أن يراجع هذا الإسناد، فليس كل إسناد محدث قد تمت فيه شروط القبول.
وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد": "أن رجاله رجال الصحيح،" غير
_________
١ رواه: الطبراني; كما في "مجمع الزوائد" (١٠/١٥٩) عن عبادة بن الصامت. وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح; غير ابن لهيعة, وهو حسن الحديث". ورواه: أحمد في "المسند" (٥/٣١٧) , وابن سعد في "الطبقات" (١/٣٨٧) ; عن عبادة بلفظ: "إنه لا يقام لي بل يقام لله ﵎". وفيه ابن لهيعة, ورجل لم يسم. انظر: "المجمع" (٨/٤٠) .стр. 269
" أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق.
فقال النبي ﷺ إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".
الحواشي
(١) ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وابن لهيعة خلط في آخر عمره لاحتراق كتبه ولم يذكر المؤلف الصحابي، وفي الشرح هو عبادة بن الصامت (.
قوله: "في زمن النبي": أي: عهده، وكان الكافر أولا يعلن كفره ولا يبالي، ولما قوي المسلمون بعد غزوة بدر خاف الكفار، فصاروا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
قوله: "منافق": المنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهؤلاء ظهروا بعد غزوة بدر. ولم يسم المنافق في هذا الحديث، فيحتمل أنه عبد الله بن أبي، لأنه مشهور بإيذاء المسلمين، ويحتمل غيره.
واعلم أن أذية المنافقين للمسلمين ليست بالضرب أو القتل، لأنهم يتظاهرون بمحبة المسلمين، ولكن بالقول والتعريض كما صنعوا في قصة الإفك. قوله: "فقال بعضهم": أي: الصحابة. قوله: "نستغيث": أي: نطلب الغوث وهو إزالة الشدة.
قوله: "من هذا المنافق": إما بزجره، أو تعزيره، أو بما يناسب المقام. وفي الحديث إيجاز حذف دل عليه السياق، أي: فقاموا إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله! إنا نستغيث بك من هذا المنافق. قوله: (إنه لا يستغاث بي) ظاهر هذه الجملة النفي مطلقا، ويحتمل أن المراد: لا يستغاث به في هذه القضية المعينة. فعلى الأول: يكون نفي الاستغاثة من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس منстр. 270
فيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ١.
الحواشي
(١) باب الحكم بالعموم، لأن نفي الاستغاثة بالرسول ﷺ ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه.
أما إذا قلنا: إن النفي عائد إلى القضية المعينة التي استغاثوا بالنبي ﷺ منها، فإنه يكون على الحقيقة، أي: على النفي الحقيقي، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه القضية، لأن النبي ﷺ كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، ولا يمكنه حسب الحكم الظاهر للمنافقين أن ينتقم من هذا المنافق انتقاما ظاهرا، إذ إن المنافقين يستترون، وعلى هذا، فلا يستغاث للتخلص من المنافق إلا بالله.
فيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص: يعني: حيث قال في الترجمة باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، ووجه ذلك أن الاستغاثة طلب إزالة الشدة والدعاء طلب ذلك وغيره، إذا الاستغاثة نوع من الدعاء، والدعاء أعم، فهو من باب عطف العام على الخاص، وهذا سائغ في اللغة العربية، فهو كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ ٢.
الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا
_________
١ سورة يونس آية: ١٠٦.
٢ سورة الحج آية: ٧٧.стр. 271
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
الرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاء لغيره، صار من الظالمين.
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
الحواشي
(١) َضُرُّكَ﴾ ١:الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ خاصة، بدليل الآيات التي قبلها، قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ فإن قيل: كيف ينهاه الله عن أمر لا يمكن أن يقع منه شرعا؟ أجيب: إن الغرض هو التنديد بمن فعل ذلك، كأنه يقول: لا تسلك هذا الطريق التي سلكها أهل الضلال، وإن كان الرسول لا يمكن أن يقع منه ذلك شرعا.
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر: يؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣ مضافا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٤.
الرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاء لغيره، صار من الظالمين: تؤخذ من كون الخطاب للرسول ﷺ وهو أصلح الناس، فلو فعله ذلك إرضاء لغيره، صار من الظالمين، حتى ولو فعله مجاملة لإنسان مشرك، فدعا صاحب قبر إرضاء لذلك المشرك، فإنه يكون مشركا، إذ لا تجوز المحاباة في دين الله.
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها: وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ ٥ الآية، فإذا
_________
١ سورة يونس آية: ١٠٦.
٢ سورة يونس آية: ١٠٥.
٣ سورة يونس آية: ١٠٦.
٤ سورة لقمان آية: ١٣.
٥ سورة الأنعام آية: ١٧.стр. 272
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا.
السابعة: تفسير الآية الثالثة:
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة:
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
الحواشي
(١) كان لا يكشف الضر إلا الله، وجب أن تكون العبادة له وحده والاستغاثة به وحده.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ ١ فلم ينتفع من دعائه هذا، فخسر الدنيا بذلك، والآخرة بكفره.
السابعة: تفسير الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ٢ وقوله: " عند الله " حال من الرزق، وعليه يكون ابتغاء الرزق عند الله وحده.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣ لأن العبادة سبب لدخول الجنة، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: " إليه ترجعون ".
التاسعة: تفسير الآية الرابعة: وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤.
العاشرة: أن لا أضل ممن دعا غير الله: تؤخذ من قوله تعالى:
_________
١ سورة الأنعام آية: ١٧.
٢ سورة العنكبوت آية: ١٧.
٣ سورة العنكبوت آية: ١٧.
٤ سورة الأحقاف آية: ٥.стр. 273
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له.
الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
الحواشي
(١) ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي.
الحادية عشرة. أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه: لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (وهم) أي: المدعوون، (عن دعائهم) أي: دعاء الداعين، أو عن دعاء الداعين إياهم، فالاحتمال في الضمير الثاني وهو قوله: " عن دعائهم " أما الضمير الأول، فإنه يعود إلى المدعوين لا ريب، وقد سبق بيانه بالتفصيل.
الثانية عشرة. أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢.
الثالثة عشرة. تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾
الرابعة عشرة. كفر المدعو بتلك العبادة: معنى كفر المدعو: رده وإنكاره، فإذا كان يوم القيامة تبرأ منه وأنكره تؤخذ من قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ .
_________
١ سورة الأحقاف آية: ٥.
٢ سورة الأحقاف آية: ٦.стр. 274
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار. عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
الحواشي
(١) الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس: وذلك لأمور هي:
١. أنه يدعو من دون الله من لا يستجيب له.
٢. أن المدعوين غافلون عن دعائهم.
٣. أنه إذا حشر الناس كانوا له أعداء.
٤. أنه كافر بعبادتهم.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة: وهي قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ١ وقد سبق ذلك.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله ... إلخ: وهو كما قال ﵀: وهذا موجود الآن، فمن الناس من يسجد للأصنام التي صنعوها بأنفسهم تعظيما، فإذا وقعوا في الشدة دعوا الله مخلصين له الدين، وكان عليهم أن يلجؤوا للأصنام لو كانت عبادتها حقا، إلا أن من المشركين اليوم من هو أشد شركا من المشركين السابقين، فإذا وقعوا في الشدة دعوا أولياءهم، كعلي والحسين، وإذا كان الأمر سهلا دعوا الله، وإذا حلفوا حلفا هم فيه صادقون حلفوا بعلي أو غيره من أوليائهم، وإذا حلفوا حلفا هم فيه كاذبون حلفوا بالله ولم يبالوا.
_________
١ سورة النمل آية: ٦٢.стр. 275
الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد والتأدب مع الله.
الحواشي
(١) الثامنة عشرة: حماية المصطفى حمى التوحيد، والتأدب مع الله اختار المؤلف أن قوله: " لا يستغاث بي " من باب التأدب بالألفاظ، والبعد عن التعلق بغير الله، وأن يكون تعلق الإنسان دائما بالله وحده، فهو يعلم الأمة أن تلجأ إلى الله وحده إذا وقعت في الشدائد، ولا تستغيث إلا به وحده.стр. 276
باب قول الله تعالي: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ الآية.
الحواشي
(١) مناسبة الباب لما قبله.
لما ذكر ﵀ الاستعاذة والاستغاثة بغير الله- ، ذكر البراهين الدالة على بطلان عبادة ما سوى الله، ولهذا جعل الترجمة لهذا الباب نفس الدليل، وذكر ﵀ ثلاث آيات:
الآية الأولى والثانية: قوله: (أيشركون) : الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي: يشركونه مع الله.
قوله: " ما لا يخلق ": هنا عبر ب (ما) ، دون "من"، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ ١ عبر ب (من) .
والمناسبة ظاهرة، لأن الداعين هناك نزلوهم منزلة العاقل، أما هنا، فالمدعو جماد، لأن الذي لا يخلق شيئا ولا يصنعه جماد لا يفيد. قوله: (شيئا) : نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم.
قوله: (وهم يخلقون) : وصف هذه الأصنام بالعجز والنقص. والرب
_________
١ سورة الأحقاف آية: ٥.стр. 277
............................................................
الحواشي
(١) المعبود لا يمكن أن يكون مخلوقا، بل هو الخالق، فلا يجوز عليه الحدوث ولا الفناء. والمخلوق: حادث، والحادث يجوز عليه العدم، لأن ما جاز انعدامه أولا، جاز عقلا انعدامه آخرا.
فكيف يعبد هؤلاء من دون الله، إذ المخلوق هو بنفسه مفتقر إلى خالقه وهو حادث بعد أن لم يكن، فهو ناقص في إيجاده وبقائه؟!
إشكال وجوابه:
قوله: " ما لا يخلق " الضمير بالإفراد، وقوله: " وهم يخلقون " الضمير بالجمع، فما الجواب؟ أجيب: بأن قوله: " ما لا يخلق " عاد الضمير على (ما) باعتبار اللفظ، لأن (ما) اسم موصول، لفظها مفرد، لكن معناها الجمع، فهي صالحة بلفظها للمفرد، وبمعناها للجمع، كقوله: " من لا يستجيب له ".
وقوله: " وهم يخلقون " عاد الضمير على (ما) باعتبار المعنى، كقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١ قوله: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ ٢ أي: لا يقدرون على نصرهم لو هاجمهم عدو، لأن هؤلاء المعبودين قاصرون.
والنصر: الدفع عن المخذول بحيث ينتصر على عدوه. قوله: ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٣ بنصب أنفسهم على الله مفعول مقدم، وليس من باب الاشتغال، لأن العامل لم يشتغل بضمير السابق.
أي: زيادة على ذلك هم عاجزون عن الانتصار لأنفسهم، فكيف ينصرون غيرهم؟! فبين الله عجز هذه الأصنام، وأنها لا تصلح أن تكون معبودة من أربعة وجوه، هي:
_________
١ سورة الأحقاف آية: ٥.
٢ سورة الأعراف آية: ١٩٢.
٣ سورة الأعراف آية: ١٩٢.стр. 278
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) ١. أنها لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحق أن يعبد.
٢. أنهم مخلوقون من العدم، فهم مفتقرون إلى غيرهم ابتداء ودواما.
٣. أنهم لا يستطيعون نصر الداعين لهم، وقوله: " ولا يستطيعون " أبلغ من قوله: " لا ينصرونهم " لأنه لو قال: " لا ينصرونهم " فقد يقول قائل: لكنهم يستطيعون، لكن لما قال: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ ٢ كان أبلغ لظهور عجزهم.
٤. أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم.
الآية الثالثة: قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣ يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، و " من دونه " أي: سوى الله.
قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٤ (ما) : نافية، (من) : حرف جر زائد لفظا، وقيل: لا ينبغي أن يقال: حرف جر زائد في القرآن، بل يقال: من: حرف صلة، وهذا فيه نظر، لأن الحروف الزائدة لها معنى، وهو التوكيد، وإنما يقال: زائد من حيث الإعراب، وجملة " ما يملكون " خبر المبتدأ الذي هو (الذين) .
وقوله: (من قطمير) : القطمير: سلب نواة التمرة.
وفي النواة ثلاثة أشياء ذكرها الله في القرآن لبيان حقارة الشيء:
القطمير: وهو اللفافة الرقيقة التي على النواة.
_________
١ سورة فاطر آية: ١٣.
٢ سورة الأعراف آية: ١٩٢.
٣ سورة الأعراف آية: ١٩٧.
٤ سورة فاطر آية: ١٣.стр. 279
.......................................................................
الحواشي
(١) الفتيل: وهو سلك يكون في الشق الذي في النواة.
النقير: وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة.
فهؤلاء لا يملكون من قطمير، فإن قيل: أليس الإنسان يملك النخل كله كاملا؟ أجيب: إنه يملكه، ولكنه ملك ناقص ليس حقيقيا; فلا يتصرف فيه إلا على حسب ما جاء به الشرع، فلا يملك مثلا إحراقه للنهي عن إضاعة المال. قوله: " إن تدعوهم ": جملة شرطية، تدعو: فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، وأصلها: تدعونهم. قوله: ﴿لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ ١ جواب الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
قوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ٢ أي: إن هذه الأصنام لو دعوتموها ما سمعت، ولو فرض أنها سمعت ما استجابت، لأنها لا تقدر على ذلك، ولهذا قال إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ٣ فإذا كانت كذلك، فأي شيء يدعو إلى أن تدعى من دون الله؟! بل هذا سفه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٤.
قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ٥ وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٦ فهؤلاء المعبودون إن كانوا يبعثون ويحشرون، فكفرهم بشركهم ظاهر كمن يعبد عزيرا والمسيح. وإن كانوا أحجارا وأشجارا ونحوها، فيحتمل أن يشملها
_________
١ سورة فاطر آية: ١٤.
٢ سورة فاطر آية: ١٤.
٣ سورة مريم آية: ٤٢.
٤ سورة البقرة آية: ١٣٠.
٥ سورة فاطر آية: ١٤.
٦ سورة الأحقاف آية: ٦.стр. 280
.......................................................................
الحواشي
(١) ظاهر الآية، وهو أن الله يأتي بهذه الأحجار ونحوها، فتكفر بشرك من يشرك بها، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ١ وما ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ " أنه عند بعث الناس يقال لكل أمة: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد من دون الله "٢ فالحجر يكون أمامهم يوم القيامة، ويكون له كلام ينطق به، ويكفر بشركهم، فإذا كانت المعبودات تحضر وتحصب في النار إهانة لعابديها وتحضر لتتبع إلى النار، فلا غرو أن تكفر بعابديها إذا أحضرت. قوله: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٣ هذا مثال يضرب لمن أخبر بخبر ورأى شكا عند من خاطبه به، فيقول: ولا ينبئك مثل خبير.
ومعناه: إنه لا يخبرك بالخبر مثل خبير به، وهو الله، لأنه لا يعلم أحد ما يكون في يوم القيامة إلا الله، وخبره خبر صدق، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ ٤ والخبير: العالم ببواطن الأمور.
مسألة:
هل يسمع الأموات السلام ويردونه على من سلم عليهم؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الأموات لا يسمعون السلام، وأن قول النبي ﷺ حين زيارة القبور: " والسلام عليكم " دعاء لا يقصد به المخاطبة، ثم على فرض أنهم يسمعون كما جاء في الحديث الذي صححه ابن عبد البر وأقره
_________
١ سورة الأنبياء آية: ٩٨.
٢ من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (كتاب الأذان, باب فضل السجود, ١/٢٦٠) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب معرفة طربق الرؤية, ١/١٦٧) .
٣ سورة فاطر آية: ١٤.
٤ سورة النساء آية: ١٢٢.стр. 281
.......................................................................
الحواشي
(١) ابن القيم: بأن الإنسان إذا سلم على شخص يعرفه في الدنيا رد الله عليه روحه فرد السلام١ وعلى تقدير صحة هذا الحديث إذا كانوا يسمعون السلام ويردونه، فلا يلزم أن يسمعوا كل شيء، ثم لو فرض أنهم يسمعون غير السلام، فإن الله صرح بأن المدعوين من دون الله لا يسمعون دعاء من يدعوهم، فلا يمكن أن نقول: إنهم يسمعون دعاء من يدعوهم، لأن هذا كفر بالقرآن، فتبين بهذا أنه لا تعارض بين قوله ﷺ " السلام عليكم دار قوم مؤمنين "٢ وبين هذه الآية.
وأما قول: " ولو سمعوا " فمعناه: لو سمعوا فرضا ما استجابوا لكم، لأنهم لا يستطيعون.
القول الثاني: أن الأموات يسمعون. واستدلوا على ذلك بالخطاب الواقع في سلام الزائر لهم بالمقبرة. وبما ثبت في "الصحيح" من أن المشيعين إذا انصرفوا سمع المشيع قرع نعالهم٣.
والجواب عن هذين الدليلين: أما الأول، فإنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي ﷺ في حياته في التشهد٤ وهو لا يسمعهم قطعا.
_________
١ "الاستذكار" لابن عبد البر (الجزء الأول, باب جامع الوضوء) .
٢ من حديث عائثة, رواه: مسلم (كتاب الجنائز, باب ما يقال عند دخول القبور, ٢/ ٦٦٩) .
٣ من حديث أنس, رواه: البخاري (كتاب الجنائز, باب الميت يسمع خفق النعال, ١/ ٤١٠) .
٤ من حديث ابن مسعود, رواه: البخاري (كتاب الاستئذان, باب السلام اسم من أسماء الله تعالى, ٤/١٣٦) , ومسلم (كتاب الصلاة, باب التشهد في الصلاة, ١/٣٠١) .стр. 282
وفي الصحيح عن أنس، قال: " شج النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته.
الحواشي
(١) أما الثاني، فهو وارد في وقت خاص، وهو انصراف، المشيعين بعد الدفن. وعلى كل، فالقولان متكافئان، والله أعلم بالحال.
قوله: "وفي الصحيح": سبق الكلام على مثل هذا التعبير في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: "أحد": جبل معروف شمالي المدينة، ولا يقال: المنورة، لأن كل بلد دخله الإسلام فهو منور بالإسلام، ولأن ذلك لم يكن معروفا عند السلف، وكذلك جاء اسمها في القرآن بالمدينة فقط، لكن لو قيل: المدينة النبوية لحاجة تمييزها; فلا بأس، وهذا الجبل حصلت فيه وقعة في السنة الثالثة من الهجرة في شوال هزم فيها المسلمون بسبب ما حصل منهم من مخالفة أمر النبي ﷺ كما أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ ١ وجواب الشرط محذوف تقديره: حصل لكم ما تكرهون.
وقد حصلت هزيمة المسلمين لمعصية واحدة، ونحن الآن نريد الانتصار والمعاصي كثيرة عندنا، ولهذا لا يمكن أن نفرح بنصر ما دمنا على هذه الحال، إلا أن يرفق الله بنا ويصلحنا جميعا.
قوله: "شج": الشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة.
قوله: " وكسرت رباعيته ": السنان المتوسطان يسميان ثنايا، وما يليهما يسميان رباعيتين.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٢.стр. 283
فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ١ "٢.
الحواشي
(١٧٩١) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٠٢) , وابن ماجه: الفتن(٤٠٢٧) , وأحمد (٣/٢٥٣) .
٤ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
٥ مسلم: الجهاد والسير(١٧٩١) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٠٢) , وابن ماجه: الفتن(٤٠٢٧) , وأحمد (٣/٢٥٣) .
٦ سورة آل عمران آية: ١٢٨.стр. 284
وفيه عن ابن عمر ﵄: " أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر:......................
الحواشي
(١٧٩١) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٠٢) , وابن ماجه: الفتن(٤٠٢٧) , وأحمد (٣/٢٥٣) .
٣ البخاري: المغازي(٤٠٧٠) , وأحمد (٢/١٤٧) .стр. 285
اللهم العن فلانا وفلانا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " ١.
وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " ٢.
الحواشي
(١) قوله: "يقول: اللهم العن فلانا وفلانا ": اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، أي: أبعدهم عن رحمتك، واطردهم منها.
و"فلانا وفلانا": بينه في الرواية الثانية أنهم: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام.
قوله: "بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد": أي: يقول ذلك إذا رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
قوله: "فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ هنا قال: "فأنزل"، وفي الحديث السابق قال: "فنزلت"، وكلها بالفاء، وعلى هذا يكون سبب نزول الآية دعوة النبي ﷺ على هؤلاء، وقوله: " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " ولا مانع أن يكون لنزول الآية سببان.
وقد أسلم هؤلاء الثلاثة وحسن إسلامهم ﵃، فتأمل الآن أن العداوة قد تنقلب ولاية; لأن القلوب بيد الله- ، ولو أن الأمر كان على ظن النبي ﷺ لبقي هؤلاء على الكفر حتى
_________
١ رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب ليس لك من الأمر شيء, ٣/١٠٨) .
٢ رواها: البخاري (كتاب المغازي, باب ليس لك من الأمر شيء, ٣/١٠٨) - وهي مرسلة عن سالم بن عبد الله, وقد وصلها أحمد; كما في "المسند" (٢/٩٣) -, والترمذي (رقم ٣٠٠٤) , وابن جرير في "تفسيره" (٤/٥٨) ; من طريق عمر بن حمزة, عن سالم, عن ابن عمر. وعمر ضعيف; كما في "التقريب" (٢/٥٣) .следующие страницы →